أقول: عزاه إلى «جامع بيان العلم» لابن عبد البر (٢: ٨٥) (١) وهو هناك بغير إسناد، وفي «سنن البيهقي» (١: ٣٠٧) عن ابن مسعود: «إنْ كان صاحبكم نجسًا فاغتسلوا وإن كان مؤمنًا فلم نغتسل (٢)؟» وسنده واه. وقد جاء الغسل مِن غَسْل الميت من حديث عليّ وفِعْلِه، ومن حديث عائشة وحذيفة وأبي سعيد والمغيرة، راجع «سنن البيهقي» (١: ٢٩٩ - ٣٠٧)، و «تلخيص الحبير» (ص ٥٠ و ١٥٧) (٣). فمن أهل العلم مَن يستحب، ومنهم مَن يوجب، ومنهم من يقول: منسوخ، ومنهم من ينكر. ويظهر لي أن مَنْ جعله من باب التطهُّر لحَدَث أو نجس قد أبعد، ومن أنكره لأن الميت ليس بنجس قد أبعد، وإنما هو لمعنى آخر. والعارفون بعلم النفس والصحة يرون له تعلُّقًا بذلك، والله أعلم.
قال: (ولمّا روى حديث: «إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه» فقال له مروان: أما يكفي أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع؟ فبلغ ذلك ابن عمر فقال: أكثر أبو هريرة).
أقول: تصرَّفَ أبو ريَّة في هذا، والحديث في «سنن أبي داود» (٤) في آخره «قال: فقيل لابن عمر: هل تنكر شيئًا مما يقول؟ قال: لا، ولكنه اجترأ وجَبُنَّا، قال: فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: فما ذنبي إن كنتُ حفظتُ ونسوا».
стр. 282
وقد تقدم (ص ١١٩) (١) مع بعض ما يناسبه. وفي «الصحيحين» (٢) وغيرهما عن عائشة ﵁ قالت: «كان النبيّ ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شِقّه الأيمن».
قال أبو ريَّة: (ولا نستوفي ذكر انتقاد الصحابة له والشك في روايته ... ).
أقول: قد اتضح بحمد الله الجواب عمَّا ذَكر، ومنه يُعْلَم حال مالم يَذكر.
قال: (وقد امتد الإنكار عليه واتهامه في رواياته إلى مَن بَعْد الصحابة).
أقول: قد تبين أنه لم يتهمه أحدٌ من الصحابة، بل أثنوا عليه وسمعوا منه ورووا عنه، وسيأتي تمام ذلك [ص ١٢٦] وتبيّن قيام حجته الواضحة في أكثر ما انتُقِد عليه، وعذره الواضح في ما بقي، وبذلك سقط ما يخالفه من كلام مَنْ دونهم، وسنرى.
قال: (روى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: أقلِّد مَن كان من القضاة المفتين من الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي والعبادلة الثلاثة، ولا أستجيز خلافهم برأيي إلا ثلاثة نفر ــ وفي رواية: أقلد جميع الصحابة ولا أستجيز خلافهم برأيي إلا ثلاثة نفر ــ: أنس بن مالك وأبو هريرة وسمرة بن جندب» فقيل له في ذلك، فقال: أما أنس فاختلط في آخر عمره، وكان يُستفتى فيُفتي من عقله، وأنا لا أقلد عقله، وأما أبو هريرة فكان يروي كلَّ ما سمع من غير أن يتأمل في المعنى، ومن غير أن يعرف الناسخ من المنسوخ).
أقول: عزا أبو ريَّة هذه الحكاية إلى «مختصر كتاب المؤمل» (٣)
стр. 283
لأبي شامة، وأبو شامة من علماء الشافعية في القرن السابع (١) بينه وبين محمد بن الحسن عدة قرون، ولا ندري من أين أخذ هذا. وقد احتاج العلَّامة الكوثري في رسالته «الترحيب» (ص ٢٤) (٢) إلى هذه الحكاية. ومع سَعَة اطلاعه على كتب أصحابه الحنفية وغيرهم لم يجد لها مصدرًا إلا مصدر أبي ريَّة هذا. وحكايةٌ مثل هذه عن محمد بن الحسن عن أبي حنيفة لا توجد في كتب الحنفية أيّ قيمةٍ لها؟ (٣).
هذا، والحكاية لا تتعرَّض للأحاديث التي يرويها الصحابة، وإنما تتعلَّق بقول الصحابي الموقوف عليه هل يجوز لمن بعده مخالفته برأيه؟ فحاصلها أنَّ أبا حنيفة يقول: إنه لا يخالف قول أحدٍ من الصحابة برأيه سوى أولئك الثلاثة.
فأقول: أما أنس فراجع «طليعة التنكيل» الطبعة الثانية (ص ١٠١ - ١٠٨) (٤). وأما أبو هريرة فقوله فيه: «يروي كلّ ما سمع». يعني بها: كلّ ما سمعه من الأحاديث، وليس هذا بطعن في روايته ولا هو المقصود، وإنما هو مرتبط بما بعده وهو قوله: «من غير ... » والمدار على هذا، يقول: إنه لأجل هذا لا يوثَق بما قاله برأيه؛ إذ قد يأخذه من حديث منسوخ ونحو ذلك،
стр. 284
وسيأتي ما فيه (١).
وفي الحاشية (٢): (قال في «مرآة الوصول» وشرحها «مرقاة الأصول» من أصول الحنفية ﵏ في بحث الراوي: وهو إن عرف بالرواية فإن كان فقيهًا تقبل منه الرواية مطلقًا سواء وافق القياس أو خالفه. وإن لم يكن فقيهًا (كأبي هريرة وأنس) ﵄ فترد روايته).
أقول: في هذا أمران، الأول: أن الصواب: «في «مرقاة الوصول» وشرحها «مرآة الأصول». الثاني: أن مؤدَّى العبارة ــ على ما نقله أبو ريَّة ــ ردُّ رواية أبي هريرة وأنس ونحوهما مطلقًا، لكن تمام العبارة في مصدره: «إن لم يوافق ــ الحديث الذي رواه ــ قياسًا أصلًا، حتى إن وافق قياسًا وخالف قياسًا تقبل». على أن [ص ١٢٧] هذا القول قد ردَّه محقّقو الحنفية، قال ابن الهمام في «التحرير»: «وأبو هريرة فقيه». قال شارحه ابن أمير الحاج (٢: ٢٥١) (٣): «لم يعدم شيئًا من أسباب الاجتهاد، وقد أفتى في زمن الصحابة، ولم يكن يفتي في زمنهم إلا مجتهد، وروى عنه أكثر من ثمانمائة رجل من (٤) بين صحابي وتابعي، منهم ابن عباس وجابر وأنس، وهذا هو الصحيح».
ذكر أبو ريَّة في الحاشية (٥): أن في قوله: «يروي كلَّ ما سمع» إشارة
стр. 285
إلى حديث: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدِّث بكلِّ ما يسمع» (١).
أقول: هذا الحديث عام يشمل ما يسمع مما يُعلم أو يُظن أنه كذب، وأبو هريرة إنما كان يحدّث بالعلم، بما يعلم أو يعتقد أنه صدق، فأين هذا من ذاك؟
وقال ص ١٧٠: (وروى أبو يوسف قال: قلت لأبي حنيفة: الخبر يجيئني عن رسول الله يخالف قياسنا، ما نصنع به؟ فقال: إذا جاءت به الرواة الثقات عملنا به وتركنا الرأي. فقلت: ما تقول في رواية أبي بكر وعمر؟ قال: ناهيك بهما. فقلت: وعلي وعثمان، قال: كذلك، فلما رآني أعد الصحابة قال: والصحابة كلهم عدول ما عدا رجالًا - وعدَّ منهم أبا هريرة وأنس بن مالك).
أقول: لم يذكر مصدره. وهذه عادته (الحميدة) في تدليس بلاياه. ثم وجدت مصدره وهو «شرح نهج البلاغه» لابن أبي الحديد (١: ٣٦٠) (٢) عن أبي جعفر الإسكافي فراجع ما تقدم (ص ١٠٩) (٣).
ولا ريب أنَّ هذا لا يصح عن أبي يوسف ولا أبي حنيفة، والمعروف عنهما وعن أصحابهما في كتب العقائد والأصول وغيرها ما عليه سائر أهل السنة: أن الصحابة كلّهم عدول، وإنما يقول بعضهم: إن فيهم من ليس بفقيه أو مجتهد، قال ابن الهمام في «التحرير» (٤): « ... يقسم الراوي الصحابي إلى مجتهد كالأربعة والعبادلة، فيقدَّم على القياس مطلقًا، وعَدْل ضابط كأبي هريرة وأنس وسلمان وبلال فيقدَّم، إلا إن خالف كلَّ الأقيسة على قول عيسى والقاضي أبي زيد ... » ثم قال بعد ذلك: «أبو هريرة مجتهد» كما تقدّم.
