← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 337

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

٢٣٥ - محمد بن موسى البربري: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٤ [٣٧٨ - ٣٨٩]) من طريق يعقوب بن سفيان قال: «حدثنا سليمان بن حرب»، ثم من طريق البربري هذا: «حدثنا ابن الغلَابي عن سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد ... ». وقد تقدمت الحكاية مع بعض المتابعات في ترجمة طلق بن حبيب (١). قال الأستاذ (ص ٤٣): «قال عنه الدارقطني: إنه لم يكن بالقوي. ولم يكن يحفظ غير حديثين أحدهما موضوع عند الأكثرين». [١/ ٤٧٣] أقول: كلمة الدارقطني تعطي أنه قويّ في الجملة، كما مرَّ في ترجمة الحسن بن الصباح (٢)، وأما الحفظ فليس بشرط، كان علم الرجل في كتبه ومنها يروي، وذلك أثبت من الحفظ. والحديث الذي زعم الكوثري أنه موضوع، هو حديث الطير، وقد تقدمت الإشارة إليه في ترجمة عبد الله بن محمد بن عثمان ابن السقاء (٣)، وأهل الحديث يروونه قبل أن يُخلقَ البربري بزمان طويل، فأيُّ شيء عليه إذا رواه؟ فأما حفظه له، فكأنه لأن الناس كانوا يُكثرون من السؤال عنه. ومع هذا فقد توبع البربري في هذه الحكاية كما رأيت. ٢٣٦ - محمد بن ميمون أبو حمزة السُّكَّري: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٤ [٤١٢]) من طريق «إسحاق بن راهويه

стр. 842

حدثني أحمد بن النضر قال: سمعت أبا حمزة السكري يقول: سمعت أبا حنيفة ... ». قال الأستاذ (ص ٩٧): «مختلط، وإنما روى عنه من روى من أصحاب الصحاح قبل الاختلاط». أقول: لم يختلط، وإنما قال النسائي: «ذهب بصره في آخر عمره، فمن كتب عنه قبل ذاك فحديثه جيد». وإنما يُخشى منه بعد عماه أن يحدِّث من حفظه بالأحاديث التي تطول أسانيدها وتشتبه فيخطئ، وليس ما هنا كذلك. فأما ذِكْر ابن القطان الفاسي له فيمن اختلط، فلم يعرف له مستند غير كلام النسائي (١)، وقد علمتَ أن ذلك ليس بالاختلاط الاصطلاحي. ٢٣٧ - محمد بن نصر بن مالك: «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٢ [٤٣٩]): «أخبرني الحسن بن أبي طالب، أخبرنا محمد بن نصر بن [أحمد بن نصر بن] مالك، حدثنا أبو الحسن علي بن إبراهيم النجاد ... ». قال الأستاذ (ص ١٤٤): «ذلك الكذاب صاحب التسميع الطري ... ». أقول: قال الأزهري: «حضرت عند محمد بن نصر بن مالك، فوجدته على حالة عظيمة من الفقر والفاقة، وعرض عليَّ شيئًا من كتبه لأشتريه. ثم انصرفت من عنده، وحضرت عند أبي الحسن ابن رزقويه فقال لي: ألا ترى ابن مالك؟ جاءني بقطعة من كتب [ابن] أبي الدنيا، قال: اشترِها منِّي، فإن

стр. 843

فيها سماعك معي ... قال الأزهري: فنظرت في تلك الكتب، وقد سمَّع فيها ابن مالك بخطِّه لابن رزقويه تسميعًا طريًّا». فهذا الرجل إنما خلط بأخرة لعِظَم ما نزل به. [١/ ٤٧٤] والحكاية التي رواها الخطيب من طريقه، راويها عنه من المتثبّتين الذين كانت عادتهم أن لا يسمعوا من الرجل إلا من أصوله الموثوق بها. (١) ٢٣٨ - محمد بن يعلى زُنبور: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٥ [٣٨١]) من طريقه: «سمعت أبا حنيفة يقول: قدمتْ علينا امرأةُ جهم بن صفوان فأدَّبتْ نساءنا». قال الأستاذ (ص ٤٨): «قال البخاري عنه: ذاهب الحديث. و [قال] النسائي: ليس بثقة. و [قال] أبو حاتم: متروك. و [قال] أحمد بن سنان: كان جهميًّا. ومن المقرر عند أهل النقد أن رواية المبتدع لا تقبل فيما يؤيد به بدعته ... على أنه مات سنة ٢٠٤، فيصغر عن إدراك ما يمكن أن يتصور حدوثه في أواخر الدولة الأموية». أقول: قد وثَّقه أبو كريب، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٢) وقال: «لا يجوز الاحتجاج به فيما خالف فيه الثقات». والظاهر أنهم شدَّدوا عليه لبدعته، وروايةُ المبتدع قد تقدّم النظرُ فيها في القواعد (٣)، وروايته هذه لها شواهد تدل أن للقصة أصلًا. والمنقول أنه توفي سنة ٢٠٥، ولم يحك أنه

стр. 844

شاهد القصة حتى يقال: إنه يَصْغُر عن إدراكها، إنما حكى قول أبي حنيفة وقد أدركه وسمع منه وروى عنه. ٢٣٩ - محمد بن يوسف الفريابي: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٢ [٤٤٠]) من طريقه: «كنا في مجلس سعيد بن عبد العزيز بدمشق ... ». قال الأستاذ (ص ١٤٦): «ذلك الرجل الصالح الذي سكن عسقلان مرابطًا ... وكان يأمر أهل الثغر بالاستثناء في كل شيء ... وكان بالغ العِداء للمرجئة الذين لا يستثنون في الإيمان ... ». أقول: الإرجاء والاستثناء قد تعرضتُ لهما في قسم الاعتقاديات (١). والمخالفةُ في المذهب قد تقدمَّ النظر فيها في القواعد (٢)، واتضح أنها لا تقدح في الرواية كما لا تُرَدُّ بها الشهادة. والفريابي ثقة ثبت فاضل، لا يتهمه إلا مخذول. ٢٤٠ - محمد بن يونس الجمال: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٦ [٤٤٦]) من طريقه: «سمعت يحيى بن سعيد يقول: سمعت شعبة يقول: كفٌّ من تراب خير من أبي حنيفة». قال الأستاذ [١/ ٤٧٥] (ص ١٥٩): «قال محمد بن الجهم: هو عندي متهم، قالوا: كان له ابن يدخل عليه الأحاديث. وقال ابن عدي: ممن يسرق حديث الناس ... ».

стр. 845

أقول: محمد بن الجهم هو السِّمَّري صدوق وليس من رجال هذا الشأن، وقوله: «قالوا: كان له ابن ... » لم يبيِّن من القائل. وابن عدي إنما رماه بالسرقة لحديثٍ واحد رواه عن ابن عيينة، فذكر ابن عدي (١) أنه حديث حسين الجعفي عن ابن عيينة، يعني أنه معروف عندهم أنه تفرَّد به حسين الجعفي عن ابن عيينة. وحسين الجعفي ثقة ثبت، فالحديث ثابت عن ابن عيينة، وقد سمع الجمال من ابن عيينة، فالحكم على الجمال بأنه لم يسمعه وإنما سرقه ليس بالبيِّن. لكن لم أر من وثَّق الجمال، فهو ممن يُستشهد به في الجملة. والله أعلم. ٢٤١ - محمد بن يونس الكُدَيمي: مرت الإشارة إلى روايته في ترجمة ضرار بن صرد (٢). قال الأستاذ (ص ٦٠): «متكلَّم فيه. راجع «ميزان الاعتدال»». أقول: الكديمي ليس بعمدة، وقد توبع على روايته المذكورة كما تقدم، ومرّ له ذِكْر في ترجمة سفيان الثوري (٣). ٢٤٢ - محمود بن إسحاق بن محمود القوّاس: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١١ [٤٣٨]): «أخبرني محمد بن عبد الملك القرشي، أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين الرازي، حدثنا

