← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 339

الأنوار الكاشفة لما في كتاب «أضواء على السنة» - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (505 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

«الصحيحين» (١) وغيرهما من حديث ابن عمر وأنس، وفي «صحيح مسلم» (٢) وغيره من حديث جابر. الثاني: أن عمل الصحابة ليس مخالفًا له، وقد جمع بينهما أهلُ العلم بما هو معروف، ولبعض العصريين قولٌ سأحكيه ليُنظر فيه. زعم أن العرب كانوا يعتقدون أنّ العدوى تحصل بالمجاورة وحدها بدون سبب آخر، حتى لو كان في شَعْر امرأة وثيابها قَمْلٌ كثير فقامت إلى جانبها امرأة أخرى ثم بعد أيام قَمِلَ شعرُ الأخرى وثيابها لما سمّوا هذا عدوى، لأنهم يعرفون أنه لم يكن للمجاورة نفسها وإنما دبّ القملُ من تلك إلى هذه ثم تكاثر، قال: وحديثا: «لا يُورِدُ مُمْرِض على مُصِحّ» (٣) و «فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد» (٤) يفيدان انتقال الجَرَب والجُذَام، وقد ثبت أنه لا يكون بالمجاورة نفسها وإنما يكون بانتقال ديدان صغيرة جدًّا من هذا إلى ذاك، فهو من قبيل انتقال القمل وليس من العدوى بالمعنى الذي كانوا يعتقدون. الثالث: أن المنقول أن عمر رجع لِخَبَر عبد الرحمن بن عوف وحده، ولم يُنقل أنّ عمر علم بخبر أسامة، ولا خبر [ص ١٤٤]: «لا يُورِدُ مُمْرِض على مُصِحّ» كما زعم أبو ريَّة.

стр. 317

الرابع: أن الخبر في الطاعون استفاض في عهد عمر، وبقي أبو هريرة يحدّث بحديث: «لا عدوى» زمانًا بعد ذلك، حتى سمعه منه أبو سلمة وغيره ممن لم يدرك عمر. الخامس: قول أبي ريَّة (وقد اضطر ... ) يعطي أن أبا هريرة لم ينس الحديث، فما معنى قوله بعد ذلك: (وأن يعترف بنسيانه) مع إيراده القصة شاهدًا على النسيان كما زعم؟ السادس: لم يأت أبو ريَّة بدليل ولا شِبْه دليل على دعواه أن أبا هريرة اعترف بأنه نسي. السابع: اختلف الرواة عن الزهري في حكاية القصة، وأحسنهم سياقًا يونس بن يزيد الأيلي، وقد شهد له ابنُ المبارك بأن كتابه صحيح، وأنه كتب حديثَ الزهريّ على الوَجْه، أي كما تلفَّظ به الزهريُّ (١). وفي روايته في «صحيح مسلم» (٢) بعد كلام الحارث: «فأبَى أبو هريرة أن يعرف ذلك وقال: لا يورِدُ مُمْرِض على مُصِحّ. فماراه الحارثُ في ذلك حتى غضب أبو هريرة فرطَنَ بالحبشية، فقال للحارث: أتدري ماذا قلتُ؟ قال: لا، قال أبو هريرة: قلتُ: أبيتُ. قال أبو سلمة: ولعمري لقد كان أبو هريرة يحدّثنا أن رسول الله ﷺ قال: «لا عدوى». فلا أدري أنسي أبو هريرة أم نَسخَ أحدُ القولين الآخر»؟ ولو صرَّح أبو هريرة بنفي أن يكون حدَّثهم من قبل لجزم أبو سلمة

стр. 318

بالنسيان (١)، لكن لمّا سكت أبو هريرة عن الحديث وامتنع أن يجيبهم سألوه وغضب وقال: أبيت، فَهِمَ بعض الرواة من ذلك إنكاره، فعبَّر بعضُهم عن قول أبي سلمة: «فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك» بقوله: «أنكر أبو هريرة الحديث الأول» ولا يخفى الفرق، فقوله: «أبى أن يعرف» إنما معناه: امتنع أن يقول: نعم قد عرفت. وهذا الامتناع لا يُفْهَم منه الإخبار بنفي المعرفة. ثم جاء بعضُ مَنْ بعدهم فعبَّر عن الإنكار بنسبته إلى أبي هريرة أنه قال: «لم أحدّثْك» كما وقع عند الإسماعيلي (٢) من طريق شعيب، ولا أدري ما سنده؟ وأصل حديث شعيب عند مسلم (٣) لكن لم يسق لفظَه، وعند الطحاوي في «مشكل الآثار» (٢٦٢: ٢) (٤) وليس فيه هذه الكلمة. وكأنَّ أبا هريرة حدَّث بالحديثين مرة، فتشكَّك بعض الناس في الجمع بينهما، فرأى أبو هريرة أنّ التحديث بهما مظنَّة أن يقع لبعض الناس ارتياب أو تكذيب، فاختار الاقتصار على أحدهما وهو الذي يتعلَّقُ به حكمٌ عمليّ: «لا يُورِدُ ممرضٌ على مُصِح» وسكت عن الآخر، وودَّ أن لا يكون حدَّث به قبل ذلك، فلما [ص ١٤٥] سُئل عنه أبى أن يعترف به، راجيًا أن يكون في ذلك الإباء ما يمنع الذين كانوا سمعوه منه أن يحدّثوا به عنه.

стр. 319

وذكر أبو ريَّة ص ١٧٩ قصة ذي اليدين وقال: (في رواية البخاري أنها صلاة العصر، وفي رواية النسائي ما يشهد أن الشك كان من أبي هريرة وهذا لفظه: صلى النبيّ إحدى صلاتَي العشيّ ولكني نسيت). أقول: الحديث عند النسائي (١) من طريق «ابن عَون عن محمد بن سيرين قال: قال أبو هريرة: صلى بنا النبيّ ﷺ إحدى صلاتَي العشيّ. قال: قال أبو هريرة: ولكني نسيت ... ». وهو في «صحيح البخاري» (٢) في كتاب المساجد، باب تشبيك الأصابع الخ من طريق «ابن عَون عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتَي العشيّ. قال ابن سيرين: قد سماها أبو هريرة ولكني نسيت أنا ... ». وكلتا الروايتين من طريق ابن عَون عن ابن سيرين. فإن رجَّحْنا رواية الصحيح فذاك وإلا فلا يتمّ الاستشهاد مع التعارض. على أنَّ النسيان هنا لا أثر له، فإن ذاك الحكم إذا (٣) ثبت لإحدى الصلاتين ثبت للأخرى إجماعًا. قال أبو ريَّة: (ولما روى أن رسول الله قال: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا ودمًا خير من أن يمتلئ شعرًا، قالت عائشة: لم يحفظ، إنما قال ... من أن يمتلئ شعرًا هُجِيتُ به). أقول: قال الله ﵎: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الآية [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٧].

стр. 320

وقال البخاري في «صحيحه» (١): «باب ما يجوز من الشعر والرَّجَز والحُداء الخ». وذَكَر أحاديث، ثم قال: «باب هجاء المشركين» وذكر أحاديث، ثم قال: «باب ما يُكره أن يكون الغالب على الإنسان الشِّعْر حتى يصدَّه عن ذكر الله والعلم والقرآن» وأخرج فيه حديثَ ابن عمر (٢) عن النبيّ ﷺ : «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا»، ومن حديث أبي هريرة (٣): «لأن يمتلئ جوف رجلٍ قيحًا يَرِيَه خير من أن يمتلئ شعرًا». وأخرج مسلم في «صحيحه» (٤) حديثَ أبي هريرة، ثم أخرج مثله من حديث سعد بن أبي وقاص (٥)، ثم من حديث أبي سعيد الخدري (٦) مثله بدون كلمة «يريه». وقد جاء الحديث في غير «الصحيحين» عن غير هؤلاء من الصحابة (٧). وأما ما ذكره أبو ريَّة عن عائشة فهو من رواية الكلبي وهو كذَّاب، عن أبي صالح مولى أم هانئ وهو واه. والإناء إذا امتلأ بشيء لم يبق فيه متَّسَع لغيره، فمن امتلأ جوفه شعرًا امتنع أن يكون ممن استثنى في الآية ووصف بقوله: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] وهذا بحمد الله واضح. وقد علّق أبو ريَّة في الحاشية ما لاحاجة بنا بعد ما مرَّ إلى النظر فيه.

