← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 337

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

المسألة الأولى إذا بلغ الماءُ قُلَّتَين لم ينجَسْ في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٨٩ [٤٠٥]) من طريق "الفضل بن موسى السِّيناني يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: مِن أصحابي مَنْ يبول قلَّتين. يردُّ على النبي ﷺ : إذا كان الماء قُلَّتين لم ينجَسْ". قال الأستاذ (ص ٨٣): "وحديث القلَّتين (١) لم يأخذ به أحد من الفقهاء قبل المائتين، (٢) لأن في ذلك اضطرابًا عظيمًا، (٣) ولم يقل بتصحيحه إلا المتساهلون، (٤) ولم ينفع تصحيحُ من صحَّحه في الأخذ به، لعدم تعيُّن المراد بالقلتين؛ (٥) حتى إن ابن دقيق العيد يعترف في شرح "عمدة الأحكام" بقوة احتجاج الحنفية بحديث الماء الدائم في "الصحيح". (٦) فدَعُونا معاشرَ الحنفية نتوضأ من الحنفيات ولا نغطِس في المستنقعات". أقول: في هذه العبارة ستة أمور، كما أشرت إليه بالأرقام. فأما الأمر الأول: فالمنقول عن السلف قبل أبي حنيفة وفي عصره مذهبان: الأول: أن الماء سواء أكان قليلًا أم كثيرًا لا ينجَس إلا أن تخالطه النجاسة فتُغيِّر لونَه أو ريحَه أو طعمَه. وإليه ذهب مالك، وكذلك أحمد في روايةٍ، وهو أيسر المذاهب علمًا وعملًا. وقد جاءت عن النبي ﵌ أحاديث أن الماء طَهورٌ لا يُنجِّسه شيء (١). وجاء في رواياتٍ

стр. 912

استثناءُ ما غيَّرت النجاسة أحدَ أوصافه، وهي ضعيفة من جهة الإسناد (١)، لكن حكوا الإجماع على ذلك (٢). المذهب الثاني: أن هذا حكم الماء الكثير بحسب مقداره في نفسه. فأما القليل، فينجَس بوقوع النجاسة فيه، وإن لم تُغيِّر أحدَ أوصافه. والقائلون بهذا يستثنون بعض النجاسات كالتي [٢/ ٦] لا يدركها الطرف، والتي تعمُّ بها البلوى، وميتة ما لا دم له سائل؛ وتفصيل ذلك في كتب الفقه. ثم المشهور في التقدير أن ما بلغ قلَّتين فهو كثير، وما دون ذلك فهو قليل. جاء في هذا عن النبي ﷺ حديثُ القلَّتين (٣)، وروي من قول عبد الله بن

стр. 913

عمر، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، ومن قول مجاهد (١) وغيره من التابعين، وأخذ به نصًّا عبيدُ الله بن عبد الله بن عمر وبعضُ فقهاء مكة. والظاهر أنَّ كلَّ مَن روى الحديث من الصحابة فمَنْ بعدهم يأخذ به، ولا يُعدل عن هذا الظاهر إلا بإثبات خلافه. ولم يصحَّ عن النبي ﷺ تقدير آخر، فأما من بعده فرويت أقوال: أولها: عن ابن عباس، ذكر ذَنوبَين (٢)، وفي سنده ضعف. ولو صحَّ لما تحتَّمت مخالفته للقلتين، فإن ابن عباس معروف بالميل إلى التيسير والتوسعة، فلعله حمل القلَّتين على الإطلاق، فرأى أنه يصدُق بالقلتين الصغيرتين اللتين تسع كلٌّ منهما ذَنوبًا فقط. ثانيها: عن سعيد بن جبير، ذكر ثلاثَ قِلال (٣). وسعيد كان بالعراق، فكأنه رأى قلال العراق صغيرةً، كما أشار الشافعي إلى ذلك في القِرَب، فحزَرَ سعيد أنَّ ثلاثًا من قلال العراق تعادل القلتين اللتين يُحْمَلُ عليهما الحديث. ثالثها: عن مسروق قال: "إذا بلغ الماءُ كذا لم ينجِّسه شيء". ونحوه عن ابن سيرين، وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود (٤). وهؤلاء عراقيون، فإما أن

стр. 914

يكونوا لم يحققوا مقدار القلتين في الحديث بقلال العراق، فأجملوا. وإما أن يكون كلٌّ منهم أشار إلى ماء معيَّن، فأراد بقوله: "كذا" أي بمقدار هذا الماء المشار إليه. وقد ثبت بقولهم أنهم يرون التقدير، ولَأَنْ يُحْمَل ذلك على التقدير المنقول عن النبي ﵌ أولى من أن يُحمَل على تقديرٍ لا يُعلَم له مستند من الشرع. رابعها: عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ذكر أربعين قلة (١). ورُوِيَ مثله من وجه ضعيف عن أبي هريرة (٢). وقيل عنه: أربعين غَرْبًا (٣). وقيل: أربعين دلوًا (٤). وهذا القول يحتمل معنيين: الأول المعنى المعروف لحديث القلتين. المعنى الثاني أن ما بلغ الأربعين لا ينجَس البتة، لا (٥) بمخالطةِ نجاسةٍ لا تُغَيِّر أحد أوصافه لأنه قلتان وأكثر، ولا بمخالطةِ نجاسةٍ تغيِّر أحد أوصافه لأن ذلك لا يقع عادة؛ إذ لا يُعرف في ذاك العصر ببلاد العرب ماء يبلغ أربعين أو [٢/ ٧] أزيد تقع فيه نجاسةٌ تغيِّره. والمعنى الأول يحتاج إلى الاستثناء من منطوقه، فيقال: إلا أن يتغير؛ ومن مفهومه فيقال: إلا بعضَ النجاسات كميتة ما لا دم له سائل. ومع ذلك لا يكون لمفهومه مستند معروف من الشرع، بل المنقول عن الشرع خلافه،

стр. 915

وأيضًا فلم يذهب إليه أحد من الفقهاء. فإما أن يترجح المعنى الثاني، وتكون فائدة ذاك القول أن مَن ورد ماءً فوجده متغيرًا، فإن كان من الكثرة بحيث لا يُعرف في العادة أن تقع فيه نجاسة تُغَيِّره، فله استعماله بدون بحث. وإن كان دون ذلك فعليه أن يَتروَّى ويبحث. وإما أن يُحمَل على المعنى الأول، ويُطرَح مفهومه، ويقال: لعل ذاك القول كان عند سؤال عن ماء بذاك المقدار وقعت فيه نجاسة ولم تغيِّره، فذكر الأربعين لموافقة الواقع لا للتقييد. هذا، ولم أجد عن المتقدمين من الفقهاء وغيرهم حرفًا واحدًا فيه التفاتٌ إلى ما اعتمده الحنفية من اعتبار مساحة وجه الماء دون مقداره. وكأنَّ الأستاذ شعر بهذا، فحاول عبثًا أن يُشرك مع مذهبه في ذلك مذهبَ القلتين، إذ قال: "لم يأخذ به أحد من الفقهاء قبل المائتين". وقد عَلِمتَ أنَّ القول بالقلَّتين مروي عن النبي ﵌، ثم عن جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم. فأما الحنفية، فذهبوا في الجملة إلى الفرق بين القليل والكثير، لكنهم لم يعتبروا مقدار الماء في نفسه، وإنما نظروا إلى مساحة وجهه، وعندهم في ذلك روايات: الأولى: أن الماء الراكد الذي تقع فيه نجاسة لا تُغَيِّر أحد أوصافه، إذا كانت مساحة وجهه بحيث يظن المحتاجُ خلوصَ النجاسة من أحد طرفيه إلى الآخر= تنجَّس (١)، وإلا فلا.

