← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 337

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

عبد الرحمن [بن مهدي] يقول: كان بين أبي حنيفة وبين الحق حجاب». قال الأستاذ (ص ٣٢): «تكلم فيه الأقدمون إلى أن اتهموه بالكذب وسرقة الحديث، ثم استقر عمل المتأخرين على الانتقاء من رواياته». أقول: هذا ثقة جليل، وثَّقه أبو حاتم مع تشدُّده، والنسائي، والذهلي ومَسْلمة، وابن خزيمة وكان يسمِّيه: «إمام زمانه»، وآخرون. واحتج به الشيخان في «الصحيحين» وبقية الستة. وفي «التهذيب» (١) عن «الزُّهرة»: روى عنه البخاري مائتي حديث وخمسة أحاديث، ومسلم أربعمائة وستين». ولم يتهمه أحد بالكذب بالمعنى المتبادر ولا بسرقة الحديث. وفي ترجمة محمد بن المثنى أبي موسى الزَّمِن من «التهذيب» (٢) وغيره عن السُّلَمي عن الدارقطني: أن عَمرو بن علي الصيرفي سئل عنه وعن بندار هذا فقال: «ثقتان يُقبل منهم كلُّ شيء إلا ما تكلَّم به أحدُهما في الآخر»، يعني لأنه كانت بينهما منافسة. والدارقطنيُّ لم يدرك عَمرو بن علي ولكن الاستشهاد بمثل هذا مقبول. وقال عبد الله بن محمد بن سيَّار: سمعت عَمرو بن علي يحلف أن بندارًا يكذب فيما يروي عن يحيى. قال ابن سيار: «وبندار وأبو موسى ثقتان، وأبو موسى أصح» (٣) وإنما أراد عَمرو بن علي بالكذب الوهم والخطأ، بدليل أنه قد جاء عنه توثيقُ بندار [١/ ٤٣١] كما مرّ، وأن الراوي عنه

стр. 772

ــ وهو ابن سيار ــ وثَّق بندارًا، وإنما رجَّح أبا موسى عليه. وقد كانت بين عَمرو بن عليّ وبُندار مخاشنة، ففي ترجمة عمرو من «التهذيب» (١): «حدَّث عمرو بن علي عن يحيى القطان، فبلغه أن بندارًا قال: ما نعرف هذا من حديث يحيى، فقال أبو حفص [عَمرو بن علي]: وبلغ بندارٌ إلى أن يقول: ما نعرف؟ ! » فإذا قضى عمرو بن علي على بندار وأبي موسى أن لا يُقبل كلامُ كلِّ منهما في الآخر، فقد قضى على نفسه، والحق أنه إنما أراد الوهم والخطأ. وقد قال الأستاذ (ص ١٦٣): «الإخبار بخلاف الواقع هو الكذب، والكذب بهذا المعنى يشمل الغالط والواهم ... فلا يُعتدّ بقول من يقول: فلان يكذب ما لم يفسِّر وجهَ كذبه ... ». وفي «التهذيب» (٢): «قال عبد الله بن علي ابن المديني: سمعت أبي وسألته عن حديث رواه بُندار، عن ابن مهدي، عن أبي بكر بن عيّاش، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: «تسحَّروا فإن في السحور بركة»؟ فقال: هذا كذب، وأنكره أشد الإنكار، وقال: حدثني أبو داود موقوفًا»، يعني ليس فيه: «عن النبي ﷺ ». وقد رواه النسائي (٣) عن بندار مرفوعًا، ثم قال: «وقفه عبيد الله بن سعيد» ثم رواه من طريقه موقوفًا. والمتن ثابت عن النبي ﷺ من حديث أنس وهو في «الصحيحين» (٤).

стр. 773

وقد روي من حديث أبي هريرة. والخطأ في مثل هذا يقع كثيرًا من الثقات، فإنما أراد ابن المديني أن رَفْعه من تلك الطريق غير واقع، لا أن بندارًا تعمّد الكذب، وهذا واضح، فبندار قد يقع له الخطأ في مظانه كالحديث المذكور. وأما سرقة الحديث، فإنما أخذها الأستاذ مما روي عن أبي موسى أنه سبق بندارًا إلى تصنيف حديث داود بن أبي هند، ثم قال: هنا قوم لو قدروا أن يسرقوا حديث داود لسرقوه، يعني بندارًا. وإنما كانت بين الرجلين منافسة فأراد أبو موسى أن بندارًا يحسده على السبق إلى تصنيف حديث داود، حتى لو أمكنه أن يسرق ذاك الكتاب لِيُفقده أبا موسى لفعل. وليس هذا من سرقة الحديث في شيء، ولم يقع من بندار لا هذا ولا ذاك، ولا هو ممن يقع منه ذلك، وإنما بالغ أبو موسى كما لا يخفى. ومع هذا لم يكن بين الرجلين بحمد الله ما يسمى عداوة. وقد توفي بندار قبل أبي موسى فجاء بعض الجهلة إلى أبي موسى فقال له: [١/ ٤٣٢] البشرى، مات بندار. يعني: وخلا لك الجوُّ. فقال له أبو موسى: «جئت تبشِّرني بموته؟ ! علي ثلاثون حَجَّةً إن حدَّثتُ أبدًا». فعاش بعد ذلك تسعين يومًا لم يحدِّث بحديث، ثم مات رحمهما الله تعالى. وإنما حلف أبو موسى أن لا يحدِّث ندامةً على ما سبق منه من المنافسة، وإظهارًا لأنها لم تبلغ به أن يُسَرَّ بموت صاحبه، فامتنع من التحديث الذي كانت المنافسة فيه. وأما استقرار العمل على الانتقاء من رواياته، فهذا يقال على وجهين: الأول: أن يُتَّقى ما تبيَّن أنه أخطأ فيه ويؤخذ غيره. الثاني: أن لا يؤخذ من رواياته إلا ما توبع عليه.

стр. 774

فإن أراد الأستاذ هنا الأول فليس فيه ما ينفعه، وإن أراد الثاني فهو مردود عليه. ومع ذلك فقد توبع بندار في المقصود من هذه الحكاية، كما ذكر الأستاذ نفسه في غير موضع، وليست من مظان الخطأ والوهم. والله أعلم. (١) ١٩٦ - محمد بن جابر اليمامي: ذكر الأستاذ (ص ١١٥) قول ابن أبي حاتم: «أخبرنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ــ فيما كتب إليَّ ــ حدثني إسحاق بن راهويه قال: سمعت جريرًا يقول: قال محمد بن جابر اليمامي: سرق أبو حنيفة كتب حماد مني». قال الأستاذ (ص ١١٦): «الأعمى، قد قال فيه أحمد: لا يحدِّث عنه إلا من هو شرٌّ منه. وقد ضعَّفه ابن معين». أقول: أما كلمة «لا يحدِّث عنه إلا من هو شرٌّ منه»، ففي «التهذيب» (٢): «قال ابن حبان: كان أعمى ... قال أحمد بن حنبل: لا يحدِّث عنه إلا من هو شرٌّ منه». فناسِبُ الكلمة إلى أحمد هو ابن حبان (٣)، وبين ابن حبان وأحمد

стр. 775

مَفازة، ولا يُدرَى ممن سمع تلك الكلمة، ولو صحت عن أحمد لكانت الكلمة أقرب إلى الإطراء البالغ منها إلى الذم. فقد روى عن محمد بن جابر من يعتقد أحمد وغيره أنهم أفاضل عصرهم وخيار أهل زمانهم، مثل أيوب ابن أبي تميمة السختياني، وعبد الله بن عون، وسفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك، وآخرين، فلا معنى لأن يقال: إن هؤلاء شرٌّ منه إلا إطراؤه بأنه خير منهم. وعلى كل حال فالحكاية منقطعة منكرة. فأما تضعيف ابن معين وغيره له، فلأمور: [١/ ٤٣٣] الأول: أنه كان سيئ الحفظ يتعاطى الرواية من حفظه فيغلط. الثاني: أنه اختلط عليه حديثه، قاله ابن معين. وكأنه كان في كتبه أحاديث سمعها من رجل، وأحاديث سمعها من آخر، فاختلط عليه بعض كتبه، فدخلت أحاديث من حديث بعض شيوخه في حديث شيخ آخر. الثالث: أن كتابه ذهب بأخرة، فتأكد احتياجه إلى أن يروي ما علِق منه بحفظه، وهو سيئ الحفظ.

