¬ذكرناها في غير هذا المكان، وعند ذكرنا في هذا الديوان إن شاء الله تعالى مسائلهم الفاسدة المخالفة للقرآن والسنن وأقوال الصحابة والمعقول والقياس" (١). وقال أيضًا عندما عرض لحكم "الموهوبة": ". . . وقال فيها أبو حنيفة قولا مخالفا لهؤلاء كلهم، إلا أنه في نهاية السخف والطول، سنذكره إن شاء الله تعالى في ذكرنا لطوام أقواله بابا بابا. . ." (٢).
٤ - اعتمد ابن حزم أسلوب المناظرة في تعقب الحنفية، ومن معالمه عنده:
أ - حكاية مذهب الحنفية، وذكر ما استدلوا به.
ب - بيان ما في استدلال الحنفية على القولِ يقولون به، من ضعف وسقوط: كقوله: ". . . واحتجوا برواية بَقِيَّة - وهو ضعيف - عن زيد بن خالد - وهو مثله - عن يزيد بن محمد - وهو مثلهما - قال عمر بن عبد العزيز، قال: تميم الداري قال رسول الله ﷺ : "الوضوء من كل دم سائل". وهذا منقطع فاحش، لأن عمر بن عبد العزيز لم يولد إلا بعد موت تميم بدهر طويل" (٣).
ت - ذِكْرُ ما قد يعترض به الخصم، وإيراد ذلك والجواب عَنْه، وَدَفْعُ احتمال التعلق به: كقوله: ". . . فإن قالوا: فلأي شيء نهى (عن اغتسال الجنب في الماء الدائم؟ قلنا: لأن الله تعالى أوحى إليه
стр. 247
¬بذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، ولا يسأل مسلمٌ رَبَّهُ تعالى لم أمرتَ بهذا؟ قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، نهى عن ذلك كما نهى عن الخنزير والدم ليبلوكم أحسن عملا، وليجزي المطيع بالجنة، والعاصي بما هو أهله ولا مزيد" (١).
ج - استعمال أسلوب المخاطبة في المناقشة: ذلك أن ابن حزم كان يورد حجج الحنفية وأقوالهم على سبيل الحكاية بضمير الغيب: "واحتجوا. . ." (٢)، و"موهوا" (٣)، و"خالفوا" (٤)، ثم يلتفت إليهم مناظرا متعقبا فيقول: "أول كلامنا معكم. . ." (٥)، وقد يَلْتفت إلى القارئ - كأنه يجعله حَكَمًا قاضيا بينه وبين الحنفية فيقول: ". . . فتأملوا - هداكم الله - هل في كلامه ﵇ المذكور شيء من الهذيان الذي أتوا به، أو أثر للتقسيم السخيف الذي دانوا به؟ ! (٦) أو يقول: ". . . فانظروا يا عباد الله هل في هذا الخبر شيء مما احتجوا به! ! " (٧) أو يقول: ". . . وهذا كما ترون! ! " (٨).
стр. 248
¬د - مسايرة الخصم في رأيه، ومتابعته في ذلك، ثم تعقبه وبيان أن ذلك الرأي لا يسلم عند تقليب النظر فيه، ولا يثبت عند فرض صحته، ومن الأمثلة التي استعمل ابن حزم فيها هذا الأسلوب قوله: ". . . واحتجوا في مخالفتهم الخبرَ الصحيحَ في تسليم الأنصار على رسول الله - وهو يصلي - فكان ﵇ يرد عليهم بالإشارة بيده". فقالوا: لعل تلك الإشارة كانت نهيا لهم عن السلام عليه في حال الصلاة، فقلنا: وما عِلْمُكُم بذلك؟ وهذا لا يعقل من الإشارة أصلا. ثم هبكم أنه كما قلتم - ومعاذ الله أن يكون كذلك - أتجوز عندكم الإشارة في الصلاة على معنى النهي عن شيء ما؟ ! فَمِنْ قولهم لا يجوز ذلك، فقلنا: فكيف تُحرِّفُون فعله عن المفهوم منه بالظن الكاذب؟ ! وتتأولون فيه تأويلا أنتم أول مَنْ يخالف ذلك التأويل ويبطله؟ ! " (١).
ر - تعقب قول الخصم، واستخراج ما فيه من الخطأ، أَوَّلًا بأول: وإنما توسل ابن حزم بهذا الأسلوب - كَمَا يرى -، لكي لا يدع للحنفية خطأ من القول إلا بينه وأظهره، ومن أمثلة هذا الضرب قوله: ". . . واحتجوا في مخالفتهم للسنة الثابتة عن رسول الله أنه قال لضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب: (حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني) بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ : (كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل)، قال أبو محمد: "أوَّلُ كذبهم: فهو أَنَّ الاشتراط في الحج منصوص في كتاب الله في مواضع منها (من يطع الرسول، فقد أطاع
стр. 249
¬الله)، ومنها: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ومنها: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، ومنها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ومنها: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، ومنها: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، فعصوا كل هذا، وخالفوا وكلفوا المحرم يَمْرَضُ، أَوْ يَوْحَلُ، أو يعوقه عائق ما ليس في وسعه، وأعظم الحرج والعسر الشاق من أن يبقى محرما حتى يطوف بالبيت، ولعله لا يقدر على ذلك سنين، ثم خالفوا ما احتجوا به حقا فأجازوا به شروط الشيطان التي ليست في كتاب الله تعالى حقا من أن يشترط لامرأته إن تزوج فكل امرأة يتزوجها طالق، وَإنْ تَسَرَّى فكل مملوكة يشتريها حرة، وهذه عظائم مهلكة" (١).
٥ - قد يعرج ابنُ حزم على بقية أقوال المذاهب الأخرى، وينتقدها كما ينتقد الحنفية سواء بسواء (٢)، "ولكن إلمامه بها قليل.
٦ - يمسك ابنُ حزم من عنان الكلام في حكاية أقوال الحنفية، وما قد يَردُ عليها من اعتراضات، اكتفاءً بما ذكره منها، وهو إذا فعل ذلك قال: ". . . ومثل هذا كثير جدا لو تتبع لاستوعب عامة تمويههم. . . وفيما ذكرنا كفاية لمن أراد الله تعالى به خيرا وبالله نتأيد" (٣).
ولعله يُحزِّرُ قَدْرَ ما قد يكون من أقوالهم لو تُتُبّعت فيقول:
стр. 250
¬". . . وفضائحهم ههنا تكثر جدا، ولعلنا نذكر منها طرفا في ذكرنا لشبههم إن شاء الله تعالى، ولعلها لو تُقُصِّيت لبلغت أزيد من مائة مسألة" (١).
٧ - يَفْصل المؤلف بين كلامه وبين ما يحكيه عن الحنفية من أقوالٍ بقوله: "قال أبو محمد" (٢)، وقد لا يطرد له ذلك في سائر الكتاب.
