← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 33

الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس

ابن حزم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

¬فـ "أهلُ الحديث قبلتهم السنة باعتبارها مكملا للقرآن، وباعتبارها نصوصا تَعَبَّدَ بها الشارعُ الإسلامي مَنْ دان بالإسلام، من غير نظر إلى علل راعاها في تشريعه، ولا أصول عامة يرجع إليها المجتهد، ولا أصول خاصة بالأبواب المختلفة، فهم المتشرعون الحرفيون، ومن أجل ذلك نراهم إذا لم يجدوا نصا في المسألة سكتوا ولم يُفتوا" (١). و"أما أهل الرأي والقياس، فإنهم رأوا الشريعة معقولة المعنى رأوا أصولًا عامة نَطَقَ بها القرآن الكريم، وأيدتها السنة وَرَأَوا كذلك لكل باب من أبواب الفقه أصولا أخذوها من الكتاب والسنة، وردوا إليها جميع المسائل التي تعرض من هذا الباب، ولو لم يكن فيها نص، وهم بالنسبة إلى السنة كالأولين متى وثقوا من صحتها" (٢). ولقد كان بين هاتين الفرقتين منافرةٌ عظيمة، وخصومة مستحكمة، امتلأت كُتب التاريخ والسير بأخبارها، وشُحنت كتب الخلاف والجدل بذكر مظاهرها، فمن ذلك:

стр. 212

¬١ - وصف أهل الحديث لأهل الرأي بأنهم أترك الناس للحديث: قال ابن عبد البر: "كثير من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبي حنيفة، لرده كثيرًا من أخبار العدول، لأنه كان يذهب في ذلك إلى عرضها على ما أجمع عليه من الأحاديث ومعاني القرآن، فما شذ عن ذلك ردوه وسماه شذوذا. . . (١). ولم يعب بعضُ أهل الحديث أبا حنيفة ﵀ في الرأي قد يراه ولكن على مخالفة الحديث يبلغه، يقول الإمام الأوزاعي: "إنا لا ننقم على أبي حنيفة أنه رأى، كلنا يرى، ولكننا ننقم عليه أنه يجيئه الحديث عن النبي ﷺ ، فيخالفه إلى غيره" (٢). ولقد اعتنى ابن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ) في "المصنف" ببيان: "ما خالف فيه أبو حنيفة الأثر الذي جاء عن رسول الله ﷺ " وَوَضَعَ لذلك كتابا، جمع فيه خمسا وعشرين ومائة مسألة (٣)، وجاء على أثر ابن أبي

стр. 213

¬شيبة، الإمامُ البخاري (ت ٢٥٦ هـ)، فأفرد كتابين للرد على أهل الرأي في خلافهم في مسألة، "رفع اليدين عند الركوع، وعند الرفع منه" (١)، ومسألة القراءة خلف الإمام (٢). كما أن له في الجامع الصحيح صنيعا خفيا في الرد عليهم، يُعلم من تراجم أبوابه، عامة، ومن كتاب "الحيل" خاصة (٣).

стр. 214

¬٢ - وصف أهل الحديث لأهل الرأي بالجهل بالسنن: وعدم معرفة صحيحها من سقيمها، لأن بضاعتهم في الرواية مزجاة، ونصيبهم من السماع قليل. ويصف الخطابي (ت ٣٨٨ هـ) فقهاء زمانه بأن "أكثرهم لا يعرجون من الحديث إلا على أقله، ولا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه، ولا يعرفون جيده من رديئه، ولا يعبأون بما بلغهم منه أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلونها، ووافق آراءهم التي يعتقدونها وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبول الخبر الضعيف، والحديث المنقطع إذا كان ذلك قد اشتهر عندهم، وتعاورته الألسن فيما بينهم من غير تثبت فيه، أو

стр. 215

¬يقين علم به، فكان ذلك ضلة من الرأي، وغبنا فيه" (١). ويُضيف الخطَّابي قائلًا: "وتَرَى أصحاب أبي حنيفة لا يَقْبَلُون من الرواية عنه، إلَّا ما حَكَاهُ أبو يوسف ومحمد بن الحسن والعِلْيةُ مِنْ أصحابه، والجلة من تلامذه، فإنْ جَاءَهُمْ عن الحسن بن زياد اللؤلؤي وذويه روايةُ قولٍ بخلافه، لَمْ يقبلوه ولم يَعْتَمِدُوه" (٢). ويختم الخطابي تعقبه بقوله: "فإذا كان هذا دأبهم (٣)، وكانوا لا يقنعون في أمر هذه الفروع، وروايتها عن هؤلاء الشيوخ إلا بالوثيقة والتثبت، فكيف يجوز لهم أن يتساهلوا في الأمر الأهم، والخطب الأعظم، وأن يتواكلوا الرواية والنقل عن إمام الأئمة، ورسول رب العزة، الواجب حكمه اللازمة طاعته، الذي يجب علينا التسليم لحكمه، والانقياد لأمره من حيث لا نجد في أنفسنا حرجا مما قضاه. . ." (٤). ومن هنا وُجد كلام في أبي حنيفة من جهة قلة الرواية، وقصر الباع في السماع (٥).

стр. 216

¬٣ - وصف أهل الحديث لأهل الرأي بأنهم أطرد الناس للقياس: وأقدرهم على فرض الفروض، وتفريع الفروع، وأجرؤهم على تقديم الرأي على الحديث والأثر، ولقد كان أكابر أهل الحديث ينبهون على ما عرف من ذلك عن أهل الرأي، يقول ابن قتيبة: "ولم أر أحدا ألهج بذكر أصحاب الرأي وتنقصهم، والبعث على قبيح أقاويلهم، والتنبيه عليها من إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وكان يقول: "نبذوا كتاب الله تعالى، وسنن رسوله ﷺ ، ولزموا القياس" (١). وكان بعض أهل الحديث ينهى الناس عن مجالسة أهل القياس، لما يخاف عليهم من الهجوم على أمر عظيم، وخطر جسيم، فقد أخرج الخطيب البغدادي بسنده عن أبي حمزة قال: سئل الشعبي عن مسألة فقال: لا أدري، ولكن احفظ عني ثلاثا. . . ولا تجالس أصحاب القياس فَتُحِلَّ حراما أو تحرم حلالا" (٢). وبالغ الشعبي في النكير على أهل الرأي والقياس حتى قال: "لقد بَغَّضَ إليَّ هؤلاء القوم هذا المسجد، حتى لَهُوَ أبغض إليَّ من كناسة

стр. 217

¬داري. فقيل له: من هم يا أبَا عمرو؟ قال: هؤلاء الآرائيون أرأيتَ أرأيتَ" (١). ونشأت المعارضات الشعرية بين أهل الحديث وأهل الرأي، فحمي لذلك الخلاف، واستوثقت الخصومة، فهذا شاعر أهل الرأي يقول: إذا ما النَّاسُ يومًا قَايَسُونا ... بآبدةٍ من الدُّنيا، طريفة أتيناهم بمِقياسٍ صحيحٍ ... تِلادٍ، من طراز أبي حنيفة فأجابه شاعر أهل الحديث قائلا: إذا ذو الرأي خاصم عن قياس ... وجاء ببدعة هَنَّةٍ سخيفة أتيناهم بقول الله فيها ... وآثار مُبرزة شريفة فَكَمْ مِنْ فرجٍ محصنةٍ عفيفٍ ... أحل حرامه بأبي حنيفة (٢) والحق أن اختلاف المنهج والطريقة بين أهل الحديث وأهل الرأي، حَمَلَ بعضًا على اتهام بعض بمخالفة النصوص، والإعراض عن تحكيمها، وعدم النظر في دلالتها وأسرار ألفاظها (٣).

