وقالوا: إن وضأ الرجل المسلم يده في البئر، وهي طاهرة، فقد تنجست البئر، فإن وضأ بعض يده في البئر لم تنجس البئر، ولا تحفظ هذه الرعونة عن أحد من أهل الإسلام قبلهم (١) [وبالله تعالى التوفيق] (٢).
وقالوا: لا يُوجِبُ الوضوء من النوم إلا ما كان منه في حال الاضطجاع، لا في حال الاستناد، أو في حال التورك على الرجل فقط، ولا يوجب الوضوء منها ما كان منه في حال السجود، ولا في حال الركوع، ولا في حال القيام، ولا في حال القعود، طال أو قصر، ولا يحفظ هذا التقسيم عن أحد من أهل الإسلام قبلهم، [وبالله تعالى التوفيق] (٣).
وقالوا: لمس الرجل فرج المرأة وجسدها بيده، وتقبيله إياها ومباشرته (٤) جسده لها للذة، أو لغير لذة لا ينقض الوضوء، والإنعاظ لا ينقض الوضوء، فإن اجتمع الأمران: المباشرة والإِنْعَاظ انتقض الوضوء ولا يعرف هذا التقسيم عن أحد من أهل الإسلام قبلهم (٥)، [وبالله تعالى التوفيق] (٦).
стр. 1052
وقالوا: لا يجب الوضوء على المستحاضة إلا لدخول وقت الصلاة فقط، ثم تصلى بذلك الوضوء إلى دخول وقت الصلاة فقط، ثم تصلي بذلك الوضوء إلى دخول وقت الصلاة الأخرى، ولا يحفظ هذا عن أحد من أهل الإسلام قبلهم (١)، إنما الناس على قولين: أحدهما: تتوضأ لكل صلاة وبهذا صح الحُكْمُ عن رسول الله ﷺ ، وعن جمهور الصحابة ﵃ (٢)، وقالت طائفة: (لا وضوء عليها إلا أن تحدث حدثا غير الاستحاضة) [وبالله تعالى التوفيق] (٣).
وقالوا: إن خَرَجَ من الفرج أو الجرح أو النفاطة (٤) ماء سائل، نْقض الوضوء ولا يعرف هذا التقسيم عن أحد من أهل الإسلام قبلهم (٥).
وقالوا: من ضرب على إليتَيْه فخرج من ذكره المني الصحيح فلا غسل عليه (٦)، ولا يعرف هذا عن أحد من أهل الإسلام قبلهم.
وقالوا: من جامع ثم اغتسل، ثم خرج من ذكره المني، فإن كان
стр. 1053
بال من غسله وجماعه، فعليه أن يعيد الغسل وإن كان لم يبل بينهما فلا يلزمه إعادة الغسل، ويصلي كما هو (١)، ولا يعرف هذا عن أحد من أهل الإسلام قَبْلَهُم، [وبالله تعالى التوفيق] (٢).
وقالوا: لا يدخل الجنب المسجد إلا أن يكون في المسجد عين، أو بئر فيتيمم ثم يدخل المسجد (٣)، ولا يعرف هذا عن أحد من أهل الإسلام. [وبالله تعالى نتأيد] (٤).
وقالوا: فيما يحرم بوجود المسح على الخفين من الخرق فيهما، إذا كان ما يظهر مما تحتهما ثلاثة أصابع لم يجز المسح عليهما (٥)، ولا يحفظ هذا عن أحَدٍ مِنْ أهل الإسلام قبلهم.
وقالوا: في بيع زيت بالزيتون يدا بيد، إن كان ذلك الزيت أكثر مما في ذلك الزيتون من الزيت، فهو جائز، وإن كان مثله فأقل لم يجز (٦)، وهكذا قالوا في التمر بالنوى، والشاة بالصوف، والحيوان اللبون باللبن، ولا يعرف هذا عن أحد من أهل الإسلام قبلهم.
стр. 1054
وقالوا: من كان بحضرته إناآن بماء، أحدهما نجس لا يعرف بعينه، لزمه هرقهما جميعًا، ولم يُجزِئْهُ الوضوء بشيء منهما، فلو كان بحضرته ثلاثة من الآنية بالماء أحدهما نجس، لا يعرف بعينه، فواجب عليه أن يتحرى في أحدهما، فيتوضأ للصلاة ويجزئه (١)، ولا يعرف هذا الإختلاط عن أحد من أهل الإسلام قبلهم. [وبالله تعالى التوفيق] (٢).
وقالوا: من اشترى أحد ثلاثة أثواب بغير عينه، لكن أيها شاء، أو أحد ثوبين كذلك، فذلك جائز، ولو اشترى أحد أربعة أثواب بغير عينه، لكن أيها شاء بغير عينه لم يجز (٣)، ولا يعرف هذا الإختلاط (٤) عن أحد من أهل الإسلام قبلهم.
وقالوا: من جلس في مكان نجس، أو في مكان طاهر، إلا أنه لا يجد ماء ولا ترابا فلا صلاة عليه حتى يخرج فيعيد تلك الصلوات كلها، فإن حبس في مكان طاهر، ولم يجد ماء فعليه أن يصلي بالتيمم، ثم يعيد جميع تلك الصلوات كلها إذا وجد الماء (٥)، ولا يحفظ هذا التقسيم عن أحد من أهل الإسلام قبلهم. [وبالله تعالى التوفيق] (٦).
стр. 1055
وقالوا: في أقل الطهر بقول لا يعرف عن أحد من أهل الإسلام قبلهم (١)، ثم تابعهم (٢) عليه الحسن بن صالح بن حي (٣).
وقالوا: من أوصى لآخر بخدمة عبده مدة مسماة ليهودي أو نصراني، أو أوصى له كذلك بسكنى داره مدة مسماة، فذلك جائز فلو أوصى بذلك لفقراء المسلمين لم يجز ذلك، ولا يعرف هذا عن أحد من أهل الإسلام قبلهم.
وقالوا: فيما يُبْدَأُ به من الوصايا بترتيب لا يُحفظ عن أحد من أهل الإسلام قبلهم (٤).