٣ - أسلوب ابن حزم في الاعتراض:
رُزق ابنُ حزم حظا واسعا من علم اللسان والعربية، فكان مشرق العبارة، بَيّن اللفظ، ناصع الديباجة، ذلك أنه اشتغل في أوليته بالأدب وروى من الأشعار، وحفظ من الكلم البليغ شيئا كثيرا، فظهر ذلك بينا واضحا فيما كَتَبَ وأبدع.
فما كان شيءٌ يمنعه بعدُ مِنْ أن يجود أُسْلُوبُهُ، وتَفصُح عبارتُه، وَيَرِقَّ بَيَانُهُ، في نثر فني جميل حواه كتابه "طوق الحمامة في الألفة والألاف"، ونطقت به أشعاره.
ولابن حزم ضربٌ آخر من الأسلوب العلمي، الذي كتب به أكثر مؤلفاته لا سيما كتب الخلاف والعقائد مثل: كتاب "الفصل"، و" المحلى"، و"الإحكام" و"الإعراب".
ومن خصائص ابن حزم في هذا اللَّون من الأسلوب في "الإعراب":
أولا: الإطناب: وذلك بَيِّنٌ واضح فيما كرره ابنُ حزم من المسائل
стр. 251
¬المنتقدة على الحنفية (١)، وإنما ردد القول فيها لحاجته إليها، وتشنيعه بها.
ثانيا: الوضوح (٢): وذلك آت من جهتين:
الأولى: سعة اطلاع ابن حزم على أقوال الحنفية، واستيعابه للمسائل المنتقدة استيعابا مكنه من حكايتها حكاية العارف المطلع الخبير بأقوال خصومه.
الثانية: حسن ترتيب هذه المسائل المنتقدة، وتقسيمها في فصول، بحيث لا توجد مسألة منها شاردة، ولا قضية في موضعها نابية.
ثالثًا: حدة في التعقب وعدم تلطف في الجدال: لقد حمل الاعتزاز بالنفس، ابنَ حزم على أن يجادل خصومه جدالا يصك به آذانهم، ويسفه به أحلامهم، ويزحزحهم عن أقوالهم ومذاهبهم، اسمع إليه يقول: "قد علمنا الله تعالى في هذه الآيات - يشير إلى آيات ساقها قبلُ تدل على طلب الجدل المحمود - وجوه الإنصاف الذي هو غاية العدل في المناظرة، وهو أن من أتى ببرهان ظاهر وجب الانصراف إلى قوله، وهكذا نقول نحن اتباعا لربنا بعد صحة مذاهبنا، لا شكا
стр. 252
¬فيها ولا خوفا منا، أن يأتينا أحد بما يفسدها، ولكن ثقةً منا بأنه لا يأتي أحدٌ بما يعارضها أبدا، لأننا - ولله الحمد - أهل التخليص والبحث وقطع العمر في طلب تصحيح الحجة، واعتقاد الأدلة قبل اعتقاد مدلولاتها، حتى وقفنا - ولله الحمد - على ما ثلج به اليقين، وتركنا أهل الجهل والتقليد في ريبهم يترددون وكذلك نقول مجدين مقرين، إن وجدنا أهدى منه اتبعناه، وتركنا ما نحن عليه" (١).
وَلَمَّا لم يجد ابنُ حزم مَنْ هو أهدى منه سبيلا، وأحسن منه طريقا، أطلق لسانه في مخالفيه، فرماهم بأبشع وصف، وأفظ لفظ، وأقبح نعت.
ونال الحنفية - في الإعراب - من ذلك حظا عظيما، وقسطا كبيرا، فمن ذلك:
١ - القدح في إمام أهل الرأي والقياس أبي حنيفة ﵀: فهو عنده قليل الرواية، وأكثر معوله على القياس (٢)، ويبالغ ابن حزم في حكايته لهذه الدعوى، عندما يُشهد الله أن أبا حنيفة معذور في كثير خَطَلِهِ: يقول: "فتالله إن أبا حنيفة لمعذور في كثير من خطأ أقواله، لضيق باعه في رواية الآثار، وَقِصَرَ ذراعه في المعرفة بالسنن والأخبار. . ." (٣).
стр. 253
¬وأفرط ابنُ حزم عندما اعتذر عن عدم إخراج أبي حنيفة من الإسلام بقوله: ". . . ولولا المشهور من جهله بالسنن، لَأُخْرِجَ بهذا (١) عن الإسلام، إذ نسب إلى رسول الله التمثيل بالحيوان ولكن جَهْلٌ يُعذر به صاحبه خير من علم يوبقه. . ." (٢).
٢ - القدح في علية أصحاب أبي حنيفة وأتباع مذهبه: فقد حَطَّ ابنُ حزم على أصحاب أبي حنيفة حطا عظيما، إذ هم عنده يكيدون الإِسْلَامَ (٣)، ولا يعرفون السنن والأخبار، "إنما الشأن فيمن تبحر منهم في الروايات للآثار كالحربي، وبكار ابن قتيبة، وعيسى بن أبان والطحاوي، والرازي وأهل طبقته منهم وأمثالهم إذ لا يزالون يتركون السنن، ويطلبون كل [سبيل] في نصر خطأ أبي حنيفة (٤).
ومن أصحاب أبي حنيفة الذين أطلق ابن حزم فيهم لسانه: محمد بن الحسن الشيباني: قال ابن حزم: ". . . واحتجوا فيمن وجبت عليه في زكاة إبله بنت مخاض، فاعطى ثلثي بنت لبون تساوي بنت مخاض، فإنه يجزئه ذلك - بالسنة الثابتة عن رسول الله. . .: (من وجبت عليه بنت مخاض، فلم تكن عنده، وكانت عنده بنت لبون، فإنه يؤديها، ويرد إليه الساعي شاتين أو عشرين درهما)، وهذه الحجة
стр. 254
¬أطلقها الشيطان على لسان زعيمهم محمد بن الحسن فهل سمع بأسخف من هذا الاحتجاج؟ . . ." (١).
وتكلم ابن حزم في الإمام الطحاوي، فأقذع في الثلب، وبالغ في القدح، يقول: ". . . والعجب أن الطحاوي - على سعته في العلم - قال مجاهرا بالباطل، قد أعمى الله بصر قلبه بالتعصب لأبي حنيفة. . ." (٢).
وتبلغ الحدة بابن حزم مداها، والعصبية منتهاها، فيقول في الحط على أبي حنيفة وأصحابه: ". . . ورب عبد أعدل عند الله تعالى، وعند ملائكته ورسله، وعند جميع أهل الإسلام من أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر بن الهذيل ومحمد بن الحسن، والحسن بن زياد. . ." (٣).
٣ - وصف أقوال الحنفية، ومذاهبهم بأوصاف قادحة: جرى ابنُ حزم في "الإعراب" على حكاية أقوال الحنفية وتعقبها، وبيان ما فيها من الخطأ والباطل، ولقد قسا عليهم قَسْوَةً حاد فيها عن مسلك الإنصاف، ومال فيها عن طريق العدل والصواب.
