¬٨ - أُعجب كثيرٌ من الباحثين المعاصرين عربا ومسلمين، ونصارى ويهودا، بمؤلفات ابن حزم، فكتبوا عنها دراسات مستفيضة، بلغات عديدة، وبعض هؤلاء نقلوا هذه المؤلفات إلى لغاتهم الأصلية.
* * *
стр. 142
¬ المبحث الثالث ثناء العلماء على ابن حزم
شغل ابنُ حزم النَّاسَ، فاختلفت فيه آراؤهم بين مادح وقادح، ومناصر ومخالف، لكن المثني أكثر من الثالب، والمعجب أكثر من الكاره، ولقد أعجب النَّاسَ مِنْ ابن حزم فضائلُ منها:
١ - سَعةُ معارفه، وكثرة فنونه، يقول القاضي صاعد: "ولأبي محمد بن حزم بَعْد هذا نصيب وافر من علم النحو واللغة، وقسمٌ صالحٌ من قَرْض الشعر، وصناعة الخطابة" (١).
ويعدد مؤرخ الأندلس أبو مروان ابن حيان علوم ابن حزم فيقول: "كان ابن حزم حاملَ فنون من حديث وفقه ونسب وأدب، مع المشاركة في أنواع التعاليم القديمة" (٢).
ولم يكن ابنُ حزم في هذه العلوم مشاركا مشاركةَ من يُنزله الاشتغال بعدة فنون - عن منزلة المتفرد في علمٍ، المتوفر عليه، بل إنه كان فيما عرف به من فنون قائما بها مقام المتفرغ لها والمتخصص فيها. فهو "رجل في أمة، وأمة في رجل، فهو مفسر مع المفسرين، ومحدث مع المحدثين، وحافظ مع الحفاظ، وفقيه مع الفقهاء، ومقرئ مع المقرئين، وأصولي مع الأصوليين، ومتكلم مع المتكلمين، وفيلسوف
стр. 143
¬مع الفلاسفة، وحكيم مع الحكماء، وزاهد مع الزهاد ... وأديب مع الأدباء، ولغوي مع اللغويين، وكاتب مع الكتاب، وشاعر مع الشعراء، وخطيب مع الخطباء، ومؤرخ مع المؤرخين" (١).
ويكاد يشير إلى هذا المعنى خِرِّيجُه وتلميذُه الحميدي فيقول: " ... كان حافظا عالما بعلوم الحديث وفقهه، مستنبطا للأحكام من الكتاب والسنة، متفننا في علوم جمة ... " (٢).
وقال أبو الحسن ابن القطان: "أبو محمد بن حزم الحافظ الفقيه ... برع في الفقه والحديث والتاريخ، والآداب ... " (٣).
٢ - مواهبه الخلقية وصفاته الذاتية: فلقد رُزق ابن حزم مواهب عقلية أعانته على النبوغ، وسمت به على الأقران، وأنزلته منازل الأعلام، فمما كان عليه من ذلك، الذكاء المفرط، والحفظ القوي، والفهم الثاقب يقول الحميدي: " ... وما رأينا مثله ﵀ فيما اجتمع له من الذكاء وسرعة الحفظ، وكرم النفس والتدين" (٤).
وقال الذهبي: " ... ورُزق ذكاء مفرطا، وذهنا سيالا، وكتبا نفيسة كثيرة" (٥).
стр. 144
¬٣ - جَلَالَةُ كتبه، ونفاسة تآليفه: أثنى جمعٌ من المؤرخين وأصحاب التراجم على ابن حزم لشرف كتبه وغنائها في الإسلام، وَأَلْهَجُهُم في ذلك لسانا، وأعظمُهم فيه ثناءً، العز بن عبد السلام فإنه قال: "ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل المُحَلَّى لابن حزم، والمغني للشيخ الموفق" (١).
٤ - محبته للحديث، وَتَقَيُّدُهُ به إذا صح، يقول الذهبي -وهو سيد المحدثين في زمانه-: "ولي أَنَا مَيْلٌ إلى أبي محمد لمحبته في الحديث الصحيح، ومعرفته به، وإن كنت لا أوافقه في كثير مما يقوله في الرجال والعلل والسائل البشعة في الأصول والفروع (٢)، وأقطع
стр. 145
¬بخطئه في غير ما مسألة، ولكن لا أكفره ولا أضلله، وأرجو له العفو والمسامحة، وللمُسْلمين، وأخضع لفرط ذكائه وَسَعَة علومه" (١).
٥ - منافحته عن الإسلام، ومجادلته أصحاب المذاهب والنحل الأخرى، يقول ابن بسام: "ولهذا الشيخ أبي محمد مع يهود -لعنهم الله - ومع غيرهم من أولي المذاهب المرفوضة من أهل الإسلام مجالس محفوظة، وأخبار مكتوبة، وله مصنفات في ذلك معروفة" (٢).
ولقد قَرَّ أهلُ الأندلس بعالمهم عينًا، ففاخروا به أهلَ الأرض يقول الشقندي (٣): " ... وهل لكم في الحفظ مثل أبي محمد بن حزم الذي زهد
стр. 146
¬في الوزارة والمال، ومال إلى رُتبة العلم ورآها فوق كل رتبة. . ." (١).
وتأسف ابنُ حيان على ضجر بعض أهل الأندلس بعالمهم، وغمطهم حقه، وطمسهم لمحاسنه فقال: "وَيَا لَبَدائع هذا الحبر علي بن حزم وغرره، ما أوضحها، على كثرة الدافنين لها، والطامسين لمحاسنها، وعلى ذلك، فليس ببدع فيما أُضيع منه، فأزهد الناس في عالم أهله، وقبله أودى العلماء تبريزُهم على من يُقَصِّرُ عنهم، والحسد داء لا دواء له" (٢).
واستغنى أهل الأندلس بعالمهم، فكفاهم، ولم يُحْوِجْهم إلى غيره يقول الفتح بن خاقان في "ابن حزم": "ما تمنت به الأندلس أن تكون كالعراق، ولا حَنَّتَ الأنفسُ معه إلى تلك الآفاق، أقام بوطنه وما برح عن عطنه، فلم يشرب ماء الفرات، ولم يقف عشية الثمرات، ولكنه أربى على مَنْ بذلك غُذِّيَ" (٣).
