¬الأدلة التي تستعملها وهي معاني النصوص ومفهومها، وهي كلها واقعة تحت النص، وغير خارجة عنه أصلا. . . وجميع هذه الأنواع كلها لا تخرج من أحد قسمين: وَإمَّا تفصيل لجملة، وَإمَّا عبارة عَنْ معنى واحد بألفاظ شتى، كلغة يعبر عنها بلغة أخرى" (١).
الثاني: أسرف ابن حزم في إنكار القياس في الفروع وبالغ في ذلك، لكنه استعمل القياس والرأي في الأصول، وتأمل كتاب: "التوحيد" من "المحلى"، ومواضع من: "الفصل" تجد على ذلك أمثلة كثيرة (٢).
ولقد تَنَبَّهَ غير واحد من أهل التراجم والسير إلى جمود ابن حزم في الفروع، واسترساله في التأويل في الأصول لهذا الإمام الذهبي يقول: ". . . ولقد وقفت له على تَألِيفٍ يحض فيه على الاعتناء
стр. 177
¬بالمنطق، ويقدمه على العلوم، فتألمت له، فإنه رأس في علوم الإسلام، متبحر في النقل، عديم النظير على يبس فيه وفرط ظاهرية في الفروع لا في الأصول" (١).
وقال ابن كثير: "والعجب كل العجب منه أنه كان ظاهريا حائرا في الفروع، لا يقول بشيء من القياس الجلي (٢) ولا غيره، وهذا الذي وضعه عند العلماء، وأدخل عليه خطأ كبيرا في نظره وتصرفه، وكان مع هذا من أشد الناس تأويلا في باب الأصول، وآيات الصفات وأحاديث الصفات. . ." (٣).
الثالث: استعان ابن حزم بالمنطق لنقض التعليل والقياس (٤)، فلم ير "الاستدلال بالشاهد على الغائب" (٥)، وأنه ليس للبشر أن يعلل حراما أو حلالا لم يخبرنا الله ولا رسوله بعلته، ثم يزعم أن الله أراد
стр. 178
¬هذه العلة فهذا "التحكم على الخالق الأول" (١) و"ليس في العقل ما يوجب تحريم شيء مما في العالم، وتحليل آخر ولا إيجاب عمل وترك إيجاب آخر، فالأوامر أسباب موجبة لما وردت به، فإذا لم ترد فلا سبب يوجب شيئا أصلا ولا يمنعه، وإذا لم تكن العلة إلا التي لم توجد قط إلا وموجبها معها، فليس ذلك إلا في الطبيعيات فقط" (٢).
стр. 179
¬ المبحث الرابع: الاعتراض على أَهْلِ الظاهر
أدى جمود أهل الظاهر على النص، ونفيهم التعليل والاجتهاد بالرأي والقياس، إلى الوقوع في عظيم، والهجوم على أمر خطير، ذلك أنهم جوزوا ورود الشريعة بالفرق بين المتساويين، والجمع بين المختلفين، لإقرارهم أن الشارع ينهى عن الشيء لا لمفسدة، ويأمر به لا لمصلحة. فكان أَنْ نهض علماء مختلف المذاهب للرد عليهم، وبيان الحق الذي التبس عليهم، فكانوا في ذلك بين منصف عادل، ومغال قادح.
ولعل من أحسن الاعتراضات على أهل الظاهر وأعدلها وأقربها إلى النَّصَفة، اعتراض ابن قيم الجوزية الذي صَدَّره ببيان محاسن الظاهرية فقال: "وأحسنوا في اعتنائهم بالنصوص ونصرها، والمحافظة عليها، وعدم تقديم غيرها من رأي أو قياس أو تقليد، وأحسنوا في رد الأقيسة الباطلة، وفي بيان تناقض أهلها: وأخذهم بقياس وتركهم ما هو أولى منه (١) ". ثم انبرى ابنُ القَيِّم للاعتراض والنقد فقال: ولكن أَخْطَأوا من أربعة أوجه:
أحدها: رد القياس الصحيح: ولا سيما المنصوص على علته التي يجري النص عليها مجرى التنصيص على التعميم باللفظ، ولا يتوقف عاقل في أن قول النبي ﷺ : "إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم
стр. 180
¬الحمر فإنها رجس"، بمنزلة قوله: "ينهيانكم عن كل رجس" وفي أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ نَهْيٌ كل رجس. . ..
الخطأ الثاني: تقصيرهم في فهم النصوص، فَكَمْ من حكم دل عليه النص، ولم يفهموا دلالته عليه، وسبب هذا الخطأ حصرهم الدلالة في مجرد ظاهر اللفظ دون إيمائه وتنبيهه وإشارته وعُرفه عند المخاطبين فلم يفهموا من قوله: (ولا تقل لهما أف) ضربًا ولا سبًا ولا إهانة غير لفظة "أف"، . . ..
الخطأ الثالث: تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقه، وجزمهم بموجبه لعدم علمهم بالناقل، وليس عدم العلم علما بالعدم (١). . ..
الخطأ الرابع لهم: اعتقادهم أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها على البطلان حتى يقوم دليل على الصحة، فإذا لم يقم
стр. 181
¬عندهم دليل على صحة شرط، أو عَقْدٍ، أو معاملة استصحبوا بطلانه فأفسدوا بذلك كثيرًا من معاملات الناس وعقودهم وشروطهم بلا برهان من الله بناء على هذا الأصل" (١).
والحق أن أهل الظاهر لم يردوا القياس الصحيح إذا كانت علته منصوصا عليها كما ادعى ابنُ القيم، بل إنهم يأخذون به لا على معنى أنه قياس، بل على معنى أنه "دليل" مأخوذ من النص أو الإجماع على النحو الذي سبق بيانه (٢).
قال الإمام الشوكاني: "ثم اعلم أن نُفاة القياس لم يقولوا بإهدار كل ما يسمى قياسا، وإن كان منصوصا على علته، مقطوعا فيه بنفي الفارق، بل جعلوا هذا النوع من القياس مدلولا عليه بدليل الأصل، مشمولا به، مندرجا تحته، وبهذا يهون عليك الخطبُ، ويَصْغُر عندك ما استعظموه، ويقرب لديك ما بَعَّدُوه لأن الخلاف في هذا النوع
стр. 182
¬الخاص صار لفظيا، وهو من حيث المعنى متفق على الأخذ به، والعمل عليه، واختلاف طريقة العمل، لا يستلزم الاختلاف المعنوي لا عقلا ولا شرعا ولا عرفا. . ." (١).