стр. 321

[ص ١٤٦] ثم قال أبو ريَّة ص ١٨٠: (ومن عجيب أمر الذين يثقون بأبي هريرة ثقة عمياء أنهم يمنعون السهو والنسيان عنه، ولا يتحرَّجون من أن ينسبوهما إلى النبيّ صلوات الله عليه ... ). أقول: لم يمنع أحدٌ أن يسهو أبو هريرة أو ينسى، ولكننا تصديقًا للنبيّ ﷺ وإيمانًا به وببركة دعائه نقول: إن أبا هريرة لم ينس شيئًا من المقالة التي أخبر النبيّ ﷺ أنه لن ينسى منها شيئًا، وأنه فيما عداها من الحديث كان من أحفظ الناس له. ومن الناس من فهم أن خبر النبيّ ﷺ بعدم النسيان يعمّ ما سمعه أبو هريرة منه في مجلسه ذلك وبعده، وقد مرَّ النظر في ذلك. والخير والفضل والكمال في ذلك كله عائد إلى الله ورسوله، فأما ما عدا الحديث فلم يقل أحدٌ إن أبا هريرة لا يسهو ولا ينسى. ثم قال ص ١٨١: ( ... فلِمَ لم يحفظ القرآن؟). أقول: ومن أين لك أنه لم يحفظه؟ غاية الأمر أنه لم يُذْكَر فيمن جمعَ القرآنَ في العهد النبويّ، والذين ذُكِرُوا أفرادٌ قليلون ليسوا من كبار الصحابة. و أبو هريرة من أئمة القراءات ، وهو فيها أشهر شيخ للأعرج ولأبي جعفر القارئ، وهما أشهر شيوخ نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم أشهر القرَّاء السبعة، وبهذا عُلِم حفظه للقرآن وإتقانه. انظر ترجمته في «طبقات القراء» رقم (١٥٧٤) (١). قال: (وكذلك لو كان أبو هريرة قد بلغ هذه الدرجة ... وهي عدم السهو والنسيان لاشتهر ... ). أقول: قد علمتَ أنّ المتحقِّق هو أنه لم ينس ما حدَّث به النبيّ ﷺ في

стр. 322

مجلس خاصٍّ قد مرَّ بيانه (١)، وكان فيما عدا ذلك مِنْ أحفظهم، وهذا لا يَرِدُ عليه شيء مما ذكر أبو ريَّة. قال ص ١٨٢: (ولكن الأمر قد جرى على غير ذلك ... ). أقول: أعاد أشياء قد تقدم النظر فيها، ويأتي باقيها. ثم قال: (حفظ الوعاءين. أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: حفظت عن رسول الله وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقُطِع هذا البلعوم. وهذا الحديث معارض بحديث ... عن علي ﵁ فقد سئل: هل عندكم كتاب؟ فقال: لا إلا كتاب الله ... أو ما في هذه الصحيفة. وكذلك يعارضه ما رواه البخاري عن عبد العزيز بن رُفَيع قال: دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس، فقال له شداد: أَتَرَكَ النبيّ ﷺ من شيء؟ فقال: ما ترك إلا ما بين الدفّتين، ولوكان هناك شيء يؤثر به النبيّ ﷺ أحد خواصه ... ). [ص ١٤٧] أقول: المنفيّ في خَبَرَي عليّ وابن عباس هو كتاب مكتوب غير القرآن، ولهذا استثنى عليٌّ صحيفتَه. ولم يقصد أبو هريرة ولا فهم أحدٌ من كلامه أن عنده كتابين أو كتابًا واحدًا، وإنما قصد وفهم الناسُ عنه أنه حفظ ضَرْبين من الأحاديث: ضرب يتعلّق بالأحكام ونحوها مما لا يخاف هو ولا مثله من روايته. وضرب يتعلّق بالفتن وذمِّ بعض الناس، وكلُّ أحدٍ من الصحابة كان عنده من هذا وهذا، وكانوا يرغبون عن إظهار ما هو من الضرب الثاني، وقد ذكر أبو ريَّة حذيفةَ وعلمَه بالفتن، وكان ربما حدّث منه بالحرف بعد الحرف، فينكره عليه إخوانه كسلمان وغيره (٢).

стр. 323

وقال ص ١٨٤: (ومَنْ هو أبو هريرة؟ فلا هو من السابقين الأوّلين، ولا المهاجرين). أقول: قدمت (ص ١٠٣) (١) القولَ بأنه أسلم في بَلدِه قبل الهجرة، وبهذا يكون من السابقين إلى الإسلام، ولم يثبت ما يخالف ذلك. فأما من قال: أسلم عام خيبر، فإنما أراد هجرته، وقد ثبت في خبر هجرته أنه قَدِم مسلمًا. فأما الهجرة فهو مهاجر حتمًا وإن لم يكن من قريش ولا من أهل مكة، وإنما أسلمت قبيلتُه بعد أن هاجر بمدة، فقد ثبت أنه وجد النبيّ ﷺ بخيبر عقب الوقعة، وثبت من شعر كعب بن مالك قوله قبيل غزوة الطائف، وذلك بعد خيبر بمدة (٢): قضينا مِن تهامةَ كلّ ريبٍ ... وخيبرَ ثمّ أجْمَمْنا السيوفا نخيِّرها ولو نطقَتْ لقالت ... قواطعُهنَّ دوسًا أو ثقيفًا قال: (ولا من المجاهدين بأموالهم وأنفسهم). أقول: بل هو منهم، فقد غزا مع النبيّ ﷺ غزواته بعد خيبر. وعلق أبو ريَّة في الحاشية: (أثبت التاريخ أنه فرَّ يوم مؤتة، ولما عيَّروه بذلك لم يُحِرْ جوابًا). أقول: لقي المسلمون عدوَّهم بمؤتة وكان عددهم أكثر من نيّف وثلاثين ضعفًا، فكان القتال، ثم انحاز خالد بن الوليد بالمسلمين ورجع بهم، فكان بعض الناس يصيح فيهم: يا فُرَّار، فيقول النبيُّ ﷺ : «بل هم الكُرَّار إن شاء الله

стр. 324

تعالى» (١). قال: (ولا ... ولا من المفتين). أقول: بل هو من المفتين بلا نزاع، غير أنه لم يكن من المكثرين (٢)؛ لأنه كان يتوقَّى ويحبُّ أن يكفيه الفتوى غيره كما تقدم (ص ١٢٣) (٣). وفي «فتوح البلدان» (ص ٩٢ - ٩٣) (٤): أن عمر لما ولَّى قُدامة بن مظعون إمارة البحرين بعث معه أبا هريرة على القضاء والصلاة، ثم ولَّاه الإمارة أيضًا. فتَرْكُ عمر تولَية قدامة القضاء والصلاة مع أنه من السابقين وأهل بدر، وتوليته ذلك أبا هريرة= شهادةٌ قاطعة بأن أبا هريرة من علماء الصحابة (٥)، وأنه أعلم من بعض السابقين البدريين. قال ص ١٨٥: (ولا من القُرَّاء الذين حفظوا القرآن). [ص ١٤٨] أقول: قد تقدم رد هذا آنفًا (ص ١٤٦) (٦). قال: (ولا جاء في فضله حديث عن الرسول) وعلَّق عليه: (روى البخاري

стр. 325

وغيره ... في فضل طائفة كبيرة من أجلاء الصحابة لم نر فيهم أبا هريرة). أقول: نعم، لم يعقد البخاريُّ لذكر أبي هريرة بابًا في فضل الصحابة، لكن عنده في «كتاب العلم» أبواب تخصّ أبا هريرة، كـ «باب حفظ العلم» و «باب الحرص على العلم» (١)، وغير ذلك، وله باب في «صحيح مسلم» (٢) في كتاب فضائل الصحابة، وكذا في السنن و «المستدرك» (٣) وغيرها. وقد مضى أثناء الترجمة أشياء من فضائله ويأتي غيرها. وقال ص ١٨٥: (تشيُّع أبي هريرة لبني أمية). أقول: أسرف أبو ريَّة في هذا الفصل سبًّا وتحقيرًا وتُهَمًا فارغة، وبِحَسْبي أن أقول: قد ورد أن النبيَّ ﷺ لما بعث العلاء بن الحضرمي على البحرين أَصْحَبَه أبا هريرة وأوصاه به خيرًا (٤). ومن ثَمَّ أخذت حال أبي هريرة المالية تتحسَّن، ولم يتحقق لي متى رجع، وبعد وفاة العلاء بن الحضرمي استعمل عمرُ مكانه أبا هريرة (٥). وقَدِمَ أبو هريرة مرَّة على عمر بخمسمائة ألف لبيت المال، فأخبره فاستكثر ذلك ولم يكد يصدِّق. وقدم مرَّة ــ لا أدري هذه أم بعدها ــ بمال كثير لبيت المال، وقَدِمَ لنفسه بعشرة آلاف (٦). وثبت عن ابن سيرين أنّ عمر سأل أبا هريرة فأخبره، فأغلظ له عمر وقال: فمن أين لك؟