стр. 776

الرابع: أن إسحاق ابن الطباع قال: «حدَّثتُ محمدًا يومًا بحديث، قال: فرأيتُ في كتابه ملحقًا بين سطرين بخط طريّ». والرجل كان أعمى فالملحِق غيره حتمًا، ورواية الأجلة عنه وشهادة جماعة منهم له بأنه صدوق تدل أن الإلحاق لم يكن بعلمه. فأما قول ابن حبان: «كان أعمى يلحق في كتبه ما ليس من حديثه ويسرق ما ذوكر به فيحدِّث به»، فإنما أخذه من هذه القضية، وقد بان أن الإلحاق من غيره. وإذا كان بغير علمه ــ كما يدل عليه ما سبق ــ فليس ذلك بسرقة. فالحكم فيه أن ما رواه الثقات عنه ونصُّوا على أنه من كتابه الذي عرفوا صحته فهو صالح، ويُتوقَّف فيما عدا ذلك. فأمَّا هذه الحكاية، وهي قوله: «سرق أبو حنيفة كتاب حماد مني» فليست بمظنة الاختلاط ولا الإلحاق. ثم إن أراد بسرقة الكتاب سرقة الحديث، أي أنَّ أبا حنيفة سمع منه عن حماد أحاديث، فرواها أبو حنيفة عن حماد؛ فهذا ظن منه لا تقوم به حجة، فإنَّ أبا حنيفة قد صحب حمادًا واختص به، فلعل ما سمعه من محمد بن جابر كان عنده عن حماد. وإن أراد سرقة الكتاب نفسه فلم يبيِّن كيف عرف ذلك؟ وقد يكون كان في مجلس فيه أبو حنيفة وغيره، ففقد كتابه، ثم بلغه أن أبا حنيفة يحدِّث عن حماد، فتوهم ما توهم، وليس في هذا حجة. وقد جاء عنه ما لو صح لكان تفسيرًا لهذا، حكاه الأستاذ بحاشية (ص ١١٥) (١) وهو أن العقيلي (٢) أخرج بسند

стр. 777

فيه محمد بن حميد عن محمد بن جابر قال: جاءني أبو حنيفة يسألني كتابًا من كتب حماد فلم أعطه، فدسَّ إليَّ ابنه، فدفعت كتبي إليه، فدفعها إلى أبيه، فرواها أبو حنيفة من كتبي عن حماد». قال الأستاذ: [١/ ٤٣٤] «والرواية عن الخط مخالفة لمذهب أبي حنيفة، ثم في سند الخبر إبراهيم بن سعيد ومحمد بن حميد». أقول: أما مخالفة المذهب إن صحت فلا تكفي هنا كما لا يخفى. وإبراهيم بن سعيد ثقة كما تقدم في ترجمته (١)، وإنما الوهن من محمد بن حميد فإنه ليس بعمدة. (٢) ١٩٧ - محمد بن جعفر الأدمي: تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة أحمد بن عبيد (٣). قال الأستاذ (ص ٤٢): «قال عنه محمد ابن أبي الفوارس: كان قد خلط فيما حدَّث». أقول: ذكروا أنه كان شاهدًا، فقد كان معدَّلًا عند القضاة، لكن لم أر من وثَّقه، فأما التخليط فلم يبيِّن ما هو؟. (٤)

стр. 778

١٩٨ - محمد بن جعفر الأنباري: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٧ [٤١٧ - ٤١٨]): «أخبرنا ابن رزق والبرقاني قالا: أخبرنا محمد بن جعفر بن الهيثم الأنباري، حدثنا جعفر بن محمد بن شاكر ... ». قال الأستاذ (ص ١٠٩): «فيه بعض الشيء كما قال الخطيب». أقول: ترجمته في «التاريخ» (ج ٢ ص ١٥١) وفيها: «سألت البرقاني عن ابن الهيثم فقلت: هل تكلم فيه أحد؟ قال: لا، وكان سماعه صحيحًا بخط أبيه». ثم حكى عن ابن أبي الفوارس: «كان قريب الأمر، فيه بعض الشيء، وكانت له أصول بخط أبيه جياد». والظاهر أن بعض الشيء إنما هو فيما يتعلق بالسيرة لا بالرواية ولم يفسر، فلعله تقصير خفيف لا يُعَدُّ جرحًا. ومع ذلك فحكايته هذه رواها عنه البرقاني، وهو إمام متثبت، فهي من تلك الأصول التي اتفقوا على صحتها (١). ١٩٩ - محمد بن جعفر الراشدي: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١١ [٤٣٨]) من طريقه «حدثنا أبو بكر الأثرم ... ».

стр. 779

قال الأستاذ (ص ١٤١): «راوي «العلل» للأثرم وراوياه القطيعي وأحمد بن نصر الذارع غير صالحين للرواية». أقول: الراوي عنه هنا القطيعي، وهو أحمد بن جعفر بن حمدان، تقدمت ترجمته (١) وأنه ثقة، [١/ ٤٣٥] والراشدي وثَّقه غير واحد، ومع ذلك فالحكاية مأخوذة من ذاك الكتاب المصنف المقطوع بنسبته، فلا يضرُّها لو كان في بعض الوسائط كلام. ٢٠٠ - محمد بن حبّان أبو حاتم البُسْتي الحافظ: نقل الأستاذ (ص ٩٠) قوله في أبي حنيفة: «كان أجلَّ في نفسه من أن يكذب، ولكن لم يكن الحديث شأنه، فكان يروي فيخطئ من حيث لا يعلم، ويقلب الإسناد من حيث لا يفهم. حدَّث بمقدار مائتي حديث أصاب منها في أربعة أحاديث، والباقية إما قلَب إسنادها أو غيَّر متنها». أجاب الأستاذ بوجهين: الأول: حاصله أنَّ أبا حنيفة مشهور بالحفظ والفهم، واشتهر عنه أنه لا يبيح الرواية إلا لمن استمرَّ حفظه من الأخذ إلى الأداء، ولا يبيح الرواية مما يجده الراوي بخط يده ما لم يذكر أخذَه له، وتواتر (؟) عنه ختمه القرآن في ركعة - ونحو هذا. الثاني: التنديد بابن حبان. أقول: أما الوجه الأول فلم ينفرد ابن حبان بنسبة الخطأ والغلط في

стр. 780

الرواية إلى أبي حنيفة، بل وافقه على ذلك كثيرون حتى من المائلين إلى أبي حنيفة. نعم، انفرد بذاك التحديد؛ لأنه اعتنى بذلك وألَّف كتابين: أحدهما كتاب «علل ما استند إليه أبو حنيفة»، والثاني كتاب «علل مناقب أبي حنيفة ومثالبه». واشتهار أبي حنيفة بالحفظ غير مسلَّم، وحفظ القرآن لا يستلزم حفظ الأحاديث، والفهم لا يستلزم الحفظ، وفهم المعاني والعلل غير فهم وجوه الرواية. وقد اشتهر ابن أبي ليلى بالفقه حتى كان الثوري إذا سُئل قال (١): «فقهاؤنا ابن أبي ليلى، وابن شُبْرُمة»، وكان ابن أبي ليلى رديء الحفظ للروايات كثير الغلط. وما اشتهر عن أبي حنيفة من اشتراط استمرار الحفظ ــ إن صح ــ فمراده التذكر في الجملة، وإلا لزم ما هو أشد، والتذكر في الجملة لا يدفع احتمال التوهم والخطأ. وكان على الأستاذ أن ينقل نصوصًا صحيحة صريحة عن الأئمة المعتمد عليهم تردُّ قول ابن حبان، كما جاء في الشافعي قول أبي زرعة الرازي: «ما عند الشافعي حديث غلط فيه»، وقول أبي داود: «ليس للشافعي حديث أخطأ فيه»، أو يتجشم جمع الأحاديث التي يثبت أن أبا حنيفة رواها وبيان ما يثبت من موافقة الثقات له ومخالفتهم. وأما التنديد بابن حبان، فذكر الأستاذ أمورًا: [١/ ٤٣٦] منها: أن ابن الصلاح وصفه بأنه غلط الغلطَ الفاحشَ في

стр. 781

تصرُّفه. أقول: ابن الصلاح ليس منزلته (١) أن يُقبل كلامه في مثل ابن حبان بلا تفسير، والمعروف مما يُنسَب ابن حبان فيه إلى الغلط أنه يذكر بعض الرواة في «الثقات» ثم يذكرهم في «الضعفاء»، أو يذكر الرجل مرتين، أو يذكره في طبقتين ونحو ذلك. وليس ذلك بالكثير، وهو معذور في عامة ذلك، وكثير من ذلك أو ما يشبهه قد وقع لغيره كابن معين والبخاري. ومنها: أن الذهبي وصفه بالتشغيب والتشنيع. أقول: إنما ذلك في مواضع غير كثيرة، يرى ما يستنكره للراوي فيبالغ في الحطِّ عليه. وهذا أمر هيِّن، لأنه إن كان فيمن قد جرحه غيره فكما يقول العامة: «لا يضرُّ المقتولَ طعنُه». وإن كان فيمن وثَّقه غيره لم يُلتفت إلى تشنيعه، وإنما يُنظر في تفسيره وما يحتج به. ومنها: أنه يوثِّق المجاهيل الذين لم يسبر أحوالهم. أقول: قد بيَّن ابن حبان اصطلاحه، وهو أنه يذكر في «الثقات» كلَّ من روى عنه ثقةٌ ولم يروِ منكرًا، وأن المسلمين على العدالة حتى يثبت الجرح. وقد ذهب غيره من الأكابر إلى قريب من هذا، كما قدَّمته في (قسم القواعد) في القاعدة السادسة (٢). نعم إنه ربما يظهر أنه يذكر الرجل، ولم يعلم ما روى، ولا عمَّن روى، ولا مَن روى عنه. وعذرُه في هذا أنه بنى على رأيه أن

