← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 337

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وقد صحَّحه ابن خزيمة وابن حبان (١)، وصحَّحا حديث علي (٢) في ذلك. وفي "الفتح" (٣): "قال البخاري في "جزء رفع اليدين" (٤): من زعم أنه بدعة فقد طعن في الصحابة، فإنه لم يثبت عن أحد منهم تركُه. ولا أسانيد أصح من أسانيد الرفع، ... وذكر البخاري أيضًا أنه رواه سبعة عشر رجلًا من الصحابة. وذكر الحاكم وأبو القاسم ابن منده ممن رواه العشرة المبشرة. وذكر شيخنا أبو الفضل الحافظ أنه تتبع مَن رواه من الصحابة فبلغوا خمسين رجلًا". وتواتر باعتراف الكوثري الرفعُ [٢/ ٢٦] عن جماعة من الصحابة، بل نسبه غير واحد من التابعين كالحسن البصري وسعيد بن جبير إلى الصحابة مطلقًا (٥). وتواترُه عنهم يستلزم تواتره عن النبي ﵌، كما يأتي في الأمر الخامس. وأما الأمر الرابع ــ وهو قول الكوثري: إن ابن عمر "لم يأخذ به في رواية أبي بكر بن عياش" ــ ففيه مجازفة أيضًا؛ فإنَّ المراد رواية أبي بكر بن عياش عن حصين عن مجاهد قال: "ما رأيت ابن عمر يرفع يديه إلا في أول ما يفتتح" (٦). ولو صح هذا عن مجاهد لما دل على أن ابن عمر لم يرفع،

стр. 947

فكيف أن يدل على أنه لم يأخذ بالحديث! وأنا أذكر جماعةً من العلماء وغيرهم صَحِبتُهم مدةً، وصلَّيتُ معهم، وأتذكر الآن هل أذكر رفعَهم عند الركوع أو تركَهم الرفع، فلا أذكر؛ ومنهم مَن عهدي به قريب. وذلك أنني لم أتحرَّ أن أتفقد صلاتهم. ولكني تحرَّيتُ ذلك في جماعة، فأنا الآن أذكر بعد طول العهد. ومجاهد لم يقل: رأيت ابن عمر لا يرفع، وإنما قال ــ إن صحت الحكاية عنه ــ: "ما رأيت ابن عمر يرفع ... ". وهذا يُشعر بأنه لا ينفي أن يكون ابن عمر رَفَع ولم يره مجاهد. ومذهب مجاهد الرفع كما ذكره البخاري وغيره (١). فإن صح عنه ذاك القول فكأنه لم يتفق له أنْ يتحرَّى تفقُّد ابن عمر في رفعه، وإنما اتفق أنه شاهده رَفَع في أول الصلاة، ثم اشتغل مجاهد بصلاة نفسه. وقد صح عن ابن عمر أنه كان ربما يرفع رفعًا تامًّا، وربما يتجوَّز. ذكر مالك في "الموطأ" (٢) عن نافع "أن ابن عمر كان إذا ابتدأ الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما دون ذلك". وفي "سنن أبي داود" (٣) عن ابن جريج قال: "قلت لنافع: أكان ابن عمر يجعل الأولى أرفعهن؟ قال: لا، سواء. قلت: أشِرْ لي، فأشار إلى الثديَيْن وأسفل من ذلك". وصح عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه الرفع حذوَ المنكبين في

стр. 948

الأولى وغيرها (١). قال الباجي في "المنتقى" (٢): "ويحتمل أن يكون عبد الله بن عمر كان يفعل الأمرين جميعًا، ويرى ذلك واسعًا فيهما". أقول: يدل مجموع الروايات عن ابن عمر أنه كان يرى أن أكمل الرفع أن تحاذي يداه منكبيه، وأنَّ أصل السنة يحصل بما دون ذلك، ولاسيَّما إذا كان هناك عذر. فكأن ابن عمر [٢/ ٢٧] لما كبِرَ وضَعُف كان ربما يتجوز في الرفع، فيرفع إلى الثديين أو نحو ذلك. وربما يرفع في الأولى رفعًا تامًّا لأنها آكد، ويتجوز في الباقي. وكأنَّ ابن جريج جوَّز أن يكون المشروع التفرقة بأن يكون الرفع في الأولى أعلى، وسأل عن فعل ابن عمر ليستدل به على ذلك، وفهم نافع هذا فأجابه بحسبه. فمحصل الجواب أن ابن عمر لم يكن يتحرى التفرقة تحرِّيًا يُشعِر بأنها مشروعة، بل كان ربما يتجوز في الأولى أيضًا. فمن الجائز في الحكاية عن مجاهد أنه كان وراء ابن عمر غيرَ قريبٍ منه، فاتفق أن ابن عمر رفع في الأولى رفعًا تامًّا رآه مجاهد، وتجوز في الباقي فلم يره. ومن الجائز أن يكون ابن عمر سها في تلك الصلاة التي رَقَبه فيها مجاهد إن كان رَقَبه. وقد قال البخاري في "جزء رفع اليدين" (٣) في الجواب عن تلك الحكاية: "قال ابن معين: إنما هو توهُّم لا أصل له، أو هو محمول على السهو كبعض ما يسهو الرجل في صلاته. ولم يكن ابن عمر لِيدَعَ ما رواه [عن] النبي ﷺ ، مع ما رواه عن ابن عمر مثلُ طاوس وسالم ونافع

стр. 949

ومحارب بن دثار وأبي الزبير أنه كان يرفع يديه ... ". وروى البخاري في "جزء رفع اليدين" (١) عن مالك أن ابن عمر كان إذا رأى رجلًا لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع، رماه بالحصى. وإذا ترك ابن عمر الرفع في بعض صلاته سهوًا أو ضعفًا لم يصدق عليه مع ما تواتر عنه من الرفع أنه لم يأخذ بالحديث، فكيف والذي في تلك الحكاية إنما هو نفيُ الرؤية لا نفيُ الرفع، ولا تلازمَ بين النفيين، كما سلف! ومع هذا كله، فأبو بكر بن عياش عندهم سيئ الحفظ، كثير الغلط. ولم يخرِّج له البخاري في "الصحيح" إلا أحاديث ثبتت صحتها برواية غيره، كما تراه في "مقدمة الفتح" (٢). ولم يخرج له مسلم شيئًا إلا أنه ذكر في "المقدمة" (٣) عنه عن مغيرة بن مِقْسم قال: "لم يكن يصدُق على عليٍّ ﵁ في الحديث عنه إلا من أصحاب عبد الله بن مسعود". فلو كانت روايته هذه مخالفةً لما ثبت برواية الجماعة عن ابن عمر لوجب ردُّها، كما لا يخفى. وأما الأمر الخامس ــ وهو قول الأستاذ: "ودعوى أحد الفريقين التواتر في موضع الخلاف المتوارث غير مسموعة" ــ فكأن الأستاذ انتقل ذهنه من

стр. 950

التواتر إلى الإجماع. فإن الإجماع هو الذي يسوغ أن [٢/ ٢٨] يقال: لا تسمع دعواه في موضع الخلاف المتوارَث لمنافاة الخلاف للإجماع. فأما التواتر، فلا منافاة بينه وبين الخلاف المتوارَث، كما ستراه. بل إنَّ الخلاف المتوارَث إذا لم يثبت أنَّ ابتداءه كان عقب وفاة النبي ﷺ فورًا لم يمنع من دعوى إجماع سابق. فلنا أن ندَّعي في قضيتنا هذه إجماع الصحابة، لأن جماعة منهم رووا الرفع، وتواتر العملُ به عن كثير منهم، كما اعترف به الكوثري. بل نسبه غير واحد من التابعين كالحسن البصري وسعيد بن جبير إلى الصحابة مطلقًا، فاشتهر ذلك وانتشر، ولا يُعرَف عن أحد منهم ما يدل على أنه غير مشروع. فأما ما روي عن بعضهم أنه تركه، فلم يثبت. وقد مرَّ الكلام على ما روي عن ابن مسعود، ويأتي الكلام على غيره. ولو ثبت بعض ذلك فإنما هو ترك جزئي، أي في ركعة واحدة أو صلاة واحدة. وذلك لا يدل على أن التارك يراه غير مشروع، إذ قد يكون قصَدَ بيانَ أن الرفع في غير الأولى ليس في مرتبتها، وقد يكون سها، وقد يكون ترخَّص لعذر أو لغير عذر في ترك ما يعلمه مندوبًا. بل لو ثبت أن بعضهم تركه مدة طويلة لما دل ذلك على أنه يراه غير مشروع، فقد جاء عن أبي بكر وعمر وابن عباس أنهم كانوا لا يُضَحُّون (١). بل قد ثبت أن الصحابة تركوا في عهد عثمان تكبيرات الخفض والرفع أو الجهر بها، واستمرَّ ذلك حتى إن عليًّا لما قدم العراق وصلَّى بهم وأتى