стр. 916

الثانية: أنه إذا كانت بحيث إذا حُرِّك أدناه اضطرب أقصاه تنجَّس، وإلَّا فلا. ولهم في الترجيح والتفريع اختلافٌ واضطرابٌ شديدٌ جدًّا، كما تراه في كتبهم المطولة (١). واستبعد بعضهم عدمَ اعتبار العمق، فاشترطوا عمقًا واختلفوا في قدره. فقيل: أن يكون بحيث لا ينحسر بالاغتراف. وقيل: أربع أصابع، وقيل: ما بلغ الكعبين، وقيل: شِبْر، وقيل: ذراع، وقيل: ذراعان! واختلفوا على الرواية الثانية في الحركة، فقيل: حركة المغتسل، وقيل: المتوضئ، وقيل: [٢/ ٨] اليد. ولم يعتبروا وقوع الحركة، وإنما ذكروها لمعرفة قدر المساحة. وسواءٌ في الحكم عندهم أكان الماء عند وقوع النجاسة وبعدها ساكنًا أم تحرَّك، وقالوا: إذا كان بالمساحة المشروطة فللمحتاج أن يستعمل من موضع النجاسة وإن لم يكن قد تحرَّك! وقالوا: إذا كانت مساحة وجه الماء تساوي القدر المشروط كفى، وإن كان دقيقًا كأن يكون طولُه مائة ذراع، وعرضُه ذراعًا! وقال محققهم ابن الهمام (٢) في ترجيح الرواية الأولى: "هو الأليق بأصل أبي حنيفة، أعني عدم التحكم بتقدير فيما لم يرِدْ فيه تقدير شرعي". أقول: والرواية الأولى فيها تحكُّم. والبول مثلًا إذا وقع في الماء ثم حُرِّك الماء خلصتْ ذرَّات البول إلى جميع الماء، كما تشاهده إذا صببتَ قارورة مداد في حوض، فقد يظهر لون المداد في الماء واضحًا، وقد يظهر

стр. 917

بتأمل، وقد لا يظهر. وذلك بحسب اختلاف قدر الماء، وقدر المداد، وقدر لونه، وعلى كل حال فالخلوص محقَّق، وإنما لا يظهر اللون لتفرُّق الذرات. وظنونُ الناس لا ترجع غالبًا إلى دلالة، وإنما ترجع إلى طبائعهم، فمنهم متقزِّز ينفر عن حوض كبير إذا رأى إنسانًا واحدًا بال فيه. وآخر لا ينفر، ولكن لو رأى ثلاثة بالوا فيه لنفر. وثالث لا ينفر، ولو رأى عشرةً بالوا فيه! وإذا جردت الرواية الأولى عن التحكم لم يكد يتحصل منها إلا أنَّ قائلها وَكَل الناس إلى طباعهم، وفي عدِّ هذا قولًا ومذهبًا نظر. وقد حكى الحنفية أن محمد بن الحسن كان يقول بعشرٍ في عشر، ثم رجع وقال: "لا أوقِّت شيئًا" (١). وعقد الشافعي لهذه المسألة بابًا طويلًا تراه في كتاب "اختلاف الحديث" بهامش "الأم" (ج ٧ ص ١٠٥ - ١٢٥) (٢)، وذكر أنه ناظر بعضهم، والظاهر أنه محمد بن الحسن، وفي المناظرة (٣): "قال: قد سمعتُ قولك في الماء، فلو قلتَ: لا ينجس الماء بحال للقياس على ما وصفتَ أن الماء يزيل الأنجاس، كان قولًا لا يستطيع أحدٌ ردَّه ... قلت: ولا يجوز إلا أن لا ينجس شيء من الماء إلا بأن يتغير ... أو ينجس كلُّه بكلِّ ما خالطه. قال: ما يستقيم في القياس إلّا هذا، ولكن لا قياسَ مع خلافِ خبرٍ لازم. قلتُ: فقد خالفتَ الخبرَ اللازم، ولم تقل معقولًا، ولم تقِسْ". وقال في موضع آخر (٤): "فقال: لقد سمعتُ أبا يوسف يقول: قول

стр. 918

الحجازيين [٢/ ٩] في الماء أحسنُ من قولنا، وقولنا فيه خطأ". وقال في موضع آخر (١): "فقال: ما أحْسَنَ قولَكم في الماء! ". أقول: فانحصر الحق في المذهبين الأولين، وسقط ما يخالفهما. وأما الأمر الثاني، وهو الاضطراب في روايات ذاك الحديث، فالاضطراب الضارُّ أن يكون الحديث حجةً على أحد الوجهين مثلًا دون الآخر، ولا يتجه الجمع ولا الترجيح، أو يكثر الاضطراب ويشتدُّ بحيث يدل أن الراوي المضطرب الذي مدار الحديث عليه لم يَضبط. وليس الأمر في هذا الحديث كذلك، كما يُعلم من مراجعة "سنن الدارقطني"، و"المستدرك"، و"سنن البيهقي" (٢). وأما الأمر الثالث، وهو قول الأستاذ: "ولم يقُلْ بتصحيحه إلا المتساهلون"، ففيه مجازفة. فقد صحَّحه الشافعي (٣)، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه (٤)، وأبو عبيد القاسم بن سلام (٥). وحكى الشافعي عن مناظره من الحنفية ــ ويظهر أنه محمد بن الحسن ــ أنه اعترف بثبوته، كما

стр. 919

في كتاب "اختلاف الحديث" بهامش "الأم" (ج ٧ ص ١١٥) (١) ولفظه: "فقلتُ: أليس تثبت الأحاديث التي وصفتُ؟ فقال: أما حديث الوليد بن كثير [وهو حديث القلتين]، وحديث ولوغ الكلب في الماء، وحديث موسى بن أبي عثمان = فتثبت بإسنادها. وحديث بئر بضاعة، فيثبت بشهرته وأنه معروف". واعترف الطحاوي (٢) بصحته، كما يأتي. وصححه ابن خزيمة (٣)، وابن حبان (٤)، والحاكم (٥)، وغيرهم. قال الحاكم في "المستدرك" (ج ١ ص ١٣٢): "حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجَّا جميعًا بجميع رواته ولم يخرجاه. وأظنهما ــ والله أعلم ــ لم يخرجاه لخلافٍ فيه ... " ثم ذكر الخلاف، وأثبت أنَّ ما هو متابعة تزيد الحديث قوة. وأما الأمر الرابع، وهو قول الأستاذ: "ولم ينفَعْ تصحيحُ مَن صحَّحه لعدم تعيُّن المراد بالقلتين". ففي "فتح الباري" (٦): "واعترف الطحاوي من الحنفية بذلك [يعني بصحة الحديث]، لكنه اعتذر عن القول به بأن القُلَّة في العُرف تُطلَق على الكبيرة والصغيرة كالجَرَّة، ولم يثبت في الحديث تقديرُهما، فيكون مجملًا، فلا يُعمل به. وقوَّاه ابن دقيق العيد ... ".

стр. 920

[٢/ ١٠] أقول: قال الله : ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. ومن المساكين الصغير والكبير، والطويل الجسيم والقصير القضيف (١). ومن المماليك الصغير والكبير. وقد يقال نحو ذلك في الإطعام والكسوة، إذ يَصدُقان بتمرة تمرة وقَلَنْسُوَة قلنسوة. وأمثال هذا في النصوص كثير. وفيها ذكر المقادير كالصاع والرطل والمثقال والميل والفرسخ وغير ذلك مما وقع فيه الاشتباه والاختلاف، ولم يقل أحد في شيء من ذلك: إنه مجمل. بل منهم من يقول بمقتضى الإطلاق، ومنهم من يذهب إلى الغالب أو الأوسط، ومنهم من يختار الأكمل. فيمكن الأخذ بمقتضى الإطلاق في القلتين، فيؤول ذلك إلى تحقيق المقدار بما يملأ قلتين من أصغر ما يكون من القلال. ولا يَخْدِش في ذلك أنه قد يكون مقدار قُلَّةٍ كبيرة أو نصفها مثلًا، كما قد يأتي نحو ذلك في كسوة المساكين على القول بأنه يكفي ما يُسمَّى كسوة مساكين. ويمكن الأخذ بالأحْوَط كما فعل الشافعي وغيره. ولا ريب أنَّ ما بلغ قلتين من أكبر القلال المعهودة حينئذٍ وزاد على ذلك داخلٌ في حكم منطوق الحديث حتمًا على كل تقدير، وهو أنه لا ينجَس، وأن ما لم يبلغ قلَّتين من أصغر القلال المعهودة حينئذ داخلٌ في حكم مفهوم الحديث حتمًا، وهو أنه ينجس. فلا يتوهم في الحديث إجمال بالنظر إلى هذين المقدارين، وإنما يبقى الشك في ما بينهما، فيؤخذ فيه بالاحتياط.