стр. 846

محمود بن إسحاق بن محمود القواس ببخارى (١) قال: سمعت أبا عمرو حريث (٢) بن عبد الرحمن ... ». قال الأستاذ (ص ٤٢): «لا نثق بالقواس وصاحبه». أقول: إذا كان أهل العلم قد وثَّقوهما وثبَّتوهما، ولم يتكلم أحد منهم فيهما، فماذا ينفعك أن تقول: لا نثق بهما؟ ومحمود هو صاحب الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، روى عنه «جزء رفع اليدين»، و «جزء القراءة خلف الإمام»، وهو آخر من روى عنه ببخارى كما في «مقدمة الفتح» (٣). والراوي عنه هو الحافظ البصير، ترجمته في «تذكرة الحفاظ» (ج ٣ ص ٢١٨) (٤) والحكاية تتعلق بالطلاق قبل النكاح، وقد نظرتُ فيها في قسم الفقهيات. ٢٤٣ - مسدَّد بن قَطَن: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٣ [٤٤٢]) من طريق الحاكم: «سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانئ يقول: حدثنا مسدّد بن قَطَن، حدثنا محمد بن أبي عتاب [١/ ٤٧٦] الأعيَن، حدثنا علي بن جرير الأبيوردي ... ». قال الأستاذ (ص ١٤٩): «ليس بأحسن حالًا من أبيه السابق ذكره». أقول: قد تقدمت ترجمة أبيه (٥)، والنظر فيما قيل فيه، ولا شأن له بهذه

стр. 847

الرواية. فأما مسدَّد، فترجمته في «تاريخ نيسابور»، وفيها كما في «مرآة الجنان» (١) و «الشذرات» (٢): «كان مربِّي (٣) عصره والمقدَّم في الزهد والورع»، ولم يتكلم فيه أحد. وروايته هذه قد صحَّت عن علي بن جرير من عدَّة أوجه، كما تقدم في ترجمة علي بن جرير (٤)، وما فيها من ترك ابن المبارك الرواية عن أبي حنيفة بأخرة، قد ثبت من عدة وجوه أخرى. (٥) ٢٤٤ - مسلم بن أبي مسلم: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٥ [٣٩٩]) من طريق «الحسن بن الوضاح المؤدب، حدثنا مسلم بن أبي مسلم الحرفي (٦) (؟)، حدثنا أبو إسحاق الفزاري ... ». قال الأستاذ (ص ٧٢): «مسلم بن أبي مسلم عبد الرحمن الجَرْمي وثَّقه الخطيب، لكن في «اللسان» أنه ربما يخطئ. وقال البيهقي: غير قوي. وقال

стр. 848

أبو الفتح الأزدي: حدَّث بأحاديث لا يتابَع عليها». أقول: ذكره ابن حبان في «الثقات» (١): «مسلم بن أبي مسلم الجرمي سكن بغداد، يروي عن يزيد بن هارون ومخلد بن الحسين، ثنا عنه الحسن بن سفيان وأبو يعلى، ربما أخطأ، مات سنة أربعين ومائتين». وقد قدَّمنا في ترجمة ابن حبان (٢) أنّ توثيقه لمن قد عرفه من أثبت التوثيق. وقوله: «ربما أخطأ» لا ينافي التوثيق، وإنما يظهر أثر ذلك إذا خالف من هو أثبت منه. فأما أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي، فليس في نفسه بعُمْدة حتى لقد اتهموه بوضع الحديث، ومع ذلك فليس من شرط الثقة أن يتابَع في كل ما حدَّث به، وإنما شرطه أن لا يتفرد بالمناكير عن المشاهير فيكثر. والظاهر أن الأزدي إنما عنى الحديث الذي ذكره البيهقي، وهو ما رواه مسلم هذا عن مخلد بن الحسين عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعًا: «لا يقل أحدكم: زَرَعتُه، ولكن ليقل: حَرَثتُه». قال أبو هريرة: ألم تسمع [١/ ٤٧٧] إلى قول الله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٤]. وهذا الحديث أخرجه ابن جرير (٣) في تفسير سورة الواقعة عن

стр. 849

أحمد بن الوليد القرشي عن مسلم. وفي «اللسان» (١) أن البيهقي أخرجه في «شعب الإيمان» (٢) من وجهين [عنه]، وقال: إن مسلمًا غير قوي. ولعل ابن حبان إنما أشار بقوله: «ربما أخطأ» إلى هذا الحديث، حَمَله على أن الصواب موقوف، وأخطأ مسلم في رفعه. ومسلم مكثر في التفسير، كما يُعلم من «تفسير ابن جرير». فإنْ ترجَّحَ خطاؤه في هذا الحديث الواحد لم يضرَّه ذلك إن شاء الله. وابن حبان والخطيب أعرف بالفن ودقائقه من البيهقي. ٢٤٥ - المسيّب بن واضح: ذكر الأستاذ (ص ٧٥) رواية محبوب بن موسى عن يوسف بن أسباط «قال أبو حنيفة: لو أدركني رسول الله ﷺ ــ أو أدركته ــ لأخذ بكثير من قولي». ثم قال: «وفي الطبعة الهندية والمخطوطة بدار الكتب المصرية زيادة سوق الخبر بسند آخر ... عن المسيب بن واضح عن يوسف بن أسباط إلى آخره»، ثم قال: «يقول أبو حاتم عن المسيب بن واضح: صدوق يخطئ كثيرًا، فإذا قيل له: لم يقبل اهـ. ومثله يكون مردود الرواية، وقد ضعَّفه الدارقطني وابن الجوزي». أقول: ذكر الخطيب في «الكفاية» (ص ١٤٣ - ١٤٧) ما يتعلق بخطأ الراوي وبعدم رجوعه، فذكروا أنه يُرَدُّ روايةُ من كان الغالب عليه الغلط، ومن يغلط في حديث مجتمع عليه، فيُنْكَر عليه، فلا يرجع. ومعلوم من

стр. 850

تصرفاتهم ومن مقتضى أدلتهم أن هذا حكم الغلط الفاحش الذي تعظم مفسدته. فلا يدخل ما كان من قبيل اللحن الذي لا يُفسد المعنى، ومن قبيل ما كان يقع من شعبة من الخطأ في الأسماء، وما كان يقع من وكيع وأشباه ذلك. وكما وقع من مالك، كان يقول في عمرو بن عثمان: «عمر بن عثمان»، وفي معاوية بن الحكم: «عمر بن الحكم»، وفي أبي عبد الله الصُّنابحي: «عبد الله الصنابحي». وقد جاء عن معن بن [١/ ٤٧٨] عيسى أنه ذكر ذلك لمالك، فقال مالك: «هكذا حفظنا، وهكذا وقع في كتابي، ونحن نخطئ، ومن يسلم من الخطأ؟ ». فلم يرجع مالك مع اعترافه باحتمال الخطأ. فكلمة أبي حاتم في المسيّب لا تدل على أنه كان الغالب عليه، ولا أن خطأه كان فاحشًا، ولا أنه بُيِّن له في حديث اتفاق أهل العلم على تخطئته فلم يرجع. وقد قال أبو عَروبة في المسيّب: «كان لا يحدِّث إلا بشيء يعرفه يقف عليه». وهذا يُشعر بأن غالب ما وقع منه من الخطأ ليس منه بل ممن فوقه، فكان يثبت على ما سمع قائلًا في نفسه: إنْ كان خطأ فهو ممن فوقي، لا منِّي. وفي «الميزان» (١) و «اللسان» (٢) عن ابن عدي (٣) أنه ساق الأحاديث التي تُنتقد على المسيب ثم قال: «أرجو أن باقي حديثه مستقيم، وهو ممن

стр. 851

يُكتب حديثه». وذكر في «الميزان» أربعة أحاديث، إما أن تكون هي جميع ما ذكره ابن عدي (١)، وإما أن يكون الذهبي رأى الأمر فيما عداها محتملًا. الأول: رواه المسيب عن يوسف بن أسباط، ويوسف ربما أخطأ في الأسانيد. الثاني: حديث رواه ابن عدي (٢) عن الحسين بن إبراهيم السكوني ــ لم أقف على ترجمته ــ عن المسيّب بسنده عن ابن عمر مرفوعًا: أنه كره شمَّ الطعام، وقال: إنما تشمُّ السباع. وقد روى الطبراني في «الكبير» (٣) والبيهقي في «الشعب» (٤) كما في «الجامع الصغير» ــ من حديث أم سلمة مرفوعًا: «لا تشموا الطعام كما تشمّه السباع». فليُنظرْ في سنده، ويقارَنْ بسند حديث المسيب لعله يتبين وجه الغلط. [١/ ٤٧٩] والثالث: ليس بالمنكر أراه، فإن كان فيه خطأٌ فيحتمل أن يكون من فوق. والله أعلم. والرابع: قالوا: صوابه موقوف. وعلى هذا، فإنما أخطأ في رفعه. وزاد في «اللسان» خامسًا: وهو من رواية المسيب عن يوسف بن

