← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 337

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

التصنيف، وكان يضعَّف». وقال الدارقطني: «تكلموا فيه لما تبيَّن من أمره الأخير». وذكر ابن عدي (١) قول الدولابي في معبد الجهني الذي روى أبو حنيفة عن منصور بن زاذان (٢) عن الحسن عنه: إنه معبد بن هوذة الذي ذكره البخاري في «تاريخه». قال ابن عدي: «هذا الذي قاله غير صحيح، وذلك أن معبد بن هوذة أنصاري فكيف يكون جهنيًّا؟ ومعبد الجهني معروف ليس بصحابي، وما حمل الدولابيَّ على ذلك إلا ميله لمذهبه». وقال ابن عدي أيضًا: «ابن حماد مُتَّهم فيما قاله في نعيم بن حماد لصلابته في أهل الرأي». وفي ترجمة نعيم من «مقدمة الفتح» (٣) بعد الإشارة إلى حكاية الدولابي: «وتعقب ذلك ابن عدي بأن الدولابي كان متعصبًا عليه؛ لأنه كان شديدًا على أهل الرأي. وهذا هو الصواب». وقال في «التهذيب» (٤): «حاشى الدولابي أن يُتَّهم، وإنما الشأن في شيخه الذي نقل ذلك عنه فإنه مجهول متهم». أقول: لا أرى الدولابي يبرأ من عُهْدة ذاك النقل المريب، فإن ابن عدي قال كما في «التهذيب» (٥): «قال لنا ابن حماد ــ يعني الدولابي ــ: نعيم يروي

стр. 877

عن ابن المبارك، قال النسائي: ضعيف، وقال غيره: كان يضع الحديث في تقوية السنة وحكايات في ثلب أبي حنيفة كلها كذب. قال ابن عدي: وابن حماد مُتَّهم ... ». فلا يحتمل أن يكون الدولابي سمع تلك الكلمة ممن يُعتد بقوله، وإلا لصرَّح به وصرخ به صراخًا. فإن كان سمعها ممن لا يعتد به فلم [١/ ٤٩٥] يكن له أن يحكيها على هذا الوجه، بل كان عليه أن يُعْرِض عنها لعدم الاعتداد بقائلها، أو على الأقل أن يصرِّح باسمه. وإن كان لم يسمعها من أحد وإنما اختلق ذلك، فأمره أسوأ. وإن كان كنى بقوله: «غيره» عن نفسه، كأنه أراد: «وقلت أنا»، فالأمر في هذا أخف. وقد عُرف تعصب الدولابي على نعيم، فلا يُقبل قوله فيه بلا حجة مع شذوذه عن أئمة الحديث الذين لا يكاد هو يُذكر معهم. وأما أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي، فهو نفسه على يَدَي عَدْلٍ! وترجمته في «تاريخ بغداد» (١) و «الميزان» (٢) و «اللسان» (٣) تبيِّن ذلك، مع أنه إنما نقل كلام الدولابي، وإن لم يصرِّح باسمه. والدليل على ذلك توافق العبارتين، أما عبارة الدولابي فقد مرَّت، وأما عبارة الأزدي فقال: «قالوا: كان يضع الحديث في تقوية السنة، وحكايات مزوَّرة في ثلب أبي حنيفة كلُّها كذب». أما كلام الأئمة فقال الإمام أحمد: «لقد كان من الثقات». وقال العجلي:

стр. 878

«ثقة». وقال أبو حاتم مع تشدده: «صدوق». وروى عنه البخاري في «صحيحه» كما مرّ، وأخرج له بقية الستة إلا النسائي. وصحَّ عن ابن معين من أوجه أنه قال: «ثقة»، وروى عنه. وجاء عنه أنه مع ثنائه عليه ليَّنه في الرواية، وأتمُّ ذلك رواية علي بن حسين بن حبان وفيها عن ابن معين: «نعيم بن حماد صدوق ثقة رجل صالح، أنا أعرَفُ الناس به، كان رفيقي بالبصرة ... إلا أنه كان يتوهم الشيء فيخطئ فيه، وأما هو فكان من أهل الصدق». وقال الحافظ أبو علي النيسابوري: «سمعت النسائي يذكر فضلَ نُعيم بن حماد وتقدُّمه في العلم والمعرفة والسنن، ثم قيل له في قبول حديثه، فقال: قد كثر تفرّده عن الأئمة المعروفين بأحاديث كثيرة، فصار في حدِّ من لا يُحتج به». وهذا يدل أن ما روي عن النسائي أنه قال مرة: «ليس بثقة» إنما أراد بها أنه ليس في حدِّ أن يُحتج به. وهَبْ أن النسائي شدَّد، فكلام الأكثر أرجح ولا سيما ابن معين، لكمال معرفته ولكونه رافق نُعيمًا وجالسه وسمع منه وخَبَره، حتى قال كما تقدم: «أنا أعرَفُ الناس به». وقد أورد له ابن عدي (١) أحاديث انتقدت عليه ثم قال: «وعامة ما أُنكر عليه هو الذي ذكرته، وأرجو أن يكون باقي حديثه مستقيمًا». وقال ابن حجر في «التهذيب» (٢): «أما نعيم فقد ثبتت عدالته وصدقه، ولكن في حديثه أوهام معروفة، وقد [١/ ٤٩٦] قال فيه الدارقطني: إمام في السنة، كثير الوهم. وقال أبو أحمد الحاكم: ربما يخالف في بعض حديثه. وقد مضى أن ابن

стр. 879

عدي تتبع ما وهم فيه، فهذا فصل القول فيه». وإنما أوقع نعيمًا فيما وقع فيه من الأوهام أنه سمع فأكثرجدًّا من الثقات ومن الضعفاء. قال أحمد بن ثابت أبو يحيى: «سمعت أحمد ويحيى بن معين يقولان: نُعيم معروف بالطلب»، ثم ذمَّه بأنه يروي عن غير الثقات. وفي «الميزان» (١) عن ابن معين: «نعيم بن حماد ... كتب عن رَوْح بن عُبادة خمسين ألف حديث». هذا ما سمعه من رجل واحد ليس هو بأشهر شيوخه، فما ظنُّك بمجموع ما عنده على كثرة شيوخه؟ وقال صالح بن محمد: «كان نعيم يحدِّث من حفظه، وعنده مناكير كثيرة لا يتابع عليها». فلكثرةِ حديث نعيم عن الثقات وعن الضعفاء واعتمادِه على حفظه كان ربما اشتبه عليه ما سمعه من بعض الضعفاء بما سمع من بعض الثقات، فيظن أنه سمع الأول بسند الثاني، فيرويه كذلك. ولو لم يخطئ وروى كما سمع لتبيَّن أنه إن كان هناك نكارة، فالحَمْل فيها على من فوقه. وقد تقدم أن ابن عدي تتبَّع ما انْتُقِد على نعيم، وذكر الذهبي في «الميزان» ثمانية أحاديث، وكأنها أشد ما انتقد على نعيم، وما عداها فالأمر فيه قريب، ولا بأس أن أسوقها هنا وأنظر فيها على مقدار فهمي. وأسأل الله التوفيق. الحديث الأول: أخرجه الحاكم في «المستدرك» (ج ٤ ص ٤٣٠): « ... نعيم بن حماد، ثنا عيسى بن يونس، عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك ﵁

стр. 880

قال: قال رسول الله ﷺ : «ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقةً أعظمها فرقة قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيحرِّمون الحلال، ويحلِّلون الحرام». قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين». أقول: هذا الحديث أشدُّ ما أُنكِر على نعيم. أنكره ابن معين، ووثَّق نعيمًا وقال: «شُبِّه له». وقال دحيم: «هذا حديث صفوان بن عمرو، حديث معاوية» يعني أن إسناده مقلوب. ولهذا الحديث شواهد مرفوعة وموقوفة في «المستدرك» (ج ١ ص ١٢٨) و «سنن الدارمي» [١/ ٤٩٧] (ج ١ ص ٦٥) وغيرهما (١). وقد تابع نعيمًا على روايته عن عيسى بن يونس جماعةٌ منهم ثلاثة أقوياء: سويد بن سعيد الحَدَثاني، وعبد الله بن جعفر الرَّقِّي، والحكم بن المبارك الخَوَاستي. وسويد من رجال مسلم إلا أنه كان في آخر عمره يقبل التلقين، لكن في ترجمته ما يدل أنه كان إذا نُبِّه على خطئه رجع. وقد روجع في هذا الحديث، فثبت على أنه سمعه من عيسى بن يونس.