ولقد شجر الخلافُ بين العلماء في الاعتداد بمخالفة أهل الظاهر، وانقسموا في ذلك إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: اعتبار مخالفة أهل الظاهر، قال التاج السبكي: "وهو ما ذكره الأستاذ أبو منصور البغدادي أنَّه الصحيح من مذهبنا، وقال ابن الصلاح أنه استقر عليه الأمر آخرا" (٢).
القسم الثاني: عدم اعتبار مخالفة أهل الظاهر، قال التاج السبكي: وهو رأي الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني ونقله عن الجمهور حيث قال: قال الجمهور: إنهم - يعني نفاة القياس - لا يبلغون رتبة الاجتهاد، ولا يجوز تقليدهم القضاء. . . وهذا هو اختيار إمام الحرمين، وعزاه إلى أهل التحقيق، فقال: والمحققون من علماء الشافعية لا يقيمون لأهل الظاهر وزنا. . . قال - وبحق قال حبر الأصول القاضي أبو بكر: إني لا أعدهم من علماء الأمة: ولا أبالي بخلافهم ولا وفاقهم. . . (٣).
القسم الثالث: أن خلافهم معتبر إلا فيما خالف القياس الجلي، وهذا الذي اختاره التاج السبكي فقال: . . . فالذي أراه الاعتبار بخلاف داود ووفاقه، نعم للظاهرية مسائل لا يعتد بخلافه فيها، لا
стр. 183
¬من حيث أن داود غير أهل للنظر، بل لخرقه فيها إجماعا تقدمه، وعذره أنه لم يبلغه دليل واضح جدا وذلك كقوله في التغوط في الماء الراكد، وقوله لا ربا إلا في الستة المنصوص عليها، وغير ذلك من مسائل وَجَّهت سهامَ الملامِ إليهم، وأفاضت سبيل الإزراء عليهم" (١).
ولقد أدى التزام ابن حزم باطِّراد قواعده، إلى الإنفراد بأقوال خالف فيها جميع المذاهب، كما أداه ذلك إلى التيسير في بعض الأحكام، والشدة والتضييق في بعضها (٢).
ومن المسائل الفقهية التي خالف فيها أهلُ الظاهر مَنْ سواهم، فكان ذلك شذوذا: قول ابن حزم: "ولعاب الكفار من الرجال والنساء الكتابيين وغيرهم نجس كله، وكذلك العرق منهم والدمع، وكل ما كان منهم" (٣)، ويستدل ابنُ حزم على ما ذهب إليه بقوله: "برهان ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وبيقين يجب أن بعض النجس نجس، لأن الكل ليس هو شيئا غير أبعاضه" (٤).
فإن قيل: إن النجاسة التي في الآية - معنوية، أجاب ابن حزم: هبكم أن ذلك كذلك، أيجب من ذلك أن المشركين طاهرون؟ حاش لله من هذا، وما فهم قط من قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ مع
стр. 184
¬قوله نبيه ﷺ : (إن المؤمن لا ينجس) أن المشركين طاهرون، ولا عجب في الدنيا أعجب ممن يقول فيمن نص الله تعالى أنهم نجس: إنهم طاهرون. . ." (١).
ثم يستطرد ابنُ حزم في إيراد ما قد يعترض به الخصم فيقول: فإن قيل: قد أبيح لنا نكاح الكتابيات ووطؤهن، قلنا: نعم، فأي دليل في هذا على أن لعابها وعرقها ودمها طاهر؟ فإن قيل: إنه لا يقدر على التحفظ من ذلك، قلنا: هذا خطأ، بل يفعل فيما مسه لعابها وعرقها مثل الذي يفعل إذا مسه بولها، أو دمها أو مائية فرجها ولا فرق. . ." (٢).
ولما وقف الشيخ العلامة أحمد محمد شاكر على هذا الموضع قال: "القول بنجاسة بدن الكافر وعرقه، وريقه إلى آخره قول شاذ لم أعرفه روي عن أحد من العلماء إلا ما نقله ابن كثير في تفسيره (ج ٤/ ص ٣٧٢) عن بعض أهل الظاهر ولعله يريد المؤلف وإلا ما نقله الطبري في تفسيره (ج ١٠/ ص ٧٤) عن الحسن: "لا تصافحوهم، فمن صافحهم فليتوضأ". . .. والمؤلف إنما أتى بمغالطات زعمها أدلة، وقد أباح الله للمؤمنين طعام أهل الكتاب ومؤاكلتهم، ولن يخلو هذا من آثارهم، وزواج الكتابيات يدعو إلى مخالطتهن أتم مخالطة، مما لا يمكن معه الاحتراز عن ريقهن وعرقهن في بدن المؤمن وثوبه وفراشه، والآية ظاهرة في أن المراد نجاستهم المعنوية من جهة
стр. 185
¬الاعتقاد الباطل، وعدم الحرص على الطهارات: وأنهم لا يتحرزون من النجاسات" (١).
ولقد ورد النهي عن البول في الماء الدائم الذي لا يجري ثم الاغتسال أو الوضوء فيه (٢)، ففهم ابنُ حزم من ذلك "أن البائل في الماء الراكد الذي لا يجري حرام عليه الوضوء بذلك الماء، والاغتسال به لفرض أو لغيره، وحكمه التيمم إن لم يجد غيره، وذلك الماء طاهر حلال شربه له ولغيره إن لم يغير البول شيئا من أوصافه، وحلالٌ الوضوء به والغسل به لغيره، فلو أحدث في الماء، أو بال خارجا منه ثم جرى البول فيه، فهو طاهر يجوز الوضوء منه والغسل له ولغيره، إلا أن يغير ذلك البول أو الحدث شيئا من أوصاف الماء: فلا يجزئ استعماله أصلا، لا له ولا لغيره. . ." (٣).