стр. 951

بالتكبيرات وجَهَر بها قال عمران بن حصين كما في "الصحيحين" (١) وغيرهما: "ذكَّرَنا هذا الرجلُ صلاةً كنا نصلِّيها مع رسول الله ﷺ ". وقال أبو موسى الأشعري فيما رواه أحمد وغيره بسند صحيح [كما] في "الفتح" (٢): "ذكَّرَنا عليٌّ صلاةً كنا نصلِّيها مع رسول الله ﷺ إما نسيناها وإما تركناها عمدًا". واستمر التَرك بالحجاز حتى إن أبا هريرة حين استخلفه مروان على إمارة المدينة في عهد معاوية صلَّى بهم، فأتى بالتكبيرات وجهر بها، فأنكروا ذلك. قال أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف كما في "صحيح مسلم" (٣): "فقلنا: يا أبا هريرة ما هذا التكبير؟ فقال: إنها لَصلاةُ رسول الله ﷺ ". وصلى بهم بمكة، فأتى بالتكبيرات وجهر بها، فأنكروا ذلك. قال عكرمة كما في "صحيح البخاري" (٤) وغيره: "فقلت لابن عباس: إنه أحمق. قال: ثكلتك أمك! سنَّةُ أبي القاسم ﷺ ". فأما التواتر، فأمره أوضح؛ فإنه من المعلوم أنه قد يحصل لشخص دون آخر. وقد جاء [٢/ ٢٩] عن ابن مسعود أنه كان يقول: إن المعوذتين ليستا من القرآن (٥)، واعتذر أهل العلم عنه بأنه لم يسمع من النبي ﵌ ما يصرِّح بقرآنيتهما، ولا تواتر ذلك عنده، مع أن من المقطوع به تواترُ

стр. 952

ذلك عند غيره. فلا يَخْدِش في تواتر الرفع مخالفةُ بعض التابعين من الكوفيين، إذ لا يلزم من تواتره عند غيرهم تواترُه عندهم. بل عرضت لأولهم شبهة الترك فتوهموا ــ أو بعضهم ــ أنه غير مشروع، كما توهَّم غيرُهم مِن تركِ عثمان وغيره تكبيراتِ الخفض والرفع أو الجهر بها أن ذلك غير مشروع، حتى أنكروه على أبي هريرة كما تقدم. ثم جاء بعدهم من الكوفيين مَن بلغته الأحاديث والآثار، ولعلها تواترت عنده، فلم تطِبْ نفسُه بترك ما ألِفَه واعتادَه، وفرَّ إلى احتمال النسخ، ورأى أن الترك أحوط له وأطيب لنفسه. وقد اعترف الكوثري بتواتر الرفع عن جماعة من الصحابة، وذلك يستلزم (١) تواتره عن النبي ﵌، فإنه فعلٌ تعبُّدي في الصلاة، لو لم يعلموا أنه مشروع وفعلوه: فإن فعلوه لا على وجه التعبد كان تلاعبًا بالصلاة وإيهامًا لمشروعية ما لم يشرعه الله، وذلك كذبٌ على الله ورسوله ودينه؛ وإن فعلوه على وجه التعبد فذلك صريح البدعة [و] الضلالة، والكذب على الله، والتكذيب بآياته. فبهذا يثبت قطعًا أنهم كانوا يعتقدون أنه مشروع، ويمتنع اعتقادُهم ذلك من جهة الرأي، إذ لا مجال للرأي فيه. على أن الرأي إنما يُصار إليه في إثبات الفعل إذا لم يُعلَم أن النبي ﵌ تركه تركًا مستمرًّا مع قيام السبب وانتفاء المانع. ويمتنع على الذين تواتر عنهم الرفعُ أن يجهلوا جميعًا أكان النبي ﵌ يرفع أم لا، بعد أن طالت صحبتهم له ومراقبتهم لصلاته كما أُمِروا به.

стр. 953

وأما الأمر السادس ــ وهو قول الأستاذ: "المتواتر أن جماعة من الصحابة كانوا لا يرفعون، وجماعة منهم كانوا يرفعون" ــ فالشطر الثاني وهو تواتر الرفع حق، وأما الشطر الأول فلا. وهذا إمام النقل أبو عبد الله البخاري يقول كما تقدم: "لم يثبت عن أحد منهم تركُه". وإنما نُقِل التركُ نقلًا فيه قوة ما عن ابن مسعود، وقد مرَّ النظرُ فيه. وروي أيضًا عن عمر وعليّ. فأما عمر، فقد جاء عنه الرفع من روايته ومن فعله (١). وروى حسن بن عياش، عن عبد الملك بن أبجر، [٢/ ٣٠] عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "صلَّيتُ مع عمر فلم يرفع يديه في شيء من صلاته إلا في افتتاح الصلاة" (٢). وأُعِلّ هذا بثلاثة أوجه: الأول: أن حسن بن عياش ليَّنه بعضُهم. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: "ثقة، وأخوه أبو بكر ثقة". قال عثمان: "ليسا بذاك، وهما من أهل الصدق والأمانة". واتفقوا على تليين أبي بكر في حفظه حتى قال يحيى القطان: "لو كان أبو بكر بن عياش حاضرًا ما سألته عن شيء". وكان إذا ذُكِر عنده كلَح وجهه. وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: "لم يكن في شيوخنا أحد أكثر غلطًا منه". وقد روى الثوري، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم، عن الأسود "أن عمر كان يرفع يديه في الصلاة حذوَ منكبيه" (٣). لم يذكر ما في رواية

стр. 954

الحسن بن عياش عن ابن أبجر عن الزبير بن عدي. وكان الثوري لا يرفع، فلو كان في القصة ما ذكره الحسن لما أغفله الثوري. والخطأ في مثل هذا قريب، فإنه كان عند إبراهيم حكايات عن أهل الكوفة في عدم الرفع، فيقوى احتمال دخول الاشتباه على الحسن. الوجه الثاني: أن إبراهيم ربما دلَّس. وفي "معرفة علوم الحديث" للحاكم (ص ١٠٨) من طريق "خلف بن سالم قال: سمعت عدة من مشايخ أصحابنا تذاكروا كثرة التدليس والمدلسين، فأخذنا في تمييز أخبارهم، فاشتبه علينا تدليس الحسن بن أبي الحسن وإبراهيم بن يزيد النخعي ... وإبراهيم أيضًا يُدخِل بينه وبين أصحاب عبد الله مثلَ هُنَيّ بن نويرة، وسهم بن مِنْجاب، وخزامة الطائي؛ وربما دلَّس عنهم". الثالث: أنه قد روي عن عمر الرفعُ من روايته ومن فعله. ويكفي في ذلك ما تواتر عن ابنه عبد الله، مع أنه كان ملازمًا لأبيه، متحرِّيًا الاقتداء به. قال زيد بن أسلم عن أبيه: "ما وُجِد قاصدٌ لباب المسجد داخلٌ أو خارجٌ بأقصَدَ من عبد الله لعمل أبيه" رواه ابن سعد (١). وقد جاء عن إبراهيم (٢) أنه ذُكِر له حديثُ ابن وائل بن حُجْر عن أبيه في الرفع، فقال إبراهيم: "ما أرى أباه رأى رسولَ الله ﷺ إلا ذاك اليوم الواحد (٣)، فحفظ ذلك، وعبد الله [بن

