Полный текст (1 216 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وروينا اللفظَ الثاني من طريق أبي داود عن موسى بن إسماعيل (١) ، حدثنا حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند (٢) وحبيب (٣) المعلم كلاهما عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ (٤) .
واحتجوا بمرسل في إذا اختلف المتبايعان (٥) . الحواشي
(١) موسى بن إسماعيل التميمي المنقري أبو سلمة التبوذكي. بفتح المثناة وضم الموحدة وبعد الواو ذال معجمة - البصري الحافظ روى عن شعبة فرد حديث وحماد بن سلمة وأعين الخوارزمي وخلق، وعنه أبو زرعة وابن معين وقال: ثقة مأمون، وثقه أبو حاتم وابن سعد. توفي سنة ٢٢٣ هـ أخرج له الستة. وانظر: طبقات ابن سعد (ج ٧/ ص ٥٦) وتقريب التهذيب (ص ٥٤٩) وخلاصة تذهيب التهذيب (ص ٣٨٩).(٢) داود بن أبي هند القشيري مولاهم أبو بكر وي قال أبو محمد البصري عن عكرمة والشعبي ومكحول الشامي وعنه شعبة والحمادان وغيرهم. وثقه أحمد وابن معين والعجلي والنسائي. توفي سنة ١٣٩ وقيل غير ذلك. أخرج له مسلم والأربعة. انظر: طبقات ابن سعد (ج ٧/ ص ٢٥٥) والجرح والتعديل (ج ٣/ ص ٤١١) ومشاهير علماء الأمصار (ص ١٨٠) وطبقات علماء الحديث (ج ١ / ص ٢٢٩ - ٢٣٠).(٣) في النسخة التونسية: "حسين" وهو تحريف وهو حبيب بن أبي بقية المعلم أبو محمد البصري مولى معقل بن يسار عن عطاء بن أبي رباح والحسن وعمرو بن شعيب، وعنه حماد بن سلمة وطائفة، وثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة وقال أحمد: "ما أَحْتَجُّ بحديثه".
وقال النسائي: "ليس بالقوي". أخرج له الستة. توفي سنة ١٣٥ هـ انظر: الميزان (ج ١ / ص ٤٥٦) والتهذيب (ج ١ / ص ٤٣٩) وخلاصة تذهيب الكمال (ص ٧٢).(٤) أخرجه أبو داود في البيوع باب عطية المرأة بغير إذن زوجها برقم ٣٥٤٦ ومن طريقه البيهقي في الكبرى برقم ١١٣٣٢ (ج ٦/ ص ١٠٠) وقال: "الطريق في هذا الحديث إلى عمرو بن شعيب صحيح ومن أثبت أحاديث عمرو بن شعيب لزمه إثبات هذا ... ".(٥) هو حديث: "إذا اختلف المتبايعان، فالقول قول البائع، والمبتاع بالخيار". أخرجه الدارقطني في البيوع (ج ٣/ ص ١٨) من طريق إسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عبيدة عن أبي عبيدة. قال الحافظ في التلخيص الحبير (ج ٣/ ص ٣٠): "وفيه انقطاع على =стр. 317
وردوا مرسل الزهري (١) : "مضت السنة من رسول الله وأبي بكر وعمر أن لا تقبل شهادة النساء في الطلاق والعتاق" (٢) ، فَخَالَفُوهُ وقالوا: هذا مرسل، ولم يعيبوه بغير الإرسال.
