بخطه: عقوبتهم». فلو أن حمزة روى ذاك الحديث وقال: «عقوبتهم»، ثم رأى أهل العلم أصله وفيه «عثراتهم» فراجعوه في ذلك فقال: نعم، ولكني بعد سماعي بمدة رأيت في أصل شيخي «عقوبتهم» لعدُّوا هذا تساهلًا. ومن روى من أصل شيخه لا يأمن أن يقع في نحو هذا إلا إذا كان قد كرَّر المقابلة حتى وثق كل الوثوق بالمطابقة. والأولى به وإن وثق كل الوثوق أن لا يروي إلا من أصل نفسه. فإن كان الخزاز سمع ذاك الكتاب من أبي الحسن ابن الرزاز، فتساهلُه هو تركُ الأولى كما عرفت.
وعلى الاحتمال الثاني لا يكون للخزاز أن يروي من كتاب ليس هو أصله ولا أصل شيخه إلا أن يقابله بأصله مقابلةً دقيقةً، فيثق بمطابقته لأصله، ومع ذلك فالأولى به أن لا يروي إلا من أصله، وعلى هذا فتساهلُ الخزاز هو في ترك الأولى، كما اقتضته عباراتهم في الثناء عليه كما مر.
قال الأستاذ: «وكان ينبغي أن يذكر في السند اسم شيخه الذي ناوله أصله، وليس بمعقول أن يهمل التلميذ ذكر شيخه في سند ما حمله وتلقاه بطريقه».
أقول: هذا مبنيّ على الاحتمال الأول، وأن لا يكون الخزاز سمع الكتاب أصلًا، وإنما ناوله إياه ابن الرزاز. والذي نقوله: إنه إن كان على الاحتمال الأول فالخزاز سمع ذاك الكتاب سماعًا من ابن الرزاز، وإلا لغمزوه بأنه يعتمد على الإجازة. بل عبارة الأزهري نفسه تصرِّح بهذا، فإن فيها: «ربما أراد أن يقرأ شيئًا ولا يقرب أصله منه، فيقرؤه من كتاب أبي الحسن ابن الرزاز». وهذا يدل أن له أصلًا بذاك المصنف غير ذاك الكتاب، إلا أنه لم يقرب منه. ولو كان إنما يرويه بمناولة الشيخ ذاك الكتاب لما كان له أصل آخر. ثم إن كان سمع ذاك المصنف من ابن الرزاز، فقد كان إذا قرأ
стр. 807
منه قال: «أخبرنا أبو الحسن ابن الرزاز» ثم يقرأ من الكتاب. وإن كان إنما سمعه من غير ابن الرزاز، فإنما كان يذكر اسم شيخه في ذاك المصنف ولا معنى لذكر ابن الرزاز. فإن بنى الأستاذ على الاحتمال الأول وقال: لكني لم أر في «تاريخ الخطيب» شيئًا رواه الخطيب من طريق الخزاز عن ابن الرزاز.
[١/ ٤٥٣] قلت: أما كونه شيخه، فقد صرح به الخطيب، وأما اجتناب الخطيب أن يروي من طريق الخزاز عن ابن الرزاز فذلك من كمال احتياط الخطيب وتثبته البارع. لم تطب نفسه أن يروي من ذاك الوجه الذي قد قيل فيه، وإن كان ذاك القيل لا يضر. والله أعلم.
٢١٠ - محمد بن عبد الله بن أبان أبو بكر الهِيتي:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٢ [٣٩٣]): «أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبان الهيتي، حدثنا أحمد بن سلمان النجَّاد، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قلت لأبي: كان أبو حنيفة استتيب؟ قال: نعم».
قال الأستاذ (ص ٦٥): «كان مغفَّلًا مع خلوِّه من علم الحديث، كما يقول الخطيب».
أقول: أول عبارة الخطيب: «كانت أصول أبي بكر الهِيتي سقيمة كثيرة الخطأ، إلّا أنه كان شيخًا مستورًا صالحًا فقيرًا مُقِلًّا معروفًا بالخير، وكان مغفلًا ... ». والخطيب معروف بالتيقظ والتثبت، فلم يكن ليروي عن هذا الرجل إلا ما يثق بصحته، وقضية الاستتابة متواترة.
٢١١ - محمد بن عبد الله بن إبراهيم أبو بكر الشافعي:
قال الأستاذ (ص ١١١): «يُكثر المصنف عنه جدًّا في مثالب أبي حنيفة، وكان
стр. 808
كلِفًا بأن يُدعى بالشافعي، وليس له عمل في مذهب الشافعي غير النَّيل من فقيه الملة بالرواية عن مجاهيل وكذابين في مثالبه ... وأنت تعلم أن كثيرًا من النقاد لا يقبل كلام الناس بعضهم في بعض عند اختلاف مذاهبهم ... حتى إن الإمام الشافعي لا يقبل شهادة المتعصب».
أقول: قد تتبعتُ تلك الروايات، فلم أر في شيوخه فيها كذابين ولا مجاهيل. إنما له رواية واحدة عن الكُدَيمي، والكُدَيمي قد وثَّقه بعضهم، وأطلق بعضهم تكذيبه. وروايتان أخريان عن رجل لم أظفر بتوثيقه، وآخر لم أظفر بترجمته. وسائر رواياته عن الثقات المعروفين. ولم يعرف هذا الرجل بتعصب. وأما قضيةُ اختلاف المذاهب وزعمُ أن الشافعي يردُّ شهادة المتعصب، فقد مرَّ تحقيقه في القواعد (١). وأبو بكر ثقة حافظ متفق على توثيقه وتثبيته. راجع ترجمته في «تاريخ بغداد» (٢) و «تذكرة الحفاظ» (٣).
٢١٢ - محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي الحافظ، لقبه «مُطَيَّن»:
تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة عامر بن إسماعيل (٤).
قال الأستاذ (ص ٣٨): «تكلم فيه محمد بن أبي شيبة».
[١/ ٤٥٤] يعني محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وستأتي ترجمته (٥).
стр. 809
وقولُ الأستاذ فيه: «الكذَّاب كذَّبه غير واحد»! وقوله: «الكذاب مكشوف الأمر». فإن كانت هذه أو نصفها حاله عنده، فكيف يَعتد بكلامه في هذا الحافظ الجليل الذي قال فيه الدارقطني: «ثقة جبل». والأستاذ يعلم أنه كانت بين الرجلين نُفرة (١) شديدة، وهو يكرر ردَّ الرواية بما دونها، فكيف لا يردُّ بها قول أحدهما في الآخر! على أن ذاك الكلام ليس فيه بحمد الله ما يقدح، لكن غيرَ الأستاذ يلام على تشبُّثه بما يعلم بطلانه!
٢١٣ - محمد بن عبد الله بن عبد الحكم:
مرت روايته في ترجمة الشافعي (٢).
قال الأستاذ (ص ١٣٧): «لا أتكلم ... ولا بنقل ما قاله الحميدي والربيع المؤذن في ابن عبد الحكم ... ».
أقول: أما كلمة الحميدي في ابن عبد الحكم، فهي ككلمة ابن عبد الحكم في الحميدي، فَلْتة لسان عند استحقاق غضب، كما سبق في ترجمة الحميدي (٣)، فلا يضر ذا ولا ذاك كما سبق في القواعد (٤). وأما مقالة الربيع فقد أجاب عنها أهل العلم كما في «التهذيب» (٥) وغيره. ووثَّقوا ابن عبد الحكم.
стр. 810
٢١٤ - محمد بن عبد الله بن عمّار الموصلي الحافظ:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٧ [٤٣٣]) من طريق «الحسين بن إدريس [قال]: قال ابن عمار: إذا شككتُ في شيء نظرت إلى ما قال أبو حنيفة ... ».
قال الأستاذ (ص ١٣٣): «قال ابن عدي: رأيت أبا يعلى سيئ القول فيه ويقول: شهد على خالي بالزور، وله عن أهل الموصل أفراد وغرائب اهـ. وأبو يعلى الموصلي من أعرف الناس به، وكلامه قاضٍ على كلام الآخرين».
أقول: آخر ما حكاه ابن عدي عن أبي يعلى قوله «بالزور»، ثم قال ابن عدي: «وابن عمار ثقة حسن الحديث عن أهل الموصل معافى بن عمران وغيره، وعنده عنهم أفراد وغرائب. وقد شهد أحمد بن حنبل أنه رآه عند يحيى القطان، ولم أر أحدًا من مشايخنا يذكره بغير الجميل، وهو عندهم ثقة». ووثَّقه وأثنى عليه جماعة كثيرة.