стр. 881

والرقّي موثَّق إلّا أنه نُسب إلى الاختلاط بأخرة، لكن ذكر ابن حبان أن اختلاطه لم يكن فاحشًا. وراوي هذا الحديث عنه ثقة، وهو الذي أخبر بأنه اختلط، فقد يقال لو علم أنه اختلط اختلاطًا شديدًا وكان إنما سمع منه هذا الحديث عند اختلاطه، لكان الظاهر أن لا يرويه عنه إلا مقرونًا ببيان أنه إنما سمعه منه بعد الاختلاط. والخواستي وثَّقه ابن حبان، وابن منده، وابن السمعاني. وقال ابن عدي (١) في ترجمة سويد: «يقال: إنه لا بأس به»، لكنه عدَّه عند ذكر هذا الحديث في ترجمة أحمد بن عبد الرحمن بن وهب (٢) فيمن سرق هذا الحديث من نعيم. وذكر الذهبي في «الميزان» متابعة هؤلاء الثلاثة لنعيم ثم قال: «قلت: هؤلاء الأربعة لا يجوز في العادة أن يتفقوا على باطل، فإن كان خطأ، فمن عيسى بن يونس». والله أعلم. الحديث الثاني: قال ابن جرير (٣) في تفسير سورة «سبأ»: «حدثني زكريا بن أبان المصري قال: ثنا نعيم قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن ابن أبي زكريا، عن رجاء بن حَيْوَة، عن النوَّاس بن سمعان قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أراد الله أن يوحي بالأمر أخذت السموات منه رجفةٌ ــ أو قال: رعدة ــ شديدة خوفَ أمر الله، فإذا سمع

стр. 882

بذلك أهل السموات صعقوا وخرُّوا لله سُجَّدًا، فيكون أول من يرفع رأسه جبرائيل، [١/ ٤٩٨] فيكلِّمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمرُّ جبرائيل على الملائكة كلَّما مرَّ بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربُّنا يا جبرائيل؟ فيقول جبرائيل: قال الحقَّ وهو العلي الكبير، قال: فيقولون كلُّهم مثل ما قال جبرائيل، فينتهي جبرائيل بالوحي حيث أمره الله». سئل عنه دحيم، فقال: لا أصل له. أقول: المتن غير منكر، وله شواهد، ففي «صحيح البخاري» (١) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكةُ أجنحتها خُضْعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صَفْوان، فإذا فُزِّع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال (٢): الحقَّ وهو العلي الكبير ... ». هكذا في تفسير سورة «سبأ»، وأخرجه البخاري أيضًا في «التوحيد» (٣)، وذكر معه: «قال مسروق عن ابن مسعود: إذا تكلَّم الله بالوحي سمع أهلُ السموات شيئًا، فإذا فُزِّع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق من ربكم ونادَوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾». وذكر ابن حجر في «الفتح» (٤) طرق حديث ابن مسعود وأنه جاء من عدة أوجه مرفوعًا وفي بعض طرقه: « ... فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى

стр. 883

يأتيهم جبريل، فإذا جاءهم جبريل فُزِّع عن قلوبهم. قال: ويقولون: يا جبريل ماذا قال ربكم؟ قال: فيقول الحق، قال: فينادون: الحق الحق». وراجع تفسير سورة «سبأ» من «تفسير ابن جرير»، وراجع «الفتح» في تفسيره سورة «سبأ» وفي «التوحيد». فالنكارة في السند فقط، وقد يقال: نعيم مكثر جدًّا، وكان يتتبع هذا الضرب من الأحاديث، والوليد مكثرجدًّا تفرَّد بأحاديث كثيرة فيُحتمل هذا الحديث لنعيم. فإن كان هناك خطأ، فقد مرَّ وجهه. والله اعلم. الحديث الثالث: في «تاريخ بغداد» (ج ١٣ ص ٣١١) من طريق محمد بن إسماعيل الترمذي: «حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن وهب، حدثنا عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال، عن مروان بن عثمان، عن عمارة بن عامر، عن أم الطفيل امرأة أُبَيّ: أنها سمعت النبي ﷺ يذكر أنه رأى ربَّه تعالى في المنام في أحسن صورة شابًّا موفرًا، رجلاه في خفٍّ عليه نعلان من ذهب، على وجهه فراش من ذهب». [١/ ٤٩٩] أقول: في «اللآلئ المصنوعة» (ج ١ ص ١٦) (١) بعد ذكر حديث نعيم هذا: «ولم ينفرد بهذا الحديث، فقد رواه جماعة عن ابن وهب قال الطبراني: حدثنا روح بن الفرج، حدثنا يحيى بن بكير ح وحدثنا أحمد بن رشدين، حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي وأحمد بن صالح قالوا: حدثنا عبد الله بن وهب ــ فذكره بسنده ومتنه سواء». ثم ذكر حديث حماد بن سلمة بسنده إلى ابن عباس مرفوعًا: «رأيت ربِّي في صورة شابٍّ

стр. 884

له وفرة» وتصحيح أبي زُرْعة له وعدة متابعات وشواهد له. والطبراني ورَوْح ابن الفرج ويحيى بن بُكير من الثقات. وفي يحيى كلام يسير لا يضرُّه، وهو من رجال «الصحيحين». ويحيى بن سليمان وأحمد بن صالح ثقتان، لكن الراوي عنهما أحمد بن رشدين فيه كلام، وقد وثَّقه مسلمة. وفي «تاريخ بغداد» (١) من طريق محمد بن أحمد ابن الحداد الفقيه أنه سمع النسائي يقول: «ومَنْ مروان بن عثمان حتى يُصدَّق على الله ؟ ! » وهذا يُشعر بأن النسائي عرف ثبوتَ الحديث عن ابن وهب بسنده، فلم يحمل على نُعيم ولا يحيى بن بكير، وإنما ترقى إلى مروان بن عثمان. ومروان ضعَّفه أبو حاتم، وقال ابن حبان في ترجمة عمارة بن عامر (٢): «حديثًا منكرًا، لم يسمع عمارة من أم الطفيل» فأعلّه بالانقطاع. وعلى كلِّ حال فقد ظهرت براءة نعيم من عُهدة هذا الحديث. الحديث الرابع: قال الترمذي في أواخر كتاب الفتن من «جامعه» (٣): «حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إنكم في زمانٍ من ترك منكم عُشْرَ ما أُمر به هلك، ثم يأتي زمان مَن عمل منكم بعُشْر ما أُمر به نجا. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث نعيم بن حماد عن سفيان بن عيينة. قال: وفي الباب عن أبي

