← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 33

الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس

ابن حزم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

إجماع جميع أهل الإسلام، وجميع الصحابة ﵃ (١) فإن النبي ﷺ (٢) أعطى اليهود خيبر على أن يعملوها بنصف ما يخرج منها من زرع أو تمر، بحضرة جميع الصحابة أولهم عن آخرهم، وما منهم أحد إلّا وصل إليه نفع ذلك إما من نصيب في خيبر وإما إذْ بَلَغَهُ الأمر، فَسُرَّ بذلك لأنه أمر مشهور في بلد جليل، لم يكن بالحجاز، أخصب منه، ولا أجمع، وحسبك قول العرب (ريف الحجاز خيبر). وقالوا: بإبطال التحبيس (٣)، وهو إجماع متيقن ظاهر عند جميع الصحابة مشهور عندهم، من عملهم كلهم إلّا قَوْلًا قاله عبد الملك بن خبيب (٤) -وهو مشهور بالكذب- أن جميع الصحابة حبسوا أموالًا، إلّا عبد الرحمن بن عوف فإنه لم يكن يرى التحبيس.

стр. 1087

قال أبو محمد رَحِمَهُ الله تعالى (١): وهذا باطل، لكن روينا عن رجلين من التابعين إبطال التحبيس عن أحدهما -وهو شريح- (٢) وعن الثاني: كراهته - وهو المنذر بن ساوى (٣). قال أبو محمد رحمه الله تعالى (٤): يكفي من عظيم خلافهم للإجماع، أنَّه لا يختلف أحد ممن له أقل علم بالأخبار من مسلم وكافر، أنَّه لم يكن قط في عصر الصحابة واحد فما فوقه يأتي إلى قول صاحب أكبر منه، فيأخذه كما هو، ويترك قول غيره فلا يلتفت إليه، ثم لا يختلف اثنان في أنه لم يكن قط في عصر التابعين واحد فما فوقه عمد إلى أقوال تابع أكبر منه أو صاحب، فأخذها كما هي، ودان الله تعالى بها وترك قول من سواه، ثم لا يختلف اثنان في أنه لم يكن قط في عصر تابعي التابعين واحد، فما فوقه عمد إلى أقوال تابع، أو صاحب، فأخذها كما هي وحارب دونها كل ما سواها، هذا إجماع عن جميع الصحابة كلهم، وجميع التابعين أولهم عن آخرهم، وجميع تابعي التابعين، لا خلاف فيه عن أحد منهم، فهذا هو الإجماع التام المقطوع به، المتيقن في (٥) جميع الأعصار الثلاثة المحمودة، وهم يعرفون هذا

стр. 1088

ويقرون به، ولا يقدرون على إنكاره. ثم خالف جميع متأخريهم هذا الإجماع وخرقوه وابتدعوا ضلالة لم يسبقهم إليها أحد قبلهم فصاروا فرقتين: إحداهما قَلَّدت أبا حنيفة بلا طلب دليل، ولا تكلف برهان والأخرى جعلت شغلها في دينها البحث عما ينصرون به أقوال أبي حنيفة على تضاربها (١) وإختلافها، وأن له قولتين: إحداهما تحرم والأخرى تحلل ما حرم في الأخرى، فينصرونهما جميعًا مجاهرةً لله تعالى بهذا الباطل، بِكُلِّ خبر مكذوب يدرون أنَّه غير صحيح، وبكل قياس فاسد، وتعليل بارد، لم يعرفه قط صاحب، ولا تابع، وفيهم طائفة لا ترى الخروج عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، والحسن بن زياد، وزفر، وكل هذا بدعةٌ هتكوا بها إجماع أهل الإسلام قاطبة، ثم تلا هم فيها المالكيون والشافعيون، فهذا خلاف الإجمْاع حقًا لا أكاذيبهم المفضوحة ودعاويهم المفتراة في دعواهم الإجماع، حيث لا إجماع إلى خلافهم الإجماع حقًا وكذبهم على جميع الصحابة ﵃ (٢) أو على جميع أهل الإسلام أولهم عن آخرهم، فأخذوا طرفي حبل الضلالة، وانتظموا التلبيس معًا، ونعوذ بالله من الضلالة والهلكة. قال أبو محمد رحمه الله تعالى (٣): فهذه أقوالهم في خلاف الإجماع المتيقن، وخلاف الجمهور، وما قالوه مما لا يعرف له

стр. 1089

قائل قبلهم، وإن لم يقطع على إنه إجماع بآرائهم لا بنص، ونحن إنْ شاء الله، ذاكرون أقوالهم المتناقضه في القياس، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم. * * *

стр. 1090

تنبيه في ذكر طرف من تناقضهم في القياس الذي به يَفْخَرُون وإليه ينتسبون وله يتركون القرآن، وسنن رسول الله ﷺ (١)، وإجماع المسلمين، إما بتركهم في المسألة التي قاسوا فيها قياسا مثل الذي قاسوه، وإما بتركهم فيها قياسا أقوى وأظهر من القياس الدي قاسوه، وإما بتركهم القياس في مسألة أخرى مثل المسألة التي قاسوا فيها سواءً، وطرفِ مما خالفوا فيه الأصول التي يرون خلافها بزعمهم حراما في الدين. قال أبو محمد رحمه الله تعالى (٢): أجازوا الوضوء بنبيذ التمر، وقالوا: هو ماء استضاف إليه تمر طاهر (٣)، قياسا على كل ما اختلط به شيء طاهر، وقاسوا في أحد قوليهم عليه أيضا سائر الأنبذة، ولم يقيسوا عليه في قولهم الثاني سائر الأنبذة، ثم لم يقيسوا عليه الخل، فإن كان القياس حقا فقد تركوه، وإن كان باطلا فقد استعملوه، فإن ادعوا الإجماع على المنع من الخل، قلنا: كذبتم، لأن الحسن بن حي يجيز الوضوء به، وبماء العصفر (٤)، وكذلك حميد ابن

стр. 1091

عبد الرحمن (١)، صاحبه (٢)، وبعض السلف الطيب يجيز الغسل من الجنابة بحنا رقيق (٣)، فهبكم أنكم صدقتم في أنه إجماع، فهلا قستم ما اختلف فيه من النبيذ، على ما صدقتم أنه إجماع من المنع من الوضوء من الخل، وهذا مما خالفوا فيه الأصول التي يعظمون خلافها، وذلك أنه يقال لهم: في أي الأصول وجدتم ماء يجوز التطهر به في خارج المصر والقرية، ولا يجوز التطهر به في المصر والقرية، وهذا هو خلاف الأصول حقا. فإن قالوا: إنما اتبعنا في ذلك فعل النبي ﷺ (٤) فلم يفعله إلا خارج القرية، قلنا لهم: ولم يفعله ﵇ إلا خارج مكة، فلا تتعدوا به خارج مكة، وإلا فلم قستم على ذلك الموضع سائر