واحتجوا بمرسلِ كذَّابٍ في الشاهد يرجع يؤخذ بأول قوله (٣) ، وقد رُوي هذا الخبر نفسه: "خذوا بآخر قوله". الحواشي
(١) هو الحافظ الإمام أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد بن شهاب الزهري، ولد سنة ٥٠ هـ، حدث عن ابن عمر وسهل بن سعد وطبقتهم وأمم سواهم، كان إماما حجة ثبتا في الحديث والفقه، بصيرا بالقرآن والعربية والأنساب. وروى عنه خلق كثير منهم: ابن عيينة وابن جريج والليث ومالك. توفى سنة ١٢٤ هـ. أخرج له الستة. وانظر: طبقات خلفية (ص ٢٦١) والثقات لابن حبان (ج ٥/ ص ٣٤٩)، والجرح والتعديل (ج ٤/ ص ٨١)، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٣٥٩).(٢) أخرجه أبو يوسف في الخراج عن الحجاج عن الزهري به (ص ٦٤). ومن هذا الوجه أخرجه ابن أبي شيبة عن حفص بن غياث عن حجاج به، برقم ٧٠٥، ٢٨ (ج ٥/ ص ٥٢٨). وفيه: "مضت السنة من رسول الله ﷺ . والخليفتين من بعده ألا تجوز شهادة النساء في الحدود". قال الحافظ في التلخيص الحبير (ج ٤/ ص ٢٠٧): "روي عن مالك عن عقيل عن الزهري بهذا، وزاد: "ولا في النكاح ولا في الطَّلاق" ولا يصح عن مالك"، وأَوْرَدَهُ المصنف في المحلى (٩/ ٣٩٧).(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (ج ٨/ ص ٣٥٢) برقم ٥١٠، ١٥ من طريق ابن جريج عن ابن أبي ذئب أنه سأل جابر البياضي عن الرجل يشهد بِشَهَادَةٍ، ثم يشهد بغيرها فقال: سمعت ابن المسيب يقول: كان رسول الله ﷺ يقول: يؤخذ بقوله الأول، ومنهم من يقول: قال: يؤخذ بقوله الآخر.стр. 318
واحتجوا بمرسل: "لا تنكح الأمة على الحرة" (١) .
وردوا الخبر الثابت المسند عن رسول الله من طريق أبي موسى: "لا نكاح إلا بولي" (٢) ، ولم يتعللوا فيه إلا أن الحواشي
(١) هو الحديث الذي أخرجه سعيد بن منصور في السنن برقم ٧٤١ عن ابن علية عمن سمع الحسن يقول: "نهى رسول الله ﷺ أن تنكح الأمة على الحرة"، ومن طريق ابن منصور أخرجه البيهقى في الكبرى كتاب النكاح باب لا تنكح أمة على حرة .... برقم ١٤٠٠٢ (ج ٧/ ص ٢٨٥). وقال: "هذا مرسل". إلا أنه في معنى الكتاب. يعني في معنى قوله تعالى: "فمن لم يستطع منكم طولا". وقال الحافظ في التلخيص الحبير (ج ٣/ ص ١٧١): "ورواه الطبري في تفسيره بسند متصل إلى الحسن، واستغربه من حديث عامر الأحول عنه. وإنما المعروف رواية عمرو بن عبيد عن الحسن، وهو المبهم في رواية سعيد بن منصور". وانظر أيضا: نصب الراية (ج ٣/ ص ١٧٥).
وقد جعل الحنفية من شروط جواز نكاح الأمة أن لا تكون تحته حرة، واستدلوا بما ذكره المؤلف، وانظر: بدائع الصنائع (ج ٢/ ص ٢٤٠).(٢) أخرجه أبو داود في النكاح، باب في الولي برقم ٢٠٨٥، والترمذي في النكاح باب ما جاء "لا نكاح إلا بولي"، برقم ١١٠٧، وابن ماجه في النكاح باب لا نكاح إلا بولي برقم ١٨٨١، والدارقطني في النكاح (ج ٣/ ص ٢٤٩)، والحاكم في المستدرك كتاب النكاح برقم ٢٧١١ وصححه، والبيهقي في الكبرى، كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي برقم ١٣٦١١ (ج ٧/ ص ١٧٣). كلهم عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه عن النبي ﷺ . قال الترمذي: "وحديث أبي موسى حديث فيه اختلاف، رواه إسرائيل وشريك بن عبد الله، وأبو عوانة ... عن أبي موسى عن النبي ﷺ . ورواه أسباط بن محمد .... عن أبي بردة عن أبي موسى ..... وروى شعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أبي موسى عن النبي ﷺ : "لا نكاح إلا بولي"، وقد ذكر بعض أصحاب سفيان عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى ولا يصح. ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ : "لا نكاح إلا بولي" عندي أصح، لأن سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة، وإن كان شعبة والثوري أحفظ وأثبت من جميع هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث: فإن رواية هؤلاء عندي أشبه وأصح لأن شعبة والثوري سمعا هذا الحديث من أبي إسحاق في مجلس واحد". وانظر في عدم اشتراط الولي في =стр. 319
سفيان (١) أرسله، وقد أسنده شعبة (٢) .