стр. 782

المسلمين على العدالة، واستأنس بصنيع بعض من تقدَّمه من الأئمة مِنْ ذِكْر ذلك الرجل بدون إشارة إلى ضعف فيه (١). وأهلُ العلم من الحنيفة وغيرهم كثيرًا ما يقوُّون الراوي بقولهم: «ذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا» (٢). ومع ذلك يبيِّن ابن حبان بعدم ذِكْر شيخٍ للرجل ولا راوٍ عنه أنه لم يعرفه. [١/ ٤٣٧] ومنها: أنه عريق في التعصب. أقول: أئمة الحديث كلُّهم في رأي الأستاذ متعصِّبون، ولا أعرف ابن حبان بتعصّب. ومنها: أنه حكي عنه أنه قال في النبوة: إنها العلم والعمل. أقول: إن صح هذا عنه فهو قول مجمل، وابن حبان معروف عنه في جميع تصانيفه أنه يعظِّم النبوة حق تعظيمها. ولعله أراد أن المقصود من إيحاء الله إلى النبي ﷺ أن يعلم هو ويعمل، ثم يبيِّن للناس فيعلموا ويعملوا. وقد نسب إليه أنه أنكر الحدّ لله، ولعله امتنع من التصريح بإثبات الحدّ باللفظ الذي اقتُرِح عليه، أو أتى بعبارة حملها المشنِّعون على إنكار الحدّ

стр. 783

كما اتفق للبخاري في القرآن، وغير ذلك. وكتبُ ابن حبان من أولها إلى آخرها جارية على التمسُّك بالسنة، والثناء على أصحابها، وذم من يخالفها، وهو من أخصِّ أصحاب ابن خزيمة أحد أئمة السنة. ثم أحال الأستاذ على ما في «معجم البلدان»: (بُسْت). وأقول: هناك عبارة طويلة زعم ياقوت أنه نقلها من خط ابن النفيس أنه نقلها من خط السليماني في «معجم شيوخه»، وياقوت ليس بعمدة. والأئمة الذين ذكروا ترجمة ابن حبان قد وقفوا على كتب السليماني ونقلوا عنها، ثم لم يحكوا في ترجمة ابن حبان حرفًا من تلك العبارة. وفيها ذكر أحوال لابن حبان تتعلق بسمرقند ونيسابور وبخارى، ولكلٍّ من هذه البلدان (تاريخ) ذُكر فيه ابن حبان، ونقل ياقوت وغيره من تلك التواريخ، فلم يقع في ذلك شيء مما في تلك العبارة، وإنما نقلوا عن تلك التواريخ تعظيمه والثناء البالغ عليه. على أن ما وُصِف به في تلك العبارة منه ما ليس بجرح، ومنه ما هو جرح غير مفسَّر، أو مفسَّر بما لا يقدح، أو غير مثبت ضرورة أن قائل ذلك لم يكن ملازمًا لابن حبان في جميع تنقلاته في تلك البلدان، وإنما لُفِّقت ــ إن صحت عن السليماني ــ مِن «قيل، وقالوا، وزعموا». فعلى كل حال لا وجه للتعويل عليها، ولا الالتفات إليها، والله المستعان. هذا، وقد أكثر الأستاذ من ردّ توثيق ابن حبان (١)، والتحقيقُ أن توثيقه

стр. 784

على درجات: الأولى: أن يصرِّح به كأنْ يقول: «كان متقنًا» أو «مستقيم الحديث» أو نحو ذلك. الثانية: أن يكون الرجل من شيوخه الذين جالسهم وخَبَرهم. [١/ ٤٣٨] الثالثة: أن يكون من المعروفين بكثرة الحديث بحيث يُعلَم أن ابن حبان وقف له على أحاديث كثيرة. الرابعة: أن يظهر من سياق كلامه أنه قد عرف ذاك الرجل معرفة جيدة. الخامسة: ما دون ذلك. فالأولى لا تقل عن توثيق غيره من الأئمة، بل لعلها أثبت من توثيق كثير منهم، والثانية قريب منها، والثالثة مقبولة، والرابعة صالحة، والخامسة لا يؤمن فيها الخلل. والله أعلم (١). ٢٠١ - محمد بن الحسن بن محمد بن زياد النقاش: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٦ [٣٩٩]) حكاية من طريقه. قال الأستاذ (ص ٧٤): «كذاب زائغ مِن أسقَطِ خلقِ الله، ولولا أن الداني المقرئ بعيد الدار عن الشرق لما خفيت عليه مخازيه». أقول: كان هذا الرجل مقرئًا مفسّرًا، تعب في الطلب، وجمع فأكثر، لكنهم نقموا عليه في أحاديث. فأما الدارقطني فكان يُجمل القول فيه

стр. 785

ويحمله على الوهم والتساهل في الأخذ، وأما البرقاني وغيره فحطُّوا عليه، وتبعهم الخطيب. وإنما روى عنه هنا لأنه لم ينفرد بمعنى ما روى، وكان الأولى به ترك الرواية عنه. والله المستعان. ٢٠٢ - [١/ ٤٣٩] محمد بن الحسين بن حُميد بن الرّبيع: ساق الخطيب في «التاريخ» (١٣/ ٤٠٣ [٤٢٦ - ٤٢٨]) عدة روايات جيدة في تشديد ابن المبارك في شأن كتاب أطلق عليه «كتاب الحيل لأبي حنيفة»، وروايته عن النضر بن شُميل ليس فيها ذكر أبي حنيفة. وأشار الأستاذ إلى ما ذكره الذهبي في جزء «مناقب أبي حنيفة وصاحبيه (١)»، ولفظ الذهبي في ذاك الجزء (ص ٥٢ - ٥٣): «الطحاوي: سمعت محمد بن أبي عمران (٢) يقول: قال محمد بن سماعة: سمعت محمد بن الحسن يقول: هذا الكتاب ــ يعني كتاب «الحيل» ــ ليس من كتبنا، إنما ألقي فيها. قال ابن أبي عمران: إنما وضعه إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة». وقال الأستاذ (ص ١٢٢) في الحاشية: «قال أبو سليمان الجوزجاني: من قال إن محمدًا ﵀ صنف كتابًا سماه: «الحيل» فلا تصدِّقه، وما في أيدي الناس إنما جمعه ورَّاقو بغداد كما في «مبسوط السرخسي» ... ». وفي «فتح الباري» (٣) ذِكْر لكتاب «الحيل» لأبي يوسف، وأطال

стр. 786

الأستاذ في دفع نسبة ذاك الكتاب إلى أبي حنيفة أو أصحابه. والذي تضافرت عليه الروايات الجيّدة أنه كان في عصر ابن المبارك فما بعده كتاب يسمى «كتاب الحيل لأبي حنيفة» أو «كتاب حيل أبي حنيفة»، وهناك قرائن تدفع أن يكون من تصنيف أبي حنيفة نفسه؛ وهذه القرائن لا تدفع التسمية، فقد يكون مصنفه نسبه إليه، أو يكون الناس لما رأوه مبنيًّا على قواعد أبي حنيفة أطلقوا عليه هذا الاسم، فأطلق عليه ابن المبارك اسمه المعروف به بين الناس غيرَ قاصدٍ الجزمَ بأنه تصنيف أبي حنيفة نفسه. ولا ريب أنه لا يستنبط الحيل من قواعد أبي حنيفة إلا رجل عارف بتلك القواعد، له يد في الاستنباط. وليس هو بأبي يوسف، ولا بمحمد بن الحسن، وقد مرَّ عن ابن أبي عمران ــ وهو من أجِلَّتهم ــ قولُه: «إنما وضعه إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة». والمقصود هنا أنه من المقطوع به وجود ذلك الكتاب، وأنه كان متداولًا بين الناس في تلك الأزمنة، وتضافرت الروايات على أنه كان معروفًا بذاك الاسم. ثم قال الأستاذ (ص ١٢٢): «وقد حاول بعض الكذابين رواية كتاب في الحيل عن أبي حنيفة في زمن متأخر بسند مركَّب، فافتضح، وهو أبو الطيب محمد بن الحسين بن حميد بن [١/ ٤٤٠] الربيع الكذاب ابن الكذاب حيث زعم بعد سنة ثلاثمائة أنه كان سمع كتاب «الحيل» سنة ٢٥٨ بـ (سُرَّ من رأى) من أبي عبد الله محمد بن بشر الرقي عن خلف بن بيان. وقد قال مُطَيَّن: إن محمد بن الحسين هذا