стр. 885

ذر وأبي سعيد». أقول: حديث أبي ذر في «مسند أحمد» (ج ٥ ص ١٥٥) (١) و «التاريخ الكبير» للبخاري (ج ١ قسم ٢ ص ٣٧١). فكأنه وقع لنعيم حديث أبي ذر أو أبي سعيد بسند، وحديث آخر عن سفيان بن عيينة بسنده، فاشتبه عليه الحديثان، فظن أنه سمع ذاك المتن بهذا السند. والله أعلم. الحديث الخامس والسادس: في «الميزان»: «ومنها حديثه عن ابن المبارك وعبدة عن [١/ ٥٠٠] عبيد الله عن نافع عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يكبّر في العيدين سبعًا في الأولى، وخمسًا في الثانية، والمحفوظ أنه موقوف». وفيه: «نعيم عن الدراوردي عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا، قال: لا تقل: أهريق الماء، ولكن قل: أبول. والصواب أنه موقوف». أقول: إنْ ثبت رجحان الوقف فيهما، فالأمر هيِّن. ومثل هذا الخطأ لم يكد يسلم منه أحد، كما ترى في كتب العلل. وقد اغْتُفِر أكثر من ذلك لمن لا يساوي نُعَيمًا في كثرة الحديث ولا يَنصُفه. الحديث السابع والثامن: في «الميزان»: «بقية، عن ثور، عن خالد بن مَعدان، عن واثلة بن الأسقع مرفوعًا: المتعبّد بلا فقه كالحمار في الطاحونة.

стр. 886

وبه قال: تغطية الرأس بالنهار فقه، وبالليل ريبة. لم يروهما عن بقية سواه». أقول: بقيّة بن الوليد بحر لا ساحل له، كان يأخذ عن كل من دبَّ ودَرَج، ويدلِّس، فالتفرُّد عنه ليس بالمنكر ولا سيما لمثل نعيم. فهذه هي الأحاديث التي ذُكرت في «الميزان» في ترجمة نعيم، وقضية ذلك أنها أشدُّ ما انتُقِد عليه. ومن تدبَّر ذلك، وعلم كثرة حديث نعيم وشيوخه، وأنه كان يحدِّث من حفظه، وكان قد طالع كُتب العلل= جزَمَ بأن نعيمًا مظلوم، وأن حقَّه أن يُحتج به ولو انفرد، إلا أنه يجب التوقف عما يُنكَر مما ينفرد به؛ فإن غيره من الثقات المتفق عليهم قد تفردوا وغلطوا. هذا الوليد بن مسلم يقول أبو داود: «روى عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل، منها أربعة عن نافع»، ولذلك نظائر. فأما الاحتجاج به فيما توبع عليه فواضح جدًّا، وكذلك ما يرويه من كلام مشايخه أنفسهم، إلا أنه قد يحتمل أن يروي بعض ذلك بالمعنى، فيتفق أن يقع فيما رواه لفظ أبلغُ مما سمعه، وكلمة أشدُّ، فإذا كان للفظ الذي حكاه متابعة أو شاهد اندفع هذا الاحتمال. والله أعلم. (١) ٢٥٩ - الوضّاح بن عبد الله أبو عَوانة أحد الأئمة: راجع «الطليعة» (ص ٤٣ [١/ ٥٠١] و ٤٦ و ٥٣ و ٥٩ و ١٠٦ و ١٠٨) (٢)

стр. 887

والعبارة التي نقلتها (ص ٥٧) عن «الثقات» وجدتها كذلك في نسخة أخرى من «الثقات» جيدة في المكتبة السعيدية بحيدراباد. وما ذكرته في الموضع الأخير رأيت ما يتعلق به في ترجمة أبي عوانة من «تاريخ جرجان» (١) لحمزة بن يوسف السهمي قال: «سمعت أبا بكر الإسماعيلي وعبد الله بن عدي الحافظ يقولان: أبو عوانة اسمه الوضّاح، وهو من سَبْي جرجان، سكن البصرة، وهو مولى يزيد بن عطاء الواسطي، مات سنة سبعين ومائة». وتعقَّب الأستاذ في «الترحيب» (ص ٤١) ما ذكرته في «الطليعة» (ص ٥٣ - ٥٥) أن علي بن عاصم إنما قال: «وضاح» لا «وضاع»، فذكر الأستاذ أن قولي في دائرة الاحتمال. قال: «لكن قول علي بن عاصم في جرير بن عبد الحميد: ذاك الصبي، وفي شعبة: ذاك المسكين، يُبعد احتمالَ ذكر اسم أبي عوانة، على أن الغالب في اسمه: الوضاح ــ باللام، بل يكون علي بن عاصم أسرف في رميه أبا عوانة بالوضع والكذب». أقول: ليس في هذا ما يدفع الحق، فقد ذكرتُ في «الطليعة» من القرائن ما هو أقوى من هذا بكثير، بل ليس لهذا قوة البتة، فإن من المعروف أن ذكر الرجل بكنيته إكرام له، وكان أبو عوانة مشهورًا بكنيته لا يكاد يُذكر إلا بها. فنصَّ عليّ بن عاصم على اسمه تأكيدًا لاحتقاره، ردًّا على مخاطبه الذي ذكره بلفظ «أبو عوانة»، كأنه قال: «ليس بأهل أن يُذكر بكنيته وإنما ينبغي أن يُذكر اسمه». ولهذا الغرض نفسه قال: «وضّاح» بترك اللام، لأن في الإتيان باللام تفخيمًا للاسم ينافي غرضه. ولم يتفق له مثل هذا في شعبة وجرير،

стр. 888

لأنهما معروفان باسميهما، ولا تدخل عليهما اللام، فاعتاض عن ذلك بأن ترك التلفظ باسميهما. على أن في ترجمة أبي عوانة من «تاريخ البخاري» (١): «وضاح» بدون لام. وأكثر ما يذكر أبو عوانة بكنيته، فالغلبة التي زعمها الأستاذ ليست بحيث يسوغ الاعتداد بها، ولا أرى الأمر إلا أوضح من هذا، ولولا غلبة الهوى على الأستاذ الكوثري لَمَا كابر. والذي أوقع مصححَ «تهذيب التهذيب» (٢) في الغلط مع قُرب الشكل أنه لم يكن ممارسًا للفن، وترجمة أبي عوانة متأخرة عن ترجمة علي بن عاصم التي ذُكرت فيها تلك العبارة، وذِكْرُ [١/ ٥٠٢] أبي عوانة فيما قبل ذلك إنما يقع بكنيته، وقد عَرَف ذاك المصحح أن من ألفاظ المحدثين «وضاع» فمشى عليه الخطأ، كما مشى عليه مثلُه وأبعَدُ منه في مواضع كثيرة من الكتاب، يعرفها الأستاذ وغيره. ٢٦٠ - الوليد بن مسلم: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٠ [٤٢١]) من طريق أبي معمر: «حدثنا الوليد بن مسلم قال: قال لي مالك بن أنس: أيُتكلَّم برأي أبي حنيفة عندكم؟ قلت: نعم، قال: ما ينبغي لبلدكم أن تُسْكَن». ومن وجه آخر عن أبي معمر: «عن الوليد بن مسلم قال: قال لي مالك بن أنس: أيُذكَر أبو حنيفة ببلدكم؟ قلت: نعم، قال: ما ينبغي لبلدكم أن تُسكن». قال الأستاذ (ص ١١٤): «ينسبه ابن عدي إلى التدليس الفاحش».