стр. 921

وقال ابن التركماني في "الجوهر النقي" (١): "قد اختُلِف في تفسير القُلَّتين اختلافًا شديدًا كما ترى، ففُسِّرتا بخمس قِرَب، وبأربع، وبأربعة وستين رطلًا، وباثنين وثلاثين رطلًا، وبالجرَّتين مطلقًا، وبالجرّتين بقيد الكبر، وبالخابيتين، والخابية: الحُبُّ. فظهر بهذا جهالة مقدار القُلّتين، فتعذَّر العملُ بها". أقول: أما الاختلاف في تفسير القُلة بمقتضى اللغة، فمَنْ تأمَّلَ كلامَ أهل اللغة وموارد الاستعمال وتفسير المحدِّثين السابقين ظهر له أن القُلّة هي الجَرَّة، وإنما جاء قيد الكبر من جهتين: الأولى: تفسير أهل الغريب لما ورد في الحديث (٢) في ذكر سدرة المنتهى: "فإذا نَبِقُها مثلُ [٢/ ١١] قِلالِ هَجَر، وإذا ورقُها مثل آذان الفِيَلة". وقِلال هَجَر مشهورة بالكبر، وتفخيمُ شأن السدرة يقتضي الكبر. الثانية: تفسير المحتاطين لحديث القلتين. وفي "سنن البيهقي" (ج ١ ص ٢٦٤) عن مجاهد تفسيرُ القلَّتين بالجرَّتين. ونحوه عن وكيع، ويحيى بن آدم. وعن ابن إسحاق: "هذه الجِرار التي يُستقى فيها الماء والدواريق". وعن هشيم: "الجرَّتَين الكبار". وعن عاصم بن المنذر: "الخوابي العظام".

стр. 922

وأكثرُ الآخذين بحديث القلتين أخذوا بالاحتياط، فاشترطوا الكبر. والخابية هي الحُبُّ، والحُبُّ هو الجرة أو الجرة الكبيرة. وعلى كل حال فما بلغ جرَّتين من أكبر ما يُعهد من الجِرار داخلٌ في حكم منطوق الحديث حتمًا، وما لم يبلغ جرتين من أصغر ما يُعهد من الجِرار داخلٌ في حكم مفهومه حتمًا كما سلف. وأما الاختلاف في مقدار ما تسع، فأكثرُ الأوجه التي ذكرها ابن التركماني جاءت في خبرٍ (١) رواه ابن جريج عن محمد بن يحيى، عن يحيى بن عُقَيل، عن يحيى بن يعمر، عن النبي ﵌: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا ولا بأسًا". رواه أبو قرة (٢) عن ابن جريج وقال فيه: "قال محمد: فرأيت قِلالَ هَجَر، فأظنُّ كلَّ قُلَّة تأخذ قِرْبتَين". ورواه الدارقطني (٣)، عن أبي بكر النيسابوري، عن أبي حميد المِصِّيصي، عن حجاج، عن ابن جريج؛ وقال فيه: "قال: فأظن أن كلَّ قُلَّةٍ تأخذ الفَرَقَيْن". ورواه البيهقي (٤) عن أبي حامد أحمد بن علي الرازي، عن زاهر بن أحمد (٥)، عن أبي بكر النيسابوري بإسناده مثله، وزاد: "والفَرَق ستة عشر

стр. 923

رطلًا". ورواه الشافعي (١): "ثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج بإسنادٍ لا يحضرني ذكرُه أن رسول الله ﵌ قال: "إذا كان الماء قلَّتين لم يحمل خبثًا". وقال في الحديث: بقلال هَجَر. قال ابن جريج: وقد رأيت قِلال هَجر، فالقُلَّة تَسَعُ قِربَتين أو قِربتين وشيئًا". قال الشافعي (٢): "كان مسلم يذهب إلى أن ذلك أقل من نصف القِربة أو نصفُ القِربة، فيقول: خمسُ قِرَب هو أكثر ما يَسَعُ قلتين، وقد تكون القلتان أقل من خمس قِرَب". قال الشافعي (٣): "فالاحتياط أن تكون القُلَّة قِربتين ونصف ... وقِرَبُ الحجاز كِبار ... ". ومسلم بن خالد وإن ضعَّفه الأكثرون [٢/ ١٢] ونسبوه إلى كثرة الغلط، فقد وثَّقه ابنُ معين وغيره، وقالوا: كان فقيه أهل مكة، وكانت له حلقة في حياة ابن جريج. وهذا الخبر مما يحتاج إليه الفقيه، فلا يُظَنُّ به الغلط فيه (٤). وقد تابعه في الجملة أبو قُرَّة وهو ثقة. فلفظ "القِربتين" ثابت عن ابن

стр. 924

جريج. فأما لفظ "الفَرَقيْن"، فإن كان بفتح الراء فيدفعه أن قِلال هَجَر معروفة بالكِبَر بحيث يضرب بها المثل كما مرَّ. وقد قال الأزهري (١) بعد أَنْ عاش في هَجَر ونواحيها سنين: "قِلال هَجَر والأحساء ونواحيها معروفة، تأخذ القُلَّةُ منها مزادةً كبيرةً من الماء، وتملأ الراوية قُلتين". والقِربة تكون من جلد واحد، والمزادة من جلدين ونصف أو ثلاثة، والراوية هي البعير الذي يحمل

стр. 925

مزادتي الماء. فالمراد هنا أن المزادتين اللتين يُستقَى فيهما على البعير تملآن قلتين، فكيف يعقل أن يكون [٢/ ١٣] ما تسعُه القُلتان من قِلال هَجَر من الماء أربعة وستين رطلًا فقط؟ فإما أن يكون لفظ "الفَرقين" تصحيفًا من بعض الرواة، والصواب "القِرْبتين". وإما أن يكون "الفَرْقين" بسكون الراء، والفَرْق بسكون الراء مائة وعشرون رطلًا. وما وقع في رواية البيهقي عن الرازي عن زاهر: "والفرق ستة عشر رطلًا" تقديرٌ من بعض الرواة ظنَّ الفرقين بفتح الراء. وزاهر فيه كلام (١). وأما ما ذكره ابن التركماني من تفسير القُلَّتين معًا باثنين وثلاثين رطلًا، فإنما أخذه من قوله (٢): "وقد جاء ذكر الفرق من طريق آخر أخرجه ابن عدي (٣) من جهة المغيرة بن سِقْلاب، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌: "إذا كان الماء قُلتين من قِلال هَجَر لم يُنجِّسه شيء"، وذكر أنهما فرقان" (٤). قال ابن التركماني: "وهذا يقتضي أن تكون القلتان اثنين وثلاثين رطلًا. والمغيرة هذا ضعَّفه ابن عدي، وذكر ابن أبي حاتم (٥) عن أبيه أنه صالح. وعن أبي زرعة: جَزَري لا

стр. 926

بأس به". أقول: الراوي الذي يطعن فيه محدثو بلده طعنًا شديدًا لا يزيده ثناءُ بعض الغرباء عليه إلا وهنًا، لأن ذلك يُشعِر بأنه كان يتعمد التخليط، فتزيَّن لبعض الغرباء، واستقبله بأحاديث مستقيمة، فظن أن ذلك شأنه مطلقًا، فأثنى عليه. وعرف أهل بلده حقيقة حاله. وهذه حال المغيرة هذا، فإنه جزري أسقطه محدثو الجزيرة. فقال أبو جعفر النفيلى: لم يكن مؤتمنًا. وقال علي بن ميمون الرقي: كان لا يَسْوَى بَعْرةً. وأبو حاتم وأبو زرعة رازيان كأنهما لقياه في رحلتهما، فسمعا منه، فتزيَّن لهما ــ كما تقدَّم ــ فأحسنا به الظنَّ. وقد ضعَّفه ممن جاء بعد ذلك: الدارقطني وابن عدي، لأنهما اعتبرا أحاديثه. وحسبك دليلًا على تخليطه هذا الحديث، فإن الناس رَووه عن ابن إسحاق، عن ابن عبد الله بن عمر، عن أبيه. ولا ذِكر فيه لقِلال هَجَر، ولا للتقدير؛ فخلَّط فيه المغيرة ما شاء. هذا، والذي في "الميزان" (١) في ترجمة المغيرة هذا: " ... عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: إذا كان الماء قُلتين لم ينجِّسه شيء، والقُلة أربعة آصُع". ففي هذا أن القلة الواحدة اثنان وثلاثون رطلًا، لا القُلتان معًا. والصاع عند العراقيين ثمانية أرطال، وقد [٢/ ١٤] يكون المغيرة رأى في بعض الروايات التقدير بالفَرْقين، فظنَّه بفتح الراء كما تقدم. وهو تالف على كل حال. هذا، والفَرْقان بسكون الراء قريبٌ من قِربتين وشيء من قِرَب الحجاز،