وقالوا: لا يُقْضى على غائب إلا أن يوجد له طعام، أو زيت فينفق من غير ذلك الطعام، والزيت على زوجته، وصغار ولده، والزَّمْنَي من كبارهم، وعلى والديه، ولا يجوز أن يباع في شيء من ذلك عرض، وَإِنْ وجد له، وإن عظم العرض، ومات بنوه وامرأته جوعا، ولا يحفظ هذا عن أحد من أهل الإسلام قبلهم. [وبالله تعالى التوفيق] (٥).
стр. 1056
وقالوا: من نكل عن اليمين، قلنا له: احلف، احلف احلف (١) ثلاث مرات، فإن أبى ألزمناه دعوى خصمه، ولا يعرف هذا الترداد عن أحد من أهل الإسلام قبلهم. [وبالله تعالى التوفيق] (٢).
وقالوا: يقضى بالنكول في الأموال والنكاح والطلاق إلا في الدم، فإنه إن نكل لم يقض عليه بالنكول، ولا يعرف هذا التقسيم عن أحد من أهل الإسلام قبلهم.
وقالوا في زكاة البقر المشهور من أقوالهم، وهو أن البقر كلما زادت واحدة بعد أن تجاوز الأربعين، ففيها جزء من أربعين، وفيما بلغه العدد بها زيادة على الأربعين هكذا إلى أن تبلغ ستين، وهذا قول لا يحفظ عن أحد من أهل الإسلام قبلهم (٣) [وبالله تعالى التوفيق] (٤).
وقالوا فيمن شهد عند الحاكم شهادة، فقال: (أنا أخبرك أني أدري لهذا علي هذا، كذا وكذا) فلا يجوز القضاء بذلك حتى يقول: (أنا أشهد بكذا وكذا) وهذا لا يحفظ عن أحد من أهل الإسلام قبلهم، ومن العجب أنهم يُجِيزُونَ النكاح بلَفْظ الهبة، وقد منع الله تعالى من ذلك لغير نبيه ﷺ (٥)، ويُجِيزُونَ قرآءة القرآن بالأعجمية في الصلاة،
стр. 1057
ثم لا يجيزون الشهادة إلا بلفظ أشهد مع قول الله تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ (١) فصح أن كل ما أخبر به الشاهد عن علمه، كيفما أخبر به فهي شهادة تامة والحكم بها واجب.
وقالوا: يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في حقوق الناس إلا في الحدود، ولا يعرف هذا عن أحد من أهل الإسلام قبلهم، وما زالت كتب الخلفاء تنفذ إلى الأمصار في الحدود وغيرها، [وبالله تعالى التوفيق] (٢).
وقالوا: يحلف المدعى عليه في كل دعوى من الدم، فما دونه والطلاق وغير ذلك إلا في النكاح، ولا يعرف هذا عن أحد من أهل الإسلام قبلهم.
وقالوا: من تزوج فسمَّى لها المهر في نفس عقد النكاح، ثم طلقها قبل الدخول، فلها نصف ما سمى لها، فإن فرض لها الصداق بعد العقد، ثم طلقها قبل الدخول فلا شيء لها منه إلا المُتْعَة (٣). ولا يعرف هذا عن أحد من أهل الإسلام قبلهم.
وقالوا: إن خلا بامرأته في مسجد، أو في سطح لا حُجْزَةَ عليه، ثم طلقها، فليس لها إلا نصف الصداق، فإن خلا بها في بيت وهو عنين أو خصي أو مجبوب الذكر، فلها الصداق
стр. 1058
كله (١)، ولا يعرف هذا عن أحد من أهل الإسلام قبلهم. [وبالله تعالى التوفيق] (٢).
وقالوا: إن خلا بها في نهار رمضان -وهو صائم- ثم طلقها فليس لها إلا نصف الصداق، فلو خلا بها في نهار رمضان وهو صائم فيه صيام نذر عليه، أو ظهار عليه أو قضاء رمضان، ثم طلقها فلها الصداق كله، ولا يعرف هذا عن أحد من أهل الإسلام قبلهم.
وقالوا: بإجازة نكاح الشغار: البضع بالبضع، مشترطًا فيه أن لا صداق لها غيره (٣)، ولا يعرف هذا عن أحد من أهل الإسلام قبلهم. [وبالله تعالى التوفيق] (٤).
وقالوا: يحرم ما كان من الرَّضاع في حولين وستة أشهر زائدة على الحولين، ولا يحرم فيما زاد على ذلك (٥)، ولا يعرف هذا عن أحد من أهل الإسلام قبلهم.
стр. 1059
وقالوا: من كان من الموالي له أبوان في الإسلام فصاعدا، فبعضهم لبعض أكفاء في المناكحة، وليس كفؤا لهم من ليس له في الإسلام إلا أب واحد (١)، ولا يعرف هذا عن أحد من أهل الإسلام قبلهم.
وقالوا: نكاح غير الكفء لا يجوز ويفسخ إلا أن يجيزه الوالي، فيجوز، ولا يحفظ هذا التقسيم عن أحد من أهل الإسلام قبلهم (٢).
وقالوا: في أحد قوليهم في الظهار: أن الظهار يوجب تحريما لا ترفعه إلا الكفارة، فإن ماتت سقطت عنه الكفارة، وهذا قول لا يحفظ عن أحد من أهل الإسلام قبلهم (٣).
وقالوا: فيما يجزئ في صفة المعتق في الظهار، وما لا يجزئ في ذلك منه، ما لا يحفظ عن أحد من أهل الإسلام قبلهم (٤).
وقالوا: يحل لِبَعْلِ الحائض منها ما فوق السرة، وما دون الركبة، ولا يجوز له ما بينهما، ولا يحفظ هذا القول عن أحد من أهل الإسلام
стр. 1060
قبلهم، ثم اتَّبَعَ أبا حنيفة عليه مالكٌ (١)، [وبالله تعالى التوفيق] (٢).
وقالوا: إن رأت الحائض الطهر، فإن كان حيضها عشرة أيام حل وطؤها لبعلها، وإن لم تطهر بغسل (٣) ولا غسلت فرجها، ولا توضأت فإن كان حيضها أقل من عشرة أيام لم تحل له إلا بأن تغتسل، فإن مضى لها وقت صلاة ولم تغتسل ولا تطهرت بوضوء، ولا بغسل فرج، فَقَدْ حَلَّ وطؤها له، ولا يحفظ هذا الجنون والإقدام عن أحد من أهل الإسلام قبلهم، [وبالله تعالى التوفيق] (٤).