فأما أبو يعلى فكانت بينه وبين ابن عمار مباعدةٌ ما في المذهب، كما يدلُّ عليه عكوف أبي يعلى على سماع كتب أهل الرأي من بِشْر بن [١/ ٤٥٥] الوليد، ورَدَفَتْها كُدُورةٌ عائلية كما يدل عليه قول أبي يعلى: «شهد على خالي بالزور»، وهذه كلمة مرسلة لم يبيِّن ما هو الزور؟ ومن أين عرف أبو يعلى أنه زور؟ وعلى فرض تحققه ذلك، فهل تعمَّد ابن عمار الشهادة بالباطل أو أخطأ؟ وإعراض الناس ــ ومنهم ابن عدي حاكي الكلمة عن أبي يعلى ــ عن كلمته يبيِّن أنها كلمة طائشة لا تستحق أن يُلتفت إليها. وابن عمار أكبر من أبي يعلى بنحو خمسين سنة، فلعل أبا يعلى سمع خاله ــ ومن خاله؟ ــ يقول: شهد عليَّ ابن عمار بالزور، فأخذها أبو يعلى ولم يحققها.
стр. 811
وقدَّمنا في القواعد (١) أنه إذا ظهر أن بين الرجلين نُفْرة (٢) لم يُقبل ما يقوله أحدهما في الآخر إلا مفسَّرًا محققًا مثبتًا. ويتأكد ذلك بإعراض الناس عن كلمة أبي يعلى وإجماعهم على توثيق ابن عمار. فأما الغرائب فقد دلَّت كلمة ابن عدي على أنها غرائب صحاح، ولهذا ذكرها في صدد المدح؛ فحوَّله الكوثري إلى القدح. والله المستعان.
٢١٥ - محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه أبو عبد الله الضبّي الحاكم النيسابوري:
قال الأستاذ (ص ٧٠): «اختلط في آخره اختلاطًا شنيعًا على تعصبه البالغ». وقال (ص ١٤٩): «شديد التعصب اختلط في آخره، ويقال عنه: إنه كان رافضيًّا خبيثًا».
أقول: أما التعصب، فإن كان للحاكم طرف منه ففي تشيُّعه الخفيف. أما على أهل الرأي فلم يُعرف بتعصب، وقد سبق حكم التعصب في المقدمة (٣). وأما قول بعضهم: «إمام في الحديث رافضي خبيث»، فقد أجاب عنها الذهبي في «الميزان» (٤) قال: «إن الله يحبّ الإنصاف. ما الرجل برافضيّ، بل شيعي فقط». وتذكِّرني هذه الكلمة ما حكوه أن الصاحب ابن عباد كتب إلى قاضي قم:
стр. 812
أيها القاضي بقُمْ ... قد عزلناك فقُمْ
فقال القاضي: ما عزلَتْني إلا هذه السجعة!
وأما قول الكوثري: «اختلط ... اختلاطًا شنيعًا» فمجازفة، بل لم يختلط، وإنما قال ابن حجر في «اللسان» (١) بعد أن ذكر ما في «المستدرك» من التساهل: «قيل في الاعتذار عنه أنه عند تصنيفه «للمستدرك» كان في أواخر عمره، وذكر بعضهم أنه حصل له تغيُّر وغفلة في آخر عمره. ويدل على ذلك أنه ذكر جماعةً في كتاب «الضعفاء» له، وقطَعَ بترك الرواية عنهم، ومَنَع من الاحتجاج بهم؛ ثم أخرج أحاديث بعضهم في «مستدركه» [١/ ٤٥٦] وصححها».
ولعل المراد بقوله: «ذكر بعضهم» ما في «تذكرة الحفاظ» (٢) عن بعضهم أن الحاكم قال له: «إذا ذاكرتُ في باب لا بد من المطالعة لكبر سني». وهذا لا يستلزم الغفلة، ومع ذلك قوله: «تغيُّر وغفلة» لا يؤدي معنى الاختلاط، فكيف الاختلاط الشنيع؟
وقد رأيت في «المستدرك» المطبوع إثبات تواريخ السماع على الحاكم في أوله أي ج ١ ص ٢، ثم ص ٣٦، فـ ص ٦٩، فـ ص ٩٤، فـ ص ١٢٩، فـ ص ١٦٣. وتاريخ الأول سابع المحرم سنة ٣٩٣ (٣)، والثاني بعد ثلاثة أشهر
стр. 813
تقريبًا، وهكذا بعد كل ثلاثة أشهر يملي جزءًا في نيف وثلاثين صفحة من المطبوع. ولم يستمر إثبات ذلك في جميع الكتاب، وآخر ما وجدته فيه (ج ٣ ص ١٥٦ في غرة ذي القعدة سنة ٤٠٢). وهذا يدل أن تلك الطريقة استمرت منتظمة إلى ذاك الموضع، فأما بعد ذلك فالله أعلم، فإنه لو بقي ذاك الانتظام لم يتم الكتاب إلّا سنة ٤١٠، لكن الحاكم توفي سنة ٤٠٥. وفي المجلد الرابع ص ٢٤٩ ذِكْر الحاكم أول سند «أخبرنا الحاكم أبو عبد الله ... » لكنه بلا تاريخ.
هذا، واقتصاره في كل ثلاثة أشهر على مجلس واحد يملي فيه جزءًا بذاك القدر يدل أنه إنما ألَّف الكتاب في تلك المدة. فكان الحاكم مع اشتغاله بمؤلفات أخرى يشتغل بتأليف «المستدرك»، والتزم أن يحضِّر في كل ثلاثة أشهر جزءًا ويخرجه للناس فيسمعونه؛ إذ لو كان قد ألَّف الكتاب قبل ذلك وبيَّضه، فلماذا يقتصر في إسماع الناس على يوم في كل ثلاثة أشهر؟ فأما إسراعه في الأواخر، فلعله فرغ من مصنفاته الأخرى التي كان يشتغل بها مع «المستدرك»، فتفرغ للمستدرك.
وفي «فتح المغيث» (ص ١٣) (١) عند ذِكْر تساهل الحاكم في «المستدرك»: «فيه عدة موضوعات حمله على تصحيحها إما التعصُّبُ لما رمي به من التشيع وإما غيرُه، فضلًا عن الضعيف وغيره. بل يقال: إن السبب في ذلك أنه صنفه في أواخر عمره، وقد حصلت له غفلة وتغيُّر، وأنه لم
стр. 814
يتيسَّرْ له تحريره وتنقيحه، ويدل له: أن تساهله في قدر الخمس الأول منه قليل جدًّا بالنسبة لما فيه، فإنه وُجد عنده: إلى هنا انتهى إملاء الحاكم».
[١/ ٤٥٧] أقول: لا أرى الذنب للتشيع، فإنه يتساهل في فضائل بقية الصحابة كالشيخين وغيرهما. وفي المطبوع (ج ٣ ص ١٥٦): «حدثنا الحاكم ... إملاء غرة ذي القعدة سنة اثنتين وأربعمائة». وعادته كما تقدم أن يملي في المجلس جزءًا في بضع وثلاثين صفحة من المطبوع، فقد أملى إلى نحو صفحة ١٩٠ من المجلد الثالث المطبوع، وذلك أكثر من نصف الكتاب. فأما الموضع الذي في (ج ٤ ص ٣٤٩) فإنما فيه: «أخبرنا ... »، وليس فيه لفظ «إملاء» ولا ذكر التاريخ.
والذي يظهر لي في ما وقع في «المستدرك» من الخلل أن له عدة أسباب:
الأول: حرص الحاكم على الإكثار، وقد قال في خطبة «المستدرك» (١): «قد نبغ في عصرنا هذا جماعة من المبتدعة يشمتون برواة الآثار بأن جميع ما يصح عندكم من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث، وهذه الأسانيد المجموعة المشتملة على ألف جزء أو أقل أو أكثر كلُّها سقيمة غير صحيحة». فكان له هوى في الإكثار للرد على هؤلاء.
والثاني: أنه قد يقع له الحديث بسند عال أو يكون غريبًا مما يتنافس فيه المحدِّثون، فيحرص على إثباته. وفي «تذكرة الحفاظ» (ج ٢ ص ٢٧٠) (٢):
стр. 815
«قال الحافظ أبو عبد الله [بن] (١) الأخرم: استعان بي السرَّاج في تخريجه على «صحيح مسلم» فكنت أتحيَّر من كثرة حديثه وحسن أصوله، وكان إذا وجد الخبر عاليًا يقول: لا بد أن نكتبه (يعني في المستخرج) فأقول: ليس من شرط صاحبنا (يعني مسلمًا) [فيقول]: فشفعني فيه». فعرض للحاكم نحو هذا كلما وجد عنده حديثًا يفرح بعلوه أو غرابته اشتهى أن يثبته في «المستدرك».