стр. 927

فإنها كِبار كما ذكره الشافعي، فالفرقان مائتان وأربعون رطلًا. ومرَّ عن الشافعي وشيخِه مسلم بن خالد صاحبِ ابن جريج جعلُ الشيء نصفًا، وحرَّر بعض أصحاب الشافعي القِرْبة بمائة رطل، فتكون القلة مائتين وخمسين رطلًا. فتقاربت روايتا الفَرْقين، والقِرْبتين وشيء. فأما ما روي عن الإمام أحمد أن القُلتين أربع قِرَب (١) فكأنه رجَّح رواية أبي قُرَّة عن ابن جريج، ورأى أن القُلتين في أصل الحديث مطلقتان، وأن قِلالَ هَجَرٍ أكبر من قلال المدينة، فرأى أن الزيادة على أربع قِرَب غلوٌّ في الاحتياط لا حاجة إليه. وأما قول إسحاق بن راهويه إن القُلتين ستُّ قِرَب، فكأنه أخذه من قول الشافعي: "خمس قِرَب" مع قوله: إن قِرَبَ الحجاز كبار، فاحتاط إسحاق، فجعلها ستَّ قِرَب بقِرَب العراق. وعلى كل حال، فذاك المقدار ــ أعني خمسَ قِرَب من قِرَب الحجاز ــ داخل هو وما زاد عليه في حكم منطوق الحديث حتمًا، أعني أنه لا ينجَس، لأنه يشتمل على قُلتين أو قلتين وزيادة، على جميع التفاسير؛ فدلالةُ الحديث على أنه لا ينجس حتمية. وكذلك دلالة الحديث على أن الماء القليل الذي لا يبلغ أن يكون قلَّتين في تفسير من التفاسير ينجَس= واضحة. فبطلت دعوى تعذُّر العمل بالحديث، وتحتَّم على مَن يعترف بصحته أن يعمل به فيما ذكر. وأما الأمر الخامس، وهو الاحتجاج بحديث الماء الدائم، فإنه صح في

стр. 928

ذلك حديثان: الأول في النهي عن البول فيه. ففي "صحيح مسلم" (١) من حديث جابر عن رسول الله ﵌ أنه نهى أن يُبال في الماء الراكد، ومن حديث أبي هريرة (٢) عن النبي ﵌ قال: "لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه". وفي رواية (٣): "لا تَبُلْ في الماء الدائم الذي لا يجري ثم تغتسل فيه". وحديث أبي هريرة في "صحيح البخاري" (٤)، وفيه: "ثم يغتسل فيه". فقد يقال من جانب الحنفية: هاهنا ثلاث قضايا: الأولى: فرَّق الحديثُ بين الراكد وغيره، وهو قولنا. [٢/ ١٥] الثانية: دلَّ على أنَّ البول في الماء الراكد ينجِّسه، ولم يشترط التغيير، فهو حجة لنا على من يشترطه. الثالثة: قال في رواية البخاري: "ثم يغتسل فيه". وهو ظاهر في شمول الحكم للماء الذي يُمكِن الإنسانَ أن يغتسل فيه، ولابد أن يكون أكثر من قلتين؛ فهو حجة لنا على مَن يقول بالقُلتين. أقول: أما القضية الأولى، فدلالة الحديث على التفرقة إنما هي بمفهوم المخالفة، والحنفية لا يقولون بها، فيلزمهم إلحاق الجاري بالراكد قياسًا،

стр. 929

أو يقيموا على مخالفته له دليلًا آخر. أما نحن فنقول بدلالة مفهوم المخالفة، ولكننا نقول: ليس وجه المخالفة ما توهَّمه الحنفية أو بعضُهم حتى قال بعضُهم (١): "إناءان ماءُ أحدِهما طاهر، والآخر نجس، فصُبَّا من مكان عالٍ، فاختلطا في الهواء، ثم نزلا= طهُرَ كلُّه! ولو أُجريَ ماءُ الإناءين في الأرض صار بمنزلة ماء جار"! وقال بعضهم (٢): "لو حفر نهرًا من حوض صغير، أو صبَّ رفيقُه الماءَ في ميزاب وتوضأ فيه، وعند طرفه الآخر إناءٌ يجتمع فيه الماءُ= جاز توضُّؤُه به ثانيًا وثم وثم"! وذكروا أن هذا معتبر حتى على القول بنجاسة الماء المستعمل. وقضية هذا أنه لو عمد إلى جرَّةٍ يصبُّ الماءَ منها في ميزاب، وقعد آخر على وسط الميزاب يبول فيه ويسيل بوله مع الماء، وعلى طرف الميزاب إناء يجتمع فيه ذاك الماء= كان ذاك الماء الذي خالطه البول واجتمع في ذاك الإناء طاهرًا مطهرًا، مع أنه لو وُضع في الجرة ابتداءً شيء يسير من ذاك البول لصار ماؤها نجسًا! ولا يخفى أن مثل هذا الفرق لا يُعقَل له وجه. وإنما الماء الجاري الخارج بمفهوم المخالفة في الحديث هو ــ بمقتضى التبادر والنظر ــ ما كان جاريًا بطبعه كالأنهار والعيون، مما ليس مفسدة البول فيه كمفسدة البول في الراكد، فإن الراكد يختلط به البول ويبقى بحاله؛ فإن اغتسل منه البائل وغيره كان مغتسلًا بماءٍ مخالطُه البول من أول اغتساله إلى آخره. وأما الجاري كماء النهر، فإن الدفعة التي وقع فيها البول تذهب فورًا ولا تعود، فلا يمكن

стр. 930

البائلَ أن يعود فيغتسل فيها. وإنما يمكنه أن يعود فيغتسل في تلك البقعة، ولا ضَير؛ فإنَّ الماء الذي يكون فيها ماء جديد لم يخالطه بوله. ومن شأن الماء الجاري أن يتلاحق، فلا تكاد تمرُّ الدفعة التي وقع فيها البول مسافةً لها قدر حتى يتلاحق بها الماء المتجدِّد فيتغلب [٢/ ١٦] عليها. وعلى فرض أنها حفظت بعضَ حالها حتى مرّت بإنسان يغتسل، فسرعانَ ما تُجاوزه ويعقُبها الماء الجديد بل المتجدد، فيذهب بأثرها. فهذا هو المعنى المعقول الذي به خالف الجاري الراكد، فوجب البناء عليه. وبذلك عُلِمَ الجواب. وأما القضية الثانية، فلو دل حديث جابر على تنجُّس الراكد بالبولة الواحدة لدلَّ على تنجُّس كل ماء راكد قلَّ أو كَثُر حتى البحر الأعظم. فالصواب أن هناك عدة علل إذا خُشيت واحدة منها تحقَّق النهي: الأولى: التنجيس حالًا. إما بأن يكون الماء قليلًا جدًّا تغيِّره البولة الواحدة، وإما بأن يكون دون المقدار الشرعي، وقد تقدم الكلام فيه. الثانية: التنجيس مآلًا. وذلك أنه لو لم يُنْهَ عن البول في الماء الراكد لأوشك أن يبول هذا، ثم يعود فيبول ويتكرر ذلك، وكذلك يصنع غيره، فقد يكثر البول حتى يغيِّر الماء، فينجِّسه. الثالثة: التقذير حالًا. قال الشافعي كما في هامش "الأم" (ج ٧ ص ١١١) (١): "ومن رأى رجلًا يبول في ماء ناقع قذِرَ الشُّربَ منه والوضوءَ به". وقال قبل ذلك: "كما يُنهَى أن يتغوَّط على ظهر الطريق والظل والمواضع التي يأوي الناس إليها، لما يتأذى به الناس من ذلك".

стр. 931

الرابعة: التقذير مآلًا. قد يكون الغدير أو المصنعة (١) كبيرًا جدًّا لا يقذَره الإنسان لبولةٍ واحدة، لكن إذا علم أن الناس يعتادون البول فيه قذِرَه. الخامسة: فشوُّ الأمراض. فقد تحقق في الطب أن كثيرًا من الأمراض إذا بال المبتلى بأحدها خرجت جراثيم المرض مع البول. فإن كان البول في ماء راكد بقيت تلك الجراثيم حتى تدخل في أجسام الناس الذين يستعملون ذاك الماء، فيصابون بتلك الأمراض. والإصابةُ بذلك أكثرُ جدًّا من الإصابة بالجُذام للقرب من المجذوم. وقد ثبت في "الصحيح" (٢): "فِرَّ من المجذوم كما تفِرُّ من الأسد". وكثيرٌ منها أشدُّ ضررًا من جَرَب الإبل. وقد ثبت في "الصحيح" (٣): "لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ". وبهذا يبقى الحديث على عمومه، ولا يحتاج إلى إخراجه عن ظاهره بمجرد الاستنباط. فأما حال الضرورة فمستثنى من أكثر النواهي. ثم إن تحقَّق بعض [٢/ ١٧] هذه العلل في ماء يصدق عليه أنه ليس براكد وجب أن يشمله الحكم. أما على قول مَن لا يَعتَدُّ بمفهوم المخالفة كالحنفية فواضح، وأما على قول من يعتد به فيُخَصُّ عمومُه بالقياس الواضح. ولا ريبَ أن الشرع لا يبيح أن يُلْقَى في الماء الجاري ما يضرُّ بالناس أو يؤذيهم. وعلى هذا، فلا حاجة في التخصيص إلى القياس، بل النصوص الزاجرة عن الإضرار والإيذاء كافية.