стр. 218

¬وأما أبو حنيفة - إمام أهل الرأي والقياس - فمعتمده في استنباط الأحكام على أصول بنى عليها أهل الحديث فقههم مع بعض الاختلاف اليسير، وقد نقل عنه أنه قال: "أخُذُ بكتاب الله فإن لم أجد فبسنة رسول الله ﷺ ، فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسوله، أخذت بقول أصحابه من شئت منهم، وأدع قول من شئت، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم، فأما إذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وابن المسيب - وعد رجالا - فقوم اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا" (١). واشترط أبو حنيفة في قبول خبَرِ الواحد، شروطا خالف بها أهلَ الحديث، كعدم مخالفة الخبر من قِبَلِ راويه، وأن لا يكون مما تعم به البلوى، وأن لا يخالف القياس، فإذا توفرت هذه الشروط، أخذ أبو حنيفة به، ولو كان ضعيف السند، وقدمه على القياس (٢). وغاية ما خالف فيه أبو حنيفة جمهور المحدثين، الأخذ بالقياس،

стр. 219

¬والتوسع فيه في غير الحدود والكفارات والتقديرات الشرعية، كما أنه توسع في الاستحسان، وتفريع الفروع على الأصول، وافتراض الحوادث التي لم تقع (١)، وكل ذلك كرهه أهل الحديث، وَنَفَّرُوا منه، وأساءوا الظن بقائليه (٢). وما قيل عن أبي حنيفة من أنه يقدم الرأي على الحديث فيه نظر كثير ذلك أنه صح عنه قوله: "إذا جاء عن النبي ﷺ فعلى الرأس والعين وإذا جاء عن أصحاب النبي ﷺ نختار من قولهم، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم" (٣). وذكر الشعراني في "الميزان" عن أبي حنيفة

стр. 220

¬قَوْلَهُ: ". . . كذب والله - وافترى علينا من يقول، إننا نقدم القياس على النص، وهل يُحتاج بعد النص إلى قياس؟ (١) ". وما وجد من مخالفة أبي حنيفة لبعض الحديث محمول على عدة محامل منها: ١ - قد يختلف نظر أبي حنيفة في تصحيح حديث أو تضعيفه، فما رآه صحيحا قد يراه غيره ضعيفا. ٢ - قَلَّ إمامٌ من الأئمة الناصحين إلا وله مخالفة لبعض الحديث، لأدلة أخرى قامت في نفسه، إما لعلة خفية، أو معارضة لدليل أقوى منه، أو لظنه وَهَمَ الراوي، أو نسخ الحديث، أو تخصيص عمومه، أو تقييد مطلقه، فيترك حينئذ العمل به. ٣ - قد يكون خفي على أبي حنيفة بعضُ الحديث، فلما لم يبلغه علمه أفتى على خلافه (٢). وأنتَ إذا نظرتَ فيما مضى، ألفيتَهُ كالتَّقدمة للكلام على المعنى الذي من أجله ألف ابنُ حزم كتاب "الإعراب". ولقد يصح أن يقال بعد هذا، إن موضوع كتاب "الإعراب" تعقب الحنفية في الأصول التي بنوا عليها مذهبهم، وتتبع تناقضهم - أثناء تنزيل هذه الأصول على الفروع - في الأخذ تارة بالشيء من تلك الأصول، وتركهم العمل بها تارة أخرى، وحيرتهم في ذلك، وتلبيسهم بذلك على الناس إيهاما أنهم على الحق، وأن من عداهم عُدم

стр. 221

¬الصواب، ولم يرزق السداد (١). ولقد أومأ المؤلف إلى موضوع كتاب "الإعراب" في غير ما موضع من كتبه فمن ذلك قوله في "الإحكام": ". . . ولا أحصي كم وجدتُ للحنيفيين والمالكيين والشافعيين تصحيح رواية ابن لهيعة، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، إذا كان فيها ما يوافق تقليدهم في مسألتهم تلك، ثم ربما أتى بعدها بصفحة، أو ورقة، أو أوراق احتجاج خصمهم عليهم برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أو برواية ابن لهيعة، فيقولون هذه صحيفة، وابن لهيعة: ضعيف. . . وقد كتبنا في مناقضتهم في هذا الباب، وغيره كتابا ضخما، تقصينا فيه عظيم تناقضهم، وفاحش تضاد حجاجهم وأقوالهم. . ." (٢). ثم ذكر ابن حزم طَرَفًا من مظاهر اطِّراد المنهج للمالكية والشافعية والحنفية كالأخذ بقول صحابي تارة، ورد قول ذلك الصحابي بعينه تارة أخرى (٣). ثم قال: ". . . ومثل هذا لهم كثير جدا يجاوز المئين من القضايا قد جمعناها - والحمد لله في كتابنا الموسوم بكتاب: "الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس" (٤). ولقد كان قصد المؤلف من تصنيف هذا الكتاب الجليل، والسِّفر

стр. 222

¬العظيم غايات بيَّن القول فيها على هذا النحو: أولا: بيان عدم اطِّراد أصول وقواعد المذهب الحنفي، في تَنْزِيلها على القضايا والمسائل التي تَنَاولها الحنفيون؛ حيث يعملون بتلك الأصول والقواعد تارة، وَيَدَعُون العَمَل بها تارةً أخرى، فَنَدَبَ المؤلفُ نَفْسَهُ لبيان ذلك ولذلك تراه يقول بعد الذي رَاعَهُ من أخذ الحنفية بالمرسل واحتجاجهم به تارة، وإعراضهم عنه وطرحهم له تارة أخرى: ". . . وإعلانهم في جميع كتبهم بأن المرسل حجة كالمسند أشهر من أن يخفى على من عرف شيئا من مذاهبهم، ففضحنا تمويههم بذلك، وأنهم لا يلتفتون إلى مسند ولا مرسل، ولا نص قرآن، ولا قول صاحب ولا قياس، وإنما هو تقليد أبي حنيفة فقط" (١). وإنه ليعجب من غفلة خصوم الحنفية عن التنبيه على تمويههم فيقول: ". . . وإني لأعجب من جواز تمويههم هذا مُذْ أزيد من مائتي عام، وغفلة خصومهم عن التنبه له، والتنبيه عليه، وحسبنا الله ونعم الوكيل" (٢). ثانيا: تعقب الحنفية فيما يَسْتدلون به من أدلةٍ، وبيان شدة تناقضهم في العمل بها، والتنبيه على أن ما يأتون به هو مجرد التحكم بالهوى في متابعة خطأ أبي حنيفة، يقول المؤلف في بيان تناقض الحنفية في الأخذ بدليل الخطاب تارة وتركه تارة أخرى: "ولما بلغنا مكاننا هذا،