الثالث: أنه لأجل السببين الأولين، ولكي يخفِّف عن نفسه من التعب في البحث والنظر، لم يلتزم أن لا يخرج ما له علة. وأشار إلى ذلك، قال في الخطبة: «سألني جماعة ... أن أجمع كتابًا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها، إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له، فإنهما رحمهما الله لم يدعيا ذلك لأنفسهما». ولم يصب في هذا، فإن الشيخين ملتزمان أن لا يخرجا إلا ما غلب على ظنهما بعد النظر والبحث والتدبر أنه ليس له علة [١/ ٤٥٨] قادحة. وظاهر كلامه أنه لم يلتفت إلى العلل البتة، وأنه يخرج ما كان رجاله مثل رجالهما، وإن لم يغلب على ظنه أنه ليس له علة قادحة.
الرابع: أنه لأجل السببين الأولين توسّع في معنى قوله: «بأسانيد يحتج ... بمثلها»، فبنى على أن في رجال «الصحيحين» مَنْ فيه كلام، فأخرج عن جماعة يعلم أنَّ فيهم كلامًا. ومحل التوسُّع أن الشيخين إنما يخرجان لمن فيه كلام في مواضع معروفة:
أحدها: أن يؤدّي اجتهادهما إلى أن ذاك الكلام لا يضرُّه في روايته البتة،
стр. 816
كما أخرج البخاري لعكرمة.
الثاني: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذاك الكلام إنما يقتضي أنه لا يصلح للاحتجاج به وحده، ويريان أنه يصلح لأن يحتج به مقرونًا أو حيث تابعه غيره ونحو ذلك.
ثالثها: أن يريا أن الضعف الذي في الرجل خاص بروايته عن فلان من شيوخه، أو برواية فلان عنه، أو بما يُسمع منه من غير كتابه، أو بما سُمع منه بعد اختلاطه، أو بما جاء عنه عنعنة وهو مدلس ولم يأت عنه من وجه آخر ما يدفع ريبة التدليس. فيُخرجان للرجل حيث يصلح، ولا يُخرجان له حيث لا يصلح. وقصَّر الحاكم في مراعاة هذا، وزاد فأخرج في مواضع لمن لم يخرجا ولا أحدهما له، بناءً على أنه نظير مَنْ قد أخرجا له. فلو قيل له: كيف أخرجتَ لهذا وهو متكلَّم فيه؟ لعله يجيب بأنهما قد أخرجا لفلان؛ وفيه كلام قريب من الكلام في هذا. ولو وفى بهذا لهان الخطب، لكنه لم يفِ به بل أخرج لجماعة هَلْكى!
الخامس: أنه شرع في تأليف «المستدرك» بعد أن بلغ عمره اثنتين وسبعين سنة وقد ضعفت ذاكرته كما تقدم عنه، وكان ــ فيما يظهر ــ تحت يده كتب أخرى يصنِّفها مع «المستدرك»، وقد استشعر قرب أجله، فهو حريص على إتمام «المستدرك» وتلك المصنفات قبل موته. فقد يتوهم في الرجل يقع في السند أنهما أخرجا له، أو أنه فلان الذي أخرجا له، والواقع أنه رجل آخر، أو أنه لم يجرح أو نحو ذلك. وقد رأيت له في «المستدرك» عدة أوهام من هذا القبيل يجزم بها، فيقول في الرجل: قد أخرج له مسلم مثلًا، مع أن
стр. 817
مسلمًا إنما أخرج لرجل آخر [١/ ٤٥٩] شبيهٍ اسمُه باسمه، ويقول في الرجل: فلان الواقع في السند هو فلان بن فلان، والصواب أنه غيره.
لكنه مع هذا كلِّه لم يقع خللٌ ما في روايته، لأنه إنما كان ينقل من أصوله المضبوطة، وإنما وقع الخلل في أحكامه. فكل حديث في «المستدرك» فقد سمعه الحاكم كما هو، هذا هو القَدْر الذي تحصل به الثقة. فأما حكمه بأنه على شرط الشيخين، أو أنه صحيح، أو أن فلانًا المذكور فيه صحابي، أو أنه هو فلان بن فلان، ونحو ذلك؛ فهذا قد وقع فيه (١) كثير من الخلل.
هذا، وذكرهم للحاكم بالتساهل إنما يخصونه بـ «المستدرك»، فكتبه في الجرح والتعديل لم يغمزه أحد بشيء مما فيها فيما أعلم. وبهذا يتبين أن التشبّث بما وقع له في «المستدرك» وبكلامهم فيه لأجله، إن كان لإيجاب التروِّي في أحكامه التي في «المستدرك» فهو وجيه، وإن كان للقدح في روايته أو في أحكامه في غير «المستدرك» في الجرح والتعديل ونحوه، فلا وجه لذلك. بل حاله في ذلك كحال غيره من الأئمة العارفين، إن وقع له خطأ فنادر كما يقع لغيره، والحكم في ذلك اطراح ما قام الدليل على أنه أخطأ فيه، وقبول ما عداه. والله الموفق.
٢١٦ - محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله أبو المفضّل الشيباني:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٦ [٤١٦]): «أخبرني الأزهري، حدثنا
стр. 818
أبو المفضّل الشيباني، حدثنا عبد الله بن أحمد الجصاص ... ».
قال الأستاذ (ص ١٠٧): «كتبوا عنه، ثم بان كذبه، فتركوا حديثه، كما في «تاريخ الخطيب» (ج ٥ ص ٤٦٧)».
أقول: ذكروا أنه كان ذا هيئة وسمت حسن، يحفظ. فانتخب عليه الدارقطني سبعة عشر جزءًا، وسمعها الناس منه، وقال الدارقطني: «يشبه الشيوخ». ثم روى عن ابن العراد شيئًا، فقيل له: الأكبر أم الأصغر؟ فقال: الأكبر. فقيل له: متى سمعتَ منه؟ فقال: سنة ٣١٠. فبلغ ذلك الدارقطني، فكذَّبه في ذلك، وتركوا السماع منه. ثم فسد بعد ذلك، فانضمّ إلى الرافضة، وصار يضع لهم، على ما قال الخطيب. والأزهري الذي روى الخطيب هنا عنه [١/ ٤٦٠] عن هذا الرجل هو ممن حكى القصة، فإنما روى عنه من تلك الأجزاء التي انتخبها الدارقطني. والله المستعان. (١)
٢١٧ - محمد بن عُبيد الطنافسي:
قال الأستاذ في «الترحيب» (ص ٣٧): «يقول فيه أحمد: يخطئ، ولا يرجع عن خطئه».
أقول: الظاهر أن خطأه إنما كان في اللحن، فقد وُصِف بأنه يلحن. فأما الثقة، فقد وثَّقه أحمدُ نفسُه، وابن معين وابن عمار والنسائي والعجلي وابن سعد والدارقطني وغيرهم. وقال ابن المديني: «كان كيِّسًا»، واحتجَّ به الشيخان في «الصحيحين» وبقية الأئمة. وانظر ما يأتي في ترجمة
стр. 819
المسيّب بن واضح (١).
٢١٨ - محمد بن أبي عتّاب أبو بكر الأعْيَن:
مرَّت الإشارة إلى روايته في ترجمة محمد بن إبراهيم بن جنَّاد (٢).
قال الأستاذ (ص ١٥٨): «لم يكن من أهل الحديث، كما قال ابن معين».
أقول: هذه كلمة مجملة، وقد فسَّرها الخطيب بقوله: «يعني: لم يكن بالحافظ للطرق والعلل، وأما الصدق والضبط فلم يكن مدفوعًا عنه». وقال الإمام أحمد: «رحمه الله تعالى، مات ولا يعرف إلا الحديث، ولم يكن صاحب كلام، وإني لأغبطه» (٣). وذكره ابن حبان في «الثقات» (٤)، وأخرج له مسلم في مقدمة «صحيحه» (٥). ولروايته المشار إليها شواهد كثيرة.
٢١٩ - محمد بن عثمان بن أبي شيبة:
جاءت عنه كلمة مرت الإشارة إلى موضعها في ترجمة راويها عنه طريف بن عبيد الله (٦). وفي «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٢٠ [٤٥٠]): «أخبرنا ابن رزق، أخبرنا هبة الله بن محمد بن حبش الفراء، حدثنا محمد بن عثمان ابن أبي شيبة قال: سمعت يحيى بن معين، وسئل عن أبي حنيفة فقال: كان
стр. 820
يضعَّف في الحديث».
قال الأستاذ (ص ١٤٧): «المجسِّم الكذَّاب، كذَّبه غير واحد» وقال (ص ١٦٨): «كذَّاب مكشوف الأمر».