стр. 955

[٢/ ٣١] مسعود] لم يحفظ عنه! ". فيقال لإبراهيم ــ إن صح عنه ما رواه الحسن بن عياش ــ: ما نرى الأسود رأى عمر إلا ذاك اليوم الواحد، أفيكون أعلم به من ابنه عبد الله بن عمر! ورواية وائل مثبتة محققة تُثبت رفعَ النبي ﵌ في المواضع، ومعلوم أن الرفع لا يكون إلا تعبدًا، إذ ليس هنا داع طبيعي إلى فعله مكررًا في المواضع. وإذا ثبت عن النبي ﵌ في صلاة واحدة ثبتت مشروعيته في الصلاة مطلقًا، كما هو الشأن في غيره من أعمال الصلاة، إلا ما يثبت اختصاصه. وقد قدَّمنا أنَّ ما يَثْبُت أو يقوى عن ابن مسعود لا يتحقق فيه منافاة لذلك. فأما في الرواية عن الأسود ــ إن صحت إليه ــ فمن الجائز أن يكون عمر كان أمام الأسود غيرَ قريبٍ منه فرفع عمر أول الصلاة رفعًا تامًّا رآه الأسود، ثم رفع عمر عند الركوع وما بعده رفعًا تجوَّز فيه ــ كما تقدم عن ابن عمر ــ فلم يره الأسود، فظن أنه لم يرفع أصلًا. وأما عليّ، فروى أبو بكر النهشلي (١)، عن عاصم بن كليب، عن أبيه،

стр. 956

عن عليّ ﵁ "أنه كان يرفع يديه في التكبيرة الأولى من الصلاة، ثم لا يرفع في شيء منها". وروى ابن أبي الزناد (١)، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن عليّ، عن النبي ﵌ أنه كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حذوَ منكبيه، ويصنع ذلك أيضًا إذا قضى قراءته وأراد أن يركع، ويصنعها إذا رفع رأسه من الركوع ... وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك ... ". في "نصب الراية" (٢) وغيرها عن الإمام أحمد بن حنبل أنه سُئل عن حديث ابن أبي الزناد هذا، فقال: "صحيح". وذكر البخاري في "جزء رفع اليدين" (٣) أثر النهشلي، ثم ذكر حديث ابن أبي الزناد وقال: "وهذا أصح". وأخرج الترمذي حديث ابن أبي الزناد في كتاب الدعوات من "جامعه" (٤) وقال: "هذا حديث حسن صحيح". وصححه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان (٥). وفي "سنن البيهقي" (ج ٢ ص ٨٠) (٦) عن عثمان بن سعيد الدارمي ذكر

стр. 957

[٢/ ٣٢] أثر النهشلي وقال: "فهذا قد روي من هذا الطريق الواهي عن عليّ، وقد روى عبد الرحمن بن (١) هرمز الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن عليّ أنه رأى النبي ﷺ يرفعهما عند الركوع، وبعدما يرفع رأسه من الركوع. فليس الظن بعليّ ﵁ أن يختار فعله على فعل النبي ﷺ . ولكن ليس أبو بكر النهشلي ممن يُحتَج بروايته، أو تثبت به سنة لم يأت بها غيره". اعترضه ابن التركماني (٢) فقال: "بل الذي روي من الطريق الواهي هو ما رواه ابن أبي رافع عن عليّ، لأن في سنده عبد الرحمن بن أبي الزناد". ثم ذكر قول الدارمي: فليس الظن ... إلخ. فقال: "لخصمه أن يعكسه، فيجعله (٣) بعد النبي ﵇ دليلًا على نسخ ما تقدم". أقول: إذا صرفنا النظر عن النهشلي وابن أبي الزناد، فسندُ المرفوع أثبت؛ لأن رجاله كلهم ثقات أثبات احتجَّ بهم الجماعة. وسند الموقوف فيه مقال. عاصم وإن أخرج له مسلم ووثَّقه جماعة، فلم يُخرج له البخاري، وقال ابن المديني: "لا يحتج به إذا انفرد". وأبوهُ وإن وثَّقه ابن سعد وأبو زرعة، فلم يُخرج له البخاري ولا مسلم، وقال النسائي: "لا نعلم أحدًا روى عنه غير ابنه وغير إبراهيم بن مهاجر، وإبراهيم ليس بقوي في الحديث". فأما النهشلي وابن أبي الزناد، فلا شك أننا إذا وازنَّا بينهما إجمالًا فالنهشلي أثبت. أخرج له مسلم، ووثَّقه ابن مهدي وأحمد وابن معين

стр. 958

وأبو داود والعجلي. وقال أبو حاتم: "شيخ صالحٌ يكتب حديثه، وهو عندي خير من أبي بكر الهذلي". والهذلي ضعيف جدًّا. وقال ابن سعد في النهشلي: "كان مرجئًا، وكان عابدًا ناسكًا، وله أحاديث، ومنهم من يستضعفه". وأما ابن أبي الزناد، فلم يحتجَّ به صاحبا "الصحيح"، وإنما علق عنه البخاري، وأخرج له مسلم في المقدمة. ووثَّقه جماعة، وضعَّفه بعضهم، وفصَّل الأكثرون. وههنا أمران: الأول: أن أئمة الحديث قد يتبيَّن لهم في حديثٍ من رواية الثقة الثبت المتفق عليه أنه ضعيف، وفي حديثٍ من رواية مَن هو ضعيف عندهم أنه صحيح. والواجب على مَن دونهم التسليمُ لهم، وأولى من ذلك إذا كان الراوي وسطًا كالنهشلي وابن أبي الزناد. وقد صحح الأئمة حديث ابن أبي الزناد المذكور، وليَّن البخاري والدارمي أثر النهشلي، كما مرَّ. الأمر الثاني: إذا اختلفوا في راوٍ فوثَّقه بعضُهم، وليَّنه بعضهم، ولم يأت في حقِّه تفصيلٌ [٢/ ٣٣] فالظاهر أنه وسطٌ فيه لِينٌ مطلقًا، وهذه حال النهشلي. وإذا فصَّلوا أو أكثرُهم الكلامَ في راوٍ، فثبَّتوه في حال، وضعَّفوه في أخرى؛ فالواجب أن لا يؤخذ حكم ذاك الراوي إجمالًا، إلا في حديث لم يتبين من أي الضربين هو. فأما إذا تبيَّن، فالواجب معاملته بحسب حاله. فمن كان ثقةً ثبتًا ثم اختلط كسعيد بن أبي عروبة، إذا نظرنا في حديثٍ من روايته، فإن تبيَّن أنه رواه قبل الاختلاط فهو غاية في الصحة، أو بعده فضعيف. وابن أبي الزناد من هذا القبيل، فإن أكثر الأئمة فصَّلوا الكلام فيه. قال موسى بن سلمة: "قدمتُ المدينة، فأتيت مالك بن أنس، فقلت له: إني قدِمتُ إليك

стр. 959

لأسمع العلم، وأسمع ممن تأمرني به. فقال: عليك بابن أبي الزناد". ومالك مشهور بالتحري لا يرضى هذا الرضا إلا عن ثقة لا شكَّ فيه. ولذلك عدَّ الذهبي هذا توثيقًا، بل قال في "الميزان" (١): "وثَّقه مالك. قال سعيد بن أبي مريم: قال لي خالي موسى بن سلمة: قلتُ لمالك: دُلَّني على رجل ثقة. قال: عليك بعبد الرحمن بن أبي الزناد". وقال صالح بن محمد: "تكلم فيه مالك لروايته عن أبيه كتاب السبعة ــ يعني الفقهاء ــ وقال: أين كنا عن هذا! ". وإنما روى هذا بعد أن انتقل إلى العراق، كما يأتي عن ابن المديني. وقال عبد الله بن علي ابن المديني عن أبيه: "ما حدَّث بالمدينة فهو صحيح، وما حدَّث ببغداد أفسده البغداديون. ورأيت عبد الرحمن بن مهدي يخط على أحاديثه، وكان يقول: في حديثه عن مشيختهم فلان وفلان وفلان. قال: "ولقَّنه البغداديون عن فقهائهم". يعني الرواية عن أبيه عن المشيخة بالمدينة أو الفقهاء بها، وهذا هو الذي حكى صالح بن محمد أن مالكًا أنكره. تبين أن ابن أبي الزناد إنما وقع منه ذلك بالعراق، وابن مهدي إنما كان عنده عن ابن أبي الزناد مما حدَّث به بالعراق، كما يدل عليه كلام ابن المديني، ويأتي نحوه عن عمرو بن علي. وقال يعقوب بن شيبة: "ثقة صدوق، وفي حديثه ضعف. سمعت علي ابن المديني يقول: حديثه بالمدينة مقارب، وما حدَّث به بالعراق فهو مضطرب. قال علي: وقد نظرتُ فيما روى عنه سليمان بن داود الهاشمي، فرأيتها مقاربة". وقال عمرو بن علي: "فيه ضعف، فما حدَّث بالمدينة أصحُّ مما حدَّث ببغداد. كان عبد الرحمن يخطُّ على حديثه". وقال الساجي: "فيه