وقالوا: في التخيير من الرجل لامرأته بقولٍ لا يُحفظ عن أحد من أهل الإسلام قبلهم.
وقالوا: في تمليك الرجل امرأته أمرها بقول لا يُحْفَظُ عن أحد من أهل الإسلام.
وقالوا: في تحريم الرجل امرأته بقول مُرَتَّبٍ على رُتْبَةٍ، لا تحفظ عن أحد من أهل الإسلام قبلهم.
стр. 1061
وقالوا: في هبة الرجل امرأته بقول لا يُحفظ عن أحد من أهل الإسلام قبلهم.
وقالوا: إن زنى اللَّاعِنُ فَحُدَّ، أو زنت هي فَحُدَّت، أو قذف هو غيرها فَحُدَّ، أو قذفت هي فَحُدَّتْ أو ارتدت ولحقت بأرض الحرب، فسبيت فاسْتُرُقَّتْ، فله أن يراجعها وتحل له، فإن لم يكن شيء من هذه الوجوه لم تحل له أبدا (١)، ولا يعرف هذا الاختلاط عن أحد من أهل الإسلام قبلهم، [وبالله تعالى التوفيق] (٢).
وقالوا: للرجل أن ينفي ما ولدث امرأته على فراشه بعد ولادتها، له بيومين فقط، وأما ما ولدت أم ولده، أو سريته التي يطأها على فراشه، فله أن ينفيه أبدا ما لم يقر به، فإن أقر به لم يجز له نفيه بعد ذلك أبدا (٣)، ولا يُحْفَظُ هذا عن أحد من أهل الإسلام قبلهم.
وقالوا: بإبطال الحكم بالقافة، ولا يعرف هذا عن أحد من أهل الإسلام قبلهم.
وقالوا: في أَلْفَاظٍ هي عندهم يسمونها ألفاظ الطلاق: منها (اعتدي) بالقول لا يحفظ عن أحد من أهل الإسلام قبلهم، وهو أنهم قالوا: إن عنى واحدة فهي واحدة بائنة، وإن عنى ثلاثا فهي ثلاث،
стр. 1062
وإن عنى اثنتين فهي واحدة، ولا تكون اثنتين قالوا: لأن الطلاق البائن لا يرتدف على الطلاق البائن، ونسوا أنفسهم في المسألة نفسها، فجعلوا الثلاث يرتدف بعضها على بعض وهي بائنة، وأردفوا الطلاق في عدة الخلع على طلاق الخلع، وكلاهما عندهم بائن، وإنما الناس قبلهم على قولين: إما لا يرتدف البائن على البائن، وإما يرتدف (١).
وقالوا: في قول الرجل لامرأته: (أنت بائن) بقول لا يحفظ عن أحد من أهل الإسلام قبلهم.
وقالوا: في قولهم: (أنت البتة) أو (أنت طالق البتة) بقول لا يعرف عن أحد من أهل الإسلام قبلهم.
وقالوا: فيمن قال: (أنت خلية) بقول لا يحفظ عن أحد من أهل الإسلام قبلهم. [وبالله تعالى التوفيق] (٢).
وقالوا: فيمن قال: (أنت برية) بقول لا يحفظ عن أحد قبلهم (٣).
وقالوا: فيمن قال: (حبلك على غاربك) بتقسيم لا يحفظ عمن قبلهم (٤)، وقالوا في كثير مما يوقعون به الطلاق من الألفاظ بأقوال، لا تحفظ عن أحد من أهل الإسلام قبلهم.
стр. 1063
وقالوا: في الخلع إن كان هو المضار لها، أو بها، فلا يحل أن يأخذ منها شيئا، فإن أخذ مِنْها شيئا مع إضراره بها، فهو له، ولا يحفظ هذا الضلال عن أحد من أهل الإسلام قبلهم (١)، وكيف يكون له ما لا يحل له؟ ! !
وقالوا: جميع المصبغات حلال لباسها للمعتدة المتوفى عنها، حاشا المصبوغ بالزعفران أَوْ بِالوَرْسِ أو بالعصفر (٢)، ولا يحفظ هذا عن أحد من أهل الإسلام قبلهم، ولو قيل ههنا: إنهم خالفوا الإجماع المتيقن لما بعد قائله عن الصدق. [وبالله تعالى التوفيق] (٣).
وقالوا: في عدد أيام العدة بقول لا يحفظ عن أحد من أهل الإسلام قبلهم.
وقالوا: في ترتيب من تجب له الحضانة بقول لا يعرف عن أحد من أهل الإسلام قبلهم (٤).
وقالوا: في عمد الخطأ، وفي العمد الذي يجب فيه القود، وما لا يجب فيه القود بأقوال، لا تعرف عن أحد من أهل الإسلام قبلهم (٥).
стр. 1064
وقالوا: في القصاص بين العبد والحر، وبين العبد والعبد، وبين العبد وسيده بأقوال لا تعرف عن أحد من أهل الإسلام قبلهم (١).
وقالوا: في لسان الأخرس حكومة، ولا يعرف هذا عن أحد من أهل الإسلام قبلهم.
وقالوا: في تضمين الراكب والقائد والسائق، بأقوال لا تحفظ عن أحد من أهل الإسلام قبلهم (٢).
وقالوا: في جنين الأمة بقول غاية في السخف، لا يحفظ عن أحد من أهل الإسلام قبلهم (٣).
وقالوا: في تقسيم ما تحمله العاقلة، بقول لا يحفظ عن أحد من أهل الإسلام قبلهم (٤).
стр. 1065
وقالوا: في القسامة، بأقوال لا تحفظ عن أحد من أهل الإسلام قبلهم إن وجد على دابة وإن وجد في نهر، إن وُجد في دار امرأة بتخاليط، ناهيك بها، إن وجد نصفه طولا إن وجد نصفه عرضا، وما أشبه هذا (١).
وقالوا: فيمن غصب شاة أو بقرة، أو ناقة، فولدت عنده لم يضمن ما مات من أَوْلَادِهَا بغير فعله، فإن صاد ظبية من الحرم، فولدت عنده ضمن ما مات من أَوْلَادِهَا بغير فعله، ثم قالوا، من عدا عليه سبع في الحرم فقتله، فلا جزاء عليه فيه، فإن عدا عليه بعير لإنسان فقتله ضمن، فغلبوا مرة حقوق الناس على حقوق الله تعالى، وغلبوا أخرى حقوق الله تعالى (٢) على حقوق الناس، ولا تحفظ هذه التقاسيم عن أحد من أهل الإسلام قبلهم وبالله تعالى التوفيق.