стр. 147
¬ الفَصْلُ الرَّابِع
ظاهِريَّة ابْنِ حَزْم
стр. 148
¬ المبحث الأول: المذهب الظاهري في الأندلس
أمعن أهل الأندلس في الرحلة إلى المشرق وأكثروا من ذلك (١)، وكانت منهم في منتصف القرن الثاني الهجري طائفة رحلت إلى العراق، فحملت معها المذهب الظاهري، وأدخلته إلى الأندلس.
ولعل أول منتحل للقول بالظاهر من أهل الأندلس - عبد الله بن محمد بن قاسم بن هلال القيسي (٢)، الذي يفاخر به ابنُ حزم في قوله: "وإذا نعتنا عبد الله بن قاسم هلال، ومنذر بن سعيد لم نُجَار بهما إلا أبا الحسن ابن المغلس والخلال والديباجي ورويم بن أحمد. . ." (٣).
وكان أَنْ عاد في هذا الوقت بقي بن مخلد (٤) من المشرق، فملأ
стр. 149
¬الأندلس حديثا: "ولم يكن بالمالكي ولا الحنبلي، ولا الظاهري الصِّرف، ولكنه قال بترك التمذهب، والعمل بالنصوص" (١). قال الذهبي: "وقد تعصبوا على بقي لإظهاره مذهب الأثر، فدفعهم عنه أمير الأندلس محمد بن عبد الرحمن المرواني واستنسخ كتبه" (٢).
وأصبحت الأندلس ببقي وابن وضاح (٣) دارَ حديث وأثر، وقويَ العمل بالنصوص وحدها، وأُظهرت السنن والآثار، وقل الإعتماد على رأي الرجال، وألف قاسم بن أصبغ (٤) التآليف الحسان في السنة كالمجتبى وغرائب حديث مالك بن أنس مما ليس في الموطأ وغير ذلك (٥).
وأظهر القولَ بالظاهر القاضي منذر بن سعيد البلوطي (٦)، قال
стр. 150
¬الحميدي: "قال لنا أبو محمد علي بن أحمد - يعني ابن حزم -: وكان مائلا إلى القول بالظاهر، قويا على الانتصار لذلك" (١).
وانقطع القول بالظاهر بعد المنذر بن سعيد البلوطي إلى أن ظهر مسعود بن سليمان بن مفلت (٢) - الذي "كان دواوي المذهب لا يرى التقليد (٣) " - فأحيا ما درس من الأثر، وبعث ما ذهب منه.
"ولعل الظاهرية انكمشت بعد وفاة منذر بن سعيد ومجيء المنصور بن أبي عامر الحاجب (٣٢٦ هـ - ٣٩٦ هـ)، فقد كان ابن أبي عامر مالكيا يمنيا قحطانيا، وكانت اليمنية هي الحاكمة في ذلك العصر، والمذهب المالكي نسبة إلى مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي من ذوي أصبح اليمني، فالمذهب إذا مذهب اليمنيين، خلافا لمذهب داود الأصبهاني، فَغَيْرُ العرب أولى به" (٤).
وبحث باحثٌ في الباعث على دخول القول بالظاهر إلى الأندلس، فوجد أن ذلك ليس يخرج عن أحد أمرين:
الأول: أن يكون انتشار القول بالظاهر بالأندلس طريقا لمواجهة الباطنية الذين كانوا بإفريقية ثم أسسوا لهم بعد ذلك دولة في مصر.
стр. 151
¬الثاني: بَسَطَ فقهاء المالكية نفوذهم على الدولة في الأندلس، فكان منهم القضاة والأئمة، وأرباب المشورة والرأي، وعرفوا بالتعصب لقول مالك وَمَنْ تبعه (١)، فكان ذلك مدعاة لظهور القول بالظاهر، ونبذ التقليد، والتمسك بالأثر (٢).
وحمل لواء القول بالظاهر - بعد ابن مفلت - ابنُ حزم الذي أَصَّلَ قواعده، وَبَيَّن أركانه في كتب دَوَّنَها، ومناظرات عقدها، فكان بذلك الباعث له في الغرب الإسلامي.
стр. 152
¬ المبحث الثاني: أسباب ظاهرية ابن حزم
نَشأ ابن حزم شافعيا (١)، ثُمَّ تَحَوَّلَ إلى القَوْل بالظاهر (٢)، ونصر
стр. 153
¬ذلك وجادل عنه، فأوذي وعودي، ولقد كان الباعث على هذا التحول جملة أسباب منها:
أولا: أحوال الفقهاء في عصره، وتبريرهم لتصرفات الحكام: غَلَب على فقهاء عصر ابن حزم التملق لأمراء الطوائف، فوطئوا بساطهم، وأكلوا من موائدهم، وتفيأوا ظلال قصورهم، فنقص ذلك من دينهم، وتحيف من علمهم، فاسترسلوا في الفتاوى الجائرة التي تعين على ظلم، فَتَنْصُرُ حاكما، وتؤيد مستهترا (١)، ومما يعضد ذلك ويقويه: ما يذكره المؤرخون من أن جماعة من الفقهاء أفتوا بجواز ولاية عبد الرحمن شنجول، وأذاعوا حديثا نسبوه إلى رسول الله ﷺ ، قالوا فيه: "لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان، يسوق الناس بعصاه"، وكان عبد الرحمن قحطانيا (٢).
ولقد أعلن ابنُ حزم رأيه في هؤلاء الفقهاء إعلانا لم يخش فيه ملامة حينما قال لمن استنصحه: ". . . فلا تغالطوا أنفسكم، ولا يغرنكم الفساق، والمنتسبون إلى الفقه، اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع، المزينون لأهل الشر شرهم، الناصرون لهم على فسقهم" (٣).
ثانيا: طريقة استعمال القياس عند القائلين به: توسع القائلون
стр. 154
¬بالقياس في استعماله في المائة الثانية للهجرة (١)، فتوطدت لذلك أركانه، ووضحت معالمه، وصار في بعض المذاهب رابع الأصول الثلاثة (٢).