فهو يرى أنهم إنما يُطلقون أقوالهم نصرة لرأي أبي حنيفة، وتقليدًا له، فيقول: ". . . فنحن نذكر إن شاء الله طرفا مما خالفوه مما جاء عن بعض الصحابة. . . وخالفوا له القرآن والسنن. . . ليعلم من قرأ كتابنا أنهم أترك الناس لما يحتجون به، ويقطعون بتصحيح القول به، فيمنعون من
стр. 255
¬خلافه، ويلوح لكل ذي نظر أنهم ليسوا على شيء، وأنهم إنما يطلقون أقوالهم عصبية لنصر أبي حنيفة في المسألة الحاضرة فقط، ثم يبطلون ذلك في أخرى، وبالله أقسم قسما برا إنهم ليفعلون هذا من أنفسهم، ويأتونه عن بصيرة، ونعوذ بالله من هذا، فما أوجبه إلا خذلان الله تعالى" (١).
وَيُنفِّر ابنُ حزم من أقوال الحنفية، فيقول: "شاه وجه القائل بهذا (٢) - بل أقول - والله يعلم صدق نيتي - ليت لي تلك الصلاة (٣)، أو حضورها بجميع صلواتي كلها، وتالله ما أود أن لي صلوات الحنيفيين التي وقعت على خلاف هذا الحكم بنواة تمر، أو بدل إنشاد شعر لا هجو فيه لمسلم، إذ يجيزونها بغير قراءة أم القرآن، وبغير رفع من الركوع، وبأن لا يضع في السجود يديه، ولا إحداهما، ولا ركبتيه، ولا إحداهما، ولا جبهته، وأن يتعمد أن يكشف إسته في الصلاة أو رأس ذكره، لأنها كالدرهم البغلي لا أكثر. . ." (٤).
ولا يتورع ابنُ حزم أن يصف احتجاج الحنفية لقول أو رأي بأنه تلاعب سمج (٥) أو تلاعب بالدين (٦) أو تمويه بارد (٧). ثم يشتد ابن
стр. 256
¬حزم في النكير على احتجاج الحنفية فيقول: ". . . فهل سمع بأسخف من هذا الاحتجاج؟ ! " (١)، أو يقول: "فهل سمع بأقبح من هذه المجاهرة" (٢)، أَوْ لا ينقضي عجبه عندما يقول: "تبارك الله، تبارك الله، تبارك الله! ! ! " (٣)، أو يقول: "أليس عجبا يغيظ سامعيه" (٤)؟ .
ويستعظم ابن حزم صنيع الحنفية في رأي يرونه، أو قول يأخذون به فيقول: "فيا للشهرة والفضيحة في الدنيا والآخرة" (٥)، أو يقول: "وهذا قول تقشعر منه جلود المؤمنين" (٦)، أو يقول: ". . . هذا الضلال المبين والقول الذي تأباه نفوس المؤمنين" (٧)، أو يقول: "وهذه فضيحة الدهر، وقحة لا نظير لها. . ." (٨)، أو يقول: "فواخلافاه، وياللعصبية والإفكية" (٩)، أو يقول: "فيا للمسلمين. . ." (١٠)، أو يقول:
стр. 257
¬". . . إن هذا لعظيم جدا. . ." (١).
ويستهزئ ابن حزم بأحلام الحنفية فيقول: "فاعجبوا لهذه العقول! ! " (٢)، أو يقول: "أهكذا يقول من لا يقذف بالحجارة! ! " (٣) أو يقول: "أليس هذا من الحمق الذي لا دواء له، ومن الاستخفاف بالدين! ؟ " (٤)، أو يقول: "وهل رأى مَنْ لا يرمي النَّاسَ بالحجارة في هذا الكلام. . ." (٥).
ويستعيذ ابنُ حزم بالله مما صار إليه حال الحنفية، فيقول: "ونسأل الله تعالى سلامة الأديان والعقول" (٦)، أو يقول: "ونعوذ بالله من البلاء" (٧)، ويلتفت إلى قارئيه فيحثهم على نهج مسلكه فيقول: ". . . واسألوا الله العافية مما ابتلاهم به" (٨).
ولا يَسْتنكف ابنُ حزم من إظهار شماتته بالحنفية، عند قصور حجتهم، وظهور فساد قولهم، فيقول: ". . . فظهر بَرْدُ كذبهم، وغثاثة ظنكم، وفساد قولكم. . ." (٩).
стр. 258
¬ومن خفي استهزاء ابن حزم بالحنفية، تمنيه التوفيق لهم، إسمع له يقول: "واحتجوا لقولهم الفاسد في أن المقر بالحد، إنْ رجع عن إقراره سقط عنه الحد بما رُوي عن بريدة الأسلمي من قوله: "كنا نتحدث لو أن ماعزا رجع لم يطلبه رسول الله"، فجعلوا هذا الظن من بريدة إسقاطًا لحدود الله تعالى الواجبة، ثم لم يروا قول خزيمة بن ثابت: (أمرنا رسول الله بالمسح ثلاثا، ولو استزدناه لزادنا)، فلم يجعلوا ظن خزيمة مُسقطا لتوقيته ﵇، ووقفوا في هذه، ولو التزموا هذا العمل هنالك لَوُفِّقوا" (١).
ويريد ابن حزم أن يرفع ثقة الناس بأقوال الحنفية، فيقول بعد تعقبهم في قول أو رأي: ". . . فهل ههنا للحياء مدخلٌ، أو للتقوى ولوج؟ ! " (٢)، أو يقول: "فقولوا يا عباد الله كيف لا تسوء الظنون بقوم هذه مقالاتهم في دينهم؟ ! ! أم كيف لا يُعذر سلفنا الطيب من أئمة أصحاب الحديث، فيما قد قالوه في أبي حنيفة وأصحابه إذْ سمعوا هذه الأقوال الملعونة" (٣).
ويسمي ابنُ حزم ما انفرد به الحنفية جُنونا فيقول: ". . . ولا يحفظ هذا الجنون والإقدام عن أحد من أهل الإسلام قبلهم. . ." (٤)، وقد
стр. 259
¬يصفه بأنه قول إبليس (١).
وأما قواعد وأُصُول الحنفية فهي "أصول الهوس والضلالة، لا أصول الإسلام" (٢)، وأما مقاييسهم فهي "هوس ما له من نظير، ونسأل الله تعالى العافية، فهذه صفة مقاييسهم، ومقدار منازلهم في العلم بالقياس! ! " (٣).
وبالجملة فالحنفية عند ابن حزم لا يَسْلَمُون من إحدى خصلتين: الاستخفاف بالدين، وسخف عقولهم يقول في ذلك: ". . . فاعجبوا لشدة استخفاف هؤلاء القوم بالديانة، أو لشدة سخفهم لا مَخْلَصَ لهم والله من إحدى الحالتين، ومن التورط في هذين الخطأين، نعوذ بالله من كلتيهما" (٤).