وبهذا يتبين أنَّ ابن حزم يُخالف الجمهور في حُكم المتغوط في الماء الدائم، ويرى التفريق بين البول والغائط، والاقتصار على مجرد ظاهر النص، ويقول: "فَلَوْ أراد ﵇ أنْ ينهى عن ذلك غير البائل لَمَا سَكَتَ عن ذلك عَجْزًا ولا نسيانا. . .. " (٤). وهذا المذهب الذي ارتضاه ابنُ حزم مذهبٌ غريب جدا، قد اعترضه فيه النووي
стр. 186
¬فقال: "نقل أصحابنا عن داود بن علي الظاهري الأصبهاني ﵀ مذهبا عجيبا فقالوا: انفرد داود بأن قال لو بال رَجُلٌ في ماء راكد لم يجز أن يتوضأ منه لقوله ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه)، وهو حديث صحيح، قال: ويجوز لغيره، لأنه ليس بنجس عنده، ولو بال في إناء ثم صَبَّهُ في ماء، أو بال في شط نهر، ثم جرى البول إلى النهر قال: يجوز أن يتوضأ هو منه، لأنه ما بال فيه بل في غيره قال، ولو تغوط في ماء جاز أن يتوضأ منه، لأنه تغوط ولم يبل".
ثم قال النووي: "وهذا مذهب عجيب، وفي غاية الفساد، فهو أشنع ما نُقل عنه - إن صح عنه ﵀ وفساده مُغْنٍ عن الاحتجاج عليه، ولهذا أعرض جماعة من أصحابنا المعتنين بذكر الخلاف عن الرد عليه بعد حكايتهم مذهبه، وقالوا: فساده مغن عن إفساده، وقد خرق الإجماع في قوله في الغائط، إذ لم يفرق أحد بينه وبين البول ثم فرقه بين البول في نفس الماء، والبول في إناء يُصب في الماء مِنْ أعجب الأشياء؟ ! ومن أخصر ما يرد به عليه أن النبي ﷺ نبه بالبول على ما في معناه من تغوط وبول وغيره، كما ثبت أنه ﷺ قال في الفأرة تموت في السَّمن: (إن كان جامدا فألقوها وما حولها)، وأجمعوا أن السنور كالفأرة في ذلك، وغير السَّمن من الدهن كالسمن (١)، وفي الصحيح: (إذا ولغ الكلب في إناء
стр. 187
¬أحدكم فليغسله)، فلو أمر غيره فغسله، إن قال داود لا يطهر لكونه ما غسله هو، خرق الإجماع، دمان قال يطهر، فقد نظر إلى المعنى، وناقض قوله والله أعلم" (١).
ومما شَنَّعَ العلماءُ به على ابن حزم - مما هو أشد إيغالا في الجمود على ظاهر النص - ما فهمه من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ (٢)، فإنه قال: أما قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، فلو لم يُرد غير هذه اللفظة لما كان فيها تحريم ضربهما ولا قتلهما، ولما كان فيها إلا تحريم قول "أف" فقط. . . ولو كان النهي عن القول "أف" مغنيا عما سواه من وجوه الأذى لما كان لذكر الله تعالى في الآية نفسها - مع النهي عن قول "أف" - النهي عن النهر والأمر بالإحسان، وخفض الجناح والذل لهما معنى، فَلَمَّا لم يقتصر تعالى على ذكر الأف وحده، بطل قول من ادعى أن بذكر الأف عُلم ما عداه" (٣).
وَلَمَّا وقف الإمامُ الذَّهبي على هذا الموضع - من ملخص إبطال القياس - اعْتَرَضَ ابن حزم قائلا: "قلت: يا هذا، بهذا الجمود وأمثاله جعلت على عِرْضك سبيلا، ونصبت نفسك أعجوبة وضحكة، بل يقال لك: ما فهم أحد قط من عربي ولا نبطي ولا عاقل، ولا واع أن النهي عن قول "أف" للوالدين إلا وما فوقها أولى بالنهي منها، وهل يفهم ذو حس سليم إلا هذا؟ ! وهل هذا إلا من باب التنبيه بالأدنى
стр. 188
¬على الأعلى، وبالأصغر على الأكبر، بل مثل هذا مما أمن فيه حفظ اللسان العربي، بَل العجمي والتركي، وجميع خطاب بني آدم، وهل إذا قال: "لا تنهر والديك" إلا والنهي عن شتمهما أو لعنهما، أو ضربهما حتى يستغيثا أو خنقهما حتى يموتا بطريق الأولى؟ ! . . ." (١).
وبالجملة: فإنه كلما ضاق المخرج على ابن حزم في شيء من الفقه، كان ذلك فرصة مناسبة لخصومه للنيل منه والتشنيع عليه، ولو أن ابن حزم نأى بنفسه عن الجمود على النص، وراعى المقاصد والمعاني لما جعل لغيره عليه سبيلا، ولنزل كلامه في النفوس منزلا رفيعا، وسبيل أهل الاجتهاد والنظر مراعاة الظاهر والمعنى الخفي، يقول ابن قيم الجوزية مبينا ذلك ببيان جلي: "ومثل مَنْ وقف مع الظواهر والألفاظ، ولم يراع المقاصد والمعاني إلا كمثل رجل قيل له: لا تسلم على صاحب بدعة، فقبل يده ورجله ولم يسلم عليه، أو قيل له: اذهب فاملأ هذه الجرة، فذهب فملأها ثم تركها على الحوض، وقال: لم تقل إيتني بها، وكمن قال لوكيله: بع هذه السلعة، فباعها بدرهم وهي تساوي مائة، ويلزم من وقف مع الظواهر أن يصحح هذا البيع، وَيُلْزَمُ به الموكل، وإن نظر إلى المقاصد تناقض حيث ألقاها في غير موضع" (٢).
стр. 189
¬وليس يمنع - عند المُنْصف - الشذوذُ والإغرابُ في فقه الظاهرية عامة، وفقه ابن حزم خاصة، من الاستفادة من هذا التراث العظيم الذي تركه رواده ومنتحلوه، ذلك لأن الحق وَسَطُ بينهم وبين جمهور أهل الفقه.