وغلت طائفة في استعمال القياس، فاضطربت في القول، وأخذت به مرة، وتركته مرة، فوقع الناس في أمر عظيم. يقول ابن قتيبة واصفا حال هذه الطائفة: ". . . يختلفون ويقيسون ثم يدعون القياس ويستحسنون، ويقولون بالشيء ويحكمون به، ثم يرجعون" (٣).
وربَّما تساهل بعضُ أهل الرأي فاستجاز ". . . نسبة الحكم الذي دل عليه القياس الجلي إلى رسول الله، ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة، لأنها تُشبه فتاوي الفقهاء، ولأنهم لا يقيمون لها سندا" (٤).
وراع ابنَ حزم حالُ أهل القياس، وما هُم عليه من شدة الخلاف، فأثر ذلك في نفسه نفرة منهم، وجفوة لأصولهم يقول: "وجميع أهل القياس مختلفون في قياساتهم، لا تكاد توجد مسألة إلا وكل طائفة منهم تأتي بقياس تدعي صحته تُعارض فيه قياس الأخرى، وهم كلهم مقرون مجمعون على أنه ليس كل قياس صحيحا، ولا كل رأي حقا" (٥).
стр. 155
¬ثالثا: ظهور التَّقليد في عصره وجمود الفقهاء عليه: غلب التقليد على فقهاء مَالكية الأندلس في عصر ابن حزم، وخالفوا بجمودهم على قول الإمام المتبوع تواليف جميع أهل الإسلام أولها عن آخرها، ولم يقنعوا بها، ولا صوبوها ولا رضوها، بل خالفوها وعابوها وخطَّأوا أصحابها، استنقاصا لجميع أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومَنْ بعدهم في مشارق الأرض ومغاربها، حاشا "المدونة" (١) "المستخرجة" (٢) فقط (٣).
وكان بعض هؤلاء المقلدة يهجمون على الفتوى بغير علم بسنة ثابتة، أو هدي مأثور ذلك "لأنهم ليسوا من أهل الرواية، فَيَعْرِفُوا قويها من ضعيفها، ولا اشتغلوا بها قط ساعة من الدهر، وما يعرفون إلا المدونة على تصحيفهم لها، وما عرفوا قط من الصحابة ﵃، رجلا، ولا من التابعين عشرة رجال. . ." (٤).
стр. 156
¬رابعا: سعة اطلاع ابن حزم على السنن والآثار: وذلك حَثَّهُ على المعرفة بالوارد في كل مسألة فقهية سواء كان ذلك الوارد حديثا مرفوعا أو أثرا موقوفا، ثم التمسك بظاهر ذلك الوارد، والعمل به، والجدال عنه. ولقد تحدث ابن حزم عما وُهب من سعة الإطلاع، والتبحر في معرفة السنن فقال: "إننا قد حصلنا بروايتنا وضبطنا - ولله الحمد - كلَّ خبر صَحَّ عن رسول الله ﷺ ببرهان واضح، وهو أن المشهور من المُسْنَدَاتِ والمصنفات الموعبة للأخبار قد جمعناها ولله الحمد، ولا يشذ عنا خبر فيه خير أصلا" (١).
ولقد كان ابن حزم قد سَمَّى من قبلُ هذه المُسْنَدَاتِ والمصنفات: حين ذكر استمداده منها في تآليفه فقال:
". . . فليمحصوا كتبنا، فإن كان فيها شيء غير الحق، فقد مكناهم من مقابلتنا. . . فليعلموا أنا لم نأت بحديث إلا من تصنيف البخاري، أو تصنيف مسلم، أو تصنيف أبي داود، أو تصنيف النسائي، أو تصنيف ابن أيمن، أو تصنيف ابن أصبغ، أو مصنف عبد الرؤاق، أو تصنيف حماد، أو تصنيف وكيع، أو مصنف ابن أبي شيبة أو مسنده، أو حديث سفيان ابن عينية، أو حديث شعبة أو ما جرى هذا المجرى" (٢).
стр. 157
¬وبالجملة: فإن كل ذلك بَعَثَ ابنَ حزم على انتحال القول بالظاهر، والإعلان به والمضي فيه، والدعوة إليه، والاحتجاج له، وتدوين قواعده وأصوله.
стр. 158
¬ المبحث الثالث: معالم المنهج الظاهري عند ابن حزم
انتحل ابنُ حزم القول بالظاهر، وجادل عنه جدالا عنيفا، وألَّف في بيان أصوله كتبا ورسائل، لعل من أشهرها: "الإحكام" و"النبذ" (١)، و"إبطال القياس"، و"المحلى"، وقد بسط ابن حزم في هذه الكتب القول عن معالم المنهج الظاهري وهي (٢):
١ - الأصول المعتمدة في الأحكام: اعتنى ابنُ حزم في كتابه ببيان الأصول التي تُخَرَّجُ عليها الفروع، وتستنبط منها الأحكام، وتكون مفزع الفقهاء والنظار، يقول: "الأصول التي لا يُعرف شيءٌ من الشارع إلا منها أربعة وهي: نص القرآن، ونص كلام رسول الله ﷺ الذي إنَّما هو عن الله تعالى مِمَّا صَحَّ عنه ﵇، ونَقَلَهُ الثقات، أو التواتر، وإجماع جميع علماء الأمة عليه، ودليل منها لا يحتمل إلا وجها واحدا" (٣).
ويفسر ابن حزم سبب كون هذه المصادر الأربعة أصولا فيقول: ". . . وجدنا في القرآن إلزامنا الطاعة لما أمرنا به ربُّنا تعالى فيه، ولما
стр. 159
¬أمرنا به نبيه ﷺ مما نقله عنه الثقات، أو جاء بتواتر أجمع جميع علماء المسلمين على نقله عنه ﵇، فوجدناه تعالى ساوى بين هذه الجمل الثلاث في وجوب طاعتها علينا، فنظرنا فيها، فوجدنا منها جملا إذا اجتمعت قام منها حكم المنصوص على معناه، فكان ذلك كأنه وجه رابع، إلا أنه غير خارج عن الأصول التي ذكرنا، وذلك نحو قوله ﵇، "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام": فأنتج ذلك أن كل مسكر حرام: فهذا منصوص على معناه نصا جليا ضروريا" (١).