стр. 326

فقال: خيل نَتَجَت، وغلَّةُ رقيقٍ لي، وأعطية تتابعت عليَّ (١). قال ابن سيرين: «فنظروا فوجدوه كما قال. فلما كان بعد ذلك دعاه عمر ليستعمله فأبى أن يعمل له، فقال له: تكره العمل وقد طلبه مَنْ كان خيرًا منك؟ طلبه يوسف ﵇. فقال: إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي وأنا أبو هريرة ... » انظر «البداية» (١١٣: ٨) (٢). وابنُ سيرين من خيار أئمة التابعين، والسند إليه بغاية الصحة. قال ابن كثير: «وذكر غيره أنّ عمر غرَّمه» وسيأتي ذلك. فمَنْ كان له في عهد عمر خيلٌ تَناتج ورقيق يغلّ، مع عطائه في بيت المال كغيره من الصحابة، ومع ما كان الأئمة يتعهّدون به الصحابة من الأموال زيادةً على المقرَّر كل سنة بحسب توفّر المال في بيت المال، أقول: من كانت هذه حاله كيف يسوغ أن يقال: إنه إنما تموَّل في عهد بني أمية؟ ويزعم أبو رية ــ من وحي شيطانه ــ أن بني أمية أقطعوا أبا هريرة وبنوا مسكنه بالعقيق وبذي الحُلَيفة، ويجعلها أبو ريَّة قصورًا وأراضي! وأعجب من ذلك: زعمه أنهم زوَّجوه ابنة غزوان. وينعى على أبي هريرة أنه [ص ١٤٩] كان ممن نصر عثمان (وتلك شَكاةٌ ظاهر عنك عارُها) (٣). ويزعم أنه مال

стр. 327

إلى معاوية، وهذه من وحي الشياطين، وتقوُّلات الرافضة والقصَّاصين، ولا نثبت لأبي هريرة صلة بمعاوية إلا أنه وفد إليه بعد استقرار الأمر له كما كان يَفِدُ إليه بنو هاشم وغيرهم. وينعى علىه استخلاف مروان له على إمرة المدينة، وتقدَّم (ص ١٠٨) (١) أن ذاك الاستخلاف لم يزد أبا هريرة إلا تواضعًا وانكسارًا وتهاونًا بالإمارة، فإن كان لذلك أثر فهو إحياؤه كثيرًا من السنة، كما تقدم. وأحاديث أبي هريرة في فضائل أهل البيت معروفة، وكذلك محبَّته لهم وتوقيره، وشدّة إنكاره على بني أمية لما منعوا أن يُدفَن الحسن بن عليّ مع جَدّه ﷺ ، وقوله لمروان في ذلك: «والله ما أنت بوالٍ، وإن الوالي لغيرُك، فدعه، ولكنك تدخل فيما لا يعنيك، وإنما تريد بهذا إرضاء من هو غائب عنك» يعني معاوية. راجع «البداية» (١٠٨: ٨) (٢). ومن المتواتر عنه: تعوُّذه بالله من عام الستين وإمارة الصبيان (٣)، كان يعلن هذا ومعاوية حيّ، وذلك يعني موت معاوية وتأمّر ابنه يزيد، وقد كان ذلك عام الستين بعد موت أبي هريرة بمدَّة. قال أبورية ص ١٨٨: (روى البيهقي عنه: أنه لما دخل دار عثمان وهو محصور استأذن في الكلام، ولما أُذن له قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنكم ستلقون بعدي فتنة واختلافًا، فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله ... أو ما تأمرنا؟ فقال:

стр. 328

عليكم بالأمين وأصحابه، وهو يشير إلى عثمان. وقد أورده أحمد بسند جيد). أقول: الحديث في «المستدرك» (٩٩: ٣) وفيه: «عليكم بالأمير» وهو الظاهر، وفي سنده مقال لكنه ليس بمنكر. وقول أبي هريرة: «وهو يشير إلى عثمان» يريد أنه يفهم أن النبيّ ﷺ أشار بقوله: «الأمير» إلى عثمان. ولو أراد أبو هريرة ــ وقد أعاذه الله ــ أن يكذب لجاء بلفظ صريح مؤكّد مشدّد. قال: (ولما نسخ عثمان المصاحف دخل عليه أبو هريرة فقال: أصبت ووُفّقت، أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول ... ، قال فأعجب ذلك عثمان وأمر لأبي هريرة بعشرة آلاف. وهذا الحديث من غرائبه وهو ينطق ولا ريب بأنه ابن ساعته). أقول: عزاه أبو ريَّة إلى «البداية» (٢١٦: ٧) (١) وهو هناك من رواية الواقدي، وهو متروك مرميّ بالكذب، عن [أبي بكر بن عبد الله بن محمد] بن أبي سبرة، وهو كذَّاب يضع الحديث. [ص ١٥٠] قال: «ومن غرائبه كذلك ما رواه البيهقي قال: أُصبت بثلاث مصيبات ... » ذكر قصة المِزْوَد مطوَّلة، وأسرف أبو ريَّة في التندُّر والاستهزاء، وعزا الخبر إلى «البداية» (١١٧: ٦) (٢) وهو مرويّ من طرق في أسانيدها ضعف، واللفظ الذي ساقه أبو ريَّة من رواية يزيد بن أبي منصور الأزدي عن أبيه عن أبي هريرة. وأبو منصور الأزدي مجهول ولا يُدْرَى أدرك أبا هريرة أم لا؟ وفيه: أن المِزْود ذهب حين قُتل عثمان. قال أبو ريَّة: (وهذا الحديث رواه عنه أحمد ولكن قال فيه ... وعلقه في سقف البيت ... ).

стр. 329

أقول: أما هذه الرواية فرجالها ثقات (١)، ولفظه: «أعطاني رسول الله ﷺ شيئًا من تمر فجعلته في مِكْتَل، فعلَّقناه في سقف البيت، فلم نَزَلْ نأكل منه حتى كان آخره أصابه أهلُ الشام حيث أغاروا على المدينة» يعني مع بُسْر بن أرطاة، وذلك بعد قتل عثمان بمدة (٢)، وهذه الرواية الأخيرة ليس فيها ما يُنكَر، والظاهر أن الإعطاء كان في أواخر حياة النبيّ ﷺ . وقد جاءت أحاديثُ كثيرة بمثل هذا مِنْ بركة ما يدعو فيه النبيّ ﷺ ، وهذا المعنى متواتر قطعًا، حتى كان عند الصحابة كأنه من قبيل الأمور المعتادة من كثرة ما شاهدوه. ومَن يؤمن بقُدرة الله عزوجل وإجابته دعاءَ نبيِّه وخَرْق العادة له لا يستنكر ذلك. نعم يَتوقَّف عما يرويه الضعفاء والمجهولون؛ لأنّ من شأن القُصَّاص وأضرابهم أن يطوِّلوا القضايا التي من هذا القبيل، ويزيدوا فيها، ويغيروا في أسانيدها، والله المستعان. قال أبو ريَّة ص ١٨٩: (ومما [زعم المفتري أن أبا هريرة] وضعه في معاوية: ما أخرجه الخطيب عنه: ناول النبيّ ﷺ معاوية سهمًا فقال: خذ هذا السهم حتى تلقاني به في الجنة). أقول: في سنده وضَّاح بن حسّان عن وزير بن عبد الله ــ ويقال ابن عبد الرحمن ــ الجزري عن غالب بن عبيد الله العقيلي. وهؤلاء الثلاثة كلهم هَلْكَى مُتَّهمون بالكذب، ورابعهم أبو ريَّة القائل: إن أبا هريرة كيتَ وكيتَ. والخبر أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣)، وقد تفنَّن فيه الكذابون فرووه من حديث جابر، ومن حديث أنس، ومن حديث ابن عمر، وغير

стр. 330

ذلك. راجع «اللآلي المصنوعة» (٢١٩: ١) (١). قال: (وأخرج ابن عساكر وابن عدي والخطيب البغدادي عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله ائتمن على وحيه ثلاثة أنا وجبريل ومعاوية .. ). [ص ١٥١] أقول: وهذا أيضًا من أحاديث «الموضوعات» (٢)، راجع «اللآلي المصنوعة» (٢١٦: ١ - ٢١٨) (٣)، وقد تلاعب به الكذابون فرووه تارة عن واثلة، وتارة عن أنس، وتارة عن أبي هريرة، ورووا نحوه في أمانة معاوية من حديث عليّ، وابن عباس، وعُبادة بن الصامت، وجابر، وابن عمر، وعبد الله بن بُسر. فإن لزم مِن نِسْبة الخبرَين إلى أبي هريرة ثبوتهما عنه لزم ثبوتهما عمن ذُكِرَ معه من الصحابة، بل يلزم في جميع الأحاديث الضعيفة والموضوعة ثبوتها عمن نُسِبت إليهم من الصحابة. ومعنى هذا أنَّ كلّ فرد من أفراد الرواة معصوم عن الكذب والغلط إلا الصحابة، ولا ريب أنَّ في الرواة المغفَّل والكذَّاب والزنديق، ولعل أبا ريَّة أن يكون خيرًا من بعضهم فيكون معصومًا، فلماذا لا يستغني بهذه العصمة ويطلق أحكامه كيف يشاء، ويريح نفسه وغيره من طول البحث والتفتيش في الكتب؟ قال: (ونظر أبو هريرة إلى عائشة بنت طلحة ... ، فقال: ... والله ما رأيت وجهًا أحسن منك إلا وجه معاوية على منبر رسول الله). أقول: عزاه إلى «العقد الفريد» (٤)، والحكاية فيه بلا سند، وحاول