ولقد أحسن الإمام الشوكاني صنعا عندما قارن بين مذهب الجمهور ومذهب أهل الظاهر فقال عند ترجمة أبي حيان الأندلسي الذي كان يميل إلى الظاهر: "قال ابن حجر: "كان أبو حيان يقول: محال أن يرجع عن مذهب الظاهر مَنْ عَلِقَ بذهنه" (١)، - ولقد صدق في مقاله، فمذهب الظاهر هو أول الفكر، وآخر العمل عند من مُنح الإنصاف، ولم يرد على فطرته ما يغيرها عن أصلها، وليس هو مذهب داود الظاهري وأتباعه فقط بل هو مذهب أكابر العلماء المتقيدين بنصوص الشرع من عصر الصحابة إلى الآن، وداود واحد منهم، وإنما اشتهر عنه الجمود في مسائل وقف فيها على الظاهر حيث لا ينبغي الوقوف، وأهمل من أنواع القياس ما لا ينبغي لمنصف إهماله، وبالجملة: فمذهب الظاهر هو العمل بظاهر الكتاب والسنة بجميع الدلالات وطرح التعويل على محض الرأي الذي لا يرجع إليهما بوجه من وجوه الدلالة، وأنت إذا أمعنتَ النظر في مقالات
стр. 190
¬أكابر المجتهدين المشتغلين بالأدلة وجدتها من مذهب الظاهر بعينه: بل إذا رزقت الإنصاف، وعرفتَ العلوم الاجتهادية كما ينبغي، ونظرت في علوم الكتاب والسنة حَقَّ النظر كنتَ ظاهريا أي عاملا بظاهر الشرع، منسوبا إليه لا إلى داود الظاهري، فإن نسبتك ونسبته إلى الظاهر متفقة، وهذه النسبة هي مساوية للنسبة إلى الإيمان والإسلام، وإلى خاتم الرسل عليه أفضل الصلوات والتسليم وإلى مذهب الظاهر بالمعنى الذي أوضحناه أشار ابن حزم بقوله:
وما أنا إلا ظاهري وأنني على ما بدا حتى يقوم دليل (١)
стр. 191
¬ المبحث الخامس: محنة ابن حزم بسبب القول بالظاهر
اعتقد ابن حزم صحة أصوله، وسلامة قواعده اعتقادًا لا يخالطه شك، فَثَبَتَ على ذلك مدة حياته، يدافع عن هذه الأصول وتلك القواعد، فَحَميَ فكرُه، وتهيجَّ نشاطه، وامتد جداله، حتى ضاق الناس به ذَرْعًا، فآذوه ونبذوا طريقته وفقهه.
وإنما أثار الناس عليه أَحَدُ أمرين:
الأول: جموده ويُبْسُهُ على ظواهر النصوص، وتركه للرأي والقياس وإغرابه في مسائل انفرد بها، واستهجانه لرأي غيره.
ولقد أكثر ابن العربي (١) الاعتراضَ على ابن حزم من هذه الجهة، وبالغ في ذلك حتى أقذع في القول، وخرج عن حد الأدب.
فمن ذلك: قوله عند تحديد مسافة القصر: "تلاعب قوم بالدين، فقالوا: "إن مَنْ خرج من البلد إلى ظاهره، قَصَرَ الصلاة وأكل، وقائل هذا أعجمي لا يَعْرف السفر عند العرب، أو مستخف بالدين، ولولا أن العلماء ذكروه ما رضيتُ أن ألمحه بمؤخر عيني، ولا أن أفكر فيه
стр. 192
¬بفضول قلبي" (١).
ومن ذلك أيضا قوله في تفسير آية الصيام: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢): "قال علماؤنا: هذا القول من لطيف الفصاحة، لأن تقريره: فأفطر فعدة من أيام أخر. . . وقد عزي إلى قوم: "إن سافر في رمضان قضاه، صامه أو أفطره"، وهذا لا يقول به إلا ضعفاء الأعاجم، فإن جزالة القول، وقوة الفصاحة تقتضي: "فأفطر". . ." (٣).
ولقد حملت العصبيةُ ابنَ العربي على النيل من ابن حزم ونحلته، ووصفها بأشنع الأوصاف، وذِكْرها بأشنع النعوت، فهي "فرقة سخيفة، مكفرة على التأويلين، وهي التي لا تقول إلا ما قال الله ورسوله، وَتُنْكِرُ النظر أصلا، وتنفي التشبيه والتمثيل الذي لا يُعرف الله إلا به" (٤).
ثم عرضَ ابن العربي لابن حزم فَحَطَّ عليه حَطًّا عظيما، وذكر سبب فُشُوِّ هذه النحلة في الأندلس فقال: . . . ولكنه أمرٌ استشرى داؤه، وعَزَّ عندنا دواؤه، وأفتى الجهلة به، فمالوا إليه، وَغَرَّهُم رجل كان
стр. 193
¬عندنا يقال له ابن حزم، انتدب لإبطال النظر، وسد سُبل العبر، ونسب نفسه إلى الظاهر إقتداء بداود وأشياعه، فسود القراطيس، وأفسد النفوس. . ." (١).
وشبه ابنُ العربي حالَ الظاهرية بحال إخوانهم الخوارج عندما قال في وصف الفرقة الأولى: "هي أمة سخيفة تسورت على مرتبة ليست لها وتكلمت بكلام لم تفهمه تلقفوه من إخوانهم الخوارج حيث تقول: لا حكم إلا لله، وكان أول بدعة لقيتُ في رحلتي القول بالباطن، فلما عدت وجدتُ القولَ بالظاهر قد ملأ به المغربَ سخيفٌ كان من بادية إشبيلية يُعرف بابن حزم، نشأ وتعلق بمذهب الشافعي، ثم انتسب إلى داود، ثم خلع الكل، واستقل بنفسه، وزعم أنه إمام الأمة، يضع ويرفع ويحكم ويشرع، ينسب إلى دين الله ما ليس فيه، ويقول عن العلماء ما لم يقولوا تنفيرا للقلوب عنهم، وخرج عن طريق المشبهة في ذات الله وصفاته، فجاء بطوام، واتفق كونه بين قوم لا بصر لهم إلا بالمسائل، فإذا طالبهم بالدليل كاعوا، فيتضاحك مع أصحابه منهم. . . وفي حين عَوْدي من الرحلة ألفيت حضرتي منهم طافحة، ونار ضلالهم لائحة، فقاسيتهم مع غير أقران، وفي عدم أنصار. . . تارة تذهب لهم نفسي، وأخرى تنكسر لهم ضرسي، وأنا ما بين إعراض عنهم وتشغيب بهم. . . يقولون: لا قول إلا ما قال الله، ولا نتبع إلا رسول الله، فإن الله لم يأمر بالإقتداء بأحد، ولا
стр. 194
¬بالاهتداء بهدي بشر، فيجب أن يتحققوا أنهم ليس لهم دليل، وإنما هي سخافة وتهويل. . . فأوصيكم بوصيتين ألا تستدلوا عليهم وطالبوهم بالدليل، فإن المبتدع إذا استدللت عليه شغب وإذا طالبته بالدليل لم يجد إليه سبيلا، فأما قولهم: لا قول إلا ما قال الله، فحق ولكن: أَرِنِي ما قال الله، وأما قولهم: لا حكم إلا لله، فغير مسلم على الإطلاق، بل من حكم الله أن يجعل الحكم لغيره مما قاله، وأخبر به، فصح أن رسول الله ﷺ قال: "وإذا حاصرت أهل حصن، فلا تنزلهم على حكم الله، فإنك لا تدري ما حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك)، وصح قوله: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء، الحديث" (١).