стр. 889

أقول: قد علم الأستاذ أن التدليس ليس بجرح، وإنما يُذكر صاحبه به لِيُعرَف، فلا يُقضى على ما جاء عنه بالعنعنة أنه متصل ما لم يتبيَّن ذلك من وجه آخر. وقد صرَّح الوليد هنا بالسماع غاية التصريح، فلا مدخل للتدليس هنا البتة. ٢٦١ - هشام بن عُروة بن الزبير بن العوَّام: تقدم ما يتعلق به في الفصل الثالث أوائل الكتاب (١). وقال الأستاذ في حاشية (ص ٩٨) من «التأنيب»: « ... على أن ما يؤخذ به هشام بعد رحيله إلى العراق أمور تتعلق بالضبط في التحقيق، وإلا فمالك أخرج عنه في «الموطأ». أقول: في «تهذيب التهذيب» (٢): «قال أبو الحسن بن القطان: تغيَّر قبل موته، ولم نَرَ له في ذلك سلفًا». وقال الذهبي في «الميزان» (٣): «هشام بن عروة أحد الأعلام، حجة، إمام، لكن في الكبر تناقصَ حفظه ولم يختلط أبدًا ... وتغيَّر الرجلُ تغيرًا قليلًا، ولم يبق حفظه كهو في حال الشباب فنسي بعض حفظه أو وهم ... ولما قدم العراق في آخر عمره حدَّث بجملة كثيرة من العلم، في غضون ذلك يسيرُ أحاديث لم يجوِّدها. ومثل ذلك يقع لمالك ولشعبة ولوكيع ولكبار الثقات، فدع عنك الخبط، وذَرْ خَلْطَ الأئمة الثقات بالضعفاء والمختلطين، فهو شيخ الإسلام، ولكن أحسن الله عزاءنا فيك يا

стр. 890

ابن القطان! ». [١/ ٥٠٣] أقول: أما النسيان، فلا يلزم منه خلل في الضبط؛ لأن غايته أنه كان أولًا يحفظ أحاديث، فحدَّث بها، ثم نسيها فلم يحدِّث بها. وأما الوهم، فإذا كان يسيرًا يقع مثله لمالك وشعبة وكبار الثقات فلا يستحق أن يُسمى خللًا في الضبط، ولا ينبغي أن يسمى تغيرًا. غاية الأمر أنه رجع عن الكمال الفائق المعروف لمالك وشعبة وكبار الثقات. ولم يذكروا في ترجمته شيئًا نُسب فيه إلى الوهم إلا ما وقع له مرة في حديث أم زَرْع، والحديث في «الصحيحين» (١) وغيرهما عنه عن أبيه عن عائشة قالت: «جلس إحدى عشرة امرأة ... » فساقت القصة بطولها وفيها ذكر أم زرع، وفي آخره: «قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : كنتُ لكِ كأبي زرع لأم زرع». وهذا السياق صحيح اتفاقًا، ولكن رواه هشام مرة أخرى، فرفع القصة كلَّها. وقد توبع على ذلك كما في «الفتح» (٢)، ولكن الأول أرجح. واستدل بعضهم على رفع القصة كلِّها بأن المرفوع اتفاقًا وهو قوله ﵌: «كنتُ لكِ كأبي زرع لأم زرع» مبنيّ على القصة فلا بد أن يكون ﵌ بدأ، فذكر القصة، ثم بنى عليها تلك الكلمة أو بدأ بتلك الكلمة، فسألته عائشة، فذكر القصة. وأجيب باحتمال أن تكون القصة كانت مما يحكيه العرب وكان ﵌ قد سمعهم يحكونها، وعلم أن عائشة قد سمعتها، فبنى عليها تلك الكلمة. وعلى كل

стр. 891

حال، فهذا وهم يسير قد رجع عنه هشام. بقي ما قيل: إن هشامًا كان يدلس، قال يعقوب بن سفيان: «ثقة ثبت لم يُنكر عليه شيء إلا بعدما صار إلى العراق، فإنه انبسط في الرواية عن أبيه، فأنكر ذلك عليه أهل بلده. والذي نرى أن هشامًا تسهَّل لأهل العراق، إنه كان لا يحدِّث عن أبيه إلَّا بما سمعه منه، فكأنَّ تسهُّله أنه أرسل عن أبيه عما كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه». وجاء عن ابن خراش ما يُفهم منه هذا المعنى، وقد تُفهم منه زيادة لا دليل عليها فلا تُقبل من ابن خراش. وعدَّه ابن حجر في الطبقة الأولى من المدلسين (١)، وهي طبقة من لم يوصف بذلك إلا نادرًا. والتحقيق أنه لم يدلِّس قط، ولكن كان ربما يحدِّث بالحديث عن فلان عن أبيه، فيسمع الناس منه ذلك ويعرفونه، ثم ربما ذكر ذلك الحديث بلفظ «قال أبي» أو نحوه اتكالًا على [١/ ٥٠٤] أنه قد سبق منه بيانُ أنه إنما سمعه من فلان عن أبيه، فيغتنم بعض الناس حكايته الثانية، فيروي ذاك الحديث عنه عن أبيه لما فيه من صورة العلوّ، مع الاتكال على أن الناس قد سمعوا روايته الأولى وحفظوها. وفي مقدمة «صحيح مسلم» (٢) ما يصرِّح بأن هشامًا غير مدلِّس، وفيه أن غير المدلس قد يُرسل، وذكر لذلك أمثلةً منها حديث رواه جماعة عن هشام: «أخبرني أخي عثمان بن عروة عن عروة». ورواه آخرون عن هشام عن أبيه. ومع هذا فإنما اتفق لهشام مثل ذلك نادرًا،

стр. 892

ولم يتفق إلا حيث يكون الذي بينه وبين أبيه ثقةً لا شك فيه، كأخيه عثمان ومحمد بن عبد الرحمن بن نوفل يتيم عروة. والله الموفق. ٢٦٢ - هشام بن محمد بن السائب الكلبي: من عادة الخطيب أن يذكر آخر ترجمة الرجل تاريخ وفاته، ورؤيا رُئيت له بعد موته، وأبياتًا قيلت في رثائه حيث يتيسر ذلك. فذكر في آخر ترجمة محمد بن الحسن تاريخ وفاته، واتصل بذلك أبيات رُثي بها، ثم ذكر ما روي أنه رئي في المنام فقال: «قال لي إني لم أجعلك وعاءً للعلم وأنا أريد أن أعذِّبك. قيل له: فما فعل أبو يوسف؟ قال: فوقي. قيل: فما فعل أبو حنيفة؟ قال: فوق أبي يوسف بطبقات». وربما اتفق أن يكون فيما يختم به الترجمة من الشعر غضاضة ما على صاحب الترجمة, فيغتفرها الخطيب في سبيل تزيينه «التاريخ» , كما فعل في ترجمة الأصمعي حيث ذكر البيتين المعروفين: لعن الله أعظمًا حملوها ... نحو دار البلى على خَشَباتِ أعظمًا تُبغض النبيَّ وأهلَ الْـ ... ـبيت والطيبين والطيبات هذا مع تبجيل الخطيب للأصمعيّ، وأنه لا غرض له في ذمِّه. فاتفق له ما هو دون هذا بكثير في ترجمة أبي يوسف (١)، ذكر ما روي عن معروف الكرخي أنه قال: «رأيتُ كأني دخلت الجنة, فإذا قصرٌ قد بُني, وتَمَّ (٢) شَرْفُه ... فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لأبي يوسف القاضي ... بتعليمه الناس الخير ... ». ثم ذكر تاريخ وفاته, وذكر من طريق هشام ابن الكلبي أبياتًا ذكر