واحتجوا بمرسل في تجديد النكاح الفاسد (٣) ، وردوا مرسلًا من أحسن المراسيل: "آمِرُوا النساء في بناتهن" (٤) فعابوه بالإرسال. الحواشي
(١) هو الحافظ الإمام سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي روى عن حماد ابن أبي سليمان، وزيد بن أسلم وخلائق، وعنه الأعمش، وشعبة ومالك وأمم سواهم كان إماما كبير القدر في هذا الشأن، حافظا متقنا وحديثه في الكتب الستة. توفي سنة ١٦١ هـ. انظر: طبقات ابن سعد (ج ٦/ ص ٣٧١ - ٣٧٤) والجرح والتعديل (ج ١ / ص ١١٥ - ١٢٦) وتاريخ بغداد (ج ٩/ ص ١٥١) وتذكرة الحفاظ (ج ١ / ص ٢٠٣ - ٢٠٦).(٢) هو أمير المؤمنين في الحديث شعبة بن الورد أبو بسطام الأزدي العتكي. ولد سنة ٨٢ هـ. رأى الحسن، روى عن خلائق منهم: ثابت البناني وحماد بن أبي سليمان والأعمش، وعنه أيوب والثوري وابن المبارك وغيرهم، أجمعوا على جلالته وتقدمه في هذا الشأن وغنائه في الحديث مع الزهد والجُود والكرم. توفي سنة ١٦٠ هـ. أخرج له الستة. وانظر: التاريخ الكبير للبخاري (ج ٤/ ص ٢٤٤)، والجرح والتعديل (ج ٤/ ص ٣٦) وتاريخ بغداد (ج ٩/ ص ٢٥٥)، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ١٦٦).(٣) النكاح الفاسد عند الحنفية هو ما قبل الدخول، فلا يحصل منعقدا قبله. انظر: بدائع الصنائع (ج ٢/ ص ٣٣٥)، والجمهور على أن من عقد على محرم وهو عالم بالتحريم وجب عليه الحد للإجماع على تحريم العقد، فلا توجد شبهة تدرأ الحد، وقال أبو حنيفة: العقد شبهة. وانظر: الهداية (ج ٢/ ص ٢٠٨) وفتح الباري (ج ٩/ ص ٤٩٤)، وتأملت كلام ابن حزم في المحلى (ج ٩/ ص ٤٩١) في النكاح الفاسد على أن أظفر بما ذكره هُنَا فلم أظفر بطائل.(٤) أخرجه أبو داود في النكاح باب في الاستثمار برقم ٢٠٩٥ قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان عن إسماعيل بن أمية حدثني الثقة عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "آمرو النساء في بناتهن". وأورده الحافظ في الفتح (ج ٣/ ص ١٩٣) ساكتا عن بيان ما فيه.стр. 320
واحتجوا بمرسل في القسمة: للزوجة الحرة ليلتان، وللزوجة الأمة ليلة (١) ، وردوا أخبارًا مرسلة في إيجاب كفارة على واطئ الحائض دينارًا، أو نصف دينار (٢) .