стр. 286
وغير عيسى وأبي زيد ومَنْ تَبِعه يرون تقديم الخبر مطلقًا. راجع «فواتح الرحموت» (١٤٥: ٢).
ثم حكى أبو ريَّة ما رُوي عن إبراهيم: (كان أصحابنا يَدَعون من حديث أبي هريرة، ما كانوا يأخذون بكلِّ حديث أبي هريرة. كانوا يرون في حديث أبي هريرة (١) شيئًا، ما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة إلا ما كان من حديث صفة جنة أو نار أو حثّ على عمل صالح أو نهي عن شرّ جاء بالقرآن (٢)، دعني من حديث أبي هريرة (٣)، إنهم كانوا يتركون كثيرًا من حديثه).
أقول: ذكر ابن كثير في «البداية» (١٠٩: ٨) (٤) بعضَ هذه الكلمات عن ابن عساكر، ولم يسق السند بتمامه. وباقيها أخذه أبو ريَّة من «شرح النهج» لابن أبي الحديد (٣٦٠: ١) (٥) حكاه ابن أبي الحديد عن الإسكافي، وراجع (ص ١٠٩) (٦)، وقد تقدم (ص ١٢١) (٧) أخذ إبراهيم بحديث أبي هريرة الذي أخبرت عائشة بخلافه فترك أبو هريرة [ص ١٢٨] الإفتاء به وقال: «إنما حدثنيه الفضل بن عباس»، وأَخْذُهُ به يدلّ على ثقةٍ بالغةٍ بأبي هريرة وحديثه.
стр. 287
ثم إن صحَّتْ تلك الكلمات أو بعضها فقوله: «كان أصحابنا» يريد بهم أشياخه من الكوفيين، وإليهم يرجع الضمير في قوله: «كانوا». وحقُّ هذه الكلمات ــ إن صحَّت عن إبراهيم ــ أن تُنتقد عليه لا على أبي هريرة. وقد تقدم بيان حال أبي هريرة عند الصحابة وثناؤهم عليه وسماعهم منه وروايتهم عنه، ويأتي لذلك مزيد، وبان سقوط كلّ ما خالف ذلك من مزاعم أهل البدع، وظهرت حجةُ أبي هريرة فيما انتقده بعضهم عليه.
ثمَّ إن التابعين من أهل الحجاز وعلمائه وهم أبناء علماء الصحابة وتلاميذهم والذين حضروا مناظرتهم لأبي هريرة وعَرفوا حقيقة رأيهم فيه= أطبقوا هم وعلماء البصرة والشام وسائر الأقطارـ سوى ما حُكِي عن بعض الكوفيين ــ على الوثوق التامّ بأبي هريرة وحديثه.
وقد كان بين الكوفيين والحجازيين تباعُد، والكوفيون نشأوا على الأحاديث التي عرفوها من رواية الصحابة الذين كانوا عندهم، ثم حاولوا تكميل فقههم بالرأي وجَرَوا على مقتضاه، ثم كانوا إذا جاءهم بعد ذلك حديث بخلاف ما قد جروا عليه وأَلِفُوه تلكَّأوا في قبوله وضربوا له الأمثال. وإذ كان أبو هريرة مكثرًا كانت الأحاديث التي جاءتهم عنه بخلاف رأيهم أكثر من غيره، فلهذا ثَقُل على بعضهم بعضُ حديثه، وساعد على ذلك ما بلغهم من أنَ بعضَ الصحابة قد انتقد بعض أحاديث أبي هريرة. وقد كان أهل الحجاز أيضًا ينفرون عن الأحاديث التي تأتيهم عن أهل العراق، حتى اشتهر قولهم: نزِّلوا أهلَ العراق منزلةَ أهلِ الكتاب، لا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم (١).
وعلى كلّ حال فقد انحصر مذهبُ أهل العراق في أصحاب أبي حنيفة،
стр. 288
وقد علمتَ بأن أبا هريرة عندهم عدل ضابط، واعتراف محققيهم بأنه مع ذلك فقيه مجتهد، والأحاديث التي يخالفونها من مروياته سبيلها سبيل ما يخالفونه من مرويَّات غيره من الصحابة، والحقّ أحقُّ أن يُتّبع، والله الموفق.
قال أبو ريَّة ص ١٧١: (وقال أبو جعفر الإسكافي: وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضي بالرواية).
أقول:
وقد زادني حبًّا لنفسي أنني ... بغيضٌ إلى كلِّ امرئ غير طائل (١)
قال: (ضربه عمر وقال: أكثرْتَ من الحديث، وأحْرِ بكَ أن تكون كاذبًا على رسول الله).
أقول: عزاه أبو ريَّة إلى «شرح النهج» (٢) لابن أبي الحديد، وقد مرَّ النظرُ فيه (ص ١٠٩) (٣)، وراجع (ص ١١٩) (٤).
قال: (وفي «الأحكام» للآمدي: أنكر الصحابةُ على أبي هريرة كثرة روايته .. ).
أقول: قد فرغنا من هذا.
[ص ١٢٩] قال: (وجرت مسألة المصرَّاة في مجلس الرشيد، فتنازع القومُ فيها وعلت أصواتُهم، فاحتج بعضهم بالحديث الذي رواه أبو هريرة، فردَّ بعضهم الحديثَ وقال: أبو هريرة متهم، ونحا نحوه الرشيد).
стр. 289
أقول: جوابُ الحكاية في تتمتها التي حذفها أبو ريَّة وأخفى المصدر، وقد كنتُ وقفتُ عليها بتمامها في «تاريخ بغداد» أحسب، ولم أهتد إليها الآن (١)،
وقد كان يحضر مجلس الرشيد بعض رؤوس البدعة كبِشر
стр. 290
المرّيسي.
وذكر أبو ريَّة كلامًا لجولد زيهر اليهودي وغيره من المستشرقين لا شأن لنا به؛ لأننا نعرف هؤلاء وافتراءهم على رسول الله ﷺ وعلى القرآن، وراجع (ص ٧٢ و ٩٤ و ٩٩) (١).
وقال أبو ريَّة ص ١٧٢: (أَخْذه عن كعب الأحبار ... اليهودي الذي أظهر الإسلام خداعًا وطوى قلبه على يهوديته).
أقول: قد تقدّم النظرُ في حال كعب بما فيه كفاية، وسيلقى المجازف عاقبةَ تهجُّمه ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩].
ثم ذكر رواية الصحابة عن كعب، وقد تقدم النظر في ذلك (ص ٧٣ و ١١٠ و ١١٥) (٢).
قال: (ويبدو أن أبا هريرة كان أول الصحابة انخداعًا وثقة فيه).
أقول: إنما الثابت أنه حكى عنه شيئًا مما نسبه كعب إلى صحف أهل الكتاب، وليس في هذا ما يدلّ على ثقة.
قال: (وروايةً عنه وعن إخوانه).
стр. 291
أقول: إننا نتحدَّى أبا ريَّة أن يجمع عشر حكايات مختلفة يثبت أن أبا هريرة رواها عن كعب، فأما إخوانه؛ فعبد الله بن سلام لا يطعن فيه مسلم، وتميم الدَّاري قريب منه، ولعله لا يثبت لأبي هريرة عن كلٍّ منهما إلا خبر واحد.
وذكر كلامًا من تهويله تُعْرَف قيمتُه من النظر في شواهده.
قال: (فقد روى الذهبي في «طبقات الحفاظ» في ترجمة أبي هريرة أن كعبًا قال فيه، أي في أبي هريرة: ما رأيت أحدًا لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة. ورواية البيهقي في «المدخل» من (١) طريق بكر بن عبد الله عن (٢) أبي رافع أن أبا هريرة لقي كعبًا فجعل يحدّثه ويسأله، فقال كعبٌ: ما رأيت رجلًا لم يقرأ التوراة أعلم بما في التوراة من أبي هريرة).