ويرى ابنُ حزم أَنَّ سُبل معرفة الأحكام على العباد مسدودة إلا هذه السبل الأربعة فيقول: ". . . ولا سبيل إلى معرفة شيء من أحكام الديانة إلا من القرآن، والسنة، والإجماع، والدليل، وهي كلها راجعة إلى النص" (٢).
وفي الالتزام بالأصلين العظيمين من هذه الأصول الأربعة الخير كله، ورضى الرب ، يقول ابن حزم: ". . . وجملة الخير كله أن تلزموا ما نص عليه ربكم تعالى في القرآن بلسان عربي مبين، لم يفرط فيه من شيء تبيانا لكل شيء، وما صح عن نبيكم ﷺ برواية الثقات من أئمة أصحاب الحديث ﵃ مسندا إليه ﵇، فهما طريقان يوصلانكم إلى رضى ربكم " (٣).
стр. 160
¬٢ - الالتزام بظواهر النصوص: يُبادر ابنُ حزم إلى تفسير "الظاهر": عندما يجعله مرادفا "للنص": فيقول: "والنص: هو اللفظ الوارد في القرآن، أو السنة المستدل به على حكم الأشياء، وهو الظاهر نفسه" (١).
ويوضح ابن حزم السبب في الالتزام بالظاهر، وعدم مجاوزته إلى غيره قائلا: ". . . واعلموا أن دين الله تعالى ظاهر لا باطن فيه، وجهر لا سر تحته، كله برهان لا مسامحة فيه، واتَّهَموا كلَّ مَنْ يَدْعُو أن يُتبع بلا بُرهان، وكلَّ مَنِ ادَّعَى للديانة سرًّا وباطنا فهي دعاوى ومخارق، واعلموا أن رسول الله ﷺ ، لم يكتم من الشريعة كلمة فما فوقها، ولا أطلع أخص الناس به من زوجة، أو ابنة أو عم، أو ابن عم، أو صاحبٍ على شيء من الشريعة كتمه عن الأحمر والأسود ورُعاة الغنم، ولا كان عنده ﵇ سر، ولا رمز، ولا باطن غير ما دعا الناس كلهم إليه، ولو كتمهم شيئا لما بَلَّغَ كما أُمر، ومن قال هذا فهو كافر، وإياكم وكل قول لم يَبِنْ سبيلُه، ولا وضح دليلُه. . ." (٢).
ويمضي ابن حزم - في موضع آخر - محتجا على وجوب الإلتزام بظواهر النصوص قائلا: ". . . برهان ما قلنا من حمل الألفاظ على مفهومها من ظاهرها قول الله تعالى في القرآن: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾: فصح أن البيان لنا إنما هو في حمل القرآن والسنة على ظاهرهما
стр. 161
¬وموضوعهما، فمن أراد صرف شيء من ذلك إلى تأويل بلا نص ولا إجماع، فقد افترى على الله تعالى، وعلى رسوله ﷺ : وخالف القرآن، وحرف الكلم عن مواضعه" (١).
والمُعْرِضُ عن المعنى الظاهر - عند ابن حزم - معتد أثيم، قد جاوز الحد، وهجم على أمر عظيم، يقول ابن حزم: ". . . وقال اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾، فصح أن اتباع الظاهر فرض، وأنه لا يحل تعديه أصلا، وقال تعالى، ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، والاعتداء هو تجاوز الواجب، ومن أزاح اللفظ عن موضوعه في اللغة التي بها خوطبنا بغير أمر من الله، أو رسوله ﷺ ، فعدل إلى معنى آخر فقد اعتدى. . ." (٢).
ولقد أدى التمسك بظواهر النصوص - بابنَ حزم - إلى القول: "بأن الأوامر والنواهي، الواردة في القرآن، وكلام النبي ﷺ ، تُحمل على الوجوب والفور، والحكم ببطلان رأي من صرف شيئا من ذلك إلى التأويل والتراخي، أو الندب، أو الوقف، بلا برهان ولا دليل" (٣).
وقد أطال ابن حزم القول في الاحتجاج لهذا المذهب، ونقد آراء الخصوم، وكان مما قال في ذلك: "وقد علم كل ذي عقل، أن اللغات إنما رتبها الله ليقع بها البيان، واللغات ليست شيئا غير الألفاظ المركبة على المعاني، المُبينة عَنْ مسمياتها، قال الله تعالى:
стр. 162
¬"وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم"، واللسان هي اللغة بلا خلاف ها هنا: فإذا لم يكن الكلام مبينا عن معانيه، فأي شيء يفهم هؤلاء المخذولون عن ربهم تعالى، وعن نبيهم ﷺ ، بل بأي شيء يُفهم به بعضهم بعضا؟ " (١).
٣ - شروط العدول عن ظواهر النصوص: انتصر ابن حزم للقول بظاهر النص، ودافع عن ذلك، ثم انتقل بعدُ لبيان موجبات العدول عن مقتضى الظاهر إلى معاني أخرى، يقول مبينا هذه الموجبات: "فإن قالوا بأي شيء تعرفون ما صُرف من الكلام عن ظاهره؟ ، قيل لهم - وبالله تعالى التوفيق -: نعرف ذلك بظاهر آخر مخبر عنه بذلك، أو بإجماع متيقن منقول عن النبي ﷺ ، على أنه مصروف عن ظاهره فقط" (٢).
ويوضح ابنُ حزم آفةَ من أَتْبَعَ نفسه هَواهَا، فأحال نصا عن ظاهره بغير برهان فيقول: "ولا يحل لأحد أن يحيل آية عن ظاهرها، ولا خبرًا عن ظاهره، لأن الله تعالى يقول: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾: وقال ذَامًّا لقوم: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، ومن أحال نصًّا عن ظاهره في اللغة بغير بُرهان من آخر، أو إجماع فقد ادَّعى أن النص لا بيان فيه، وقد حرف كلام الله تعالى ووحيه إلى نبيه ﷺ ، عن مَوْضِعِهِ، وهذا عظيم جدا" (٣).
стр. 163
¬وَيُنَوِّهُ ابنُ حزم بالتأويل الصحيح المعتمد في صرف اللفظ عن ظاهر معناه فيقول أثناء رده على من لَامَهُ في تَرْكِ الأخذ به: ". . . وأما ترك الأخذ بالتأويل، فلا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما، إما تأويل يشهد بصحة القرآن، أو سنة صحيحة، أو إجماع فَبِهِ نقول إذا وجدناه، وإما تأويل دعوى لا يشهد بصحته نص قرآن، ولا إجماع، فهذا الذي ننكره، وندفعه، ونبرأ إلى الله تعالى منه. . ." (١).