стр. 1092

المواضع، ولم تقيسوا عليه ما بين منازل القرية، فتأملوا جهلهم بالقياس، وتلوثهم فيه وأين وجدوا في الأصول: ما لا يجزئ الوضوء به إذا وجد ماء آخر، ويجزئ الوضوء به إذا لم يوجد ماء غيره، وكيف قاسوا الغسل في ذلك على الوضوء الذي جاء به الخبر، ولم يقيسوا داخل القرية على خارجها، وكيف قاسوا جميع الموزونات في الربا على الذهب والفضة، ولم يقيسوا سائر الأنبذة على ما صححوه عن النبي ﷺ (١)، ونسبوه إليه أنه قال: (تمرة طيبة وماء طهور) (٢)، فهلّا قالوا في الخل: (عنبة طيبة وماء طهور)؟ ! وفي المرق: (لحم طيب وماء طهور) (٣)؟ ! وهلّا اقتصروا على الأصناف الستة، كما اقتصروا على التمر ههنا؟ ! ! وقاسوا على الفأر يقع في السمن، وعلى البائل في الماء الراكد، كل مائع يقع فيه نجس، ولم يقيسوا على نبيذ التمر كل مَاءٍ ممزوج بسائر الطاهرات. وقاسوا -بزعمهم- على خبر مكذوب: (يا بني عبد المطلب، إن الله كره لكم غسالة أيدي الناس) (٤) فحرموا بذلك الوضوء بالماء الذي توضأ به مسلم طاهر الأعضاء، وهم يبيحون لبني عبد المطلب غسالة

стр. 1093

أيدي الناس، فهل سمع بأحمق من هذا القياس؟ وهل يأتي المَمْرورُ (١)، إلا بمثل هذا؟ ! ! وتركوا قياس الماء المستعمل في الوضوء، على الماء الذي يأخذه كل مسلم يتوضأ -لا نحاشي (٢). (٣) أحدًا من المسلمين- بيده فيوضئ به يده فيصير مستعملًا في الوضوء عيانًا، ثم يُمِرُّهُ على ذراعه فيوضئها به، فهذا الوضوء بالماء المستعمل جهارًا مجمعًا على جوازه، وهذا أصح قياس في العالم لو كان شئ من القياس صحيحًا! ! وقالوا: قسنا الماء المستعمل في إزالة الحدث على الماء المستعمل في إزالة النجاسة، قلنا: كان الماء المستعمل في إزالة النجاسة ينتقل إليه بحكم النجاسة، صار الماء المستعمل في إزالة الحدث ينتقل إليه حكم الحدث (٤). قلنا: إليه يا للمسلمين هل سمعتم بأحمق من هذا الكلام؟ فأول ذلك: من أين وجب أن ينتقل حكم الحدث إلى الماء الذي يزال به حكم الحدث، من أجل انتقال حكم النجاسة إلى الماء الذي يزال به حكم النجاسة، فهذه قضية سخيفة لا دليل على صحتها، ثم وجه آخر، وهو: أننا لا نصحح لهم أن الماء الذي تزال به النجاسة

стр. 1094

ينتقل إليه حكم النجاسة، بل هي قضية فاسدة باطلة (١)، إذ لو كان ذلك لما زالت النجاسة أبدًا، لأنَّه كان الماء الذي يلاقيها يتنجس بملاقاتها، فكيف تزال النجاسة بالماء النجس؟ بل الماء الذي تزال به النجاسات طاهر مطهر، ولولا ذلك ما طهر النجاسات، إلا أن تظهر فيه عين النجاسة، فيكون حينئذ حرامًا غير مطهر للنجاسة، ولا بد من ماء آخر مطهر للنجاسة، مزيل لها جملة، ولا يظهر فيه عينها. ثم وجه ثالثٌ وهو أن قولهم: وجب أن ينتقل حكم الحدث إلى الماء الذي يرفع به الحدث أحمق كلام على وجه الأرض، ولا يعقله أحد، ولا يفهم له معنى، لأن الحدث هو الذي تنتقض به الطهارة بعد صحتها، فكيف ينتقل هذا الحكم إلى الماء؟ هذا جنون! والحدث إنما هو خروج أشخاص، من الجسد، أو عمل موصوف، أو حال محدودة، ومن المُحَالِ الذي لا يفهم أن يكون مَاءٌ لم يخرج من الجسد حدثًا! ! ! وقائلُ هذا الكلام نشهد بشهادة الله الذي لا إله إلّا هو أنَّه فاسد الدماغ، أو ممخرق (٢) بما يدري أنّه باطل لرقة دينه. ثم وجه رابع: وهو: أنَّ الماء الذي توضأ به يد المسلم المتوضئ التام الطهارة، يصير حرامًا استعماله عندهم في التطهر، ولم يرفع به حدث قط. ثم إذا قاسوا هذا القياس السخيف البارد، وتركوا أصح قياس على ظهر الأرض لو كان القياس حقا، وهو أن يقاس الماء الذي يؤدى به

стр. 1095

فرض رفع، الحدث على الثَّوبِ الَّذي يؤدى به فرض سَتْر العورة في الصلاة، فلا يَصْنَعُ ذلك من أنْ يؤدى به فرضُ سترها في صلاة أخرى، وهل الأحجار التي يؤدى (١) بها فرض رمي الجمار، فلا يمنع ذلك، من أن يؤدى بها (٢)، فرض رميها مرة أخرى؟ ! وعلى التراب (٣) الذي يرفع به الحدث بالتيمم للصلاة، فلا يمنع ذلك من رفع الحدث به مرة أخرى لصلاة أخرى، وعلى الماء يستنجى (٤) به مرة، فلا يمنعون من الاستنجاء به مرة ثانية إذا لم يكن فيه نجاسة، فهذه المقاييس التي تعقل لو كان القياس حقا، فاعجبوا لجهلهم بالقياس، ولسخف كلامهم فيه! ! وقالوا: قسنا على قول ابن عباس ماء الحوض يقع فيه الجنب، فيغتسل فيه (٥)، فقسنا على الجنب غير الجنب، فقلنا: هذا قياس في غاية السخف، لأنكم قستم شيئا على ما لا يشبهه، إذ قستم طاهرا متوضئا على جُنب، ثم قستم على باطل لم يصح قط عن ابن عباس، لأنه من طريق عمر بن عامر (٢٥٠/ ت)،

стр. 1096

وهو ضعيف (١) ولم يقيسوا (٢) الماء الوارد على النجاسة لإزالتها، على الماء الذي لم ترد عليه النجاسة، وكلاهما مُماسٌّ للنجاسة (٣) بلا شك، فجعلوا أحدهما يزيل حكم النجاسة، والآخر قَابِلٌ لحال النجاسة، وحالهما واحدة. ولم يقيسوا الماء المتجدد الذي بيل فيه، فأجازوا شربه، والتطهر به للوضوء وإن (٤) كان أسفل من البائل، على الماء الراكد يبال فيه، وكلاهما ماء قد بيل فيه بضرورة الحس، ولم يقيسوا الجانب الشرقي من غدير كبير في غَرْبِيِّهِ نجاسة، على الجانب الجنوبي والشمالي منه، فكل ذلك مُماسٌّ لما نجس عندهم، فهل في الأرض أحمق من هذه المقاييس، وممن يقيس في دينه بها، ويترك المقاييس المخوفة (٥) التي ربما أشكلت على ذي الفهم إذا لم ينعم النظر في بطلان القياس إذ ابتلاهم الله تعالى ببلية الضلال بالقياس، ثم نسألهم في أي الأصول وجدتم عملا إذا عمل به على وجه الطاعة لله تعالى (٦)، والتقرب إليه، وأداء ما افترض، أفسد ما