٤ - موارد ابن حزم في "الإعراب ":
جرى ابنُ حزم في "الإعراب" على الاستكثار من الاحتجاج بالأحاديث والآثار، وكان إيراده لذلك من طريقتين:
الأولى: شيوخه: وممن ذكرهم في "الإعراب":
١ - أحمد بن محمد الطلمنكي: روى بواسطته، أثر عمر بن الخطاب: (من قدم ثقله ليلة النفر فلا حج له) (٥)، وأثر ابن عمر قال: (. . . كل
стр. 260
¬هدي لم يُشعر ولم يقلد، ولم يفض به من عرفة، فليس هديا إنما هي ضحايا) (١).
٢ - أحمد بن عمر العذري: روى بواسطته حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "من ترك أو نسي شيئا من نسكه، فَلْيُهْرق دما) (٢).
٣ - حمام بن أحمد: روى بواسطته أثر علي بن أبي طالب في قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ هو ربع الكتابة (٣).
٤ - عبد الله بن ربيع: روى بواسطته أثر ابن عباس في كفارة من أفطر في نهار رمضان، ومن تأخر عن الجمعة، ومن أتى حائضا، فعليه عتق رقبة، أو صوم شهر واحد، أو إطعام ستين مسكينا (٤)، وأثر علي بن أبي طالب في الرهن: (يترادان الزيادة والنقصان، فإن أصابته جائحة برئ) (٥)، وأثر ابن عباس قال: (ليس لمكره ولا لمضطهد طلاق) (٦).
٥ - محمد بن سعيد بن نبات: وروى عنه فأكثر، ومما رواه بواسطته أثر عمر بن الخطاب (أن جمعوا حيثما كنتم) (٧)، وأثر ابن عمر أنه
стр. 261
¬كان يمر على المياه، وهم يجمعون، فلا يعيب عليهم (١)، وأثر عمر في العقل (٢)، وأثر ابن عمر وابن جعفر في الغبن (٣)، وأثر علي بن أبي طالب في عدة أم الولد (٤)، وأثر عمر بن الخطاب في الماء لا ينجسه شيء (٥)، وأثر علي بن أبي طالب في الجائفة الثلث. . . (٦)، وأثر عمر بن الخطاب في حكم الرجل الذي باع نفسه (٧)، وأثر ابن مسعود في الجنب يغسل رأسه بالخطمي (٨)، وأثر عبد الله بن مسعود فيمن حلف بسورة البقرة (٩)، وأثر ابن عباس في "الأيام المعلومات: يوم النحر: وثلاثة أيام بعده" (١٠).
٦ - يونس بن عبد الله بن مغيث: روى بواسطته أثر علي في غرق الغنم (١١)، وأثر عمر بن الخطاب في قضائه في العين العوراء. . . (١٢).
стр. 262
¬٧ - يوسف بن عبد الله بن عبد البر: روى بواسطته أثر ابن عباس فيمن ملك ثلاثمائة درهم، وجب عليه الحج، وحرم عليه نكاح الإماء (١)، وما روي عن أبي حنيفة: "لو أعطيت إهليلجا في صدقة الفطر لأجزأ عنك" (٢).
الثانية: وفي هذه الطريق يُسقط المؤلفُ السند بينه وبين مصدر الرواية فيقول: "رويناه من طريق عبد الرزاق" (٣)، أو يقول رَوَيْنَا من طريق ابن أبي شيبة (٤) أو يقول: روينا من طريق وكيع بن الجراح (٥)، أو يقول: "روينا من طريق حماد بن سلمة" (٦)، أو يقول: رُوينا من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل (٧)، أو يقول: "روينا من طريق أحمد بن حنبل" (٨)، أو يقول: "ومن طريق أبي عبيد" (٩).
ويُعلم من هذه الطريق أن المؤلف نَظَرَ مؤلفات هؤلاء في السنن
стр. 263
¬والأخبار واستمد منها في كتابه. وقد صرح ابنُ حزم بأنه يستمد من بعض مؤلفات هؤلاء عندما قال: ". . . فليعلموا أنا لم نأت فيها - يعني تصانيفه - بحديث إلا من تصنيف البخاري، أو تصنيف مسلم، أو تصنيف أبي داود، أو تصنيف النسائي، أو تصنيف ابن أيمن، أو تصنيف ابن أصبغ، أو مصنف عبد الرزاق، أو تصنيف حماد، أو تصنيف وكيع، أو تصنيف ابن أبي شيبة أو مسنده، أو حديث سفيان بن عيينة: أو حديث شعبة أو ما جرى هذا المجرى (١).
وما أسقط ابنُ حزم ذكر سنده، فقد أحال فيه على "الإيصال".
وفي هذا المعنى يقول: ". . . وأسانيد الأخبار المذكورة قد أوردناها بحمد الله تعالى في كتابنا الكبير الموسوم "الإيصال". . ." (٢).
ولم يُسَمِّ ابنُ حزم في "الإعراب" كتابًا بعينه نَظَرَهُ سوى كتابين:
أحدهما: شرح مختصر الطحاوي لأبي بكر الرازي، وأومأ إليه المؤلف بقوله: ". . . وقالوا: تفضيل بعض الولد على بعض جور، وقد أمضاه رسول الله ﷺ ، فلم يستحيوا أن يجعلوه ﵇ حاكما بالجور، ولقد كنا نستبشع كلام ذي الخويصرة لعنه الله، حتى أتانا هؤلاء بأخيتها! ! رأيتُ هذا القول للمُكَنَّى بأبي بكر أحمد بن علي الرازي في "شرحه لمختصر الطحاوي" في
стр. 264
¬كلامه في الهبات" (١).
ثانيهما: "اختلاف العلماء" للطحاوي، وأومأ إليه المؤلف بقوله: ". . . واحتجوا لقولهم: لا يُقتل الوالد بالولد بحديث عمر في أمر قتادة المدلجي، ولا عجب أعجب من قول الطحاوي فيه في كتابه في "اختلاف العلماء" في باب قتل الوالد بالولد "منه هو نقل متواتر تقوم به الحجة لا يجوز تركه. ." (٢).
ومن الراجح أن يكون ابنُ حزم نَظَرَ مؤلفات الحنفية في الفروع، واستمد منها في كتابه.
стр. 265
¬ المبحث الثالث: محاسن الكتاب
هذا الكتاب فريد في بابه, عديم النظير بين أشكاله, عجيب في ترتيبه ووضعه, غريب في نقد مؤلفه وقسوته, قد لا يجود الزمان بمثله, ولا تأتي الأيام بضريبه, قد حوى علما كثيرا, واعتراضا وفيرا فهو خزانة فقه, ومدونة حديث, وجامع أثر, قد أشفى في ذلك على الغاية, وبلغ النهاية.