стр. 852

أسباط. وقال ابن عدي: «كان النسائي حسن الرأي فيه، ويقول: الناس يؤذوننا فيه». وذكره ابن حبان في «الثقات» (١) وقال: «وكان يخطئ». وقال الدارقطني: «فيه ضعف». وسئل عَبْدان عن عبد الوهاب بن الضحاك والمسيب، فقال: «كلاهما سواء» (٢) وهذا إسراف، عبد الوهاب كذاب، والمسيب صدوق، حدُّه أن لا يُحتج بما ينفرد به، والحكاية التي تكلَّم فيه الأستاذ من أجلها قد توبع عليها، وليست من مظان الغلط. والله أعلم. وللمسيب رواية في ترجمة أبي يوسف وقع فيها: أن رجلًا قال لابن المبارك: «مات أبو يوسف»، فقال ابن المبارك: «مسكين ... ». قال الأستاذ (ص ١٨٧): «ابن المبارك مات قبل أبي يوسف بسنة كاملة اتفاقًا ... هكذا يفضح الله البهاتين». أقول: كثيرًا ما يشاع موت الرجل خطأ، وقد كان ابن المبارك شديدًا على أبي يوسف لولايته القضاء، ومجالسته الخلفاء. وقد غضب ابن المبارك على إسماعيل بن إبراهيم ابن عُلَيّة لولايته شيئًا خفيفًا، وقال فيه تلك الأبيات السائرة. وإذا كان أبو حنيفة يفتي بالخروج على المنصور العباسي ويرى أنه أفضل من الرباط في قتال الروم، كما تقدم في ترجمة إبراهيم بن محمد [١/ ٤٨٠] أبي إسحاق الفزاري (٣)، فليت شعري ماذا كان يقول في أبي يوسف لو أدرك ولايته القضاء ومجالسته الرشيد؟

стр. 853

٢٤٦ - مصعب بن خارجة بن مصعب: تقدمت روايته في ترجمة أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن (١) وفيها قوله: «سمعت حمادًا ... ». قال الأستاذ (ص ١٢٧): «مجهول الصفة كما يقول أبو حاتم». أقول: قد عرَفه ابن حبان، فقال في «الثقات» (٢): «مصعب بن خارجة بن مصعب، من أهل سرخس، يروي عن حماد بن زيد وأبيه، روى عنه أهل بلده، مات سنة إحدى أو اثنتين ومائتين، وكان على قضاء سرخس». ونقل ابن حجر في «اللسان» (٣) بعض هذه العبارة، وفيه أيضًا: «حماد بن زيد». فقول الأستاذ: إن حمادًا في الحكاية هو ابن سلمة فيه ما فيه. (٤) ٢٤٧ - مطرِّف بن عبد الله بن مطرِّف بن سليمان بن يسار أبو مصعب اليساري الأصم: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٩ [٤٢١]) من طريق «القاسم بن المغيرة الجوهري، حدثنا مطرّف أبو مصعب الأصم قال: سئل مالك بن أنس عن قول عمر في العراق: بها الداء العُضال. قال: الهَلَكة في الدين، ومنهم

стр. 854

أبو حنيفة». ذكر الأستاذ (ص ١١٣) أن الصواب: «عن قول كعب لعمر» لأنه كذلك في «الموطأ». ثم قال (ص ١١٤): «قال ابن عدي: يروي المناكير عن ابن أبي ذئب ومالك، ولذا فند هذه الرواية أبو الوليد الباجي ... ». أقول: فسَّر ابن عدي (١) كلمته بأن ذكر أحاديث مناكير رواها ابن عدي عن أحمد بن داود بن عبد الغفار عن أبي مصعب، فردَّ الذهبيُّ (٢) وغيره على ابن عدي بأن الحَمْل في تلك الأحاديث على أحمد بن داود، وأحمد بن داود كذَّبه الدارقطني، ورماه العقيلي وابن طاهر بالوضع. أقول: قد وقع لابن عدي شبيه بهذا في غالب القطان (٣). قال ابن حجر في «مقدمة الفتح» (٤): «وأما ابن عدي، فذكره في «الضعفاء» وأورد له أحاديثَ، الحَمْلُ فيها على الراوي عنه عمر بن مختار البصري، وهو من عجيب ما وقع لابن عدي، والكمال لله». ويظهر لي أن لابن عدي هنا عذرًا ما، ففي ترجمة أحمد بن داود من «اللسان» (٥): «قال [١/ ٤٨١] أبو سعيد بن يونس: حدَّث عن أبي مصعب بحديث منكر، فسألته عنه، فأخرجه من كتابه كما حدَّث به». وفيه بعد ذلك

стр. 855

ذكرُ حديثه عن أبي مصعب عن عبد الله بن عمر عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: «من رأى مبتلى فقال: الحمد لله»، إلخ، قال: «قال ابن عدي لما حدَّث أحمدُ بهذا الحديث عن مطرِّف: كانوا يتهمونه ... فظلموه لأنه قد رواه عن مطرِّف: عليُّ بن بحر (١)، وعباس الدوري، والربيع ... ». فقد يكون الحديث الذي ذكره ابن يونس هو هذا الحديث: من رأى مبتلى إلخ. رآه ابن عدي في أصل أحمد بن داود، وعرف أن غيره قد رواه عن مطرّف، ورأى أن الحمل فيه على مطرف البتة، فقاس بقية الأحاديث عليه. وقد يكون الحديث الذي ذكره ابن يونس غير هذا الحديث، ويكون ابن عدي رأى الأحاديث في أصل أحمد بن داود، فاعتقد براءته منها للدليل الظاهر وهو ثبوتها في أصله، فحَمَلها كلَّها على مطرِّف. فإن كان الأمر على هذا الوجه الثاني، فذاك الدليل وهو ثبوت الأحاديث في أصله يحتمل الخلل. ففي «لسان الميزان» (ج ١ ص ٢٥٣) (٢): «أحمد بن محمد بن الأزهر ... قال ابن حبان: كان ممن يتعاطى حفظ الحديث، ويجري مع أهل الصناعة فيه، ولا يكادُ يُذكر له باب إلّا وأغْرَب فيه عن الثقات، ويأتي فيه عن الأثبات بما لا يتابع عليه. ذاكرتُه بأشياء كثيرة فأغرب عليَّ فيها، فطالبته (٣) على الانبساط، فأخرج إليَّ أصول أحاديث ... فأخرج إليَّ كتابَه بأصل عتيق ... قال ابن حبان: فكأنه كان يعملها في صباه ... ». فهذا رجل روى أحاديث باطلة، وأبرز أصله العتيق بها، فإما أن يكون

стр. 856

كان دجّالًا وقت طلبه، كان يسمع شيئًا ويكتب في أصله معه أشياء يعملها، وإما أن يكون كان معه وقت طلبه بعض الدجالين، فكان يُدخل عليه ما لم يسمع، كما وقع لبعض المصريين مع خالد بن نجيح، كما تراه في ترجمة عثمان بن صالح السهمي من «مقدمة الفتح» (١). وفي ترجمة محمد بن غالب تمتام من «الميزان» (٢) أنه أُنكِر عليه حديثٌ، فجاء بأصله إلى إسماعيل القاضي، فقال له إسماعيل: «ربما وقع الخطأ للناس في الحداثة». وفي «الكفاية» (ص ١١٨ - ١١٩) عن حسين بن حبان: «قلت ليحيى بن معين: ما تقول في رجل حدَّث بأحاديث منكرة، فردَّها عليه أصحاب الحديث، إن هو رجع وقال: ظننتها، فأما إذ أنكرتموها عليَّ فقد رجعتُ عنها؟ فقال: [١/ ٤٨٢] لا يكون صدوقًا أبدًا، ... فقلت ليحيى: ما يبرئه؟ قال: يخرج كتابًا عتيقًا فيه هذه الأحاديث، فإذا أخرجها في كتاب عتيق فهو صدوق، فيكون شُبِّه له، وأخطأ كما يخطئ الناس، فيرجع عنها». فأنت ترى ابن معين لم يجعل ثبوتها في الأصل العتيق دليلًا على ثبوتها عمن رواها صاحب الأصل عنهم، بل حمله على أنه شُبِّه له وأخطأ في أيام طلبه. إذا تقرَّر هذا فلعل الأحاديث التي ذكرها ابن عدي عن أحمد بن داود عن أبي مصعب رآها ابن عدي في أصل عتيق لأحمد بن داود، فبنى على أنَّ ذلك دليل ثبوتها عن أبي مصعب. وهذا الدليل لا يُوثَق به كما رأيت، لكن

стр. 857

في البناء عليه عذرٌ ما لابن عدي، يخفُّ به تعجبُ الذهبي إذ يقول: «هذه أباطيل حاشا مطرِّفًا من روايتها، وإنما البلاء من أحمد بن داود، فكيف خفي هذا على ابن عدي؟ ! ». بقي حديث مطرِّف، عن عبد الله بن عمر العمري، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة رفعه: «من رأى مبتلًى، فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضَّلَني على كثير ممن خلق تفضيلًا، لم يُصبه ذلك البلاء». فهذا رواه جماعة عن أبي مصعب، وأخرجه الترمذي (١) وقال: «غريب من هذا الوجه»، وزاد في بعض النسخ: «حسن». وأخرج قبل ذلك (٢) من طريق عمرو بن دينار مولى آل الزبير، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن عمر ــ نحوه. وعمرو بن دينار هذا متكلَّم فيه، وعدُّوا هذا الحديث فيما أُنكر عليه، وأحسب أن بعض الرواة سمع هذا وسمع حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: «من قال إذا أمسى ثلاث مرات: أعوذ بكلمات الله التامات من شرِّ ما خلق لم تضرَّه حُمَةٌ تلك الليلة» (٣) فاشتبه عليه الحديثان فحسب الأول بسند الثاني فرواه كذلك. وقد يكون هذا الخطأ من مطرِّف, وقد يكون من شيخه عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم, فإنه ليِّن حتى قال البخاري: «ذاهب لا أروي عنه شيئًا». فإن كان الخطأ من أبي مصعب, فقد يخطئ على عبد الله بن عمر ما لا يخطئ على مالك لمزيد اختصاصه به.