стр. 787

كذاب ابن كذاب، وأقرَّه ابن عقدة، ثم أقرَّ ابن عدي وأبو أحمد الحاكم ابنَ عقدة في ذلك. وقد قوَّى ابن عدي أمر ابن عقدة. وردَّ على الذين تكلموا فيه، بل قال السيوطي في «التعقبات» (ص ٥٧): ابن عقدة من كبار الحفاظ وثقه الناس، وما ضعَّفه إلا عصريّ متعصب اهـ، ثم شيخ محمد بن الحسين مجهول الصفة، بل مجهول العين، وشيخ شيخه مجهول أيضًا بل لا وجود له». أقول: أما رواية أبي الطيب هذا الكتابَ، فليس فيها ما يريب في صدقه، فقد تحقق أن الكتاب كان موجودًا بأيدي الناس يسمَّى بذاك الاسم، فأيّ ريبة أم أيّ بُعد في أن يجده أبو الطيب عند بعض الورَّاقين فيزعم الورَّاق أنه يرويه بالسماع، فيسمعه منه أبو الطيب. وقد يكون ذاك الورَّاق كذَّابًا زعم ما زعم ليروج له الكتاب، ولم يفتِّش أبو الطيب عن حاله على عادتهم في ذاك العصر من الأخذ عن كل أحد، وترك التحقيق لأهله أو لوقته. ثم إن صح قول الأستاذ: «بعد سنة ثلاثمائة»، فليس يلزم من ذلك أن لا يكون أبو الطيب ذكر قبل ذلك أن الكتاب عنده يرويه، وكثيرًا ما يروي الرجل بعد أن يسمع بستين أو سبعين سنة أو أكثر، وقد كان للأستاذ في جهالة شيخ أبي الطيب وشيخ شيخه ما يكفيه في دفع النسبة إلى أبي حنيفة عن محاولةِ الطعن في أبي الطيب الموثَّق كما يأتي، ومحاولةِ الدفاع عن ابن عُقْدة المجروح كما تقدم في ترجمته (١)، وهو أحمد بن محمد بن سعيد ابن عقدة، مع دعوى تقوية ابن عدي له، وفي ذلك ما فيه. فأما ما نُسِب إلى مُطَيَّن، فدونك شرحه: زعم ابن عقدة أنه كان عند

стр. 788

مُطيَّن، فمرَّ أبو الطيب، فقال مطين: هذا كذاب ابن كذاب، وفي بعض المواضع زيادة (ابن كذاب) أخرى، فحكى ابن عدي عن ابن عقدة هذا، وقوَّاه بالنسبة إلى حسين بن حميد والد أبي الطيب كما تقدم في ترجمته مع النظر فيه (١). فأما أبو أحمد الحاكم فإنما قال في أبي الطيب: «كان ابن عقدة سيئ الرأي فيه»، وهذا يُشعر بأنه لم يعتمد على رواية ابن عقدة عن مطيَّن وإلا لقال: «كان مطيَّن سيئ الرأي فيه»، وابن عقدة [١/ ٤٤١] ليس بعمدة كما تقدم في ترجمته (٢). وقد تعقب الخطيب حكايته هذه في «التاريخ» (ج ٢ ص ٢٣٧) وقال: «في الجرح بما يحكيه أبو العباس بن سعيد [ابن عقدة] نظر. حدثني علي بن محمد بن نصر قال: سمعت حمزة السهمي يقول: سألت أبا بكر بن عبدان عن ابنِ عقدة: إذا حكى حكايةً عن غيره من الشيوخ في الجرح فهل يُقبل قوله أم لا؟ قال: لا يُقبل». وهذه الرواية مأخوذة عن كتاب معروف لحمزة (٣). ثم روى الخطيب عن أبي يعلى الطوسي توثيق أبي الطيب قال: «كان ثقة صاحب مذهب حسن، وأمْرٍ بالمعروف ونَهْي عن المنكر، وكان ممن يُطلب للشهادة فيأبى». وقال ابن الجوزي في «المنتظم» (ج ٦ ص ٢٣٥): «كان ثقة يفهم، وقد

стр. 789

روى ابن عقدة عن الحضرمي (مطيَّن) أنه قال: هو كذاب ــ وهذا ليس بصحيح». وقال ابن حجر في «اللسان» (١): «الظاهر أن جرح ابن عقدة لا يؤثر فيه؛ لما بينهما من المباينة في الاعتقاد». أقول: أما جرحه من قبل نفسه بلا حجة فنعم، وأما روايته عن غيره فلو كان ثقة لم تُرَدَّ بالمباينة في الاعتقاد، ولكنه في نفسه على يَدَي عَدْلٍ، فالمباينة في الاعتقاد تزيده وهنًا على وهن. والله الموفق. ٢٠٣ - محمد بن حماد: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٢ [٤٢٥]) من طريق «عبد الله بن أُبي القاضي يقول: سمعت محمد بن حماد يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام ... ». قال الأستاذ (ص ١٤١): «وضاع معروف من أصحاب مقاتل». أقول: صاحبُ مقاتلٍ قديمٌ ففي ترجمته من «اللسان» (٢) أنه قال: «أشخصني هشام بن عبد الملك من الحجاز إلى الشام ... » وقد مرَّ في ترجمة عبد الله بن أبي القاضي (٣) أن أعلى شيخ له أحمد بن عبد الله بن يونس المتوفى سنة ٢٢٧، وهشام مات سنة ١٢٥، فأنَّى يدرك عبدُ الله بن أُبّي

стр. 790

مَن كان في زمن هشام رجلًا؟ فهذا رجل آخر. والله المستعان. ٢٠٤ - محمد بن حمدويه أبو رجاء المروزي: ذكروا أنه ذكر في «تاريخ مرو» أن محمود بن غيلان توفى سنة ٢٤٩ (١)، وأن البخاري وغيره قالوا: إن محمودًا توفي سنة ٢٣٩. فذكر الأستاذ هذا (ص ٦٤) وأطلق على أبي رجاء «راوية الغرائب». [١/ ٤٤٢] ولا يخفى أن هذا الخطأ الواحد لا يبرر هذه الكلمة، وراجع «الطليعة» (ص ٢٢ - ٢٩) (٢) لتعرف حال الكوثريّ في تلك القضية. ٢٠٥ - محمد بن رَوح: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٢ [٤٣٩]) من طريق «زكريا بن يحيى الساجي حدثني محمد بن روح قال: سمعت أحمد بن حنبل ... ». قال الأستاذ (ص ١٤٣): «مجهول». أقول: في «تاريخ بغداد» (ج ٥ ص ٢٧٧): «محمد بن روح العكبري ... ». ثم روى من طريق «عثمان بن إسماعيل بن بكر السكري، ثنا محمد بن روح العكبري بعكبرا، وكان صديقًا لأحمد بن حنبل، وكان أحمد بن حنبل إذا خرج إلى عكبرا ينزل عليه». وعثمان هذا توفى سنة ٣٢٣ كما في «التاريخ» (ج ١١ ص ٢٩٦)، والساجيّ توفي سنة ٣٠٧. ولم يكن أحمد ليصادق رجلًا وينزل عليه إلا وهو خيِّر فاضل.

стр. 791

٢٠٦ - محمد بن سعد العوفي: في ترجمة الحسن بن زياد اللؤلؤي من «لسان الميزان» (١) تكذيب الأئمة له وطعنهم فيه. ساق كثيرًا من ذلك ثم قال: «ومع ذلك كلِّه أخرج له أبو عوانة في «صحيحه»، والحاكم في «مستدركه»، وقال مسلمة بن قاسم: كان ثقة». ذكر هذا استنكارًا له. فجاء الكوثري فقال (ص ١٨٧) في ترجمة اللؤلؤي: «مجتهد عظيم القدر ومحدث جليل الشأن ... أخرج عنه الحافظ أبو عوانة ... في «الصحيح المسند المستخرج»، وهذا توثيق منه؛ والحاكم في «مستدركه» ... وهذا أيضًا توثيق منه. ووثَّقه مسلمة بن قاسم ... وكان يأبى الخوض في القياس في مورد النص، كما فعل مع بعض المشاغبين في مسألة القهقهة في الصلاة. ومَنْ يحتج بالمرسل لا يمكنه ردُّ حديث القهقهة في الصلاة كما ذكره ابن حزم ... ومع هذا كله تجد ترجمته عند الخطيب من أسوأ التراجم ... ». وهكذا قدّم الكوثريُّ المؤخَّر، وعرَّف المنكر، واحتج ببعض الروايات الزائفة، وردَّ بعض الروايات الثابتة التي تقدمت الإشارة إلى بعضها في ترجمة الخطيب (٢)، وفي ترجمة صالح بن محمد الحافظ (٣)، وحاول هدم أركان الإسلام لينصب هذا التالف! ثم قال: «وقد روى ــ يعني الخطيب ــ في كتابه أيضًا عن الساجي وابن معين وابن المديني ويعقوب بن سفيان وغيرهم تضعيف الحسن [١/ ٤٤٣] بن زياد أو تكذيبه إلا أن في أسانيد تلك الروايات أمثال محمد بن [عثمان بن] أبي شيبة، ومحمد بن سعد العوفي، والأدمي، وعبد الله [بن