قال أبو محمد رحمه الله تعالى (٣): لو تقصينا مسائلهم التي لا تحفظ عن أحد من أهل العلم قبل أبي حنيفة (٤) لبلغت الألوف، وفيما ذكرنا كفاية لمن كان له عقل، مع أن ما ذكرنا إنما قاله برأي [وحَسْبُنَا الله ونعم الوكيل] (٥)، هذا على أنهم يروون عن أبي حنيفة ما قدمناه قبل
стр. 1066
من أنه قال: (ما جاء في القرآن، فعلى الرأس والعين، وما جاء عن رسول الله ﷺ (١) فسمعا وطاعة، وما جاء عن الصحابة تخيرنا من أقوالهم، ولم يكن لنا أن نخرج عنهم، وما جاء عن التابعين فنحن رجال، وهم رجال (٢).
فقد صرح بأن لا نكرة في خلافه التابعين فيما لم يأت عن الصحابة ﵃ (٣) قول، وقد أَبَنَّا قبلُ ما قاله، واتبعوه عليه مما خالفوا فيه الصاحب والأكثر، من الواحد منهم، مما لا يعرف فيه خلاف عن أحد من الصحابة، فبطل إنكارهم على خصومهم ما قالوه، مما لا يعرف أنه قاله أحد قبلهم، والذي بدين به خصماؤهم إنما هو العمل بالكتاب والسنة، وصحيح الإجماع، فلهم المعذرة فيما أتوا، وإنما النكرة على هؤلاء فيما أباحوا لأنفسهم، وبالله تعالى التوفيق.
* * *
стр. 1067
تنبيه
فيه ذكر مسائل لهم خالفوا فيها الإجماع المتيقن المقطوع به حقا لا المدعي بالكذب المفترى على جميع أهل الإسلام، أو بالظن الذي أخبر رسول الله أنه أكذب الحديث وحذر منه ونهي عنه (١).
قال أبو محمد: [علي بن أحمد رحمه الله تعالى] (٢) قالوا: يؤذن المؤذن إذا جلس الإمام على المنبر بعرفة، وصح بيقين لا شك فيه أن رسول الله ﷺ (٣) إنما أمر المؤذن بالأذان بعرفة بعد إتمامه ﵇ الخطبة، وأنه ﵇ إنما خطب راكبا على ناقته، لا على منبره (٤)، وهذا بحضور جميع من أمكنه الحضور من الصحابة ﵃ (٥)، وهم عشرات الألوف، وبعلم (٦) كل من غاب عنهم من أهل الإسلام، وهذا هو الإجماع حقا، لأنه أمر ظاهر معلن مهتوف به بحضرتهم لم يرو عن صاحب ولا عن تابع خلاف هذا.
стр. 1068
ثم تناقضوا في ذلك فأسقط أبو يوسف عن المؤذن الإنصات للخطبة مع خلافهم السنة، برأيهم في أمر من دخل يوم الجمعة والإمام يخطب بأن يركع ركعتين، فقالوا: وأين الإنصات، فراعوا الإنصات حيث لا تجب مراعاته، ولم يُرَاعُوهُ حيث تجب مراعاته (١).
وقالوا: بإجازة تنكيس الطواف بالبيت، وهو خلاف جميع أهل الإسلام قطعا، لأنه لم يزل أهل الإسلام يطوفون بالبيت في الحج والعمرة، وتطوعا في كل عام جيلا بعد جيل من أول الإسلام إلى يومنا هذا، فما منهم من أحد نكس طوافه قطعا (٢).
وقالوا: بجواز تنكيس الأذان والإقامة، وهذا خلاف إجماع أهل الإسلام (٣) قطعا بيقين، لأنه لم يزل المسلمون في كل مسجد في كل قرية، وكل مدينة وكل حَلَّة (٤) من شرق الأرض إلى غربها، إلى جنوبها إلى شمالها مذ نزل الأذان إلى يومنا هذا، ما كان مؤذن قط في العالم
стр. 1069
يعكس أذانه، أو إقامته (١).
وقالوا في جواز تنكيس الوضوء كلذلك (٢)، وقد شرع الله تعالى الوضوء قبل هجرته ﷺ (٣) قبل نزول الأذان ورؤياه، وقد علم كل من له أدنى إلمام بالسنن، أن الأذان كان في أثناء الهجرة، والوضوء كان في أول النبوة، وقد نقل الصحابة ﵃ (٤) وضوءه، ولم ينقلوه منكسا، وروى الصحابة وضوء بعضهم بعضا، ورواه عنهم التابعون، ومن بعدهم إلى يومنا هذا، فلم يذكر أحد منهم تنكيس الوضوء.
وقالوا: على القارن طوفان وسعيان، وهو خلاف إجماع
стр. 1070
الصحابة ﵃ (١) فقد جاء عنهم أن كل مع حج مع النبي ﷺ (٢) فقرن فإنما طافوا طوافا واحدا، وسعوا سعيا واحدا (٣)، وتعلقوا برواية كاذبة عن علي لم تصح قط (٤)، ولسنا ندعي في هذا إجماع المسلمين في الأعْصَار، لأنه قد صح عن نفر من التابعين طوافان وسعيان (٥).
وقالوا: لا يقتل في دار الحرب شيخ كبير ولا عسيف، وقد صح بالإجماع المتيقن أن رسول الله ﷺ (٦) قتل كل من أنبت من بني قريظة (٧)، وهم جماعات وَمِئُونَ كثيرة، وكان منهم بلا شك العسيف، والشيخ الكبير، وهذا يحضرة جميع الصحابة، وعلم من تخلف بالمدينة لقربها وأنها في طرف المدينة على نحو ميلين من المسجد، ولم يصح خلاف هذا قط، لا عن النبي ﷺ (٨) ولا عن أحد من الصحابة، إنما أتَتْ
стр. 1071
روايات فاسدة تعلقوا بها.