стр. 960

ضعف، وما حدَّث بالمدينة أصحُّ مما حدَّث ببغداد". وقال أبو داود عن ابن معين: "أثبتُ الناس في هشام بن عروة عبد الرحمن بن أبي الزناد". [٢/ ٣٤] هذا مع أنه قد روى عن هشام مالك والكبار. وفيما حكاه الساجي عن ابن معين: "عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة حجة". وقال معاوية بن صالح وغيره عن ابن معين: "ضعيف". وفيما حكاه الساجي عن أحمد: "أحاديثه صحاح". وقال أبو طالب عن أحمد: "يُروَى عنه". قال أبو طالب: "قلت: يُحتمل؟ قال: نعم". وقال صالح بن أحمد عن أبيه: "مضطرب الحديث". وقال العجلي: "ثقة". وقال الترمذي في "اللباس" من "جامعه" (١): "ثقة حافظ"، وصحّح عدة من أحاديثه. وأخرج له في "المسح على الخفين" (٢) حديثه عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن المغيرة: رأيت النبي ﷺ يمسح على الخفين على ظاهرهما (٣). ثم قال: "حديث المغيرة حديث حسن صحيح (٤)، وهو

стр. 961

حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد ... ولا نعلم أحدًا يذكر عن عروة عن المغيرة "على ظاهرِهما" غيرُه ... قال محمد ــ يعني البخاري ــ: وكان مالك يشير بعبد الرحمن بن أبي الزناد". فإذا تدبرنا ما تقدم تبين لنا أن لابن أبي الزناد أحوالًا: الأولى: حاله فيما يرويه عن هشام بن عروة. قال ابن معين: إنه أثبت الناس فيه، فهو في هذه الحال في الدرجة العليا من الثقة. الحال الثانية: حاله فيما يرويه عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة. ذكر الساجي عن ابن معين أنه حجة. وهذا قريب من الأول. وظاهر الإطلاق أنه سواء في هاتين الحالين ما حدَّث به بالمدينة وما حدَّث به ببغداد. وهذا ممكن بأن يكون أتقنَ ما يرويه من هذين الوجهين حفظًا فلم يوثِّر فيه تلقين البغداديين، وإنما أثَّر فيه فيما لم يكن يُتقِن حفظَه، فاضطرب فيه، واشتبه عليه. الثالثة: حاله فيما رواه من غير الوجهين المذكورين بالمدينة، فهو في قول عمرو بن علي والساجي أصحُّ مما حدَّث به ببغداد. ونحو ذلك قول علي ابن المديني على ما حكاه يعقوب، وصرَّح ابن المديني في حكاية ابنه أنه صحيح. ويوافقه ما روي عن مالك من توثيقه إذ كان بالمدينة والإرشادِ إلى السماع منه مخصِّصًا له من بين محدثي المدينة. ويلتحق بذلك ما رواه بالعراق قبل أن يلقِّنوه ويشبِّهوا عليه، أو بعد ذلك ولكن من أصل كتابه. وعلى ذلك تُحمل أحاديث [٢/ ٣٥] الهاشمي عنه لثناء ابن المديني عليها، بل الأقرب أن سماع الهاشمي منه من أصل كتابه، فعلى هذا تكون أحاديثه عنه أصحَّ مما حدَّث به بالمدينة من حفظه.

стр. 962

الرابعة: بقية حديثه ببغداد، ففيه ضعف، إلا أن يُعلم في حديث مِن ذلك أنه كان يتقن حفظَه مثل إتقانه لما يرويه عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة، فإنه يكون صحيحًا. وعلى هذا يدل صنيعُ الترمذي في انتقائه من حديثه وتصحيحه لعدة أحاديث منه. وقد دلَّ كلامُ الإمام أحمد أن التلقين إنما أوقعه في الاضطراب. فعلى هذا إذا جاء الحديث من غير وجه عنه على وتيرة واحدة دل ذلك على أنه من صحيح حديثه. فابن أبي الزناد في الحالين الأوليَيْن وما يلتحق بهما أثبَتُ من النهشلي بكثير، وفي الحال الثالثة إن لم يكن فوقه فليس بدونه، وفي الرابعة دونه. وهذا الحديث مما حدَّث به بالمدينة، فإن ممن رواه عنه عبد الله بن وهب، كما في "سنن البيهقي" (ج ٢ ص ٣٣) بسند صحيح. وهو من أحاديث الهاشمي عنه، كما في "سنن أبي داود" (١) و"الترمذي" (٢) وغيرهما. وجاء من غير وجه [عنه] على وتيرة واحدة، وصحَّحه من تقدَّم من الأئمة، فحاله فيه فوق حال النهشلي. وتأكد ذلك برجحان سنده على سند النهشلي كما مرَّ، وبموافقته للأحاديث الثابتة عن جماعة من الصحابة، ومخالفةِ أثر النهشلي لمقتضى تلك الأحاديث ومقتضى الآثار المتواترة عن الصحابة. على أني أقول: لا مانع من صحة أثر النهشلي في الجملة. وبيان ذلك: أننا إذا علمنا الاختلاف في مسألة الرفع، ثم رأينا عالمًا لم نعرف مذهبه في ذلك، وأردنا أن نعرفه، فرقبناه في بعض صلاته، فلم نره رفع، فإنه يقع في

стр. 963

ظننا أن مذهبه عدمُ الرفع وأنَّ ذلك شأنه. فإذا مضت على ذلك مدة، ومات ذاك العالم، ثم بدا لنا أن نذكر حاله في الرفع، فقد نبني على ما تقدَّم، فنقول: لم يكن يرفع. فمن الجائز أن يكون اتفق لكليب أنه رَقَب عليًّا في بعض صلاته ليرى أمن مذهبه الرفع أم لا؟ فاتفق أن رفع عليّ عند الافتتاح رفعًا تامًّا رآه كليب، ثم تجوّز عليّ في الرفع عند الركوع فما بعده، فلم يره كليب، فظن أنه لم يرفع، وأن مذهبه عدم الرفع، فذهب يحكي عنه بحسب ذلك. فإن قيل: لكن هذا الاحتمال لا يخلو عن بُعدٍ. قلت: لكنه أقرب الاحتمالات. [٢/ ٣٦] فإن قيل: قد روي عن أبي إسحاق السبيعي أنه قال: "كان أصحاب عبد الله وأصحاب عليّ لا يرفعون أيديهم إلا في افتتاح الصلاة" (١). قلت: إنما أراد الذين صحبوا عبد الله، ثم صحبوا عليًّا، ولذلك قدَّم ذكر عبد الله، مع أن عليًّا أفضل. وكان أبو إسحاق يتشيَّع، وأصحاب عبد الله هم كانوا بعده المقتدى بهم مِن أصحاب عليّ. وفي مقدمة "صحيح مسلم" (٢) عن المغيرة بن مِقْسَم قال: "لم يكن يصدق على عليّ في الحديث عنه إلا من أصحاب عبد الله بن مسعود". وكان أصحاب عبد الله يلزمون ما أخذوه عنه، وإن رأوا عليًّا يخالفه، كما لزموا التطبيق وغيره. وقد تقدم الكلام على أخذهم عن عبد الله تركَ الرفع، فلا تغفلْ.

стр. 964

فإن قيل: ولماذا لم ينكر عليهم عليّ؟ قلت: لعله لم يقف على ذلك من حالهم، أو أنكر عليهم فلم يَقْنَعوا، كما يحتمل ذلك في قضية التطبيق. بقي قول ابن التركماني: "لخصمه أن يعكسه فيجعل فعل عليّ بعد النبي ﵇ دليلًا على نسخ ما تقدم". فأقول: ليس هذا بشيء، فقد تقرر في الأصول أن الحكم إذا ثبت، فادعى بعض الصحابة نسخَه، وخالفه غيره منهم= لم يثبت النسخ بتلك الدعوى، إذ قد يكون استند صاحبها إلى ما لا يوافقه غيرُه على أنه دليل يوجب النسخ. وقد اختلف الصحابة في عدة أحكام ذهب بعضهم إلى أنها منسوخة، وخالفه غيره، ولم يرَ المخالف في قول صاحبه: "هذا منسوخ" حجةً، ولا رأى القائلُ قوله ذلك كافيًا في إثبات النسخ. فكيف يُظَنّ بعليّ أن يكون يرى أن الرفع منسوخ، ثم يخبر بأن النبي ﵌ كان يرفع، ويعلم أن غيره من الصحابة يخبرون بذلك ويعملون به عملًا شائعًا ذائعًا، ثم لا يتبع عليٌّ إخباره بذلك ببيان الحجة على نسخه ويعلن ذلك؟ بل يقتصر على ما ليس بدليل على النسخ، ولا صريح في دعواه، ولا ظاهرٍ فيها، وهو الترك. إذ قد لا يرقبه الناس في صلاته، فإن رَقَبه بعضهم فقد يقول: لعله ترك لبيان الجواز، أو لعذر، أو سها، أو ترخَّص كما ترخَّص عثمان وغيره في ترك التكبيرات أو الجهر بها كما تقدم. هذا ما لا يكون. [٢/ ٣٧] فالحق ما تقدَّم من وهم أثر النهشلي أو وهم كليب، وتحقق ما قاله البخاري إنه لا يثبت عن أحدٍ من الصحابة تركُ الرفع، إلّا أن يكون