стр. 331

صاحب «الأغاني» (١) إسنادَها على عادته فلم يجاوز بها المدائني، وبَيْن المدائني وأبي هريرة نحو قرن ونصف، وهؤلاء سَمَريُّون إذا ظفروا بالنكتة لم يهمّهم أَصِدْقًا كانت أم كَذِبًا، والعلمُ وراء ذلك. قال: (ولقد بلغ من مناصرته لبني أمية أنه كان يحث الناس على ما يطالب به عمالهم من صدقات، ويحذرهم أن يَسُبُّوهم. قال العجاج: قال لي أبو هريرة: ممن أنت؟ قلت: من أهل العراق. قال: يوشك أن يأتيك بقعان الشام فيأخذوا صدقتك، فإذا أتوك فتلقّهم بها، فإذا دخلوها فكن في أقاصيها وخلِّ عنهم وعنها، وإياك إن تَسُبَّهم فإنك إن سَبَبْتَهم ذهب أجرك وأخذوا صدقتك، وإن صبرت جاءت في ميزانك يوم القيامة). أقول: عزاه إلى «الشعر والشعراء» (٢) لابن قتيبة، والحكاية فيه بلا سند، فإنْ صحَّت فإنما هي نصيحة لا تدلّ إلا على النُّصْح لكلّ مسلم، والإسلام يقضي بوجوب أداء الصدقة إلى عُمّال السلطان إذا طلبها وبحُرْمة سبِّهم إذا أخذوها. ولو منع العَجاجُ الصدقةَ لأُهين وأُخِذت منه قهرًا، ولو سبّ قابضيها لأثم وضرَّ نفسه ولم يضرَّهم شيئًا. ويكاد أبو ريَّة ينقم على أبي هريرة قوله: لا إله إلا الله، ويبني على [ص ١٥٢] ذلك تهمة. قاتل الله اللَّجاج! وقال ص ١٩٠: (وَضْعُه [بزعم المفتري] أحاديث على عليّ. قال أبو جعفر الإسكافي: إن معاوية حمل قومًا من الصحابة والتابعين على رواية أخبار قبيحة على

стр. 332

عليّ تقتضي الطعنَ فيه والبراءةَ منه، وجعل لهم في ذلك جُعْلًا، فاختلقوا ما أرضاه، منهم أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عُروة بن الزبير). أقول: قد تقدم النظر في ابن أبي (١) الحديد والإسكافي (ص ١٠٩) (٢)، وهذه التهمة باطلة قطعًا، فأبو هريرة والمغيرة وعمرو ومعاوية صحابيون، وكلُّهم عند أهل السنة عدول، ثم كانت الدولة لبني أمية، فلو كان هؤلاء يستحلّون الكذبَ على النبيِّ ﷺ في عَيب عليٍّ لامتلأ «الصحيحان» فضلاً عن غيرهما بِعَيبه وذمِّه وشَتْمه، فما بالنا لا نجد عن هؤلاء حديثًا صحيحًا ظاهرًا في عيب عليٍّ ولا في فضل معاوية؟ راجع (ص ٦٤) (٣). وعروةُ من كبار التابعين الثقات عند أهل السنة، لا نجد عنه خبرًا صحيحًا في عيب عليّ. فأما الأكاذيب الموضوعات فلا دخل لها في الحساب، على أنك تجدها تُنْسَب إلى هؤلاء وغيرهم في إطراء عليّ أكثر جدًّا منها في الغضّ منه. قال: (وروى الأعمش قال: لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ثم ضرب صلعته مرارًا وقال: يا أهل العراق! أتزعمون أني أكذب على الله وعلى رسوله وأحرق نفسي بالنار؟ والله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن لكل نبي حَرَمًا، وإن حرمي المدينة ما بين عَيْر إلى ثَوْر، فمن أحدث فيها حدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وأشهد بالله أن عليًّا أحدث فيها» فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاه إمارة المدينة).

стр. 333

أقول: هذا من حكاية ابن أبي الحديد (١/ ٣٥٩) (١) عن الإسكافي، وراجع (ص ١٠٩) (٢) ولا ندري سنده إلى الأعمش، وقد تواتر عن الأعمش رواية الحديث بنحو ما هنا: «عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: خَطَبَنَا عليّ ... » فذكر ما في صحيفته وذكر الحديث (٣)، فهو ثابت من رواية عليّ نفسِه. ولا نعرف أنَّ أبا هريرة قَدِم مع معاوية، ولا أنَّ معاوية ولَّاه المدينة لا في ذلك الوقت ولا بعده، إنما استخلفه مروانُ على إمرتها بعد ذلك بزمان. قال ص ١٩١: (وعلى أن الحقّ لا يعدم أنصارًا ... فقد روى سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم عن عمر بن عبد الغفار: أن أبا هريرة لمَّا قدم الكوفة مع معاوية ... فجاء شابّ من أهل الكوفة [ص ١٥٣] ... فقال: يا أبا هريرة أنشدك الله أَسَمِعْتَ رسول الله يقول لعلي بن أبي طالب: «اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه؟ » فقال: اللهم نعم. فقال: أشهد بالله لقد واليتَ عدوَّه وعاديتَ وليَّه. ثم قام عنه). أقول: وهذا أيضًا عن ابن أبي الحديد عن الإسكافي (٤)، ولا ندري ما سنده إلى الثوري؟ وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر من شيوخ الثوري (٥)، فمَنْ عمر بن عبد الغفار؟ إنما المعروف عَمْرو بن عبد الغفار الفُقَيمي، صغير لم يدرك عبد الرحمن فكيف يروي عنه عبد الرحمن؟ مع أن عَمْرًا هالك مُتَّهَم بالوضع في فضائل لأهل البيت ومثالب لغيرهم (٦)، وبينه

стр. 334

وبين الواقعة رجلان أو ثلاثة فمَنْ هم؟ يظهر أن هذا تركيب من بعض الجَهَلة بالرواة وتاريخهم، ولهذا ترى الإسكافي وأضرابه يُغَطُّون على جَهَلة مَن يأخذون عنه مفترياتهم بترك الإسناد، ويكتفون بالتناوش مِن مكان بعيد. ثم لو صحّ الخبر لكان فيه براءة لأبي هريرة (وهو بريء على كلِّ حال) فإنه لم يستجز كتمان الحديث في فضل عليّ ﵁ فكيف يتوهّم عليه ما هو أشدّ؟ أما الموالاة فأيُّ موالاة كانت منه؟ سلَّم الحسنُ بن عليّ الأمرَ لمعاوية، وبايعه هو وإخوته وبنو عمه وسائر بني هاشم والمسلمون كلّهم وأبو هريرة. ثم ذكر أبورية شيئًا من فضائل عليِّ ﵁، ولا نزاع في ذلك، وقد جاء عن أبي هريرة أحاديثُ كثيرة في فضائل أهل البيت تراها في «خصائص عليّ» (١) و «المستدرك» (٢) وغيرهما، ولو لم يكن له إلا قصَّته عند وفاة الحسن بن علي؛ كان الحسن قد استأذن عائشة أن يُدْفَن مع جدِّه النبيِّ ﷺ فأذنت، فلما مات قام مروان ومن معه من بني أمية في منع ذلك، فثار أبو هريرة وجعل يقول: أتنفسون على ابن نبيّكم بتربة تدفنونه فيها، وقد سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «من أحبَّهما فقد أحبَّني ومن أبغضهما فقد أبغضني» (انظر «المستدرك» ١٧١: ٣) (٣). وجرى له يومئذ مع مروان ما جرى مما تقدم بعضه (ص ١٤٩) (٤) وباقيه في «البداية» (١٠٨: ٨) (٥).