стр. 223

¬اعترضنا بذكر تخاليط لهم أخر، ومناقضات فاحشة. . . مِنْ أخذهم تارة بشيء سموه بدليل الخطاب. . . وتركهم القول به تارة، بلا برهان في كل ذلك إلا التحكم بالهوى في تقليد فاحش خطأ - أبي حنيفة، وفاسد آرائه. . . فرأينا أن نذكر إن شاء الله تعالى من هذه الأعمال طرفا لئلا نُبقي لهم شَغَبًا يلوذون به إلا أريناهم ضلالهم فيه بحول الله تعالى وقوته" (١). ثالثا: تتبع الحنفية في عَدَمِ اطِّراد أصولهم، وبيان أنهم قد اضطربوا في تخريج تلك الأصول على الفروع، وفي هذا يقول المؤلف: ". . . وأما ما مَوَّهوا به بتعلقهم بالصحابة، فنحن أيضًا إن شاء الله محتسبون الأجر عند الله تعالى في تجليتهم عن هذا المشرب، وبيان كذبهم في ادعائهم كما فعلت في السنن ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" (٢). ٢ - سبب التأليف: لم أقف على الباعث لابن حزم على تأليف "الإعراب"، وقد يكون قد ذكر ذلك في مقدمة الكتاب المفقودة، ولكن المتتبع للكتاب يستطيع أن يستخرج البواعث على تأليفه، وهي في جملتها تعقبات المؤلف للحنفية. فمن ذلك: ١ - تعقب الحنفية في الأخذ بمرسل دون مرسل: ذلك لأن الحنفية يقولون: إن المرسل حجة كالمسند، وهذا عندهم "أشهر من أن يخفى

стр. 224

¬على من عرف شيئا من مذاهبهم" (١)، وقد يكون المرسل الذي احتجوا به "فاسدا" (٢) أو "ساقطا" (٣) أو "من أرذل المراسيل" (٤)، فيجرون على قاعدتهم في الاحتجاج به إذا وافق شيئا من أقوالهم، ويردونه إذا خالف شيئا منها (٥)، ويتعللون بأن بعض رواة الخبر قد أرسله، بينما يكون ذلك الخبر نفسه مما أسند من طريق أخرى (٦)، وقد يكون ما طرحوه من "أحسن المراسيل" (٧). ٢ - تعقب الحنفية في طريقة الاستدلال: ولقد انتقد ابن حزم الحنفية في ذلك من جهتين: الأولى: في احتجاجهم ببعض الخبر، ومخالفتهم بعضه. الثانية: في احتجاجهم بخبر، لا يصلح حجة على ما ذهبوا إليه. ويرى ابن حزم أن "هذا يكثر منهم جدا، بل ما يكاد يسلم لَهُم خبر احتجوا به من صحيح، أو سقيم من أن يكونوا يخالفون ما فيه، وأن لا يكون فيه شيء مما احتجوا به فيه، فهم في ضلال متصل. . ." (٨).

стр. 225

¬ويعقد ابن حزم في هذا المعنى فصلا قال فيه: "في احتجاج الحَنِيفيِّين بأخبار صحاح أو غير صحاح مموهين بإبدالها جرأة واستحلالا وليس فيها شيء مما احتجوا بها فيه، أو خالفوا نص ما فيها، فهذا عظيم جدا، ومجاهرة قبيحة، وإيهام فاحش" (١). ومن أمثلة الجهة الأولى المنتقدة (٢): قول ابن حزم: "واحتجوا لمذهبهم الفاسد في أن الماء يحرم شربه والتطهر به، ويتنجس بما حل فيه من النجاسات وإن لم يظهر لها فيه أثر - بالآثار الثابتة عن رسول الله ﷺ : (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم أن يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب). . . وليس في شيء من هذه الآثار أن الماء ينجس بشيء مما حله، ثم خالفوها كلها فيما أمر به ﵇ فيها جِهَارًا، فقالوا: لا معنى لغسل الإناء من ولوغ الكلب فيه سبعا، ولا بالتراب، وهذا لا معنى له. . ." (٣). ومن أمثلة الجهة الثانية: قول ابن حزم: ". . . واحتجوا أيضًا في مذهبهم الفاسد - الذي ذكرناه آنفا - من أنه لا يجزئ الوضوء بماء قد توضأ به مسلم، أو اغتسل به من الجنابة مسلمٌ طاهر الأعضاء كلها بالخبر الثابت عن رسول الله ﷺ في نهيه الجنب عن أن يغتسل في الماء

стр. 226

¬الدائم، وكل ذي مسكة من عقل يدري أنه ليس في هذا الخبر من ذلك أثر، ولا دليل! ! " (١). وترى ابن حزم في انتقاده الحنفية من هذا الوجه، يُضَيِّق عليهم المخرجَ بالاستدلال بالخبر في غير موضع الاحتجاج، فلا يدع لهم ثلمة قد ينفذون منها، فَيَسْلَمُ لهم الاحتجاج، ولذلك يقول غالبا عند ختام كل اعتراض من هذا الضرب: ". . . ليس منه في الخبر أثرٌ، ولا إشارة، ولا مدخلٌ بوجه من الوجوه" (٢). أو يقول: ". . . ثم يحتجون به فيما ليس فيه منه أثر ولا دليل" (٣)، أو يقول: ". . . وليس في هذا الخبر من حكم الفطر، وقصر الصلاة أثر جلي، ولا خفي، ولا نص، ولا إشارة، ولا دليل. . ." (٤)، أو يقول: ". . . فاحتجوا به فيما ليس فيه أثر، ولا شَبَهٌ، ولا مماثلة" (٥)، أو يقول: ". . . فاعجبوا وتأملوا هل في هذا الخبر شيء من تقسيمهم السخيف بنص، أو دليل، أو بإشارة، أَوْ بإيهام؟ ! " (٦). ٣ - تعقب الحنفية في تصحيح خبر، والاحتجاج به ثم مخالفته:

стр. 227

¬وذلك كثير من الحنفية حتى قال المؤلف: "وما يكاد أن يسلم خبر يحتجون به، ويدعون أنهم يأخذون بما فيه، مِنْ أن يخالفوه بآرائهم" (١). وتعقبُ ابن حزم للحنفية في هذا الأمر على ضربين: الأول: انتقادهم في تصحيح خبر ضعيف ومخالفته. الثاني: انتقادهم في تصحيح خبر وافقهم غيرُهم في تصحيحه، وخالفوه هم بآرائهم. فمن أمثلة الضرب الأول: قول ابن حزم: "واحتجوا في تصحيح مذهبهم الفاسد في أَنَّ مَنْ صلى، وفي ثوبه أو في جسمه من النجاسات أكثر من قدر الدرهم البغلي بطلت صلاته، فإن كانت قدر الدرهم، فأقل، لم تبطل صلاته، تعمد ذلك، أو لم يتعمد - بالخبر الذي لا يصح أيضًا من طريق ابن غطيف عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "تعاد الصلاة من قدر الدرهم البغلي. فيا للشهرة والفضيحة في الدنيا والآخرة، يحتجون بهذا الخبر، ويصححونه، وهم يخالفونه فيقولون: لا تعاد الصلاة من قدر الدرهم. . ." (٢). ومن أمثلة الضرب الثاني: قول ابن حزم: "واحتجوا بالنهي عن بيع الغرر في مواضع كثيرة، وصححوه وتبجحوا بالأخذ به، ثم خالفوه، وأجازوا بيع رطل من جملة هذا الدقيق، وصاع من هذا التَّمر