стр. 932

فإن قيل: لو اعتبرنا العلل المذكورة واعتبرنا القياس لزم شمولُ المنع لكل ماء جارٍ، فيلزم اطِّراحُ المفهوم رأسًا. قلت: بل تبقى مياه السيول ونحوها التي تمرُّ بنفسها على مواضع النجاسة، فلا يبقى وجهٌ لمنع الإنسان عن البول فيها؛ على أن الذين يعتدّون بمفهوم المخالفة يشترطون ما لعلَّنا لو دقَّقنا للاحَ لنا أنه غير متحقِّق هنا. وفي القرآن عدة آيات لا يأخذون فيها بمفهوم المخالفة، ويعتلّون بوجوهٍ إذا تدبرتَ وجدتَ بعضها واردًا هنا. وأما حديث أبي هريرة، فإن كان قوله: "ثم يغتسلُ منه" على معنى الخبر ــ كما قرّره القرطبي، قال (١): كحديث: "لا يضرِبْ أحدكم امرأته ثم يضاجعُها" (٢) ــ فالكلام فيه كما مرَّ، إلّا أنَّه زاد بقوله: "ثم يغتسل منه" التنبيهَ على بعض العلل. كأنه قال: كيف يبول فيه، ثم لعله يحتاج إليه فيغتسل منه، فيتنجَّس أو يتقذَّر؛ أو يدع الاغتسال مع حاجته إليه؟ وإذا كان هو يستقذره لبوله فيه، فغيرُه أولى بالاستقذار. والمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. ولا يدفع هذا أن تكون هناك علة أخرى، فإنّ النهي عامٌّ، وقد جاء مثله بدون هذا التنبيه، وهو حديث جابر. وإن كان المعنى على النهي عن الجمع بين البول والاغتسال، انصبَّ النهيُ على الاغتسال بعد البول، كأنه قيل: لا يغتسل في ماء دائم قد بال فيه.

стр. 933

ويحتمل هذا النهي عللًا: إحداها التنجُّس، ثانيتها التقذر، ثالثتها أن يكون عقوبة للبائل؛ لأن الإنسان إذا علم أنه إن بال في الماء حُظِر عليه الاغتسالُ منه كان مما يمنعه عن البول. وقريب منه حديث المرأة التي لعنت ناقتَها، فأمر النبي ﵌ بتخلية الناقة (١)، كأنه جعل عقوبة المرأة على لعنها الناقةَ أن لا تنتفع بها، لكي تنزجر هي وغيرها عن اللعن. فأي واحدة من هذه العلل وُجِدَت وُجِدَ النهيُ، وبذلك يساوق التعليلُ عمومَ النص. وإن كان المعنى: لا يبُلْ في الماء الدائم، فإن عصى فبال، فلا يغتسلْ منه؛ فآخره كما ذكر، وأوله كما مرَّ في حديث جابر. [٢/ ١٨] وأما القضية الثالثة، فقد مرَّ ما يُعلم به الجواب عنها، على أن الماء إذا كان دون القُلتين بقليل، وكان في حفرة ضيقة أو حوض بقدر قعدة الإنسان إلا أنه عميق، أمكن الانغماس فيه؛ لأنه إذا قعد ارتفع الماء من الجوانب فيغمره. ومع ذلك فالاغتسال في الماء يصدُق بأن يقعد وسطَه ويغرف على نفسه. وفوق هذا، فكلمةُ "فيه" كأنها شاذة، والغالب في الروايات من ذلك الوجه وغيره كلمة "منه" (٢). الحديث الثاني: النهي عن اغتسال الجنب فيه. وهو في "الصحيحين" (٣) عن أبي السائب "أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﵌: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب". فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا".

стр. 934

قد يستدل به على أن الماء يصير باغتسال الجنب فيه نجسًا أو غير مطهِّر. فأما النجاسة، فرويت عن أبي حنيفة، ثم رغب عن ذلك الحنفيةُ أنفسهم. وأما سلب التطهير فوافقهم عليه فيما دون القُلتين الشافعية والحنابلة. ومن يأبى ذلك يقول: إن علة النهي هي التقذير. وقد يحتمل غير ذلك من العلل تظهر بالتأمل، فيساوق التعليل عموم النص. وأما التفرقة بين الدائم والجاري فقد مرَّ ما فيها. وكذا إن قيل: إنَّ الحديث يدل على حصول المفسدة في الماء الذي يمكن أن يغتسل فيه الجنب ولا يكون إلا فوق القُلتين. فقد مرَّ مثله، والجواب عنه. وأما الأمر السادس، وهو قول الأستاذ: "فدعونا معاشرَ الحنفية نتوضأ من الحنفيات ولا نَغْطِس في المستنقعات"، فيأبى الأستاذ إلا التقليد حتى في السخرية (١)!

стр. 935

المسألة الثانية رفع اليدين في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٨٩ [٤٠٦]) من طريق وكيع: "سأل ابن المبارك أبا حنيفة عن رفع اليدين في الركوع، فقال أبو حنيفة: يريد أن يطير فيرفع يديه؟ قال وكيع: وكان ابن المبارك رجلًا عاقلًا، فقال: إن كان طار في الأولى فإنه يطير في الثانية! فسكت أبو حنيفة ولم يقل شيئًا". قال الأستاذ (ص ٨٣): " .... (١) مع ظهور الحجة في حديث ابن مسعود ... (٢) لم يسلم سند من أسانيد الرفع عند الركوع من علة. (٣) بل لم يصح حديث في الرفع غير حديث ابن عمر (٤) وهو لم يأخذ به في رواية أبي بكر بن عياش ... (٥) ودعوى أحد الفريقين التواتر في موضع الخلاف المتوارث غير مسموعة. (٦) وإنما المتواتر أن جماعة من الصحابة كانوا لا يرفعون، وجماعة منهم كانوا يرفعون. (٧) فيدل ذلك على التخيير الأصلي، (٨) وإنما خلافهم فيما هو الأفضل". أقول: أما الأمر الأول، فحديث ابن مسعود كما قال الدارقطني (١): "تفرَّد به محمدُ بن جابر ــ وكان ضعيفًا ــ عن حماد، عن إبراهيم. وغيرُ حماد يرويه عن إبراهيم مرسلًا عن عبد الله من فعله، غيرَ مرفوعٍ إلى النبي ﷺ ، وهو الصواب". ومحمد بن جابر ذكره الأستاذ (ص ١١٦) بمناسبة ما جاء عنه أنه قال: "سرق مني أبو حنيفة كتاب حماد" فقال الأستاذ: "الأعمى، قال فيه أحمد: لا يُحدِّث عنه إلا مَن هو شرٌّ منه". وترى ترجمته في قسم التراجم (٢)،

стр. 936

والحاصل أنه ليس بعمدة. وحماد بن أبي سليمان سيئ الحفظ، حتى قال حبيب بن أبي ثابت: "كان حماد يقول: قال إبراهيم: فقلت له: والله إنك لتكذب على إبراهيم، أو إن إبراهيم ليخطئ". وقال شعبة: "قال لي حماد بن أبي سليمان: يا شعبة لا توقِفْني على إبراهيم، فإن العهد قد طال. وأخاف أن أنسى، أو أكون قد نسيتُ". انظر: "تقدمة الجرح والتعديل" (ص ١٦٥). وقوله: "لا توقفني إلخ" معناه: إذا قلتُ: "قال إبراهيم" أو نحوَ ذلك، فلا تسألني: أَسمعْتَه من إبراهيم أم لا؟ فيتبين [٢/ ٢٠] بهذا أنه قد كان يقول (١): "قال إبراهيم" ونحوه فيما لا يتحقق أنه سمعه من إبراهيم. وقد أجاب ابن التركماني (٢) عن كلام الدارقطني، فدافع عن محمد بن جابر بما لا يُجدي، وقال: "إذا تعارض الوصل مع الإرسال، والرفع مع الوقف، فالحكم عند أكثرهم للرافع والواصل؛ لأنهما زادا، وزيادة الثقة مقبولة". كذا قال، وقد عُلِمَ أن محمد بن جابر ليس بثقة، وحمادًا سيئ الحفظ. فالحديث ضعيف من أصله، فكيف مع الخلاف؟ وقد قال الأستاذ (ص ١٥٣): "من أصوله ــ يعني أبا حنيفة ــ أيضًا: ردُّ الزائد متنًا كان أو سندًا إلى الناقص ... ". والذي عليه جهابذة الحديث الترجيح. هذا في اختلاف الثقات، وليس هذا منه، كما مرَّ. وروى النسائي (٣) من طريق ابن المبارك، عن سفيان الثوري، عن