стр. 893

أنها أُنشِدت على قبر أبي يوسف عقب وفاته أولها: سقى جدثًا به يعقوبُ أمسى ... من الوسميِّ منبجسٌ ركامُ (١) [١/ ٥٠٥] وفيها تنكيت شعريّ خفيف بلا سبٍّ ولا لعن، فجاء الكوثري فذكر الأصمعيَّ، وغضب عليه لروايته ما سمع، وتجنَّى عليه، وذكر بدون أدنى مناسبة بيتي اللعن تشفيًّا من الأصمعي فقط. ثم في ترجمة محمد بن الحسن ضجَّ وعجَّ، وهاج وماج، وطوَّل وهوَّل، ينقم على الخطيب إيراد الأبيات المذكورة، والوقت أعزُّ من أن نضيعه في تعقُّب تهويلِ الكوثري. فأما ابن الكلبي، فكما قال. ٢٦٣ - الهيثم بن جميل: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٥ [٣٩٨]) من طريق «عبد الله بن خُبَيق قال: سمعت الهيثم بن جميل يقول: سمعت أبا عوانة يقول: كان أبو حنيفة مرجئًا يرى السيف ... ». قال الأستاذ (ص ٧١): «قال ابن عدي: لم يكن بالحافظ، يغلط على الثقات». أقول: روى عبد الله بن أحمد عن أبيه: «كان أصحاب الحديث ببغداد

стр. 894

أبو كامل، وأبو سلمة (١) الخزاعي، والهيثم. وكان الهيثم أحفظهم، وأبو كامل أتقنهم». ذكر هذا في «التهذيب» (٢) في ترجمة أبي كامل مظفر بن مدرك، ثم قال: «وحكى أبو طالب عن أحمد نحوه وزاد: لم يكونوا يحملون عن كل أحد، ولم يكتبوا إلا عن الثقات». وذكر في ترجمة الهيثم (٣) قول أحمد: «ثقة». قال: «وقال العجلي: ثقة صاحب سنة. وقال إبراهيم الحربي: أما الصدق فلا يدفع عنه، وهو ثقة. وقال الدارقطني: ثقة حافظ». وذكر قبل ذلك قول ابن سعد: « ... وكان ثقة». أما الغلط فذكر له الذهبي في «الميزان» (٤) حديثًا واحدًا، فإن كان هو الذي أشار إليه ابن عدي (٥)، فابن عدي هو الغالط. والحديث هو ما رواه الهيثم عن أبي عوانة عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا: «من قال في القرآن بغير علم فَلْيتبوَّأ مقعده من النار». كأن المُغَلِّط بنى على أن هذا المتن معروف من رواية سفيان الثوري عن عبد الأعلى، فأما أبو عوانة فالمعروف من روايته عن عبد الأعلى بهذا السند حديث: «اتّقوا الحديث عني إلا ما علمتم، فإنه من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار».

стр. 895

ويجاب عن هذا [١/ ٥٠٦] بأن في «مسند أحمد» (ج ١ ص ٣٢٣) (١): «حدثنا أبو الوليد، ثنا أبو عوانة، عن عبد الأعلى ... اتقوا الحديث عني ... ومن كذب في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار»، فجمع بين الجملتين. وأخرج الترمذي (٢) عن سفيان بن وكيع عن سويد بن عمرو الكلبي عن أبي عوانة نحوه، وقال في الجملة الثانية: «ومن قال في القرآن ... ». فتبيَّن أن المتنين حديث واحد، اقتصر الثوري في روايته عن عبد الأعلى على أحدهما، واقتصر أبو عوانة في رواية الهيثم على الآخر، وجمعهما في رواية أبي الوليد وسويد بن عمرو. وفي «سنن البيهقي» (ج ٧ ص ٤٦٢) من طريق ابن عدي (٣) بسنده إلى الهيثم: «نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: لا يحرم الرضاع إلا ما كان في الحولين». ثم حكى عن ابن عدي قال: «غير الهيثم يوقفه على ابن عباس». وذكره الدارقطني في «السنن» (ص ٤٩٨) (٤) ثم قال: «لم يُسنده عن ابن عيينة غيرُ الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ». أقول: فإنْ حُكِمَ للهيثم كما قد يُشعر به كلام الدارقطني فذاك، وإن ترجح خطاؤه كما يشير إليه كلام ابن عدي، فمثل هذا الخطأ اليسير لم يسلم

стр. 896

منه كبارُ الأئمة كما يُعلم من كتب العلل. ومع ذلك فحكاية الهيثم عن أبي عوانة في شأن أبي حنيفة ليست بمظنة للخطأ. والله المستعان. (١) ٢٦٤ - يحيى بن حمزة بن واقد الحضرمي الأصل الدمشقي: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٢ [٣٧٤ - ٣٧٥]) من طريق «يعقوب بن سفيان، حدثني علي بن عثمان بن نفيل، حدثنا أبو مسهر، حدثنا يحيى بن حمزة ــ وسعيد يسمع ــ أن أبا حنيفة قال: لو أن رجلًا عبد هذه النّعْل يتقرّب بها إلى الله لم أر بذلك بأسًا. فقال سعيد: هذا الكفر صراحًا». قال الأستاذ (ص ٣٩): «يحيى بن حمزة قدري، لا يُتخذ قوله ضد أئمة السنة حجة». أقول: أما قوله من رأيه فربما، وأما روايته فلا وجه لردِّها كما مرَّ تحقيقه في القواعد (٢). [١/ ٥٠٧] وقد وثَّقه ابن معين ودحيم وأبو داود والنسائي ويعقوب بن شيبة وغيرهم، واحتج به الشيخان في «الصحيحين» وسائر الأئمة، ولم يُغمز بشيء سوى القدر، ولم يكن داعية. وقد توبع في هذه الحكاية كما مرّ في ترجمة القاسم بن حبيب (٣). والله أعلم.

стр. 897

٢٦٥ - يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٩ [٣٨٦]) من طريق «مسدَّد بن قَطَن: سمعت أبي يقول: سمعت يحيى بن عبد الحميد يقول: سمعت عشرة كلُّهم ثقات يقولون: سمعنا أبا حنيفة يقول: القرآن مخلوق». قال الأستاذ (ص ٥٦): «متكلَّم فيه إلى أن قيل فيه: كذاب». أقول: أما يحيى بن معين فكان يوثِّقه ويدافع عنه. وقد تضافرت الروايات على أن يحيى بن عبد الحميد كان يأخذ أحاديث الناس فيرويها عن شيوخهم، فإن كان يصرِّح في ذلك بالسماع، فهذا هو المعروف بسرقة الحديث، وهو كذاب؛ وإلا فهو تدليس. وعلى كل حال فلم يُتهم بوضع حديث أو حكاية، والأستاذ يعترف بأن أبا حنيفة كان يرى أن القرآن مخلوق، ويعدُّ ذلك من مناقبه (١). ٢٦٦ - يزيد بن يوسف الشامي: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٥ [٣٩٧]) من طريقه: «قال لي أبو إسحاق الفزاري: جاءني نعي أخي من العراق ... ». قال الأستاذ (ص ٧٠): «يقول عنه ابن معين: ليس بثقة. والنسائي: متروك». أقول: عبارة النسائي: «متروك الحديث». وقال أبو داود: «ضعيف»، وقال صالح بن محمد: «تركوا حديثه» وحكى ابن شاهين في «الضعفاء» (٢)