وقالوا: فيمن أسلم في دار الحرب، ثم خرج إلى دار الإسلام، ومن أسلم في دار الحرب، وأقام بها حتى فتحت، ومن خرج من دار الحرب كافرًا إلى دار الإسلام، فأسلم فيها، كيف حكم ماله وعقاره وولده الصغار - بأقوال قد ذكرناها فيما لا يعرف أحد قالها قبلهم، وهي خلاف جميع إجماع الصحابة ﵃ (١) لأنَّه لا يختلف مؤمن ولا كافر ممن له علم بالأخبار أن طائفة من الصحابة أسلموا بمكة، ثم هاجروا كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، وأن طائفة منهم أتوا إلى المدينة كفارا، فأسلموا فيها كخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص وغيرهم، وطائفة أسلموا بمكة وبقوا بها مستضعفين لا يطيقون الهجرة إلى أن فتحت، وكلهم بيقين رجع إلى ماله وداره، وولده صغارهم وكبارهم، إلا أن رسول الله ﷺ (٢). (٣) داره لعقيل، وكره لبني جحش طلب دارهم التي باعها لهم أبو سفيان (٤)، لا حكما عليهم، بل اختيارا لهم، وهذا أمر مشهور لا خفاء به، وكذلك من أسلم من بني قريظة، فإنهم أحرزوا مالهم وعقارهم وأولادهم (٥)، وقالوا: إن فتحت أرض من
стр. 1072
أرض الحرب، وفيها أرض لمسلم ساكن في دار الإسلام، فهي غنيمة كسائر أموال الكفار، وهذا خلاف إجماع جميع [أهل] (١) الإسلام في تجويزهم أموال المسلمين، وخلاف ما ذكرنا من عمل الصحابة في أموالهم وعقارهم بالطائف ومكة.
وقالوا: قد صح إجماع الصحابة على تضمين الرهن إن هلك، وكذبوا في ذلك على جاري عادتهم في استسهال هذه الدعاوى الكاذبة، وكان كذبهم هذا عائدا على أنفسهم، لأنهم قالوا: إن ولد الرهن وغلة الرهن، وثمرة الرهن رهن الأمهات والمُغلّ والشجر، ثم قالوا: إن تلف شيء من ذلك لم يضمن (٢)، فلم يحصلوا إلا على إقرارهم على أنفسهم، بأنهم خالفوا الإجماع إجماع الصحابة في تضمين الرهن، وشهدوا على أنفسهم، وعلى أهلها تجني بَرَاقشُ (٣).
وقالوا: من أكره على قتل ألف مسلم ظلما وعدوانا، بسجن شهر يهدد به، فضرب أعناقهم كلهم بالسيف، فلا شيء عليه لا قود ولا دية. وهذا خلاف مقطوع به، لإجماع أهل الإسلام على تحريم دم المسلم إلا بكفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو نفس بنفس أو حرابة مع قولهم من أكره على الطلاق، أو النكاح أو العتق لزمه،
стр. 1073
وحُكم عَليه به.
وقالوا: إن زنى الإمام بألف مسلمة محصنة وهو محصن، أو غير محصن، أو شرب الخمور علانية فلا شيء عليه في ذلك لأحد ولا تعزير، فإن كَسَرَ ضرْسَ يهودي، أو ضرس نصراني، لزمه أن يُقْلَعَ ضرسه، أو قَتَلَ نصرانيا، أو يهوديا قُتل به، وهذا خلاف إجماع جميع أهل الإسلام، في إيجاب الحد على الزاني، وشارب الخمر (١).
وقالوا: لا يجوز بيع المكاتب الذي لم يؤد من كتابته شيئا، وهو خلاف اليقين من إجماع جميع الصحابة إذ بيعت بريرة -وهي مكاتبة- لم تؤد من كتابتها شيئا بمحضر جميع الصحابة، وخطب رسول الله ﷺ (٢) في شأنها الخطبة (٣).
وقالوا بإباحة المسكر، وإسقاط الحد عمن تعمد السكر من شراب العسل، ومن شراب الذرة، ومن شراب التين، وهذا خلاف إجماع المسلمين يعني إباحة السكر، وأما إسقاط الحد فقد روي عن الحسن وروي عنه خلافه.
وقالوا: يكره أن يتخذ الإنسان سورة يختصها بقراءتها في صلاته، وعَمُّوا بذلك الجمعة وغيرها وهذا خلاف إجماع أهل
стр. 1074
الإسلام، في شرق الأرض وغربها، في كل مصْر وقرية جامعة، من عهد رسول الله ﷺ (١) إلى يومنا هذا جيلا جيلا، في اختصاصهم الركعة الأولى من الجمعة بسورة الجمعة (٢)، يشهد ذلك الرجلُ والمرأةُ، والعالمُ، والجاهلُ والصغيرُ والكبيرُ.
وقالوا: إنما أعتقنا أمهات الأولاد بفعْل عمر (٣)، فانظروا يا معشر السامعين، من شدة ظلام وجهل هؤلاء المساكين، إذ في قولهم هذا أن جميع المسلمين كانوا مجمعين على استحلال بيع أمهات الأولاد حتى قضى عمر بخلاف ذلك، وهذا اعتراف منهم على أنفسهم بخلاف الإجماع المتقدم، وليتهم لم يقحموا عمر مع أنفسم في خلاف الإجماع المتيقن، وقد أعاذ الله تعالى عمر من ذلك، ثم اعجبوا لحماقة أخرى لهم في هذا القول إذ جعلوا إجماعا شَيْئًا أقروا أنه رأي من عمر، قد صح خلافه عن ابن مسعود، وعلي وابن عباس وزيد بن ثابت (٤)، ولم
стр. 1075
يجعلوا إجماعًا شيئًا يقرون أن جميع أهل الإسلام كانوا عليه قبل عمر، وأقروا أنه لم يقله أحد قبل عمر، فوا خلافاهُ ويا للعصبية والإفكية، ونسأل الله تعالى العافية آمين.
وقالوا: بِمِثْل هذا سواءً بسواءٍ في حد الخمر، والقولُ عليهم في ذلك كالقول في مسألة أمهات الأولاد، إذ نسبوا إلى عمر خلافَ إجماع كل من قبله بإقرارهم، ولم يروا من الإجماع شيئًا أقروا بألسنتهم أنه لم يكن فيه مخالف ورأوا إجماعا شيئًا أقرِوا بألسنتهم أنه لم يكن فيه مخالف (١)، ورأوا إجماعا شيئا أقروا أنه رأي مُحْدثٌ من عمر، قد صح خلافه عن عمر نفسه (٢)، وعن عثمان بعده وعن علي والحسن وعبد الله بن جعفر (٣) بمحضر الصحابة، فاعجبوا لهذا التخليط، نسأل (٤) الله العافية.