стр. 1097

به كان تمامه وقذره، فإن عمل ذلك العمل نفسه على وجه المعصية لله تعالى، والطاعة لإبليس لم يفسد ما به كان تمامه ولا قذره؟ ! هذه أصول الهوس والضلالة، لا أصول الإسلام ونسأل الله تعالى (١) العافية. وقاسوا في المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة، باطن الأنف وداخل الفم، على غسل الأعضاء الظاهرة فأوجبوا لكل ذلك فرضا (٢)، لأن ما أدخل في الفم، وفي الأنف في حال الصوم لم ينقص الصوم، كما لو جعل في الأعضاء الظاهرة، ولم يروا هذا الحكم نفسه موجبا للقياس في باطن الفم، وباطن الأنف؛ على أعضاء الوجه الظاهرة من الوجنتين والخدين والجبهة والشارب والذقن في إيجاب المضمضمة والاستنشاق في الوضوء، لأن ما أدخل في باطن الفم، وباطن الأنف لا يبطل الصوم، كما لو جعل في ظاهر الوجه، وقد أمرنا بغسل الوجه في الوضوء، كما أمرنا بغسل الجسد للجنابة ولا فرق. وقاسوا النسيان على العمد فيما تبطل به الصلاة من الكلام، كالعمل الممنوع منه في الصلاة (٣). وقاسوا -مَهَارةً- النسيانَ على العمد، فيما يوجب الجزاء من قَتْل الصيد للمحرم، وفي الحرم، وفيما أوجبوا فيه الصدقة أو الدم، أو

стр. 1098

من اللباس، والطيب للمحرم، ولم يقيسوا النسيان في السلام قبل تمام الصلاة؛ فلم يبطلوا به الصلاة؛ على تعمد السلام قبل تمامها فأبطلوا به الصلاة؛ ولم يقيسوا النسيان على العمد فيما يبطل به الصوم من الأكل والشرب والجماع، ولم يقيسوا النسيان في الجلوس في موضع القيام في الصلاة على تعمده. وقاسوا القيام لركعة زائدة في الصلاة في موضع الجلوس ناسيا؛ على تعمده؛ فأبطلوا الصلاة بكليهما (١). ولم يبطلوها بالنسيان في الجلوس مكان القيام فيها، وأبطلوها بتعمده؛ ولا قاسوا النسيان لذكر الله تعالى على التذكية، على تعمد ترك ذكره عليها، فاعجبوا أيها الناس من هؤلاء واختلاطهم؛ ولتسكعهم في ضلالات القياس جهلًا به، وإقدامًا على القول بالجهل المظلم في الدين. وقاسوا فعل الإنسان ناسيا ما حلف أن لا يفعله، على فعله إياه عمدا، فأوجبوا الكفارة والحنث في كل ذلك. وقاسوا على كون النَّجاسة المتيقنة في الثوب والبدن والمكان؛ وإن لم يظهر عينها فيه متصلا للصلاة كذلك كون النجاسة في الماء، وإن لم يظهر عينها، فأوجبوا بذلك أن يكون متصلا؛ بذلك الماء، فجعلوا الثوب والبدن أصلا، وجعلوا الماء فرعا مقيسا عليهما في كون النجاسة في كل ذلك، ثم لم يقيسوا الثوب والبدن على الماء؛ ولا

стр. 1099

الماء عليهما في قليل النجاسة وكثيرها، بل قالوا لا يمتنع من الصلاة في الثَّوْبِ أن يكون فيه قدر الدرهم البغلي من النجاسة، ويُفسد الماءَ قليلُها وكثيرُها (١)، ألا فاعجبوا لهذ التلوث (٢)! ! فقال قائلهم: قد صح الإجماع على أن الثوب لا ينجس بظهور أثر النجاسة فيه بعد غسلها، وصح الإجماع في الماء بخلاف ذلك - قلنا: كذبتم، قد سئلت عائشة أم المؤمنين عن الثوب يكون فيه الدم فيغسل فلا يزول أثره، فأمرت أن يُغَيَّرَ بزعفران (٣) فَبَطَلَتْ دعواكم في الإجماع، ثم لو صدقتم في ذلك لكان ذلك حجة عليكم، إذ قد أقررتم بالإجماع على التفريق بين حكم الماء، وحكم الثوب؛ وعلى إبطال قياس أحدهما على الآخر، فقيسوا ما اختلف فيه من قياس حُكْمِ أحدهما على الآخر، على ما اتفق عليه من منع قياس أحدهما على الآخر؛ فهذا أصح قياس يوجد لو كان القياس [الشرعي] (٤) حقا! ! وقاسوا البئر تقع فيها الفأرة والسنور والعصفور، على السمن الجامد تموت فيه الفأرة، فتؤخذ وما حولها؛ ويؤكل سائر السمن (٥)؛ ولم

стр. 1100

يقيسوا ماء البئر المذكور على السمن المائع يموت فيه الفأر فيحرم أكله كله، فهذا القياس أصح من قياسهم المذكور، لأن ماء البئر مائع؛ وليس جامدا، فهو يشبه السمن المائع لا الجامد بلا شك؛ ولم يقيسوا ماء البئر تقع فيه الميتة؛ على السمن الجامد تقع فيه الميتة. بل قالوا: تخرج الميتة أي ميتة كانت وما حولها؛ ويؤكل الباقي؛ وأوجبوا نزح البئر من الشاة تموت فيها؛ ومن الفأر ينتفخ فيها (١)؛ ولم يقيسوا الماء في الإناء، أو في الجُب (٢) يقع فيه الفأر، فيموت فيه على السمن الجامد في الإناء يقع فيه الفأر، فيموت فيه، بل أوجبوا هرق كلِّ نقطة في الجب، أو الإناء بخلاف السمن الجامد، فاعجبوا لشدة استخفاف هؤلاء القوم بالديانة؛ أو لشدة سخفهم، لا مخلص لهم -والله- من إحدى الحالتين؛ ومن التورط في هاتين الخُطَّتين، نعوذ بالله من كلتيهما. وقاسوا الذي لَاقَى النجاسة، أو ما لاقاه من الماء على النجاسة فحرموه كله؛ ولم يقيسوا على النجاسة، ولا على الماء الذي لاقاها الماء الذي في طرف الغدير، الذي إن حُرِّك طرفه، لم يتحرك الطرف الآخر (٣). وقاسوا ما شرب فيه الخنزيرُ والحمارُ والبغلُ والسَّبع، على ما ولغ فيه

стр. 1101

الكلب، ولم يقيسوا ذلك على ماء ولغ فيه السنور، أو شرب فيه الفأر، وهو حرام كالخنزير والسبع، فإن قالوا: خَصَّصْنا السنور بالأثر أنها لا تنجس إنما هي من الطوافين علينا (١)، فقلنا: والبغل والحمار كذلك، وقد صح الأثرُ بغسل الإناء من ولوغ الهر فيه (٢)، فَلِمَ خالفتموه وهو أصح من الذي تعلقتم به (٣).؟ وقاسوا كل ما ليس له -بزعمهم- دمٌ سائلٌ كالعقرب والخنافس والصرار (٤) إذا مات في الماء، فلا يُنجِّسه عندهم، على الذباب الذي ورد فيه الخبر بمقله في الطعام (٥)؛ وعلى صحة الإجماع على أكل الباقلا المطبوخ وفيه الدود الميت، على أكل الخل وفيه البعوض الميت، ودود الخل الميت؛ وعلى أكل العسل وفيه النحل الميت (٦).