стр. 792

محمد بن عبد العزيز] (١) البغوي، ودعلج، والآجري، والعقيلي وأضرابهم. وأمرهم يدور بين كذاب، وضعيف، ومتعصب مردود القول، ومغفل، ومجسِّم متعصب، لا يقبل قوله في أهل السنة». ترى الأستاذ يطعن في بضعة عشر رجلًا شرُّهم خيرٌ من ألف مثل اللؤلؤي! وأنا أسوق أسماءهم ليقابل العاقل تراجمهم في هذا الكتاب وغيره بترجمة اللؤلؤي في «لسان الميزان» وغيره: الحافظ أحمد [بن] (٢) علي الأ بَّار، إدريس بن عبد الكريم، إسحاق بن إسماعيل، الحافظ الحسن بن علي الحُلْواني، الحافظ دَعْلج بن أحمد السجزي، الحافظ صالح بن محمد جَزَرة، عبد الله بن جعفر بن درستويه، الحافظ عبد الله بن سليمان أبو بكر بن أبي داود، الحافظ عبد الله بن محمد بن عبد العزيزالبغوي، الحافظ عبد المؤمن بن خلف، محمد بن أحمد بن رزق، محمد بن جعفر الأَدَمي، محمد بن سعد العوفي، محمد بن العباس الخزّاز، الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة، الحافظ محمد بن علي بن عثمان الآجُرّي، الحافظ محمد بن عمرو العقيلي. ولم أطلق كلمة «الحافظ» إلا على من أطلقها عليه أهل العلم، لا كالكوثري يطلقها على من دبَّ ودرج من أصحابه! ولا بأس بأن نناقش الكوثري هنا فأقول: أما أبو عوانة فقد ذكر الأستاذ (ص ١٧) عبد الله بن محمد البلوي، فقال فيه وفي آخر: «كذابان معروفان».

стр. 793

وقد قرأ الأستاذ في «الميزان» (١) و «اللسان» (٢) في ترجمة البلوي: «روى عنه أبو عوانة في «صحيحه» في الاستسقاء خبرًا موضوعًا». وروى أبو عوانة في «صحيحه» (ج ١ ص ٢٣٦ - ٢٣٧) حديثًا في سنده عبد الله بن عمرو الواقعي (٣) وجابر بن يزيد الجعفي، وكلاهما متهم. وفي «فتح الباري» (٤) في شرح «باب القصد والمداومة على العمل» من كتاب «الرقاق»: « ... وهذا من الأمثلة لما تعقّبته على ابن الصلاح في جزمه بأن الزيادات التي تقع في المستخرجات يُحكم بصحتها ... ووجه التعقب أن الذين استخرجوا لم يصرِّحوا بالتزام ذلك، سلَّمنا أنهم التزموا ذلك، لكن لم يَفُوا به». [١/ ٤٤٤] أقول: أصحاب المستخرجات يلتزمون إخراج كلِّ حديث من الكتب التي يستخرجون عليها. فأبو عوانة جعل كتابه مستخرجًا على «صحيح مسلم»، ومعنى ذلك أنه التزم أن يخرج بسندِ نفسِه كلَّ حديث أخرجه مسلم، فقد لا يقع له بسند نفسه الحديث إلا من طريق رجل ضعيف فيتساهل في ذلك؛ لأن أصل الحديث صحيح من غير طريقه. ومع ذلك زاد أبو عوانة أحاديث ضعيفة لم يحكم هو بصحتها، فإنما يسمى كتابه «صحيحًا» لأنه مستخرج على «الصحيح»، ولأن معظم أحاديثه ــ وهي المستخرجة ــ صحاح. فإخراجه لرجل لا يستلزم توثيقه ولا تصديقه، بل صاحب «الصحيح» نفسه قد يُخرج في المتابعات والشواهد لمن لا يوثقه،

стр. 794

وهذا أمر معروف عند أهل الفن لا يخفى على الكوثري. فأما «مستدرك الحاكم»، فحدِّث عنه ولا حرج، فإن في «مستدركه» كثيرًا من الرواة التالفين، وجماعةٌ منهم قد قطع هو نفسُه بضعفهم الشديد. وسيأتي بسط ذلك في ترجمته (١)، فإن الأستاذ حطَّ عليه حيث خالفه، ثم عاد يحتجّ به هنا! وأما مَسْلمة بن قاسم، فقد جعل الله لكل شيءٍ قدرًا. حدُّه أن يُقبل منه توثيقُ من لم يجرحه من هو أجلُّ منه ونحو ذلك، فأما أن يعارَض بقوله نصوصُ جمهور الأئمة، فهذا لا يقوله عاقل. وأما قضية القهقهة، فتراها في ترجمة اللؤلؤي من «لسان الميزان» (٢) ولا يرتاب مُطَّلِع أن اللؤلؤي إنما ولّى دبره خشية أن يرد عليه ما لا قبل له به، إذ قد كان يمكنه أن يجيب بهذا العذر الذي ذكره الكوثري، ثم ينظر ما يرد عليه. على أنه يعلم أن هذا العذر باطل، فإن أهل الرأي يردُّون بالقياس النصوص الصحيحة الثابتة، فكيف يتقون أن يخوضوا فيه في مقابل مثل [١/ ٤٤٥] هذا الحديث؟ ! وجاء أن اللؤلؤي لما ولي القضاء لم يدر كيف يقضي! وذكر الحنفية أنه كان يُثْقِل على أبي يوسف بالمناظرة، فقال أبو يوسف لأصحابه: إذا جاء فابدروه بالمسألة، فجاء فلم يستتمَّ السلام حتى قال: ما تقول في كذا؟ خاف أن يبدروه بالمسألة، فبدرهم! يؤخذ من هذا أنه كان ضعيف البديهة، بطيء الإدراك، فكان يطيل الفكر في بيته في بعض المسائل وما يمكن أن يقال فيها

стр. 795

أو يورد عليها وما يمكن أن يدفع به ذلك الإيراد ويمعن في ذلك ويتحفظ، ثم يجيء إلى أبي يوسف أو غيره ويناظر في تلك المسألة. وعرف أبو يوسف هذا، فأمر أصحابه أن يبدروه فيسألوه عن مسألة؛ لأنه يغلب أنه لم يكن استعدَّ لها فينقطع. وعرف هو من نفسه هذا، فبدرهم. فكأنه لما سأله رفيق الشافعي عن مسألة القهقهة وأورد عليه ما أورد، اجتمع عليه حرجُ الموقف وعدمُ استعداده، فاعتصم بالفرار. وأما من يحتجّ بالمرسل، فذلك إذا كان الإرسال ممن لا يرسل إلا عن ثقة، وليس حديث القهقهة من ذاك؛ فقد وُصِفَ الذي أرسله بأنه كان ممن يصدِّق كلَّ أحد. وأما الجماعة الذين طعن فيهم الأستاذ، فتراجمهم في مواضعها. فأما محمد بن سعد العوفي، فقد ذكروا أن الحاكم حكى عن الدارقطني أنه لا بأس به. وقال الخطيب: «كان لينًا في الحديث». وعلق الأستاذ على «مناقب أبي حنيفة» للذهبي (ص ٢٨ - ٢٩): «قال الخطيب: أخبرنا ابن رزق، حدثنا أحمد بن علي بن عمرو (١) بن حبيش الرازي، سمعت محمد بن أحمد بن عصام يقول: سمعت محمد بن سعد العوفي يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: كان أبو حنيفة ثقة، لا يحدِّث إلَّا ما يحفظه، ولا يحدِّث بما لا يحفظه». قال الأستاذ: «وهذا يقضي على من يرميه بقلة الضبط». وقد تكلم الأستاذ في رواية الخطيب عن محمد بن أحمد بن رزق، وأشار إلى ذلك هنا كما مرّ، ولا أدري ما يقول في محمد بن عصام، فجعل الأستاذ هذه

стр. 796

الرواية مع أنها من طريق محمد بن سعد العوفي ــ وقد انفرد بها هذا الإسناد ــ قاضيةً على إجماع الأئمة ومعهم ابن معين من عدة أوجه عنه، ثم تراه هنا يردُّ رواية محمد بن سعد ومعه جماعة عن ابن معين ومعه جميع الأئمة إلا ما شذّ! أما الحسن بن زياد، فقد روى تكذيبَه ثلاثةٌ عن ابن معين. وقال ابن أبي حاتم في كتابه (١): «قريء على العباس بن محمد الدوري عن يحيى بن معين أنه قال: [١/ ٤٤٦] حسن اللؤلؤي كذاب»، ولعل الأستاذ قد وقف على ذلك في «تاريخ عباس» (٢). ثم قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عنه فقال: ضعيف الحديث، ليس بثقة ولا مأمون». وفي كتاب «الضعفاء والمتروكين» (٣) للنسائي المطبوع في الهند: «حسن بن زياد اللؤلؤي ليس بثقة ولا مأمون» وفي الجزء الملحق به، وهو من كلام النسائي: «أبو حنيفة ليس بالقوي في الحديث، وهو كثير الغلط والخطأ على قلة روايته. والضعفاء من أصحابه: يوسف بن خالد السَّمْتي كذاب، والحسن بن زياد اللؤلؤي كذاب خبيث، ومحمد بن الحسن ضعيف. والثقات من أصحابه: أبو يوسف القاضي ثقة ... ». وفي ترجمة اللؤلؤي من «لسان الميزان» (٤): «قال محمد بن عبد الله بن نُمير: يكذب على ابن جريج. وكذا كذَّبه أبو داود فقال: كذاب