стр. 898

أن ابن معين قال: «كان كذابًا»، وقد أجمل بعضهم القول فيه. وتوبع على أصل القصة، لكن في روايته زيادة: أن أبا حنيفة هو الذي أفتى أخا أبي إسحاق بالخروج، فتشبَّث الأستاذ في كلامه في أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري بهذه الزيادة، كما مرَّ في ترجمة أبي إسحاق (١)، وتغافل عن تفرُّد يزيد هذا بتلك الزيادة. والله المستعان. ٢٦٧ - [١/ ٥٠٨] يعقوب بن سفيان بن جُوَان الفارسي أبو يوسف الفَسَوي: قال الأستاذ (ص ١٠٠): «يقال: إنه كان يتكلم في عثمان». أقول: يعقوب إمام جليل عِلْمًا وحفظًا واتباعًا للسنة وذبًّا عنها، وهذه الساقطة التي لقطها الأستاذ أشار إليها الذهبي في ترجمة يعقوب من «تذكرة الحفاظ» (ج ٢ ص ١٤٦) (٢) قال: «قيل: إنه كان يتكلم في عثمان ﵁، ولم يصح»! ٢٦٨ - يوسف بن أسباط: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٢٤) من طريق «محبوب بن موسى يقول: سمعت ابن أسباط يقول: وُلِدَ أبو حنيفة وأبوه نصراني». قال الأستاذ (ص ١٧): «من مغفّلي الزّهاد، دَفَن كتبه واختلط، واستقر الأمر على أنه لا يحتج به. وأين هذا السند من سند الخبر الذي يليه في «تاريخ الخطيب»

стр. 899

نفسه، وفيه: «وولد ثابت على الإسلام» .. وجَدُّ أبي حنيفة النعمان بن قيس المرزبان بن زُوطى بن ماه كان حامل راية علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يوم النهروان ــ كما ذكره ... السمناني في كتاب «روضة القضاة (١)» ... ودعاء علي كرم الله وجهه لوالد أبي حنيفة في عهد جدِّه مما ساقه الخطيب بسنده ... بل لم يكن بين أجداده نصراني أصلًا؛ لأنه منحدر النسب من دم فارسي». أقول: أما التغفيل والاختلاط فمن مفتريات الكوثري. وأما دفن كتبه فصحيح، وكذلك فعل آخرون من أهل الورع، كانوا يرون أن حفظ الحديث وروايته فرض كفاية، وأن في غيرهم من أهل العلم من يقوم بالكفاية وزيادة، ويرون أن التصدِّي للرواية مع قيام الكفاية بغيرهم لا يخلو من حظ النفس بطلب المنزلة بين الناس. ثم لم يتصدّ يوسف للرواية بعد أن دفن كتبه، ولكن كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويرغِّب في الطاعة، ويحذِّر من المعصية، ويحضُّ على اتباع السنة، وينفِّر عن البدعة. فربما احتاج في أثناء ذلك لرواية الحديث، فيذكره من حفظه، فقد يقع له الخطأ في مظانه، وإلى أيِّ حدٍّ كان ذلك؟ قال ابن معين: «ثقة». وقال ابن حبان في «الثقات» (٢): «كان من عُبَّاد أهل الشام وقُرَّائهم، سكن أنطاكية، وكان لا يأكل إلا الحلال، فإن لم يجده استفَّ التراب. وكان من خيار أهل زمانه، مستقيم الحديث، ربما أخطأ. مات سنة ١٩٥». فعبارة ابن حبان تعطي أن خطأه [١/ ٥٠٩] كان يسيرًا لا يمنع من الاحتجاج بخبره حيث لم يتبين خطاؤه، ويشهد لذلك إطلاق ابن معين أنه ثقة.

стр. 900

وقال البخاري (١): «كان قد دَفن كتبه، فصار لا يجيء بالحديث كما ينبغي». وهذا يُشعر بأنه كان يكثر منه الخطأ في مظانه، وقريب من ذلك قول ابن عدي (٢): «من أهل الصدق، إلا أنه لما عدم كتبه صار يحمل على حفظه، فيغلط ويشتبه عليه، ولا يتعمّد الكذب». وبالغ الخطيب فقال: «يغلط في الحديث كثيرًا» (٣). فأما قول الأستاذ: «وأين هذا من سند الخبر الذي يليه»، فذاك الخبر من طريق عمر بن حماد بن أبي حنيفة قال: «أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى، فأما زوطى فإنه من أهل كابل، ووُلِد ثابت على الإسلام، وكان زوطى مملوكًا لبني تيم الله ثعلبة، فأعتق ... ». فهذا الخبر وإن خالف ما مر عن يوسف بن أسباط، فهو مخالف لما زاده السمناني عصري الخطيب كما يقوله الأستاذ، ولم يذكر السمناني سندًا فيما يظهر، وبينه وبين النهروان نحو أربعمائة سنة، ومخالف أيضًا لما يروى عن إسماعيل بن حماد من إنكار أن يكونوا مولى عتاقة». وما ذكر من دعاء علي ﵁ لا يصح سنده إلى إسماعيل بن حماد كما أشار إليه في «تهذيب التهذيب» (٤)، وإسماعيل إسماعيل! وفي الحكاية ما ينكره الأستاذ وهو قوله: «ولد جدي النعمان سنة ثمانين». وإن

стр. 901

صح أنه من أبناء فارس لم يمنع ذلك أن يكون تنصَّر أحد آبائه، وقد كان سلمان الفارسي نصرانيًّا، وفي قصته أنه كان في بلاد فارس دعاةٌ إلى النصرانية. وأيًّا ما كان فالحرص على إثبات شيء مما يتعلق بذاك الاختلاف لا يليق بأهل العلم، وقد قال الله ﵎: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٩]. ٢٦٩ - أبو الأخنس الكناني: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٥ [٣٨١ - ٣٨٢]) من طريق «أحمد بن علي الأ بَّار، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثني أبو الأخنس الكناني قال: رأيت أبا حنيفة ــ أو حدثني الثقة أنه رأى أبا حنيفة ــ آخذًا بزمام بعير مولاة للجهم قدمت [من] خراسان يقود جملها بظهر الكوفة». قال الأستاذ (ص ٥٠): «الراوي عن أبي حنيفة في هذه الحكاية مغفَّل لا يدري هل رأى أبا حنيفة أو سمع من رآه». [١/ ٥١٠] أقول: الظاهر أن الشك ممن بعده، وأبو الأخنس هذا اسمه بكير كما ذكره الدولابي الحنفي في «الكنى» (ج ١ ص ١١٧) وساق إلى «معاوية بن صالح قال: ثنا منصور ابن أبي مزاحم قال: ثنا أبو الأخنس بكير الكناني ... ». وقد تعدّدت الحكايات في شأن أبي حنيفة وامرأة جهمية، واختلفت في نسبتها إلى جهم، ففي بعضها أنها امرأة جهم، وفي بعضها أنها مولاته، وفي بعضها أنها امرأة كانت تجالسه. والله أعلم.