فمن محاسن هذا العِلْق النفيس, والأثر الجليل:
١ - الكتاب دليلٌ على قوة حفظ ابن حزم, وعظم استحضاره للأدلة, وتمكنه من انتزاع الحجج, ولقد صرح ابن حزم بأنه من أهل الاستقراء التام في معرفة دواوين الإسلام, قد أفنى في طلب أخبارها عمره وأتعب في ذلك بدنه, فقال: ". . . لأننا - ولله الحمد - أهل التلخيص والبحث وقطع العمر في طلب تصحيح الحجة, واعتقاد الأدلة قبل اعتقاد مدلولاتها, حتى وقفنا - ولله الحمد - على ما ثلج به اليقين. . ." (١).
٢ - والكتابُ دليلٌ أيضًا على قدرة صاحبه على التعقب والمناظرة ومجادلة الخصوم, ولقد كانت لابن حزم دُربة في الجدال, ومُكنة في الحجاج, عرف بذلك لكثرة مخالفيه, وشذوذه عنهم, كما اشتهر
стр. 266
¬بذلك لمجادلته أهل العقائد الأخرى، وتأليفه في ذلك.
وابنُ حزم حافظٌ لدليل خصمه، يعرضه في المناظرة، ويبسطه في الجدال، ثم يكر عليه متعقبا دليلا دليلا، حتى إذا لم يُبق لخصمه من ذلك شيئا، ألزمه بأن يصير إلى رأيه لنفسه، فأُفحم الخصمُ وَوَضَحَ الحق.
٣ - والكتاب بعدُ دليلٌ على إحاطة ابن حزم بأقوال الحنفية ودقائق مذهبهم: وما لهم في ذلك قولان أو وجهان، وما انفردوا به وما خالفوا به الإجماع، وما لا يُعرف عن أحد من أهل الإسلام أنه قاله قبلهم (١)، وما خالفوا فيه القرآن والسنن (٢)، وأقوال الصحابة (٣).
٤ - والكتابُ دليلٌ على تبحر ابن حزم في معرفة أقوال الصحابة والتابعين، والمأثور عنهم من الخلاف في الفروع، والمنقول عن بعضهم من الرجوع عن القول الأول، والمذهب المتقدم (٤)، وأنتَ إذا تأملتَ قول ابن حزم، "وما نعلم في هذا عن صاحب ولا عن تابعي غير ما ذَكَرْنَا في ذلك" (٥)، أو قوله: "ولا يُحفظ هذا عن أحد من الصحابة أصلا" - جزمتَ أن الرجل حافظٌ متبحر.
стр. 267
¬٥ - والكتاب شاهد على سعة علم ابن حزم بخلاف الفقهاء، ومواضع اتفاقهم وإجماعهم، ويطالعك منه عنوانٌ تجد له وَقْعًا أَيَّ وقع في نفسك: "في ذكر مسائل لهم خالفوا فيها الإجماع المتيقن المقطوع به حقا، لا المدعى بالكذب المُفْتَرَى على جميع أهل الإسلام، أو بالظن الذي أخبر رسول الله أنه كذب الحديث، وحذر منه ونهى عنه". يقول صاحبه فيه: ". . . بل لَوْ قَطَعَ قاطعٌ على أنه إجماع متيقن لما بَعُدَ عن الصدق" (١).
٦ - والكتاب خزانة قواعد وفقه ابن حزم الظاهري: قد بسط فيه رأيه في الاحتجاج بالمرسل (٢)، وفي الأخذ بشرع من قبلنا (٣)، وفي نبذ التقليد (٤)، وفي الاحتجاج بأقوال الصحابة (٥)، كما بسط فيه رأيه في القياس، ورد حجة من استدل به (٦).
٧ - والكتاب أيضًا مدونة فقه أهل الرأي والقياس، كما أنه مدونة فقه أهل الظاهر، ومسائله الفروعية، استوعبت جميع أبواب الفقه من طهارات وصلاة وزكاة وصيام وحج، وبيوع وشهادات ونكاح وقضاء وأشربة وأطعمة، وحدود وقصاص وديات، ومن عجب اجتماع فقه
стр. 268
¬أهل الرأي والقياس، وأهل الظاهر في كتاب واحد، على بُعد ما بين الطائفتين، وشدة الخلاف بين الفريقين.
٨ - والكتاب شاهدُ على تعلق ابن حزم من كل علم بطرف: فهو لغوي ماهر، يعمل بمقتضى اللغة، ويرجع إليها، ويتعقب خصومه فيما خالفوا منها (١)، وهو خبير مطلع على فقه الفرق والنحل الإسلامية، يعرف مذاهبهم في الفروع، وحججهم في الاستنباط (٢)، وهو محدث متكلم في العلل والأسانيد، يصحح ويضعف (٣).
وبالجملة فلو لم يكن هذا الكتاب لابن حزم، لجاز أن ينسب إليه، لأنه لا يقدر على تأليفه إلا رجل كابن حزم.
ولقد اغترف الأكابر من "الإعراب"، فاستمدوا منه، وشحنوا بفوائده كتبهم، ومن هؤلاء ابن الخراط (٤)، الذي أورد في "الأحكام
стр. 269
¬الوسطى" جملة من الأحاديث بواسطته مع الإحالة عليه (١) , وابن القطان الفاسي (٢)، الذي صَرَّحَ - أثناء تعقبه ابنَ الخراط أنه وقف على الإعراب، واستفاد منه (٣).
стр. 270
¬ المبحث الرابع: التعقبات على الكتاب
ابن حزم ظاهري جامد, لا يبغي بالنص بدلا, ولا يلتفت إلى دلالة ولا إلى إشارة بعيدة كانت أَوْ قريبة, ولا يأخذ بالقياس ولا يرى البحث عن العلة, وجموده ظاهر في "الإعراب", فَمِنْ ذلك قوله: ". . . فلما جاء النص بذلك سَمِعْنَاه وأطعنا, ولما لم يأت نص بأن يحرم لدخولها من لا يريد حجا ولا عمرة لم يجب ذلك أصلا" (١).
وقوله - تعليقا عل حديث مواقيت الصلاة -: ". . . وهذا بيان لا يحتمل تأويلا أصلا" (٢). وقوله - تعليقا على حديث صلاة النبي ﷺ بأصحابه على النجاشي: "وما يمتري مسلمٌ في أن كل مَنْ بلغه ذلك, فإنه عَلِمَ ودان بأنه سنة وحق وفضيلة, وليت شعري بماذا يدفعون صحة هذا الحديث؟ ولا مساغ للتأويل فيه إلا بالتعليق بالأماني الباطلة, وكيف يسوغ لمسلم أن يرغب بنفسه عَمَّا رضيه اللهُ شرعا لنبيه فعمل به, وعمل به معه أصحابُهُ, ولا نكير منهم لذلك ولا متعقب. . ." (٣).