أقول: أما ما يسميه الأستاذ تجسيمًا، فليس مما يُجرَح به، كما مرَّ في القواعد (١)، وقد بسطت الكلام في قسم الاعتقاديات من هذا الكتاب.
[١/ ٤٦١] وأما التكذيب، فإنه تفرَّد بنقله أحمد بن محمد بن سعيد ابن عُقدة، وليس بعمدة كما تقدم في ترجمته (٢). وتقدم في ترجمة محمد بن الحسين (٣) أنه لا يُقبل من ابن عُقدة ما ينقله من الجرح، ولاسيّما إذا كان في مُخالِفه في المذهب كما هنا. ويؤكد ذلك هنا أن ابن عُقدة نقل التكذيب عن عشرة مشهورين من أهل الحديث، وتفرَّد بذلك كلِّه ــ فيما أعلم ــ فلم يرو غيرُه عن أحد منهم تكذيبَ محمد بن عثمان. وقد كان محمد ببغداد وبغاية الشهرة كثير الخصوم، فتفرُّدُ ابنِ عقدة عن أولئك العشرة كافٍ لتوهين نقله.
وقد كانت بين محمد بن عثمان ومحمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي مُطَيَّن مشاقَّة، ساق الخطيب بعض خبرها عن الحافظ أبي نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني الذي توسَّط بينهما، ثم قال أبو نعيم: «ظهر لي أن الصواب الإمساكُ عن قَبولِ كلِّ واحد منهما في صاحبه» (٤). وليس في القصة ما هو بيِّن في التكذيب.
стр. 821
وذكر الخطيب عن حمزة السهمي أنه سأل الدارقطني عن محمد بن عثمان؟ فقال: «كان يقال: أخذ كتاب ابن (١) أبي أنس وكتبَ غيرِ محدِّث». وليس في هذا ما هو بيِّن في الجرح، لأنه لا يُدرَى من القائل؟ ولا أن محمدًا أخذ الكتب بغير حق. أو روى منها بغير حق، والحافظ العارف قد يشتري كتب غيره ليطالعها، كما كان الإمام أحمد يطلب كتب الواقدي وينظر فيها.
وقال الخطيب: «سألت البرقاني عن ابن أبي شيبة فقال: لم أزل أسمع الشيوخ يذكرون أنه مقدوح فيه». وليس في هذا ما يوجب الجرح، إذ لم يبيِّن من هو القادح، وما هو قدحه؟ وكأن ذلك إشارة إلى كلام مطيَّن ونقل ابن عقدة، وقد مرَّ ما في ذلك.
وروى الخطيب عن ابن المنادي قال: «أَكثرَ الناسُ عنه، على اضطراب فيه ... كنا نسمع شيوخ أهل الحديث وكهولهم يقولون: مات حديث الكوفة بموت موسى بن إسحاق، ومحمد بن عثمان، وأبي جعفر الحضرمي وعبيد بن غنَّام». واضطرابه في بعض حديثه ليس بموجب جرحًا.
وقال الخطيب أول الترجمة: «كان كثير الحديث، واسع الرواية، له معرفة وفهم ... سئل أبو علي صالح بن محمد عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة؟ فقال: ثقة. سئل عبدان عن ابن عثمان بن أبي شيبة؟ فقال: ما علمنا إلا خيرًا». وفي «الميزان» (٢) و «اللسان» (٣): «قال ابن عدي: لم أر له حديثًا منكرًا، وهو على ما وصف لي عبدان لا بأس به». وفي «اللسان» [١/ ٤٦٢]
стр. 822
«ذكره ابن حبان في «الثقات» (١) وقال: كتب عنه أصحابنا ... وقال مسلمة بن قاسم: لا بأس به، كتب الناسُ عنه، ولا أعلم أحدًا تركه».
وذكر الأستاذ (ص ٦٣) حكاية من «شرح السنة» (٢) جاءت من طريق محمد بن عثمان وفيها زيادة عن خالد بن نافع، وراح الأستاذ يتكلم فيها ويحمل على محمد بن عثمان. فأما زيادة خالد بن نافع إن قام الدليل على بطلان ما فيها فالذنب لخالد، وأما بقية الحكاية فإنما الإيهام في سياقها، فإنه يوهم أن حمادًا شهد عند ابن أبي ليلى بعد ولايته القضاء، والذي تبيِّنه الروايات الأخرى أن حمادًا كان يذكر ذلك، ثم بعد موت حماد رفعت القضية إلى ابن أبي ليلى، وشهد ناس بمثل ما كان يذكره حماد. وليس من شرط الثقة أن لا يخطئ ولا يهم، فما من ثقة إلا وقد أخطأ، وإنما شرط الثقة أن يكون صدوقًا الغالبُ عليه الصواب، فإذا كان كذلك فما تبيَّن أنه أخطأ فيه اطُّرِحَ، وقُبِلَ ما عداه. والله الموفق.
٢٢٠ - محمد بن علي أبو جعفر الورَّاق، لقبه حمدان:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٣ [٤١٢]) من طريق أبي بكر الشافعي: «حدثنا محمد بن علي أبو جعفر حدثنا أبو سلمة ... ».
قال الأستاذ (ص ٩٦): «هو حمدان الوراق حنبليٌّ جَلْد من أصحاب أحمد».
أقول: بحسب حمدان من الفضل أن لا يجد هذا الطَّعانُ ما يذمُّه به إلا نسبتَه إلى السنة وإمامها! والحمد لله الذي أنطق الكوثريَّ بتلك الكلمة، فإنها
стр. 823
مما يكشف تمويه الجهمية، ويهتك الحُجُب التي سدلوها بين المسلمين وكتاب ربهم وسنة نبيهم وإمامهم الحق.
ولحمدان ترجمة في «تذكرة الحفاظ» (ج ٢ ص ١٥٢) (١) قال: «الحافظ المتقن ... قال الخطيب: كان فاضلًا حافظًا عارفًا ثقة، روى ابن شاهين عن أبيه قال: كان من نبلاء أصحاب أحمد. وقال ابن المنادي: حمدان بن علي مشهود له بالفضل والصلاح والصدق ... وقال الدارقطني: ثقة».
٢٢١ - محمد بن علي بن الحسن بن شقيق:
راجع «الطليعة» (ص ١٠٨) (٢).
قال الأستاذ في «الترحيب» (ص ٥٠): «أما قولي في محمد بن علي بن الحسن بن شقيق: ليس بالقوي؛ [١/ ٤٦٣] فيكفي في إثباته إعراضُ الشيخين عن إخراج حديثه في «الصحيح» مع روايتهما عنه خارج «الصحيح»».
أقول: ليس هذا بشيء. من شأنهما في «الصحيح» أن يتطلَّبا العلوّ ما وجدوا إليه سبيلًا، ولا يرضيان بالنزول إلا أن يتفق لهما حديث صحيح تشتد الحاجة إلى ذكره في «الصحيح» ولا يقع لهما إلا بنزول. فلم يتفق لهما ذلك هنا، وهذا الرجل سنُّه قريب من سنِّهما، فروايتهما عنه نزول.
وهناك وجوه أخر لعدم إخراجهما للرجل في الصحيح، راجع ترجمة
стр. 824
إبراهيم بن شمّاس (١). ولهذا لم يلتفت المحققون إلى عدم إخراجهما، فلم يعدوا عدمَ إخراجهما الحديث دليلًا على عدم صحته، ولا عدمَ إخراجهما للرجل دليلًا على لينه.
ومحمد هذا وثَّقه النسائي، والنسائي ممن قد يفوق الشيخين في التشدد كما نبَّهوا عليه في ترجمته (٢). ووثَّقه غيره أيضًا، وروى عنه أبو حاتم، وقال: «صدوق»، وأبو زُرْعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة، كما في «لسان الميزان» (ج ٢ ص ٤١٦) (٣). وبقيّ بن مَخْلد وهو لا يروي إلا عن ثقة، كما مرَّ في ترجمة أحمد بن سعد (٤)، وابن خزيمة وهو لا يروي في «صحيحه» إلا عن ثقة. والله الموفق.
٢٢٢ - محمد بن علي بن عطية أبو طالب المكي:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٣ [٤٤٠]) حكاية من طريقه.
قال الأستاذ (ص ١٤٧): «أحد السالمية ويقول عنه الخطيب: إن له أشياء منكرة في الصفات. ثم روى عنه».
أقول: عبارة الخطيب (ج ٣ ص ٨٩): «صنَّف كتابًا سماه «قوت القلوب» على لسان الصوفية، ذكر فيه أشياء منكرة مستشنعة في الصفات ... قال العتيقي: وكان رجلًا صالحًا مجتهدًا في العبادة».
стр. 825
أقول: يراجع كتابه، فقد يكون المستنكر إنما هو من رأيه، لا روايته، فإذا كان كذلك فقد مرَّ تحقيقه في القواعد (١).