стр. 858

والأثر: «إن بالعراق الداء العضال» ثابت في «الموطأ» (١) عن مالك، ومطرِّف يقول: «سئل مالك» فليس هنا مظنة الخطأ. ومطرِّف قال فيه أبو حاتم: «مضطرب الحديث صدوق» (٢)، [١/ ٤٨٣] ورجحه على إسماعيل ابن أبي أويس. وقال ابن سعد والدارقطني: «ثقة». وروى عنه أبو زُرْعة ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما مرَّ مرارًا. وروى عنه البخاري في «صحيحه». ٢٤٨ - معبد بن جمعة أبو شافع: تقدمت روايته في ترجمة القاسم بن عثمان (٣)، وتقدم هناك قول الأستاذ: «كذَّبه أبو زُرْعة الكَشِّي». أقول: هكذا وقع في «الميزان» (٤) و «اللسان» (٥)، وأبو زرعة الكشي هو محمد بن يوسف الجنيدي. قال حمزة السهمي في «تاريخ جرجان» (٦) في ترجمة معبد: «حدثنا عنه جماعة سمعت أبا زرعة محمد بن يوسف الجنيدي يقول: كان أبو شافع اسمه واسم أبيه واسم جده غير ما ذكر، هو غيَّرَ أسماءهم، وكان ثقة في الحديث إلا أنه كان يشرب المسكر». فكأنَّ

стр. 859

بعضهم استروَح إلى قوله: «هو غيَّر أسماءهم»، فعدَّها تكذيبًا، وتبعه غيره بدون تحقيق. وتغيير الاسم ليس بكذب، وقد غيَّر النبي ﵌ أسماء جماعة، وغيَّر في بعضهم اسمه واسم أبيه، اللهم إلّا أن يدَّعي الرجل أنَّ اسمه لم يزل كذلك، وهذا يدفعه قولُ الكشي: «وكان ثقة في الحديث». فأما شُرب المسكر، فقد تأوّل جماعةٌ في ما عدا الخمر المتفق عليها، فيشربون القدر الذي لا يُسكرهم، ولم يَعُدَّ أهل العلم ذلك قادحًا في العدالة، وإن ذمَّ أكثرُهم ذلك. فهذا هو الذي وقع من أبي شافع بدليل قول الكَشِّي «وكان ثقة في الحديث». والله المستعان. ٢٤٩ - المفضّل بن غسان الغِلَابي: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٢٠ [٤٥٠]) عنه قال: «أبو حنيفة ضعيف». قال الأستاذ (ص ١٦٩): «من المنحرفين عن أهل الكوفة مثل عمرو بن علي الفلاس البصري، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني الناصبي، وحالهم يغني عن التعرض للأسانيد، على أن الجرح غير المفسَّر لا يؤثر في أي راوٍ، فضلًا عمن ثبتت إمامته، وتواترت أمانته». أقول: تقدمت ترجمة الجوزجاني وترجمة عَمرو بن عليّ (١)، وبيَّنَّا أن الجوزجاني شديد على [١/ ٤٨٤] الشيعة، ولم تبلغ شدته بحمد الله أن يخرج عن الحد، إنما يقول في الشيعي: «زائغ»، أو: «رديء المذهب» أو نحو ذلك، وأبو حنيفة لم يشتهر بالتشيع، وعمرو بن علي والغلابي لا

стр. 860

أعرفهما بانحراف، نعم هؤلاء كلهم مخالفون لأبي حنيفة في المذهب، والمخالفة لا تقتضي اطِّراح جرح المخالف البتة. وقد قبل الناس من يحيى بن معين وغيره من الأئمة جرحَهم لكثير من الرواة المخالفين لهم في المذهب. والجرحُ غير المفسَّر قد تقدم في القواعد (١) البحثُ فيه وأن التحقيق أنه مقبول من أهله إلَّا أن يعارضه توثيق أثبت منه. وبالجملة فالذي يُخشى من جرح المخالف ومن الجرح الذي لم يفسَّر هو الخطأ، فمتى تبيَّن أو ترجَّح أنه خطأ لم يؤخذ به. والإمامة في الفقه لا تستلزم الثقة في الحديث، ولا يضرُّ الحنفيَّةَ أن يثبت أن أبا حنيفة ممن لا تقوم الحجة بما يتفرد بروايته. ولاتكاد توجد لهم مسألة يمكن أن يستدلوا عليها بشيء تفرَّد أبو حنيفة بروايته إلَّا وهم يستدلون عليها بأشياء أخرى. وقد استدل بعضُهم على الشافعي بحديث أبي حنيفة عن عاصم في المرتدة، فلما رُدَّ عليه ذلك لم يكابر، بل قال: «إني إنما ذهبت في ترك قتل النساء إلى القياس ... » كما تقدم في ترجمة الشافعي (٢). وكما أن الإنصاف يقضي أن لا يُتخذ ما ثبت عن الأئمة كسفيان الثوري وغيره من قولهم في أبي حنيفة ما يقتضي أنها لا تقوم الحجة بما ينفرد بروايته ذريعةً إلى الطعن في فقهه جملةً وفي مذهبه، فكذلك يقضي أن لا يُتَّخذ ما يستدَلُّ به على فقهه جملةً ذريعةً إلى ردِّ كلام أئمة الفن في روايته. وأقتصر هنا على هذا القدر. وأسأل الله تعالى التوفيق.

стр. 861

٢٥٠ - منصور بن أبي مزاحم: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٠ [٤٢٢]) من طريقين عنه أنه سمع مالك بن أنس يقول في أبي حنيفة: «كاد الدينَ ... ». قال الأستاذ (ص ١١٦): «ليس منصور بن أبي مزاحم التركي البطل المغوار من رجال هذا الميدان». أقول: ذكروا أن هذا التركي كان كاتبًا في الديوان، ثم ترك ذلك وتجرّد للحديث، وهو عندهم ثقة. قال أبو زُرْعة عن ابن معين: «تركي ثبت»، وقال أبو حاتم: «صدوق»، وذكر أنه سأل ابن معين عنه فأثنى عليه وقال: «كتبت عنه»، وقال الدارقطني: «ثقة». [١/ ٤٨٥] وأخرج له مسلم في «صحيحه» (١)، وأبو داود، والنسائي. وخطَّأه أحمد في حديث، ولا يضرُّه ذلك. وقد غلبت الأستاذَ هنا نزعتُه الجنسية، فلم يقل في هذا التركي إلا أنه ليس من رجال هذا الميدان. ولا أدري ما عنى بذلك؟ وفي مقابل ذلك خلع عليه لقب «البطل المغوار» جزافًا، وإنما كان كاتبًا ثم صار محدِّثًا. ٢٥١ - موسى بن إسماعيل أبو سلمة التَّبُوذَكي: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٣ [٤١٢]) من طريقه: «حدثنا أبو عوانة قال: سمعت أبا حنيفة ... ». قال الأستاذ: «راوية تلك الطامَّات عن حماد بن سلمة». أقول: يعني ما رواه من أحاديث الصفات، وقد تقدم النظر في ذلك في

стр. 862

ترجمة حماد بن سلمة (١). وتلك الأحاديث ما بين حقٍّ قد وَكَل الله به قومًا يؤمنون به، وبين حقٍّ محمول على معنى يليق به. فإن كان في شيء خطأ، فلا شأن لأبي سلمة به، وهو مُجمَع على ثقته والاحتجاج به. ٢٥٢ - موسى بن المساور أبو الهيثم الضبّي: تقدمت روايته في ترجمة عبد الرحمن بن عمر (٢). قال الأستاذ (ص ١٣٦): «من رجال «الحلية» مجهول الحال، ولم أر من وثَّقه». أقول: قال أبو الشيخ في «طبقات الأصبهانيين» (٣): «روى عن سفيان بن عيينة وعبيد الله بن معاذ ووكيع والناس، وكان خيِّرًا فاضلًا، ترك ما ورثه من أبيه لإخوته، ولم يأخذ منه شيئًا؛ لأن أباه كان يتولى للسلطان ... ». ونحو ذلك في «تاريخ أصبهان» (٤) لأبي نعيم. وبهذا يثبت أن الرجل عَدْل صدوق. ويبقى النظر في ضبطه، وسكوتُ هذين الحافظين وغيرهما من حفاظ أصبهان وغيرهم عن الكلام في روايته يدل أنه لم يكن به بأس. ٢٥٣ - مؤمّل بن إسماعيل: تقدمت روايته في ترجمة عامر بن إسماعيل (٥).