ولقد ثَبَتَ ابنُ حزم على ظاهريته في الكتاب كله, فتعقب أهل الرأي والقياس وأمعن في ذلك, ولم يدع لهم دليلا يتعلقون به, إلا تكلم عليه, وأظهر الوجه فيه, وحمله الإمعانُ على استقصاء أقوالهم
стр. 271
¬ومذاهبهم، ومقارعتهم بالدليل العقلي الذي لا حيلة معه كقوله في التعليق على ما ذهبوا إليه من أن المتوضئ لا يجزئه من مسح الرأس إلا الربع فأكثر، أو إلا ثلاثة أصابع فأكثر -: ". . . وبالضرورة يدري كل ذي فَهْمٍ أنه ليس في هذا الخبر (١) شيء من المقدارين السخيفين اللَّذيْن حدوا لا بدليل، ولا بنص، ويُحتاج في حديهما المذكورين إلى خيطٍ يُذرع به الرأس! ! " (٢).
ويستعين ابنُ حزم في تعقب الحنفية، وتصحيح رأيه بدليل المشاهدة، ففي انتقاده لقولهم في جواز صلاة الإمام في مكان أرفع من مكان صلاة المأمومين بقامة، وبطلان صلاته وصلاتهم إن كان وقوفه في موضع أرفع من مكان صلاة المأمومين بأكثر من قامة - قال: ". . . فليت شعري أي قامة هي؟ ! وقد رأينا بعض الناس أكثر من تسعة أشبار بالشبر التام الكبير! ! ورأينا قامة بعضهم لا تتجاوز ستة أشبار إلا بأقل من شبر! ! فاعجبوا لهذه الفضائح! ! " (٣).
وقال في انتقاده لقول الحنفية أن الإمام يكبر إذا قال المقيم: قد قامت الصلاة، واحتجاجهم في ذلك بالخبر الذي فيه: أن بلالا قال لرسول الله: لا تسبقني بآمين: ". . . وبضرورة المشاهدة يَدْري كل ذي حس سليم أنه لا سبيل إلى إتمام الإمام ثلاث آيات من أم القرآن، فكيف أن يتم جميعها؟ فكيف يسبقه الإمام بآمين؟ ! ! إن هذا لعجب لا
стр. 272
¬نظير له! ! " (١).
وقال في انتقاده لقول الحنفية أن بول الإبل يُنَجِّسُ ما وقع فيه: "وَلَقَدْ أخبرني من لا أمتري في صحة حديثه وثُقُوب معرفته من أهل الإبل، أنه لا سبيل البتة إلى التحفظ من أن يقع في ألبان الإبل عند حلبها بولها فلو قلب هؤلاء القوم مذاهبهم، لأصابوا! ! " (٢).
وليس يَعْدَمُ ابنُ حزم في انتقاده للحنفية من ملامة ومؤاخذة، فَمِنْ ذلك:
أولا: حدة لسانه، وقسوة ألفاظه، وفظاعة حطه، وشناعة نقده، فلو أن ابن حزم تعقب نصرانيا أو يهوديا أو زنديقا أو دهريا ملحدا بمثل هذا التعقب لكان ذلك شيئا مستهجنا، ونمطا مستغربا، وصنيعا مستقبحا، فكيف والمُتَعقَّبُ من أهل الملة؟ ! والمتكلم فيه من أهل القبلة؟ ! ! .
ولقد حملت الحِدَّةُ ابنَ حزم على التعيير بل التكفير، اسمع إليه يقول: . . . وهذا انسلاخٌ من الإسلام، وإحالةٌ للقرآن، وتحريفٌ لكلام الله تعالى عن مواضعه" (٣).
ولقد كان الإنصافُ يقتضي من ابن حزم أَنْ يُخْلِيَ كتابَهُ مما شَانَهُ من التعبير القاسي، والحط القبيح، والتكفير الشنيع، ولو أنه فعل ذلك لكان متكلما في الحنفية بالقسط والعدل، ولكنه ابنُ حزم، وَمَنْ ذا الذي سَلِمَ من لسان ابن حزم! ! ! .
стр. 273
¬ولعل الذي هَيَّجَ ابنَ حزم للنقد اللاذع، ونَشَّطَهُ للاعتراض المقذع، ما وجد عليه الحنفية من إسراف في القياس، وتعصب لأبي حنيفة، ولقد أومأ ﵀ إلى هذين السببين، وكأنه يعتذر مما كان منه، فقال: ". . . فاعجبوا لحماقة هؤلاء القوم في هذه القياسات السخيفة وتلاعبهم بالشرع، والتحريم والتحليل في الدين بمثل هذه الأقوال، ونحن لو أثبتنا الفروق التي يذكرونها لطال الديوان، واشتد النكير (١)، وامتد عنان التعقب، ومَنْ ذَا الذي يرى لهم ما أثبتوه، ولم يقل بعض ما قد قلناه، ونعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى" (٢).
وقال أيضًا مشيرا إلى السبب الثاني: ". . . وفيهم طائفة لا ترى الخروج عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، والحسن بن زياد، وزفر، وكل هذا بدعة، هتكوا بها إجماع أهل الإسلام قاطبة. . ." (٣).
ثانيا: قد يكون في نسبة هذه الأقوال التي يحكيها ابن حزم عن الحنفية نظرٌ، فقد يكون فيها المدخول والمنسوب، وقد يكون فيها ما هو قولٌ لبعضهم لا لجميعهم، أو ما هو قول لمتأخريهم لم يعرفه متقدموهم، فإطلاق ابنِ حزم أَنَّ ذلك قول للحنفية جملةً محلُّ نظرٍ وتأملٍ.
ثالثا: قد لا يسلم اعتراض ابن حزم أحيانا على الحنفية لاختلافٍ في
стр. 274
¬فهم النص، ومراعاة مقاصد الشرع، أو وجود دليل آخر راجح، أو إعمالٍ لدليل مختلف فيه كالقياس مثلا، أو غير ذلك مِن الأسباب الموجبة للإختلاف. وفيما يلي بعض الأمثلة من المسائل المنتقدة على الحنفية، مما لا يكاد يُسَلِّمُ منصفٌ لابن حزم في الاعتراض عليها:
١ - نجاسة أبوال الإبل:
حكى المصنف عن الحنفية أنهم يقولون بنجاسة أبوال الإبل، وأنها إذا وقعت في شيء نجسته (١)، ثم اعترض عليهم متعقبا (٢).
ولقد ذكر ابنُ العربي أن الأئمة اتفقوا على نجاسة البول في الجملة، واختلفوا في بول ما يؤكل لحمه، فذهب مالك في جملة من السلف إلى طهارته، وذهب أبو حنيفة والشافعي في آخرين إلى نجاسته، وتعلقوا بعموم القول الوارد في البول، والرجيع على الإطلاق، وأن شرب الأبوال للتداوي، فيقدر بقدر الضرورة (٣).