٢٢٣ - محمد بن علي البلخي:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٩ [٤٣٥ - ٤٣٦]): أخبرنا أبو حازم عمر بن أحمد بن إبراهيم العبدويّ الحافظ بنيسابور، أخبرنا محمد بن أحمد بن الغطريف (٢) بجرجان، [١/ ٤٦٤] حدثنا محمد بن علي البلخي، حدثني محمد بن أحمد التميمي بمصر، حدثني محمد بن جعفر الأسامي قال: كان أبو حنيفة يتهم شيطان الطاق ... ».
حكى الأستاذ هذه العبارة (ص ١٣٥) وزاد فيها قبل محمد بن جعفر: «عبد الله بن» بين قوسين، يعني أن الصواب « ... بمصر حدثني عبد الله بن محمد بن جعفر الأسامي ... ».
ثم قال: «محمد بن علي بن الحسين البلخي الهروي يغلب على رواياته المناكير. ومحمد بن أحمد التميمي العامري المصري كان كذابًا يروي نسخة موضوعة كما قال ابن يونس. وبالنظر إلى أن وفاته سنة ٣٤٣ لا يكون شيخه وُلِد إلا في النصف الأخير من المائة الثالثة، فيكون بين محمد بن جعفر الأسامي شيخه وبين شيطان الطاق المعاصر لأبي حنيفة زمان».
أقول: البلخي الذي ذكره الأستاذ يقال له: «الجَبَاخاني» توفي سنة ٣٥٧، فكأنه أصغر من الغطريفي، فإن مولد الغطريفي قديم، فقد سمع من
стр. 826
الحسن بن سفيان المتوفى ٣٠٣ ونحوه. ومحمد بن أحمد الذي تكلم فيه ابن يونس هو محمد بن أحمد بن عبد الله بن عبد الجبار بن هاشم بن عبد الجبار بن عبد الرحمن بن عيسى بن وردان الورداني العامري المصري، لم يذكروا أنه يقال له: «التميمي». والذي في سند الخطيب «التميمي»، وليس فيه «العامري»، والتميمي والعامري لا يجتمعان في حاقِّ النسب. زد على هذا أن العامري توفي سنة ٣٤٣، فسنُّه قريب من سن الغطريفي والجباخاني.
هذا وفي السند قول التميمي: «حدثني محمد بن جعفر الأسامي». فإن كان الأستاذ أومأ بزيادته إلى أنه عبد الله بن محمد بن أسامة الأسامي المذكور في «الميزان» و «اللسان»، فلا أرى العامريَّ أدركه؛ لأن عبد الله يروي عن الليث بن سعد المتوفى سنة ١٧٥ وابن لهيعة المتوفى قبل ذلك. وإن أراد أن شيخ العامري هو والد عبد الله هذا فذلك أبعد، مع أنه محمد بن أسامة، لا محمد بن جعفر.
فالحاصل أننا لم نعرف التميمي ولا الأسامي، ولم نتحقق من هو البلخي؟ والله أعلم.
٢٢٤ - محمد بن علي أبو العلاء الواسطي القاضي:
تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة محمد بن عثمان بن أبي شيبة (١).
стр. 827
قال الأستاذ (ص ١٤٧): «وهذا أيضًا في عداد المحفوظ عند النقلة في نظر الخطيب مع أنه هو الذي يقول عن أبي العلاء الواسطي: رأيت له أصولًا [١/ ٤٦٥] مضطربة وأشياء سماعُه فيها مفسود: إما مصلَح بالقلم، وإما مكشوط بالسكين، وقد انفرد برواية المسلسل بأخذ اليد».
أقول: أما قضية المحفوظ، فقد أجبنا عنها في ترجمة الخطيب (١). وأما ما وقع في أصول أبي العلاء، فالخطيب هو الذي حقَّق ذلك، فالظن به أنه انتقى من مرويات أبي العلاء ما تبيَّن له صحةُ سماعه، فذاك هو الذي يرويه عنه. وأما المسلسل فقد بيَّن أبو العلاء وهمه فيه، ورجع عنه كما ذكره الخطيب. وقال ابن حجر في «اللسان» (٢): «الذي يظهر لي ... أنه وهم في أشياء بيَّن الخطيبُ بعضها، وأما كونه اتهم بها أو ببعضها فليس هذا مذكورًا في تاريخ الخطيب ولا غيره ... وفي الجملة فأبو العلاء لا يُعتمد على حفظه، فأمّا كونه متهمًا فلا».
أقول: قد يقال: إنه اتُّهم في دعوى السماع، وإن لم يُتَّهم بالوضع. والله أعلم.
٢٢٥ - محمد بن عُمر بن محمد بن بَهْتة:
تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة ابن عقدة (٣).
قال الأستاذ (ص ٧٨): «شيعي لا يرضاه الخطيب».
стр. 828
أقول: إنما قال الخطيب: «سألت البرقاني عن ابن بَهْتة فقال: لا بأس به، إلا أنه كان يُذكر أن في مذهبه شيئًا، ويقولون: هو طالبي. قلت للبرقاني: تعني بذلك أنه شيعي، قال: نعم. أخبرنا أحمد بن محمد العتيقي قال: سنة ٢٧٤ فيها توفي أبو الحسن محمد بن عمر بَهْتة في رجب وكان ثقة». فقد ثبت التوثيق ولم يثبت ما ينافيه. (١)
٢٢٦ - محمد بن عَمْرو العُقيلي الحافظ:
قال الأستاذ (ص ١٥٠): «ذلك المتعصب الخاسر» وقال (ص ١٦٣): «لا نستطيع أن نثق بمثل الخطيب ولا بمثل العقيلي بعد أن شاهدنا منهما ما شاهدناه».
أقول: لا حرج أن نتسامح مع الأستاذ فنقول: قد كان في العقيلي تشددٌ ما، فينبغي التثبت فيما يقول من عند نفسه في مظانّ تشدُّده، فأما روايته فهي مقبولة على كل حال، وقد تقدم إيضاح ذلك في القواعد (٢). فأما الخسران فالعقيلي بعيد عنه بحمد الله. وأما قوله: «لا نستطيع أن نثق» فليس الأستاذ بأول من غلبه هواه!
٢٢٧ - [١/ ٤٦٦] محمد بن عوف:
تقدمت الإشارة إلى حكايته في ترجمة إسماعيل بن عياش (٣).
قال الأستاذ (ص ١٠٠): «مجهول، لأنه ليس أبا جعفر الطائي الحمصي الحافظ لتأخر ميلاده عن وفاة إسماعيل بن عياش».
стр. 829
أقول: لم يتضح لي أمرُه، ولعله وقع في السند سقط (١)، والحكاية ثابتة من وجوه أخرى.
٢٢٨ - محمد بن الفضل السدوسي المشهور بعارم:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٢ [٤٠٩ - ٤١٠]) من طريق الأ بَّار عن الحسن بن علي الحُلْواني: «حدثنا يزيد بن هارون عن حماد ... ح ... الأ بَّار، وحدثنا أبو موسى عيسى بن عامر، حدثنا عارم عن حماد ... ». ثم ساق الخطيب نحو ذلك من طريق إبراهيم بن الحجاج عن حماد بن زيد.
قال الأستاذ (ص ٩٤): «عارم ــ محمد بن الفضل اختلط اختلاطًا شديدًا بعد سنة ٢٢٠، وعيسى بن عامر ممن سمع منه بعد ذلك».
أقول: أما هذه الحكاية، فقد تابع عارمًا عليها ثقتان، كما رأيت. وأما أن سماع عيسى من عارم بعد اختلاطه فلم يثبته الأستاذ. وقد قال الدارقطني في عارم: «تغيَّر بأخرة، وما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر، وهو ثقة». وخالفه ابن حبان، فردَّ عليه الذهبي كما في «الميزان» (٢). (٣)
٢٢٩ - محمد بن فليح بن سليمان .
مرت الإشارة إلى حكايته في ترجمة سليمان بن فليح (٤).
стр. 830
قال الأستاذ (ص ٦٢): «يقول عنه ابن معين: إنه ليس بثقة».