ويعارض ابنُ العربي مقالةَ الظاهرية ويناقضهم فيقول في ذلك شعرا منه:
قالوا الظواهر أصل لا يجوز لنا ... عنها العدول إلى رأي ولا نظر
قلت اخسأوا فمقام الدين ليس لكم ... هذه العظائم فاستخفوا من الوتر
فالظاهرية في بطلان قولهم ... كالباطنية غير الفرق في الصور
كلاهما هادم للدين من جهة ... والمقطع العدل موقوفا على النظر
هذي الصحابة تستمري خواطرها ... ولا تخاف عليها غرة الخطر
وتعمل الرأي مضبوطا مآخذه ... وتخرج الحق محفوظا من الأثر (٢)
стр. 195
¬ولما وقف الذَّهبي على مقالة ابن العربي، قال: "قلت: لم يُنصف القاضي أبو بكر ﵀ شيخ أبيه في العلم، ولا تكلم فيه بالقسط، وبالغ في الإستخفاف به، وأبو بكر فعلى عظمته في العلم، لا يبلغ رتبة أبي محمد، ولا يكاد، فرحمهما الله، وغفر لهما" (١).
وقال في موضع آخر - بعد أن حكى مقالة ابن حيان في ابن حزم -: "قلت هذا القائل منصف، فأين كلامه من كلام أبي بكر بن العربي، وهضمه لمعارف ابن حزم؟ ! " (٢).
ولقد علم ابن حزم أن أهل بلده غير تاركيه وما اختاره، وأنهم لا بد مخالفون له، ناقمون عليه، لشيء طُبعوا عليه من الزهد في العالم، والحسد له، وطمس محاسنه وفضائله، يقول في ذلك: . . . وأما جهتنا فالحكم في ذلك ما جرى به المثل السائر: "أزهد الناس في عالم أهله". . . ولا سيما أندلسنا، فإنها خُصت من حسد أهلها للعالم الظاهر فيهم، الماهر منهم، واستقلالهم كثير ما يأتي به، واستهجانهم حسناته، وتتبعهم سقطاته وعثراته، وكثر ذلك مدة حياته، بأضعاف ما في سائر البلاد، إنْ أجاد قالوا: سارق مغير، ومنتحل مدع، وإن
стр. 196
¬توسط قالوا: غث بارد، وضعيف ساقط، وإن باكر الحيازة لقصب السبق قالوا: متى كان هذا؟ ومتى تَعَلَّم؟ وفي أي زمان قرأ؟ وَلِأُمِّه الهَبْلُ، وبعد ذلك إن ولجت به الأقدارُ أحد طريقين إما شفوفا بائنا يعليه على نظائره، أو سلوكا في غير السبيل التي عهدوها، فهنالك حمي الوطيس على البأس، وصار غرضا للأقوال، وهدفا للمطالب، ونصبا للتسبب إليه ونهبا للألسنة، وعرضة للتطرق إلى عرضه، وربما نحل ما لم يقل، وطوق ما لم يتقلد، وألحق به ما لم يَفُهْ به ولا اعتقده قلبه، وبالحرى وهو السابق المبرز إن لم يتعلق من السلطان بحظ، أن يسلم من المتالف، وينجو من المخالف، فإن تعرض لتأليف غُمز ولُمز وتُعرض وهُمز، واشتط عليه، وعُظم يسيرُ خطبه، واستشنع هين سقطه، وذهبت محاسنه، وسترت فضائله، وهُتف ونُودي بما أغفل فتنكس لذلك همته، وتكل نفسُه، وتبرد حميتُه. . ." (١).
وكان ابن حزم قليل المبالاة بكلام الناس فيه، مطرحا لشغبهم عليه غير آبه بمخالفتهم إن وافق الحق، وَوُفّق للصواب (٢)، ولكنه - مع ذلك - كان يبين لخصومه ما التبس عليهم من مخالفته لهم، إظهارا لسلامة نحلته، وصحة معتقده، فمن ذلك رده على من قال إن أهل
стр. 197
¬الظاهر كالخوارج في حمل القرآن على ظاهره: يقول شارحا حقيقة صنيع الخوارج، ومباينة أهل الظاهر لهم، ما ضلت - يعني الخوارج - إلا بمثل ما ضل هو به (١)، من تعلقهم بآيات ما، وتركوا غيرها، وتركوا بيان الذي أمره الله أن يبين للناس ما نزل إليهم: . . . وهو رسول الله ﷺ ، ولو أنهم جمعوا آي القرآن كلها، وكلام النبي ﷺ ، وجعلوه كله لازما، وحكما واحدًا، ومتبعا كله لاهتدوا على أن الخوارج أعذر منه، وأقل ضلالا، لأنهم لم يلتزموا قبول خبر الواحد، وأما هو فالتزم وجوبه. . . (٢).
كما عُرفت لابن حزم أجوبة عن شبه خصومه، أفرد بعضها بالتصنيف (٣).
الثاني: وقيعة ابن حزم في الأئمة، وعدم تلطفه في جدال خصومه، وقسوته عليهم، بأبشع لفظ، وأفظ محاورة، فلذلك استهدف لعلماء عصره، وصوبت إليه سهام النقد حتى أشيع عنه ما هو بريء منه لشدة وقع لفظه على خصمه (٤).