стр. 965

بعضهم تركَه في وقتٍ ما لبيان الجواز أو غيره مما تقدم. والله أعلم. وأما الأمر السابع ــ وهو قول الكوثري: "فيدل ذلك على التخيير الأصلي" ــ فإن أراد بالتخيير الأصلي أن أحد الأمرين مندوب والآخر جائز، فهذا وجيه. ويتعين أن يكون المندوب هو الرفع، فيكون تركه تركًا لمندوب، وهو جائز في الجملة، ولا يصح عكسه. فإن مَنْ يرفع إنما يرفع على وجه التعبد كما لا يخفى، ولو كان الرفع غير مشروع لكان (١) فعله على وجه التعبد بدعة وكذبًا على الله تعالى وتكذيبًا بآياته، فكيف يقال: إنه جائز؟ وإن أُريد أن كلا الأمرين مندوب، فندبُ الرفع حق ثابت معقول، ولا دليل على ندب الترك مطلقًا. ولا هو مع ندب الفعل بمعقول، فإن ترك المندوب حيث نُدِب إنما يكون مكروهًا أو خلاف الأولى، والتخيير بين مندوبَيْن إنما يكون بين فعلين كالأذكار المأثورة في افتتاح الصلاة، إذا ثبت منها اثنان مثلًا، فيقال: أيهما أتى به المصلي فقد أحسن. وإذا أتى بأحدهما لم يكن تركه للآخر مكروهًا ولا خلافَ الأولى، لأنه إنما تركه إلى آخر يقوم مقامه. فإن قيل: فهاهنا أيضًا أمران: الرفع والسكون، فمن ترك الرفع فقد أتى بالسكون وهو مندوب. قلت: السكون ترك، وإنما شُرع السكون في الصلاة عن الحركات التي لم تُشرع فيها، كما في "صحيح مسلم" (٢) وغيره من حديث جابر بن سمرة

стр. 966

قال: صليت مع رسول الله ﷺ ، فكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم، السلام عليكم، فنظر إلينا رسول الله ﷺ فقال: "ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذنابُ خَيل شُمُسٍ! إذا سلَّم أحدكم فَلْيلتفتْ إلى صاحبه ولا يومئْ بيده". وفي رواية (١): فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذنابُ خَيلٍ شُمُس! اسكنوا في الصلاة". فأَمَرهم بالسكون عن تلك الحركة، وهي رفع الأيدي عند السلام، والإشارة بها يمنةً ويسرةً. وأمَرهم بالالتفات وهو حركة أيضًا، وإنما الفرق أن الحركة الأولى غير مشروعة، والثانية مشروعة. فعلى هذا يجري الأمر في سائر الحركات في الصلاة. فما كان واجبًا لم [٢/ ٣٨] يُعقل أن يكون السكون عنه جائزًا، وما كان مندوبًا لم يُعقل أن يكون السكون عنه إلّا مكروهًا أو خلاف الأولى، وما كان مباحًا فالسكون عنه مباح. والله الموفق. وأما الأمر الثامن ــ وهو قول الكوثري: "وإنما خلافهم فيما هو الأفضل" ــ فوجيهٌ في الجملة، فإن منهم من عرف أن الرفع سنة باقية، وفِعل السنة أفضل من تركها. ومن التابعين فمَن بعدهم مَن لم تبلغه هذه السنة من وجه يثبت، أو بلغته ولكن غلبت عليه شبهةٌ ترجَّح بها عنده أنها منسوخة، فيكون عنده أنَّ الرفع بدعة، وتركُ البدعة أفضل من فعلها. وكذلك من التبس عليه الحال، فإن ما يحتمل أن يكون سنةً وأن يكون بدعة، فتركُه أفضل. فأما من أعرض عن الحجج واسترسل مع الشبهات إيثارًا لهواه، فله حكم آخر. والله المستعان.

стр. 967

[٢/ ٣٩] المسألة الثالثة أفطر الحاجم والمحجوم في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٨٨ [٤٠٣]) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه قال: "ذُكِر لأبي حنيفة قولُ النبي ﷺ : "أفطر الحاجم والمحجوم". فقال: هذا سجع". قال الأستاذ (ص ٨١): "حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" لم يُثبته كثير من أهل الحديث منهم ابن معين ... ومَن أثبته يرى الحديث إما منسوخًا باحتجام النبي ﷺ وهو صائم، وإمّا مؤولًا بمعنى أنهما عرضة للإفطار ... ". قلت: ممن صحح الحديث من وجه أو أكثر: الإمامُ أحمد، وابن المديني، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، وأبو زرعة، وعثمان بن سعيد الدارمي، وابن خزيمة، وغيرهم. فأما ابن معين ففي "الفتح" (١): "قال المرُّوذي: قلت لأحمد: إن يحيى بن معين قال: ليس فيه شيء يثبت. فقال: هذا مجازفة". وزعمُ الأستاذ أن مَن أثبته يراه منسوخًا أو مؤولًا، ليس كما قال، فإنه ترك القسم الثالث. قال ابن حجر في "فتح الباري" (٢): "وعن علي وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور: يُفطر الحاجم والمحجوم، وأوجبوا عليهما القضاء. وشذَّ عطاء، فأوجب الكفارة أيضًا. وقال بقول أحمد من الشافعية: ابن خزيمة، وابن المنذر، وأبو الوليد النيسابوري، وابن حبان ...

стр. 968

وبذلك قال الداودي من المالكية". فأما دعوى النسخ بحديث أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم، فالحديث رواه عبد الوارث، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: "احتجم النبي ﷺ وهو صائم" (١). ورواه وهيب عن أيوب بسنده: "أن النبي ﷺ احتجم وهو مُحرِم، واحتجم وهو صائم" (٢). وفي "الفتح" (٣): "ورواه ابن علية ومعمر عن أيوب عن عكرمة مرسلًا، واختلف على حماد بن زيد في وصله وإرساله". وجاء عن مِقْسَم عن ابن عباس (٤): "احتجم رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة، وهو صائم محرم". وذكر البيهقي (ج ٤ ص ٢٦٣) وقال: "ورواه أيضًا ميمون بن مهران عن ابن عباس" (٥). وكذلك في رواية لابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، كما في "الفتح" (٦). [٢/ ٤٠] وفي رواية عن عكرمة عن ابن عباس عند أحمد (ج ١ ص ٣٠٥) (٧) ذكر قصةَ اليهودية التي وضعت السمَّ في طعام النبي ﷺ ، ثم قال: "كان رسول الله ﷺ إذا وجد من ذلك شيئًا احتجم، قال: فسافر مرة، فلما أحرم وجد من ذلك شيئًا، فاحتجم".