وقد قال أصحاب الحديث بطهارة بول ما يؤكل لحمه، واستدلوا بحديث الناس الذين اجْتَوَوْا المدنية فأمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجوا إلى إبل الصدقة، ويشربوا من أبوالها وألبانها، وأما أبو حنيفة ففهم من الحديث أن بول الإبل لا يستعمل إلا عند الضرورة، وإذا انعدمت الضرورة، فهو على أصله من النجاسة وحرمة الاستعمال، ولقد فهم
стр. 275
¬هذا الفهم أيضًا الشافعي وكثير من السلف، وتحرير موطن النزاع في هذه المسألة أن يقال إن أهل الحديث وبعض الفقهاء عَمِلُوا بظاهر الحديث، بينما لم يعمل أبو حنيفة بظاهره (١).
٢ - ولوغ الكلب في الإناء:
حكى المصنف عن الحنفية أنهم قالوا: "لا معنى لغسل الإناء من ولوغ الكلب فيه سبعا، ولا بالتراب، وهذا لا معنى له" (٢). وهذا عين ما انتقده ابنُ أبي شيبة على أبي حنيفة (٣)، وقد ذهب جمهور أهل الحديث إلى غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا، وتعفيره الثامنة بالتراب، للحديث الصحيح الوارد في ذلك، وذهب أبو حنيفة إلى عدم العمل بهذا الحديث، لأنه قد طرأ عليه ما يضعفه أو يرجح نسخه وهو عمل الراوي وفتواه بخلاف ما رواه، ذلك أن أبا هريرة - راويه - كان إذا ولغ الكلب في الإناء بين يديه أهرقه ثم غسله ثلاث مرات، وذلك دليلٌ على نسخ الغسل سبعا، ورأى أبو حنيفة أنه يستحيل أن يترك أبو هريرة العمل بحديث سمعه، إلا إذا علم بوجود الناسخ، وأبو حنيفة مع ذلك لا يقول بإجزاء الغسل مع الولوغ مرة، بل هو يوجب غسل الإناء ثلاثا.
وبهذا يتضح أن أبا حنيفة قد أخذ ببعض هذا الحديث، وترك بعضه،
стр. 276
¬فقد فهم منه نجاسة سؤر الكلب، ووجوب تطهير ما أصابه لعابه، وهذا القدر من الحديث لا معارض له، وأما ما عدا ذلك من المرات السبع والتعفير فلم يأخذ به أبو حنيفة لوجود ما يعارضه (١).
٣ - طهارة الماء:
حكى المصنف عن الحنفية أن الماء ينجس إذا وقعت فيه نجاسة، واستدلوا بحديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس)، وقال متعقبا: "وهم أول مخالف لهذا الخبر وموهن له" (٢).
وحقيقة الحال في المسألة: أن الفقهاء اتفقوا على أن الماء الذي غيرت النجاسة أحد أوصافه من طعم أو لون أو ريح لا يجوز الوضوء به ولا الطهور، كما اتفقوا على طهارة الماء الجاري الكثير إذا خالطته نجاسة لم تغير شيئا من أوصافه، لكنهم اختلفوا في غير ماء البحار والأنهار، فقال قوم: هو طاهر، سواء كان كثيرا أو قليلا، وهي رواية عن مالك وبه قال أهل الظاهر، وذهب قوم آخرون: إلى الفرق بين قليل الماء وكثيره إذا وقعت فيه نجاسة، فقالوا إن كان قليلا ينجس، وإن كان كثيرا لا ينجس، ومن هؤلاء أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق، واختلفوا في حد الكثرة، فذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إلى أن الحد في ذلك هو قلتان من قلال هجر، أَخْذًا بالحديث الوارد، وذهب أبو حنيفة في ظاهر الرواية عنه، إلى أن حد الكثرة يعتبر فيه أغلب رأي
стр. 277
¬المبتلى، إن غلب على ظنه أنه بحيث تصل النجاسة إلى الجانب الآخر، لا يجوز الوضوء به، وإلَّا جاز، وعنه اعتبار الكثرة بالتحريك أي إذا حرك أحد طرفي الماء إما بالاغتسال، أو بالوضوء أو باليد - لم يتحرك طرفه الآخر، وقد رجح الحنفية الرواية الأولى عن أبي حنيفة لأنها الأليق بأصله (١).
وضعف الحنفيةُ حديث القُلَّتين، ونقلوا تضعيفه عن علي بن المديني، ووافقهم على تضعيفه ابن دقيق العيد من الشافعية، وابن عبد البر وإسماعيل بن إسحاق القاضي وابن العربي من المالكية (٢).
٤ - وجوب صلاة الوتر: حكى المصنف عن الحنفية أنهم أوجبوا الوِتْرَ، واستدلوا بخبر: "أوتروا. فقال أعرابي: ما قلت يا رسول الله فقال: ليس لك ولأصحابك"، وبخبر: "من لم يوتر فليس منا". قال: وهم لا يقولون بهذا، بل هو عندهم على الأعرابي، كما هو على غيرهم". ثم ذكر أنهم يقولون في الوتر ليس فرضا، ولا تطوعا، بل هو واجب قال: "فكان هذا عجبا: حكمٌ لا واجبٌ ولا تطوع ولا حرام! ! هذا ما لا يعقل" (٣). وروي عن أبي حنيفة في الوتر ثلاث روايات:
الأولى: أنه واجب وهو الظاهر من مذهبه.
الثانية: أنه سنة وبه قال أبو يوسف ومحمد.
стр. 278
¬الثالثة: أنه فرض وبذلك قال زفر (١).
ويستفاد من الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ ، والآثار المروية عن الصحابة التأكيد على الوتر والحث عليه، ولذلك حذر بعض الأئمة من تركه. قال مالك: "الوتر ليس فرضا، لكن من تركه أدب، وكان جرحة في شهادته". وقال أحمد: "من ترك الوتر عمدا فهو رجل سوء، ولا ينبغي أن تقبل شهادته" (٢).
ولقد حمل ذلك أبا حنيفة على أن يجعل الوتر فوق النفل ودون الفرض على الأظهر مما روي عنه، ولقد رد ابنُ رشد سبب الخلاف في الوتر إلى تعارض الآثار، بين ما يُثبت منها وُجوب الوتر، وبين ما يُقصر الوجوب على الخمس الصلوات (٣).
وبعد: فليس القصد الإمعان في تتبع ابن حزم في تعقبه للحنفية، لأن ذلك لو اسْتُقْصي لخرج منه مجلد حافل، وحسبنا هنا أن ننبه إلى أن أبا حنيفة يصيب ويخطئ، فما أصاب فيه فقد وافق الحق، وما أخطأ فيه وجب النظر في مستنده، والبحث هل وافقه فيه غيره، ثم تخريج ذلك على أحسن الوجوه وأقرب المحامل.