стр. 198
¬وابن حزم - وإن وقعت منه هنات - فهو يعرف للأئمة من أهل الاجتهاد فضلهم، وما لهم من السبق إلى فتح مقفلات، وتذليل عقبات ورفع مشكلات، اسمع إليه يقول: . . . والصحيح ن ذلك أن أبا حنيفة ومالكا - رحمهما الله - اجتهدا، وكانا ممن أمر بالاجتهاد، إذ كل مسلم ففرض عليه أن يجتهد في دينه، جريا على طريق السلف في ترك التقليد - فأجرا فيما أصابا فيه أجرين وأجرا فيما أخطآ فيه أجرا واحدا، وسلما من الوزر في ذلك على كل حال. . ." (١). فانظر كيف تلطف في الاعتراف لأبي حنيفة ومالك بمرتبة الاجتهاد، ثم انظر كيف اعتذر عنهما فيما أخطآ فيه. ومن هذا القبيل أيضا قوله: وأمَّا الورعُ فَهُوَ اجتنابُ الشُّبهات، ولقد كان أبو حنيفة وأحمد وداود مِنْ هذه المنزلة في الغاية القُصوى. . . واما مالك والشافعي، فكانا يأخذان من الأمراء، وورث عنهما، واستعملاه وأثريا منه، وهما في ذلك أصوب ممن ترك الأخذ منهم، وما يقدح هذا عندنا في ورعهما أصلا، ولقد كانوا ﵏ في غاية الورع" (٢).
стр. 199
¬ولقد أطلق لسانَ ابن حزم في الأئمة عكوفُ مقلديهم على أقوالهم (١)، ومغالاتهم في اعتقادهم، ونسبتهم كلَّ فضيلة إليهم وإنْ كان ذلك زورا وكذبا، يقول ابن حزم: "قال الله : ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أوليت شعري أيشك هذا الجاهل، الذي سأل هذا السؤال في أن كل طائفة قلدت رجلا من هؤلاء المذكورين، فإنهم لولا أنه عندهم أفقه من سائرهم وأعلم وأفضل وأجل وَأَوْرَعُ لما قلدوه دينهم، فقد كان ينبغي لهم - لو عقلوا - أن يعرفوا أن غيرهم بصاحبهم كالذي يجدونه هم بصاحبهم ولا فرق، وكل فتاة بأبيها معجبة. . . وقد رويت عن كل طائفة في صاحبهم شُنَعٌ منها خفيف، ومنها فظيع. . ." (٢).
ثم يفصل ابن حزم القول في شُنَعِ ما روي في فضل أبي حنيفة
стр. 200
¬والشافعي وأحمد (١)، ثم يخلص إلى أن "كل طائفة تدعي أنها أهل الحق ولا حق إلا في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ المبلغة بالسند الصحيح إليه ﵇ فقط" (٢).
ومن إنصاف ابن حزم أَنْ ذكر غلو أصحاب داود فيه: واعتقادهم أنه أعلم وأفضل وأجل ممن سواه من الأئمة (٣).
وأومأ ابن خلدون إلى سبب نقمة الناس على ابن حزم فقال: ". . . وقد فعل ذلك ابن حزم بالأندلس على علو رتبته في حفظ الحديث، وصار إلى مذهب أهل الظاهر، ومهر فيه باجتهاد زعمه في أقوالهم، وخالف إمامهم داود، وتعرض للكثير من أئمة المسلمين، فنقم الناس ذلك عليه، وأوسعوا مذهبه استهجانا وإنكارا. . ." (٤).
ويعتذر محمد بن خليل عن ابن حزم في إطلاقه لسانه في خصومه،
стр. 201
¬فيقول: ". . . وذلك أن أكثر من أثنى على أبي محمد ﵀ وَاخَذَهُ في شيء وهو أنه أطلق لسانه وقلمه على قوم من المتعصبين بالثلب والسب والنيل منهم، وكأنهم رأوا أن هذا خطأ، وأنه أتى ما لا يجوز فعله، وعيب عليه ذلك في تصانيفه، وأثا أقول، إنه ليس خطأ، بل هو قربة إلى الله تعالى، وجهاد فيه، وزين للتأليف" (١).
ثم يذكر ابن خليل ما كان عليه السلف الصالح، من ابتغاء وجه الله تعالى في طلب العلم، وتعليمه الناس، والخلاف فيه، وأن ذلك لم يكن سببا في قدح بعضهم في بعض، ثم قال: "ثم خَلَف من بعدهم خلف جعلوا طلب العلم سببا لنيل دنياهم. . . وذلك أنهم يعترضون على كتاب الله تعالى، وعلى الصحيح عندهم من سنن رسول الله ﷺ بما قدروا عليه من أنواع الاعتراضات، فيحرفون الكلم عن مواضعه قصدا، ويمزقون كتاب الله تعالى تمزيقا باردا: ويتحكمون فيه تحكما فاسدا، وَيَعرِضُونَهُمَا على كلام من قلدوه، فما وافقه منها أخذوا به، وما لم يوافقه منها نابذوه بالعداء. . ." (٢).
ثم ينتقل ابن خليل إلى الذود عن ابن حزم في رده أقوال هؤلاء: ". . فهو يرى في مذهبه أن تلك المقولات منه مجاهدة شرعا، ويحتج على ذلك بقوله ﵇: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان). . ." (٣).
стр. 202
¬ثم يبين ابنُ خليل الحال في تخطئة الأكابر فيقول: ". . . وأما تخطئة من خَطَّأَ من السلف الصالح ﵃، فليست التخطئة نيلا منهم، ولا يعدها نيلا منهم إلا جاهل أحمق، وذلك أنه قد علمنا قطعا أن كل أحد يخطئ ويصيب إلا أنبياء الله تعالى صلوات الله عليهم أجمعين، وإذا قال قائل عمن أخطأ في شيء - وهو ممن يجوز عليه الخطأ - قد أَخْطَأَ فهو إخبار بحق وصدق، ولو قال غير ذلك لكان كاذبا" (١).
واستعدى فقهاءُ المالكية على ابن حزم - لما رأوه من مخالفته وحطه على الأئمة - مقدميهم وأصحابَ الفضل والعلم فيهم، فكانت له معهم مناظرات ومساجلات، ذكر بعضَها ابنُ حزم في مواطن من كتبه فمنها:
١ - مناظرةٌ بينه وبين الليث بن حريش العبدري (٢) بحضرة القاضي عبد الرحمن بن أحمد بن بشر (٣)، وَجَمْعٍ عظيم من فقهاء المالكية، وكانت هذه المناظرة عن تجويز الخطأ على الإمام مالك، قال ابن حزم: وذلك أني قلت له: لقد نسبت إلى مالك ﵁ ما لو صح عنه لكان أفسق الناس، وذلك أنك تصفه بأنه أَبْدى إلى الناس المعلول والمتروك والمنسوخ من روايةٍ، وكتمهم المستعمل والسالم والناسخ، حتى مات
стр. 203
¬ولم يبده إلى أحد، وهذه صفة من يقصد إفساد الإسلام والتلبيس على أهله، وقد أعاذه الله من ذلك، بل كان عندنا أحد الأئمة الناصحين لهذه الملة، ولكنه أصاب وأخطأ واجتهد، فوفق وحرم، كسائر العلماء، ولا فرق أو كلاما هذا معناه (١). ويقول ابن حزم: إن أحدا من المالكية لم يُجِبْ إجابة معارضة: بل صمتوا كلهم إلا قليلا منهم أجابوني بالتصديق لقولي (٢).