أقول: هي حكاية واحدة. فالذي في كتاب الذهبي: «الطيالسي أخبرنا عِمْران القطّان عن بكر بن عبد الله عن أبي رافع ... » فذكرها. وعمران القطان ضعيف ولا يتحقق سماعه من بكر، وفي القرآن والسنَّة قصص كثيرة مذكورة في التوراة الموجودة بأيدي أهل الكتاب الآن، فإذا تتبَّعها أبو هريرة وصار يذكرها لكعب كان ذلك كافيًا لأن يقول كعب تلك الكلمة، ففيم التهويل الفارغ؟
[ص ١٣٠] قال: (ومما يدلك على أن هذا الحبر الداهية قد طوى أبا هريرة تحت جناحه حتى جعله يردّد كلامَ هذا الكاهن بالنص ويجعله حديثًا مرفوعًا ما نورد لك شيئًا منه، روى البزار [عن أبي سلمة] عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الشمس والقمر ثوران في النار يوم القيامة. فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال [أبو سلمة]: أحدِّثك عن رسول الله
стр. 292
وتقول: ما ذنبهما؟ . وهذا الكلام نفسه قد قاله كعب بنصه، فقد روى أبو يعلى الموصلي قال كعب: يُجَاء بالشمس والقمر كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في جهنم).
أقول: عزاه أبو ريَّة إلى «حياة الحيوان» (١)، وسيأتي ما فيه. قال البخاري في باب صفة الشمس والقمر من بدء الخلق من «صحيحه» (٢): حدثنا مسدَّد حدثنا عبد العزيز بن المختار حدثنا عبد الله الدَّانَاجُ قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الشمس والقمر مكوَّران يوم القيامة».
وفي «فتح الباري» (٢١٤: ٦) (٣): أنّ البزَّار والإسماعيلي والخطَّابي أخرجوه من طريق يونس بن محمد عن عبد العزيز بن المختار، وزادوا بعد كلمة (مكوَّران): «في النار».
أما «حياة الحيوان» للدميري ــ مصدر أبي ريَّة ــ فإنه ذكر أولًا حديث البخاري، ثم حديث البزار وفيه: «ثوران» كما مرَّ، وظاهر ما في «فتح الباري» أو صريحه: أن الذي في رواية البزّار والإسماعيلي والخطَّابي «مكوّران» كرواية البخاري لا «ثوران» (٤).
стр. 293
ثم قال الدَّميري: وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي (١) من طريق دُرُست بن زياد عن يزيد الرَّقَاشي، وهما ضعيفان، عن أنس بن مالك ﵁ أنّ النبيَّ ﷺ قال: «الشمس والقمر ثوران عقيران في النار». وقال كعب الأحبار: يُجَاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران، فيُقْذَفان في جهنم ليراهما مَنْ عَبَدهما، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] الآية.
دُرُست ويزيد تالفان، فالخبر عن أنس وكعب ساقط، مع أنه لم يتبيَّن مَنْ القائل: «قال كعب ... »؟ وبهذا يُعلم بعض أفاعيل أبي ريَّة. فأما المتن كما رواه البخاري فمعناه في كتاب الله ، ففي سورة القيامة: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٨ - ٩]، وفي سورة التكوير: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١].
وزيادة غير البخاري: «في النار» يشهد لها قول الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] وفي «صحيح البخاري» (٢) وغيره من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا في صفة الحشر: «ثم ينادي مناد: ليذهب كلُّ قوم إلى ما كانوا يعبدون. فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب [ص ١٣١] الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم». والحديث في «صحيح مسلم» (٣) وفيه:
стр. 294
«فلا يبقى أحدٌ كان يُعبَد ــ غير الله ــ من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار».
وفي «الصحيحين» (١) حديثٌ حدَّث به أبو هريرة، وأبو سعيد حاضر يستمع له فلم يردّ عليه شيئًا، إلا كلمة في آخره وفيه: «يجمع الله الناس فيقول: مَنْ كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمسَ الشمسَ، ومن كان يعبد القمرَ القمرَ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت ... » ويوافق ذلك قوله تعالى في فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨].
وإن صحت كلمة «ثوران» أو «ثوران عقيران» كما في خبر أبي يعلى على سقوط سنده فذلك ــ والله أعلم ــ تمثيل، وقد ثبت أنَّ المعاني تُمثَّل يوم القيامة، كما يمثَّل الموت بصورة كبش وغير ذلك، فما بالك بالأجسام؟ ومِن الحكمة في تمثيل الشمس والقمر أن عُبَّادهما يعتقدون لهما الحياة، والمشهور بعبادة الناس له من الحيوان العِجْل فمُثِّلا مِن جنسه. وفي «الفتح» (٢): «قال الإسماعيلي: لا يلزم مِن جَعْلهما في النار تعذيبهما، فإنَّ لله في النار ملائكة وحجارة وغيرها لتكون لأهل النار عذابًا وآلة من آلات العذاب وما شاء الله من ذلك فلا تكون هي معذَّبة». فأنت ترى شهادة القرآن والأحاديث الصحيحة لحديث أبي هريرة، ولم يثبت عن كعب شيء، ولو ثبت لكان المعقول أنه هو الآخذ لذلك عن أبي هريرة أو غيره من الصحابة.
стр. 295
وقول الحسن لأبي سلمة: «وما ذنبهما» قد عرفتَ جوابه، وهو يمثِّل حالَ أهلِ العراقِ في استعجال النظر فيما يشكل عليهم. وجواب أبي سلمة يمثِّل حال علماءِ الحجاز في التزام ما يقضي به كمال الإيمان مِن المسارعة إلى القبول والتسليم ثم يكون النظر بعدُ. وجوابُه وسكوتُ الحَسَن يبين مقدار كمال الوثوق من علماء التابعين بأبي هريرة وثقته وإتقانه، وأن ما يُحْكَى مما يخالف ذلك إنما هو مِن اختلاق أهل البدع. وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف مِن كبار أئمة التابعين بالمدينة، مكثر الرواية عن الصحابة كأبي قتادة وأبي الدرداء وعائشة وأم سلمة وابن عمر وأبي هريرة، فهو مِن أعلم الناس بحال أبي هريرة في نفسه وعند سائر الصحابة ﵃.
قال أبو ريَّة ص ١٧٤: (وروى الحاكم في «المستدرك» والطبراني ورجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة أنَّ النبي قال: إن الله أذن لي أن أحدِّث عن دِيْكٍ رجلاه في الأرض وعُنُقُه مَثنيَّة تحت العرش وهو يقول: سبحانك ما أعظم شأنك، فيرد عليه: ما يعلم ذلك من حلف بي كاذبًا. وهذا الحديث من قول كعب الأحبار ونصه: إن لله ديكًا عنقه تحت العرش وبراثنه في أسفل الأرض، [ص ١٣٢] فإذا صاح صاحت الدِّيَكة فيقول: سبحان القدوس الملك الرحمن لا إله غيره).
أقول: عزا هذا إلى «نهاية الأرب» (١) للنُّويري، والنويري أديب من أهل القرن السابع، ولا يُدْرَى من أين أخذ هذا، والحديث يُروى عن جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة، منهم جابر والعُرْس بن عميرة وعائشة وثوبان وابن عمر وابن عباس وصفوان بن عَسَّال وأبو هريرة.
стр. 296
ذكر ابنُ الجوزي حديث جابر والعُرس في «الموضوعات» (١)، وتعقَّبه السيوطيّ وذكر رواية الآخرين. راجع «اللآلي المصنوعة» (٣٢: ١) (٢). أما عن أبي هريرة فهو من طريق إسرائيل عن معاوية بن إسحاق عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، ومعاوية لم يخرج له مسلم وأخرج له البخاري حديثًا واحدًا متابعة، وقد قال فيه أبوزرعة: «شيخ واه» ووثَّقه بعضهم (٣)، والمَقْبُريّ اختلط قبل موته بأربع سنين (٤). ولفظ الخبر مع ذلك مخالف لما نسبه النويريُّ إلى كعب.
قال أبو ريَّة: (وروى أبو هريرة أن رسول الله قال: النيل وسيحان وجيحان والفرات من أنهار الجنة. وهذا القول نفسه رواه كعب إذ قال: أربعة أنهار وصفها الله في الدنيا، فالنيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة، وسَيحان نهر الماء في الجنة، وجَيحان نهر اللبن في الجنة).
أقول: أما حديث: «سَيحان وجَيحان والفُرات والنيل كلٌّ من أنهار الجنة» ففي «صحيح مسلم» (٥) عن أبي هريرة مرفوعًا، وذكر القاضي عياض فيه وجهين (٦)؛ ثانيهما: أنه كناية أو بشارة عن أن الإيمان يعمّ بلادها. وتقريبه: أنه بحذف مضاف، أي أنهار أهل الجنة وهم المسلمون.