стр. 335

ثم قال أبورية ص ١٩٢: (سيرته وولايته: استعمل عمر أبا هريرة على البحرين سنة ٢١ ثم بلغه عنه أشياء تخلّ بأمانة الوالي العادل فعزله ... واستدعاه وقال له: ... ). أقول: قول أبي ريَّة (بلغه عنه الخ) من تظنِّي أبي ريَّة، وستعلم بطلانه. وأما ما ذكره بعد ذلك فلم يعزه إلى كتاب، وسأذكر ما أثبته المتحرُّون من أهل العلم، وأقدّم قبل ذلك مقدمة: [ص ١٥٤] كان عمر ﵁ يحبّ للصحابة ما يحبّ لنفسه، فكان يكره لأحدهم أن يدخل عليه مالٌ فيه رائحة شبهة، وله في ذلك أخبار معروفة في سيرته؛ كان معاذ بن جبل من خيار أصحاب النبيّ ﷺ ، جاء عن النبيّ ﷺ أنه قال: «يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماء بِرَتْوة» (١). وقال أيضًا: «وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل» (٢). وكان معاذ سَمْحًا كريمًا،

стр. 336

فرَكِبَتْه ديون، فقسم النبيّ ﷺ مالَه بين غرمائه، ثم بعثه على اليمن ليجبُرَه، فعاد بعد وفاة النبيّ ﷺ ومعه مال لنفسه، فلقيه عمر فأشار عليه أن يدفع المال إلى أبي بكر ليجعله في بيت المال، فأبى وقال: إنما بعثني رسول الله ﷺ ليجبرني. ثم رأى رؤيا فسمحت نفسُه، فذهب إلى أبي بكر وبذل له المال، فقال أبو بكر: قد وهبته لك. فقال عمر: الآن حلَّ وطاب. يعني أنَّ الشبهة التي كانت فيه هي احتمال أن يكون فيه حق لبيت المال، فلما طيَّبه له أبو بكر ــ وهو الإمام ــ صار كأنه أعطاه من بيت المال، لاعتقاده أنه مستحق، فبذلك حلَّ وطاب. (انظر ترجمة معاذ من «الاستيعاب» (١) و «المستدرك» ٢٧٢: ٣). فلما اسْتُخْلِف عمر جرى على احتياطه، فكان يُقاسم عمالَه أموالَهم، فيجعل ما يأخذه منهم في بيت المال، قال ابن سيرين: «فكان يأخذ منهم ثم يعطيهم أفضل من ذلك» كما سيأتي، وكان عمر يتخوَّف عليهم أن يكون الناس راعوهم في تجارتهم ومكاسبهم لأجل الإمارة، فكان يأخذ منهم ما يأخذ ويضعه في بيت المال لتبرأ ذممُهم، ثم يعطيهم بعد ذلك من بيت المال بحسب ما يرى من استحقاقهم، فيكون حِلًّا لهم بلا شبهة. وقد قاسَم مِن خيارهم سعد بن أبي وقاص وغيره، كما ذكره ابن سعد (٢) وغيره. وكان عمر ﵁ للصحابة بمنزلة الوالد، يعطف ويشفق ويؤدِّب ويشدّد، وكان الصحابة ﵃ قد عرفوا له ذلك، وقد تناول بدِرَّته بعضَ أكابرهم كسعد بن أبي وقاص، وأُبيِّ بن كعب، ولم يزده ذلك عندهم

стр. 337

إلا حُبًّا (انظر «سنن الدارمي» (١): باب مَن كَرِه الشهرة والمعرفة. و «طبقات ابن سعد» (٢): ترجمة عمر). فأهلُ العلم والإيمان ينظرون إلى ما جرى من ذلك نظرةَ غبطةٍ وإكبارٍ لعمر ولمن أدَّبه عمر. وأهل الأهواء ينظرون نظرةَ طَعْنٍ على أحد الفريقين كما صنعه أبو ريَّة هنا، وكما يصنعه الرافضة في الطعن على عمر، أو على الفريقين معًا كما ذكره أبو ريَّة ص ٥٢ في ذكر عمر: (قلَّ أن يكون في الصحابة من سلم مِن لسانه أو يده). أما أبو هريرة فقد كان النبيّ ﷺ بعثه مع العلاء بن الحضرميّ إلى البحرين وأوصاه به خيرًا [ص ١٥٥] فاختار أن يكون مؤذِّنًا، كما في «الإصابة» (٣) و «البداية» (٤) وغيرهما. ثم رجع العلاء في حياة النبيّ ﷺ كما في «فتوح البلدان» (ص ٩٢) ورجع معه أبو هريرة (٥)، ثم بعث عمر سنة ٢٠ أو نحوها قُدامةَ بن مظعون على إمارة البحرين وبعث معه أبا هريرة على الصلاة والقضاء، ثم جرت لقُدامة قضية معروفة (٦)، فعَزَله عمر وولَّى أبا هريرة الإمارة أيضًا، ثم قَدِم أبو هريرة بمالٍ لبيتِ المال ومالٍ له، قال ابن كثير في «البداية» (٨: ١١٣) (٧): «قال عبد الرزّاق: حدثنا مَعْمر عن أيوب

стр. 338

عن ابن سيرين: أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين، فقَدِم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرتَ بهذه الأموال (١) أيْ عدوَّ الله وعدوَّ كتابه؟ فقال أبو هريرة: لستُ بعدوِّ الله ولا عدوّ كتابه، ولكن عدوّ مَن عاداهما. فقال: فمِنْ أين هي لك؟ قال: خَيْلٌ نتجَتْ، وغلَّة رقيقٍ لي، وأعْطِيَة تتابعت عَلَيَّ، فنظروا، فوجدوه كما قال. فلما كان بعد ذلك دعاه ليستعمله، فأبى أن يعمل له، فقال له: تكره العمل وقد طلبه من كان خيرًا منك، طلبه يوسف ﵇؟ فقال: إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي، وأنا أبو هريرة ابن أميمة، وأخشى ثلاثًا واثنتين. قال عمر: فهلّا قلت: خمسة (؟ ) قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأقضي بغير حلم، أو يُضرب ظهري، ويُنتزع مالي، ويُشتم عرضي». والسند بغاية الصحة. وفي «فتوح البلدان» (ص ٩٣) (٢) من طريق يزيد بن إبراهيم التستري عن ابن سيرين عن أبي هريرة: أنه لما قَدِم من البحرين ... فذكر أول القصة نحوه، وفيه: «فقبضها منه». والسند صحيح أيضًا. وأخرجه أيضًا من طريق أبي هلال الراسبي عن ابن سيرين عن أبي هريرة، فذكر نحوه إلا أنه وقع فيه: «اثنا عشر ألفًا» والصواب الأول؛ لأن أبا هلال في حفظه شيء. وفيه: «فلما صليت الغداة قلت: اللهم اغفر لعمر. قال: فكان يأخذ منهم ويعطيهم أفضلَ من ذلك». وفي «تاريخ الإسلام» للذهبي (٣٣٨: ٢) (٣): «همام بن يحيى حدثنا

стр. 339

إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: أن عمر قال لأبي هريرة: كيف وجدت الإمارة؟ قال: بعثتني وأنا كاره، ونزعتني وقد أحببتها. وأتاه بأربعمائة ألف من البحرين، فقال: أظلمْتَ أحدًا؟ قال: لا. قال: فما جئت به لنفسك؟ قال: عشرين ألفًا. قال: من أين أصبتها؟ قال: كنت أَتَّجِر. قال: انظر رأس مالك ورزقك فخذه واجعل الآخر في بيت المال». فكأنه قَدِم لنفسه بعشرين ألفًا، فقاسمه عمر كما كان يقاسم سائر عُمَّاله، فذكر ابن سيرين عشرة الآلاف المأخوذة لبيت المال. [ص ١٥٦] فقد تحقق بما قدمنا من الروايات الصحيحة أن المال الذي جاء به أبو هريرة لنفسه من البحرين كان من خيله ورقيقه وأعطيته، وأَخْذُ عمر له أو لبعضه لا يدلّ إلّا على ما قدَّمْنَا من الاحتياط، ثم يعطيهم خيرًا منه. ومما يوضِّح براءة أبي هريرة في الواقع وعند عمر: إظهاره المال، وعزم عمر على توليته فيما بعد، وامتناع أبي هريرة من ذلك. ثم قال أبو ريَّة ص ١٩٣: (وفاته. مات أبو هريرة سنة ٥٧ أو سنة ٥٨). أقول: أو سنة ٥٩ كما في «التهذيب» (١) وغيره، وهو قول الواقدي وابن سعد (٢). قال: (عن ثمانين سنة). أقول: المعروف «عن ثمانٍ وسبعين سنة».

стр. 340

قال: (وصلَّى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وكان يومئذ أميرًا على المدينة تكريمًا له). أقول: هذا رواه الواقدي (١) بسند فيه نظر، ولكنها السنة التي كانوا يعملون بها: أن يكون الأمير هو الذي يصلِّي على الموتى بدون تفريق. قال: (ولما كتب الوليد إلى عمه ... أرسل ... ادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم ... وهكذا يترادف رفدهم له حتى بعد وفاته). أقول: هذا رواه الواقدي (٢) بسندٍ فيه نظر، وفيه: «فإنه كان ممن نصر عثمان وكان معه في الدار». وإنما حذف أبو ريَّة هذا ليوهم غيره. ثم ذكر أبو ريَّة كلمات لصاحب «المنار» قال في أبي هريرة: ( ... فأكثر أحاديثه لم يسمعها من النبيّ ﷺ وإنما سمعها من الصحابة والتابعين). أقول: فيه مجازفتان: الأولى: زَعَم أنّ أكثر أحاديثه لم يسمعها من النبيّ ﷺ . ونحن إذا (٣) نظرنا إلى أحاديثه التي رواها عن غيره من الصحابة وجدناها يسيرة، ثم إذا نظرنا في أحاديثه التي يرويها عن النبيّ ﷺ رأسًا ولا يصرِّح بالسماع منه، قلّما نجد فيها ما يُعْلَم مِن مَتْنه أنه كان في المُدَّة التي لم يدركها أبو هريرة، مع أننا نجد عن غيره أحاديث كثيرة تتعلق بتلك المدة، فهذا مع ما تقدم (ص ١٠٦ و ١١٨ - ١١٩) (٤) وغيرها، وما يأتي بعدُ من شهادة الصحابة له