стр. 937

عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: ألا أخبركم بصلاة رسول الله ﷺ ؟ قال: فقام، فرفع يديه أول مرة، ثم لم يعُدْ. وقد روى الترمذي (١) عن ابن المبارك قال: "لم يثبت حديثُ ابن مسعود أن النبي ﷺ لم يرفع يديه إلا أول مرة". وفي "سنن الدارقطني" (ص ١١٠) (٢) و"سنن البيهقي" (ج ٢ ص ٧٩) عن ابن المبارك قال: "لم يثبت عندي ... " نحوه. قد يقال: لعل ابن المبارك عنى حديث محمد بن جابر. لكن قد دلَّ جزمهُ بعدم الثبوت ومحافظتُه على رفع اليدين على أنه لا يرى فيما رواه عن سفيان ما يشدُّ حديث محمد بن جابر ولو من جهة المعنى. وحديث سفيان رجاله ثقات. وعاصم وإن قال ابن المديني: لا يُحتج به إذا انفرد، فقد وثَّقه جماعة، وأخرج له مسلم في "الصحيح" (٣). لكن هناك علل: الأولى: أن سفيان يدلِّس، ولم أر في شيء من طرق هذا الحديث عنه تصريحه بالسماع. الثانية: أنه قد اختُلف عليه. قال أبو داود (٤) عقب روايته عن عثمان بن أبي شيبة عن وكيع ــ وستأتي ــ: "ثنا الحسن بن علي، ثنا معاوية وخالد بن عمرو وأبو حذيفة قالوا: نا سفيان بإسناده هذا قال: رفع يديه في أول مرة،

стр. 938

وقال بعضهم: مرة واحدة". وفي "مسند أحمد" (ج ١ ص ٤٤٢) (١): "ثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم ... قال عبد الله: أصلِّي بكم صلاة رسول الله ﷺ ، فرفع يديه في أولٍ". وأخرجه أبو داود (٢)، عن عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع. وفيه: "فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة". [٢/ ٢١] الثالثة: قال أحمد في "المسند" (ج ١ ص ٤١٨) (٣): "ثنا يحيى بن آدم، ثنا عبد الله بن إدريس من كتابه، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، نا علقمة، عن عبد الله قال: علَّمَنا رسول الله ﷺ الصلاةَ، فكبَّر ورفع يديه، ثم ركع وطبَّق بين يديه وجعلهما بين ركبتيه. فبلغ سعدًا، فقال: صدق أخي. قد كنا نفعل ذلك، ثم أُمِرْنا بهذا ــ وأخذ بركبتيه ــ. حدثني عاصم بن كليب بهذا". فأعلَّ البخاريُّ في "جزء رفع اليدين" (٤) حديث سفيان بحديث ابن إدريس، وقال: "ليس فيه: ثم لم يَعُدْ. فهذا أصح، لأن الكتاب أحفَظُ عند أهل العلم". يشير البخاري إلى أنَّ بعض الرواة لمَّا لم ير في القصة ذكر الرفع عند الركوع، وكان المشهور عن أصحاب ابن مسعود أنهم كانوا لا يرفعون إلا في أول الصلاة، فَهِمَ أن الواقع في القصة كذلك. ثم لما روى من حفظه روى بحسب ما كان فَهِمَ.

стр. 939

وممّن أعلَّ حديث سفيان من الأئمة: أحمد، وأبو داود، وأبو حاتم، ومحمد بن نصر المروزي، وغيرهم. فمنهم من حمل الوهم على وكيع، ومنهم من حمله على سفيان (١). وزعم بعض الناس (٢) أن اختلافهم في هذا يقتضي ردَّ قولهم جملةً، وليس هذا بشيء. والذي يظهر أنه إن كان سفيان دلَّسه، فالحملُ على شيخه الذي سمعه منه، وإلا فالوهم منه. وراجع "نصب الراية" (ج ١ ص ٣٩٥). الرابعة: أنه ليس في القصة تصريح من ابن مسعود بأن النبي ﵌ لم يرفع إلا في أول الصلاة. غاية الأمر أنه ذكر أنه سيخبرهم بصلاة رسول الله ﵌، ثم قام فصلَّى بهم. فإن بنينا على رواية ابن إدريس عن عاصم، فليس فيها ذكرُ أن عبد الله لم يرفع في غير أول الصلاة. فقد يكون رفَعَ ولم يذكر الراوي ذلك، كما لم يذكر وضع اليدين على الصدر، والقراءة، والتكبير للركوع؛ كأنه إنما كان يهمه من ذكر القصة شأنُ التطبيق. وفي "مسند أحمد" (ج ١ ص ٤١٣) (٣) من طريق "أبي إسحاق، عن أبي الأسود (٤)، عن علقمة والأسود: أنهما كانا مع ابن مسعود، فحضرت الصلاة، فتأخر علقمة والأسود، فأخذ ابنُ مسعود بأيديهما، فأقام أحدَهما عن يمينه، والآخرَ عن يساره. ثم ركعا، فوضعا أيديَهما على رُكَبهما، وضرب

стр. 940

أيديَهما. ثم طبَّق بين يديه وشبَّك، وجعلهما بين فخذيه. وقال: رأيت النبي ﷺ فَعَله". وبنحوه رواه منصور، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، كما في "صحيح [٢/ ٢٢] مسلم" (١). وفيه (٢) من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة نحوه. وزاد: "قال: فلما صلى قال ... وإذا كنتم ثلاثة فصلُّوا جميعًا، وإذا كنتم أكثر من ذلك فليؤمَّكم أحدكم، وإذا ركع أحدكم فلْيفرِشْ ذراعَيْه على فخذيه، ولْيجنَأْ ولْيطبِّقْ بين كفَّيه. فلكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله ﷺ . فأراهم". فأكثر الروايات لا تذكر عدم الرفع كما ترى، وكثير منها لا تذكر حتى الرفع أول الصلاة. فيظهر من هذا أن الذي كان يهمُّ ابنَ مسعود من تعليمهم في تلك الصلاة ويهمُّهم من رواية القصة إنما هو مقام الثلاثة والتطبيق. ولذلك لم يذكر عقب الصلاة إلا هذين إذ قال: "إذا كنتم ثلاثة ... "، كما مرَّ. فإن قيل: فقد اشتهر عن علقمة والأسود وغيرهما من أصحاب ابن مسعود أنهم كانوا لا يرفعون إلا في أول الصلاة. ولو رأياه رَفَع في غير ذلك ــ ولاسيَّما في تلك الصلاة ــ لكان الظاهر أن يأخذوا ذلك عنه، فقد أخذوا عنه التطبيق وغيره. قلت: فقد أشار بعض أهل العلم إلى احتمال أن يكونا غفلا عن رفعه يديه في غير أول الصلاة، وأشار بعضهم إلى احتمال أن يكون ابن مسعود

стр. 941

ذُهِلَ عن الرفع، كبعض ما يسهو الرجل؛ لأن المهم في تلك الصلاة كان بيان الموقف والتطبيق، كما مرَّ. فإن قيل: هذه احتمالات بعيدة. قلت: هي على كل حال أقربُ من دفع ما ثبت عن جماعة من الصحابة أن النبي ﵌ كان يرفع، وما تواتر عنهم أنهم كانوا يرفعون. فإن قيل: فقد ذهب بعضهم إلى احتمال النسخ. قلت: من الممتنع جدًّا أن يقع نسخٌ في مثل هذا الحكم، ولا يطلعَ عليه جمهور الصحابة ويختصَّ به ابن مسعود، ثم يكتفي من تبليغه مع اشتهار الرفع والإطباق عليه بما وقع في القصة على فرض ثبوتها. فإن قيل: فهل من شيء غير هذا؟ قلت: ذكر بعض أهل العلم أنه كما أن ابن مسعود طبَّق وأخبر بالتطبيق وأمر به، وقد تبين أن ذلك كان في أول الإسلام ثم نُسِخ، واتفق الناس على ترك الطبيق؛ وكما قال إن موقف إمام الاثنين بينهما، وخالفه الناس في ذلك، واعتذروا باحتمال أن يكون رأى النبي ﵌ فعل ذلك في بيت ضيِّق= فكذلك حاله في عدم الرفع إن ثبت عنه. قد يكون الرفع في غير أول الصلاة لم يُشرع منذ [٢/ ٢٣] شُرِعت الصلاة، فرأى ابن مسعود النبيَّ ﵌ في أول الإسلام يصلِّي ولا يرفع إلا في أول الصلاة. فأخذ ابن مسعود بذلك، كما أخذ بالتطبيق والموقف، وإن كان كلُّ ذلك كان أولًا ثم تُرِك. وقد يكون رأى النبيَّ ﵌ ترك الرفعَ في بعض الصلوات لبيان أنه ليس بواجب، فأخذ ابن مسعود بذلك.