стр. 1076
وزيادة أخرى إقرارهم أن عمر فعل ذلك قياسًا على حد القذف وهم يقولون: إن الحدود لا يحل أن تضرب بالقياس، وأن حكمها أن تُدْرَأَ بالشبهات.
وقالوا: لا يجوز أن تصلى فريضة خلف متنقل (١)، وهذا خلاف الإجماع المتيقن من جميع الصحابة ﵃ (٢) وقد ثبت يقينًا أن مُعَاذًا كان يصلي مع رسول الله ﷺ (٣)، ثم يرجع إلى قومه، فيؤمهم في تلك الصلاة نفسها (٤).
وقالوا: لا يجوز أن يبتدئ الإمام الصلاة بقوم ثم يأتي الإمام الراتب، فيصير إمامًا لهم، ويصير الإمام الأول مأمومًا (٥)، وهذا خلاف إجماع جميع الصحابة بيقين، لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة بالصحابة، ثم جاء رسول الله ﷺ (٦) فَصَارَا في تلك الصلاة، وصار أبو بكر ﵁ (٧)
стр. 1077
مأمومًا بحضرة جميع الصحابة، وعلم من غاب منهم بذلك (١).
وقالوا من سجد في الصلاة على أنفه دون جبهته، ولم يضع يديه ولا ركبتيه على ما هو عليه، ولا مقاعده، فصلاته تامة، وهذا خلاف جميع أهل الإسلام عالمهم وجاهلهم ونسائِهم ورجالهم وَأَحْرَارِهِمْ، وعبيدهم وكبارهم وصغارهم وبررتهم وفساقهم، من كل نِحْلة وفرقة منذ نزلت الصلاة إلى يومنا هذا في جميع الأرض، فما روي مسلم قط يصلي هذه الصلاة ولا جاءت إباحتها عن أحد من المسلمين قبل من قال بها [ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم] (٢) وإن العجب لَيَكْثُرُ جدًا ممن علم شهرة قوله ﷺ (٣): (إذا أتيتم الصلاة فأتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) (٤). وعلم قوله ﷺ (٥) للمبادر بالركوع الداخل في الصف فيه: (زادك الله حرصًا ولا تعد) (٦)، ثم يرى مثل هذه الصلاة التي قد قال إنها تسقط عنه فرض
стр. 1078
الله تعالى المخاطب به، وهو يعلم قوله ﷺ (١): (من عمل عملًا، ليس عليه أمرنا، فهو رد) (٢).
أفلا يرتدع بِصَحيح هذه الآثار وبما في مدلولها من مخالفة ما نص عليه ﷺ (٣)، وما كان عليه عمله، وما كان عليه عمل الصحابة والتابعين، وكافة أهل العلم إلَّا صاحب هذا القول ولو روي مصل يُصلي هكذا لم شك أحد يَرَاهُ من مؤمن وكافر، في أنه عابث متلاعب متماجن، مستخف بالدين.
وقالوا بجواز قراءة القرآن في الصلاة بالأعجمية، وهذه كالتي قبلها سواءً بسواء، وقد قال تعالى منكرًا على من قال بقولهم من الكفار: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ (٤)، وبالله لو أن امرئًا صلى كما ذكرنا قبل عنهم، وقرأ بالأعجمية لكان بلا شك لاعبًا كلعب أهل الزمر في الأعراس، وأما مصليًا فلا،
стр. 1079
أفتراهم لم يسمعوا قوله ﷺ (١): (صلوا كما رأيتموني أصلي) (٢) [وبالله تعالى التوفيق] (٣)! ! ؟
ثم عقَّبُوا بقولهم: من عطس في صلاته، فقال: (الحمد لله رب العالمين) بطلت صلاته، فإن لله وإنا إليه راجعون على ظهور هذه الحوادث في الإسلام (٤).
وقالوا: لا يُصَلَّى على الميت الغائب (٥)، وهذا خلاف متيقن بإجماع جميع الصحابة ﵃ (٦) إذ صلى بهم رسول الله ﷺ (٧) على النجاشي ﵁ (٨) وصفهم خلفه صفوفًا (٩)، وما يمتري مسلم في أن كل من بلغه ذلك فإنه علم، ودان بأنَّه سنة وحق وفضيلةٌ وليت شعري بماذا يدفعون صحة هذا
стр. 1080
الحديث؟ ! ولا مساغ للتأويل فيه إلا بالتعلق بالأماني الباطلة، وكيف يسوغ لمسلم أن يرغب بنفسه عما رضيه الله، شرعا لنبيه فعمل به، وعمل به معه أصحابه، ولا نكير منهم لذلك ولا متعقب، وهل يترفع عن العمل بمثل هذه السنة من ينقاد إلى مثل ما ذكرنا قبل؟ ! اللهم بك الملاذ، وبك العوذ (١) للعباد ومنك التوفيق.
وقالوا فِيمَا رواه بعضُ متقدميهم. بجواز تنكيس الأذان، وأن يقولوا فيه (الرحمن أعظم) مكان (الله أكبر) (٢). وهذا خلاف الإجماع المتيقن المقطوع به مِنْ أذان جميع أهل الإسلام، مُنذْ نزل الأذان عصرا عصرا، إلى يومنا هذا في كل مدينة وقرية وحلة للإسلام في شرق الأرض، وغربها، في كل نحلة تنتمي إلى الإسلام يسمعون ذلك علانية خمس مرات، في كل يوم، لا يجهل هذا حر ولا عبد، وَلَا عالم ولا جاهل، ولا امرأة ولا رجل، ولا صبي ولا بار ولا فاسق، نعم ولا نصراني ولا يهودي ولا مجوسي ولا صابئ، ولا زنديق فوالله ما سمع قَطُّ مؤذن يُنَكَّس أذانه، ولا نقول غير: (الله أكبر) حاشا في آخر الآذان، فقد روي: "لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر" (٣) فقط فاعجبوا واحَمدُوا
стр. 1081
الله على السلامة.