стр. 341

يقضي بعكس الدعوى المذكورة. [ص ١٥٧] المجازفة الثانية: زَعَم أنّ بعض أحاديثه سمعها من التابعين، إن أريد أحاديثه عن النبيّ ﷺ ، فإننا لا نعرف له حديثًا كذلك، ورواية الصحابي الذي سمع من النبيّ ﷺ كأبي هريرة عن تابعيّ عن صحابيّ عن النبيّ ﷺ بغاية القِلّة، وإنما ذكروا من هذا الضرب حديثًا لسهل بن سعد وآخر للسائب بن يزيد، وقد تُوُفِّي النبيُّ ﷺ وسهل ابن خمس عشرة سنة، والسائب ابن سبع سنين، وذكروا أن الحافظ العراقي تَتَبَّع ما يدخل في هذا الضرب فجمع عشرين حديثًا (١)، لعل منها ما لا يصح، وباقيها من أحاديث أصاغر الصحابة كالسائب. قال: (وقد ثبت أنه كان يسمع من كعب الأحبار). أقول: أيَّ شيء سمع منه؟ إنما سمع منه أشياء يحكيها عن صحف أهل الكتاب، وذلك فنّ كعب. قال: (وأكثر أحاديثه عنعنة). أقول: أما عنعنته فقد قدمنا (ص ١١٤ - ١١٧) (٢) أنها تكون على احتمالين: إمّا أن يكون سمع من النبيّ ﷺ ، وإما عن صحابي آخر عن النبيّ ﷺ . فأما الاحتمال الثالث: أن يكون إنما سمع من تابعي ــ كعب أو غيره ــ ومع ذلك رواه عن النبيّ ﷺ = فهذا من أَبْطَل الباطل قطعًا، وراجع ما تقدم

стр. 342

(ص ٧٣ - ٧٥ و ٨٢ و ٨٩ و ٩٤ و ٩٩ و ١٠٩ - ١١٠) (١). ولا أدري أين كان أهل العلم من الصحابة والتابعين وأتباعهم وهَلُمَّ جرًّا عن هذا الاحتمال حتى يُثَار في القرن الرابع عشر؟ بل أين كان وعد الله ﵎ بحفظ دينه وشريعته، فلم ينبّههم لهذا الاحتمال طوال تلك القرون؟ بل أين كان الشيطان عن هذا الاحتمال، فلم يوسْوِس به لأحد منهم؟ كلَّا، كانوا أعلمَ وأتقى من أن يطمع الشيطانُ أن ينصاعوا لوسوسةٍ مثل هذه. ومن تدبَّر ما تقدَّم (ص ١١٤ - ١١٧) (٢) عَلِم أن هذا الاحتمال الثالث معناه اتهام الصحابيّ بالكذب، فإذا كانت الأدلة تبرِّئ أبا هريرة ونظراءه من الكذب فإنها تبرئهم من هذا. قال: (على أنه صرح بالسماع في حديث: خلق الله التربة يوم السبت، وقد جزموا بأن هذا الحديث أخذه عن كعب الأحبار). أقول: قد تقدّم النظرُ في هذا الحديث (ص ١٣٥ ــ ١٣٩) (٣) بما يقتلع الشبهةَ من أصلها، ولله الحمد. [ص ١٥٨] قال ص ١٩٤: (وقال: إنه يكثر في أحاديثه الرواية بالمعنى). أقول: هذه مجازفة، وأبو هريرة موصوف بالحفظ كما مرَّ ويأتي. قال: (وقال: إنه انفرد بأحاديث كثيرة ... ). أقول: قد تتبَّع أبو ريَّة عامّة ذلك، وتقدم النظر في بعضها ويأتي الباقي.

стр. 343

قال ص ٩٥: (وقال وهو يبين أن بَطَلَي الإسرائيليات ... هما كعب الأحبار ووهب بن منبه: وما يدرينا أن كل [تلك] الروايات ــ أو الموقوفة منها ــ ترجع إليهما ... ). أقول: كلمة (تلك) ثابتة في مصدر أبي رية، والكلام هناك في رواياتٍ جاءت في قضية خاصة، فأهمل أبو ريَّة بيان ذلك وأسقط كلمة «تلك»؛ ليُفْهِمك أنّ صاحب «المنار» يجيز أن تكون المرويّات الإسلامية كلها راجعة إلى كعب ووهب. وأعاد ص ١٩٦ - ١٩٧ بعضَ دعاويه ومزاعمه، وقد تقدَّم ويأتي ما فيه كفاية. ثم قال ص ١٩٨: (أمثلة مما رواه أبو هريرة: أخرج البخاري ومسلم عنه قال: أُرسل ملك الموت إلى موسى ﵉، فلما جاءه صكّه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت. فردّ الله عليه عينه (١)، وقال: «ارجع فقل له يضع يده على متن ثور، فله بكلّ ما غطَّتْ يدُه بكل شعرة سنة. قال: أي ربّ ثم ماذا؟ قال: ثم الموت. قال: فالآن. فسأل (٢) الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر. قال رسول الله ﷺ : فلو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الكثيب الأحمر. وفي رواية لمسلم. قال: فلطم موسى عين مَلَك الموت ففقأها). أقول: القصة على ما ذكر هنا من كلام أبي هريرة. وإنما الذي من كلام النبيّ ﷺ قوله: «فلو كنت ثَمَّ ... الخ» وليس فيه ما يُستشكل. فأما القصة فقد أجاب عنها أهل العلم، وسألخص ذلك.

стр. 344

ثبتَ بالكتاب والسنَّة أنّ الملائكة قد يتمثَّلون في صُوَر الرجال، وقد يراهم كذلك بعضُ الأنبياء فيظنهم من بني آدم، كما في قِصّتهم مع إبراهيم ومع لوط ﵉ ــ اقرأ من سورة هود الآيات ٦٩ - ٨٠، وقال الله تعالى في مريم ﵍: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٧ - ١٨]. وفي السُّنة أشياء من ذلك، وأشهرها ما في حديث السؤال عن الإيمان والإسلام والإحسان. [ص ١٥٩] فمن كان جاحدًا لهذا كله أو مرتابًا فيه فليس كلامنا معه، ومن كان مصدِّقًا علم أنه لا مانع أن يتمثّل مَلَك الموت رجلًا ويأتي إلى موسى فلا يعرفه موسى. الجسد المادي الذي يتمثّل به الملك ليس جسده الحقيقي، وليس مِن لازم تمثُّله فيه أن يخرج الملك عن مَلَكيته، ولا أن يخرج ذاك الجسم المادي عن مادِّيته، ولا أن تكون حقيقة الملك إلى ذاك الجسم كنسبة أرواح الناس إلى أجسامهم، فعلى هذا لو عرض ضربٌ أو طعن أو قطع لذاك الجسم، لم يلزم أن يتألم بها المَلَك، ولا أن تؤثِّر في جسمه الحقيقي. ما المانع أن تقتضي حكمة الله أن يتمثَّل ملك الموت بصورة رجل ويأمره الله أن يدخل على موسى بغتةً ويقول له مثلًا: سأقبض روحك. وينظر ماذا يصنع؟ لتظهر رغبة موسى في الحياة وكراهيته للموت، فيكون في قَصِّ ذلك عبرة لمن بعده. فعلى هذا فإن موسى لما رأى رجلًا لا يعرفه دخل بغتةً وقال ما قال، حمله حبُّ الحياة على الاستعجال بدفعه، ولولا شدّة حبِّ الحياة لتأنَّى وقال: مَن أنت وما شأنك؟ ونحو ذلك. ووقوع الصّكَّة وتأثيرها كان على ذاك الجسد العارض، ولم ينل الملك بأس. فأما قوله في القصة: «فردّ الله عليه عينه» فحاصله أن الله تعالى أعاد

стр. 345

تمثيل الملك في ذاك الجسد المادي سليمًا، حتى إذا رآه موسى قد عاد سليمًا مع قُرب الوقت عرفَ لأوّل وهلة خطأه أول مرة. قال أبو ريَّة: (وفي تاريخ الطبري عن أبي هريرة أن ملك الموت ... ). أقول: رجاله كلّهم موصوفون بأنهم ممن يخطئ، فلا يصح عن أبي هريرة (١). قال: (وأخرجا كذلك عنه قال النبيّ ﷺ : تحاجَّت الجنة والنار ... ). أقول: قد وافق أبا هريرة على هذا الحديث أنس بن مالك وحديثه في «الصحيحين» (٢) وغيرهما، وأبو سعيد وحديثه في «صحيح مسلم» (٣) و «مسند أحمد» (٤) وغيرهما، وأُبيّ بن كعب وحديثه في «مسند أبي يعلى» (٥). وتفسير الحديث معروف. قال: (وروى البخاري عنه: ما بين مَنْكِبَي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع. وخرج أوله مسلم عنه مرفوعًا وزاد: غلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام). أقول: هذا من فهم أبي ريَّة وتحرِّيه. راجع «فتح الباري» (٣٦٥: ١١) (٦) تعرف ما في صنيع أبي ريَّة وتعرف الجواب.