стр. 942

فإن قيل: قضية الموقف قريبة، لأن غالب ما كان النبي ﵌ يصلي الجماعة بأكثر من اثنين. فأما قضيتا التطبيق والرفع، ففيما ذُكِر بُعْد. قلت: قد فتح الله تعالى ــ وله الحمد ــ بوجه يقرِّب الأمر في الثلاث كلها. وهو أن يقال: كأنه كان من رأي ابن مسعود أن النسخ لا يثبت بالترك وحده، بل يبقى الأول مشروعًا في الجملة على ما يقتضيه حاله. ويرى أن على العالم إذا خشي أن ينسى الناس الأمر الأول أن يسعى في إحيائه. فأما التطبيق، فقد علم ابن مسعود أنه كان مشروعًا، ثم تُرِك العملُ به. ورأى هو أن تركه ليس نسخًا له، بل إما أن يكون تركه رخصة؛ لأنه فيما يظهر أشقُّ من الأخذ بالرُّكَب. وقد كان النبي ﵌ ربما يدع الأمر المستحب كراهيةَ المشقة، كما كان يعجِّل صلاة العشاء إذا جمعوا (١)، وأبطأ بها ليلةً، ثم خرج، فصلَّى، وقال: "إنه لَوقتها، لولا أن أشُقَّ على أمتي" (٢). وإما أن يكونا سواءً، والمصلِّي مخيَّر بينهما، وإما أن يكون التطبيق مندوبًا أيضًا وإن كان الأخذ بالركب أفضل. وقد علم ابن مسعود أن النبي ﵌ كان ربما يدع ما هو في الأصل مندوبٌ، ليبيِّن للناس أنه ليس بواجب. وربما يفعل ما هو في الأصل مكروه، ليبيِّن للناس أنه ليس بحرام. وكان أبو بكر وابن عباس لا يضحُّون، كانوا يَدَعون التضحية ليبيِّنوا للناس أنها ليست بواجبة. فلما رأى ابن مسعود أن الناس قد أطبقوا على ترك التطبيق رأى أنه سنة قد أُمِيتتْ، فأحبَّ إحياءها، ففعَلَه، وأمر

стр. 943

أصحابه بفعله. ولم يَخْشَ أن يؤدي ذلك إلى إماتة الأخذ بالركب، لعلمه أن مشروعية ذلك معلومة بين الناس. وقد كان النبي ﵌ إذا قصَد بيان الجواز، فترك [ما هو في الأصل مندوب، أو فعلَ] (١) ما هو في الأصل مكروه؛ لا يخبر بقصده، بل يَكِلُ الناسَ إلى ما قد عرفوه من الدليل على ما هو الأصل في ذلك. وكذلك لم يُنقل [٢/ ٢٤] أن أبا بكر وعمر وابن عباس كانوا حين يتركون التضحية يبِّينون قصدهم، بل كانوا يتكلون على ما قد عرفه الناس من مشروعيتها. وأما وقوف إمام الاثنين بينهما، فلعلّ النبي ﵌ فعله مرةً، ثم تقدَّم. فعلم ابن مسعود الأمرين، ولكنه رأى أن الأول لم يُنسخ، وأن كلا الأمرين مشروع وإن كان التقدم أفضل. ثم لما رأى الناس أطبقوا على التقدُّم أحبَّ إحياء تلك السنة. وأما تركُ الرفع في غير أول الصلاة، فإن ثبت عن ابن مسعود فالظاهر أنه رأى النبي ﵌ تَرَكه، إما في أول الإسلام بأن يكون كان أولًا يقتصر على الرفع أول الصلاة، ثم رفع في بقية المواضع. وإما بعد ذلك بأن يكون ربما ترك الرفع في غير الموضع الأول لبيان أنه ليس في مرتبته، فإن الرفع أولَ الصلاة آكد، وذهب بعض أهل العلم إلى وجوبه. فلما رأى ابن مسعود أن الناس قد أطبقوا على المواظبة على الرفع في بقية المواضع مواظبتَهم على الرفع أولَ الصلاة تَرَكه لمصلحة البيان. وحالُ ذلك عنده دون حال التطبيق ووقوف إمام الاثنين بينهما، بدليل أنه عقِبَ تلك الصلاة أمرَ بهذين، ولم يَعْرِض للرفع كما مرَّ في حديث مسلم.

стр. 944

وربما يقال: قد يكون ابن مسعود عَلِم أن النبي ﷺ كان أولًا يطبِّق ولا يرفع عند الركوع والرجوع منه، ثم ترك التطبيق ورفع، فرأى ابن مسعود أن الرفع بدل من التطبيق. فأما الأخذ بالرُّكَب، فقد يكون رخصةً فقط. فلما بدا لابن مسعود إحياء التطبيق طبَّق ولم يرفع، لئلا يجمع بين البدل والمبدل. والله أعلم. فهذا غاية ما يقتضيه حسنُ الظن بابن مسعود، وهو أهل أن يُحسَن الظنُّ به. وعلى كل حال، فقد ثبت الرفع قطعًا عن النبي ﵌، وهو فعل عباديٌّ متعلق بالصلاة، ولا يُعقَل أن يكون الفعل مندوبًا مطلقًا، ويكون الترك أيضًا مندوبًا مطلقًا، فما بقي إلا احتمال النسخ. والنسخ لا يثبت بمثل ما روي عن ابن مسعود، مع ما فيه من الكلام وما يطرقه من الاحتمال. وقد ترك الصحابة في عهد عثمان تكبيرات الانتقال أو الجهر بها، واستمرَّ ذلك حتى ظن بعضُ التابعين أن ذلك غير مشروع، كما يأتي. ولا يظهر للترك سبب إلا الترخُّص في ترك المندوب، ونحن لم نظن بابن مسعود في ترك الرفع ذلك، ولا ما هو أبعدُ عن الملامة كالنسيان والذهول؛ [٢/ ٢٥] وإنما ظننا به قصدَ البيان وتثبيتَ الحق. فإن قيل: فقد يظهر أن ابن مسعود واظب على الترك، ورضي لأصحابه المواظبة عليه. قلت: فكذلك في التطبيق ووقوف إمام الاثنين بينهما، بل هو في هذين آكد؛ فإنه عَقِبَ تلك الصلاة أمَرَهم بهما ولم يَعرِضْ لترك الرفع، كما مرَّ في حديث مسلم. والحق أن غاية ما في الأمر أن يكون رضي لهم المواظبة مدةً ليكون ذلك أوفى بما قصده من البيان، كما واظب أبو بكر وعُمر وابن عباس

стр. 945

على ترك التضحية. ورأى ابن مسعود أنه إن خفي على أصحابه حقيقةُ الحال، فسيعلمونها عندما يرون غيره من الصحابة وكِبار التابعين، ويسمعون منهم ويتدبرون. فما اتفق مما يخالف ذلك فابن مسعود غير مسؤول عنه. وقد كان النبي ﵌ إذا قصَدَ البيان، فترَكَ ما هو في الأصل مندوب، أو فعَلَ ما هو في الأصل مكروه= ربما يراه مَن لم يعرف الدليل السابق، فيفهم خلاف المقصود، وربما توهَّم بعضهم النسخ. وربما يقع هذا التوهم لبعض فقهاء الأمة ويبقى ذلك في أتباعه. ولهذا نظائر كثيرة في الشريعة حتى في نصوص القرآن مما يقع بسببه بعض الناس في الخطأ ويبقى ذلك في أتباعه، كما ترى ذلك واضحًا في اختلاف المذاهب. ولله تعالى في ذلك الحكمة البالغة، يستيقنها المؤمن وإنْ لم يُحِط بها علمًا. وليس هذا موضع النظر في ذلك. وأما الأمران الثاني والثالث ــ وهما قول الأستاذ: "لم يسلم سند للرفع من علة، ولم يصح فيه إلا حديث ابن عمر" ــ فمجازفة! قال البخاري كما يأتي: "لا أسانيدَ أصحُّ من أسانيد الرفع". وحديث ابن عمر قطعي الثبوت عنه، وصحَّ معه عدة أحاديث. منها في "الصحيحين" (١) حديث مالك بن الحويرث، وفي "صحيح مسلم" (٢) حديث وائل بن حجر. وأشار البخاري في "الصحيح" (٣) إلى حديث أبي حميد الساعدي في عشرة من الصحابة.