стр. 228

¬وأحد هذين الثوبين، أو أحد هذه الأثواب الثلاثة بغير عينه يختاره المشتري. . ." (١). ٤ - تعقب الحنفية في إقحام ألفاظ في الأخبار التي يحتجون بها: وهذا الذي غضب له المؤلِّف، فَعَلَا له صوته، وقسا له لفظه، واشتد فيه نقده، ومن الأمثلة عليه: ما استدل به الحنفية لمذهبهم في ترك الركعتين والإمام يخطب يوم الجمعة - بخبر مَنْ دخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب، قال ابن حزم متعقبا هذا الاستدلال: ". . . هل في شيء من هذه الأحاديث نَهْيٌ عما أمر به ﵇ الداخل في المسجد يوم الجمعة - والإمام يخطب - بأن يصلي ركعتين قبل أن يجلس؟ وهل في الخبر - لو صح وهو لا يصح - أن النبي كان يخطب إذ دخل ذلك الرجل، فهل إقحام أنه كان يخطب في ذلك الخبر إلا كذب ومجاهرة بالزور؟ ! " (٢). ٥ - تعقب الحنفية في رد أحاديث صحاح: وذلك الذي أكثر المؤلف من التشنيع به، فاشتد في النكير، ومن الأمثلة عليه: قوله: ". . . واحتجوا لقولهم: لا يجوز الخيار في البيع كثر من ثلاثة أيام بحديث "المصراة"، وهذا من عجائب الدنيا، وهم أشد الناس إنكارا لخبر المصراة، ويقولون هو مخالف للأصول، وهو مضطرب فيخالفون أمر رسول الله فيه جهارا بلا تقية، ثم يحتجون به

стр. 229

¬فيما ليس منْه أثر ولا دليل" (١). ٦ - تعقب الحنفية في استنباط الأحكام من النصوص: فالقوم لا يتمسكون بظواهر النص، ويعتمدون الاجتهاد والرأي في فهم كلام الله تعالى، ولما كان المصنف جامدا على النص، معرضا عن استعمال الرأي والقياس انبرى للاعتراض على الحنفية من هذا الوجه. ومما يُمثَّلُ به على هذه الجهة من الاعتراض: قولُ المصنف: واحتجوا في إيجابهم الخطبة يوم الجمعة فرضا بأنه عمل رسول الله المروي عنه، فقلنا لهم: ذلك العمل المروي عنه لم يختلف فيه أنه كان خطبتين، وهو قائم يجلس بينهما، فلم يروا هذه الصفة فرضا: فاعجبوا لهذا التلاعب، أن يكون بعض عمله ﵇ في قصة واحدة فرضا، وبعضه ليس فرضا، بلا دليل أصلا لا من قرآن ولا سنة صحيحة، ولا سقيمة، ولا قول صاحب، ولا قياس، ولا معقول" (٢). وقد يستنبط الحنفية من خبر حكما، ويرى فيه المصنف غير ذلك، فينبري للتعقب كقوله: ". . . ثم احتجوا في ذلك أيضا بأخبار لا تصح: (من لم يوتر، فليس منا)، وهم لا يقولون بهذا، بل يقولون: ليس فرضا ولا تطوعا بل هو واجب، فكان هذا عجبا، حكمٌ لا واجب، ولا تطوع ولا حرام! ! هذا ما لا يعقل" (٣).

стр. 230

¬وقد يختلف فهم الحنفية للنص من جهة اللغة، عن فهم المصنف له من تلك الجهة، فيبعثه ذلك على الاعتراض، ومعلوم أن الاختلاف في تفسير النص لغة، قد يوجب الاختلاف في الحكم، ومن أمثلة هذا الضرب من النقد: قول المؤلف: "واحتجوا لقولهم: إن الهبة لا تتم إلا بالحيازة والقبض بالثابت عن رسول الله ﷺ : "يا ابن آدم مَالَكَ مِنْ مَالِكَ إلا ما أعطيتَ فأمضيتَ)، وذكر باقي الحديث، قالوا: الإمضاء هو الإقباض. قال أبو محمد: وهذا باطل، لأنه دعوى بلا برهان، بل الإمضاء هو الإعطاءُ نفسُه، وأما من أراد الرجوع فيما أعطى لأنه بَدَا لَهُ، أو لأنه لم يقبض منه، ففي هذا الخبر إبطال إرادته، لأنه ﵇ لم يجعل من ماله ما أعطى، فلم يُمضه، فإن لم يجعله ﵇ من ماله، فلا حق له فيه أصلا. . ." (١). ٧ - تعقب المؤلف للحنفية في تفسير دلالة النصوص: وهذا التعقب قريب مِنْ سابقه، وإنما أفردته بالذكر، لأن معظم الكتاب فيه، ولقد كان اعتراض المؤلف على الحنفية في هذا الضرب من وجوه: الأول: اعتراضهم في قَصْر دلالة النص على العموم تارة، وعلى الخصوص تارة أخرى من غير دليل واضح أو برهان ساطع، حتى قال المؤلف - على ما عُلم من مبالغته وتشنيعه -: ". . . فجمعوا في هذه الأقوال التلاعب بالقرآن والسنن وحملها على العموم، ومرة على الخصوص بآرائهم، والكذب على الله تعالى جهارا بتقويل رسول الله

стр. 231

¬ما لم يقل (١). . ."، ثم يقول: "لم نذكر لهم شيئا خصوه بسنة صحيحة أصلا، لكن إما بخبر ساقط، وإما بتقليد فاسد، وإما بقياس سخيف، وإما برأي ضعيف، ولو تقصينا هذا الباب، لكثر جدا، ولما سلم لهم نص من الأخذ بعمومه خلافا لسنة صحيحة خصته، أو خصوه بالباطل. . ." (٢). ولقد تتبع المؤلف ما وقع للحنفية من ذلك، وأفرده بعنوان قال فيه: "القول على طرف يسير من تناقضهم في العموم والخصوص في القرآن والسنة". ومن الأمثلة التي ذكرها من هذا الضرب: قوله: "وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فقالوا: هذا للأحرار والعبيد، إلا أن العبد والحر من زوجتيهما المملوكتين، لا يؤجل لهما إلا شهرين، وهذا فيمن طالبته امرأته، لا من لَمْ لا تطالبه، فمرة حملوا الأمر على عمومه في لزوم الإيلاء، ومرة خصوا كل مولي لم تُطَالِبْهُ امرأته، ومرة خصوا الأجل في بعض المُولين دون بعض كل ذلك بلا دليل أصلا، لا من نص، ولا قول صاحب ولا قياس مطرد. . ." (٣). الثاني: اعتراضهم في حمل دلالة النص على الوجوب تارة، وعلى الإباحة تارة أخرى، قال المؤلف: "وهذا يكثر منهم جدا حتى ما