стр. 346

[ص ١٦٠] وقال ص ١٩٩: (وروى البخاري وابن ماجه عنه عن النبيّ ﷺ : إذا وقع الذُّباب في إناء أحدكم فليغمسه كلّه ثم يطرحه، فإن في أحد جناحية داء والآخر شفاء). أقول: هذا الحديث قد وافق أبا هريرة على روايته أبو سعيد الخدري وأنس. راجع «مسند أحمد» (١) بتحقيق وتعليق الشيخ أحمد محمد شاكر ﵀ (١٢٤: ١٢). وعلماء الطبيعة يعترفون بأنهم لم يحيطوا بكلّ شيء علمًا، ولا يزالون يكتشفون الشيء بعد الشيء، فبأيّ إيمانٍ ينفي أبو ريَّة وأضرابُه أن يكون الله تعالى أَطْلَعَ رسولَه ﷺ على أمر لم يصل إليه علمُ الطبيعة بعد (٢)؟ هذا، وخالق الطبيعة ومدبّرها هو واضع الشريعة، وقد علم سبحانه أنّ كثيرًا من عباده يكونون في ضيق من العيش، وقد يكون قُوتُهم اللبن وحده، فلو أُرْشِدوا إلى أن يريقوا كل ما وقعت فيه ذبابة لأجحف بهم ذلك، فأُغيثوا بما في الحديث. فمَن خالف هواه وطبعه في استقذار الذّباب فغمسه تصديقًا لله ورسوله دفع الله عنه الضرر، فكان في غَمْس ما لم يكن انغمس ما يدفع ضرر ما كان انغمس، وعلماء الطبيعة يثبتون لقوة الاعتقاد تأثيرًا بالغًا، فما بالك باعتقادٍ منشؤه الإيمان بالله ورسوله؟ قال ص ٢٠٠: (وروى الطبراني في «الأوسط» عن النبيّ ﷺ : أتاني ملك برسالة

стр. 347

من الله ، ثم رفع رجله فوضعها فوق السماء والأخرى في الأرض لم يرفعها). أقول: تفرَّد بروايته صَدَقة بن عبد الله السمين وهو ضعيف، والحديث معدود في منكراته، فلم يثبت عن أبي هريرة (١). قال: (وروى الترمذي عنه: قال رسول الله ﷺ : العجوة من الجنة وفيها شفاء من السُّم). أقول: سنده إلى أبي هريرة غريب كما قال الترمذي (٢)، لكنه معروف من رواية غيره من الصحابة، فقد ورد من حديث أبي سعيد وجابر (٣)، وجاء من حديث بُريدة مرفوعًا: «العجوة من فاكهة الجنة» (٤). وفي «الصحيحين» (٥) من حديث سعد بن أبي وقَّاص مرفوعًا: «من اصطبح كلَّ يوم تمرات عجوة لم يضره سُمّ ولا سِحْر ذلك اليوم إلى الليل». وله شاهد من حديث عائشة في «صحيح مسلم» (٦). وراجع ما مرّ قريبًا. قال: (وروى الحاكم وابن ماجه من حديثه بسند صحيح: خَمِّروا الآنية، وأوكئوا الأسقية، وأجيفوا الأبواب، واكفتوا صبيانكم عند المساء، فإن للجن انتشارًا وخَطْفَة، وأطفئوا المصابيح عند الرقاد فإن الفويسقة ربما اجترَّت الفتيلة فأحرقت أهل البيت).

стр. 348

[ص ١٦١] أقول: هذا حديث جابر بن عبد الله عن النبيّ ﷺ ، وهو عن جابر بهذا اللفظ حرفًا حرفًا في «صحيح البخاري» (١) كتاب بدء الخلق. انظر «فتح الباري» (٢٥٣: ٦) (٢)، وهو بألفاظ أُخَر في مواضع أُخَر من «صحيح البخاري» وفي «صحيح مسلم» (٣). قال ص ٢٠١: (وروى مسلم عنه: أن رسول الله ﷺ قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة). أقول: قد تقدم هذا (ص ١٤٠) (٤) فراجعه وتأمل صنيع أبي ريَّة هناك. قال: (وروايات أبي هريرة من هذا القبيل وأوهى منه تفهق الكتب بها ... ). أقول: انتقد أبو ريَّة في ترجمة أبي هريرة نيفًا وثلاثين حديثًا، وهي على خمسة أضرب: ضَرْبٌ نسبه إلى أبي هريرة اعتباطًا وإنما رُوي عن غيره. وضَرْبٌ نحو عشرة أحاديث في سند كلٍّ منها كذَّاب أو مُتَّهَم أو ضَعْفٌ أو انقطاع، فهذا لا شأن لأبي هريرة به لأنه لم يثبت عنه، وراجع (ص ١٥١) (٥). وضَرْبٌ اخْتُلِفَ فيه أَيَصِحُّ عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ أم لا؟ فهذا قريب من سابقه، فإنه على فَرْض تبيُّن بطلان متنه يترجَّح عدم صحته عن أبي هريرة؛ لأن تَبِعة الحديث إنما تتجه إلى الأدنى. وضَرْبٌ صحيح عن أبي هريرة وقد

стр. 349

وافقه عليه غيره من الصحابة؛ اثنان أو ثلاثة أو أكثر. ويبقى بعد الأَضْرُب السابقة ثلاثة أو أربعة أحاديث قد مرّ الجواب الواضح عنها بحمد الله تعالى. واعلم أن الناس تختلف مداركُهم وأفهامُهم وآراؤهم ولا سيّما في ما يتعلق بالأمور الدينية والغيبية؛ لقصور علم الناس في جانب علم الله تعالى وحكمته، ولهذا كان في القرآن آيات كثيرة يستشكلها كثير من الناس، وقد أُلِّفَتْ في ذلك كتب (١). وكذلك استشكل كثيرٌ من الناس كثيرًا من الأحاديث الثابتة عن النبيّ ﷺ ، منها ما هو من رواية كبار الصحابة أو عدد منهم كما مرَّ، وبهذا يتبيَّن أن استشكال النصّ لا يعني بطلانه. ووجود النصوص التي يُستشكل ظاهرُها لم يقع في الكتاب والسنة عَفْوًا وإنما هو أمر مقصود شرعًا؛ ليبلو الله تعالى ما في النفوس ويمتحن ما في الصدور، وييسر للعلماء أبوابًا من الجهاد العلمي يرفعهم الله به درجات. هذا، وأنت تعلم أنَّ أبا هريرة رجل أُمّيّ لا يكتب ولا يقرأ الكتب، وعاش حتى ناهز الثمانين، منها نحو أربعين سنة يحدِّث، وكثر حديثه، ولم يكن معصومًا عن الخطأ، وكذلك الموثَّقون من الرواة عنه ومَنْ بعدهم. أما غير الموثَّقين فلا اعتداد بهم. وقد عاداه المبتدعةُ من الجهمية والمعتزلة والرافضة وغُلاة أصحاب الرأي كما مرَّتْ شواهده في الترجمة، وحَرَصوا كلَّ الحرص على أن يجدوا في أحاديثه [ص ١٦٢] ما يطعنون به عليه، وتتابعت جهودُهم، ثم جاء أبو ريَّة فأطال التفتيش والتنبيش، وقضى في ذلك سنين من عمره، ومع ذلك كلّه كانت النتيجة ما تقدّم، فعلى ماذا يدل هذا؟

стр. 350

أبو هريرة والبحرين ذكر جماعة: أنّ النبيّ ﷺ بعث أبا هريرة مع العلاء بن الحضرمي إلى البحرين، وفي «طبقات ابن سعد» (٤/ ٢/٧٦) (١) عن الواقدي بسنده إلى العلاء بن الحضرمي: أنّ النبيّ ﷺ بعثه منصرَفَه من الجعرانة إلى المنذر بن ساوى العبدي بالبحرين ... وبعث رسولُ الله ﷺ معه نفرًا فيهم أبو هريرة وقال له: استوص به خيرًا». ثم قال الواقدي: «حدثني عبد الله بن يزيد عن سالم مولى بني نصر قال: سمعت أبا هريرة يقول: بعثني رسول الله ﷺ مع العلاء بن الحضرمي وأوصاه بي خيرًا، فلما فصلنا قال لي: إن رسول الله ﷺ قد أوصاني بك خيرًا فانظر ماذا تحبّ؟ قال: قلت: تجعلني أُؤذِّن لك ولا تسبقني بآمين، فأعطاه ذلك». والواقديّ ليس بحُجَّة لكن للقصة شواهد، ففي «فتح الباري» (٢١٧: ٢) (٢): «فروى سعيد بن منصور من طريق محمد بن سيرين: أن أبا هريرة كان مؤذّنًا بالبحرين، وأنه اشترط على الإمام أن لا يسبقه بآمين. والإمام بالبحرين كان العلاء بن الحضرمي، بيَّنَه عبد الرزاق من طريق أبي سلمة عنه». وعند ابن سعد (٤/ ٢/٥٤) (٣) بسندٍ صحيح عن أبي هريرة قال: «صَحِبت النبيَّ ﷺ ثلاث سنين، ما كنتُ سنوات قطّ أعقل مني ولا أحبّ إليَّ أن أَعِيَ ما يقول رسول الله ﷺ مِنِّي فيهن» هذا مع أن قدومه على النبيّ ﷺ كان في صفر سنة ٧، فمنه إلى وفاة النبيّ ﷺ أربع سنين وشيء، فاقتصاره