стр. 1102

وقاسوا الحلم (١)، وكل مالَهُ دَمٌ سائل (٢) إذا مات في الماء ينجسه، على الفأر يموت في السمن، فهلا قاسوا على الذباب والبعوض والنحل ودود الباقلا؛ كل ماله جناحان؛ وقاسوا على الفأر كل ذي أربع؛ وإلا فمن أين قصدوا إلى مراعاة الدم السائل، والدم كله حرام سائله، وغير سائله، وللذباب دم مُشَاهَدٌ، وللبراغيث كذلك، وكل ذلك ميتة حرام أكله، فَلِمَ لم يقيسوا بعض الميتات على بعض؟ ! ! فقالوا: إنما عولنا على الخبر الذي فيه عن النبي ﷺ (٣): "كل طعام أو شراب وقعت فيه دابة ليس لها دم، فهو الحلال أكلُهُ وشرابُه ووضوؤُه" (٤). قلنا أول كلامنا معكم: أن هذا خبرٌ مكذوب مفترى على رسول الله ﷺ (٥)، لأنه إنما رُوي من طريق بقية (٦) -وهو ضعيف- عن مجهول (٧) لا يدرى من هو، ومن قِبَلِهِ جاءت الداهية، عن علي بن

стр. 1103

زيد (١) -وهو ضعيف- عن سعيد بن المسيب عن سلمان، ولم يلق سعيد سَلمان قطٌّ. ثم هبكم أنه صحيح -ومعاذ الله تعالى من ذلك- فمن أين وقع لكم أن تقيسوا على ما فيه من الاقتصار على الطعام والشراب ما ليس طعاما؛ ولا شرابا كالطيب والبان (٢) والصابون، وقدور الصَّبَّاغين وغير ذلك ولم تقيسوا (٣) على ما فيه من ذكر ما لا دم له، ما له دم، كما قستم المتغوط الذي لم يُذكر في الخبر على الثابت البائل الذي اقتُصر على ذكره فيه؛ وكما قستم الكلب يموت في ماء الوَرْد، على الفأر يموت في السَّمن، ولم يُذكر الكلبُ، ولا ماءُ الوَرْدِ في الخبر؛ ومِنْ أين وقع لكم هذا التحكم البارد؟ وهلا اقتصرتم على ما فيه من ذكر الطعام والشراب، كما زعمتم، أنكم اقتصرتم على ما فيه من ذكر ما ليس له دم لَوْ عَقَلْتُم! ! . وثالثةٌ وهي: أنّ الذُّباب والبُرغوث لهما دَمٌ؛ وليس في هذا الخبر ذكر دم سائل كما زعمتم في تفسير أقوالكم الفاسدة؛ وقد علمنا

стр. 1104

وعلمتم ضرورةً، أنَّ كُلَّ دابة ماتت، فلا دم لها بعد موتها، وإنما لها دم في حياتها فقط، فقد صار الدم الذي جعلتم علامة للنجاسة، وموجبا للتنجيس إنما لم ينجس إذا عُدم وبَطل، لا إذا وجد وحسبنا الله ونعم الوكيل، ونسأل الله تعالى سلامة الأديان والعقول. فإن ادَّعوا إجماعًا في الفرق، كذبوا، لأن الشافعي في أشهر قوليه يرى كُلَّ ما مات في المائعات مما لَهُ دَمٌ سائل، أو غير سائل، أو لا دم له، فإنه ينجسها حاشا، ما كان حلالا بغير تذكية كالسمك والجراد (١)، فإن قالوا: لم يقل هذا أحد قبله، قلنا: ولا قسَّم أحدٌ قطُّ هذه التقاسيم قبلكم؛ فما الفرق؟ ! ولم يقيسوا (٢) ما شرب فيه الحَنَشُ (٣)، وكُلُّ طائر لا يؤكل لحمه من البُزاة والصُّقور والعُقْبان والأحدية، على ما يشرب فيه سِبَاعُ ذوي الأربع، وقد روى الطحاوي عن أحمد بن عبد الله الكندي (٤) عن علي ابن معبد (٥)، عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف أنه سأل أبا حنيفة

стр. 1105

عن الفرق في هذا بين سباع الطير، وسباع ذوات الأربع، فقال له أبو حنيفة: "أما في القياس فهما سواء، ولكني أستحسن في هذا". قال أبو محمد رحمه الله تعالى (١): أف لهذا الورع؛ وَتَبًّا لهذا العمل في الدين، والله قسمًا برًّا، لئن كان القياس حقا، فما يحل استحسانُ تركه، ونعوذ بالله تعالى من ترك الحق؛ ولئن كان باطلا، كما أنه عند الله تعالى باطلٌ - فما يحلُّ القول به، ونعوذ بالله تعالى من القول بالباطل. ثم إن بعض من ابتلي بتقليده من متأخريهم قال: "إنما كان ذلك، لأنه لا يُستطاع أن يُتحفَّظ من سباع الطير فكانت كالسِّنَّور". قال أبو محمد رحمه الله تعالى (٢): فكان هذا التخريج برهانا قاطعا على عدم الحياء من وجه قائله، لمُجَاهرته بالكذب الفاضح، تالله ما علمنا قط في العالم من ولغ في إنائه عُقاب؛ أو حَدَأَةٌ، أو بازي، أو صقرٌ، وأما مَنْ ولغ في إنائه حَنَش، فيكاد أن يكون وجوده كوجود بيض الأنواق (٣)، وإن ولوغ الفأر لقريب منه.

стр. 1106

ولو قال قائل: إن أهل البادية وأصحاب الصيد؛ لا يُمكنهم التحفظ من ولوغ الكلب في في آنيتهم لصدقوا أو لصدق، فاعجبوا واحمدوا الله تعالى على السلامة، واسألوه العافية مما ابتلاهم به. وهم يقولون: إن بول الإبل يُنَجِّسُ ما وقع فيه (١)، ولقد أخبرني من لا أمتري في صحة حديثه، وثُقُوبِ معرفته من أهل الإبل، أنه لا سبيل ألبتة إلى التحفظ من أن يقع في ألبان الإبل عند حلبها بَوْلُها، فلو قَلَبَ هؤلاء القوم مذاهبهم لأصابوا! ! وقاسوا لحم البغل في التحريم على لحم الحمار، والبغل ليس حمارًا؛ وقد صَحَّ عن الزُّهري إباحة لحم البغل، وتحريم لحم الحمار؛ وإنما أوردناه لئلا يبادروا إلى دعوى الإجماع في التسوية بينهما، ولم يقيسوا ما أسكر من نبيذ التين، ونقيع العسل على ما أسكر من نبيذ الزبيب، ونبيذ التمر؛ ولا قاسوا ما طبخ من نبيذ الزبيب، ونبيذ التمر على ما طبخ من عصير العنب، إذ حدوا في طبيخ عصير العنب ذهاب الثلثين، ولم يحدوا ذلك في طبيخ نبيذ الزبيب ونبيذ التمر. وقالوا: من كان عنده في السفر إناآن من ماء، أحدهما نجس لا يدريه بعينه، ففَرْضٌ عليه هرقهما والتيمم؛ ولا يحل له التحري في أحدهما فيتوضأ به، ومن كان معه في السفر والحضر ثوبان أحدهما