стр. 232

¬يكاد أن يسلم أمر وارد في نص قرآن، أو سنة من تناقضهم فيه، وتحكمهم بالباطل" (١). ومن الأمثلة على هذا الضرب: قول المصنف: "وأوجبوا السعي بين الصفا والمروة فرضا بأمر ورد فيهما، وتركوا له قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. وهذه ألفاظ مسقطة لوجوب الطواف بهما، وأسقطوا وجوب العمرة، وَقَدْ قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ. . .﴾ " (٢). الثالث: اعتراضهم في تناقضهم بالقول بدليل الخطاب (٣) وتركه، قال المؤلف: "ومثل هذا لهم كثير" (٤). ومن الأمثلة التي أوردها المؤلف في هذا الضرب: قول الحنفية في تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾، قالوا ما عدا المسفوح ليس حراما. قال المؤلف: وخالفوا بذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ (٥). ويرى المؤلف وجوب التزام بنصوص الله تعالى في كتابه، وعلى لسان رسوله التزاما واحدا، والعمل بكل شرع زائد،

стр. 233

¬وعدم إبطاله بشرع آخر منهما، إذا جاء كلاهما بلفظ النهي، أو جاء كلاهما بلفظ الأمر، ووجوب استثناء الأقل من الأكثر إذا جاء أحدهما بإيجابٍ والآخر بنهي، والإمساك عن التلاعب بالدين مرة هكذا ومرة هكذا (١). ٨ - الاعتراض على الحنفية في أخذهم بالمنسوخ وتركهم الناسخ المتأخر: قال المؤلف: "من ذلك احتجاجهم في سقوط الحج عن العبد بقوله ﵇: (إذا حج العبد، ثم أعتق، فعليه حجة أخرى، وإذا حج الأعرابي ثم هاجر فعليه حجة أخرى)، وهذا خبر كان قبل الفتح بلا شك، وتركوا الخبر الثابت من قوله ﵇ في حجة الوداع: "أيها الناس كتب عليكم الحج، فحجوا"، فعم ﵇، ولم يخص" (٢). ٩ - الاعتراض على الحنفية في دعوى التواتر في أخبار لموافقة آرائهم: وهم إذ يصنعون ذلك يخالفون أخبارا صحاحا قد تُيُقّنَ فيها التواتر (٣)، وقد أورد المؤلف ههنا جملة صالحة من الأخبار التي الأحناف أنها متواترة (٤). ١٠ - الاعتراض على الحنفية في دعوى إسقاط الحدود بالشبهات: وإثبات حدود لم يأمر الله تعالى قط بها ولا رسوله بالشبهات، ويرى

стр. 234

¬المؤلف أن ذلك من التناقض، وفيه تعطيل للحدود الواجبة التي أمر الله في القرآن بها، وأمر رسوله بإيقاعها (١). ومن الأمثلة التي ذكرها المؤلف ههنا، قوله: "أسقطوا حد الخمر الواجب عمن أقر بشربه اليوم، إلا أنه لا يوجد ريحها من فيه: وأسقطوا الحد عن السكران جملة، وأسقطوا الحد عن كل ذلك، عمن قامت عليه بينة عادلة بأنهم شاهدوه اليوم يشربها إلا أنهم لم يأتوا به سكران. . ." (٢). ١١ - تعقب الحنفية في تعلقهم برواية صاحب صحيحة أو غير صحيحة، ومخالفتهم لنص القرآن والسنن: وقولهم: مثل هذا لا يقال بالرأي فهو توقيف، وقد فسر المؤلف مراد الحنفية من هذا الصنيع فقال: "كلامهم في هذا الباب، احتجاجٌ وإلزام للقول به، إذ جعلوه توقيفا من رسول الله بظن كاذب، فأول ما حصلوا عليه من هذا، فالكذبُ على رسول الله، إذ قولوه ما لم يقل، ونسبوا إليه ما لم يذكره عنه أحد من الرواة، وما ليس لهم به علم. . . ثم التناقض العظيم في تركهم ما قطعوا أنه توقيف" (٣). ولقد تتبع المؤلفُ الحنفية في هذا الباب، فوجدهم تارة يأخذون بقول الصحابي ويقولون: مثل هذا لا يقال بالرأي، إذا كان ذلك موافقا لرأى أبي حنيفة، ويطرحون قوله إذا خالف المأثور عن إمامهم فمن الضرب الأول: أنهم تابعوا ما رُوي عن عمر وعائشة وابن عمر: من أن

стр. 235

¬المطلقة ترث ما دامت في العدة، إذا طلقها - وهو مريض - ومات من مرضه ذلك، وقالوا: مثل هذا لا يقال بالرأي (١). ومن الضرب الثاني: أنهم لم يتابعوا ابن عمر في قوله: فيمن تتابع عليه رمضانان وهو مريض - لم يصح بينهما - أنه يقضي الآخر منهما بصيام، ويطعم عن الأول ولا يصومه، قال المؤلف: "فلم يأخذوا بهذا، ولا قالوا: مثل هذا لا يقال بالرأي" (٢). وكان الحنفية يعمدون إلى قول صحابي واحد، فتارة يأخذون بقوله في مسألة بعينها إذا وافق مذهبهم، ويطرحون تارة أخرى قول ذلك الصحابي بعينه إذا خالف مذهبهم، فيشتد نكير ابن حزم عليهم فيقول: ". . . فليت شعري مَنْ جعل قول علي - الذي لم يصح عنه - في عين الدابة: ربع ثمنها. . . أولى من هذا الذي صح عنه (٣). ولم يقولوا مثل هذا لا يقال بالرأي" (٤). ويلخص المؤلِّف صنيع الحنفية في هذا الباب قائلا: "ليس لهم قصة مَوَّهُوا فيها بمثل هذا إلا وقد خالفوا مثله، وأدخل منه في بابه مرارا جمة، وكثير مما احتجوا فيه بما ذكرناه لم يصح، أو قد خولف فيه ذلك الصاحب، كتوريث المبتوتة في المرض. . .