ويُعلم مما سبق أن أدلة العدول عن ظاهر اللفظ عند ابن حزم ثلاثة:
الأول: نص القرآن الكريم: فَـ "هُوَ عهد الله إلينا، والذي ألزمنا الإقرار به، والعمل بما فيه، وصح بنقل الكافة الذي لا مجال للشك فيه، إن هذا القرآن هو المكتوب في المصاحف، المشهور في الآفاق كلها، وجب الانقياد لما فيه، فكان هو الأصل المرجوع إليه" (٢).
الثاني: السنة النبوية: وهي: "الخبر الوارد عن رسول الله ﷺ ، وهو المبين عن الله مراده منا، قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. ووجدناه تعالى قد أوجب طاعة هذا القسم الثاني، كما أوجب طاعة القسم الأول الذي هو القرآن، ولا فَرْقَ" (٣).
والخبر المحتج به عند ابن حزم هو المسند المرفوع إلى النبي ﷺ ، وأما الموقوف والمرسل فلا تقوم بهما حجة "وكذلك ما لم يروه إلا من لَا
стр. 164
¬يوثق بدينه وبحفظه" (١).
الثالث: الإجماع: والمعتبر به عند ابن حزم هو: "إجماعٌ لا خلاف فيه مِنْ أحد، وما اختلف قط مسلمان في أن ما أجمع عليه جمع الصحابة ﵃ دون خلاف من أحد منهم إجماعا متيقنا مقطوعا بصحته، فإنه إجماع صحيح لا يحل لأحد خلافه" (٢). وإنما اعتد ابن حزم بإجماع الصحابة، ونفى ما سواه؛ لأنه "قد صح أنه لا سبيل إلى معرفة ما أراد الله تعالى إلا من قبل رسول الله ﷺ ولا يكون الدين إلا من عند الله تعالى، فالصحابة ﵃ هم الذين شاهدوا رسول الله ﷺ وسمعوه، فإجماعهم على ما أجمعوا عليه هو الإجماع المفترض إتباعه، لأنهم نقلوه عن رسول الله ﷺ عن الله تعالى بلا شك" (٣).
٤ - نبذ التقليد، وذم أهله والتنفير منهم: رضي ابن حزم لنفسه مذهب أهل الظاهر؛ لأنَّه المَذْهَبُ الذي ليس فيه مقلد، والمرجع فيه إلى الكتاب والسنة وإجماع الصحابة: لذلك بالغ في التنفير من التقليد، وذم المقلدة،
стр. 165
¬يقول في ذلك: "والتقليد حرام، ولا يحل لأحد أن يأخذ بقول أحد من غير برهان" (١)، ويحث ابن حزم على الاجتهاد حسب الوسيع، وسؤال أهل العلم فيقول: "ولا يحل لأحد أن يقلد أحدا لا حيا ولا ميتا: وكل أحد له الاجتهاد حسب طاقته، فمن سأل عن دينه، فإنما يريد معرفة ما ألزمه الله في هذا الدين، ففرض عليه إن كان أجهل أهل البرية أن يسأل عن أهل موضعه" (٢).
ثم يمضي ابن حزم في الاستدلال على إبطال التقليد، ويحتج في ذلك بآيات من كتاب الله (٣)، ثم يقول: "وقد صح إجماع جميع الصحابة ﵃ أولهم عن آخرهم، وإجماع جميع التابعين أولهم عن آخرهم على الامتناع والمنع من أن يقصد منهم أحد إلى قول إنسان منهم، أو ممن قبلهم فيأخذه كله، فليعلم من أخذ بجميع قول أبي حنيفة، أو جميع قول مالك: أو جميع قول الشافعي أو جميع قول أحمد بن حنبل ﵃، ممن يتمكن من النظر، ولم يترك من اتبعه منهم إلى غيره أنه قد خالف إجماع الأمة كلها عن آخرها، واتبع غير سبيل المؤمنين" (٤).
стр. 166
¬ويعجب ابن حزم - في استنكار بليغ - ممن يقلد أبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد بن حنبل، ولا يقلد من هم أولى بالتقليد كأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس وعائشة "فلو ساغ التقليد لكان هؤلاء، أولى بأن يتبعوا من أبي حنيفة ومالك، والشافعي، وأحمد، ومن ادعى من المنتسبين إلى هؤلاء أنه ليس مقلدا فهو نفسه أول عالم بأنه كاذب، ثم سائر من سمعه، لأنا نراه ينصر كل قولة بلغته لذلك الذي انتمى إليه، وإن لم يعرفها قبل ذلك: وهذا هو التقليد بعينه" (١).
ويشتد نكير ابن حزم على مَنْ عَرَضَ كلام الله، وكلام رسوله ﷺ على أقوال الأئمة المتبوعين، فإذا وافق نص شرعي كلام أحد من الأئمة قبله وعمل به، وإذا خالف شيء من ذلك شيئا مأثورا، عن إمام مشهور، قَدَّمَ قول الإمام، وأعرض عن كلام الله، وكلام رسوله ﷺ ، يقول ابن حزم: "وأما أهل بِلَادِنَا، فليسوا ممن يتغنى بطلب دليل على مسائلهم، وطَالِبُهُ منهم في النَّدرة، إنما يطلبه كما ذكرنا آنفا، فيعرضون كلام الله تعالى، وكلام الرسول ﷺ على قول صاحبهم، وهو مخلوق مذنب يخطئ ويصيب، فإن وافق قول الله، وقول رسوله ﷺ قول صاحبهم أخذوا به وإن خالفاه تركوا قول الله جانبا، وقوله ﷺ ظهريا، وثبتوا على قول صاحبهم، وما نعلم في المعاصي، ولا في الكبائر - بعد الشرك المجرد - أعظم من هذه، وأَنَّهُ لأشد من القتل والزنا" (٢).