أقول: روى أبو حاتم (١) عن معاوية بن صالح عن ابن معين: «فليح بن سليمان ليس بثقة، ولا ابنه». فسئل أبو حاتم، فقال: «ما به بأس، ليس بذاك القوي». وقد اختلفت كلمات ابن معين في فليح، قال مرة: «ليس بالقوي ولا يحتج بحديثه، هو دون الدراوردي»، وقال مرة: «ضعيف، ما أقربه من أبي أويس»، وقال مرة: «أبو أويس مثل فليح، فيه ضعف». وقال في أبي أويس: «صالح ولكن حديثه ليس بذاك الجائز»، وقال مرة: «صدوق وليس بحجة» (٢). فهذا كله يدل أن قوله في الرواية الأولى: «ليس بثقة»، إنما أراد أنه ليس بحيث يقال له ثقة، وتزداد الوطأةُ خفةً في قوله: «ولا ابنه» فإنها أخفُّ من أن يقال في الابن: «ليس بثقة». [١/ ٤٦٧] ويتأكد ذلك بأن محمد بن فليح روى عنه البخاري في «الصحيح»، والنسائي في «السنن». وقال الدارقطني: «ثقة». وذكره ابن حبان في «الثقات» (٣).
٢٣٠ - محمد بن كثير العبدي:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٧ [٤٤٧]) من طريق ابن أبي حاتم: «حدثني أبي قال: سمعت محمد بن كثير العبدي يقول: كنت عند سفيان الثوري، فذكر حديثًا، فقال رجل: حدثني فلان بغير هذا، فقال: من هو؟ قال: أبو حنيفة. قال: أحلتَني على غير مليء».
стр. 831
قال الأستاذ (ص ١٦١): «فيه يقول ابن معين: لا تكتبوا عنه، لم يكن بالثقة».
أقول: قال الإمام أحمد: «ثقة، لقد مات على سنة»، وقال أبو حاتم مع تشدده: «صدوق» (١)، وأخرج له الشيخان في «الصحيحين»، وبقية الستة. روى عنه أبو داود، وهو لا يروي إلا عن ثقة، كما تقدم في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم (٢). وروى عنه أبو زُرْعة، ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في «لسان الميزان» (ج ٢ ص ٤١٦) (٣)، وقال ابن حبان في «الثقات» (٤): «كان تقيًّا فاضلًا». وهذا كله يدل أن ابن معين إنما أراد بقوله: «ليس بالثقة» أنه ليس بالكامل في الثقة، فأما كلمة «لا تكتبوا عنه» فلم أجدها. نعم، قال ابن الجنيد عن ابن معين: «كان في حديثه ألفاظ، كأنه ضعَّفه» قال: «ثم سألته عنه فقال: لم يكن لسائل أن يكتب عنه» (٥). وابن معين كغيره إذا لم يفسِّر الجرح وخالفه الأكثرون يرجَّح قولُهم. ولهذه الحكاية عدة شواهد عند الخطيب وغيره.
٢٣١ - محمد بن كثير المصيصي:
تقدمت روايته في ترجمة علي بن زيد الفرائضي (٦).
стр. 832
قال الأستاذ (ص ١١١): «ضعَّفه أحمد جدًّا، وقال أبو حاتم: لم يكن عندي ثقة».
أقول: القائل: «لم يكن عندي ثقة» هو أحمد أيضًا، لا أبو حاتم، وقال أحمد عقبها: «بلغني أنه قيل له: كيف سمعت من مَعْمَر؟ قال: سمعت منه باليمن، بعث بها إليَّ إنسان من اليمن». فهذه حجة أحمد، حَمَل الحكاية على أن محمد بن كثير لم يسمع من معمر، وإنما بعث إليه إنسان بصحيفة من اليمن فيها أحاديث عن معمر، فظن محمد بن كثير أن ذلك يقوم مقام السماع من معمر. وليس هذا بالبيِّن، إذ قد يكون مراده: «سمعت منه باليمن وتركت أصلي باليمن ثم بعث به إليّ».
فأما أبو حاتم فإنما قال: «كان رجلًا صالحًا سكن المِصِّيصة، وأصله [١/ ٤٦٨] من صنعاء اليمن، كان في حديثه بعض الإنكار». وقال أيضًا: «سمعت الحسن بن الربيع يقول: محمد بن كثير اليوم أوثق الناس، وينبغي لمن يطلب الحديث لله تعالى أن يخرج إليه، كان يكتب عنه وأبو إسحاق الفزاري حي، وكان يُعرف بالخير مذ كان» (١). وقال ابن الجنيد عن ابن معين: «كان صدوقًا» (٢). وقال عبيد بن محمد الكَشْوَري عن ابن معين: «ثقة». وقال ابن سعد: «كان ثقة، ويذكرون أنه اختلط في أواخر عمره» (٣). وقال ابن حبان في «الثقات»: «يخطئ ويُغرب» (٤). وقال أبو داود: «لم يكن
стр. 833
يفهم الحديث». وقال أبو حاتم: «دُفِعَ إلى محمد بن كثير كتاب من حديثه عن الأوزاعي، فكان يقول في كل حديث منها: ثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي»! وقال الذهبي: «هذا تغفيل يسقط الراوي به».
أقول: أما السقوط فلا، وقد انتقدوا عليه أحاديث ذكرها الذهبي في «الميزان» (١):
الأول: روى عن الثوري عن إسماعيل عن قيس عن جرير: أظنه ــ شك ابن كثير ــ فذكر حديثًا. قالوا: الصواب بالسند: عن قيس عن دُكَين. وقد شكَّ محمد بن كثير، وبيَّن شكَّه، وليس من شرط الثقة أن لا يشك.
الثاني: حديث في قراءة (يس) رفعه محمد بن كثير، وصوَّبوا أنه مرسل، وهذا خطأ هيِّن يُحتمل للمكثر.
الثالث: حديث رواه عن الأوزاعي عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفَّيه ... ». رواه هكذا أبو داود من طريق محمد بن كثير، ورواه آخرون عن الأوزاعي قال: أُنبئت أن سعيد المقبري حدَّث عن أبيه ... ». وليس في هذا ما يقطع به بالوهم، فإن كان وهِمَ فمثلُه يُحتمَل للمكثر؛ لأن الأوزاعي ممن (٢) يروي عن ابن عجلان عن سعيد المقبري.
الرابع: أخرج الترمذي (٣) عن الحسن بن الصباح عن محمد بن كثير
стр. 834
ــ زاد في بعض النسخ: العبدي (؟) ــ عن الأوزاعي عن قتادة عن أنس قال: رأى النبي ﷺ أبا بكر وعمر، فقال: هذان سيدا كهول الجنة ... ». قال الترمذي: «حسن غريب من هذا الوجه»، ثم أخرجه من حديث علي (١). وهذا الحديث ذُكر في «الميزان» (٢) و «التهذيب» (٣) في ترجمة [١/ ٤٦٩] محمد بن كثير المِصِّيصي، وأنه أُنكِر عليه، ذُكر لابن المديني فقال: «كنت أشتهي أن أرى هذا الشيخ، فالآن لا أحِبُّ أن أراه». وأحسب أبا حاتم وابن حبان إنما أشارا إلى هذا الحديث، إذ قال الأول: «في حديثه بعض الإنكار»، وقال الثاني: «يُغرب». والحديث مذكور من حديث علي ﵁، ووَهْمُ محمد بن كثير في إسناده لا يُسقطه، بل حقُّه أن يُتَّقَى ما يظهر أنه وهِمَ فيه، ويُحتَجُّ به فيما توبع عليه، ويُنظَر فيما تفرَّد به، وليس بمنكر. والله أعلم.
٢٣٢ - محمد بن محمد بن سليمان الباغندي وأبوه:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧١ [٣٧٢ - ٣٧٣]): «أخبرني الحسن بن محمد الخلّال، حدثنا محمد بن العباس الخزّاز ــ وأخبرنا محمد بن أحمد [بن محمد] بن حسنون النَّرْسي، أخبرنا موسى بن عيسى بن عبد الله السراج= قالا: حدثنا محمد بن محمد الباغندي، حدثنا أبي قال: كنت عند عبد الله بن الزبير، فأتاه كتاب أحمد بن حنبل: اكتب إليّ بأشنع مسألة عن أبي حنيفة، فكتب إليه: حدثني الحارث بن عُمير قال: سمعت أبا حنيفة
стр. 835
يقول .. ».
قال الأستاذ (ص ٣٧): « ... قال الدارقطني: كان كثير التدليس، يحدِّث بما لم يسمع، وربما سرق اهـ ... وكان إبراهيم بن الأصبهاني يكذِّبه، وكان الأبُ يكذِّب الابنَ، والابنُ الأبَ، وكثير من أهل النقد يصدِّقهما في تكذيب أحدهما الآخر ... ومن الدليل على بطلان الخبر من أساسه أن الحميدي مكيّ لم يجالس أصحاب أبي حنيفة ولا درس فقهه، وأحمد عراقي تفقه على أصحاب أبي حنيفة، فمثلُ أحمد العراقي لا يسأل الحميديَّ المكي ... ».