وقالوا من كانت أيام حيضتها عشرة أيام فرأت الدم الأسود يوما قبل أيامها المعهودة بيوم، ويوما في أول أيامها متصلا باليوم الأول، ثم رأت الطهر في اليوم الثاني، فإن اليوم الذي رأت فيه الدم الأسود هو يوم الطهر تصلي فيه وتصوم ويطؤها زوجها بعلها، وتطوف بالبيت فيه، واليوم الثالث الذي رأت فيه الطهر هو يوم حيض لا تصلي فيه لله تعالى صلاة، ولا تصومه إن كان في رمضان، ويحرم على زوجها وطؤها (١) وهذا خلاف للمتيقن من الإجماع من أهل الإسلام في حكم الحيض بظهور الدم الأسود، وفي حكم الطهر برؤية النقاء من الدم والكدرة والصفرة.
وقالوا لو أن أبا بكر الصديق، وعمر الفاروق وعثمان وعلي بن أبي طالب ﵃ توضأوا للصلاة، ثم أتى أحدهم إلى بئر مُعيَّنة فوضأ يده فيها، ينوي بها تجديد وضوء لله تعالى، متقربا به إليه، فإن ماء البئر قد تنجس كله، ولا يحل الوضوء منه، ولا بد من نزح البئر، فلو أن نصرانيا اغتسل فيها تبردا، وتنظفا للزنا، أو وضأ فيها يده ليأكل لحم الخنزير، لم يضر ذلك ماء البئر شيئا بل هو طاهر بحسبه يتوضأ منه للصلاة، فواعجبا لهذه الضلالات، وهذا خلاف جميع أهل الإسلام بلا شك ونعوذ بالله من الضلال (٢).
стр. 1082
وقالوا: من استأجر شهود زور، فشهدوا له في امرأة مسلمة لها زوج مسلم قد عشقها هذا الفاسق، أن زوجها طلقها ثلاثا، وأنها قد اعتدت، وشهدوا أنها قد تزوجت هذا برضاها، ورضا وليها، والزوج وهي والولي منكرون، يبكون ويضجون، أو شهدوا بأنه أعتق مملوكته هذه وأنها تزوجت هذا برضاها ورضا وليها، فقبلهم الحاكم القاضي لجهله بسر القضية، وحكم بما شهد به الفساق عنده فإنها حلال لذلك الفاسق، ووطؤها له مباح عند الله تعالى، وهذا خلاف جميع إجماع أهل الإسلام في أن الفروج لا تحل عند الله تعالى، إلا بما أحلها به من الزواج الصحيح بتراضيهما (١) إذا لم يكن لها زوج، ولا كانت في عدة منه، وزادوا خلافا، فقالوا: إن صح بعد ذلك أنهم كاذبون مستأجرون لم يفسخ الحكم، فلو أن حاكما حكم عندهم بشهود، بمثل شهادة بلال وسالم مولى أبي حذيفة (٢) قبل أن يعتقا، وبشهادة جابر بن عبد الله، وعبد الله بن العَبَّاس، وعبد الله بن عمر بن الخطاب في درهم علموا وجوبه لصاحبه عند يهودي قبل أن يَعْمَوْا، وجب فسخه.
قالوا: فلو شهد به يهوديان وجب الحكم به ولا بد.
стр. 1083
فقولوا: يا عباد الله، كيف لا تسوء الظنون بقوم هذه مقالاتهم في دينهم؟ أم كيف لا يعذر سلفنا الطيب من أئمة أصحاب الحديث فيما قد قالوه في أبي حنيفة وأصحابه، إذ سمعوا هذه الأقوال الملعونة؟ ونسأل الله العافية مما ابتلاهم به آمين.
وقالوا: جائز أن يكون إنسان واحد ابن أمتين، كل واحدة منهما قد ولدته، وهذا لا نقول فيه أنه خلاف إجماع الصحابة ﵃ (١) فقط، ولا أنه خلاف أهل الإسلام فقط، بل هو بلا شك خلاف كل من على وجه الأرض من مؤمن وكافر، وخلاف الملائكة والجن، فإن قالوا: لسنا نقول أن كل واحدة منهما ولدته، لكن نحكم لكل واحدة منهما في الميراث والنفقة والبر بحكم أمه - قلنا لهم: أخبرونا عن حكمكم هذا أهو حق، لأن كل (٢) واحدة منهما أمه، أم لأن فيهما من ليست أمه بلا شك؟ ولا بد من أحد الوجهين ضرورة، فإن قالوا: هو حق لأن كل واحدة منهما أمه التي ولدته، قلنا: هذا الذي أنكرناه عليكم، والذي دفعتم عن أنفسكم قد صرتم إليه، وإن قالوا: بل لأن منهما (٣) من لم تلده، ولا هي أمه، قلنا: فقد أقررتم أنكم حكمتم بالباطل، وحكمتم لغير الأم بأنها أم، . وفي هذا كفاية.
وقالوا: من تزوج أمه وابنته وأخته، وهو عالم بنسبهن وعالم
стр. 1084
بالتحريم، ووطئهن، فالولد لَاحِقٌ به (١)، والمهر لَازِمٌ، ولا حد في ذلك عليه ولا عليهن، وهذا خلاف إجماع أهل الإسلام في تحريم القرائب (٢)، وهذه المجوسية المحضة جهارًا في دين الإسلام؟ وقالوا: بأن سهم ذي القربى قد انقطع بعد رسول الله ﷺ وهذا خلاف إجماع أهل الإسلام يقينًا.
وقالوا: في جماعة قطعوا الطريق وقتلوا المسلمين وأخذوا أموالهم، وسعوا في الأرض فسادًا أن عليهم حد المحاربة إلّا أن يكون معهم زانية أو صبي بغاء، يفسقون بِه فيسقط عنهم حينئذ خد الحرابة، ويرجعون إلى ضمان المال، وتخيير الولي في القود أو العفو (٣)، وهذا خلاف جميع أهل الإسلام بلا شك.
وقالوا: يثبت النكاح بشهادة الحجاج بن يوسف، ومسلم بن عقبة (٤)،
стр. 1085
أو بشهادة أبي مسلم (١) وقحطبة (٢)، أو فاسقين من سائر الفاسقين ولا يثبت بشهادة بِلَالٍ وسالم مولى أبي حذيفة قبل أن يعتقا، ولا بشهادة أبي أحمد بن جحش (٣)، وجابر بن عبد الله، وابن عباس وابن عمر فيا للمسلمين، هل يشك مسلم في أن هذا قول لا تُقْبِلُ عليه نفسُ مسلم وأنَّه قول إبليس، وخلاف إجماع أهل الإسلام قبلهم! ! (٤).