فأما خبر كعب فيُروَى عن عبد الله بن صالح كاتب الليث ــ وهو مُتكلَّم
стр. 297
فيه ــ عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن كعب، وأبو الخير لم يدرك كعبًا ــ فإن صح فإنما أخذ كعبٌ حديث أبي هريرة وزاد فيه ما زاد أخذًا من قول الله : ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] وكأنه يرى أنَّ في الجنة حقيقة أنهارًا سُمِّيت بأسماء أنهار الدنيا، والله أعلم (١).
ثم قال أبورية: (وقال ابن كثير في «تفسيره»: إن حديث أبي هريرة في يأجوج ومأجوج ... لعل أبا هريرة تلقاه من كعب، فإنه كان كثيرًا ما كان يجالسه ويحدّثه).
أقول: تتمة عبارة ابن كثير (٢): «فحدَّث به أبو هريرة [عن كعب] فتوهَّم بعضُ الرواة عنه أنه مرفوع فرفعه» [ص ١٣٣] وفي كلام أبي ريَّة: «وقد روى أحمد هذا الحديث عن كعب»، وهذا كذب، إنما قال ابن كثير: «لكن هذا (يعني المعنى بل بعضه) قد رُوي عن كعب ... » وساق بعضه ولم يذكر سنده ولا مَنْ أخرجه. وصنيع ابن كثير هنا غير جيد مِنْ أوجه لا أطيل بذكرها.
وهذا الحديث مداره على قَتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة، رواه عن قتادة فيما وقفت عليه ثلاثة: الأول: شيبان بن عبد الرحمن في «مسند أحمد» (٥٣٣: ٢) (٣). الثاني: أبو عَوانة في «سنن الترمذي» (٤) و «مستدرك الحاكم» (٤٨٨: ٤). الثالث: سعيد بن أبي عَروبة في «تفسير ابن جرير»
стр. 298
(١٦: ١٦) (١) و «سنن ابن ماجه» (٢) و «مسند أحمد» (٥٣٢: ٢) (٣).
فأما شيبان وأبو عَوانة ففي روايتهما: « ... قتادة عن أبي رافع».
وأما سعيد فرواه عنه فيما وقفتُ عليه ثلاثة:
الأول: يزيد بن زُريع عند ابن جرير، وفيه أيضًا: « ... قتادة عن أبي رافع».
الثاني: عبد الأعلى بن عبد الأعلى عند ابن ماجه وفيه: « ... قتادة قال: «حدث أبو رافع» هكذا نقله ابن كثير في «تفسيره» طبعة بولاق (١٧٣: ٦) وطبعة المنار (٣٣٣: ٥) (٤) ومخطوط مكتبة الحرم المكي، وهكذا في «سنن ابن ماجه» نُسَخِ مكتبة الحرم المكي المخطوطة وهي أربع (٥)، وطبعة عمدة المطابع بدهلي في الهند سنة ١٢٧٣، ووقع في أربع نسخ مطبوعة هنديتين ومصريتين (٦): « ... قتادة قال: حدثنا أبو رافع» مع أن سياق السند من أوله فيها هكذا: «حدثنا أزهر بن مروان ثنا عبد الأعلى ثنا سعيد عن قتادة ... » فلو كان في الأصل: «قال حدثنا» لاختُصر في الأصول المخطوطة لهذه النسخ الأربع إلى «ثنا» كسابقيه في أثناء السند، ولكنَّه جَهْلُ الطابعين، حَسِبوا أنه لا يقال: «حدَّث فلان» وإنما يقال: «حدثنا فلان» فأصلحوه بزعمهم، وتَبِع متأخّرُهم متقدّمَهم، والله المستعان.
стр. 299
الثالث: رَوح بن عُبادة عند أحمد وفيه: « ... قتادة ثنا أبو رافع» وأحسب هذا خطأ من ابن المُذْهِب راوي المسند عن القَطِيعي عن عبد الله بن أحمد. وفي ترجمته من «الميزان» (١) و «اللسان» (٢) قول الذهبي: «الظاهر من ابن المُذهب أنه شيخ ليس بمتقن، وكذلك شيخه ابن مالك، ومن ثَمَّ وقع في «المسند» أشياء غير مُحْكَمة المتن ولا الإسناد». ومن المحتمل أن يكون الخطأ من رَوح، فإن كُلًّا من يزيد وعبد الأعلى أثبت منه، وقتادة مشهور بالتدليس؛ فلو كان الخبر عند سعيد عنه مصرَّحًا فيه بالسماع لحرص سعيد على أن يرويه كذلك دائمًا، [ص ١٣٤] بل أطلق أبو داود (٣) أنّ قتادة لم يسمع من أبي رافع، وظاهره أنه لم يسمع منه شيئًا، ولكن نظر فيه ابن حجر (٤).
على كلِّ حال، فلم يثبت تصريح قتادة في هذا بالسماع، فلم يصح الخبر عن أبي رافع، وأبو رافع هو نُفَيع البصري، مخضرم ثقة لا يظن به أن يخطئ الخطأ الذي أشار إليه ابن كثير. فلو صحَّ الخبر عنه لزم تصحيحه عن أبي هريرة، ولو صح عن أبي هريرة لصح عن النبي ﷺ ، ولو صح مع ذلك أنَّ كعبًا أخبر بما يشبهه لكان محمله الطبيعي أنَّ كعبًا سمع الحديث من أبي هريرة أو غيره من الصحابة فاقتبس منه خبره، لكن الخبر لم يصح عن أبي رافع، فلم يصح عن أبي هريرة، فلم يصح عن النبي ﷺ ، ولا ندري ممن سمعه قتادة. والله أعلم.
стр. 300
قال أبو ريَّة: (وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: إن الله خلق آدم على صورته. وهذا الكلام قد جاء في الإصحاح الأول من التوراة ونصه هناك: وخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه).
أقول: قد علم الجن والإنس أنَّ في الكتاب الموجود بأيدي أهل الكتاب المسمّى (١) بالتوراة ما هو حق وما هو باطل، وأنَّ في القرآن كثيرًا من الحقّ الذي في التوراة وكذلك في السنة. فإذا كان هذا منه كان ماذا؟ والكلام في معناه معروف (٢).
وعلَّق أبو ريَّة في الحاشية بذكر ما ورد في سياق الحديث: أن طول آدم كان ستين ذراعًا، فلم يزل الخلق ينقص، واستشكال ابن حجر له بما يوجد مِن مساكن الأمم السالفة.
أقول: لم يتحقَّق بحجَّة قاطعة كم مضى للجنس البشري منذ خُلق آدم؟ وما في التوراة لا يعتمد عليه، وقد يكون خُلِق ستين ذراعًا فلما أُهْبِط إلى الأرض نقص من طوله دفعة واحدة ليناسب حال الأرض، إلا أنه بقي أطول مما عليه الناس الآن بقليل، ثم لم يزل ذاك القليل يتناقص في الجملة. والله أعلم. وفي «فتح الباري» (٢٦٠: ٦) (٣): «روى ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن أبيّ بن كعب مرفوعًا: «إن الله خلق آدم رجلًا طوالًا كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق».
وقال في حاشية ص ١٧٥: (وأنكر مالك هذا الحديث، وحديث: إن الله يكشف
стр. 301
عن ساقه يوم القيامة، وأنه ... يدخل في النار يده حتى يدخل من أراد، إنكارًا شديدًا).
أقول: لم يذكر أبو ريَّة مصدره إن كان له مصدر، والحديث الثالث أحسبه يريد به حديث «الصحيحين» (١) عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا، وفيه: «فيقبض قبضة من النار فيخرج أقوامًا». ومالكٌ ﵀ يؤمن بهذه الأحاديث ونظائرها الكثيرة في الكتاب والسنة.
[ص ١٣٥] قال: (وحديث كشف الساق من رواية أبي هريرة في «الصحيحين» .. ).
أقول: هذا كذب، وإنما هو في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد الخدري، وله شاهد من حديث عبد الله بن مسعود (٢)، وآخر من حديث أبي موسى (٣)، ﵃.
قال أبو ريَّة ص ١٧٥: (ولما ذكر كعب صفة النبي في التوراة قال أبو هريرة في صفته ﷺ : لم يكن فاحشًا ولا متفحِّشًا ولا سخَّابًا في الأسواق. وهذا نصّ كلام كعب كما أوردناه من قبل).