стр. 236

¬وتأجيل العنين. . ." (١). ١٢ - الاعتراض على الحنفية في ادعائهم موافقة روايةٍ جاءت عن صحابي: ويبين ابنُ حزم غَرَضَ الحنفية من الاستدلال بأقوال الصحابة فيقول: ". . . قولهم في هذا الباب إنما هو ليتكثروا بالصاحب الذي ذكروا قوله وليروا مخالفيهم أن لهم سلفا في تلك المقالة" (٢). ولقد اعترض المؤلف على الحنفية في هذا الباب من وجهين: الأول: مخالفة الحنفية لتلك الرواية التي أَوْهَموا أنهم موافقون لها. الثاني: احتجاج الحنفية برواية الصحابي، في غير موضع احتجاج. فمن أمثلة الضرب الأول: قول ابن حزم: ". . . فاحتجوا لقولهم في الوضوء بالنبيذ برواية من طريق أبي العالية أن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ركبوا البحر، فلم يجدوا ماء غير ماء البحر، ومعهم نبيذ فتوضأوا به. . . ولم يتوضأوا بماء البحر". قال ابن حزم: "وهذا خلاف قولهم جهارا، لأنهم لا يجيزون الوضوء بالنبيذ ما دام ماء البحر موجودا" (٣). ومن أمثلة الضرب الثاني: قول المؤلف: ". . . واحتجوا لقولهم في الفأر يموت في البئر برواية عن علي أن البئر تُنْزَحُ وهو خلاف قولهم، لأنه لا تنزح عندهم البئر من الفأر، إلا أن ينتفخ أو يتفسخ،

стр. 237

¬وليس في الخبر عن علي شيء من هذا" (١). ١٣ - الاعتراض على الحنفية في ادعائهم اتِّباع رواية جاءت عن صحابي، وقولهم: إنه لا يعرف له مخالف من الصحابة. يقول ابن حزم موضحا غرض الحنفية من هذه الدعوى: "غرضهم في هذا الباب الإيهام بأنه إجماع مَنْ خالفه، خالف الإجماع، فَأَوَّلُ ما حَصَّلوا عليه، فالكذب على جميع الصحابة، إذ نسبوا إليهم ما لم يأت إلا عن واحد منهم، أو عدد محصور، وهذه عظيمةٌ. . . ثم عظيمةُ التَّناقض إذْ خالفوا الإجماع بإقرارهم على أنفسهم" (٢). وذكر ابنُ حزم ههنا أمثلة مما تعلق به الحنفية من أقوال بعض الصحابة، وَرَأوْا أنه لا مخالف لهم من الصحابة، بينما عند البحث والتفتيش وجد المخالف. ويستنكر المؤلف صنيعهم ذلك، فيقول: "فلا أدري من أين وقع لهم التعلق بتلك الرواية، دون سائر ما ذكرناه" (٣). أو يقول: ". . . فقلدوا عمر وخالفوا عائشة لا ندري لماذا؟ " (٤). ١٤ - الاعتراض على الحنفية في خلافهم لجمهور السلف: يرى ابنُ حزم أن الحنفية قد خالفوا في بعض آرائهم الجمهورَ، وَ"جسر بعضُ مَنْ هان عليه الكذب في الدين منهم، فقال (في بعض المسائل):

стр. 238

¬هو إجماع الأمة" (١)، وفي بعض أقوال الحنفية أيضًا مخالفة للقرآن والسنن الثابتة والضعيفة (٢). ولقد أورد المؤلف في الفصل الذي عقده لهذا الاعتراض، جملة صالحة من مخالفات الحنفية لصريح القرآن والسنن والمأثور عن جمهور السلف، ثم قال: "ومثل هذا لهم كثير جدا لو تتبع، إلا أن جمهور ما خالفوا فيه الجمهور، فبآرائهم الفاسدة، وينكرون على من خالفهم لكتاب الله تعالى، أو سنة رسول الله ﷺ ، ممن لا يرى قول أحد دون ذلك حجة. . ." (٣). ثم ذكر المؤلف طرفا يسيرا مما قاله الحنيفيون لا يعرف أحدٌ من أهل الإسلام قاله قبلهم (٤)، واستوعب في التتبع، واشتد في النكير حتى قال مرة: ". . . ولا يعرف هذا التقسيم عن أحد من أهل الإسلام قبلهم مع عظيم الرعونة في هذا التحديد (٥)، الذي إن قام به إقليدس كانت من غوامضه العجيبة. . ." (٦). ١٥ - الاعتراض على الحنفية في مخالفة الإجماع المتيقن المقطوع به: ذكر المؤلف في هذا الاعتراض مسائل خالف فيها الحنفيةُ صحيح

стр. 239

¬الإجماع (١)، ثم بين الباعث لهم على هذه المخالفة بقوله: ". . . ثم خالف جميع متأخريهم هذا الإجماع، وخرقوه، وابتدعوا ضلالةً لم يسبقهم إليها أحدٌ قبلهم، فصاروا فرقتين: إحداهما قَلَّدَتْ أبا حنيفة بلا طلب دليل، ولا تكلف برهان، والأخرى جعلت شُغلها في دينها البحث عما ينصرون به أقوال أبي حنيفة، على تضاربها واختلافها. . ." (٢). ١٦ - الاعتراض على الحنفية في استعمال القياس: تَعَقَّبَ ابنُ حزم الحنفية في استعمالهم القياس "الذي به يفخرون وإليه ينتسبون، وله يتركون القرآن وسنن رسول الله ﵇ وإجماع المسلمين" (٣): من جهتين: الأولى: في تركهم في المَسْألة التي قاسوا فيها قياسا مثل الذي قاسوه. الثانية: في تركهم في المسألة التي قاسوا فيها قياسا أقوى وأظهر من القياس الذي قاسوه. ويرى ابنُ حزم أن ما تركه الحنفية من قياس "أصح قياس في العالم، لو كان شيء من القياس صحيحا" (٤): وأنه "إن كان القياس حقا، فقد تركوه، وإن كان باطلا فقد استعملوه" (٥).

стр. 240

¬ويخلص ابنُ حزم إلى أن الحنفية أجهل الناس بالقياس (١)، وذلك لأنهم يقيسون بلا موجب للقياس، بل قد يقيسون "الشيء على ضده، وعلى ما لا يشبهه، ولم يجمعه والمقيس عليه علة" (٢). ويختم ابنُ حزم هذا الاعتراض بقوله: "وبالجملة فما يَسْلَمُ لهم قياس أصلا من تركهم لمثله في تلك المسألة نفسها، أو تركهم لأقوى منه. . ." (٣). ٣ - تاريخ التأليف: ألف ابنُ حزم كتاب "الإعراب" سنة ٤٤٥ هـ، ولقد جاء ذلك منصوصا عليه في نسخة تشستربتي، ففيها أنه قد تم فراغ المؤلف من التأليف في رمضان سنة ٤٤٥ هـ (٤). والذي يظهر من مطالعة إحالات ابن حزم على "الإعراب" في "الإحكام"، و"المحلى"، أنه ألف "الإعراب" قبل "الإحكام" وبعد "المحلى"، وذلك للأدلة التالية: أولا: أحال المؤلف في "الإحكام" على "الإعراب" بقوله: . . . وقد كتبنا في مناقضتهم في هذا الباب وغيره كتابا ضخما. . ." (٥). ثم قال بعد قليل: ". . . ومثل هذا لهم كثير جدا يجاوز المئين من