أقول: أما خبر تكذيب كلٍّ منهما الآخر، فرواه الخطيب (١) عن أبي العلاء محمد بن علي الواسطي ــ وقد تقدمت ترجمته (٢) ــ عن عبد الله بن إبراهيم الزبيبي (٣) قال: قال أبو بكر أحمد بن أبي الطيب المؤدب ... وأبو بكر هذا لم أظفر بترجمته، فإن صحت الحكاية فالظاهر أن الأب إنما أنكر على الابن شدة التدليس الذي صُورتُه كذبٌ كما يأتي. فأما كلمة الابن، ففَلْتة لسان عند سَورة غضب، فلا يُعتدّ بها. والأب ذَكَره ابنُ حبان في «الثقات» (٤). وحكى السلمي عن الدارقطني أنه قال: «لا بأس به» (٥). وقال
стр. 836
الخطيب: «مذكور بالضعف، ولا [١/ ٤٧٠] أعلم لأية علةٍ ضُعِّفَ، فإن رواياته كلها مستقيمة ولا أعلم في حديثه منكرًا» (١).
أقول: لعل ابن أبي الفوارس إنما ضعَّفه لأنه قد يخطئ، كما وقع في هذه الحكاية، جعلها من رواية الحميدي عن الحارث بن عمير، والصواب: الحميدي عن حمزة بن الحارث بن عمير عن أبيه، كما قاله حنبل بن إسحاق.
وأما الابن، فقال الإسماعيلي: «لا أتهمه، ولكنه خبيث التدليس». وقال ابن مظاهر: «هذا رجل لا يكذب، ولكن يحمله الشَّرَهُ على أن يقول: حدَّثَنا». وروى الخطيب من طريق عمر بن الحسن بن علي ــ وقد تقدمت ترجمته (٢) ــ قال: «سمعت أبا عبد الله محمد بن أحمد بن أبي خيثمة، وذُكِر عنده أبو بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي، فقال: ثقة كثير الحديث، لو كان بالموصل لخرجتم إليه، ولكنه منطرح إليكم ولا تريدونه». جزم الذهبي في «التذكرة» (٣) و «الميزان» (٤) ــ وتبعه ابن حجر في «اللسان» (٥) ــ بنسبة هذه الكلمة إلى محمد بن أحمد [بن] أبي خيثمة بناء على الوثوق بعمر بن الحسن، وقد مرت ترجمته. وقال الحاكم عن ابن المظفر: «الباغندي ثقة إمام، لا يُنكر منه إلا التدليس، والأئمة دلَّسوا». وقال
стр. 837
الخطيب: «لم يثبت من أمر ابن الباغندي ما يعاب به سوى التدليس ورأيت كافة شيوخنا يحتجُّون بحديثه ويخرجونه في الصحيح» (١). وقال الذهبي بعد أن حكى كلمة ابن الأصبهاني: «بل هو صدوق من بحور الحديث». وقال ابن حجر في «طبقات المدلسين» (ص ١٥): «مشهور بالتدليس مع الصدق والأمانة».
أقول: هي قضية واحدة أطلق بعضهم أنها كذب، وبعضهم أنها تحديث بما لم يسمع، وبعضهم أنها تدليس خبيث. وهو أنه كان يطلق فيما أخذه من ثقة عن أبي بكر بن أبي شيبة مثلًا: «حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة»! وإذ قد عُرف اصطلاحه في هذا، فليس بكذب.
وفي «فتح المغيث» (ص ٧٥) (٢) نظائر قال: «كقول الحسن البصري: خَطَبَنا ابنُ عباس، وخطبنا عُتبة بن غزوان؛ وأراد أهلَ البصرة بلده، فإنه لم يكن بها حين خُطْبتهما. ونحوه في قوله: ثنا أبو هريرة. وقول طاوس: قدم علينا معاذ اليمن، وأراد أهل بلده فإنه لم يدركه».
وقال قبل ذلك: «بل وُصِف به من صرَّح بالإخبار في الإجازة كأبي نُعيم، والتحديث في الوجادة كإسحاق بن راشد الجَزَري، وكذا فيما لم يسمعه كفِطْر بن خليفة ... وقال ابن عمار عن [١/ ٤٧١] القطان: كان فِطْرٌ صاحبَ ذي: سمعتُ، سمعتُ. يعني أنه يدلِّس فيما عداها».
ولا شبهة في جواز مثل هذا لغةً، إذا كانت هناك قرينة, وقد خاطب الله
стр. 838
تعالى اليهود في عصر محمد ﷺ بقوله: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩] الآيات، وفيها: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى﴾ [البقرة: ٥٥]. وفي «الصحيح» (١) عن السائب بن يزيد: «كنا نؤتَى بالشارب في عهد رسول الله ﷺ ... ». قال ابن حجر في «الفتح» (٢): «فيه إسنادُ القائلِ الفعلَ بصيغة الجمع التي يدخل هو فيها مجازًا ... لأن السائب كان صغيرًا جدًّا ... فكأن مراده بقول: كنا، أي الصحابة». وكثيرًا ما يقع في أشعار العرب: «قتلنا فلانًا» وفعلنا وفعلنا، والفاعل غيره من قومه، فإذا كانت هناك قرينة تنفي الحقيقة أو تدافع ظهورَ الكلمة فيها خرجَتْ عن الكذب. ومن القرينة أن يُعرَف عن الرجل أنه ممن (٣) يستعمل هذا، وإن لم تكن هناك قرينة خاصة، اتكالًا على هذه القرينة العامة، وهي أنه ممن يستعمل ذلك.
وأما قول الدارقطني: «ربما سرق» فكأنه أراد بها أنه قد يقول: «حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة» مثلًا فيما لم يسمعه من أبي بكر ولا ممن سمعه من أبي بكر، وإنما وجده في كتاب رجل سمعه من أبي بكر. وكأنّ الدارقطني أخذ هذا من قصةٍ حكاها عن ابن حِنْزابة، وليست بالبيِّنة في ذلك. وهَبْ أن ذلك صح، فالوجادة صحيحة من طرق التحمل، فآل الأمر إلى التدليس. وقد دلت استقامة حديث الباغندي وخلوّه عن المناكير على أنه كان لا يدلِّس إلا فيما لا شبهة في صحته عمن يسمِّيه فلا يقول مثلًا: «حدثنا أبو بكر
стр. 839
ابن أبي شيبة» إلا فيما يستيقن أن أبا بكر ابن أبي شيبة حدَّث به، فهذا تحقيق حاله.
أما قول الأستاذ: «ومن الدليل على بطلان الخبر ... »، فليس بشيء لأن غالب الكلمات المستشنعة من أبي حنيفة كانت منه إذ كان بمكة في أوائل أمره، كما يُعْلَم من تتبُّع الحكايات، وكان الحميدي تتبَّع ذلك. وأصحابُ أبي حنيفة الذين سمع منهم أحمدُ شيئًا في بدء أمره ــ وقد تقدم النظر في ذلك في ترجمته ــ كان أدبهم يمنعهم من الإخبار عن شيخهم بما يُسْتشنَع، ولا سيما إذا علموا أن ذلك كان في أول أمره، ثم رجع أو كف عنه. والله المستعان. (١)
٢٣٣ - [١/ ٤٧٢] محمد بن المظفّر بن إبراهيم أبو الفتح الخياط:
تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة محمد بن علي بن عطية (٢).
قال الأستاذ (ص ١٤٨): «لا يعرفه أحد سوى الخطيب، ولا روى عنه أحد سواه».
أقول: بنى هذه المجازفة على قول الخطيب في ترجمة هذا الرجل: «كتبتُ عنه في سنة ٤١٣، وهو شيخ صدوق كان يسكن دار إسحاق، ولا أعلم كتب عنه أحد غيري».
ويكفي هذا الرجلَ روايةُ الخطيب وتصديقُه.
стр. 840
٢٣٤ - محمد بن معاوية الزيادي:
تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة زكريا بن يحيى الساجي (١).
قال الأستاذ (ص ١٨): «والزيادي ممن أعرض عنهم الأئمة الستة في أصولهم، وعادة ابن حبان في التوثيق معروفة».