стр. 969

وقد أجاب ابن خزيمة (١) عن هذا الحديث بأن للمسافر إذا أصبح صائمًا ثم بدا له أثناء النهار أن يفطر. وحاصل الجواب أنه ﷺ أصبح في سفره صائمًا، ثم لما هاج به الوجع احتجم فأفطر. وكأن ابن عباس لم يكن قد بلغه أن الحجامة تُفطِّر الصائم، وعلم أن النبي ﷺ أصبح صائمًا ثم رآه احتجم، ولم يبحث عمّا كان بعد الحجامة. فوقع في ظنه أن النبي ﷺ استمَّر على الصيام. ثم لما بلغه بعد وفاة النبي ﷺ أنّ بعض الناس يرى أن الحجامة تفطِّر الصائم احتج بالقصة على حسب ظنه. وهذا كما سَمع (٢) أسامةَ يُحدّث بحديث: "لا ربا إلا في النسيئة" (٣)، ولم يثبت عنده حديث: "لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، يدًا بيد" (٤)، فكان يفتي بحِلِّ الذهب بالذهب مع التفاضل نقدًا، وكذا الفضة بالفضة. ثم جاء أن بعض الصحابة أخبره بالحديث الآخر، فرجع (٥). وكما أخبره أسامة أن النبي ﷺ دخل الكعبة فلم يصلِّ فيها، فكان يفتي بذلك (٦). وقد صح عن بلال أنه دخل مع النبي ﷺ الكعبة، وأنه ﷺ صلَّى بين العمودين المقدمين (٧). وكما كان يرى أن لا قراءة في السِّريَّة، ويذكر أن النبي ﷺ لم يكن يقرأ

стр. 970

فيها. فقيل له: لعله كان يقرأ في نفسه؛ فغضب (١). وقد أثبت غيره القراءة بما لا تبقى معه شبهة (٢). وأمثال هذا كثير مما يحتج به الصحابي على حسب ظنه، ويتبين أن ظنَّه كان خطأ. وقد روى عطاء ذاك الحديث عن ابن عباس (٣) ثم ذهب إلى الإفطار كما مرَّ (٤). فإن قيل: لو كان النبي ﷺ أفطر بالحجامة لكان الظاهر أن يبِّين ذلك للناس. قلت: يجاب أن النبي ﷺ اكتفى بما سبق منه من بيان أنه يفطر الحاجم والمحجوم، ومن بيان أن الصائم في السفر يحل له الإفطار. فإن قيل: فقد جاء عن أبي سعيد الخدري (٥) وعن أنس (٦) أن النبي ﷺ رخَّص في الحجامة للصائم.

стр. 971

[٢/ ٤١] قلت: في صحة ذلك عنهما كلام، كما ترى في "فتح الباري" (١). ولو صح أمكن أن يكون مرادهما بالترخيص ما ذكره ابن عباس من احتجامه ﷺ وهو صائم في سفره، وقد مرَّ ما فيه. وأما التأويل بصرف النص عن ظاهره، فلا مسوِّغ له. والله أعلم (٢).

стр. 972

[٢/ ٤٢] المسألة الرابعة إشعار الهدي في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٩٠ [٤٠٧]) عن يوسف بن أسباط: " ... وأشعر رسول الله ﷺ وأصحابه. وقال أبو حنيفة: الإشعار مُثْلَة". قال الأستاذ (ص ٨٧): "ليس من قوله فقط، بل هو أثر يرويه عن حماد عن إبراهيم النخعي، كما يشير إلى ذلك الترمذي ... ، يريدان: إشعار أهل زمانهما المبالَغ فيه، ولام التعريف تُحمل على المعهود في زمانهما ... على أن الأعمش يقول: لم نسمع إبراهيم النخعي يقول شيئًا إلا وهو مروي، كما تجد ما بمعناه في "الحلية" لأبي نعيم. فيكون قول النخعي هذا أثرًا يحتج به، وأنت عرفت قيمة مراسيل النخعي عند ابن عبد البر وغيره". أقول: أما الترمذي (١)، فروى من طريق وكيع حديث إشعار النبي ﵌، ثم قال: "سمعت يوسف بن عيسى (وهو ثقة) يقول: سمعت وكيعًا يقول حين روى هذا الحديث قال: لا تنظروا إلى قول أهل الرأي في هذا، فإن الإشعار سنة، وقولهم بدعة". قال الترمذي: "سمعت أبا السائب (سَلْم بن جُنادة، وهو ثقة) يقول: كنا عند وكيع فقال لرجل عنده ممن ينظر في الرأي: أَشْعر رسول الله ﷺ ، ويقول أبو حنيفة: هو مُثْلَة! قال الرجل: فإنه قد رُوِي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الإشعار مثلة. قال: فرأيت وكيعًا غضب غضبًا شديدًا، وقال: أقول لك: قال رسول الله ﷺ ، وتقول: قال إبراهيم! ما أحقَّك بأن تُحبَس، ثم لا تخرج

стр. 973

حتى تَنزِعَ عن قولك هذا! ". القائل: "فإنه قد رُوي عن إبراهيم" لا يُدرى من هو؟ وممن سمعه؟ وكيف إسناده؟ ولكن الأستاذ بنى على دعاوى: الأولى: أن ذاك الرجل ثقة. الثانية: أن قوله: "فإنه قد رُوِي" معناه فإن أبا حنيفة روى. الثالثة: أنه سمع ذلك من أبي حنيفة. [٢/ ٤٣] الرابعة: أن أبا حنيفة روى ذلك عن حماد، مع أنه لا ذِكر لحماد في الحكاية. الخامسة: أن ذلك أثر، مع أن الأستاذ نقَمَ نحو ذلك في "الترحيب" (ص ٢٨) فقال: "وإطلاق الأثر على ما لم يُؤثَر عن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ في دين الله شيء مبتكر في سبيل تقوية الخبر الزائف من هذا الناقد الصالح! ". السادسة: أن إبراهيم النخعي لم يكن يستنبط ولا يقيس، وإنما كان يقول ما يرويه بنصه. والأستاذ يعلم أن المتواتر عن إبراهيم خلاف ذلك. غاية الأمر أنه يسوغ أن يقال: إنه لم يكن يفتي برأيه المحض، وإنما كان يستنبط من المرويات ويقيس عليها، فيكون عرضة للخطأ كغيره. السابعة: أن تلك المرويات التي كان إبراهيم لا يتعدَّى منصوصَها لا تشمل أقوالَ مَن قبله من التابعين ولا الصحابة، وإنما هي النصوص النبوية، فتكون أقوال إبراهيم وفتاواه كلُّها مراسيل أرسلها عن النبي ﵌.

стр. 974

الثامنة: أن ذلك حجة. ولا أطيل بمناقشة الأستاذ في هذه المزاعم، وقد رجع هو عن الثلاث الأخيرة بقوله: "يريدان: إشعار أهل زمانهما المبالَغ فيه ... " ومع ذلك فهذه دعوى جديدة، والظاهر الواضح من قول القائل: "الإشعار مُثلة" الحكم على الإشعار مطلقًا. ولو أراد ما زعمه الأستاذ لقال: "المبالغة في الإشعار مُثلة" أو نحو ذلك. فأما إبراهيم، فلم يثبت ذاك القول عنه، فلا ضرورة إلى الاعتذار عنه بعذر، إنْ دَفعَ الملامة من جهة، أوقَعَ فيها من جهتين: الأولى: الإطلاق الموهم للباطل. الثانية: اتهامه جميعَ أهل زمانه ــ وفيهم بقايا الصحابة والتابعون ــ بالإطباق على ما لا يجوز، حتى استساغ أن يُطلِق ولا يفصِّل. وأما أبو حنيفة، فقد اعتذر عنه الطحاوي (١) بقوله: "إنما كره ما يُفعل على وجه يُخاف منه هلاك البُدْن ... فأراد سدَّ هذا الباب عن العامة، لأنهم لا يراعون الحدّ في ذلك. وأما مَن كان عارفًا بالسنة في ذلك، فلا". والمقصود هنا إثبات أن الإشعار سنة، وذلك حاصل على كل حال.

стр. 975

[٢/ ٤٤] المسألة الخامسة المحرم لا يجد إزارًا أو نعلين يلبس السراويل والخفَّ ولا فديةَ عليه في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٩٢ [٤٠٩]) من طريق حماد بن زيد قال: "شهدتُ أبا حنيفة، وسُئل عن محرمٍ لم يجد إزارًا، فلبس سراويل. قال: عليه الفدية. قلت: سبحان الله! ... ". قال الأستاذ (ص ٩٤): " ... فهذان إنما أُبيحا لعذر كمن به أذى في رأسه، فلا تحول هذه الإباحة دون وجوب الفدية، كمن في رأسه أذًى فلَبِس، على ما في القرآن الكريم. وليس في الأحاديث ما يصرِّح بسقوط الفدية عن المعذور". أقول: الذي في القرآن هو قول الله ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فالذي في الآية الحلق. فقول الأستاذ: "فلبِسَ، على ما في القرآن الكريم" لا وجه له، اللهم إلا أن يريد: قياسًا على ما في القرآن؛ ففي عبارته تلبيس. ومع ذلك، ففي صحة القياس نظر، لتوقُّفها على عدم فارق، والفارقُ هنا قائم؛ فإن الحلق شديد المنافاة للإحرام، بدليل أنه جُعل عَلَمًا للخروج من الإحرام ــ أعني التحلل ــ كما جُعل السلامُ عَلَمًا على الخروج من الصلاة. والسلامُ من خطاب الناس، وهو أشدُّ منافاةً للصلاة من غيره، بدليل أنه لا يجوز منه في الصلاة قليل ولا كثير حتى في حال القتال، وإن احتاج إليه