أقول: ثبتت هذه الفقرة في خبر عبد الله بن عَمْرو بن العاص في صفة النبي ﷺ في التوراة، وجاء نحوه عن عبد الله بن سلام وعن كعب كما [تقدم] (ص ٧١) (٤). أما أبو هريرة ففي «المسند» (٤٤٨: ٢) (٥) من طريق صالح مولى التوأمة ــ وهو ضعيف ــ: «سمعت أبا هريرة ينعتُ النبيَّ ﷺ
стр. 302
فقال: كان شَبْحَ الذِّراعين، أهْدب أشفار العينين، بعيد ما بين المَنْكِبين، يُقْبِل إذا أقبل جميعًا ويُدبر إذا أدبر جميعًا» زاد بعض الرواة: «بأبي وأمي، لم يكن فاحشًا ولا متفحِّشًا ولا سخَّابًا بالأسواق». وقد علم أبو هريرة معنى هذه الفقرة يقينًا بالمشاهدة والصحبة، فأيّ شيء عليه في أخذ لفظها مما ذكره عبد الله بن عَمْرو أو غيره؟
قال: (وروى مسلم عن أبي هريرة: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة ... » وقد قال البخاري وابن كثير وغيرهما: إن أبا هريرة قد تلقى هذا الحديث عن كعب الأحبار لأنه يخالف نص القرآن في أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام).
أقول: هذا الخبر رواه جماعة عن ابن جريج قال: «أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال: أخذ ... » (١). وفي «الأسماء والصفات» للبيهقي (ص ٢٧٦) (٢) عن ابن المديني: أن هشام بن يوسف رواه عن ابن جريج.
وقد استنكر بعضُ أهل الحديث هذا الخبر، ويمكن تفصيل سببب الاستنكار بأوجه:
الأول: أنه لم يذكر خَلْق السماء، وجعل خلق الأرض في ستة أيام.
стр. 303
الثاني: أنه جعل الخلق في سبعة أيام. [ص ١٣٦] والقرآنُ يبيِّن أن خلق السموات والأرض كان في ستة أيام، أربعة منها للأرض ويومان للسماء.
الثالث: أنه مخالف للآثار القائلة: إن أول الستة يوم الأحد، وهو الذي تدل عليه أسماء الأيام: الأحد ــ الاثنان ــ الثلاثاء ــ الأربعاء ــ الخميس.
فلهذا حاولوا إعلاله، فأعلَّه ابنُ المديني بأن إبراهيم بن أبي يحيى قد رواه عن أيوب، قال ابن المديني: «وما أرى إسماعيل بن أميّة أخذ هذا إلا عن إبراهيم بن أبي يحيى» انظر «الأسماء والصفات» (ص ٢٧٦) (١)، يعني وإبراهيم مرميٌّ بالكذب فلا يثبت الخبر عن أيوب ولا مَنْ فوقه.
ويَرِدُ على هذا أن إسماعيل بن أمية ثقة عندهم غير مدلس، فلهذا ــ والله أعلم ــ لم يرتض البخاريُّ قولَ شيخه ابن المديني، وأعلَّ الخبر بأمرٍ آخر، فإنه ذكر طرفه في ترجمة أيوب من «التاريخ» (١/ ١/٤١٣) ثم قال: «وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب. وهو أصح». ومُؤدَّى صنيعه أنه يحدس أن أيوب أخطأ، وهذا الحدس مبنيٌّ على ثلاثة أمور:
الأول: استنكار الخبر لِمَا مرَّ.
الثاني: أن أيوب ليس بالقوي، وهو مُقِلّ لم يخرج [له] مسلم إلا هذا الحديث؛ لِمَا يُعلم من «الجمع بين رجال الصحيحين» (٢)، وتكلّم فيه الأزدي ولم يُنقَل توثيقه عن أحد من الأئمة إلا أن ابن حبان ذكره في «ثقاته» (٣)، وشَرْطُ ابن حبان في التوثيق فيه تسامح معروف.
стр. 304
الثالث: الرواية التي أشار إليها بقوله: «وقال بعضهم» وليته ذكر سندها ومتنها فقد تكون ضعيفة في نفسها وإنما قويت عنده للأمرين الآخرين. ويدل على ضعفها أن المحفوظ عن كعب وعبد الله بن سلام ووهب بن منبِّه ومَن يأخذ عنهم: أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد، وهو قول أهل الكتاب المذكور في كتبهم وعليه بنوا قولهم في السبت، انظر «الأسماء والصفات» (ص ٢٧٢ و ٢٧٥) (١) وأوائل «تاريخ ابن جرير» (٢). وفي «الدر المنثور» (٩١: ٣) (٣): «أخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: بدأ الله بخلق السموات والأرض يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، وجعل كلَّ يوم ألف سنة»، وأسنده ابنُ جرير في أوائل «التاريخ» (٢٢: ١ ط ــ الحسينية) (٤) واقتصر على أوله: «بدأ الله بخلق السموات والأرض يوم الأحد والاثنين» فهذا يدفع أن يكون ما في الحديث من قول كعب.
وأيوب لا بأس به، وصنيع ابن المديني يدلّ على قوَّته عنده، وقد أخرج له مسلم في «صحيحه» كما علمت، وإن لم يكن حدّه أن يُحتج به في الصحيح. فمدار الشكِّ في هذا الحديث على الاستنكار، وقد يجاب عنه بما يأتي:
أما الوجه الأول: فيجاب عنه بأنَّ الحديث وإن لم ينص على خلق
стр. 305
السماء فقد أشار إليه بذكره في اليوم الخامس: النور، وفي السادس: الدواب، وحياةُ الدوابّ محتاجة إلى الحرارة، والنور والحرارة مصدرهما [ص ١٣٧] الأجرام السماوية. والذي فيه: أن خلق الأرض نفسها كان في أربعة أيام كما في القرآن، والقرآن إذ ذَكَر خلق الأرض في أربعة أيام، لم يذكر ما يدلّ على أن مِنْ جملة ذلك خلق النور والدواب، وإذ ذَكَرَ خلق السماء في يومين لم يذكر ما يدلّ أنه في أثناء ذلك لم يُحْدِث في الأرض شيئًا، والمعقول أنها بعد تمام خلقها أخذت في التطوّر بما أودعه الله تعالى فيها. والله سبحانه لا يشغله شأن عن شأن.
ويجاب عن الوجه الثاني: بأنه ليس في هذا الحديث أنه خلق في اليوم السابع غير آدم، وليس في القرآن ما يدلّ على أن خلق آدم كان في الأيام الستة، ولا في القرآن ولا السنة ولا المعقول أنَّ خالقية الله وقفت بعد الأيام الستة. بل هذا معلوم البطلان. وفي آيات خلق آدم أوائل البقرة وبعض الآثار ما يُؤخذ منه أنه قد كان في الأرض عُمَّار قبل آدم عاشوا فيها دهرًا، فهذا يساعد القول بأن خلق آدم متأخر بمدَّة عن خلق السموات والأرض.
فتدبر الآيات والحديث على ضوء هذا البيان يتضحْ لك إن شاء الله أنَّ دعوى مخالفة هذا الحديث لظاهر القرآن قد اندفعت ولله الحمد.
وأما الوجه الثالث: فالآثار القائلة إنّ ابتداء الخلق يوم الأحد ما كان منها مرفوعًا فهو أضعف من هذا الحديث بكثير، وأما غير المرفوع فعامَّته من قول عبد الله بن سلام وكعب ووهب ومَنْ يأخذ عن الإسرائيليات. وتسمية الأيام كانت قبل الإسلام تقليدًا لأهل الكتاب، فجاء الإسلام وقد اشتهرت
стр. 306
وانتشرت فلم ير ضرورةً إلى تغييرها؛ لأن إقرار الأسماء التي قد عُرِفت واشتهرت وانتشرت لا يُعَدُّ اعترافًا بمناسبتها لما أُخِذَت منه أو بُنيت عليه، إذ قد أصحبت لا تدل على ذلك وإنما تدل على مسمياتها فحسب، ولأن القضية ليست مما يجب اعتقاده أو يتعلق به نفسه حكم شرعي، فلم تستحق أن يحتاط لها بتغيير ما اشتهر وانتشر من تسمية الأيام.
وقد ذكر السُّهيلي في «الروض الأُنف» (٢٧١: ١) (١) هذه القضية وانتصر لقول ابن إسحاق وغيره الموافق لهذا الحديث حتى قال: «والعجب من الطبريّ على تبحُّرِه في العلم كيف خالف مقتضى هذا الحديث وأعْنَق (٢) في الردِّ على ابن إسحاق وغيره، ومال إلى قول اليهود: إنَّ الأحد هو الأول ... ».
وفي بقية كلامه لطائف: منها: أنَّ تلك التسمية خصّت خمسة أيام لم يأت في القرآن منها شيء، وجاء فيه اسما اليومين الباقيين ــ الجمعة والسبت ــ؛ لأنه لا تَعلُّقَ لهما بتلك التسمية المدخولة.