стр. 167
¬ويعلم مما سبق آنفا أن ابن حزم يدافع عن الاتجاه الظاهري - الذي من أصوله، تحريم التقليد، ووجوب الاجتهاد على المسلمين جميعهم - لا بالمعنى الذي يراد للمذهب، من أن هناك صاحب مذهب وله أتباع يتبعون أقواله، وينصرونها بالحجج والبراهين، ويتبعونها حذو القذة بالقذة (١).
وفي الحق لقد كان أنصار القول بالظاهر أنفر الناس من التقليد، وأكثرهم اجتهادا، يقول محمد بن خليل (٢): ". . . وكذلك أقول لا يَجْهَل علي جاهل، فيظن أني متبع للإمام أبي محمد - يعني ابن حزم - أبو محمد شيخ من شيوخي، ومعلم من مُعَلِّمِيَّ، إِنْ أصَابَ الحق، فأنا معه اتباعا للحق وإلا فأنا مع الحق حيث فهمته بحسب ما يوفقني الله تعالى له، وَيُنْعِمُ به عليَّ" (٣).
٥ - إبطال القياس والرأي والتعليل: اختار ابن حزم العمل بظواهر النصوص، وعدم إحالتها إلى معاني مُؤؤَّلة إلا بقرينة من نص آخر، أو إجماع صحيح معتبر، وذلك الذي منعه من الإعتداد بالقياس والرأي
стр. 168
¬والتعليل، وسعى به إلى بَسْط لسانه وقلمه في نقض ذلك والتثريب على القائلين به، وأول شيء نقضه ابن حزم: وسعى في هدمه، القول بالرأي في الدين، فإذا بطل الاجتهاد بالرأي في الدين، كان ما سواه - من القياس والإستحسان ومراعاة المصالح، وسد الذرائع - أشد بطلانا، وأظهر عُوارا، وأجدر أن لا يحتفل به ويعول عليه.
يقول ابن حزم: "ولا يحل لأحد الحكم بالرأي، قال تعالى: "ما فرطنا في الكتاب من شيء"، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١)، ويفيض ابن حزم - بعد - في إيراد الحجج - قرآنا وسنة - المؤيدة لمسلكه (٢).
ولا يكتفي ابنُ حزم بذلك، حتى يورد أدلة المجيزين للاجتهاد في الدين والرأي: وينقضها الواحد بعد الآخر (٣).
ولما حرَّم ابنُ حزم القولَ في دين الله تعالى بالرأي، منع القول بتعليل النصوص، وقصر كل نص على موضوعه فلا يحل تَعْدِيَة علته إلى غيره، ولا معنى للبحث عن الأسباب، يقول في ذلك: "لسنا نقول إنَّ الشرائع كلها لأسباب، بل نقول ليس منها شيء لسبب إلا ما نص عليه منها أنه لسبب، وما عدا ذلك فإنما هو شيء أراده الله تعالى
стр. 169
¬الذي يفعل ما شاء، ولا نحرم ولا نحلل، ولا نزيد ولا ننقص، ولا نقول إلا ما قال ربنا ، ونبينا ﷺ ، ولا نتعدى ما قالا، ولا نترك شيئا منه، وهذا هو الدين المحض الذي لا يحل لأحد خلافه، ولا اعتقاد سواه. . . قال تعالى: "لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون" فأخبر تعالى بالفرق بيننا وبينه، وأن أفعاله لا تجري فيها "لِمَ"، وإذا لم يحل لنا أن نسأله عن شيء من أحكامه تعالى وأفعاله: "لِمَ كان هذا"، فقد بطلت الأسباب جملة، وسقطت العلل البتة، إلا ما نص الله تعالى عليه أنه فعل أمر كذا لأجل كذا، وهذا أيضًا مما لا يسأل عنه، فلا يحل لأحد من العباد أن يقول: لِمَ كان هذا السبب؟ ولم يكن لغيره ولا أن يقول: لم جُعل هذا الشيءُ سببا دون أن يكون غيره سببا أيضا لأن من قال هذا السؤال، فقد عصى الله ، وألحد في الدين" (١).
ويتضح مما سبق أن ابنَ حزم أخذ بالعلة المنصوص عليها، ولم يُعرض عنها، وذلك ما أعاد القول فيه في موضع آخر مِنْ كتبه لما قال: "وبالجملة فليس في الشرائع علة أصلا بوجه من الوجوه، ولا شيء يوجبها إلا الأوامر الواردة من الله فقط، إذ ليس في العقل ما يوجب تحريم شيء مما في العالم وتحليل آخر، ولا إيجاب عَمَلٍ وَتَرْك إيجاب آخر، فالأوامر أسباب موجبة لما وردت به، فإذا لم ترد فلا يوجب شيئا أصلا ولا يمنعه، وإذا لم تكن العلة إلا التي لم توجد قط إلا
стр. 170
¬وموجبها معها، فليس ذلك إلا في الطبيعيات فقط" (١).
وإنما نَفَّرَ ابنُ حزم من التعليل لأن القائل بذلك لا يَسْلَمُ من حيرة، أو تناقض، أو تحكم بلا دليل (٢). ويرى بعض الباحثين أن نفي ابن حزم للتعليل أدى به إلى الإمعان في طلب الحديث والآثار، والاستكثار من الرواية "ليجد السبيل للأخذ بالظاهر من النصوص ما دام لا يعتمد على الرأي، وقد أتى من ذلك بالثروة المثرية الوفيرة" (٣).
ولقد سَهُلَ على ابن حزم بعد إبطال الرأي في الإجتهاد أن يُنْكِرَ القياس، وينقض أدلة أنصاره والقائلين به (٤)، يقول - وهو يحكي
стр. 171
¬أقوال العلماء في القياس -: "وذهب أصحاب الظاهر إلى إبطال القول بالقياس في الدين جملة، وقالوا: لا يجوز الحكم البتة في شيْءٍ من الأشياء كلها - إلا بنص كلام الله تعالى، أو نصِّ كلام النبي ﷺ ، أو بما صح عنه ﷺ من فعل، أو إقرار، أو إجماع من جميع علماء الأمة كلها، متيقن أنَّه قاله كل واحد منهم، دون مخالف من أحد منهم، أو بدليل من النص، أو من الإجماع المذكور الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا، والإجماع عند هؤلاء راجع إلى توقيفٍ من رسول الله ﷺ ولا بد، لا يجوز غير ذلك أصلا، وهذا هو قولنا الذي ندين الله به، ونسأله أن يثبتنا فيه، ويميتنا عليه بمنه ورحمته آمين" (١).