стр. 863

قال الأستاذ (ص ٣٨): «يقول فيه البخاري: إنه منكر الحديث. ويقول أبو زُرْعة: «في حديثه خطأ كثير». أقول: وثَّقه إسحاق بن راهويه ويحيى بن معين، ووثقه أيضًا ابن سعد والدارقطني ووصفاه بكثرة الخطأ، ولخَّص محمد بن نصر المروزي حاله فقال: «إذا انفرد بحديث وجب [١/ ٤٨٦] أن يتوقف فيه ويتثبت؛ لأنه كان سيئ الحفظ كثير الغلط». فحدُّه أن لا يحتج به إلا فيما توبع فيه، وفيما ليس من مظان الخطأ. ٢٥٤ - مؤمَّل بن إهاب: راجع «الطليعة» (ص ٦٨) (١). وحاصل ذلك أن الأستاذ قال في «التأنيب» (ص ٦٥): «ضعَّفه ابن معين على ما حكاه الخطيب». فبينتُ أن الخطيب إنما حكى عن ابن الجنيد قال: «سئل يحيى بن معين ــ وأنا أسمع ــ عن مؤمل بن إهاب، فكأنه ضعَّفه». وقد وثَّقه جماعة. فقال الأستاذ في «الترحيب» (ص ٤٥): «فقول القائل: (كأنه ضعَّفه) لا يفرق كثيرًا من قوله: (ضعفه)، لكون الحكم على الأحاديث بالصحة أو الضعف، وعلى الرجال بالثقة أو الضعف، في أخبار الآحاد مبنيًّا على ما يبدو للناظر (٢)، لا على ما في نفس الأمر. فظهر أن ذلك عبارة عن غلبة الظن فيما لا يقين فيه، وسبق أن نقلنا عن أحمد في الرمادي: كأنه يغيِّر الألفاظ. وقد بنى عليه الذمَّ الشديد باعتبار أن ظنَّ الناظر ملزم».

стр. 864

أقول: ابن الجنيد هنا راوٍ لا ناظر، وباب الرواية اليقين. فإن كان قد يكفي الظن، فذاك الظن الجازم، وآيتُه أن يجزم الراوي الثقة. فأما قوله: «أظن» مثلًا، فإنه يصدق بظن ما، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] فما بالك بقوله: «فكأنه ضعَّفه». وأصل كلمة «كأن» للتشبيه، والتشبيه يستلزم كون المشبَّه غير المشبه به. فأما معناها الثاني فعبَّر عنه في «مغني اللبيب» (١) بقوله: «الشك والظن» فدل ذلك على أنها دون «أظنه». وفي ترجمة الحسن بن موسى الأشيب من «مقدمة الفتح» (٢) مثل هذه الكلمة «كأنه ضعيف»، فدفعها الحافظ ابن حجر بقوله: «هذا ظن لا تقوم به حجة». هذا وترددُ ابن الجنيد يحتمل وجهين أظهرهما: أن يكون جرى من ابن معين عندما سئل عن مؤمّل ما يُشعر بأنه لم يُعجبه مؤمل. ولا ندري ما الذي جرى منه وما قدرُ دلالته؟ على أنهم مما يقولون: «ضعَّفه فلان» مع أن الواقع من فلان تليين يسير، كما تقدمت الإشارة إليه في القاعدة السادسة من قسم القواعد (٣)، فما بالك بقوله: «فكأنه ضعَّفه»؟ وإنما ينقل أهل العلم أمثال هذه الكلمة لاحتمال أن يوجد تضعيف صريح، فيكون مما يعتضد به. فأما هنا فلا يوجد إلا التوثيق. نعم، الثقات يتفاوتون في درجات التثبت، ويظهر أن مؤملًا لم يكن في أعالي [١/ ٤٨٧] الدرجات ففي الرواة من هو أثبت منه،

стр. 865

وإنما يظهر أمر ذلك عند التخالف والتعارض عند الأولين. فأما كلمة الإمام أحمد في إبراهيم بن بشار الرمادي، فقد تقدم لفظها في ترجمة إبراهيم (١)، فراجِعْها يتبيَّنْ لك أن أحمد كان جازمًا بأن إبراهيم كان يملي على الناس على خلاف ما سمعوا، وأنه إنما لامه وذمَّه على ذلك. وإنما قال: «كأنه يغيِّر الألفاظ» لأحد أمرين: الأول: أن يكون أحمد جوَّز أن تكون العبارة التي ساقها إبراهيم هي عبارة ابن عيينة نفسه قبل ذلك المجلس، وأن تكون عبارة إبراهيم نفسه بأن غيَّر ألفاظ ابن عيينة وعبَّر عن المعنى، وكانت نفس أحمد مائلة إلى هذا الاحتمال الثاني فقال: «كأنه يغيِّر الألفاظ» أي من عنده. الأمر الثاني: أن يكون أحمد قد علم جملةً حين سمع في ذاك المجلس عبارة سفيان ثم عبارة إبراهيم اختلافَ العبارتين، ولم يحقق حينئذ وجه الاختلاف، ثم لما أخبر بذلك مال إلى أن الوجه هو تغيير الألفاظ. وعلى كلا الأمرين، فأحمد محقِّق لاختلاف العبارتين جازم به، وعلى ذلك بنى اللوم والذم، لا على مجرد احتمال أن إبراهيم يغيِّر الألفاظ. فإن قيل: اختلاف العبارتين مستلزم لتغيير الألفاظ. قلت: إنْ صح هذا استعمل أحمد «كأن» في التحقيق بدليل ما قبلها، وذلك خلاف المعنى المتبادر منها. وليس في نقل ابن الجنيد ما يوجب صرفها عن أصل معناها الذي تقدم بيانه. وإذا اشتبه الأمر في المنقول عن إمام، وجب الرجوع إلى

стр. 866

المنقول عن غيره، وقد ذكرت في «الطليعة» (١) توثيق الأئمة لمؤمل، وبذلك يرجح رجحانًا ظاهرًا أن ابن معين لم يضعِّفه. والله المستعان. ٢٥٥ - مهنَّأ بن يحيى: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١١ [٤٣٩]) من طريق «عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا مهنأ بن يحيى قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول ... ». قال الأستاذ (ص ١٤٣): «قال أبو الفتح الأزدي ... : منكر الحديث، وتابعه الخطيب». أقول: الأزدي نفسه متكلَّم فيه حتى رُمي بالوضع، وقد رد ابن حجر في مواضع من [١/ ٤٨٨] «مقدمة الفتح» (٢) جرحه، وبيَّن أنه لا يُعتدُّ به. وقول الكوثري: «وتابعه الخطيب» باطل، فقد روى ابن الآبنوسي عن الخطيب: «كلُّ من ذكرت فيه أقاويلَ الناس من جرح أو تعديل، فالتعويل على ما أخرتُ» كما في «تذكرة الحفاظ» (ج ٣ ص ٣١٥) (٣). وهاهنا بدأ الخطيب في ترجمة مهنّأ بحكاية قول الأزدي، ثم أتبعها برواية السُّلَمي عن الدارقطني: «ثقة نبيل»، ثم ذكر مكانةَ مهنأ عند أحمد وثناء أصحابه عليه. فعُلِمَ بذلك أن التعويل عنده على التوثيق. وبهذا يُعلم ما في عبارة ابن الجوزي في «المنتظم» (ج ٨ ص ٣٦٨) في تجنِّياته على الخطيب: «ذكر مهنأ بن يحيى وكان من كبار أصحاب أحمد، وذكر عن الدارقطني أنه قال:

стр. 867

مهنأ ثقة نبيل، وحكى بعد (!) ذلك عن أبي الفتح الأزدي ... وهو يعلم أن الأزدي مطعون فيه عند الكل ... فلا يستحيي الخطيب أن يقابل قول الدارقطني في مهنأ بقول هذا، ثم لا يتكلم عليه؟ هذا ينبئ عن عصبية وقلة دين». أقول: عفا الله عنك يا أبا الفرج! ما أرى الباعث لك على التجنِّي على الخطيب إلا ما قدَّمتُه في ترجمته (١)، وعليك في كلامك هذا مؤاخذات: الأولى: أن الموجود في «تاريخ الخطيب» تعقيب كلمة الأزدي بحكاية السلمي عن الدارقطني، كما مرَّ. الثانية: أن هذا مع ذكر مكانة مهنأ عند أحمد وثناء أصحابه عليه في قوة الرد على كلمة الأزدي، كما مرَّ. الثالثة: أنك إذ ذكرت ما قيل في الأزدي كان ينبغي أن تذكر ما قيل في السُّلَمي حاكي التوثيق عن الدارقطني، وقد ذكرتَ ترجمتَه في «المنتظم» (ج ٨ ص ٦) وفيها قول محمد بن يوسف القطان: «كان أبو عبد الرحمن غير ثقة، ولم يكن سمع من الأصم إلّا شيئًا يسيرًا، فلما مات الحاكم أبو عبد الله ابن البَيِّع حدَّث عن الأصم بـ «تاريخ يحيى بن معين» وبأشياء كثيرة سواها، وكان يضع للصوفية الأحاديث». ولم تتعقب هذا ولا ذكرتَ ما يخالفه. الرابعة: أن الأزدي ذكر متمسَّكه، فلا يسوغ ردُّ قوله إلا ببيان سقوط حجته.

стр. 868

[١/ ٤٨٩] الخامسة: أنك بعد التسامح بما تقدَّم لم يكن ينبغي لك [أن] تقول: «عصبية وقلة دين» محاذرةً على الأقل أن يشاحَّك مشاحٌّ، فيردَّ ذلك عليك. أما متمسَّكُ الأزدي، فهو أن مهنأ روى عن زيد بن أبي الزرقاء، عن سفيان الثوري، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن جابر حديثًا في الجمعة، ولا يعلم رواه أحد غيره عن زيد ابن أبي الزرقاء، ولا عن غيره عن سفيان الثوري؛ فلا يعرف عن الثوري إلا بهذا الإسناد. وإنما يعرف من رواية عبد الله بن محمد العدوي التميمي رواه عن علي بن زيد، والعدوي طعنوا فيه، وقال وكيع: «يضع الحديث»، وحكى ابن عبد البر عن جماعة أهل العلم بالحديث أنهم يقولون: إن هذا الحديث من وضعه. كذا في ترجمة العدوي من «التهذيب» (١). وفي ترجمة مهنأ من «اللسان» (٢) عن ابن عبد البر: «لهذا الحديث طرق ليس فيها ما يقوم به حجة إلا أن مجموعها يدل على بطلان قول مَن حَمَل على العدوي أو على مهنأ بن يحيى». فلو كان ابن الجوزي نظر في هذا الحديث وحقَّقَ لكان أولى به مما صنع. وعلى كل حال، فغاية ما في الباب أن يكون مهنأ أخطأ في سند هذا الحديث، فكان ماذا؟ وقد ذكره ابن حبان في «الثقات» (٣) وقال: «كان من

стр. 869

خيار الناس في حديث أحمد بن حنبل وبشر الحافي، مستقيم الحديث». ويكفيه مكانته عند أحمد وثناء أصحابه عليه. والله أعلم. ٢٥٦ - نصر بن محمد البغدادي: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٩ [٤٤٩]) من طريق أبي الميمون عبد الرحمن بن عبد الله البجلي: «سمعت نصر بن محمد البغدادي يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: كان محمد بن الحسن كذَّابًا وكان جهميًّا، وكان أبو حنيفة جهميًّا ولم يكن كذَّابًا». قال الأستاذ (ص ١٦٤): «كانا والله بريئان (؟) من الكذب والتجهُّم، وقد احتج الشافعي إمام الخطيب بمحمد بن الحسن. ووثَّقه علي ابن المديني أيضًا كما جزم بذلك ابن الجوزي في «المنتظم» وابن حجر في «تعجيل المنفعة»، مع أن ابن المديني أقرب من ابن معين إلى النيل من أصحاب أبي حنيفة. والدارقطني على تعصبه البالغ يقول في «غرائب مالك»: ... وابن معين من أبرأ الناس من أن يكذب عليهما، وهو الذي يقول: إني سمعت «الجامع الصغير» [١/ ٤٩٠] من محمد بن الحسن، وليس هو ممن يتفقه على الكذَّابين في نظره ... نعم لو كان ... أو كلُّ من ينزِّه الله سبحانه عن مشابهة المخلوق وعن حلول الحوادث فيه أو حلوله في الحوادث جهميًّا، كما هو مصطلح الحشوية، لكان كذابًا وجهميًّا كلُّ من يفهم ما يقول وينزِّه الله سبحانه عن لوازم الجسمية ... فلا يكون الخبر إلا مكذوبًا على ابن معين، ولو رواه ألف شخص من أمثال نصر بن محمد البغدادي. ومن الغريب أنه إذا روى ألف راوٍ عن ابن معين أن الشافعي ليس بثقة مثلًا تُعَدُّ هذه الرواية عنه كاذبةً، بخلاف ما إذا كانت الرواية عنه في أبي حنيفة أو أحد أصحابه ... نعم سبق أن كذَّب أبو يوسف محمدًا في مسائل عزاها إليه، ولما بلغ الخبر محمدًا قال: كلَّا ولكن الشيخ نسي. ثم تبيَّن أن قول محمد هو الصواب ... قاتل الله التعصب ما أفضحه لصاحبه!».

стр. 870

أقول: لا توجد في «تاريخ بغداد» ولا غيره ترجمة باسم «نصر بن محمد البغدادي». وإعراض الأستاذ عن أن يشير إلى هذا فيقول: «مجهول» أو نحوه إلى الطريق التي سلكها يدلّ أنه قد عرف أن لفظ «نصر» تحريف وأن الصواب «مضر». ولمضر بن محمد البغدادي ترجمة في «تاريخ بغداد» (ج ١٣ ص ٢٦١) وفيها أنه يروي عن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهما، وأن الدارقطني قال فيه: «ثقة». فأما الشافعي فلا نعلمه احتجَّ بشيء ينفرد به محمد بن الحسن حتى يصحَّ أن يقال: إنه احتج به، ومع ذلك فلو وثَّق الشافعي محمدًا لما دل ذلك على بطلان النقل عن ابن معين، فقد كان الشافعي يوثِّق إبراهيم بن أبي يحيى الذي كذَّبه الجمهور، ثم استقرَّ الاتفاق على قولهم. وأما توثيقُ ابن المديني، فإنما ذلك حكاية حكاها ابنه عبد الله عنه أنه قال: «صدوق»، وقد طعن الأستاذ في رواية عبد الله بن علي ابن المديني عن أبيه مطلقًا كما تقدم في ترجمته (١)، واستهان بقولهم: «صدوق» وكذَّب من قيلت فيه، كما تقدَّم في ترجمة علي بن جرير الباوَرْدي (٢). وأما زَعْم الأستاذ أن ابن المديني أقرب من ابن معين إلى النيل من أصحاب أبي حنيفة، ففيه نظر؛ إذْ قد يكون ثناؤه أمام مسايرته للجهمية الحنفيَّة كما تقدم في ترجمته، وقد يستدل على [١/ ٤٩١] ذلك أن نيل ابن معين ثابت، وابن المديني أقرب منه إلى ذلك كما قال الأستاذ، فكيف يثبت