ومنها: أنه على مقتضى الحديث يكون الجمعة سابعًا، وهو وتر مناسب لفضل الجمعة كما ورد: «إن الله وَتْر يحب الوَتْر» (٣). ويضاف إلى هذا يوم الاثنين؛ فإنه على هذا الحديث يكون الثالث وهو المناسب لفضله، وفي «الصحيح» (٤): «فيه وُلدتُ وفيه أنزل عَليَّ». فأما الخميس فإنما ورد فضل
стр. 307
صومه، وقد يوجَّه ذلك بأنه لما امتنع صوم اليوم الفاضل وهو الجمعة لأنه عيد الأسبوع عُوِّض عنه بصوم اليوم الذي قبله، وفي ذلك ما يقوِّي شَبَه الجمعة بالعيد. وفي «الصحيحين» (١) في حديث الجمعة: «نحن الآخرون السابقون ... ». والمناسب أن يكون اليوم الذي للآخرين هو آخر الآيام.
هذا، وفي «البداية» لابن كثير (١٧: ١) (٢): «وقد رواه النسائي في التفسير (٣) عن إبراهيم بن يعقوب الجُوزجاني عن محمد بن الصبَّاح عن أبي عبيدة الحدّاد عن الأخضر بن عجلان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة: إن رسول الله ﷺ أخذ بيدي فقال: «يا أبا هريرة إن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التُّربة يومَ السبت» وذكر بتمامه بنحوه. فقد اختُلِفَ على ابن جريج».
أقول: في صحة هذه الرواية عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح نَظَرٌ لا أطيل ببيانه، فمن أحبَّ التحقيق فليراجع «تهذيب التهذيب» (٢١٣: ٧) و «فتح الباري» (٥١١: ٨) (٤) ومقدمته (ص ٣٧٣) (٥) وترجمتَي أخضر وعثمان بن عطاء من «الميزان» (٦) وغيره. والله الموفق.
стр. 308
ثم قال أبو ريَّة: (ومن العجيب أن أبا هريرة قد صرَّح في هذا الحديث بسماعه من النبيّ ﷺ وأنه قد أخذ بيده حين حدَّثه به. وإني لأتحدَّى الذين يزعمون في بلادنا أنهم على شيء من علم الحديث وجميع من هم على شاكلتهم في غير بلادنا أن يحلُّوا لنا هذا المشكل، وأن يخرجوا بعلمهم الواسع شيخهم من الهوَّة التي سقط فيها ... ).
أقول: لم يقع شيخنا ﵁ في هُوَّة، ولا قال أحدٌ من أهل العلم إنه وقع فيها، أما إذا بنينا على صحة الحديث عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ، وهو الحق إن شاء الله فواضح، وأما على ما زعمه ابنُ المديني فلم يصح عن أبي هريرة، ولا عمن روى عنه، ولا عن الثالث شيء مِن [ص ١٣٩] هذا، لا قوله: «أخذ رسول الله بيدي فقال» ولا قوله: «خلق الله التربة ... ».
وأما على حَدْس البخاري فحاصله أن أيوب غلط، وقع له عن أبي هريرة خبران، أحدهما: «أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال» فذكر حديثًا صحيحًا غير هذا. والثاني: «قال كعب: خلق الله التربة يوم السبت ... » فالتبس المقولان على أيوب فجعل مقول كعب موضع مقول رسول الله ﷺ وقد تقدم (ص ١١٧) (١) قول بُسْر بن سعيد: أنه سمع بعض مَن كان معهم في مجلس أبي هريرة: «يجعل ما قاله كعب عن رسول الله، وما قاله رسول الله عن كعب».
أما البيهقي فلم يقل شيئًا من عنده إنما قال: «وزعم بعضهم أن إسماعيل بن أمية إنما أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى ... » فذكر قول ابن المديني.
стр. 309
وأما ابن كثير فإنما قال: «فكأنَّ هذا الحديث مما تلقَّاه أبو هريرة عن كعب عن صُحُفه فوهم بعض الرواة فجعله مرفوعًا إلى النبيّ ﷺ وأكَّد رفعه بقوله: أخذ رسول الله ﷺ بيدي». فابن كثير جعل هذه الجملة من زيادة الراوي الواهم، وهو «أيوب» في حَدْس البخاري. وهذا أيضًا لا يمسّ أبا هريرة، ولكن الصواب ما تقدم.
ثم قال أبورية ص ١٧٦: (وروى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبّ إليَّ مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحببته، فكنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورِجْلَه التي يمشي بها ... وما تردَّدْت عن شيء أنا فاعله تردُّدِي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته (١)).
أقول: هذا الخبر نَظَر فيه الذهبيّ في ترجمة خالد بن مخلد من «الميزان» (٢) وابن حجر في «الفتح» (٢٩٢: ١١) (٣)؛ لأنه لم يُرْوَ عن أبي هريرة إلا بهذا السند الواحد: «محمد بن عثمان بن كَرَامة (٤)، حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان بن بلال، حدثني شَريك بن عبد الله بن أبي نَمِر عن عطاء عن أبي هريرة». ومثل هذا التفرُّد يريب في صحَّة الحديث، مع أنّ خالدًا له مناكير وشَرَيكًا فيه مقال. وقد جاء الحديث بأسانيد فيها ضعف من حديث عليّ ومعاذ وحذيفة وعائشة وابن عباس وأنس. فقد يكون وقع
стр. 310
خطأ لخالد أو شَريك، سمع المتن من بعض تلك الأوجه الأخرى المرويَّة عن عليّ أو غيره ممن سَلَفَ ذِكْرُه، وسمع حديثًا آخر بهذا السند ثم التبسا عليه فغلط، روى هذا المتن بسند الحديث الآخر. فإنْ كان الواقع هكذا فلم يحدِّثْ أبو هريرة بهذا، [ص ١٤٠] وإلا فهو مِنْ جملة الأحاديث التي تحتاج ككثير من آيات القرآن إلى تفسير، وقد فسَّره أهلُ العلم بما تجده في «الفتح» (١) وفي «الأسماء والصفات» (ص ٣٤٥ - ٣٤٨) (٢). وقد أومأ البخاريُّ إلى حاله فلم يخرجه إلا في باب التواضع من كتاب الرِّقاق (٣).
قال أبو ريَّة: (ومن له حاسة شمَّ الحديث يجدْ في هذا الحديث رائحة إسرائيلية).
أقول: قد عَلِمنا أن كلامَ الأنبياء كلَّه حقٌّ من مشكاة واحدة، وأن الربّ الذي أوحى إلى أنبياء بني إسرائيل هو الذي أوحى إلى محمد ﷺ . ولو جاز الحكم بالرائحة لما ساغ أدنى تشكّك في حكم البخاري؛ لأنه أعرف الناس برائحة الحديث النبوي، وبالنسبة إليه يكون أبو ريَّة أخْشَم فاقد الشمّ أو فاسده.
وعلَّق في الحاشية أيضًا: (يبدو أن أستاذ أبي هريرة في هذا الحديث هو وهب بن منبه، فقد وقع في «الحلية» في ترجمة هذا ... إني لأجد في كتب الأنبياء أن الله تعالى يقول: ما تردَّدتُ عن شيء قطّ تردُّدِي عن قبض روح المؤمن).
أقول: في سنده من لم أعرفه، وقد ذكروا أنَّ وهبًا روى عن أبي هريرة، ولم يذكروا أن أبا هريرة حكى شيئًا عن وهب، ووهبٌ صغير إنما ولد في
стр. 311
أواخر خلافة عثمان، وإذا صحَّ حديثُ البخاريّ عن أبي هريرة فالمعقول ــ إن كان أحدهما أخذ عن الآخر ــ أن يكون وهب أَخَذَهُ عن أبي هريرة أو بلَغه عنه. ووهب مع صغره مولود في الإسلام من أبوين مسلمَيْنِ، فتوسُّعُه في قراءة كتب الأوائل إنما يكون في كبره بعد وفاة أبي هريرة بمدّة. وهذا تنازل منِّي إلى عقل أبي ريَّة وأشباهه، فأما الحقيقة فمكانة أبي هريرة ﵁ أعلى وأشمخ وأثبت وأرسخ من أن يحتاج المدافع عنه إلى مثل ما ذكرت.