стр. 241

¬القضايا، قد جمعناها - والحمد لله - في كتابنا الموسوم بكتاب: "الإعراب عن الحيرة والالتباس، الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس" (١)، فعبر المؤلف بصيغة الماضي في قوله: كتبنا وقوله: قد جمعناها، وذلك مُشْعر بأنه ألف "الإعراب" قبل "الإحكام". ثانيا: أحال المؤلف في "المحلى" على "الإعراب" بقوله: ". . . وكثر من هذا سنذكره - إن شاء الله تعالى - في ذكر تخاليط أقوالهم في كتاب "الإعراب" والله المستعان" (٢). فعبر المؤلف بصيغة المضارع الذي لم يقع بعدُ، وذلك دليل قوي على أنه ألف "الإعراب"، بعد "المحلى". ثالثا: قد يكون ابنُ حزم اشتغل بتأليف "الإعراب" و"المحلى" في وقت واحد، ويعضد هذا القول دليلان: ١ - قد صرح ابن حزم أن من عادته في التأليف الجمع بين تصنيف كتابين في وقت واحد فقد قال: ". . . ولنا فيما تحققنا به تآليف جمة، منها ما قد تم، ومنها ما شارف التمام، ومنها ما قد مضى منه صَدْرٌ، وَيُعين اللهُ عَلَى باقيه" (٣). ٢ - أحَالَ ابنُ حزم في "المحلى" على "الإعراب" بقوله: ". . . وقد أفردنا في كتابنا الموسوم بـ "الإعراب في كشف الالتباس" بابا ضخما لكل

стр. 242

¬واحدة من الطائفتين فيما تناقضوا فيه في هذا المكان. . ." (١). فقوله: "وقد أفردنا" يدل دلالة واضحة على أنه ألف بعض "الإعراب"، أثناء تأليف "المحلى" فنجز المحلى قبل "الإعراب" والله أعلم.

стр. 243

¬ المبحث الثاني: منهج المؤلف في الكتاب وموارده ١ - ترتيب الكتاب ووضعه: يفهم من عبارة المؤلف أنه وضع لكتاب "الإعراب" مقدمة بَيّنَ فيها فصوله ومضمونه، وخطته في التأليف، فلولا أنه فعل ذلك ما كان يحيل في تضاعيف الكتاب على مسائل سيذكرها في فصول تأتي بعدُ، كقوله: ". . . وقالوا في الدقيق بالقمح، وفي اللحم بعضه ببعض أقوالا، لا تحفظ عن أحد من أهل الإسلام قبلهم قد نُوردها في شُنَع أقوالهم إن شاء الله تعالى" (١)، وقوله أيضًا: ". . . وقالوا فيما ينجس من الماء، وما لا ينجس بأقوال لا تحفظ عن أحد من أهل الإسلام قبلهم، سنذكرها إن شاء الله تعالى عند ذكرنا شنع أقوالهم. . ." (٢). ويرى المتأمل في الكتاب أن ابنَ حزم رَتَّبَهُ على فُصول، قد تتفرع عنها تنبيهات، أو مطالب، وقد وضع ابنُ حزم لهذه الفصول والتنبيهات، والفروع عناوين، أطال فيها النفس، ومد فيها من عنان الكلام. كقوله: "الفصل السابع: في احتجاج الحنيفيين بأخبار صحاح، أو غير صحاح مموهين بإبدالها جرأة واستحلالا، وليس فيها شيء مما احتجوا بها فيه، أو خالفوا نص ما فيها، فهذا عظيم جدا، ومجاهرة

стр. 244

¬قبيحة، وإيهام فاحش" (١). أو كقوله: "تنبيه: في ذكر مسائل لهم خالفوا فيها الإجماع المتيقن المقطوع به حقا، لا المدعى بالكذب المفترى على جميع أهل الإسلام، أو بالظن الذي أخبر رسول الله أنه أكذب الحديث، وحذر منه، ونهى عنه" (٢). أو كقوله: "القول في طرف من تناقضهم في أوامر الله تعالى في القرآن وعلى لسان رَسُولِهِ ﷺ ، فحملوا بعضها على الوجوب، وبعضَها على الإباحة، تحكما بالباطل، بلا برهان من نص آخر ثابت أصلا" (٣). وقد يمهد ابنُ حزم لفصول الكتاب بتوطئة، يبين فيها مقصد الحنفية من المسألة التي اعترضهم فيها كقوله في أول الفصل التاسع: "قال أبو محمد: قولهم في هذا الباب إنما هو ليتكثروا بالصاحب الذي ذكروا قوله، وَلْيُرُوا مخالفيهم أن لهم سلفا في تلك المقالة، وَرُبَّمَا أوردنا الشيء من ذلك على سبيل قصدهم في الفصل الذي قبل هذا من أنه توقيف. . ." (٤). وقد يختم ابنُ حزم الفَصْلَ من الكتاب بخلاصة، يصف فيها صنيع الحنفية، ويذكر رأيه ومذهبه، كقوله عند تمام كلامه على تناقض الحنفية في أخذهم بمرسل دون مرسل: "قال أبو محمد: لو تتبعنا ما تناقضوا فيه في هذا الباب لكثر جدا. . . وإعلانهم في جميع كتبهم بأن

стр. 245

¬المرسل حجة كالمسند أشهر من أن يخفى على مَنْ عرف شيئا من مذاهبهم. . . والحق في هذا الباب هو أن كل خبر لم يأت قط إلا مرسلا، فإنه لا يحل الأخذ به أصلا. . . (١) "، وقد تكون هذه الخلاصة تمهيدا للانتقال من فصل إلى فصل آخر (٢). ٢ - منهج المؤلف في المناقشة والتعقب والجدل: للمتأمل في كتاب "الإعراب" أَنْ يستخرج منهج ابن حزم في تعقبه للحنفية، ومن معالم هذا المنهج: ١ - قد يطرد للمؤلف سياق المسائل المُعْتَرَضِ عليها من باب واحد، ومعنى متفق، كما اطرد له ذلك في ذكره لمسائل الديات والجراحات (٣)، ولبعض مسائل الوضوء (٤)، لكن الغالب الأعم عدم الاطراد. ٢ - يحيل المؤلف على كتاب "الإيصال" للوقوف على أسانيد الأخبار التي حذفها، واكتفى بإيراد ألفاظها ومتونها (٥). ٣ - يحيل ابنُ حزم على موضع من كتابه، إذا رأى أن بسط الكلام في الموضع الذي هو فيه، سيكون مخلًا، كقوله عندما عَرَضَ لذكر المسائل العشر التي أوجبا فيها الحنفية السلام فرضا: ". . . وقد

стр. 246

¬ذكرناها في غير هذا المكان، وعند ذكرنا في هذا الديوان إن شاء الله تعالى مسائلهم الفاسدة المخالفة للقرآن والسنن وأقوال الصحابة والمعقول والقياس" (١). وقال أيضًا عندما عرض لحكم "الموهوبة": ". . . وقال فيها أبو حنيفة قولا مخالفا لهؤلاء كلهم، إلا أنه في نهاية السخف والطول، سنذكره إن شاء الله تعالى في ذكرنا لطوام أقواله بابا بابا. . ." (٢). ٤ - اعتمد ابن حزم أسلوب المناظرة في تعقب الحنفية، ومن معالمه عنده: أ - حكاية مذهب الحنفية، وذكر ما استدلوا به. ب - بيان ما في استدلال الحنفية على القولِ يقولون به، من ضعف وسقوط: كقوله: ". . . واحتجوا برواية بَقِيَّة - وهو ضعيف - عن زيد بن خالد - وهو مثله - عن يزيد بن محمد - وهو مثلهما - قال عمر بن عبد العزيز، قال: تميم الداري قال رسول الله ﷺ : "الوضوء من كل دم سائل". وهذا منقطع فاحش، لأن عمر بن عبد العزيز لم يولد إلا بعد موت تميم بدهر طويل" (٣). ت - ذِكْرُ ما قد يعترض به الخصم، وإيراد ذلك والجواب عَنْه، وَدَفْعُ احتمال التعلق به: كقوله: ". . . فإن قالوا: فلأي شيء نهى (عن اغتسال الجنب في الماء الدائم؟ قلنا: لأن الله تعالى أوحى إليه