стр. 1107

نجس لا يدريه بعينه، ففرضه أن يتحرى في أحدهما فيصلي فيه (١)؛ وكذلك لو وجد شاتين: إحداهما ذبيحة وثني أو ذبيحة عيار (٢) بعد أن ماتت لا يشك في ذلك، والأخرى ذَكِيَّةٌ؛ فإن له أن يتحرى في إحداهما فيأكلها؛ ولم يقس (٣) الثوبين والشاتين على الإنائين، فاحتج بعضهم في ذلك بأن قال: الفرق بين الإنائين وبين الثوبين، وبين الشاتين هو أن الثوب الذي فيه النجاسة كقدر الدرهم البغلي فأقل تجوز الصلاة فيه، وإن وجد غيره، ولا يجوز الوضوء بِمَاءٍ فيه نَجَاسَةٌ قلت أو كثرت؛ فقلنا: كَذَبَ قائلُ هذا، وعَكَسَ الصواب، بل الماء الذي لا تظهر فيه النجاسة حلال شربه والوضوء به؛ وأما الثوب الذي تُوقَنُ فيه النجاسة فالصلاة فيه حرام قلت أو كثرت، ثم هبكم كما ذكرتم؛ فكان ماذا؟ ! ومن أين وجب من ذلك أن يتحرى في الثوبين والشاتين، ولا يتحرى في الإناءين؛ وهو موقن أن في أحد الثوبين، قدر نصفه نجاسة غير ظاهرة العين؟ ! ! وكيف تقولون في الشاة الميتة أيحل أيضا منها القليل، أو كيف الأمر؟ ! ألا حَيَاءَ من الله تعالى في مثل هذا التمويه البارد؟ ! ! ولم يقيسوا حكم مَنْ ذكرنا ممن بين يديه في السفر إناآن: أحدهما نجس لا يعرفه بعينه، على من بين يديه ثلاثة آنية فيها ماء أحدهما:

стр. 1108

نجس لا يعلمه بعينه، ولا قاسوا صاحب الثلاثة الآنية على صاحب الإناءين، بل أوجبوا على مَنْ بين يديه الثلاثة أن يتحرى في أحدهما، فيتوضأ به للصلاة ويشرب منه. فاحتج لهذا بعضُ متأخريهم بأن قال إن الثلاثة قد حصل لها حكم الغلبة، فوجب التحري كمسلم دخل أرض الحرب؛ فله أن يقتل من لقي ولعله (١) مسلما، ولا يحل له ذلك في أرض الإسلام، وقد يكون فيهم المرتد. قال أبو محمد رحمه الله تعالى (٢): هذا من أطْرَف ما سُمع: قياسُ الآنية بالماء على القتل، ولا يقاس عليه آنية بماء بها مثلها، ثم نقول لهم وبالله تعالى التوفيق (٣) أرأيتم تشبيهكم الثلاثة من الآنية بالداخل في أرض الحرب، أوَ تَرَون أهل دار الحرب ثلاثة نفر فقط؛ فتقيسون عليهم الثلاثة الآنية، دون أن تقيسوا عليهم الإثنين، أَمْ ترون المرتدين في أرض الإسلام اثنين هم فقط؛ فشبهتم به الإثنين، إن هذا لَهَوَسٌ ما له من نظير! ! ونسأل الله تعالى العافية؛ فهذه صفة مقاييسهم، ومقدار منازلهم في العلم بالقياس! ! وقاسوا على الخبر في جلد الشاة الميتة (٤)، جلد كل ميتة من كَلْبٍ

стр. 1109

وسَبُع وحمار وغير ذلك حاشا جلد الخنزير فقط، فلم يقيسوه على ذلك (١)، وما فرَّق الله تعالى قط بين الميتة ولحم الخنزير، بل حرم تعالى كل ذلك تحريما واحدا في نص القرآن، ولا فَرَّقَ تعالى قط على لسان رسوله ﷺ (٢)، وفي بيان لكتاب ربه جل وعلا (٣)، أن كل إهاب دبغ فقد طهر (٤)؛ فاحتج لهذا بعض متأخريهم بأن قال: الخنزير لا تعمل فيه الذكاة أصلا، فقلنا لهم: والكلب والحمار والسبع عندكم، تعمل فيها الذكاة شيئا؟ ! ، فإن قالوا: نعم تركوا مذهبهم؛ وإن قالوا: لا سَوَّوْا بين الخنزير وبين الكلب والسبع، والبغل والحمار، فقال بعضهم: تعمل فيها الذكاة لدباغ جلودها، فقلنا: كذبتم إنَّه لا فرق بين جلودها مذكاة وبين جلودها وقد ماتت حتف أنفها، فقال آخر منهم: للإنسان أن يذكيها ليطعمها بُزَاتَهُ وفُهُودَه، فقلنا: وله أن يطعمها إياها غير مذكاة، لأن الشرائع لا تلزم البزاةَ والفهودَ؛ وللإنسان أن يُطلقَ دجاجه للرَّعْي؛ وليس عليه أن يحرسه عن أكل العذرات والميتات؛ مع أن تذكية ما لا يحل أكله باطلٌ وكذبٌ؛ لأن التذكية إنما هي

стр. 1110

للأكل بنص القرآن فقط؛ لا لمعنى آخر أصلا. وقاسوا عصب (١)، الميتة على جلدها في أنها لا يجوز أن تستعمل إلا حتى تُدبغ؛ ولم يقيسوا صُوفها ولا عَظْمَها ولا شعرها على جلدها، بل قالوا: كل ذلك طاهر بلا دباغ (٢)، وفرَّقَ بعضُهم بين ذلك بأن قال: الصوف والشعر والعظام لا يلحقها حكم الموت، لأنه لا حياة فيها، وأما الجلد والعصب فيلحقها حكم الموت؛ فقلنا: ومن أين لكم هذا؟ ! فلو قال لكم قائل: الجلد والعصب لا يلحقها حكم الموت، ويلحق الصوف والشعر والعظام، واحتج بقول الله تعالى: ﴿يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (٣)، فصح أنها تموت إذ لا يحيا إلا ما مات، واحتج في ذلك بأن الصوف والشعر ينمو كما ينمو اللحم - أفكان يكون أقوى كلامًا منكم؟ ! ! وقال بعضهم: الصوف والشعر والعظم ليس من الحيوان، وليس ميتة، فقلنا: والذَّنب والألية قد يُقطعان من البهيمة الحية؛ فليست ميتة على أصلكم البديع في السُّخف، والبولُ والروث والدم يَبِينُ عن البهيمة وهي حية، فليست منه أيضا على أصلهم البديع؛ فإن قالوا: قسنا سائر العظام على القرن؛ قلنا: فقيسوا البول على لبن ما هو منه، كما فعل المالكيون ولا فرق، فتأملوا قياسهم واعجبوا! !