стр. 946

وقد صحَّحه ابن خزيمة وابن حبان (١)، وصحَّحا حديث علي (٢) في ذلك. وفي "الفتح" (٣): "قال البخاري في "جزء رفع اليدين" (٤): من زعم أنه بدعة فقد طعن في الصحابة، فإنه لم يثبت عن أحد منهم تركُه. ولا أسانيد أصح من أسانيد الرفع، ... وذكر البخاري أيضًا أنه رواه سبعة عشر رجلًا من الصحابة. وذكر الحاكم وأبو القاسم ابن منده ممن رواه العشرة المبشرة. وذكر شيخنا أبو الفضل الحافظ أنه تتبع مَن رواه من الصحابة فبلغوا خمسين رجلًا". وتواتر باعتراف الكوثري الرفعُ [٢/ ٢٦] عن جماعة من الصحابة، بل نسبه غير واحد من التابعين كالحسن البصري وسعيد بن جبير إلى الصحابة مطلقًا (٥). وتواترُه عنهم يستلزم تواتره عن النبي ﵌، كما يأتي في الأمر الخامس. وأما الأمر الرابع ــ وهو قول الكوثري: إن ابن عمر "لم يأخذ به في رواية أبي بكر بن عياش" ــ ففيه مجازفة أيضًا؛ فإنَّ المراد رواية أبي بكر بن عياش عن حصين عن مجاهد قال: "ما رأيت ابن عمر يرفع يديه إلا في أول ما يفتتح" (٦). ولو صح هذا عن مجاهد لما دل على أن ابن عمر لم يرفع،

стр. 947

فكيف أن يدل على أنه لم يأخذ بالحديث! وأنا أذكر جماعةً من العلماء وغيرهم صَحِبتُهم مدةً، وصلَّيتُ معهم، وأتذكر الآن هل أذكر رفعَهم عند الركوع أو تركَهم الرفع، فلا أذكر؛ ومنهم مَن عهدي به قريب. وذلك أنني لم أتحرَّ أن أتفقد صلاتهم. ولكني تحرَّيتُ ذلك في جماعة، فأنا الآن أذكر بعد طول العهد. ومجاهد لم يقل: رأيت ابن عمر لا يرفع، وإنما قال ــ إن صحت الحكاية عنه ــ: "ما رأيت ابن عمر يرفع ... ". وهذا يُشعر بأنه لا ينفي أن يكون ابن عمر رَفَع ولم يره مجاهد. ومذهب مجاهد الرفع كما ذكره البخاري وغيره (١). فإن صح عنه ذاك القول فكأنه لم يتفق له أنْ يتحرَّى تفقُّد ابن عمر في رفعه، وإنما اتفق أنه شاهده رَفَع في أول الصلاة، ثم اشتغل مجاهد بصلاة نفسه. وقد صح عن ابن عمر أنه كان ربما يرفع رفعًا تامًّا، وربما يتجوَّز. ذكر مالك في "الموطأ" (٢) عن نافع "أن ابن عمر كان إذا ابتدأ الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما دون ذلك". وفي "سنن أبي داود" (٣) عن ابن جريج قال: "قلت لنافع: أكان ابن عمر يجعل الأولى أرفعهن؟ قال: لا، سواء. قلت: أشِرْ لي، فأشار إلى الثديَيْن وأسفل من ذلك". وصح عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه الرفع حذوَ المنكبين في

стр. 948

الأولى وغيرها (١). قال الباجي في "المنتقى" (٢): "ويحتمل أن يكون عبد الله بن عمر كان يفعل الأمرين جميعًا، ويرى ذلك واسعًا فيهما". أقول: يدل مجموع الروايات عن ابن عمر أنه كان يرى أن أكمل الرفع أن تحاذي يداه منكبيه، وأنَّ أصل السنة يحصل بما دون ذلك، ولاسيَّما إذا كان هناك عذر. فكأن ابن عمر [٢/ ٢٧] لما كبِرَ وضَعُف كان ربما يتجوز في الرفع، فيرفع إلى الثديين أو نحو ذلك. وربما يرفع في الأولى رفعًا تامًّا لأنها آكد، ويتجوز في الباقي. وكأنَّ ابن جريج جوَّز أن يكون المشروع التفرقة بأن يكون الرفع في الأولى أعلى، وسأل عن فعل ابن عمر ليستدل به على ذلك، وفهم نافع هذا فأجابه بحسبه. فمحصل الجواب أن ابن عمر لم يكن يتحرى التفرقة تحرِّيًا يُشعِر بأنها مشروعة، بل كان ربما يتجوز في الأولى أيضًا. فمن الجائز في الحكاية عن مجاهد أنه كان وراء ابن عمر غيرَ قريبٍ منه، فاتفق أن ابن عمر رفع في الأولى رفعًا تامًّا رآه مجاهد، وتجوز في الباقي فلم يره. ومن الجائز أن يكون ابن عمر سها في تلك الصلاة التي رَقَبه فيها مجاهد إن كان رَقَبه. وقد قال البخاري في "جزء رفع اليدين" (٣) في الجواب عن تلك الحكاية: "قال ابن معين: إنما هو توهُّم لا أصل له، أو هو محمول على السهو كبعض ما يسهو الرجل في صلاته. ولم يكن ابن عمر لِيدَعَ ما رواه [عن] النبي ﷺ ، مع ما رواه عن ابن عمر مثلُ طاوس وسالم ونافع

стр. 949

ومحارب بن دثار وأبي الزبير أنه كان يرفع يديه ... ". وروى البخاري في "جزء رفع اليدين" (١) عن مالك أن ابن عمر كان إذا رأى رجلًا لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع، رماه بالحصى. وإذا ترك ابن عمر الرفع في بعض صلاته سهوًا أو ضعفًا لم يصدق عليه مع ما تواتر عنه من الرفع أنه لم يأخذ بالحديث، فكيف والذي في تلك الحكاية إنما هو نفيُ الرؤية لا نفيُ الرفع، ولا تلازمَ بين النفيين، كما سلف! ومع هذا كله، فأبو بكر بن عياش عندهم سيئ الحفظ، كثير الغلط. ولم يخرِّج له البخاري في "الصحيح" إلا أحاديث ثبتت صحتها برواية غيره، كما تراه في "مقدمة الفتح" (٢). ولم يخرج له مسلم شيئًا إلا أنه ذكر في "المقدمة" (٣) عنه عن مغيرة بن مِقْسم قال: "لم يكن يصدُق على عليٍّ ﵁ في الحديث عنه إلا من أصحاب عبد الله بن مسعود". فلو كانت روايته هذه مخالفةً لما ثبت برواية الجماعة عن ابن عمر لوجب ردُّها، كما لا يخفى. وأما الأمر الخامس ــ وهو قول الأستاذ: "ودعوى أحد الفريقين التواتر في موضع الخلاف المتوارث غير مسموعة" ــ فكأن الأستاذ انتقل ذهنه من

стр. 950

التواتر إلى الإجماع. فإن الإجماع هو الذي يسوغ أن [٢/ ٢٨] يقال: لا تسمع دعواه في موضع الخلاف المتوارَث لمنافاة الخلاف للإجماع. فأما التواتر، فلا منافاة بينه وبين الخلاف المتوارَث، كما ستراه. بل إنَّ الخلاف المتوارَث إذا لم يثبت أنَّ ابتداءه كان عقب وفاة النبي ﷺ فورًا لم يمنع من دعوى إجماع سابق. فلنا أن ندَّعي في قضيتنا هذه إجماع الصحابة، لأن جماعة منهم رووا الرفع، وتواتر العملُ به عن كثير منهم، كما اعترف به الكوثري. بل نسبه غير واحد من التابعين كالحسن البصري وسعيد بن جبير إلى الصحابة مطلقًا، فاشتهر ذلك وانتشر، ولا يُعرَف عن أحد منهم ما يدل على أنه غير مشروع. فأما ما روي عن بعضهم أنه تركه، فلم يثبت. وقد مرَّ الكلام على ما روي عن ابن مسعود، ويأتي الكلام على غيره. ولو ثبت بعض ذلك فإنما هو ترك جزئي، أي في ركعة واحدة أو صلاة واحدة. وذلك لا يدل على أن التارك يراه غير مشروع، إذ قد يكون قصَدَ بيانَ أن الرفع في غير الأولى ليس في مرتبتها، وقد يكون سها، وقد يكون ترخَّص لعذر أو لغير عذر في ترك ما يعلمه مندوبًا. بل لو ثبت أن بعضهم تركه مدة طويلة لما دل ذلك على أنه يراه غير مشروع، فقد جاء عن أبي بكر وعمر وابن عباس أنهم كانوا لا يُضَحُّون (١). بل قد ثبت أن الصحابة تركوا في عهد عثمان تكبيرات الخفض والرفع أو الجهر بها، واستمرَّ ذلك حتى إن عليًّا لما قدم العراق وصلَّى بهم وأتى
следующие страницы →