стр. 247

¬بذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، ولا يسأل مسلمٌ رَبَّهُ تعالى لم أمرتَ بهذا؟ قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، نهى عن ذلك كما نهى عن الخنزير والدم ليبلوكم أحسن عملا، وليجزي المطيع بالجنة، والعاصي بما هو أهله ولا مزيد" (١). ج - استعمال أسلوب المخاطبة في المناقشة: ذلك أن ابن حزم كان يورد حجج الحنفية وأقوالهم على سبيل الحكاية بضمير الغيب: "واحتجوا. . ." (٢)، و"موهوا" (٣)، و"خالفوا" (٤)، ثم يلتفت إليهم مناظرا متعقبا فيقول: "أول كلامنا معكم. . ." (٥)، وقد يَلْتفت إلى القارئ - كأنه يجعله حَكَمًا قاضيا بينه وبين الحنفية فيقول: ". . . فتأملوا - هداكم الله - هل في كلامه ﵇ المذكور شيء من الهذيان الذي أتوا به، أو أثر للتقسيم السخيف الذي دانوا به؟ ! (٦) أو يقول: ". . . فانظروا يا عباد الله هل في هذا الخبر شيء مما احتجوا به! ! " (٧) أو يقول: ". . . وهذا كما ترون! ! " (٨).

стр. 248

¬د - مسايرة الخصم في رأيه، ومتابعته في ذلك، ثم تعقبه وبيان أن ذلك الرأي لا يسلم عند تقليب النظر فيه، ولا يثبت عند فرض صحته، ومن الأمثلة التي استعمل ابن حزم فيها هذا الأسلوب قوله: ". . . واحتجوا في مخالفتهم الخبرَ الصحيحَ في تسليم الأنصار على رسول الله - وهو يصلي - فكان ﵇ يرد عليهم بالإشارة بيده". فقالوا: لعل تلك الإشارة كانت نهيا لهم عن السلام عليه في حال الصلاة، فقلنا: وما عِلْمُكُم بذلك؟ وهذا لا يعقل من الإشارة أصلا. ثم هبكم أنه كما قلتم - ومعاذ الله أن يكون كذلك - أتجوز عندكم الإشارة في الصلاة على معنى النهي عن شيء ما؟ ! فَمِنْ قولهم لا يجوز ذلك، فقلنا: فكيف تُحرِّفُون فعله عن المفهوم منه بالظن الكاذب؟ ! وتتأولون فيه تأويلا أنتم أول مَنْ يخالف ذلك التأويل ويبطله؟ ! " (١). ر - تعقب قول الخصم، واستخراج ما فيه من الخطأ، أَوَّلًا بأول: وإنما توسل ابن حزم بهذا الأسلوب - كَمَا يرى -، لكي لا يدع للحنفية خطأ من القول إلا بينه وأظهره، ومن أمثلة هذا الضرب قوله: ". . . واحتجوا في مخالفتهم للسنة الثابتة عن رسول الله أنه قال لضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب: (حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني) بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ : (كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل)، قال أبو محمد: "أوَّلُ كذبهم: فهو أَنَّ الاشتراط في الحج منصوص في كتاب الله في مواضع منها (من يطع الرسول، فقد أطاع

стр. 249

¬الله)، ومنها: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ومنها: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، ومنها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ومنها: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، ومنها: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، فعصوا كل هذا، وخالفوا وكلفوا المحرم يَمْرَضُ، أَوْ يَوْحَلُ، أو يعوقه عائق ما ليس في وسعه، وأعظم الحرج والعسر الشاق من أن يبقى محرما حتى يطوف بالبيت، ولعله لا يقدر على ذلك سنين، ثم خالفوا ما احتجوا به حقا فأجازوا به شروط الشيطان التي ليست في كتاب الله تعالى حقا من أن يشترط لامرأته إن تزوج فكل امرأة يتزوجها طالق، وَإنْ تَسَرَّى فكل مملوكة يشتريها حرة، وهذه عظائم مهلكة" (١). ٥ - قد يعرج ابنُ حزم على بقية أقوال المذاهب الأخرى، وينتقدها كما ينتقد الحنفية سواء بسواء (٢)، "ولكن إلمامه بها قليل. ٦ - يمسك ابنُ حزم من عنان الكلام في حكاية أقوال الحنفية، وما قد يَردُ عليها من اعتراضات، اكتفاءً بما ذكره منها، وهو إذا فعل ذلك قال: ". . . ومثل هذا كثير جدا لو تتبع لاستوعب عامة تمويههم. . . وفيما ذكرنا كفاية لمن أراد الله تعالى به خيرا وبالله نتأيد" (٣). ولعله يُحزِّرُ قَدْرَ ما قد يكون من أقوالهم لو تُتُبّعت فيقول:

стр. 250

¬". . . وفضائحهم ههنا تكثر جدا، ولعلنا نذكر منها طرفا في ذكرنا لشبههم إن شاء الله تعالى، ولعلها لو تُقُصِّيت لبلغت أزيد من مائة مسألة" (١). ٧ - يَفْصل المؤلف بين كلامه وبين ما يحكيه عن الحنفية من أقوالٍ بقوله: "قال أبو محمد" (٢)، وقد لا يطرد له ذلك في سائر الكتاب. ٣ - أسلوب ابن حزم في الاعتراض: رُزق ابنُ حزم حظا واسعا من علم اللسان والعربية، فكان مشرق العبارة، بَيّن اللفظ، ناصع الديباجة، ذلك أنه اشتغل في أوليته بالأدب وروى من الأشعار، وحفظ من الكلم البليغ شيئا كثيرا، فظهر ذلك بينا واضحا فيما كَتَبَ وأبدع. فما كان شيءٌ يمنعه بعدُ مِنْ أن يجود أُسْلُوبُهُ، وتَفصُح عبارتُه، وَيَرِقَّ بَيَانُهُ، في نثر فني جميل حواه كتابه "طوق الحمامة في الألفة والألاف"، ونطقت به أشعاره. ولابن حزم ضربٌ آخر من الأسلوب العلمي، الذي كتب به أكثر مؤلفاته لا سيما كتب الخلاف والعقائد مثل: كتاب "الفصل"، و" المحلى"، و"الإحكام" و"الإعراب". ومن خصائص ابن حزم في هذا اللَّون من الأسلوب في "الإعراب": أولا: الإطناب: وذلك بَيِّنٌ واضح فيما كرره ابنُ حزم من المسائل
следующие страницы →