واحتجوا بمرسلين ساقطين في أن لا لعان بين زوجين: أحدهما الحواشي
(١) قال المؤلف في المحلى (ج ١٠ / ص ٦٥): "ومن عجائب الدنيا أن الحنيفيين المخالفين بأهوائهم الفاسدة لرسول الله ﷺ ههنا يوجبون في القسمة للزوجة الحرة ليلتين، وللزوجة الأمة ليلة .. وقد قال بعضهم قد جاء في ذلك أثر عن الحسن عن رسول الله ﷺ ، وهذا لا يعرف. ثم لو صح لكان لا يجوز الأخذ به لأنه مرسل". قلت: ما ورد عن الحسن في ذلك هو ما أخرجه سعيد بن منصور في السنن برقم ٧٤١، ومن طريقه المؤلف في المحلى (ج ١٠/ ص ٦٦)، والبيهقي في الكبرى كتاب النكاح، باب لا تنكح أمة على حرة .... برقم ١٤٠٠٢ (ج ٧/ ص ٢٨٤) بلفظ: "نهى رسول الله ﷺ أن تنكح الأمة على الحرة ". وقال البيهقي: "هذا مرسل". قلت: وليس فيه ذكر للقسم. والموجود في كتب الحنفية الاحتجاج بحديث علي موقوفا عليه. وانظر: التلخيص الحبير (ج ٣/ ص ٢٠٢) والتحقيق لابن الجوزي (ج ٢/ ص ٢٨٧)، ونصب الراية (ج ٣/ ص ٢١٥) وبدائع الصنائع (ج ٢/ ص ٣٣٢) وتبيين الحقائق (ج ٢/ ص ١٨٠) وشرح فتح القدير لابن الهمام (ج ٢/ ص ٥١٩).(٢) من هذه الأخبار: ما أخرجه أبو داود في النكاح، باب في كفارة من أتى حائضا برقم ٢١٦٨ من طريق مقسم عن ابن عباس عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: يتصدق بدينار أو بنصف، قال المؤلف في المحلى (ج ١٠/ ص ٨٠) بعد أن ساقه: "ومقسم ضعيف". قال الحافظ في التلخيص الحبير (ج ١ / ص ١٦٦): "وأما تضعيفُ ابن حزم لِمقسم فَقَدْ نُوزِعَ فيه .... وقد أمْعَن ابن القطان القول في تصحيح هذا الحديث والجواب عن طرق الضُّعف فيه بما يراجع فيه. وأقر ابن دقيق العيد تصحيح ابن القطان، وقواه في الإمام، وهو الصواب". وساق المؤلف في المحلى (ج ١٠/ ص ٨٠) ما يقرب من هذا الحديث من طريق عبد الملك بن حبيب عن أصبغ بن الفرج عن السبيعي عن زيد بن عبد الحميد ثم قال "وعبد الملك هالك، والسبيعي مجهول ولا يظن جاهل أنه أبو إسحاق. مات أبو إسحاق قبل أن يولد أصبغ بدهر، وهو أيضا مرسل، وقد رواه الأوزاعي أيضًا مرسلًا".стр. 321
مملوكأ وكافر (١) ، وردوا مثلهما سواء في خَرْصِ العنب في الزكاة (٢) وعابوهما بالإرسال. الحواشي
(١) من الأخبار الضعيفة الواردة في هذا المعنى: ما أخرجه ابن ماجه في الطلاق باب اللعان برقم ٢٠٧١ عن ابن عطاء عن أبيه عطاء الخراسَاني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "أربعة من النساء لا ملاعنة بينهم "النصرانية تحت المسلم، واليهودية تحت المسلم، والمملوكة تحت الحر، والحرة تحت المملوك". وأخرجه الدارقطني (ج ٢/ ص ٣٥٦) وقال: "وعثمان بن عطاء الخراسَاني ضعيف الحديث جدا، وتابعه يزيد بن زريع عن عطاء وهو ضعيف أيضا". ومنها أيضا: ما أخرجه الدارقطني (ج ٢/ ص ٣٥٦) من طريق عمار بن مطر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنَّ رسول الله ﷺ بعث عتاب بن أسيد أن لا لعان بين أربع، ثم ذكر نحو ما تقدم. وقال: "وعمار بن مطر، وحماد بن عمر وزيد بن زريع ضعفاء". وانظر: نصب الراية (ج ٣/ ص ٢٤٨).