٢ - مناظرة بينه وبين كبير من المالكية في قول ابن عباس في دية الأصابع: "ألا اعتبرتم ذلك بالأسنان عقلها سواء، وإن اختلفت منافعها". يقول ابن حزم: "ولقد ناظرني كبيرهم في مجلس حافل بهذا الخبر، فقلت له: إن القياس عند جميع القائلين به - وأنتَ منهم - إنما هو رد ما اختلف فيه إلى ما أجمع عليه، أو رد ما لا نص فيه إلى ما فيه نص، وليس في الأصابع ولا في الأسنان إجماع، بل الخلاف موجود في كليهما، وقد جاء عن عمر المفاضلة بين دية الأصابع، وَبَيْن دية الأضراس، وجاء عنه وعن غيره التسوية بين كل ذلك فبطل ها هنا رد المختلف فيه إلى المجمع عليه، والنص في الأصابع والأسنان سواء، ثم من المحال الممتنع أن يكون عند ابن عباس نص ثابت عن
стр. 204
¬النبي ﷺ في التسوية بين الأصابع وبين الأضراس، ثم يفتي هو بذلك قياسا، فقال لي: وأين النص بذلك عن ابن عباس؟ فذكرت له الخبر الذي حدثناه عبد الله بن ربيع التميمي حدثنا عمر بن عبد الملك الخولاني حدثنا محمد بن بكر حدثنا سليمان بن الأشعث السجستاني حدثنا عباس بن عبد العظيم العنبري، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا شعبة بن الحجاج: حدثنا قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "الأصابع سواء، الأسنان سواء، الثنية والضرس سواء، هذه وهذه سواء يعني الإبهام والخنصر، فانقطع وسكت" (١).
واشتهرت مناظراتُ ابن حزم لأبي الوليد الباجي، وظهر أمرها حتى جرى منها "فصول يطول شرحها (٢)، ومجالس كثيرة قيدت بأيدي الناس" (٣)، وكان من خبر هذه المناظرات أن الباجي لما رجع من رحلته من المشرق، "وجد بها ابن حزم الظاهري - ولم يكن في الأندلس من يشتغل بعلمه: فقصرت ألسنة فقهائها عن مجادلته، واتبعه جماعة على رأيه" (٤)، وكان ابن حزم حينئذ في جزيرة مَيُورقة قد تابعه أهلها، "فلما وصل أبو الوليد كلم في ذلك، فرحل إليه
стр. 205
¬وناظره وأبطل كلامه" (١) ولم يُبق الدهر على هذه المناظرات، فندب بعضُ الباحثين نفسه لجمع - ما ظنه - مادتها من كتب الرجلين (٢).
ولم تفت هذه المناظرات من عضد ابن حزم، بل مضى ﵀ فيما اختاره يجاهد بلسانه وقلمه، ولكن خصومه سعوا في إثارة العامة عليه "فأركس الله تعالى جدودهم. . . وخابوا في ذلك" (٣)، لكنهم عادوا للسعاية به عند ذوي القدرة والسلطان، قال ابن حزم واصفا كيدهم: ". . . وكتبوا الكتب الكاذبة، فخيب الله سعيهم، وأبطل بغيهم، وله الشكر وَاصِبًا، وخسئوا في ذلك، فعادوا إلى المطالبة عن أمثالهم: فكتبوا الكتب السخيفة إلى مثل ابن زياد بدانية، وعبد الحق (٤) بصقلية
стр. 206
¬فأضاع الله كيدهم وفل أيديهم، وله المن كثيرًا والفضل. . ." (١).
وسعى فقهاء المالكية بابن حزم إلى المعتضد بن عباد حاكم إشبيلية، وأوغروا صدره عليه، وكان الرجل "شديد الجرأة، قوي المُنَّة، عظيم الجلادة، مستهينا بالدماء قتل ولده إسماعيل صبرا بيد نفسه، وقد اتهمه بالفساد عليه. . ." (٢)، فأمر بإحراق كتبه، فَجُمعت وأُحرقت (٣).
فلم يزد ذلك ابنَ حزم إلا ثباتا وعنادا، وإمعانا في المضي فيما ندب له نفسه، يقول في ذلك:
стр. 207
¬دعوني من إحراق رق وكاغد ... وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري
فإن تحرقوا القرطاس لم تحرقوا الذي ... تضمنه القرطاس بل هو في صدري
يسير معي حيث استقلت ركائبي ... وينزل إن أنزل ويُدفن في قبري (١)
ويصف ابن حيان حال ابن حزم بعدما صار هدفا لأذى الناس، وغرضا لكيدهم فيقول: "طفق الملوك يقصونه عن قريتهم، ويسيرونه عن بلادهم، إلى أن انتهوا به منقطع أثره بتربة بلده من بادية لبلة، وبها توفي. . . وهو في ذلك غير مرتدع، ولا راجع إلى ما أرادوا به، يبث علمه فيمن ينتابه من بادية بلده من عامة المقتبسين منهم من أصاغر الطلبة الذين لا يخشون فيه الملامة، يحدثهم، ويفقههم ويدربهم، ولا يدع المثابرة على العلم، والمواظبة على التأليف، والإكثار من التصنيف" (٢).
وبعد وفاة ابن حزم بسنوات، مَلَكَ الأندلسَ المرابطون، فَنَفَقَ مذهب مالك، وفشا التقليد حتى نُسي النظر في كتاب الله، وحديث رسول الله ﷺ (٣)؛ وهذا هو الذي كان يخافه ابن حزم على أهل بلده،
стр. 208
¬وبعد المرابطين بسط الموحدون نفوذهم على الأندلس، وفي أيام يعقوب بن يوسف "انقطع علم الفروع، وخافه الفقهاء، وأمر بإحراق كتب المذهب بعد أن يجرد ما فيها من أحاديث رسول الله ﷺ ، والقرآن، فأحرق منها جملة في سائر البلاد، كمدونة سحنون، وكتاب ابن يونس ونوادر ابن أبي زيد ومختصره، وكتاب التهذيب للبرادعي، وواضحة ابن حبيب، وما جانس هذه الكتب، ونحا نحوها" (١).