ولله دَرُّ ابن عبد البر عندما قال: "أفرط أصحابُ الحديث في ذم
стр. 279
¬أبي حنيفة وتَجَاوَزُوا الحد في ذلك، والسبب الموجب لذلك عندهم إدخاله الرأي والقياس على الآثار واعتبارهما، وأكثر أهل العلم يقولون: إذا صح الأثر بطل القياس والنظر، وكان رده لما ورد من أخبار الآحاد بتأويل محتمل، وكثيرا منه قد تقدمه إليه غيره، وتابعه عليه مثله ممن قال بالرأي، وَجُلُّ ما يوجد له من ذلك ما كان إلا اتباعا لأهل بلده كإبراهيم النخعي، وأصحاب ابن مسعود، إلا أنه أغرق وأفرط في تنزيل النوازل هو وأصحابه، والجواب فيها برأيهم واستحسانهم، فأتى منه من ذلك خلاف كبير للسلف، وَشُنَعُ هي عند مخالفيهم بدع، وما أعلم أحدا من أهل العلم إلا وله تأويل في آية، أو مذهب في سنة، رَدَّ من أجل ذلك المذهب سنةً بتأويل سائغ، أو ادعاء نَسْخ، إلا أن لأبي حنيفة من ذلك كثيرا، وهو يوجد لغيره قليل (١): . . . لم يُعْنَ أحد بنقل قبيح ما قيل فيه، كما عُنُوا بذلك في أبي حنيفة لإمامته، وكان أيضًا - مع هذا - يُحسد وينسب إليه ما ليس فيه. . . وكان يقال: يُستدل على نباهة الرجل من الماضين بتباين الناس فيه.
قالوا: ألا ترى إلى علي بن أبب طالب أنه هلك فيه فئتان: محب أفرط، ومبغض فَرَّط. . . وهذه صفة أهل النباهة، ومَنْ بلغ في الدين والفضل الغاية" (٢).
стр. 280
¬وحسبنا أن نقول أيضًا: بمقالة الذَّهبي في ابن حزم: "ابنُ حزم رَجُلٌ من العلماء الكبار، فيه أدوات الاجتهاد كاملة، تقع له المسائل المحررة، والمسائل الواهية كما يقع لغيره، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ " (١).
стр. 281
¬ القِسْمِ الثَّانِي
التَحْقِيق
стр. 282
¬ ١ - تحقيق عنوان الكتاب:
نَصَّ ابن حزم على اسم الكتاب في "الإحكام" فقال: ". . . ومثل هذا لهم كثير جدا يجاوز المئين من القضايا، قد جمعناها - والحمد لله - في كتابنا الموسوم بكتاب "الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس" (١).
وأشار إليه على جهة الاختصار والتلميح في "المحلى" فقال: ". . . وقد أفردنا في كتابنا المعروف بـ "الإعراب" اضطراب الطائفتين في هذا المعنى. . ." (٢). وقال في موضع آخر منه: ". . . وقد أفردنا في كتابنا الموسوم بـ "الإعراب" في كشف الالتباس بابًا ضخما لكل واحدة من الطائفتين فيما تناقضوا فيه في هذا المكان. . ." (٣). وهذا هو الموافق لما ورد في آخر النسخة التونسية من الكتاب، فقد قال ناسخها: "هنا تم الجزء الأول من كتاب الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل
стр. 283
¬الرأي والقياس. . ." (١). ووردت تسمية الكتاب في نسخة شستربتي، على جهة الاختصار هكذا: "الإعراب" (٢).
وذَكَرَ الكتابَ على هذا النحو: ابنُ الخراط وابنُ القطان الفاسي (٣).
٢ - تصحيح نسبة الكتاب إلى ابن حزم:
أغفلت المصادر التي وقفتُ عليها في ترجمة ابن حزم، ذِكْر هذا الكتاب في جملة مؤلفاته (٤)، والكتاب - مع ذلك - صحيح النسبة إلى ابن حزم لهذه الأدلة:
١ - ورد ذِكْرُ الكتاب في تآليف ابن حزم التي وَثقَ الناسُ بصحة نسبتها إليه كالإحكام والمحلى، ففي الكتاب الأول: أومأ ابن حزم إلى الإعراب فقال: "ومثل هذا لهم كثير جدا، يجاوز المئين من القضايا، قد جمعناها - والحمد لله - في كتابنا الموسوم بكتاب "الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس" (٥).
وقال فيه أيضًا: ". . . وقد كَتَبْنَا في مناقضتهم في هذا الباب وغيره
стр. 284
¬كتابا ضخما تقصينا فيه عظيم تناقضهم، وفاحش تضاد حجاجهم وأقوالهم. . ." (١).
وفي الكتاب الثاني: قال ابن حزم: ". . . وقد أفردنا في كتابنا الموسوم بـ "الإعراب" في كشف الالتباس بابا ضخما لكل واحدة من الطائفتين فيما تناقضوا فيه في هذا المكان" (٢).
وقال في موضع آخر منه: ". . . وقد أفردنا في كتابنا المعروف بـ "الإعراب" اضطراب الطائفتين في هذا المعنى. . ." (٣).
٢ - صرح ابن الخراط وابن القطان الفاسي بنسبة الإعراب إلى ابن حزم ونقلا منه مستفدين (٤).
٣ - ورد في تضاعيف الكتاب ذكرٌ لكتاب "الإيصال" (٥)، وهو صحيح النسبة إلى ابن حزم، وذكره له جَمْعٌ ممن ترجم له.
٤ - للمتأمل في الكتاب، أن يجزم أنه من تأليف ابن حزم، لما يرى فيه من كثرة الأدلة، وقسوة اللفظ وعظم الحط، وشناعة النقد، وللمتشكك أن يقارن بين أسلوب "الإعراب" وأسلوب "المحلى"،
стр. 285
¬فإنه لا بد أن يجزم أن الأسلوبين خرجا مِنْ مشكاة واحدة.
٣ - وصف النسخ الخطية للكتاب:
توجد في العالم - كما اتصل بي - للكتاب نسختان خطيتان:
الأولى: في مكتبة شستربتي بدبلن في إيرلندا برقم ٣٤٨٢، وقد ورد وصفها في فهرس المكتبة المطبوع هكذا: "الإعراب تأليف ابن حزم، قطعة من المقال الجدالي، الذي يتمحور حول الدفاع عن المذهب الظاهري وقواعده وأصوله: عدد أوراقه: ٢١٤، مقياسه: ١٣,١ ف ١٧,٢ نسخة مغربية أندلسية واضحة مؤرخة بتاريخ ١٨ جمادى الأولى سنة ٧٦١ هـ الموافق ل ٦ ابريل سنة ١٣٦٠ م، يظهر أنه لا توجد نسخة أخرى للكتاب مسجلة، وهذه القطعة نُسخت عن نسخة أخرى بتاريخ ٥٦٠ هـ الموافق لـ ١١٦٥ م، وقد تمت مقارنتها مع نسخة المؤلف الأصلية، والتي تحتوي على معلومات تفيد أن الكتاب سمي أيضًا "الإشارة"، (١) وأن هذه القطعة المحفوظة قد تم الفراغ منها من قبل المؤلف في رمضان سنة ٤٤٥ هـ الموافق لدجنبر سنة ١٠٥٣ م (٢)، وبعد الوقوف على هذه