стр. 1111

وقاسوا ما خرج من الجسد من دم أو ماء، أو قَيْح على البول في أنه ينقض الوضوء (١)؛ ولم يقيسوا الجشوة (٢)؛ المنتنة على الفسوة، وكلاهما ريح منتنة؛ وقد وضح أن ما خرج من الريح من أعلى الجسد، وهو الفم كان جُشاءً، وما كان من أسفله من الدُّبُرِ كان فَسْوًا، والكل ريحٌ واحدة، وإنما اختلفت أسماؤها باختلاف المخرج فقط من الجوف، ولا قاسوا البلغم يخرج من الحلق على القيء والقَلَسْ. وقاسوا قولهم: أن الوضوء والغسل يُجْزِئَانِ بلا نية لهما للصلاة؛ لكن بنية التبرد، أو العَوْم في الماء على غسل النجاسة يُجزئ بلا نية؛ ولم يقيسوا التيمم على ذلك، بل قالوا لا يجزئ إلا بنية القصد به للصلاة. وقاسوا التيمم على الوضوء في أنهما إلى المرفقين (٣)؛ وكان أولى في القياس أن يقيسيوا المسح في التيمم على مسح الرأس في الوضوء؛ ومسح الخفين في أن يجزئ كل ذلك بلا نية. فقالوا: إنما قلنا ذلك، لأن الله تعالى قال: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٤). قلنا: وكذلك قال تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ

стр. 1112

وَأَيْدِيكُمْ﴾ (١)؛ ولم يقل إلى المرافق. وكذلك قال تعالى: ﴿ ... إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٢)، ولا فرق. وقالوا: الحج يجزئ عن الفرض إذا عُمِلَ بنية التطوع. وقالوا: يجزئ صومُ نصف النَّهار في كل يوم من رمضان بنية التطوع عن الفرض (٣)، ولم يروا أن تجزئ الصلاة عن الفرض بنية التطوع، ولم يقيسوا بعضَ ذلك على بعض، ثم تناقضوا ههنا أقبح تناقض، فقال أبو يوسف: "إن انغمس الجنب في بئر، لإخراج دلو؛ ولم ينو الغسل للجنابة، لم يُجزِه ذلك من غسل الجنابة". فنقض أصله في أنَّ مسَّ الماء للجسد يجزئ من غسل الجنابة بلا نية، وقال محمد بن الحسن: "بل يُجزئه، ولا يفسد الماء". فنقض أصله في أن الماء الذي يتطهر به يَفْسُدُ. وقاسوا إزالة النجاسات في الثياب بجميع المائعات على إزالتها بالماء (٤)؛ ولم يقيسوا إزالتها بالمائعات في الجسد على إزالتهما في الجسد بالماء؛ ولم يقيسوا إزالة الغائط والبول من الجسد

стр. 1113

على إزالتهما من المخرجين، إذ قالوا يُزَالان من مخرجهما بكل شيء، ولا يُزالان من سائر الجسد إلا بالماء، ولم يقيسوا إزالة النجاسة من المخرج بالرجيع اليابس على جواز إزالتها منه بالرَّوث اليابس، وكل ذلك عندهم نجس، فاحتج بعضهم لذلك بأن الرَّوث يجوز استعماله في الطبخ به، وتَزْبيل (١) الأرض به، فقلنا ومَنْ منع قط من الطبخ بالرجيع اليابس، ومن تسميد الأرض بالرجيع اليابس، إلا من منع في ذلك من الروث ولا فرق؟ ! . ولم يقيسوا إزالة النجاسة من الثياب على إزالتها من الخُفَّين والنعلين، فاحتج في ذلك بعضُ زعمائهم بأن قال: إنما ذلك لأن الثوب يُنَشِّفُ (٢) النجاسة إلى نفسه؛ ولا ينشف الخُفُّ النجاسة إلى نفسه؛ فكان هذا الاحتجاج في غاية السخف، لأنه لو عُكس؛ فقيل بأنَّ الثوب لا ينشف النجاسة إلى نفسه؛ والخف ينشفها إلى نفسه، لما كان بينهما فرقٌ. فإن قالوا: فعلنا ذلك، لأن رسول الله ﷺ (٣) أمر بغسل الإناء من وُلوغ الكلب؛ ولم يقل بالماء ويُغْسل الثوب من المحيض، ولم يقل بالماء! ! ، قلنا: وقد أمر بغسل آنية أهل الكتاب بالماء (٤)؛ وقد أمر

стр. 1114

فيما مسَّ الثوب من المذي بأن يُنضح بكفٍّ من ماء (١)؛ وأمر بغسل اليد قبل إدخالها الإناء (٢)، ولم يقل بالماء! ! وأمر بذنوب من ماء فصُبَّ على بول الأعرابي في الأرض (٣). وقاسوا مقدارَ ما تبطل به الصلاةُ عندهم من النَّجاسات؛ بكونه أكبرَ من مقدار الدرهم البغلي، على قدر دَوْرِ (٤) الدُّبر مع خَرْتِ (٥) الإحليل معا، فلم يبطلوا الصلاة بأقل من ذلك، ولا أوجبوا إزالته، وهم يوجبون إزالة البول من خرت الإحليل، فلم يقيسوا عليه مقداره من النجاسة. وقاسوا القيء والقلس على الحدث يخرج من المخرجين (٦)، ولم يقيسوا قليلهما على قليل الحدث؛ فصار بعضُ ذلك حدثا؛ وبعضُه غير حدث.

стр. 1115

وقاسوا قليل ذلك على كثيره في أنه كله نجس، ولم يقيسوه عليه في أنه ينقض الوضوء، كما ينقض كثيره (١). وقاسوا نَوْم التورك على نوم المضطجع في انتقاض الوضوء به، ولم يقيسوا عليه نوم الساجد والراكع. وقاسوا مسح الذِّراعين في التيمم على غسلهما في الوضوء، وهما عضوان يسقطان في التيمم؛ ولا قاسوا الأذنين في الاكتفاء بمسحهما في الوضوء على مسح سائر الرأس، وهما عندهم من الرأس، وهما أكثر من ثلاثة أصابع، على الاكتفاء بمسح مقدار أقل من مقدارهما من الرأس. وقاسوا ما لا يجوِّز القصر والفطر في أقل منه من الأسفار، على ما ادعوا أنه أكثر؛ ما ورد فيما نُهيت عنه المرأة من السفر إلا مع زوج؛ أو ذي محرم؛ ولم يقيسوا على ذلك ما لا يجوز التيمم في أقل منه من الأسفار (٢). وقاسوا امسح الوجه واليدين في التيمم؛ على غسل كل ذلك في الوضوء في إيجاب استيعاب جميع ذلك (٣)، ولم يقيسوا المسح في ذلك على مسح الخفين، ومسح الرأس في إسقاط وجوب استيعاب كل ذلك ولا شك في أن قياس المسح على المسح أولى؛ من قياسه على الغسل.

стр. 1116

وقاسوا وجود المتيمم الماءَ في الصلاة؛ على وجوده إياه في غير الصلاة؛ أنَّ وضوءه ينتقض بكل ذلك (١)، ولم يقيسوا القهقهة في الصلاة، على القهقهة في غير الصلاة؛ في انتقاض الوضوء بكل ذلك أو في أن لا ينتقض بكل ذلك. ولم يقيسوا قولهم أنَّ الصلاة تنتقض بما ينتقض به الوضوءُ، من الحدث ناسيًا على قولهم أنَّ الصلاة لا تنتقض بما ينتقض به الوضوء، من غلبة الحدث في الصلاة، ولم يقيسوا قَوْلَهُم أنَّ الصَّلاة تنتقض بما تنتقض به الطهارة؛ من غلبة البول والغائط والفَسْو؛ والريح المُصوِّتة. وقاسوا إيجابهم الوضوء لدخول وقت كل صلاة على مَنْ به سلس البول، وذي الجرح السائل على إيجابهم الوضوء لدخول وقت كل صلاة على المستحاضة (٢)؛ وهذا قولهم في انتقاض طهارة المسح على الخفين بانقضاء اليوم والليلة للمقيم، وانقضاء الثلاث للمسافر مما خالفوا فيه الأصول؛ فما وجدوا في الأصول قط طهارةً تنتقض بانقضاء وقت؛ ولم يقيسوا المسح عل الجوربين على المسح على الخفين؛ وقاسوا على ذلك المسح على الجرموقين (٣)، ولم يقيسوا مَنْ أتم صلاته، وقعد أكثر من مقدار التشهد؛ إلا أنه لم يسلم بعدُ في قولهم بانتقاض صلاته تلك كلها، ووجوب ابتدائها من أولها، بأن