стр. 976

لاستغاثة مثلًا، بخلاف الحركة مثلًا، فإنها وإن كانت منافيةً للصلاة أيضًا إلا أنه يجوز القليل منها مطلقًا، ويجوز الكثير في صلاة الخوف. فالتشديدُ في الحلق لا يستلزم التشديد فيما هو أخفُّ منه. فإن كان هناك إجماع على وجوب الفدية على من احتاج إلى لُبْسِ عمامة لمرض مثلًا، فلا يقاس عليه لُبْسُ فاقدِ الإزار للسراويل، وفاقدِ النعلين للخفين، لأن ستر الرأس غير مطلوب شرعًا كطلب سترة العورة ووقاية الرجلين مما قد يمنع من استطاعة المشي إلى الحج وأداء أعماله، والتشديد في الأول لا يستلزم التشديد في الثاني. فأما قياسُ لبس السراويل والخفين على الحلق المنصوص في القرآن، فأبعَدُ عن الصحة، لاجتماع الفارقينِ معًا. فإن قيل: أرأيت إذا تمكَّن فاقدُ الإزار من فَتْق السراويل وتلفيقه بالخياطة حتى يكون [٢/ ٤٥] إزارًا كافيًا له، وتمكَّنَ فاقدُ النعلين من تقطيع الخفين حتى يصيرا نعلين؟ قلت: لا يتجه إلزامه ذلك، لأنه يكثر أن لا يتمكن الإنسان من ذلك، وإذا تمكن ففيه إفسادٌ للمال ينقص قيمته ومنفعته. هذا، وقد صحَّ في الباب حديثان (١): الأول: حديث ابن عمر في "الصحيحين" (٢) وغيرهما أن النبي ﷺ سُئل عما يلبس المحرم، فقال: "لا يلبس القميص ولا العمائم ولا

стр. 977

السراويلات ولا البرانس ولا الخِفاف، إلا أحد لا يجد نعلين فَلْيلبسِ الخفَّين وَلْيقطَعْهما أسفلَ من الكعبين ... ". ويؤخذ منه من بابِ أولى الإذنُ في السراويل لمن لم يجد إزارًا، لأن الحاجة إلى ستر أسفل البدن أشد، وكونه مطلوبًا شرعًا أظهر. ويبقى النظر في القطع، فقد يقال: كما أمر بقطع أعلى الخفين، فكذلك ينبغي قطع ما تحت الركبتين من السراويل. وقد يقال: إنما يقطع ما تحت أنصاف الساقين، لأن ما فوق ذلك إلى الركبة مشروع سترُه أيضًا وإنْ لم يجب، بخلاف ستر الكعبين وما فوقهما. وقد يقال: لا يتعين القطع، بل الأولى العطفُ والتثبيتُ بالخياطة، لأن ذلك محصِّل للمقصود بدون إفساد. ولو كان يتأتَّى نحو ذلك في الخفَّين لقلنا به فيهما أيضًا. فأما فَتْق السراويل ثم تلفيقه بالخياطة حتى يكون إزارًا، فقد دلَّ على عدم لزومه اكتفاءُ الحديث بما اكتفى به في الخفين، ولم يشترط تقطيعهما حتى يصيرا نعلين. الحديث الثاني: حديث ابن عباس في "الصحيحين" (١) وغيرهما: سمعت رسول الله ﷺ يخطب بعرفات: "مَن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل، ومَن لم يجد نعلين فليلبس خفين". ففي هذا الحديث النصُّ على السراويل والخفين معًا، ولم يذكر القطع. فمن أهل العلم مَن أخذ به على إطلاقه، وقال: إنه ناسخٌ للأمر بقطع الخفين، لأن حديث ابن عباس متأخر. ومنهم من حمل المطلق على المقيد، فقال بقطع الخفين. فعلى الأول يكون عدم وجوب قطع السراويل أولى. أما على الثاني، فقد يتمسك فيه بالإطلاق، وقد يقال: بل يكون حكمه ما تقدم في الكلام على الحديث الأول.

стр. 978

وعلى كل حال، فسكوت الحديثين عن ذكر الفدية يدل أنها لا تجب، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة. والبيان المتقدم في القرآن لم يتعرض لقضية السراويل والخفين، لا نصًّا ولا تنبيهًا، كما تقدم. والله أعلم.

стр. 979

[٢/ ٤٦] المسألة السادسة درهم وجوزة بدرهمين في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٤١٢ [٤٣٩]) عن خالد بن يزيد بن أبي مالك قال: "أحلَّ أبو حنيفة الزنا، وأحلَّ الربا ... أما تحليل الربا فقال: درهم وجوزة بدرهمين نسيئةً لا بأس به ... ". قال الأستاذ (ص ١٤٥): "فرية بلا مرية، لأنها على خلاف المدوَّن في مذهبه، وأبو حنيفة من أشد الفقهاء في النسيئة". أقول: إن صح كلام الأستاذ، فقد يكون أبو حنيفة قال قولًا ثم رجع عنه. وقد يكون خالد رأى أنَّ إجازة ذلك نقدًا تستلزم إجازةَ نحوه نسيئةً كما يأتي. وبيان ذلك أن من فروع تلك القاعدة: صاع تمر ودرهم نقدًا (١) بخمسة آصُع من تمر نقدًا. يعتل الحنفية في إجازة ذلك بأنه في معنى بيعتين جائزتين: صاع بصاع نقدًا، وأربعة آصُع بدرهم نقدًا. فيقال لهم: فكذلك صاعُ تمر ودرهمٌ نقدًا بخمسة آصُع أحدها نقدٌ والباقي نيسئة، إذ يمكن أن يقال: هو في معنى بيعتين جائزتين: صاع بصاع نقدًا، وأربعة آصع نسيئة بدرهم نقدًا. فإن التزموا ذلك جاء ربا النسيئة. وإن قالوا: لا نجيزه، إذ قد يقصدان الربا كأن يكون عند رجل تمر جيد وعند آخر صاع تمر رديء لا يسدُّ حاجته، فيحتالان بتلك البيعة قاصدَين صاعًا بدرهم نقدًا، وصاعًا نقدًا بأربعة آصُع نسيئة. قلنا: فكذلك النقد قد يقصدان صاعًا بدرهم نقدًا، وصاعًا بأربعة آصع نقدًا. فالأستاذ تبرأ من ربا، فوقع في ربا.

стр. 980

والحاصل أن هناك معنيين: أحدهما ربًا قصداه وقام الدليل على قصدهما إياه، والآخر جائز حاولا أن يُوهِماه. أفلا يُعاب من أعرض عن الأول، وبنى الحكم على الثاني؟ نعم، إذا لم يُعلم قصدُهما، واحتمل احتمالًا (١) قريبًا أنهما إنما قصدا المعنى الجائز، فقد يسوغ للعالم إذا لم يراعِ سدَّ الذريعة أن يصحِّح العقدَ إحسانًا للظن بالمسلمين، ويكره لهم هذه المعاملة مطلقًا؛ لأنها متهمة وذريعة إلى الربا. وربما يمكن الحنفيةَ تنزيلُ قول أبي حنيفة على هذا، وبذلك يدفعون المعرَّة عن إمامهم وأنفسهم. والله الموفق.