ويمعن ابن حزم في إنكار القياس، والقول ببطلانه، ويقطع في ذلك قائلا: "والقول به باطل، مقطوع على بطلانه عند الله تعالى" (٢).
ويشحذ ابنُ حزم ذهنه، في الإستدلال على بُطلان القياس، فيسوق في ذلك حججا وبراهين أقواها:
١ - من عمل بالقياس فقد خالف أمر الله في الرد إليه عند التنازع: يقول ابن حزم في بيان هذا الدليل: "ولا يحل القول بالقياس في الدين ولا بالرأي، لأن أمر الله تعالى عند التنازع بالرد إلى كتابه، وإلى رسوله ﷺ ، وقد صح، فمن رد إلى قياس وإلى تعليل يدعيه، أو
стр. 172
¬إلى رأي، فقد خالف أمر الله تعالى المتعلق بالإيمان، ورَدَّ إلى غير مَنْ أَمَرَ اللهُ تعالى بالرد إليه، وفي هذا ما فيه" (١).
٢ - كمال الشريعة وإحاطتها بكل شيء: يرى ابن حزم أن النصوص الشرعية لم تفرط في شيء، وأن الشريعة قد أحاطت بكل كبيرة وصغيرة تفصيلا وبيانا، يقول في ذلك: "وقول الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، إبطال للقياس، وللرأي أنه لا يجوز استعمالها ما دام يوجد نص وقد شهد الله تعالى بأن النص لم يفرط فيه شيئا، وأن رسوله ﵊ قد بين للناس كل ما نزل إليهم، وأن الدين قد كمل، فصح أن النص قد استوفى جميع الدين، فإذا كان ذلك كذلك فلا حاجة بأحد إلى قياس، ولا إلى رأيه، ولا إلى رأي غيره." (٢).
٣ - من قال بالقياس فقد شرع في الدين ما لم يأذن به الله: ذلك "لأن الله تعالى لم يأمر قط أولى الأمر منا أن يقولوا بآرائهم، ولا بقياساتهم، ولا أن يقولوا ما شاؤوا، وإنما أمرهم الله تعالى أن يقولوا ما سمعوا، أو يتفقهوا في الدين الذي أنزله الله تعالى على نبيه ﷺ ، وينذروا بذلك قومهم، وهذا بين في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾، وفي قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وفي قوله تعالى:
стр. 173
¬﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: . . . ومن قال بقياسه فقد تعدى حدود الله، وَقَفَا (١) ما لا علم له به، وأخبر عن الله تعالى بما لا يعلم أحد ما عند الله تعالى، إلا بإخبار من الله تعالى بذلك: وإلا فهو باطل. . ." (٢).
٤ - ليس كل القياس حقا، بل فيه باطل، وفي المقاييس ما يناقض بعضٌ بعضًا، فلا بد أن يُصار إلى الترجيح بينها حتى يعلم القياس الصحيح من الفاسد، قال ابن حزم: "ولا سبيل لهم (٣) إلى وجود ذلك أبدا، وإذا لم يوجد دليل على تصحيح الصحيح من القياس، من الباطل منه، فقد بطل كله، وصار دعوى بلا برهان" (٤).
٥ - من قال بالقياس فقد أعظم على الله الفرية: وزعم أنه تعالى ترك عباده هملا، ونسيا منسيا إذ لم يبين لهم في محكم تنزيله، ولا على لسان رسوله ﷺ ما القياس؟ وما هي أركانه؟ يقول ابن حزم مبينا هذا الدليل: "من المحال الباطل أن يكون الله يأمرنا بالقياس، أو بالتعليل، أو بالرأي أو التقليد، ثم لا يبين لنا: ما القياس؟ وما التعليل؟ وما الرأي؟ وكيف يكون كل ذلك؟ وعلى أي شيء نقيس؟ وبأي شيء نعلل؟ وبرأي من نقبل؟ ومن نقلد؟ ! لأن هذا تكليف ما ليس في الوسع" (٥).
стр. 174
¬٦ - لا مستند لأهل القياس في استخراج علل النصوص: فلا بد في القياس من علة موجبة للحكم، تحريما أو تحليلا، لكن يقال لأهل القياس: "أخبرونا عن هذه العلة التي ادعيتموها، وجعلتموها علة التحريم، أو التحليل، أو بالإيجاب، من أخبركم بأنها علة الحكم؟ ومن جعلها علة الحكم؟ فإن قالوا إن الله تعالى جعلها علة الحكم، كذبوا على الله ، إلا أن يأتوا بنص من الله تعالى في القرآن، أو على لسان رسول الله ﷺ بأنها علة الحكم، وهذا ما لا يجدونه. . . وإن قالوا: إنها علة لغالب الظن. . . قلنا لهم: فعلتم ما حرم الله تعالى عليكم إذ يقول: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾. . . وعللهم مختلفة، فمن أين لهم بأن هذه العلة هي مراد الله تعالى مِنَّا دون أن ينص لفاعلها؟ ! . . ." (١).
وكان من أثر الاسترسال في تعليل الأحكام "أن تُركت من أجله أحكام القرآن والسنة، حتى عاد المعروف منكرا" (٢).
٧ - إجماع الصحابة على بطلان القياس: يتتبع ابن حزم ما روي عن الصحابة من آثار تفيد إبطال القياس والرأي: ويستخلص من ذلك إجماعهم على المنع ويقول: ". . . بل قد صح عن جميع الصحابة ﵃ الإجماع على إبطال القياس والرأي، لأنهم وجميع أهل الإسلام يعتقدون بلا شك طاعة القرآن ومما سنه رسول الله ﷺ , وتحريم الشرع في الدين عن غير الله تعالى، وهذا إجماع مانع من الرأي
стр. 175
¬والقياس لأنهما غير المنصوص في القرآن والسنة" (١).
هذه خلاصة براهين وحجج ابن حزم في نفي القياس في الشرع، وقد وقع الاعتراض عليه في أغلبها، ونُقضت (٢).