أقول: قد قدَّمنا مرارًا أن كونهم لم يُخرجوا للرجل ليس بدليل على وَهْنه عندهم، ولاسيّما مَن كان سنُّه قريبًا من سنِّهم وكان مقلًّا كهذا الرجل؛ فإنهم كغيرهم من أهل الحديث إنما يُعْنَون بعلوِّ الإسناد ولا ينزلون إلا لضرورة. وقد روى النسائي عن هذا الرجل في «عمل اليوم والليلة» (٢)، وقال في «مشيخته» (٣): «أرجو أن يكون صدوقًا، كتبتُ عنه شيئًا يسيرًا». وإنما قال: «أرجو ... »؛ لأنه إنما سمع منه شيئًا يسيرًا ولم يتفرغ لاختباره لاشتغاله بالسعي وراء مَن هم أعلى منه إسنادًا ممن هم في طبقة شيوخ هذا الرجل. وقد قال مَسلمة بن قاسم: «ثقة صدوق». وقال ابن حبان في «الثقات» (٤): «كان صاحب حديث». فدلَّ هذا أنه قد عرفه حقَّ معرفته. وقد قدَّمنا في ترجمة ابن حبان (٥) أن مثل هذا من توثيقه توثيق مقبول، بل قد يكون أثبت من توثيق كثير من الأئمة؛ لأن ابن حبان كثيرًا ما يتعنَّت في الذين يعرفهم، ولم يغمزه أحد.
стр. 841
٢٣٥ - محمد بن موسى البربري:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٤ [٣٧٨ - ٣٨٩]) من طريق يعقوب بن سفيان قال: «حدثنا سليمان بن حرب»، ثم من طريق البربري هذا: «حدثنا ابن الغلَابي عن سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد ... ». وقد تقدمت الحكاية مع بعض المتابعات في ترجمة طلق بن حبيب (١).
قال الأستاذ (ص ٤٣): «قال عنه الدارقطني: إنه لم يكن بالقوي. ولم يكن يحفظ غير حديثين أحدهما موضوع عند الأكثرين».
[١/ ٤٧٣] أقول: كلمة الدارقطني تعطي أنه قويّ في الجملة، كما مرَّ في ترجمة الحسن بن الصباح (٢)، وأما الحفظ فليس بشرط، كان علم الرجل في كتبه ومنها يروي، وذلك أثبت من الحفظ. والحديث الذي زعم الكوثري أنه موضوع، هو حديث الطير، وقد تقدمت الإشارة إليه في ترجمة عبد الله بن محمد بن عثمان ابن السقاء (٣)، وأهل الحديث يروونه قبل أن يُخلقَ البربري بزمان طويل، فأيُّ شيء عليه إذا رواه؟ فأما حفظه له، فكأنه لأن الناس كانوا يُكثرون من السؤال عنه. ومع هذا فقد توبع البربري في هذه الحكاية كما رأيت.
٢٣٦ - محمد بن ميمون أبو حمزة السُّكَّري:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٤ [٤١٢]) من طريق «إسحاق بن راهويه
стр. 842
حدثني أحمد بن النضر قال: سمعت أبا حمزة السكري يقول: سمعت أبا حنيفة ... ».
قال الأستاذ (ص ٩٧): «مختلط، وإنما روى عنه من روى من أصحاب الصحاح قبل الاختلاط».
أقول: لم يختلط، وإنما قال النسائي: «ذهب بصره في آخر عمره، فمن كتب عنه قبل ذاك فحديثه جيد». وإنما يُخشى منه بعد عماه أن يحدِّث من حفظه بالأحاديث التي تطول أسانيدها وتشتبه فيخطئ، وليس ما هنا كذلك. فأما ذِكْر ابن القطان الفاسي له فيمن اختلط، فلم يعرف له مستند غير كلام النسائي (١)، وقد علمتَ أن ذلك ليس بالاختلاط الاصطلاحي.
٢٣٧ - محمد بن نصر بن مالك:
«تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٢ [٤٣٩]): «أخبرني الحسن بن أبي طالب، أخبرنا محمد بن نصر بن [أحمد بن نصر بن] مالك، حدثنا أبو الحسن علي بن إبراهيم النجاد ... ».
قال الأستاذ (ص ١٤٤): «ذلك الكذاب صاحب التسميع الطري ... ».
أقول: قال الأزهري: «حضرت عند محمد بن نصر بن مالك، فوجدته على حالة عظيمة من الفقر والفاقة، وعرض عليَّ شيئًا من كتبه لأشتريه. ثم انصرفت من عنده، وحضرت عند أبي الحسن ابن رزقويه فقال لي: ألا ترى ابن مالك؟ جاءني بقطعة من كتب [ابن] أبي الدنيا، قال: اشترِها منِّي، فإن
стр. 843
فيها سماعك معي ... قال الأزهري: فنظرت في تلك الكتب، وقد سمَّع فيها ابن مالك بخطِّه لابن رزقويه تسميعًا طريًّا». فهذا الرجل إنما خلط بأخرة لعِظَم ما نزل به. [١/ ٤٧٤] والحكاية التي رواها الخطيب من طريقه، راويها عنه من المتثبّتين الذين كانت عادتهم أن لا يسمعوا من الرجل إلا من أصوله الموثوق بها. (١)
٢٣٨ - محمد بن يعلى زُنبور:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٥ [٣٨١]) من طريقه: «سمعت أبا حنيفة يقول: قدمتْ علينا امرأةُ جهم بن صفوان فأدَّبتْ نساءنا».
قال الأستاذ (ص ٤٨): «قال البخاري عنه: ذاهب الحديث. و [قال] النسائي: ليس بثقة. و [قال] أبو حاتم: متروك. و [قال] أحمد بن سنان: كان جهميًّا. ومن المقرر عند أهل النقد أن رواية المبتدع لا تقبل فيما يؤيد به بدعته ... على أنه مات سنة ٢٠٤، فيصغر عن إدراك ما يمكن أن يتصور حدوثه في أواخر الدولة الأموية».
أقول: قد وثَّقه أبو كريب، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٢) وقال: «لا يجوز الاحتجاج به فيما خالف فيه الثقات». والظاهر أنهم شدَّدوا عليه لبدعته، وروايةُ المبتدع قد تقدّم النظرُ فيها في القواعد (٣)، وروايته هذه لها شواهد تدل أن للقصة أصلًا. والمنقول أنه توفي سنة ٢٠٥، ولم يحك أنه
стр. 844
شاهد القصة حتى يقال: إنه يَصْغُر عن إدراكها، إنما حكى قول أبي حنيفة وقد أدركه وسمع منه وروى عنه.
٢٣٩ - محمد بن يوسف الفريابي:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٢ [٤٤٠]) من طريقه: «كنا في مجلس سعيد بن عبد العزيز بدمشق ... ».
قال الأستاذ (ص ١٤٦): «ذلك الرجل الصالح الذي سكن عسقلان مرابطًا ... وكان يأمر أهل الثغر بالاستثناء في كل شيء ... وكان بالغ العِداء للمرجئة الذين لا يستثنون في الإيمان ... ».
أقول: الإرجاء والاستثناء قد تعرضتُ لهما في قسم الاعتقاديات (١). والمخالفةُ في المذهب قد تقدمَّ النظر فيها في القواعد (٢)، واتضح أنها لا تقدح في الرواية كما لا تُرَدُّ بها الشهادة. والفريابي ثقة ثبت فاضل، لا يتهمه إلا مخذول.
٢٤٠ - محمد بن يونس الجمال:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٦ [٤٤٦]) من طريقه: «سمعت يحيى بن سعيد يقول: سمعت شعبة يقول: كفٌّ من تراب خير من أبي حنيفة».
قال الأستاذ [١/ ٤٧٥] (ص ١٥٩): «قال محمد بن الجهم: هو عندي متهم، قالوا: كان له ابن يدخل عليه الأحاديث. وقال ابن عدي: ممن يسرق حديث الناس ... ».
стр. 845
أقول: محمد بن الجهم هو السِّمَّري صدوق وليس من رجال هذا الشأن، وقوله: «قالوا: كان له ابن ... » لم يبيِّن من القائل. وابن عدي إنما رماه بالسرقة لحديثٍ واحد رواه عن ابن عيينة، فذكر ابن عدي (١) أنه حديث حسين الجعفي عن ابن عيينة، يعني أنه معروف عندهم أنه تفرَّد به حسين الجعفي عن ابن عيينة. وحسين الجعفي ثقة ثبت، فالحديث ثابت عن ابن عيينة، وقد سمع الجمال من ابن عيينة، فالحكم على الجمال بأنه لم يسمعه وإنما سرقه ليس بالبيِّن. لكن لم أر من وثَّق الجمال، فهو ممن يُستشهد به في الجملة. والله أعلم.
٢٤١ - محمد بن يونس الكُدَيمي:
مرت الإشارة إلى روايته في ترجمة ضرار بن صرد (٢).
قال الأستاذ (ص ٦٠): «متكلَّم فيه. راجع «ميزان الاعتدال»».
أقول: الكديمي ليس بعمدة، وقد توبع على روايته المذكورة كما تقدم، ومرّ له ذِكْر في ترجمة سفيان الثوري (٣).
٢٤٢ - محمود بن إسحاق بن محمود القوّاس:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١١ [٤٣٨]): «أخبرني محمد بن عبد الملك القرشي، أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين الرازي، حدثنا