стр. 902

٢٧٠ - أبو جزي بن عمرو بن سعيد بن سلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٥ [٣٨٠ - ٣٨١]) من طريق يعقوب بن سفيان: «حدثنا أبو جزي [بن] عمرو بن سعيد بن سالم (صوابه سلم) قال: سمعت جدي قال: قلت لأبي يوسف: أكان أبو حنيفة مرجئًا؟ قال: نعم. قلت: أكان جهميًّا؟ قال: نعم. [قلت]: فأين أنت منه؟ قال: إنما كان أبو حنيفة مدرسًا فما كان من قوله حسنًا قبلناه وما كان قبيحًا تركناه». ذكر الأستاذ (ص ٤٦) أن في الطبعة الهندية والنسخة الخطية من «التاريخ»: «أبو جزي بن عمرو»، وهو الصواب. ثم شكك في سعيد بن سالم ومال إلى أنه سعيد بن سلم، ثم قال: «على أنه لا يعرف له ابنٌ يسمى عمرًا ولا ابنُ ابنٍ يكنى أبا جزي». أقول: بل ذلك معروف، ففي الباب (٤١) من الجزء الرابع من «خصائص ابن جني» (١): «أنشد الأصمعي أبا توبة ميمون بن حفص مؤدب عمرو بن سعيد بن سلم بحضرة سعيد ... ». وفي «الكامل» للمبرد (ص ٧١٦) (٢): «حدثني علي بن القاسم قال: حدثني أبو قِلابة الجرمي قال: حججنا مرة مع أبي جزء بن عمرو بن سعيد. قال: وكنا في ذَراه، وهو إذْ ذاك بهيّ وضيّ، فجلسنا في المسجد الحرام ... : هذا أبو جزء أمير، ابن عمرو وكان أميرًا، ابن سعيد وكان أميرًا، ابن سلم وكان أميرًا، ابن قتيبة وكان

стр. 903

أميرًا». وراجع ترجمة أحمد بن الخليل (١). ٢٧١ - [١/ ٥١١] أبو جعفر: تقدمت الإشارة إلى حكايته في ترجمة زكريا بن يحيى الساجي (٢). قال الأستاذ (ص ١٨): «مجهول». أقول: لم يتبيَّنْ لي من هو؟ (٣). ٢٧٢ - أبو محمد: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٩ [٣٨٦]) من طريق «العباس بن عبد العظيم حدثنا أحمد بن يونس ... ». ومن طريق «محمد بن العباس ــ يعني المؤدب ــ حدثنا أبو محمد ــ شيخ له ــ أخبرني أحمد بن يونس ... ». قال الأستاذ (ص ٥٧): «شيخ مجهول». أقول: إنما هي متابعة. ٢٧٣ - ابن سختويه بن مازيار: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٥ [٣٨١]) من طريق أبي حامد بن بلال: «حدثنا ابن سختويه (٤) بن مازيار، حدثنا علي بن عثمان ... ».

стр. 904

قال الأستاذ (ص ٤٨): «ليس محمدَ بن عمرو الشيرازي لتقدم وفاته، ولا هو إبراهيم بن محمد المزكِّي النيسابوري لتأخر وفاته عن وفاة أبي حامد بن بلال بدهر، ولا هو أحد أجداد المزكِّي لأن جدَّ هذا البيت سختويه [بن عبد الله، لا سختويه] بن مازيار كما هنا، وعلى فرض أنه أقيم عبد الله مقام مازيار يكون غير معلوم الصفة». أقول: ينبغي أن يراجع «تاريخ نيسابور» للحاكم، ولم أقف عليه. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].

стр. 905

مستدرك (١) - ص ٤٢٧: هو حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ سئل عن الجنين يخرج ميتًا، فقال: «إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه». ادّعى الجصاص في «أحكام القرآن» (١/ ١٣٩) أن هذه الزيادة «يخرج ميتا» يشبه أن تكون زادها الساجي من عنده فإنه غير مأمون. وهذا باطل؛ فإنه قد تابعه في روايتها عن بندار محمد بن عبد الله بن ياسين ــ وهو ثقة ــ عند الدارقطني (٤/ ٢٧٣). - ص ٥٢٦: هذا وهم من الكوثري، أحمد بن القاسم هذا لم يكن قاضيًا، ولم يوصف بأنه حنفي، وإنما المذكور في الحكاية هو أحمد بن محمد بن عيسى بن الأزهر البِرتي، القاضي الحنفي (ت ٢٨٠). - ص ٥٤٠: الظاهر أنَّ المرادَ بأبي العباس الجمَّال في رواية أبي الشيخ هو: أحمد بن جعفر بن نصر الرازي. ذكره الذهبي في «تاريخ الإسلام» في موضعين (٧/ ٢٧٨ و ٣٨١)، وذكر أنه يروي عن أحمد بن أبي سريج، ونقل عن الخليلي أنه قال عنه: «ثقة». وذكره المزّي في «التهذيب» في الرواة عن ابن أبي سريج. وهو من شيوخ أبي الشيخ، روى عنه في مواضع من «أخلاق النبي ﷺ ». وقد ظن المعلمي ﵀ أن أبا العباس الجمال هو أحمد بن محمد ابن عبد الله بن مصعب الجمَّال، فهو الذي وصفه أبو الشيخ وأبو نعيم بالعلم ولم يوثّقاه. وهذا الجمَّال، وإن كان أبو الشيخ قد روى عنه في

стр. 906

مواضع من «طبقات المحدثين»، ولكن لم يذكروا له روايةً عن ابن أبي سريج في كتب التراجم. فاحتمال كون أبي العباس الجمال هو أحمد بن جعفر بن نصر الرازي الموثَّق أقوى من كونه هو أحمد بن محمد بن عبد الله. والله أعلم. - ص ٧١١: هذا من أوهام ابن التركماني، فأبو رزين هو: مسعود بن مالك الأسدي الكوفي، تابعي كبير، يروي عن ابن مسعود وعلي وابن عباس وغيرهم، وروى عنه هذا الأثر عاصم بن أبي النجود، وتفرد به أبو حنيفة عن عاصم. فلعلّ ابن التركماني ظنّه أبا رزين العقيلي، وظنّ أن عاصمًا هو عاصم بن أبي رزين العقيلي ولكن يردُّ هذا أن الكلام الذي نقله عن الأئمة إنما هو في عاصم بن أبي النجود. - ص ٧١٢: نعم وفيه أيضًا (٣/ ٢٠٠): «عن سفيان وأبي حنيفة عن عاصم ... » على ما ادَّعاه ابن التركماني. ولكن الروايات التي أوردها الدارقطني عقبه توضّح أن الثوري إنما أخذه عن أبي حنيفة، فكان أحيانًا يصرّح بذكره، وأحيانًا يدلّس عنه.

стр. 907

التَّنْكِيلُ بِما في تَأنِيبِ الكَوْثَرِيِّ مِنَ الأباطِيل تأليف العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي اليماني رحمه الله تعالى ١٣١٣ - ١٣٨٦ [القسم الثالث والرابع] تحقيق محمد عزير شمس و محمد أجمل الإصلاحي

стр. 908

راجع هذا الجزء جديع بن محمد الجديع

стр. 909

البحث مع الحنفية في سبع عشرة قضية وهو القسم الثالث من كتاب "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل"

стр. 910

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، الذي من يُرِدْ به خيرًا يفقِّهْه في الدين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. أما بعد، فهذه بضع عشرة مسألةً وردت فيها أحاديثُ ذكر الخطيب في ترجمة أبي حنيفة من "تاريخ بغداد" إنكارَ بعض المتقدمين على أبي حنيفة ردَّها، فتعرض لها الأستاذ محمد زاهد الكوثري في كتابه "تأنيب الخطيب"، فتعقَّبه في ذلك كما تعقَّبه في غيره. وسأذكر في كل مسألة كلامه، وما له، وما عليه. وأسأل الله تعالى التوفيق.