وقالوا: بإبطال المساقاة والمزارعة (٥)، وقولهم هذا (٦) هو خلاف
стр. 1086
إجماع جميع أهل الإسلام، وجميع الصحابة ﵃ (١) فإن النبي ﷺ (٢) أعطى اليهود خيبر على أن يعملوها بنصف ما يخرج منها من زرع أو تمر، بحضرة جميع الصحابة أولهم عن آخرهم، وما منهم أحد إلّا وصل إليه نفع ذلك إما من نصيب في خيبر وإما إذْ بَلَغَهُ الأمر، فَسُرَّ بذلك لأنه أمر مشهور في بلد جليل، لم يكن بالحجاز، أخصب منه، ولا أجمع، وحسبك قول العرب (ريف الحجاز خيبر).
وقالوا: بإبطال التحبيس (٣)، وهو إجماع متيقن ظاهر عند جميع الصحابة مشهور عندهم، من عملهم كلهم إلّا قَوْلًا قاله عبد الملك بن خبيب (٤) -وهو مشهور بالكذب- أن جميع الصحابة حبسوا أموالًا، إلّا عبد الرحمن بن عوف فإنه لم يكن يرى التحبيس.
стр. 1087
قال أبو محمد رَحِمَهُ الله تعالى (١): وهذا باطل، لكن روينا عن رجلين من التابعين إبطال التحبيس عن أحدهما -وهو شريح- (٢) وعن الثاني: كراهته - وهو المنذر بن ساوى (٣).
قال أبو محمد رحمه الله تعالى (٤): يكفي من عظيم خلافهم للإجماع، أنَّه لا يختلف أحد ممن له أقل علم بالأخبار من مسلم وكافر، أنَّه لم يكن قط في عصر الصحابة واحد فما فوقه يأتي إلى قول صاحب أكبر منه، فيأخذه كما هو، ويترك قول غيره فلا يلتفت إليه، ثم لا يختلف اثنان في أنه لم يكن قط في عصر التابعين واحد فما فوقه عمد إلى أقوال تابع أكبر منه أو صاحب، فأخذها كما هي، ودان الله تعالى بها وترك قول من سواه، ثم لا يختلف اثنان في أنه لم يكن قط في عصر تابعي التابعين واحد، فما فوقه عمد إلى أقوال تابع، أو صاحب، فأخذها كما هي وحارب دونها كل ما سواها، هذا إجماع عن جميع الصحابة كلهم، وجميع التابعين أولهم عن آخرهم، وجميع تابعي التابعين، لا خلاف فيه عن أحد منهم، فهذا هو الإجماع التام المقطوع به، المتيقن في (٥) جميع الأعصار الثلاثة المحمودة، وهم يعرفون هذا
стр. 1088
ويقرون به، ولا يقدرون على إنكاره.
ثم خالف جميع متأخريهم هذا الإجماع وخرقوه وابتدعوا ضلالة لم يسبقهم إليها أحد قبلهم فصاروا فرقتين: إحداهما قَلَّدت أبا حنيفة بلا طلب دليل، ولا تكلف برهان والأخرى جعلت شغلها في دينها البحث عما ينصرون به أقوال أبي حنيفة على تضاربها (١) وإختلافها، وأن له قولتين: إحداهما تحرم والأخرى تحلل ما حرم في الأخرى، فينصرونهما جميعًا مجاهرةً لله تعالى بهذا الباطل، بِكُلِّ خبر مكذوب يدرون أنَّه غير صحيح، وبكل قياس فاسد، وتعليل بارد، لم يعرفه قط صاحب، ولا تابع، وفيهم طائفة لا ترى الخروج عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، والحسن بن زياد، وزفر، وكل هذا بدعةٌ هتكوا بها إجماع أهل الإسلام قاطبة، ثم تلا هم فيها المالكيون والشافعيون، فهذا خلاف الإجمْاع حقًا لا أكاذيبهم المفضوحة ودعاويهم المفتراة في دعواهم الإجماع، حيث لا إجماع إلى خلافهم الإجماع حقًا وكذبهم على جميع الصحابة ﵃ (٢) أو على جميع أهل الإسلام أولهم عن آخرهم، فأخذوا طرفي حبل الضلالة، وانتظموا التلبيس معًا، ونعوذ بالله من الضلالة والهلكة.
قال أبو محمد رحمه الله تعالى (٣): فهذه أقوالهم في خلاف الإجماع المتيقن، وخلاف الجمهور، وما قالوه مما لا يعرف له
стр. 1089
قائل قبلهم، وإن لم يقطع على إنه إجماع بآرائهم لا بنص، ونحن إنْ شاء الله، ذاكرون أقوالهم المتناقضه في القياس، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم.
* * *
стр. 1090
تنبيه
في ذكر طرف من تناقضهم في القياس الذي به يَفْخَرُون وإليه ينتسبون وله يتركون القرآن، وسنن رسول الله ﷺ (١)، وإجماع المسلمين، إما بتركهم في المسألة التي قاسوا فيها قياسا مثل الذي قاسوه، وإما بتركهم فيها قياسا أقوى وأظهر من القياس الدي قاسوه، وإما بتركهم القياس في مسألة أخرى مثل المسألة التي قاسوا فيها سواءً، وطرفِ مما خالفوا فيه الأصول التي يرون خلافها بزعمهم حراما في الدين.
قال أبو محمد رحمه الله تعالى (٢): أجازوا الوضوء بنبيذ التمر، وقالوا: هو ماء استضاف إليه تمر طاهر (٣)، قياسا على كل ما اختلط به شيء طاهر، وقاسوا في أحد قوليهم عليه أيضا سائر الأنبذة، ولم يقيسوا عليه في قولهم الثاني سائر الأنبذة، ثم لم يقيسوا عليه الخل، فإن كان القياس حقا فقد تركوه، وإن كان باطلا فقد استعملوه، فإن ادعوا الإجماع على المنع من الخل، قلنا: كذبتم، لأن الحسن بن حي يجيز الوضوء به، وبماء العصفر (٤)، وكذلك حميد ابن