стр. 1117

طلع أول قُرص الشمس؛ أو بأن يكون متيمما فيرى الماء، أو كان عريانا فوجد ثوبا، أو كان لا يحسن القرآن فتعلم سورة؛ أو برئ من جرح مسح عليه أو ذكر خمس صلوات فائتة فأقل؛ أو تم له وقت المسح على خفيه أو كانت مستحاضة فانقضى وقت وُضُوئِهَا؛ أو كانت صلاة جمعة فدخل وقت العصر؛ على أن من صلى جميع صلاته، وقعد في آخرها مقدار التشهد ثم بال عامدًا أوْ ناسيا، أوْ مَغْلوبًا، أوْ تَغَوَّطَ كذلك، أو خرجت منه ريحٌ كذلك، أوْ تَكَلَّمَ كذلك، أو جامع، أو كانت أمة فأعتقت حينئذ ورأسها مكشوف، فهؤلاء كلهم صلاتهم تامة ولم يقيسوا تنكيس بعض الصلاة في تقديم السجود قبل الركوع، والركوع قبل القيام، والقعود قبل السجود؛ إذ أبطلوا الصلاة بكل ذلك على ما أجازوه؛ ولم يبطلوا به الصلاة من تنكيس سجدة من كل ركعة لمن نسيها؛ فليس عليه إلا أن يسجدها متتابعة في آخر صلاته فقط، ولا قاسوا ذلك على ما أجازوه من تنكيس الوضوء وتنكيس الطواف، وتنكيس الأذان؛ وتنكيس الإقامة؛ وهذه أقوال مَنْ نكَّس الله تعالى قلبَه؛ فاعجبوا لجهل هؤلاء القوم بالقرآن والسنن والآثار وبالقياس، أو مِنْ تعمدهم خلاف ما يعلمونه من ذلك. وقالوا من عَمل في صلاته، أو حجه عملا مُحرَّما فيهما ناسيا، فهو كالعامد تبطل بذلك صلاته وحجُّه؛ ومن عمل ذلك في صلاته مغلوبًا لم تبطل صلاتُه، وإن أكل في صيامه (١)، فإن كان ناسيا لم تبطل وإن

стр. 1118

أطعم مغلوبا، أو جُومعت مغلوبة، بطل صيامها (١)؛ وكذلك يبطل حجه بالغلبة. وقاسوا على الخبر الذي فيه النهي عن سفر المرأة إلا مع زوجها (٢)؛ أو ذي محرم، السَّفَرَ الذي يكون فيه القصر والفطر للرجل والمرأة الحرة والأمة؛ ولم يقيسوا عليه السفر الذي يتيمم فيه؛ لا في أقل منه؛ والذي يتوضأ منه بالنبيذ لا في أقل منه؛ ولم يقيسوا الأمة في ذلك على الحرة في السفر دون ذي محرم. ولم يقيسوا على اللفظ الأعم في ذلك الحديث وهو: "لا تسافر أكثر من ثلاث" (٣)؛ ولا قاسوا على اللفظ الأخص فيه، وهو: "لا تسافر بريدا" (٤)، واعتلوا في تركهم السنة في المصراة بأنه لم يُقس عليه، نظراؤه، وقالوا بزكاة الخيل، ولم يقيسوا على صفتها عندهم نظراءها من البقر والحمير الذي لا نص فيها. وقالوا بخبر الوضوء من النبيذ، والوضوء من القهقهة في الصلاة؛ ولم يقيسوا عليهما نظراءهما من الخل؛ وسائر الأنبذة واللبن الممزوج

стр. 1119

بالماء، والكلام في الصلاة والعمل فيها. وقاسوا الذهب والفضة في أن جعلوا فيهما أوقاصًا، على الماشية، قالوا لأن الزكاة تتكرر في الذهب والفضة والمواشي بخلاف الزرع والثمرة (١)، ولم يقيسوهما في ذلك على ما يخرج من الأرض من الزرع والثمار، والذهبُ والفضةُ أشبهُ بما يخرج من الأرض منهما بالماشية، لأن الذهب والفضة ليسا حيوانا كالمواشي، بل موات كالزرع والثمرة وهما خارجان من الأرض كالزرع والثمرة، وتركوا القياس القوي وقالوا بقياس في غاية الفساد ثم تناقضوا في ذلك تناقضا آخر، فلم يقيسوا ماشية اليتيم ولا ذهبه ولا فضته على زرعه في وجوب الزكاة فيهما، ثم لم يقيسوا ما يؤخذ من معادن الذهب والفضة على ما يؤخذ منهما في الزكاة وقاسوه على الغنيمة من الرِّكاز وغيره، وهذا خَطَأٌ لا حيلةَ فيه، لأنَّه لا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا. وقاسوا على الذهب المعدني فيما يؤخذ منه معادن الذهب والقزدير والنحاس والرَّصَاصِ والحديد، واختلف قولهم في الزئبق، فمرة قاسوه على ذلك؛ ومرة لم يقيسوا (٢)، ولم يقيسوا على ذلك معادن

стр. 1120

الزرنيخ (١)، والكبريت والإثمد (٢)، والشب (٣)، واللازورد (٤)، والكهرب (٥) وسائر المعادن. وقاسوا الوقص في الخمسين من البقر على ما قبلها، وما بعدها في أحد قوليهم؛ ولم يقيسوا ما زاد على الثلاثمائة من الغنم في وَقْصه على ما قبله وما بعده؛ وكلا القولين في البقر والغنم مذكور عن إبراهيم النخعي، فإنه رُوي عنه: "يحاسب صاحب البقر فيما زاد على الفريضة"، هكذا مجملا، وفيما زاد على الثلاثمائة من الغنم ثلاث من الغنم، ثم في كل مائة تزيد شاة. وسووا بين البقر والإبل في أن كل واحد يجزئ عن سبعة، ولم يقيسوا زكاة البقر على زكاة الإبل. وقد قال بذلك جابر بن عبد الله صاحب رسول الله ﷺ (٦). (٧)،

стр. 1121

وسعيد بن المسيب، والزهري (١) وقتادة، وجاء في ذلك مرسل رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن سماك بن الفضل (٢) أن رسول الله ﷺ (٣) كتب إلى المصعبيين باليمن كتابا فيه: "وفى البقر ما في الإبل" (٤). وكلا القولين عن إبراهيم خلاف السنة، فَلا بالسنة تعلقوا، ولا القياسَ طَرَدوا. وقاسوا النساء التغلبيَّات على رجالهم؛ في إضعاف الصدقة عليهن -قالوا- قياسا على الزكاة، ولم يقيسوهن عليهن (٥) فى إيجاب الجزية عليهن (٥)، وإنما إضعاف الصدقة على بني تغلب عوض من الجزية، لا عوض من الصدقة. وقاسوا إسقاطهم الزكاة عن ماشية الصغار المجانين على سقوط الصلاة عنهم (٦)؛ ولم يقيسوا قولهم في جواز تقديم الزكاة قبل وجوبها؛ على المنع من تقديم الصلاة قبل وجوبها؛ ولا على المنع في