стр. 797

غير ثقة. وقال ابن المديني: لا يكتب حديثه ... وقال أبو ثور: ما رأيت أكذب من اللؤلؤي. وقيل ليزيد بن هارون: ما تقول في اللؤلؤي؟ قال: أوَ مسلم هو؟ وقال يعلى بن عبيد: اتَّقِ اللؤلؤي. وقال ابن أبي شيبة: كان أبو أسامة يسمِّيه الخبيث. وقال يعقوب بن سفيان والعقيلي والساجي: كذاب ... ». فأما قضية التقبيل وقَرْص الخدِّ في الصلاة، فقد تقدمت الإشارة إليها في ترجمة الخطيب (١) ثم في ترجمة صالح بن محمد (٢)، وهي بغاية الثبوت. فهذا هو الذي يصفه الكوثريّ بأنه «مجتهد عظيم القدر ومحدث جليل الشأن ... » استخفافًا بالدين وأهله، وسخريةً من عقول الناس وعقله! (٣) ٢٠٧ - محمد بن سعيد البُورَقي: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٣٥) من طريقه (٤): «حدثنا سليمان بن جابر بن سليمان بن ياسر بن جابر، حدثنا بشر بن يحيى، قال: أخبرنا الفضل بن موسى السِّيناني، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: إن في أمتي رجلًا اسمه النعمان، وكنيته

стр. 798

أبو حنيفة، هو سراج أمتي، هو سراج أمتي، هو سراج أمتي». قال الخطيب: «قلت: وهو حديث موضوع تفرَّد بروايته البُورَقي، وقد شرحنا فيما تقدَّم أمره، وبيَّنَّا حاله». [١/ ٤٤٧] يعني في ترجمته، وهي في «التاريخ» (ج ٥ ص ٣٠٨ - ٣٠٩) وفيها عن حمزة السهمي: «محمد بن سعيد البُورَقي كذّاب، حدَّث بغير حديثٍ وَضَعه». وعن الحاكم: «هذا البورقي قد وضع من المناكير على الثقات ما لا يحصى، وأفحشُها روايته ... : سيكون في أمتي رجل يقال له: أبو حنيفة هو سراج أمتي. هكذا حدَّث به في بلاد خراسان، ثم حدَّث به بالعراق بإسناده، وزاد فيه أنه قال: وسيكون في أمتي رجل يقال له: محمد بن إدريس، فتنتُه على أمتي أضرُّ من أبليس». وذكر الخطيب غير هذا من مناكيره. قال الأستاذ (ص ٣٠): «استوفى طرقَه البدرُ العيني في «تاريخه الكبير»، واستصعب الحكم عليه بالوضع، مع وروده بتلك الطرق الكثيرة، وقد قال: « ... فهذا الحديث كما ترى قد روي بطرق مختلفة ومتون متباينة ورواة متعددة عن النبي ﵊، فهذا يدل على أن له أصلًا، وإن كان بعض المحدثين بل أكثرهم ينكرونه، وبعضهم يدّعون أنه موضوع، وربما كان هذا من أثر التعصب. ورواة الحديث أكثرهم علماء، وهم من خير الأمم، فلا يليق بحالهم الاختلاق على النبي ﵊ متعمِّدًا»! ذيَّل عليه الكوثري بقوله: «وعالِم مضطهد طول حياته، يموت وهو محبوس، ثم يعمُّ علمُه البلاد من أقصاها إلى أقصاها شرقًا وغربًا، ويتابعه في فقهه شطرُ الأمة المحمدية بل ثلثاها على توالي القرون، رغم مواصلة الخصوم من فقيه ومحدث ومؤرخ مناصبةَ العداء له، نبأ جلل لا يُستبعد أن يخبر به النبي ﷺ ... »! أقول: لا أدري أعلمُ هؤلاء القوم أحرى أن يؤسَف عليه، أم دينهم، أم

стр. 799

عقولهم؟! قد تأملت روايات هذا الحديث في «مناقب أبي حنيفة» وغيرها فرأيته يدور على جماعة: أولهم: البُورَقي، وقد عرفتَ حالَه. رواه عن مجهول عن مثله عن السِّيناني بذاك السند. وقد صحَّ عن السيناني أنه قال: «سمعت أبا حنيفة يقول: من أصحابي من يبول قلتين. يرد على النبي ﷺ : إذا كان الماء قلتين لم ينجس» (١) ذكره الأستاذ (ص ٨٣). الثاني: أبو علي أحمد بن عبد الله بن خالد الجُويباري الهروي، وهو مشهور بالوضع مكشوف الأمر جدًّا وله فيه أربع طرق: الأولى: عن السِّيناني بذاك السند. [١/ ٤٤٨] الثانية: عن أبي يحيى المعلم، عن حُميد، عن أنس. الثالثة: عن أبي يحيى عن أبان عن أنس. الرابعة: عن عبد الله بن معدان عن أنس، والراوي عنه في بعض هذه مأمون بن أحمد السلمي، وهو شبيهه في الشهرة بالوضع الفاحش. الثالث: أبو المعلى بن مهاجر، إن كان له ذنب، وهو مجهول. رواه محمد بن يزيد المستملي ــ وهو متهم ــ عن مجهول عن مثله عن أبي المعلى عن أبان عن أنس. ورواه النضري بثلاثة أسانيد أخرى كلهم مجاهيل عن أبي المعلّى عن أبان عن أنس. الرابع: أبو علي الحسن بن محمد الرازي، وهو متهم. قد تقدم بعض ما

стр. 800

يتعلق به في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت رقم (٣٤). رواه النضري من طريقه بسند كلهم مجاهيل إلى عبد الله بن مغفل (؟ ) عن علي بن أبي طالب قوله. الخامس: النّضْري، قال فيه ابن السمعاني في «الأنساب» (١): (الخِيوِي) اسم لجدّ (٢) أبي القاسم يونس بن طاهر بن محمد بن يونس بن خيُّو النضري الخيوي من أهل بلخ الملقب شيخ الإسلام ... ». ولم يذكر فيه توثيقًا ولا جرحًا، والله أعلم به. وبعض الطرق المتقدمة من طريقه، وزاد بسندٍ كلُّهم مجاهيل عن أبان عن أنس، وبسند كلُّهم مجاهيل عن أبي هُدبة عن أنس، وبسند كلُّهم مجاهيل عن موسى الطويل عن ثابت عن أنس، وبسند كلُّهم مجاهيل عن حماد عن رجل عن نافع عن ابن عمر، وبسند كلُّهم مجاهيل عن أبي قتادة الحراني عن جعفر بن محمد عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس. هذا ما وقفت عليه. فالأربعة الأولون قد عرفتهم، وأما الخامس وهو النضري فالله أعلم به، وعلى كل حال فكان بين قوم أعاجم جهَّالٍ متعصبين، لا بِدْع أن يتقربوا إلى الله بتكثير الطرق وكلُّهم مجاهيل. وأبان وأبو هُدبة وموسى الطويل ثلاثتهم هَلْكى، ومع ذلك لا أراهم إلا أبرياء من هذا الحديث، وإلا لاشتهر في زمانهم. فما باله لم يُعرف له أثر إلا بعد أن وضعه الجويباري في القرن الثالث؟

стр. 801

وأبو قتادة الحرَّاني فسد بأخرة، ومع ذلك لا أراه إلا بريئًا من هذا. وحماد الذي روى عنه عن رجل عن نافع عن ابن عمر لا أدري من هو، وربما يكون المقصود حماد بن أبي حنيفة، فإنه قد قيل: إنه يروي عن مالك عن نافع عن [١/ ٤٤٩] ابن عمر. فكأنَّ بعض المجاهيل سمع بذلك، فركَّب السند إليه بهذا الحديث، فاستحيا النضري عن أن يقول: عن مالك عن نافع عن ابن عمر، فيكون أشنع للفضيحة، فكنى عن مالك برجل! هذا، ومن شأن الدجالين أن يركِّب أحدهم للحديث الواحد عدة أسانيد تغريرًا للجهال، وأن يضع أحدهم فيسرق الآخر ويركِّب سندًا من عنده، ومن شأن الجهال المتعصبين أن يتقربوا بالوضع والسرقة وتركيب الأسانيد. وقد قال أبو العباس القرطبي (١): «استجاز بعض فقهاء أهل الرأي نسبة الحكم الذي دلَّ عليه القياس إلى رسول الله ﷺ ... ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة، لأنها تشبه فتاوى الفقهاء ... ولأنهم لا يقيمون لها سندًا صحيحًا». وقد أشار إلى هذا ابن الصلاح بقوله: «وكذا المتفقهة الذين استجازوا نسبة ما دل عليه القياس إلى النبي ﷺ » (٢).