ثم قال أبورية ص ١٧٧: (وقد بلغ من دهاء كعب الأحبار واستغلاله لسذاجة أبي هريرة وغفلته أن كان يلقنه ما يريد بثَّه في الدين الإسلامي من خرافات وتُرَّهات، حتى إذا رواها أبو هريرة عاد فصدَّق أبا هريرة ... وإليك مثلاً من ذلك ... روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، اقرأوا إنْ شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]. ولم يكد أبو هريرة يروي هذا الحديث حتى أسرع كعب فقال: صدق، والذي أنزل التوراة على موسى والفرقان على محمد ... ومن العجيب أن يروي هذا الخبر الغريب وهب بن منبه .. ).
أقول: عزا أبو ريَّة هذا إلى «تفسير ابن كثير» (٥١٣: ٤ - ٥١٤) كذبًا، وأبدله في التصويبات (٢٨٩: ٤)، وهو كذب أيضًا، وإنما ذكر ابن كثير الحديث وما يتعلق به (١٨٧: ٨ - ١٨٩) (١)، ذكره من حديث أربعة [ص ١٤١] من الصحابة، ثلاثة في «الصحيحين» (٢) أبو هريرة وأبو سعيد الخدري
стр. 312
وسهل بن سعد، وواحد في «صحيح البخاري» (١) فقط وهو أنس، قال ابن كثير: «فهذا حديث ثابت عن رسول الله ﷺ بل متواتر مقطوع بصحته عند أئمة الحديث». ولم أجد هناك ذِكْرًا لوهب (٢)، إنما ذكر ابن كثير أثرًا عن ابن عباس بمعنى الحديث وفيه زيادة، وقال: «هذا أثر غريب إسناده جيد قوي حسن». وأين ابن عباس من وهب بن منبه؟ (فاعتبروا يا أولي الأبصار).
ثم قال أبو ريَّة: (ضعف ذاكرته: كان أبو هريرة يذكر عن نفسه أنه كان كثير النسيان لا تكاد ذاكرته تُمْسِكُ شيئًا مما يسمعه، ثم زعم أن النبيّ ﷺ دعا له فأصبح لا ينسى شيئًا يصل إلى أذنه، وقد ذكر ذلك كي يُسوِّغ كثرة أحاديثه ويُثْبت في أذهان السامعين صحَّة ما يرويه).
أقول: في باب ما جاء في الغرس من «صحيح البخاري» (٣) من طريق الزُّهري عن الأعرج عن أبي هريرة: « ... وقال النبيّ ﷺ : «لن يبسط أحدٌ منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمعه إلى صدره فينسى من مقالتي شيئًا أبدًا». فبسطت نمرة ... ثم جمعتُها إلى صدري، فوالذي بعثه بالحقِّ ما نسيتُ من مقالته تلك إلى يومي هذا». هذه الرواية صريحة في اختصاص عدم النسيان بما حدَّث به النبيّ ﷺ في ذاك المجلس.
وفي باب الحجَّة على من قال ... الخ من كتاب الاعتصام من «صحيح
стр. 313
البخاري» (١) أيضًا من طريق الزهري عن الأعرج أيضًا عن أبي هريرة: « ... وقال: «مَنْ يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه فإنه لن ينسى شيئًا سمعه مني». فبسطت بُرْدة كانت عَليَّ، فوالذي بعثه بالحق ما نسيت شيئًا سمعته منه».
في هذه الرواية إطلاق، ولكنّ السياق ونصَّ الرواية الأولى يقضي بالتقييد.
وفي أوائل البيوع من «صحيح البخاري» (٢) أيضًا من طريق الزهري عن ابن المسيّب وأبي سلمة عن أبي هريرة « .. وقد قال رسول الله ﷺ في حديث يُحدِّثه: «إنه لن يبسط أحدٌ ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمع ثوبه إلا وعى ما أقول». فبسطتُ نَمِرة عَلَيَّ حتى إذا قضى رسول الله مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة رسول الله تلك من شيء».
وهذه الرواية صريحة في الاختصاص أيضًا.
وفي باب حفظ العلم من «صحيح البخاري» (٣) أيضًا من طريق ابن أبي ذئب عن المَقْبري عن أبي هريرة، قلت: يا رسول الله إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه. قال: «ابسط رداءك»، قال: فبسطته، قال: فغرف بيديه [ص ١٤٢] ثم قال: «ضُمّ». فضممت، فما نسيت شيئًا بعد».
هذه الرواية تَصِف ــ فيما يظهر ــ واقعةً أخرى، فكأنَّ أبا هريرة لما
стр. 314
استفاد من الواقعة الأولى حِفْظ المقالة التي حدَّث بها النبيّ ﷺ في ذاك المجلس على وجهها رغب في المزيد، فقال للنبي ﷺ : «إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه»، وهذا القول لا يقتضي ــ كما لا يخفى ــ نسيان كل ما يسمع ولا نسيان المقالة التي تقدم خبرها، على أن المنهوم قد يحمله حرصه على المبالغة في الشكوى. وتقدم (ص ١٠٠) (١) ذكر شهادة النبيّ ﷺ لأبي هريرة بأنه أحرص الصحابة على العلم، وقد تقدم (ص ١٠٥) (٢) ما يتعلّق بذلك. وليس في هذه الرواية ذكر نص من النبيّ ﷺ بعدم النسيان لشيء بعد ذلك، وإنما فيها قول أبي هريرة: «فما نسيتُ شيئًا بعد» يعني شيئًا من الحديث؛ لأن الشكوى إنما كانت من نسيانه، وهذه الكلمة بناها على اعتقاده حين قالها فلا يمتنع أن ينسى بعد ذلك شيئًا من الحديث أو أن يتبين أنه قد كان نسي ولم يستحضر ذلك.
ثم قال أبو ريَّة ص ١٧٨: (روى مسلم عن الأعرج قال: سمعت أبا هريرة يقول: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله، والله الموعد، كنت رجلاً مسكينًا أخدم رسول الله ﷺ على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفقُ بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فقال رسول الله: من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئًا سمعه مني. فبسطت ثوبي حتى قضى حديثه ثم ضممته إليَّ فما نسيت شيئًا سمعته منه.
قال مسلم: إن مالكًا انتهى حديثه عند انقضاء قول أبي هريرة، ولم يذكر في حديثه الرواية عن النبي: من يبسط ثوبه الخ. ولا ريب في أن رواية مالك هي الصحيحة، لأن الكلام بعد ذلك مفكّك الأوصال، ولا صلة بينه وبين الذي قبله).
стр. 315
أقول: كلمة أبي ريَّة الأخيرة: (ولا ريب أن رواية مالك هي الصحيحة ... ) تعطي أنّ الصحيح عن أبي هريرة هو ما اقتصر عليه مالك فقط، ولا يخفى أن هذا يناقض قول أبي ريَّة سابقًا: (ثم زعم أن النبيّ ﷺ دعا له)، ويناقض كلامه الآتي: (على أن هذه الذاكرة ... ) فكلام أبي ريَّة متناقض حتمًا، لا مفكَّك الأوصال فحسب. أما زعمه أن الخبر بتلك الزيادة (مفكك الأوصال ولا صلة بينه وبين الذي قبله) فإنما جاء ذلك مِن اختيار أبي ريَّة للفظ مسلم، والخبر في مواضع من «صحيح البخاري» مرَّت الإشارة إليها، وسياقه هناك سليم.
[ص ١٤٣] ثم قال أبو ريَّة: (على أن هذه الذاكرة ... قد خانته في مواضع كثيرة، وإن ثوبه الذي بسطه قد تمزَّق فتناثر ما كان بين أطرافه، وإليك أمثلة من ذلك: روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبيّ قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة». وقد روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة، ولكن الصحابة عملوا بما يخالفه، فقد روى البخاري عن أسامة بن زيد أن رسول الله قال: «إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها». وقد جاء الحديث كذلك عن عبد الرحمن بن عوف. ولما سمع عمر هذين الحديثين وحديث: «لا يوردن ممرض على مصح» ــ وهو مما رواه أبو هريرة ــ وكان قد خرج إلى الشام ووجد الوباء عاد بمن معه. وقد اضطر أبو هريرة إزاء هذه الأخبار القوية إلى أن يعترف بنسيانه، ثم أنكر روايته الأولى. وفي رواية يونس: قال الحارث بن [أبي] ذباب ابن عم أبي هريرة: قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع حديث: «لا يوردن ممرض على مصح» الخ حديث: «لا عدوى»، فأنكر معرفته لذلك. ووقع عند الإسماعيلي من رواية شعيب: فقال الحارث ابن عم أبي هريرة: إنك حدثتنا، فأنكر أبو هريرة وغضب، وقال: لم أحدثك ما تقول).