стр. 1122

قولهم من تقديم كفارة اليمين قبل وجوبها، ولا على المنع من تسليم الشفعة قبل وجوبها، ولا على المنع من تقديم الصوم الواجب قبل وقته ولم يقيسوا قولهم في إسقاط زكاة الفطر عن الشريكين في الرقيق جملة على قولهم في إيجاب زكاة التجارة على الشريكين في الرقيق للتجارة، وفي إيجاب الزكاة في المواشي من الشركاء، وأعجب شيء جوازهم (١) إسقاط الزكاة في الفطر عن الرقيق بَيْنَ الشركاء على من لم يجد إلا بعض الصاع. فاعجبوا لهذا الهوس؛ ولفساد هذا القياس! ! وقاسوا الآكل عمدا، على المجامع عمدا في نهار رمضان في وجوب الكفارة عليهما؛ ولم يقيسوا من بلع حصاةً أو عجينا على آكل الخبز في ذلك؛ وقاسوه عليه في أنه مفطر؛ ولم يقيسوا اللائط على المجامع في الفرج في إيجاب الكفارة عليهما؛ وقاسوه عليه في أنه مفطر إذا أمنى. وقاسوا المحتفن والمُقَطِّرَ في أذنه، على الآكل في إيجاب القضاء خاصة (٢)؛ ولم يقيسوه عليه في إيجاب الكفارة. ولم يقيسوا إيجاب الهدي عن المرأة؛ على الزوج؛ على قولهم في إيجاب الأضحية عنها عليه؛ ولا قاسوا إيجابهم الأضحية عنها عليه؛ على إسقاطهم عنه زكاة الفطر عنها. ولا قاسوا إيجابهم زكاة الفطر على الأب عن صغار ولده على إسقاطهم ذلك عنه، عن زوجته؛ ولم

стр. 1123

يقيسوا الواطئ ناسيا - وهو صائم -على الواطئ ناسيا- وهو محرم بحج أو عمرة إذ أبطلوا الحج بذلك؛ ولم يبطلوا الصوم بذلك. وقاسوا المُحْتَقِن بالخمر؛ على شاربها في الإفطار بذلك في الصوم؛ ولم يقيسوه عليه في إيجاب الحد؛ ولم يقيسوا مَنْ أُغْمِيَ عليه الشَّهْرَ كلَّه على من جُنَّ الشهر كله، فرأوا على المغمى عليه القضاء، ولم يروه على المجنون، ولا قاسوا الموصي بالصوم عنه على الموصي بالحج عنه، وكلاهما من عمل الأبدان، وكلاهما للمال في إصلاحه مدخل (١). ولا قاسوا أمرهم بالصلاة ركعتين عند المقام؛ على الموصي بأن يحج عنه على نهيهم عن الصلاة عن الموصي بها عنه، ولا قاسوا العبد يحضر الجمعة، فيصير من أهلها؛ وتجزئ عنه، وهو إن لم يحضرها ليس من أهلها؛ عندهم؛ على حج العبد فلا يجزئ عنه؛ ولا يصير بذلك من أهله؛ وقالوا: نقيس حج العبد على صوم الحائض وصلاتها، فقلنا: فقد تناقضتم إذ جعلتم حج العبد قُربةً وأجرًا؛ وفعلًا حَسَنًا ولم تَرَوْا ذلك في صلاة الحائض وصومها؛ وكلاهما عندكم غير مخاطب بما فعل مِنْ ذلك؛ ولم يقيسوا الوقوف بعرفة قبل وقته وفي غير عرفة، على إجازتهم تقديم الإحرام بالحج قبل أشهر الحج؛ وقبل الميقات المحدود لذلك. وقاسوا الخنازير المحرمة والأسد والسباع، وكل ذي مخلب من الطير على الصيد الحلال، في إيجاب الجزاء في كل ذلك على المحرم، وفي

стр. 1124

الحرام، وإنما جاء النص في المحلل وحده، بعد الإحلال، وقبل الإحرام بنص القرآن. وقاسوا المخطئ في قتل الصيد على النص في العامد، وهذا كله من باب قياس الشئ على ضده، وما لا يُشْبِهُهُ، ولم يجمعه والمقيس عليه علة. وقاسوا الرصاص والحديد والجير (١) والقطن، على القمح والتمر والشعير والملح والذهب والفضة، ولا نص في سوى هذه الست، ثم لم يقيسوا جميع المحرمات في إباحة قتلها في الإحرام، على الحية والعقرب، والفأر والحدأة، والغراب والكلب العقور. وقاسوا المحرم في منعهم له من تغطية وجهه بزعمهم على حكم المرأة بمنعها من ذلك. قال أبو محمد رحمه الله تعالى (٢): وكذبوا، ما هي ممنوعة من ذلك أعني من تَغْطِيَةِ وجهها، إنما هي ممنوعة من النقاب فقط. وقاسوا الذئب على الكلب العقور في إباحة قلته للمحرم، وفي الحرم، ولم يقيسوا سائر السِّباع على الكلب في ذلك، ولا شكَّ أنَّ ضُرَّ الأسد والنَّمر أكثر من ضُرِّ الذئب، ولا قَاسُوا سباع الطير على الحدأة في إباحة قتلها في الحرم والإحرام، وهذا طريف جدا، ولا قاسوا من فسد حجه، على من فَسَدَتْ صلاته في أمرهم من فسد حجه

стр. 1125

بالتمادي على ما لا يجزئه من ذلك، ولم يأمروا بذلك من فَسدَتْ صلاته وجاءت النصوص بايجاب الهدي في الفدية أو الجزاء على المتمتع ممن كان ساكنا بأهله في الحرم، وحالق رأسه لأذى مرض أو قمل، وقاتل الصيد عمدا والمحصر فقط (١)، ثم عوض الله تعالى الصيام من الهدي للمتمتع ممن لم يجد هديا، وبتخيير لحالق رأسه لمرض أو قمل، ولقاتل الصيد عمدا، وعوض الله تعالى الإطعام من الهدي في حالق رأسه لأذى قمل، أو مرض، وفي قاتل الصيد عمدا، والواحد من هؤلاء الأربعة محسنٌ عمله، أفضل من عمل غيره، وهو المتمتع، واثنان من الأربعة معذوران، وهما حالق رأسه لأذى: مرضٍ أو قملٍ، والمحصر بعدوٍّ؛ أو مرضٍ؛ أو عجز، والرابع: عاصي وهو قاتل الصيد عمدا، فقاسوا في إيجابهم الهدي، أو الصدقة، أو الصوم في ذلك من يطول ذكره ممن لا شبه بينه وبين هؤلاء الأربعة أصلًا، فَمِنْ ذلك إيجابهم الهدي على القارن، ولا شبه بينه وبين المتمتع؛ ثم قاسوا القارن ممن بينه وبين مكة ميقات على المتمتع، ممن بينه وبين مكة ميقات ولم يقيسوا القارن ممن هو بين الميقات، وبين مكة على المتمتع الذي بينه وبين مكة ميقات.
следующие страницы →