стр. 981

[٢/ ٤٧] المسألة السابعة خيار المجلس في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٨٧ [٤٠٣]) عن بشر بن المفضّل قال: "قلت لأبي حنيفة: نافع عن ابن عمر أن النبي ﵌ قال: "البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا" قال: هذا رجز". قال الأستاذ (ص ٧٨): "إذا حمل ــ يعني الحديث ــ على خيار المجلس يكون مخالفًا لنص كتاب الله الذي يبيح التصرف لكل من المتعاقدين فيما يخصُّه بمجرد تحقُّق ما يدل على التراضي. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩] ". أقول: في "روح المعاني" (ج ٢ ص ٧٧) (١): "والمعنى: لا يأكُلْ بعضكم (٢) أموال بعض. والمراد بالباطل ما يخالف الشرع كالربا والقمار والبخس والظلم، قاله السُّدِّي، وهو المروي عن الباقر ﵁. وعن الحسن: هو ما كان بغير استحقاق من طريق الأعواض. وأخرج عنه وعن عكرمة ابنُ جرير (٣) أنهما قالا: كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بهذه الآية، فنُسِخ ذلك بالآية التي في سورة النور: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ... ﴾ الآية [النور: ٦١]. والقول الأول أقوى،

стр. 982

لأن ما أكل على وجه مكارم الأخلاق لا يكون أكلًا بالباطل. وقد أخرج ابن أبي حاتم (١) والطبراني (٢) بسند صحيح عن ابن مسعود أنه قال في الآية: إنها محكمة ما نُسِخت ولا تُنسَخ إلى يوم القيامة". أقول: المعنى الأول مبني على أن الباء في قوله "بالباطل" للسببية، وأن الباطل ما لا يَعتدُّ به الشرعُ سببًا للحِلِّ. والمعنى الثاني مبني على أن الباء للمقابلة وأن الباطل ما لا تحقُّق له. ونسبة المعنى الأول إلى السدِّي لا أراها تصح، وإنما قال السُّدِّي كما في "تفسير ابن جرير" (ج ٥ ص ١٩) (٣): " ﴿بِالْبَاطِلِ﴾: بالربا والقمار والبخس والظلم. ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾: ليربَح في الدرهم ألفًا إن استطاع". فأول عبارته يصلح للمعنيين، وبيان صلاحيتها للثاني في القمار والبخس والظلم ظاهر؛ فأما الربا فإن مَن أقرض مائة ليقضي مائة وعشرة يأكل العشرة بما لا تحقُّق له. [٢/ ٤٨] فإن غايته أن يقول: لو لم أُقرِض المائة لعلّي كنت اتّجرتُ فيها فربحتُ، ولعل المستقرض اتجر فيها، فربح. فيقال له: هذا لا تحقُّق له. ولعلك لو لم تُقرِضها لسُرِقت منك، ولعلك لو اتجرتَ فيها لخسرتَ، مع ما يلحقك من التعب والعناء. ولعل المستقرض لم يتجر فيها، ولعله اتجر فخسر أو ذهب منه رأس المال، فإن رَبح فبتَعَبِه. ولتمام هذا موضع آخر، وإنما المقصود هنا أن ذِكْرَ السُّدِّي للربا لا يحتِمُ أنه قائل بالمعنى الأول. وآخر عبارة السُّدِّي ظاهر في المعنى الثاني،

стр. 983

وأنه رأى أن الغبن في البيع من الأخذ بالباطل المراد في الآية، ولكنه مستثنى استثناءً متصلًا على ما هو الأصل في الاستثناء. ولنفرض مثالًا يبيِّن ذلك: ثوبانِ قيمةُ كلٍّ منهما بحسب الزمان والمكان عشرة، فقد يجهل البائع ذلك، ويظن قيمةَ كلٍّ منهما خمسة فقط فيبيعهما بعشرة. وقد يجهل المشتري فيظن قيمةَ كلٍّ منهما عشرين فيشتريهما بأربعين. فمن أخذهما بقيمة أحدهما، فقد أخذ أحدهما أو نصفيهما بما لا تحقُّق له. ومن باعهما بمثلَيْ قيمتهما، فقد أخذ نصف الثمن بما لا تحقُّق له. هذا باعتبار قيمة الزمان والمكان، وهو المتعارف بين الناس، فإن من باع أو اشترى بقيمة الزمان والمكان لا يعدُّه الناس غابنًا أو مغبونًا البتة. لكنك إذا تعمقت قد تقول: إنما القيمة الحقيقية مقدار ما غرِمه البائع على السلعة، أو مقدار ما ينقصه فقدها. فيقال لك: هذا بالنظر إلى البائع، فأما بالنظر إلى المشتري فقيمتهما مقدار ما تنفعه. وقد يتعارضان، كمن عنده ماء كثير، فباع منه شَرْبةً لِمضطَرٍّ. ويبقى النظر في الثمن، ويخفى الأمر ويضطرب، وتضيق المعاملة جدًّا. لا جَرَم، عَدلَ الشرعُ إلى اعتبار قيمة الزمان والمكان في ضمان المتلَفات وغير ذلك ما عدا التجارة. ولمَّا كان الاعتدادُ بذلك في التجارة يسدُّ بابَ الربح، فيرغب الناس عن التجارة، فتضيع المصالح= عدَلَ الشارعُ إلى اعتبار ما تراضى به المتبايعان. فما تراضيا به، فهو القيمة التي يعتد بها الشرع في التجارة. لكن هذا لا يمنع أن يسمَّى الغبنُ أكلًا بالباطل بالنظر إلى التحقق. وليس من لازم الباطل بهذا المعنى أن يكون محرَّمًا في الشرع. وفي الحديث: "كلُّ شيء يلهو به الرجل باطلٌ إلا رميَه بقوسه، وتأديبَه فرسَه،

стр. 984

وملاعبتَه امرأتَه، فإنهن من الحق" (١). ومعلوم أنَّ فيما يلهو به الرجل غير هذه الثلاث ما هو مباح إجماعًا. [٢/ ٤٩] فأما ما أُكِل على وجه مكارم الأخلاق، فإنه إذا عُمِل فيه بالمشروع لم يكن على كلا المعنيين من الأكل بالباطل. وذلك أن الباذل قد يقصد مكافأة المبذول له على إحسان سابق، وقد يرجو عوضًا مستقبلًا، إما مالًا وإما منفعةً، وأقلُّ ذلك: الثناء. والأكلُ في مقابل إحسان سابق أكلٌ بأمر متحقِّق. والمشروع للمبذول له على رجاء مستقبَل أن يقبل عازمًا على المكافأة فيكون بمنزلة من يقترض عازمًا على أن يقضي. وإنما كان بعض الصحابة أولًا يتورعون عن الأكل في بيوت أقاربهم وأصدقائهم خشيةَ أن لا يتيسَّر لهم المكافأة المرضية. فبيَّن الله تعالى لهم في آية النور أنه لا حرج في الأكل، يريد ــ والله أعلم ــ: ما دام ذلك جاريًا على المعروف. والمعروف أن الناس يكرم بعضهم بعضًا، ويكافئ بعضهم بعضًا بالمعروف، فمن أكل عازمًا على المكافأة بحسب ما هو معروف بين أهل المروءات، فلم يأكل بما لا تحقُّق له. نعم لو فرضنا أن رجلًا غنيًّا لئيمًا اعتاد أن يتردد على بيوت أقاربه وأصدقائه ليأكل عندهم غيرَ عازمٍ على المكافأة المعروفة، كان هذا ــ والله أعلم ــ داخلًا في الباطل على كلا المعنيين. وإذا تدبرتَ علمتَ أنه على المعنى الثاني ليس هناك نسخ، وإنما هو بيان لدفع ما توهَّمه أولئك المتحرِّجون. وقد عُرِف عن السلف أنهم ربما يطلقون النسخ على مطلق البيان، فهذا ــ والله أعلم ــ من ذاك. وبهذا كله

стр. 985

اندفع ما رُجِّح به المعنى الأول، وترجَّحَ المعنى الثاني، فيكون الاستثناء متصلًا، كما هو الأصل. والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾ نصٌّ في اشتراط رضا كلٍّ من المتبايعين. والرضا معنى خفي، وسنة الشارع في مثله أن يضبطه بأمر ظاهر منضبط يشتمل على المعنى الذي عليه مدارُ الحكمة كالرضا هاهنا، فيكون مدار الحكم على ذاك الضابط، فما هو الضابط هاهنا؟ بنى الأستاذ على أنه الصيغة، أي الإيجاب والقبول، كما في النكاح. وذلك مدفوع بوجهين: الأول: أن الصيغة قد عُلِمت بقوله: "تجارة". الثاني: أنها ليست بواضحة الدلالة على الرضا، إذ قد تكون عن هزل أو سبق لسان أو استعجال، قبل تمكُّن الرضا من النفس، ويكثر وقوعه ويتكرر، ويكثر التغابن لكثرة الجهل بقيمة المثل؛ بخلاف النكاح فإنه قد لا يقع في العمر إلّا مرة، ويحتاط الناس له ما لا [٢/ ٥٠] يحتاطون للبيع. والشارع يتشوَّف إلى تثبيت النكاح ما لا يتشوَّف إلى تثبيت البيع. جاء في الحديث: "أبغضُ الحلال إلى الله الطلاقُ" (١)، وجاء فيه: "من أقال نادمًا بيعته أقال الله عثرتَه يوم القيامة" (٢). ومبنى البيع على المشاحَّة، ومبنى
следующие страницы →