стр. 351

على «ثلاث سنين» يدلّ أنه غاب في أثناء تلك المدة سنة أو نحوها، وقد كان البعث بعد الانصراف من الجعرانة كما مرَّ، وكان الانصراف منها في أواخر ذي القعدة أو ذي الحجة سنة ٨، وفي «الطبقات» (٤/ ٢/٧٧) (١): أن العلاء قدم على النبيّ ﷺ فولَّى النبيُّ ﷺ مكانه أبان بن سعيد بن العاص، فعلى هذا لما رجع العلاء رجع معه أبو هريرة، وقد ثبت في «الصحيح» عن أبي هريرة أنه ممن حجّ مع أبي بكر سنة ٩، وكان ينادي مع عَلِيّ: أن لا يحجّ بعد العام مشرك. انظر «صحيح البخاري» (٢) ــ تفسر سورة براءة ــ فصحَّ أن غيبته كانت سنةً أو دونها. وثَمَّ ما يدلّ أن أبا هريرة عاد إلى البحرين في خلافة أبي بكر، ففي «الطبقات» (٤/ ٢/٧٧) (٣) عن الواقدي بسنده: أن أبا بكر أعاد في خلافته العلاءَ بن الحضرميّ على البحرين، وذكر القصة وفيها فَتَحَ العلاء [ص ١٦٣] دارِين سنة أربع عشرة، ثم ذكر ابنُ سعدٍ بسند آخر: أنّ عمر كتب إلى العلاء أن يذهب ليخلُف عُتْبة بن غزوان على عمله، فخرج العلاء ومعه أبو هريرة، فمات العلاء في الطريق ورجع أبو هريرة إلى البحرين، وذكر عن أبي هريرة قوله: «رأيتُ من العلاء بن الحضرميّ ثلاثة أشياء ولا أزال أحبّه أبدًا، رأيته قَطَع البحر على فرسه يوم دَارِيْن .... وخرجْتُ معه من البحرين إلى صفّ البصرة فلما كنّا بلياس (٤) (؟ ) مات ... ». ومن أهل الأخبار من يزعم أن وفاة

стр. 352

العلاء تأخّرت إلى سنة ٢١. فالله أعلم. أما ما تقدّم فإنه يدل أنّ أبا هريرة رجع إلى البحرين مع العلاء حين ولَّاه أبو بكر، وكان بها سنةَ أربع عشرة. ثم كان أبو هريرة بالبحرين أيضًا في إمارة قدامة بن مظعون عليها، كما يُعْلَم من ترجمة قدامة في «الإصابة» (١) وغيرها، وفي «فتوح البلدان» (ص ٩٢) عن أبي مخنف في ذكر العلاء بن الحضرمي « ... حتى مات وذلك في سنة أربع عشرة أو في أول سنة خمس عشرة، ثم إن عمر وَلَّى قدامة بن مظعون الجُمَحي جباية البحرين، وولَّى أبا هريرة الأحداث والصلاة ... » وفيه (ص ٩٣) عن الهيثم: «كان قدامة بن مظعون على الجباية والأحداث، وأبو هريرة على الصلاة والقضاء ... ثم ولَّاه عمر البحرين بعد قدامة، ثم عزله وقاسمه، وأمره بالرجوع فأبى، فولّاها عثمان ابن أبي العاصي ... ». والقضية تحتاج إلى مزيد تتبّع وتأمّل، غير أنّ في ما تقدم ما يكفي للدلالة على أنّ إقامة أبي هريرة بالبحرين كانت كافيةً لأن يتموَّل، وبذلك يتأكد صِدْقُه في قوله: «خيل نَتَجت ... » كما مرَّ (ص ١٤٨) (٢). * * * *

стр. 353

من فضل أبي هريرة (١) أمّا ما يَعُمُّه وغيره من الصحابة ﵃ فيأتي في موضعه، وأما ما يَخُصُّه فمنه في «الصحيحين» (٢) عنه: أنّ النبيّ ﷺ لقيه في طريقٍ من طرق المدينة وهو جُنب فانسلَّ فذهب فاغتسل، فتفقَّده النبيّ ﷺ ، فلما جاء قال: «أين كنت يا أبا هريرة؟» قال: يا رسول الله لَقيتني وأنا جُنُب، فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل. فقال رسول الله ﷺ : «سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس» لفظ مسلم. ومَرَّ (ص ١٠٠) (٣) ما في «صحيح البخاري» (٤) من قول النبيّ ﷺ : «لقد ظننتُ يا أبا هريرة أن لا يسألني أحدٌ عن هذا الحديث أوَّلَ منك، لما رأيتُ من حرصك على الحديث ... ». [ص ١٦٤] وفي «صحيح مسلم» (٥) وغيره في قصة إسلام أمه قول النبيّ ﷺ : «اللهم حَبِّب عُبيدك هذا ــ يعني أبا هريرة ــ وأُمَّه إلى عبادك المؤمنين ... ». قال ابن كثير في «البداية» (١٠٥: ٨) (٦): «وهذا الحديث من دلائل النبوة، فإنَّ أبا هريرة محبّب إلى جميع الناس ... ».

стр. 354

وفي «الإصابة» (١): «وأخرج النسائيُّ بسند جيِّد في (العلم) من كتاب «السنن» (٢): أن رجلًا جاء إلى زيد بن ثابت فسأله، فقال له زيد: عليك بأبي هريرة، فإني بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد ندعو الله ونذكره، إذ خرج علينا رسول الله ﷺ حتى جلس إلينا فقال: «عودوا لِلَّذي كنتم فيه»، قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي، فجعل رسول الله ﷺ يُؤمِّن على دعائنا، ودعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك ما سأل صاحبايَ، وأسألك عِلْمًا لا يُنْسى، فقال رسول الله ﷺ : «آمين». فقلنا: يا رسول الله ونحن نسأل الله علمًا لا يُنسى، فقال: «سبقكم بها الغلام الدوسي» ونحوه في «تهذيب التهذيب» (٣) وفيهما بعض ألفاظ محرَّفة. وفي «مسند أحمد» (٥٤١: ٢) و «سنن أبي داود» (٤) وغيرهما عنه قال: «بينما أنا أُوْعَكُ في مسجد المدينة إذ دخل رسول الله ﷺ المسجد فقال: «من أحسّ الفتى الدوسي؟ من أحسّ الفتى الدوسي؟ » فقال له قائل: هو ذاك يوعك في جانب المسجد حيث ترى يا رسول الله. فجاء فوضع يده عليَّ وقال لي معروفًا، فقمت فانطلق حتى قام في مقامه الذي يصلي فيه ... ». ومرّ (٥) ما رُوي من تولية عمر لقدامة بن مظعون وأبي هريرة البحرين، قدامة على الجباية، وأبا هريرة على الصلاة والقضاء، ثم جمعَ الكلَّ

стр. 355

لأبي هريرة. هذا مع أنَّ قُدامة من السابقين البدريين، ثم قَاسَمَ عمرُ أبا هريرة كما كان يُقَاسِمُ عُمَّالَه، وأراد أن يعيده على الإمارة فأبى أبو هريرة. وتقدم صفحة (١٠٦ و ١٢٠ و ١٢٣) (١): شهادة طلحة والزبير وأبي أيوب وعائشة له، وتقدم (ص ١٠٦ و ١١٨ - ١١٩) (٢) ثناءُ ابنِ عمر عليه. وذكر الحاكم في «المستدرك» (٣) أنه روى عنه بضعةٌ وعشرون من الصحابة، عدَّ منهم: أُبيَّ بن كعب، وأبا موسى الأشعري، وعائشة، وزيد بن ثابت، وأبا أيوب، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وجابر بن عبد الله، وجماعة. وفي «الإصابة» (٤): «قال البخاري روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم. وكان أحفظ مَنْ روى الحديث [ص ١٦٥] في عصره. قال وكيع في «نسخته» (٥): حدثنا الأعمش عن أبي صالح قال: كان أبو هريرة أحفظ أصحاب محمد ﷺ . وأخرجه البغوي من رواية أبي بكر بن عيَّاش عن الأعمش بلفظ: ما كان أفضلهم، ولكنه كان أحفظ .. (٦).
следующие страницы →