وقبل ختام الكلام على رأي ابن حزم في القياس: لا بد من التنبيه على أمور ثلاثة:
الأول: لا يفهم من احتجاج ابن حزم "بالدليل" أن ذلك خروج منه عن النص والإجماع، أو أن ذلك استعمال للقياس، ولقد فطن ابن حزم لهذه الدعوى، فبين الوجه فيها وقال: "ظن قوم بجهلهم أن قولنا بالدليل خروج منا عن النص والإجماع، وظن آخرون أن القياس والدليل واحد، فأخطأوا في ظنهم أفحش خطأ، ونحن إن شاء الله نبين الدليل الذي نقول بِهِ بيانا يرفع الإشكال جملة، فنقول. . ." (٣). ثم بَيَّن ابن حزم أن "الدليل" مأخوذ من النص أو الإجماع، فهو مفهوم من دلالتهما وليس أمرا مفهوما باستخراج علة، أو استنباطها، كما هو الحال في "القياس". ثم يستطرد ابن حزم في بيان الدليل المأخوذ من النَّص، ويقسمه إلى سبعة أقسام (٤)، وَيَخْلُصُ بعد ذلك إلى قوله: "فهذه هي
стр. 176
¬الأدلة التي تستعملها وهي معاني النصوص ومفهومها، وهي كلها واقعة تحت النص، وغير خارجة عنه أصلا. . . وجميع هذه الأنواع كلها لا تخرج من أحد قسمين: وَإمَّا تفصيل لجملة، وَإمَّا عبارة عَنْ معنى واحد بألفاظ شتى، كلغة يعبر عنها بلغة أخرى" (١).
الثاني: أسرف ابن حزم في إنكار القياس في الفروع وبالغ في ذلك، لكنه استعمل القياس والرأي في الأصول، وتأمل كتاب: "التوحيد" من "المحلى"، ومواضع من: "الفصل" تجد على ذلك أمثلة كثيرة (٢).
ولقد تَنَبَّهَ غير واحد من أهل التراجم والسير إلى جمود ابن حزم في الفروع، واسترساله في التأويل في الأصول لهذا الإمام الذهبي يقول: ". . . ولقد وقفت له على تَألِيفٍ يحض فيه على الاعتناء
стр. 177
¬بالمنطق، ويقدمه على العلوم، فتألمت له، فإنه رأس في علوم الإسلام، متبحر في النقل، عديم النظير على يبس فيه وفرط ظاهرية في الفروع لا في الأصول" (١).
وقال ابن كثير: "والعجب كل العجب منه أنه كان ظاهريا حائرا في الفروع، لا يقول بشيء من القياس الجلي (٢) ولا غيره، وهذا الذي وضعه عند العلماء، وأدخل عليه خطأ كبيرا في نظره وتصرفه، وكان مع هذا من أشد الناس تأويلا في باب الأصول، وآيات الصفات وأحاديث الصفات. . ." (٣).
الثالث: استعان ابن حزم بالمنطق لنقض التعليل والقياس (٤)، فلم ير "الاستدلال بالشاهد على الغائب" (٥)، وأنه ليس للبشر أن يعلل حراما أو حلالا لم يخبرنا الله ولا رسوله بعلته، ثم يزعم أن الله أراد
стр. 178
¬هذه العلة فهذا "التحكم على الخالق الأول" (١) و"ليس في العقل ما يوجب تحريم شيء مما في العالم، وتحليل آخر ولا إيجاب عمل وترك إيجاب آخر، فالأوامر أسباب موجبة لما وردت به، فإذا لم ترد فلا سبب يوجب شيئا أصلا ولا يمنعه، وإذا لم تكن العلة إلا التي لم توجد قط إلا وموجبها معها، فليس ذلك إلا في الطبيعيات فقط" (٢).
стр. 179
¬ المبحث الرابع: الاعتراض على أَهْلِ الظاهر
أدى جمود أهل الظاهر على النص، ونفيهم التعليل والاجتهاد بالرأي والقياس، إلى الوقوع في عظيم، والهجوم على أمر خطير، ذلك أنهم جوزوا ورود الشريعة بالفرق بين المتساويين، والجمع بين المختلفين، لإقرارهم أن الشارع ينهى عن الشيء لا لمفسدة، ويأمر به لا لمصلحة. فكان أَنْ نهض علماء مختلف المذاهب للرد عليهم، وبيان الحق الذي التبس عليهم، فكانوا في ذلك بين منصف عادل، ومغال قادح.
ولعل من أحسن الاعتراضات على أهل الظاهر وأعدلها وأقربها إلى النَّصَفة، اعتراض ابن قيم الجوزية الذي صَدَّره ببيان محاسن الظاهرية فقال: "وأحسنوا في اعتنائهم بالنصوص ونصرها، والمحافظة عليها، وعدم تقديم غيرها من رأي أو قياس أو تقليد، وأحسنوا في رد الأقيسة الباطلة، وفي بيان تناقض أهلها: وأخذهم بقياس وتركهم ما هو أولى منه (١) ". ثم انبرى ابنُ القَيِّم للاعتراض والنقد فقال: ولكن أَخْطَأوا من أربعة أوجه:
أحدها: رد القياس الصحيح: ولا سيما المنصوص على علته التي يجري النص عليها مجرى التنصيص على التعميم باللفظ، ولا يتوقف عاقل في أن قول النبي ﷺ : "إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم
стр. 180
¬الحمر فإنها رجس"، بمنزلة قوله: "ينهيانكم عن كل رجس" وفي أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ نَهْيٌ كل رجس. . ..
الخطأ الثاني: تقصيرهم في فهم النصوص، فَكَمْ من حكم دل عليه النص، ولم يفهموا دلالته عليه، وسبب هذا الخطأ حصرهم الدلالة في مجرد ظاهر اللفظ دون إيمائه وتنبيهه وإشارته وعُرفه عند المخاطبين فلم يفهموا من قوله: (ولا تقل لهما أف) ضربًا ولا سبًا ولا إهانة غير لفظة "أف"، . . ..
الخطأ الثالث: تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقه، وجزمهم بموجبه لعدم علمهم بالناقل، وليس عدم العلم علما بالعدم (١). . ..
الخطأ الرابع لهم: اعتقادهم أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها على البطلان حتى يقوم دليل على الصحة، فإذا لم يقم