стр. 871

عنه خلافه؟ والتحقيق أنه لا منافاة، والاختلاف في مثل هذا كثير. وأما كلمة الدارقطني، فقد مرَّ البحث فيها في ترجمته (١)، ثم الكلام في ذلك كالكلام في كلمة ابن المديني. وأما ما ذكره الأستاذ أن ابن معين قال: «سمعت «الجامع الصغير» من محمد بن الحسن» فلا منافاة، بل قد يكون سماعه «للجامع» في مبتدأ أمره، ثم تبيَّن له ما تبيَّن. وفي ترجمة محمد بن كثير القرشي من «التهذيب» (٢): «قال إبراهيم بن الجنيد: قلت لابن معين: محمد بن كثير الكوفي؟ قال: ما كان به بأس، قلت: إنه روى ... قال ... فإن كان هذا الشيخ روى هذا فهو كذاب، وإلَّا فإني قد رأيت حديث الشيخ مستقيمًا». وقد ذكر الأستاذ تكذيب أبي يوسف لمحمد، والظاهر أنه كان قبل ذلك عنده حسن الحال، ثم طرأ ما اقتضى أن يكذبه. ومع هذا كلِّه فلم ينفرد هذا الرجل بما رواه عن ابن معين، فقد قال العقيلي: «حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة قال: سمعت العباس الدوري يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: جهمي كذَّاب». هكذا في ترجمة محمد بن الحسن من «لسان الميزان» (٣). وروى محمد بن سعد العوفي عن ابن معين أنه رمى محمدًا بالكذب، وقد تقدمت ترجمة العوفي (٤)، وفيها بيان اضطراب الأستاذ: احتج به حيث

стр. 872

خالفه جماعة، وطعن في روايته حيث وافقه جماعة! وقال ابن أبي مريم عن ابن معين في محمد بن الحسن «ليس بشيء، ولا يُكتب حديثه». وقال المفضل الغلابي ومعاوية بن صالح عن ابن معين: «حسن اللؤلؤي ومحمد بن الحسن ضعيفان». ولم يأت عن ابن معين ما يخالف نقل هؤلاء الجماعة، فأما قضية «الجامع الصغير» فقد مرّ ما فيها. وأما قضية التجهُّم فقد اعترف الأستاذ باصطلاح أهل السنة الذين سماهم «الحشوية»، وهو وجميع أهل العلم يعلمون أن يحيى بن معين كان من أهل ذاك الاصطلاح، واعترف الأستاذ بأن أبا حنيفة ومحمد بن الحسن جهميَّان بذاك المعنى. وبذلك ثبتت رواية مضر بن [١/ ٤٩٢] محمد البغدادي؛ أما ما فيها من نسبة الجهمية فباعتراف الأستاذ، وأما ما فيها من التكذيب فبالحجة الواضحة. فبقي قوله: «فلا يكون الخبر إلا مكذوبًا على ابن معين، ولو رواه ألف شخص من أمثال نصر بن محمد البغدادي»! من باب قول العامة: «عنز ولو طارت». وقوله: «ومن الغريب أنه لو روى ألف راوٍ ... » تقدم النظر فيه في ترجمة الشافعي (١)، فليراجعها القارئ وليوازن بينها وبين رواية مضر؛ ليتبين له أن الكوثري لا يقنع بأن يساوي الذرة بالجبل، بل يحاول أن يجعل ذرة في عُظْم جبل، ويجعل جبلًا في صغر ذرة! ولعل الأستاذ يضِجُّ من قضية نصر ومضر. فأقول: هوِّن عليك يا أستاذ وخذ اعترافي أو شهادتي بأن نصرًا غير مضر، فهل ينفعك ذلك شيئًا؟

стр. 873

هذا كلُّه مناقشة للأستاذ في تكذيبه الرواة عن ابن معين، وما تشبَّث به في ذلك. فأما محمد بن الحسن فهو أجلُّ وأفضلُ مما يتراءى هنا، ولتحقيق ذلك موضع آخر. ٢٥٧ - النضر بن محمد المروزي: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠١ [٤٢٣]) من طريق عبد الرحيم بن منيب: «حدثنا النضر بن محمد قال: كنا نختلف إلى أبي حنيفة وشاميٌّ معنا، فلما أراد الخروج جاء ليودِّعه فقال: يا شامي، تحمل هذا الكلام إلى الشام؟ فقال: نعم، قال: تحمل شرًّا [كثيرًا]». قال الأستاذ (ص ١١٨): «ضعَّفه البخاري في «كتابه الصغير» لكن وثَّقه النسائي، وهو من فقهاء أصحاب أبي حنيفة ومن المكثرين عنه، فبالنظر إلى حاله يريد بقوله هذا ــ على تقدير ثبوته عنه ــ التنكيت على أهل الشام». أقول: إنما قال البخاري: «فيه ضعف»، وكذا قال الساجي، وقال الحاكم أبو أحمد: «ليس بالقوي»، وقال النسائي والدارقطني: «ثقة»، وذكره ابن حبان في «الثقات» (١). وقال ابن سعد: «كان مقدَّمًا في العلم والفقه والعقل والفضل، وكان صديقًا لابن المبارك، وكان من أصحاب أبي حنيفة» (٢). وهذا يقتضي أنه لم يكن يتابع أبا حنيفة في كل شيء، فهو مقبول. وليس هو المخاطِب للشامي كما قد يوهمه كلام الأستاذ، وإنما المخاطِب للشامي بما ذكر أبو حنيفة نفسه كما هو صريح الرواية. واحتمال أن يكون أبو حنيفة إنما أراد التنكيت لا يخفى حاله.

стр. 874

٢٥٨ - [١/ ٤٩٣] نُعيم بن حمّاد: ذكر الأستاذ (ص ٤٩) عن «الأسماء والصفات» (١) للبيهقي رواية من طريقه: «سمعت نوح ابن أبي مريم أبا عصمة يقول: كنا عند أبي حنيفة أول ما ظهر جهم وجاءته امرأة من ترمذ كانت تجالس جهمًا ... ». وفي «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٦) من طريقه: «قال سفيان: ما وضع في الإسلام من الشر ما وضع أبو حنيفة إلا فلان ــ لرجل صُلِب». قال الأستاذ (ص ٤٩): «معروف باختلاق مثالب ضد أبي حنيفة، وكلامُ أهل الجرح فيه واسعُ الذيل، وذكره غير واحد من كبار علماء أصول الدين في عداد المجسِّمة بل القائلين باللحم والدم». وقال الأستاذ (ص ١٠٧): «له ثلاثة عشر كتابًا في الرد على من يسمِّيهم: الجهمية، ودعا إليها العجليَّ فأعرض عنها ... ولا شك أنه كان وضاع مثالب كما يقول أبو الفتح الأزدي وأبو بشر الدولابي وغيرهما. وكم أتعب نعيمٌ أهلَ النقد بمناكيره! ويوجد من روى عنه من الأجلَّة رغبةً في علو السند، ولا يرفع ذلك من شأنه إن لم يضع من شأن الراوي، ومن حاول الدفاع عنه يتسع عليه الخرق». أقول: نعيم من أخيار الأمة وأعلام الأئمة وشهداء السنة. ما كفى الجهميةَ الحنفيَّةَ أن اضطهدوه في حياته، إذ حاولوا إكراهه على أن يعترف بخلق القرآن فأبى، فخلَّدوه في السجن مثقلًا بالحديد حتى مات، فجُرَّ بحديده، فألقي في حفرة ولم يكفَّن ولم يُصلَّ عليه ــ صلَّت عليه الملائكة ــ حتى تتبعوه بعد موته بالتضليل والتكذيب؛ على أنه لم يجرؤ منهم على

стр. 875

تكذيبه أحد قبل الأستاذ، إلا أن أحدهم ــ وهو الدولابي ــ ركب لذلك مطية الكذب، فقال: «وقال غيره ... ». أما عقيدته، فعقيدة أئمة السنة المخلَّدة في كتاب الله . وأما الذين كان يسميهم «الجهمية»، فكان أئمة المسلمين في زمانه وقبله وبعده يسمُّونهم هذا الاسم. وأما إعراض العجلي عن كتبه فلم يُعرض عنها مخالفةً لنعيم ولا رغبةً عن الأخذ عنه. وهو ممن وثَّق نعيمًا كما يأتي، وإنما كان العجلي مستغرقًا في الحديث، فلم يُحِبَّ أن يتشاغل بالنظر في أقوال المبتدعة والردِّ عليها؛ إشفاقًا على نفسه من أن يعلَق به بعضُ أوضارها. وأما كلام أئمة الجرح والتعديل فيه، فهم بين موثِّق له مطلقًا، ومُثْنٍ عليه مليِّن لما ينفرد [١/ ٤٩٤] به مما هو مظنة الخطأ، بحجة أنه كان لكثرة ما سمع من الحديث ربما يُشبَّه عليه فيخطئ. وقد روى عنه البخاري في «صحيحه» (١) وروى له بقية الستة بواسطة إلا النسائي (٢)، لا رغبةً في علوّ السند كما يزعم الأستاذ، فقد أدركوا كثيرًا من أقرانه وممن هو أكبر منه، ولكن علمًا بصدقه وأمانته، وأن ما نُسِب إلى الوهم فيه ليس بكثير في كثرة ما روى. فأما الدولابي، فهو محمد بن أحمد بن حماد له ترجمة في «الميزان» (٣) و «اللسان» (٤). قال ابن يونس: «من أهل الصنعة، حسن