стр. 911

المسألة الأولى إذا بلغ الماءُ قُلَّتَين لم ينجَسْ في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٨٩ [٤٠٥]) من طريق "الفضل بن موسى السِّيناني يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: مِن أصحابي مَنْ يبول قلَّتين. يردُّ على النبي ﷺ : إذا كان الماء قُلَّتين لم ينجَسْ". قال الأستاذ (ص ٨٣): "وحديث القلَّتين (١) لم يأخذ به أحد من الفقهاء قبل المائتين، (٢) لأن في ذلك اضطرابًا عظيمًا، (٣) ولم يقل بتصحيحه إلا المتساهلون، (٤) ولم ينفع تصحيحُ من صحَّحه في الأخذ به، لعدم تعيُّن المراد بالقلتين؛ (٥) حتى إن ابن دقيق العيد يعترف في شرح "عمدة الأحكام" بقوة احتجاج الحنفية بحديث الماء الدائم في "الصحيح". (٦) فدَعُونا معاشرَ الحنفية نتوضأ من الحنفيات ولا نغطِس في المستنقعات". أقول: في هذه العبارة ستة أمور، كما أشرت إليه بالأرقام. فأما الأمر الأول: فالمنقول عن السلف قبل أبي حنيفة وفي عصره مذهبان: الأول: أن الماء سواء أكان قليلًا أم كثيرًا لا ينجَس إلا أن تخالطه النجاسة فتُغيِّر لونَه أو ريحَه أو طعمَه. وإليه ذهب مالك، وكذلك أحمد في روايةٍ، وهو أيسر المذاهب علمًا وعملًا. وقد جاءت عن النبي ﵌ أحاديث أن الماء طَهورٌ لا يُنجِّسه شيء (١). وجاء في رواياتٍ

стр. 912

استثناءُ ما غيَّرت النجاسة أحدَ أوصافه، وهي ضعيفة من جهة الإسناد (١)، لكن حكوا الإجماع على ذلك (٢). المذهب الثاني: أن هذا حكم الماء الكثير بحسب مقداره في نفسه. فأما القليل، فينجَس بوقوع النجاسة فيه، وإن لم تُغيِّر أحدَ أوصافه. والقائلون بهذا يستثنون بعض النجاسات كالتي [٢/ ٦] لا يدركها الطرف، والتي تعمُّ بها البلوى، وميتة ما لا دم له سائل؛ وتفصيل ذلك في كتب الفقه. ثم المشهور في التقدير أن ما بلغ قلَّتين فهو كثير، وما دون ذلك فهو قليل. جاء في هذا عن النبي ﷺ حديثُ القلَّتين (٣)، وروي من قول عبد الله بن

стр. 913

عمر، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، ومن قول مجاهد (١) وغيره من التابعين، وأخذ به نصًّا عبيدُ الله بن عبد الله بن عمر وبعضُ فقهاء مكة. والظاهر أنَّ كلَّ مَن روى الحديث من الصحابة فمَنْ بعدهم يأخذ به، ولا يُعدل عن هذا الظاهر إلا بإثبات خلافه. ولم يصحَّ عن النبي ﷺ تقدير آخر، فأما من بعده فرويت أقوال: أولها: عن ابن عباس، ذكر ذَنوبَين (٢)، وفي سنده ضعف. ولو صحَّ لما تحتَّمت مخالفته للقلتين، فإن ابن عباس معروف بالميل إلى التيسير والتوسعة، فلعله حمل القلَّتين على الإطلاق، فرأى أنه يصدُق بالقلتين الصغيرتين اللتين تسع كلٌّ منهما ذَنوبًا فقط. ثانيها: عن سعيد بن جبير، ذكر ثلاثَ قِلال (٣). وسعيد كان بالعراق، فكأنه رأى قلال العراق صغيرةً، كما أشار الشافعي إلى ذلك في القِرَب، فحزَرَ سعيد أنَّ ثلاثًا من قلال العراق تعادل القلتين اللتين يُحْمَلُ عليهما الحديث. ثالثها: عن مسروق قال: "إذا بلغ الماءُ كذا لم ينجِّسه شيء". ونحوه عن ابن سيرين، وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود (٤). وهؤلاء عراقيون، فإما أن

стр. 914

يكونوا لم يحققوا مقدار القلتين في الحديث بقلال العراق، فأجملوا. وإما أن يكون كلٌّ منهم أشار إلى ماء معيَّن، فأراد بقوله: "كذا" أي بمقدار هذا الماء المشار إليه. وقد ثبت بقولهم أنهم يرون التقدير، ولَأَنْ يُحْمَل ذلك على التقدير المنقول عن النبي ﵌ أولى من أن يُحمَل على تقديرٍ لا يُعلَم له مستند من الشرع. رابعها: عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ذكر أربعين قلة (١). ورُوِيَ مثله من وجه ضعيف عن أبي هريرة (٢). وقيل عنه: أربعين غَرْبًا (٣). وقيل: أربعين دلوًا (٤). وهذا القول يحتمل معنيين: الأول المعنى المعروف لحديث القلتين. المعنى الثاني أن ما بلغ الأربعين لا ينجَس البتة، لا (٥) بمخالطةِ نجاسةٍ لا تُغَيِّر أحد أوصافه لأنه قلتان وأكثر، ولا بمخالطةِ نجاسةٍ تغيِّر أحد أوصافه لأن ذلك لا يقع عادة؛ إذ لا يُعرف في ذاك العصر ببلاد العرب ماء يبلغ أربعين أو [٢/ ٧] أزيد تقع فيه نجاسةٌ تغيِّره. والمعنى الأول يحتاج إلى الاستثناء من منطوقه، فيقال: إلا أن يتغير؛ ومن مفهومه فيقال: إلا بعضَ النجاسات كميتة ما لا دم له سائل. ومع ذلك لا يكون لمفهومه مستند معروف من الشرع، بل المنقول عن الشرع خلافه،

стр. 915

وأيضًا فلم يذهب إليه أحد من الفقهاء. فإما أن يترجح المعنى الثاني، وتكون فائدة ذاك القول أن مَن ورد ماءً فوجده متغيرًا، فإن كان من الكثرة بحيث لا يُعرف في العادة أن تقع فيه نجاسة تُغَيِّره، فله استعماله بدون بحث. وإن كان دون ذلك فعليه أن يَتروَّى ويبحث. وإما أن يُحمَل على المعنى الأول، ويُطرَح مفهومه، ويقال: لعل ذاك القول كان عند سؤال عن ماء بذاك المقدار وقعت فيه نجاسة ولم تغيِّره، فذكر الأربعين لموافقة الواقع لا للتقييد. هذا، ولم أجد عن المتقدمين من الفقهاء وغيرهم حرفًا واحدًا فيه التفاتٌ إلى ما اعتمده الحنفية من اعتبار مساحة وجه الماء دون مقداره. وكأنَّ الأستاذ شعر بهذا، فحاول عبثًا أن يُشرك مع مذهبه في ذلك مذهبَ القلتين، إذ قال: "لم يأخذ به أحد من الفقهاء قبل المائتين". وقد عَلِمتَ أنَّ القول بالقلَّتين مروي عن النبي ﵌، ثم عن جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم. فأما الحنفية، فذهبوا في الجملة إلى الفرق بين القليل والكثير، لكنهم لم يعتبروا مقدار الماء في نفسه، وإنما نظروا إلى مساحة وجهه، وعندهم في ذلك روايات: الأولى: أن الماء الراكد الذي تقع فيه نجاسة لا تُغَيِّر أحد أوصافه، إذا كانت مساحة وجهه بحيث يظن المحتاجُ خلوصَ النجاسة من أحد طرفيه إلى الآخر= تنجَّس (١)، وإلا فلا.
следующие страницы →