стр. 802

فتدبَّرْ ما شرحناه، ثم تأمَّلْ ما تقدَّم عن العيني، ثم راجِع الطرق الكثيرة بالأسانيد الصحيحة لقصة استتابة أبي حنيفة من الكفر مرتين، وأكثرُ تلك الطرق مسلسلة بالرجال المعروفين، ما بين محدِّث ثقة وحافظ ثقة وإمام شهير، وانظر ما يقول فيها العيني والكوثري، حتى كأن أئمة الحديث ورجاله وفقهاء المذاهب الأخرى أهلٌ عند العيني والكوثريّ لكلِّ كذب، وإن اشتهروا بالإمامة والثقة والصدق والتقوى؛ بخلاف أصحابهما أهل الرأي، كأنه لا يكون منهم ولا من حُمُرهم وكلابهم إلّا الصدق. ومع ذلك يرمي هؤلاء القوم مخالفهم بالتعصّب واتباع الهوى، ويُكثر الأستاذ من قوله: «وقانا الله اتباع الهوى. نسأل الله الصون. نسأل الله السلامة» وأشباه ذلك! ويتحرَّى بهذه الكلمات مواضع ارتكابه الموبقات! والله المستعان. (١) ٢٠٨ - محمد بن الصقر بن عبد الرحمن: مرت روايته في ترجمة عبد الله بن صالح (٢). قال الأستاذ (ص ٢٩): «فالصقر وعبد الرحمن من الكذابين المعروفين». أقول: لا أدري أَوَهِم الأستاذ؟ ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٨]؟!

стр. 803

٢٠٩ - [١/ ٤٥٠] محمد بن العباس بن حَيّويه أبو عمر الخزّاز: راجع «الطليعة» (ص ٤٠ - ٤١) (١). حاول الأستاذ في «الترحيب» (ص ٣٨ - ٤٠) أن يجيب فتغافل عن الدليل الواضح، وهو أن الذي في الحكاية «أبو الحسن ابن الرزاز» وصاحب هذا الاسم موجود، وهو علي بن موسى، فكيف يعدل عنه إلى من لم يُذكر بهذا الاسم أصلًا، وهو علي بن أحمد، فإنه وإن كان يكنى أبا الحسن، فإنما تكرر وصفه في ترجمته وغيرها مرارًا كثيرة بأنه «الرزاز»، وذكروا أنه كان له دكان يبيع فيه الأُرْز، ولم يوصف قط بأنه «ابن الرزاز». وذهب الأستاذ يصارع ما ذكرت من أن علي بن أحمد أصغر من ابن حيويه بأربعين سنة ولا تعرف بينهما علاقة، فذكر «أنهما من أهل بغداد وعاشا هناك متعاصرين سبعًا وأربعين سنة، فماذا كان يمنع هذا من الاجتماع بذاك؟». أقول: أنا لم أدع امتناع الاجتماع، وإنما بينتُ أنَّ مما يرجح أن المراد في الحكاية ابن الرزاز وهو علي بن موسى أنه من شيوخ ابن حيويه، بخلاف الرزاز وهو علي بن أحمد، فإنه أصغر منه ولا تعرف له به علاقة. وأزيد الأمر إيضاحًا، فأقول: عبارة الأزهري: «كان أبو عمر بن حيويه مكثرًا، وكان فيه تسامح، لربما أراد أن يقرأ شيئًا ولا يقرب أصله منه فيقرؤه من كتاب أبي الحسن ابن الرزاز لثقته بذلك الكتاب، وإن لم يكن فيه سماعه، وكان مع ذلك ثقة». فيؤخذ منها مع ما تقدم أمور:

стр. 804

الأول: أنها تقتضي أن ذاك الكتاب كان في متناول ابن حيويه في كثير من الأوقات، واحتمالُ أن يكون كتاب علي بن موسى أبي الحسن بن الرزاز صار بعد وفاته إلى تلميذه ابن حيويه، فكان في متناوله أقربُ من احتمال أن يكون كتاب علي بن أحمد الرزاز الذي ولد بعد ابن حيويه بأربعين سنة ولا تعرف بينهما علاقة كان يكون في متناول ابن حيويه. وهذه الأقربية لا يدفعها احتمال اجتماع ابن حيويه بعلي بن أحمد الرزاز. الأمر الثاني: أن في عبارة الأزهري: «لثقته بذلك الكتاب» وابن حيويه يصفه الأزهري في العبارة نفسها بأنه ثقة. ويصفه العتيقي بأنه «كان ثقة صالحًا دينًا» وبأنه «كان ثقة متيقظًا»، ويصفه البرقاني بأنه «ثقة ثبت حجة». ومن كانت هذه صفته فاحتمالُ أن [١/ ٤٥١] يثق بكتاب أستاذه الذي كان فاضلًا أديبًا ثقة، ولعله قد قابله بأصله، أقربُ من احتمال أن يثق بكتابِ من وُلد بعده بأربعين سنة ولا تعرف بينهما علاقة. الأمر الثالث: عبارة الأزهري تقتضي أنه لم يتفق لابن حيويه القراءة من غير أصله إلا من ذاك الكتاب، واقتصارُه من الوثوق بغير أصله على كتاب لأستاذه معقولٌ، بخلاف اقتصاره على كتاب لإنسان أصغر منه بأربعين سنة ولا تعرف بينهما علاقة. فلو كان ابن حيويه يتساهل بالقراءة من كتاب لعلي بن أحمد لتساهل في القراءة من كتب جماعةٍ أكبر من علي بن أحمد وأوثق، وعلاقتهم بابن حيويه معروفة. الأمر الرابع: إطلاق البرقاني مع إمامته وجلالته والعتيقي مع ثقته وتيقظه ذاك الثناء البالغ على ابن حيويه يدل على أنه لم يكن منه تساهل

стр. 805

يخدش فيما أثنيا عليه به. والأزهري وإن ذَكَر التساهل، فقد عقَّبه بقوله: «وكان مع ذلك ثقة». فهذا يقضي أنه إن ساغ أن يُسمى ما وقع منه تساهلًا فهو تساهل عُرفي لا يخدش في الثقة والتيقظ والحجة. وهذا إنما يكون بفرض أن ذاك الكتاب الذي قرأ منه كان موثوقًا به وبمطابقته لأصل ابن حيويه. وإنما فيه أنه ليس هو أصله الذي كتب عليه سماعه، وقد كانوا يكرهون مثل هذا، وذلك من باب سدِّ الذريعة. فأما أن يثق بكتاب لأصغر منه بأربعين سنه، ولا تعرف بينهما علاقة، ولا يوثق بمطابقته لأصله؛ فعباراتهم تدفع هذا أشدَّ الدفع. قال الأستاذ: «رواية الخزاز لو كانت عن كتاب أحد شيوخه لكانت روايته من أصل شيخه، ولَمَا كان يُرمى بالتسامح». أقول: علي بن موسى أبو الحسن ابن الرزّاز شيخ الخزاز حتمًا، ثم هناك احتمالان: الأول: أن يكون شيخه في ذاك الكتاب. الثاني: أن لا يكون شيخه فيه وإنما سمعه الخزاز من رجل آخر. فعلى الأول ــ وهو الذي بنى عليه الأستاذ ــ فصورة التساهل موجودة؛ فإنه من المقرر عندهم أنَّ التلميذ إذا سمع وضبط أصلَه ثم بعد مدّة وجد في أصل شيخه زيادة أو مخالفة لما في أصله، لم يكن له أن يروي إلا ما في أصله. وقد قال حمزة السهمي في «تاريخ جر جان» (ص ١٢٢ - ١٢٣): [١/ ٤٥٢] «أخبرنا أبو أحمد بن عدي ... أن النبي ﷺ قال: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم» في كتابي بخطي: عثراتهم، ورأيت في كتاب ابن عدي