стр. 876

التصنيف، وكان يضعَّف». وقال الدارقطني: «تكلموا فيه لما تبيَّن من أمره الأخير». وذكر ابن عدي (١) قول الدولابي في معبد الجهني الذي روى أبو حنيفة عن منصور بن زاذان (٢) عن الحسن عنه: إنه معبد بن هوذة الذي ذكره البخاري في «تاريخه». قال ابن عدي: «هذا الذي قاله غير صحيح، وذلك أن معبد بن هوذة أنصاري فكيف يكون جهنيًّا؟ ومعبد الجهني معروف ليس بصحابي، وما حمل الدولابيَّ على ذلك إلا ميله لمذهبه». وقال ابن عدي أيضًا: «ابن حماد مُتَّهم فيما قاله في نعيم بن حماد لصلابته في أهل الرأي». وفي ترجمة نعيم من «مقدمة الفتح» (٣) بعد الإشارة إلى حكاية الدولابي: «وتعقب ذلك ابن عدي بأن الدولابي كان متعصبًا عليه؛ لأنه كان شديدًا على أهل الرأي. وهذا هو الصواب». وقال في «التهذيب» (٤): «حاشى الدولابي أن يُتَّهم، وإنما الشأن في شيخه الذي نقل ذلك عنه فإنه مجهول متهم». أقول: لا أرى الدولابي يبرأ من عُهْدة ذاك النقل المريب، فإن ابن عدي قال كما في «التهذيب» (٥): «قال لنا ابن حماد ــ يعني الدولابي ــ: نعيم يروي

стр. 877

عن ابن المبارك، قال النسائي: ضعيف، وقال غيره: كان يضع الحديث في تقوية السنة وحكايات في ثلب أبي حنيفة كلها كذب. قال ابن عدي: وابن حماد مُتَّهم ... ». فلا يحتمل أن يكون الدولابي سمع تلك الكلمة ممن يُعتد بقوله، وإلا لصرَّح به وصرخ به صراخًا. فإن كان سمعها ممن لا يعتد به فلم [١/ ٤٩٥] يكن له أن يحكيها على هذا الوجه، بل كان عليه أن يُعْرِض عنها لعدم الاعتداد بقائلها، أو على الأقل أن يصرِّح باسمه. وإن كان لم يسمعها من أحد وإنما اختلق ذلك، فأمره أسوأ. وإن كان كنى بقوله: «غيره» عن نفسه، كأنه أراد: «وقلت أنا»، فالأمر في هذا أخف. وقد عُرف تعصب الدولابي على نعيم، فلا يُقبل قوله فيه بلا حجة مع شذوذه عن أئمة الحديث الذين لا يكاد هو يُذكر معهم. وأما أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي، فهو نفسه على يَدَي عَدْلٍ! وترجمته في «تاريخ بغداد» (١) و «الميزان» (٢) و «اللسان» (٣) تبيِّن ذلك، مع أنه إنما نقل كلام الدولابي، وإن لم يصرِّح باسمه. والدليل على ذلك توافق العبارتين، أما عبارة الدولابي فقد مرَّت، وأما عبارة الأزدي فقال: «قالوا: كان يضع الحديث في تقوية السنة، وحكايات مزوَّرة في ثلب أبي حنيفة كلُّها كذب». أما كلام الأئمة فقال الإمام أحمد: «لقد كان من الثقات». وقال العجلي:

стр. 878

«ثقة». وقال أبو حاتم مع تشدده: «صدوق». وروى عنه البخاري في «صحيحه» كما مرّ، وأخرج له بقية الستة إلا النسائي. وصحَّ عن ابن معين من أوجه أنه قال: «ثقة»، وروى عنه. وجاء عنه أنه مع ثنائه عليه ليَّنه في الرواية، وأتمُّ ذلك رواية علي بن حسين بن حبان وفيها عن ابن معين: «نعيم بن حماد صدوق ثقة رجل صالح، أنا أعرَفُ الناس به، كان رفيقي بالبصرة ... إلا أنه كان يتوهم الشيء فيخطئ فيه، وأما هو فكان من أهل الصدق». وقال الحافظ أبو علي النيسابوري: «سمعت النسائي يذكر فضلَ نُعيم بن حماد وتقدُّمه في العلم والمعرفة والسنن، ثم قيل له في قبول حديثه، فقال: قد كثر تفرّده عن الأئمة المعروفين بأحاديث كثيرة، فصار في حدِّ من لا يُحتج به». وهذا يدل أن ما روي عن النسائي أنه قال مرة: «ليس بثقة» إنما أراد بها أنه ليس في حدِّ أن يُحتج به. وهَبْ أن النسائي شدَّد، فكلام الأكثر أرجح ولا سيما ابن معين، لكمال معرفته ولكونه رافق نُعيمًا وجالسه وسمع منه وخَبَره، حتى قال كما تقدم: «أنا أعرَفُ الناس به». وقد أورد له ابن عدي (١) أحاديث انتقدت عليه ثم قال: «وعامة ما أُنكر عليه هو الذي ذكرته، وأرجو أن يكون باقي حديثه مستقيمًا». وقال ابن حجر في «التهذيب» (٢): «أما نعيم فقد ثبتت عدالته وصدقه، ولكن في حديثه أوهام معروفة، وقد [١/ ٤٩٦] قال فيه الدارقطني: إمام في السنة، كثير الوهم. وقال أبو أحمد الحاكم: ربما يخالف في بعض حديثه. وقد مضى أن ابن

стр. 879

عدي تتبع ما وهم فيه، فهذا فصل القول فيه». وإنما أوقع نعيمًا فيما وقع فيه من الأوهام أنه سمع فأكثرجدًّا من الثقات ومن الضعفاء. قال أحمد بن ثابت أبو يحيى: «سمعت أحمد ويحيى بن معين يقولان: نُعيم معروف بالطلب»، ثم ذمَّه بأنه يروي عن غير الثقات. وفي «الميزان» (١) عن ابن معين: «نعيم بن حماد ... كتب عن رَوْح بن عُبادة خمسين ألف حديث». هذا ما سمعه من رجل واحد ليس هو بأشهر شيوخه، فما ظنُّك بمجموع ما عنده على كثرة شيوخه؟ وقال صالح بن محمد: «كان نعيم يحدِّث من حفظه، وعنده مناكير كثيرة لا يتابع عليها». فلكثرةِ حديث نعيم عن الثقات وعن الضعفاء واعتمادِه على حفظه كان ربما اشتبه عليه ما سمعه من بعض الضعفاء بما سمع من بعض الثقات، فيظن أنه سمع الأول بسند الثاني، فيرويه كذلك. ولو لم يخطئ وروى كما سمع لتبيَّن أنه إن كان هناك نكارة، فالحَمْل فيها على من فوقه. وقد تقدم أن ابن عدي تتبَّع ما انْتُقِد على نعيم، وذكر الذهبي في «الميزان» ثمانية أحاديث، وكأنها أشد ما انتقد على نعيم، وما عداها فالأمر فيه قريب، ولا بأس أن أسوقها هنا وأنظر فيها على مقدار فهمي. وأسأل الله التوفيق. الحديث الأول: أخرجه الحاكم في «المستدرك» (ج ٤ ص ٤٣٠): « ... نعيم بن حماد، ثنا عيسى بن يونس، عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك ﵁

стр. 880

قال: قال رسول الله ﷺ : «ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقةً أعظمها فرقة قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيحرِّمون الحلال، ويحلِّلون الحرام». قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين». أقول: هذا الحديث أشدُّ ما أُنكِر على نعيم. أنكره ابن معين، ووثَّق نعيمًا وقال: «شُبِّه له». وقال دحيم: «هذا حديث صفوان بن عمرو، حديث معاوية» يعني أن إسناده مقلوب. ولهذا الحديث شواهد مرفوعة وموقوفة في «المستدرك» (ج ١ ص ١٢٨) و «سنن الدارمي» [١/ ٤٩٧] (ج ١ ص ٦٥) وغيرهما (١). وقد تابع نعيمًا على روايته عن عيسى بن يونس جماعةٌ منهم ثلاثة أقوياء: سويد بن سعيد الحَدَثاني، وعبد الله بن جعفر الرَّقِّي، والحكم بن المبارك الخَوَاستي. وسويد من رجال مسلم إلا أنه كان في آخر عمره يقبل التلقين، لكن في ترجمته ما يدل أنه كان إذا نُبِّه على خطئه رجع. وقد روجع في هذا الحديث، فثبت على أنه سمعه من عيسى بن يونس.
следующие страницы →