ولقد كان والدُ يعقوب المنصور الموحدي لَمَّا دخل الأندلس، وقف على قبر ابن حزم وقال: "عجبا لهذا الموضع يخرج منه مثل هذا العالم" ثم التفت إلى مَنْ حوله قائلا: "كل العالم عيال على ابن حزم" (٢).
¬ المبحث الأول: موضوع الكتاب وغايته وسبب التأليف وتاريخ ذلك
١ - موضوع الكتاب وغايته:
نشأت الاتجاهات الفقهية في عصر التدوين والأئمة المجتهدين في القرن الثاني الهجري، وأصبح كل اتجاه منها متميزا، له زعماؤه وأتباعه، وقواعده وأصوله التي دُونت بعدُ في الكتب، وبذلك تكونت المدارس الفقهية (١).
ولقد كان مِنْ بين هذه المدارس الفقهية، فرقتان عظيمتان:
١ - أهل الحديث والأثر.
٢ - أهل الرأي والقياس (٢).
стр. 211
¬فـ "أهلُ الحديث قبلتهم السنة باعتبارها مكملا للقرآن، وباعتبارها نصوصا تَعَبَّدَ بها الشارعُ الإسلامي مَنْ دان بالإسلام، من غير نظر إلى علل راعاها في تشريعه، ولا أصول عامة يرجع إليها المجتهد، ولا أصول خاصة بالأبواب المختلفة، فهم المتشرعون الحرفيون، ومن أجل ذلك نراهم إذا لم يجدوا نصا في المسألة سكتوا ولم يُفتوا" (١).
و"أما أهل الرأي والقياس، فإنهم رأوا الشريعة معقولة المعنى رأوا أصولًا عامة نَطَقَ بها القرآن الكريم، وأيدتها السنة وَرَأَوا كذلك لكل باب من أبواب الفقه أصولا أخذوها من الكتاب والسنة، وردوا إليها جميع المسائل التي تعرض من هذا الباب، ولو لم يكن فيها نص، وهم بالنسبة إلى السنة كالأولين متى وثقوا من صحتها" (٢).
ولقد كان بين هاتين الفرقتين منافرةٌ عظيمة، وخصومة مستحكمة، امتلأت كُتب التاريخ والسير بأخبارها، وشُحنت كتب الخلاف والجدل بذكر مظاهرها، فمن ذلك:
стр. 212
¬١ - وصف أهل الحديث لأهل الرأي بأنهم أترك الناس للحديث: قال ابن عبد البر: "كثير من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبي حنيفة، لرده كثيرًا من أخبار العدول، لأنه كان يذهب في ذلك إلى عرضها على ما أجمع عليه من الأحاديث ومعاني القرآن، فما شذ عن ذلك ردوه وسماه شذوذا. . . (١).
ولم يعب بعضُ أهل الحديث أبا حنيفة ﵀ في الرأي قد يراه ولكن على مخالفة الحديث يبلغه، يقول الإمام الأوزاعي: "إنا لا ننقم على أبي حنيفة أنه رأى، كلنا يرى، ولكننا ننقم عليه أنه يجيئه الحديث عن النبي ﷺ ، فيخالفه إلى غيره" (٢).
ولقد اعتنى ابن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ) في "المصنف" ببيان: "ما خالف فيه أبو حنيفة الأثر الذي جاء عن رسول الله ﷺ " وَوَضَعَ لذلك كتابا، جمع فيه خمسا وعشرين ومائة مسألة (٣)، وجاء على أثر ابن أبي
стр. 213
¬شيبة، الإمامُ البخاري (ت ٢٥٦ هـ)، فأفرد كتابين للرد على أهل الرأي في خلافهم في مسألة، "رفع اليدين عند الركوع، وعند الرفع منه" (١)، ومسألة القراءة خلف الإمام (٢). كما أن له في الجامع الصحيح صنيعا خفيا في الرد عليهم، يُعلم من تراجم أبوابه، عامة، ومن كتاب "الحيل" خاصة (٣).
стр. 214
¬٢ - وصف أهل الحديث لأهل الرأي بالجهل بالسنن: وعدم معرفة صحيحها من سقيمها، لأن بضاعتهم في الرواية مزجاة، ونصيبهم من السماع قليل. ويصف الخطابي (ت ٣٨٨ هـ) فقهاء زمانه بأن "أكثرهم لا يعرجون من الحديث إلا على أقله، ولا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه، ولا يعرفون جيده من رديئه، ولا يعبأون بما بلغهم منه أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلونها، ووافق آراءهم التي يعتقدونها وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبول الخبر الضعيف، والحديث المنقطع إذا كان ذلك قد اشتهر عندهم، وتعاورته الألسن فيما بينهم من غير تثبت فيه، أو
стр. 215
¬يقين علم به، فكان ذلك ضلة من الرأي، وغبنا فيه" (١).
ويُضيف الخطَّابي قائلًا: "وتَرَى أصحاب أبي حنيفة لا يَقْبَلُون من الرواية عنه، إلَّا ما حَكَاهُ أبو يوسف ومحمد بن الحسن والعِلْيةُ مِنْ أصحابه، والجلة من تلامذه، فإنْ جَاءَهُمْ عن الحسن بن زياد اللؤلؤي وذويه روايةُ قولٍ بخلافه، لَمْ يقبلوه ولم يَعْتَمِدُوه" (٢).
ويختم الخطابي تعقبه بقوله: "فإذا كان هذا دأبهم (٣)، وكانوا لا يقنعون في أمر هذه الفروع، وروايتها عن هؤلاء الشيوخ إلا بالوثيقة والتثبت، فكيف يجوز لهم أن يتساهلوا في الأمر الأهم، والخطب الأعظم، وأن يتواكلوا الرواية والنقل عن إمام الأئمة، ورسول رب العزة، الواجب حكمه اللازمة طاعته، الذي يجب علينا التسليم لحكمه، والانقياد لأمره من حيث لا نجد في أنفسنا حرجا مما قضاه. . ." (٤).
ومن هنا وُجد كلام في أبي حنيفة من جهة قلة الرواية، وقصر الباع في السماع (٥).