أقول: ها هنا أمور تبيّن لنا تهوّر أبي ريَّة ومجازفته:
الأول: حديث: «لا عدوى» لم ينفرد به أبو هريرة، بل هو في
стр. 316
«الصحيحين» (١) وغيرهما من حديث ابن عمر وأنس، وفي «صحيح مسلم» (٢) وغيره من حديث جابر.
الثاني: أن عمل الصحابة ليس مخالفًا له، وقد جمع بينهما أهلُ العلم بما هو معروف، ولبعض العصريين قولٌ سأحكيه ليُنظر فيه. زعم أن العرب كانوا يعتقدون أنّ العدوى تحصل بالمجاورة وحدها بدون سبب آخر، حتى لو كان في شَعْر امرأة وثيابها قَمْلٌ كثير فقامت إلى جانبها امرأة أخرى ثم بعد أيام قَمِلَ شعرُ الأخرى وثيابها لما سمّوا هذا عدوى، لأنهم يعرفون أنه لم يكن للمجاورة نفسها وإنما دبّ القملُ من تلك إلى هذه ثم تكاثر، قال: وحديثا: «لا يُورِدُ مُمْرِض على مُصِحّ» (٣) و «فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد» (٤) يفيدان انتقال الجَرَب والجُذَام، وقد ثبت أنه لا يكون بالمجاورة نفسها وإنما يكون بانتقال ديدان صغيرة جدًّا من هذا إلى ذاك، فهو من قبيل انتقال القمل وليس من العدوى بالمعنى الذي كانوا يعتقدون.
الثالث: أن المنقول أن عمر رجع لِخَبَر عبد الرحمن بن عوف وحده، ولم يُنقل أنّ عمر علم بخبر أسامة، ولا خبر [ص ١٤٤]: «لا يُورِدُ مُمْرِض على مُصِحّ» كما زعم أبو ريَّة.
стр. 317
الرابع: أن الخبر في الطاعون استفاض في عهد عمر، وبقي أبو هريرة يحدّث بحديث: «لا عدوى» زمانًا بعد ذلك، حتى سمعه منه أبو سلمة وغيره ممن لم يدرك عمر.
الخامس: قول أبي ريَّة (وقد اضطر ... ) يعطي أن أبا هريرة لم ينس الحديث، فما معنى قوله بعد ذلك: (وأن يعترف بنسيانه) مع إيراده القصة شاهدًا على النسيان كما زعم؟
السادس: لم يأت أبو ريَّة بدليل ولا شِبْه دليل على دعواه أن أبا هريرة اعترف بأنه نسي.
السابع: اختلف الرواة عن الزهري في حكاية القصة، وأحسنهم سياقًا يونس بن يزيد الأيلي، وقد شهد له ابنُ المبارك بأن كتابه صحيح، وأنه كتب حديثَ الزهريّ على الوَجْه، أي كما تلفَّظ به الزهريُّ (١). وفي روايته في «صحيح مسلم» (٢) بعد كلام الحارث: «فأبَى أبو هريرة أن يعرف ذلك وقال: لا يورِدُ مُمْرِض على مُصِحّ. فماراه الحارثُ في ذلك حتى غضب أبو هريرة فرطَنَ بالحبشية، فقال للحارث: أتدري ماذا قلتُ؟ قال: لا، قال أبو هريرة: قلتُ: أبيتُ. قال أبو سلمة: ولعمري لقد كان أبو هريرة يحدّثنا أن رسول الله ﷺ قال: «لا عدوى». فلا أدري أنسي أبو هريرة أم نَسخَ أحدُ القولين الآخر»؟
ولو صرَّح أبو هريرة بنفي أن يكون حدَّثهم من قبل لجزم أبو سلمة
стр. 318
بالنسيان (١)، لكن لمّا سكت أبو هريرة عن الحديث وامتنع أن يجيبهم سألوه وغضب وقال: أبيت، فَهِمَ بعض الرواة من ذلك إنكاره، فعبَّر بعضُهم عن قول أبي سلمة: «فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك» بقوله: «أنكر أبو هريرة الحديث الأول» ولا يخفى الفرق، فقوله: «أبى أن يعرف» إنما معناه: امتنع أن يقول: نعم قد عرفت. وهذا الامتناع لا يُفْهَم منه الإخبار بنفي المعرفة. ثم جاء بعضُ مَنْ بعدهم فعبَّر عن الإنكار بنسبته إلى أبي هريرة أنه قال: «لم أحدّثْك» كما وقع عند الإسماعيلي (٢) من طريق شعيب، ولا أدري ما سنده؟ وأصل حديث شعيب عند مسلم (٣) لكن لم يسق لفظَه، وعند الطحاوي في «مشكل الآثار» (٢٦٢: ٢) (٤) وليس فيه هذه الكلمة.
وكأنَّ أبا هريرة حدَّث بالحديثين مرة، فتشكَّك بعض الناس في الجمع بينهما، فرأى أبو هريرة أنّ التحديث بهما مظنَّة أن يقع لبعض الناس ارتياب أو تكذيب، فاختار الاقتصار على أحدهما وهو الذي يتعلَّقُ به حكمٌ عمليّ: «لا يُورِدُ ممرضٌ على مُصِح» وسكت عن الآخر، وودَّ أن لا يكون حدَّث به قبل ذلك، فلما [ص ١٤٥] سُئل عنه أبى أن يعترف به، راجيًا أن يكون في ذلك الإباء ما يمنع الذين كانوا سمعوه منه أن يحدّثوا به عنه.
стр. 319
وذكر أبو ريَّة ص ١٧٩ قصة ذي اليدين وقال: (في رواية البخاري أنها صلاة العصر، وفي رواية النسائي ما يشهد أن الشك كان من أبي هريرة وهذا لفظه: صلى النبيّ إحدى صلاتَي العشيّ ولكني نسيت).
أقول: الحديث عند النسائي (١) من طريق «ابن عَون عن محمد بن سيرين قال: قال أبو هريرة: صلى بنا النبيّ ﷺ إحدى صلاتَي العشيّ. قال: قال أبو هريرة: ولكني نسيت ... ». وهو في «صحيح البخاري» (٢) في كتاب المساجد، باب تشبيك الأصابع الخ من طريق «ابن عَون عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتَي العشيّ. قال ابن سيرين: قد سماها أبو هريرة ولكني نسيت أنا ... ». وكلتا الروايتين من طريق ابن عَون عن ابن سيرين. فإن رجَّحْنا رواية الصحيح فذاك وإلا فلا يتمّ الاستشهاد مع التعارض. على أنَّ النسيان هنا لا أثر له، فإن ذاك الحكم إذا (٣) ثبت لإحدى الصلاتين ثبت للأخرى إجماعًا.
قال أبو ريَّة: (ولما روى أن رسول الله قال: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا ودمًا خير من أن يمتلئ شعرًا، قالت عائشة: لم يحفظ، إنما قال ... من أن يمتلئ شعرًا هُجِيتُ به).
أقول: قال الله ﵎: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الآية [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٧].
стр. 320
وقال البخاري في «صحيحه» (١): «باب ما يجوز من الشعر والرَّجَز والحُداء الخ». وذَكَر أحاديث، ثم قال: «باب هجاء المشركين» وذكر أحاديث، ثم قال: «باب ما يُكره أن يكون الغالب على الإنسان الشِّعْر حتى يصدَّه عن ذكر الله والعلم والقرآن» وأخرج فيه حديثَ ابن عمر (٢) عن النبيّ ﷺ : «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا»، ومن حديث أبي هريرة (٣): «لأن يمتلئ جوف رجلٍ قيحًا يَرِيَه خير من أن يمتلئ شعرًا». وأخرج مسلم في «صحيحه» (٤) حديثَ أبي هريرة، ثم أخرج مثله من حديث سعد بن أبي وقاص (٥)، ثم من حديث أبي سعيد الخدري (٦) مثله بدون كلمة «يريه». وقد جاء الحديث في غير «الصحيحين» عن غير هؤلاء من الصحابة (٧).
وأما ما ذكره أبو ريَّة عن عائشة فهو من رواية الكلبي وهو كذَّاب، عن أبي صالح مولى أم هانئ وهو واه. والإناء إذا امتلأ بشيء لم يبق فيه متَّسَع لغيره، فمن امتلأ جوفه شعرًا امتنع أن يكون ممن استثنى في الآية ووصف بقوله: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] وهذا بحمد الله واضح. وقد علّق أبو ريَّة في الحاشية ما لاحاجة بنا بعد ما مرَّ إلى النظر فيه.