стр. 806

بخطه: عقوبتهم». فلو أن حمزة روى ذاك الحديث وقال: «عقوبتهم»، ثم رأى أهل العلم أصله وفيه «عثراتهم» فراجعوه في ذلك فقال: نعم، ولكني بعد سماعي بمدة رأيت في أصل شيخي «عقوبتهم» لعدُّوا هذا تساهلًا. ومن روى من أصل شيخه لا يأمن أن يقع في نحو هذا إلا إذا كان قد كرَّر المقابلة حتى وثق كل الوثوق بالمطابقة. والأولى به وإن وثق كل الوثوق أن لا يروي إلا من أصل نفسه. فإن كان الخزاز سمع ذاك الكتاب من أبي الحسن ابن الرزاز، فتساهلُه هو تركُ الأولى كما عرفت. وعلى الاحتمال الثاني لا يكون للخزاز أن يروي من كتاب ليس هو أصله ولا أصل شيخه إلا أن يقابله بأصله مقابلةً دقيقةً، فيثق بمطابقته لأصله، ومع ذلك فالأولى به أن لا يروي إلا من أصله، وعلى هذا فتساهلُ الخزاز هو في ترك الأولى، كما اقتضته عباراتهم في الثناء عليه كما مر. قال الأستاذ: «وكان ينبغي أن يذكر في السند اسم شيخه الذي ناوله أصله، وليس بمعقول أن يهمل التلميذ ذكر شيخه في سند ما حمله وتلقاه بطريقه». أقول: هذا مبنيّ على الاحتمال الأول، وأن لا يكون الخزاز سمع الكتاب أصلًا، وإنما ناوله إياه ابن الرزاز. والذي نقوله: إنه إن كان على الاحتمال الأول فالخزاز سمع ذاك الكتاب سماعًا من ابن الرزاز، وإلا لغمزوه بأنه يعتمد على الإجازة. بل عبارة الأزهري نفسه تصرِّح بهذا، فإن فيها: «ربما أراد أن يقرأ شيئًا ولا يقرب أصله منه، فيقرؤه من كتاب أبي الحسن ابن الرزاز». وهذا يدل أن له أصلًا بذاك المصنف غير ذاك الكتاب، إلا أنه لم يقرب منه. ولو كان إنما يرويه بمناولة الشيخ ذاك الكتاب لما كان له أصل آخر. ثم إن كان سمع ذاك المصنف من ابن الرزاز، فقد كان إذا قرأ

стр. 807

منه قال: «أخبرنا أبو الحسن ابن الرزاز» ثم يقرأ من الكتاب. وإن كان إنما سمعه من غير ابن الرزاز، فإنما كان يذكر اسم شيخه في ذاك المصنف ولا معنى لذكر ابن الرزاز. فإن بنى الأستاذ على الاحتمال الأول وقال: لكني لم أر في «تاريخ الخطيب» شيئًا رواه الخطيب من طريق الخزاز عن ابن الرزاز. [١/ ٤٥٣] قلت: أما كونه شيخه، فقد صرح به الخطيب، وأما اجتناب الخطيب أن يروي من طريق الخزاز عن ابن الرزاز فذلك من كمال احتياط الخطيب وتثبته البارع. لم تطب نفسه أن يروي من ذاك الوجه الذي قد قيل فيه، وإن كان ذاك القيل لا يضر. والله أعلم. ٢١٠ - محمد بن عبد الله بن أبان أبو بكر الهِيتي: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٢ [٣٩٣]): «أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبان الهيتي، حدثنا أحمد بن سلمان النجَّاد، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قلت لأبي: كان أبو حنيفة استتيب؟ قال: نعم». قال الأستاذ (ص ٦٥): «كان مغفَّلًا مع خلوِّه من علم الحديث، كما يقول الخطيب». أقول: أول عبارة الخطيب: «كانت أصول أبي بكر الهِيتي سقيمة كثيرة الخطأ، إلّا أنه كان شيخًا مستورًا صالحًا فقيرًا مُقِلًّا معروفًا بالخير، وكان مغفلًا ... ». والخطيب معروف بالتيقظ والتثبت، فلم يكن ليروي عن هذا الرجل إلا ما يثق بصحته، وقضية الاستتابة متواترة. ٢١١ - محمد بن عبد الله بن إبراهيم أبو بكر الشافعي: قال الأستاذ (ص ١١١): «يُكثر المصنف عنه جدًّا في مثالب أبي حنيفة، وكان

стр. 808

كلِفًا بأن يُدعى بالشافعي، وليس له عمل في مذهب الشافعي غير النَّيل من فقيه الملة بالرواية عن مجاهيل وكذابين في مثالبه ... وأنت تعلم أن كثيرًا من النقاد لا يقبل كلام الناس بعضهم في بعض عند اختلاف مذاهبهم ... حتى إن الإمام الشافعي لا يقبل شهادة المتعصب». أقول: قد تتبعتُ تلك الروايات، فلم أر في شيوخه فيها كذابين ولا مجاهيل. إنما له رواية واحدة عن الكُدَيمي، والكُدَيمي قد وثَّقه بعضهم، وأطلق بعضهم تكذيبه. وروايتان أخريان عن رجل لم أظفر بتوثيقه، وآخر لم أظفر بترجمته. وسائر رواياته عن الثقات المعروفين. ولم يعرف هذا الرجل بتعصب. وأما قضيةُ اختلاف المذاهب وزعمُ أن الشافعي يردُّ شهادة المتعصب، فقد مرَّ تحقيقه في القواعد (١). وأبو بكر ثقة حافظ متفق على توثيقه وتثبيته. راجع ترجمته في «تاريخ بغداد» (٢) و «تذكرة الحفاظ» (٣). ٢١٢ - محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي الحافظ، لقبه «مُطَيَّن»: تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة عامر بن إسماعيل (٤). قال الأستاذ (ص ٣٨): «تكلم فيه محمد بن أبي شيبة». [١/ ٤٥٤] يعني محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وستأتي ترجمته (٥).

стр. 809

وقولُ الأستاذ فيه: «الكذَّاب كذَّبه غير واحد»! وقوله: «الكذاب مكشوف الأمر». فإن كانت هذه أو نصفها حاله عنده، فكيف يَعتد بكلامه في هذا الحافظ الجليل الذي قال فيه الدارقطني: «ثقة جبل». والأستاذ يعلم أنه كانت بين الرجلين نُفرة (١) شديدة، وهو يكرر ردَّ الرواية بما دونها، فكيف لا يردُّ بها قول أحدهما في الآخر! على أن ذاك الكلام ليس فيه بحمد الله ما يقدح، لكن غيرَ الأستاذ يلام على تشبُّثه بما يعلم بطلانه! ٢١٣ - محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: مرت روايته في ترجمة الشافعي (٢). قال الأستاذ (ص ١٣٧): «لا أتكلم ... ولا بنقل ما قاله الحميدي والربيع المؤذن في ابن عبد الحكم ... ». أقول: أما كلمة الحميدي في ابن عبد الحكم، فهي ككلمة ابن عبد الحكم في الحميدي، فَلْتة لسان عند استحقاق غضب، كما سبق في ترجمة الحميدي (٣)، فلا يضر ذا ولا ذاك كما سبق في القواعد (٤). وأما مقالة الربيع فقد أجاب عنها أهل العلم كما في «التهذيب» (٥) وغيره. ووثَّقوا ابن عبد الحكم.

стр. 810

٢١٤ - محمد بن عبد الله بن عمّار الموصلي الحافظ: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٧ [٤٣٣]) من طريق «الحسين بن إدريس [قال]: قال ابن عمار: إذا شككتُ في شيء نظرت إلى ما قال أبو حنيفة ... ». قال الأستاذ (ص ١٣٣): «قال ابن عدي: رأيت أبا يعلى سيئ القول فيه ويقول: شهد على خالي بالزور، وله عن أهل الموصل أفراد وغرائب اهـ. وأبو يعلى الموصلي من أعرف الناس به، وكلامه قاضٍ على كلام الآخرين». أقول: آخر ما حكاه ابن عدي عن أبي يعلى قوله «بالزور»، ثم قال ابن عدي: «وابن عمار ثقة حسن الحديث عن أهل الموصل معافى بن عمران وغيره، وعنده عنهم أفراد وغرائب. وقد شهد أحمد بن حنبل أنه رآه عند يحيى القطان، ولم أر أحدًا من مشايخنا يذكره بغير الجميل، وهو عندهم ثقة». ووثَّقه وأثنى عليه جماعة كثيرة. فأما أبو يعلى فكانت بينه وبين ابن عمار مباعدةٌ ما في المذهب، كما يدلُّ عليه عكوف أبي يعلى على سماع كتب أهل الرأي من بِشْر بن [١/ ٤٥٥] الوليد، ورَدَفَتْها كُدُورةٌ عائلية كما يدل عليه قول أبي يعلى: «شهد على خالي بالزور»، وهذه كلمة مرسلة لم يبيِّن ما هو الزور؟ ومن أين عرف أبو يعلى أنه زور؟ وعلى فرض تحققه ذلك، فهل تعمَّد ابن عمار الشهادة بالباطل أو أخطأ؟ وإعراض الناس ــ ومنهم ابن عدي حاكي الكلمة عن أبي يعلى ــ عن كلمته يبيِّن أنها كلمة طائشة لا تستحق أن يُلتفت إليها. وابن عمار أكبر من أبي يعلى بنحو خمسين سنة، فلعل أبا يعلى سمع خاله ــ ومن خاله؟ ــ يقول: شهد عليَّ ابن عمار بالزور، فأخذها أبو يعلى ولم يحققها.
следующие страницы →