* مذهب الحنفية في هذه المسألة في: تبيين الحقائق (ج ٣/ ص ١٦) وتحفة الفقهاء (ج ١ / ص ٢١٩) والمحلى (ج ١٠ / ص ١٤٤) وقال المؤلف فيه بعد أن حكى قول أبي حنيفة: "وهذا تحكم بالباطل. وتخصيص للقرآن برأيه الفاسد ... ".(٢) يقال: خرص النخلة والكرمة يخرصها خرصا: إذا خَرَزَ ما عليها من الرطب تمرا ومن العنب زبيبا فهو من الخرص: الظن، لأن الخَرْزَ إنما هو تقدير بظن، والاسم الخرص انظر: النهاية (ج ٢/ ص ٢٢). وقال الحافظ في الفتح (ج ٣/ ص ٣٤٤): "حكى الترمذي عن بعض أهل العلم أن تفسيره: أن الثمار إذا أدركت من الرطب والعنب مما تجب فيه الزكاة بعث السلطان خارصا ينظر فيقول: يخرج من هذا كذا وكذا زبيبا. وكذا وكذا تمرا ... ". والمرسلان اللذان أشار إليهما المؤلف، هما:
١ - ما أخرجه أبو داود في الزكاة باب في خرص العنب برقم ١٦٠٣ من طريق ابن المسيب عن عتاب بن أسيد قال: "أمر رسول الله ﷺ أن يخرص العنب كما يخرص النخل .... ". قال أبو داود: وسعيد لم يسمع من عتاب شيئا، وأخرجه أيضا من هذا الطريق الدارقطني (ج ٢/ ص ١٣٢) والبيهقي في الكبرى (ج ٤/ ص ١٢٢) ومعرفة السنن (ج ٣/ ص ٢٧٣): والشافعي في مسنده (ص ٩٤)، وعبد الرزاق في المصنف =стр. 322
واحتجوا بمرسل في أنَّ رسول الله كره في الخلع أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها (١) .
وردوا المرسل فيما "يعوض من الغرة في الجنين عبد، أو أمة، أو فرس أو مائة من الشاء، أو عشر من الإبل". وروي أيضًا: "أو مائة وعشرون من الشياه، أو عشرون من الإبل". ولم يعيبوه إلا بالإرسال (٢) . الحواشي
(١) أخرجه أبو داود في المراسيل (ص ١٩٩) من طريق ابن جريج عن عطاء قال: "جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تشكو زوجها فقال: أتريدين عليه حديقته؟ قال: "نعم وزيادة". قال: أما الزيادة فلا". والدارقطني (ج ٣/ ص ٢٥٥) وقال: "هذا مرسل، وقد أسنده الوليد عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، والمرسل أصح".
وانظر: نصب الراية (ج ٣/ ص ٢٤٤ و ٢٤٥).
واحتجاج الحنفية بهذا الحديث في: تحفة الفقهاء (ج ١ / ص ٢٠٠ - ٢٠١) وتبيين الحقائق (ج ٢/ ص ٢٦٩) والمحلى (ج ١٠/ ص ٢٤١).(٢) ورد حديث مرفوع في هذا المعنى أخرجه أبو داود في الديات باب دية الجنين برقم ٤٥٧٩ ومن طريقه البيهقي في الكبرى في الديات باب من قال في الغرة عبد أو أمة =стр. 323
وقلَّدوا روايةً فاسدة عن عُمرَ وعلي، قد جاء عن علي خلافها (١) .
وردوا المرسل أن مَنْ نذر أن ينحر نفسه فعليه مائة من الإبل إِنْ أَطَاقَهَا (٢) ، وعابوه بالإرسال. الحواشي
(١) أثر عمر بن الخطاب أخرجه ابن أبي شيبة برقم ٢٧٢٨٥ (ج ٥ / ص ٣٩٣) عن زيد بن أسلم: "أن عمر بن الخطاب قَوَّمَ الغرة خمسين دينارًا"، وأخرجه البيهقي في الكبرى كتاب الديات باب ما جاء في تقدير الغرة عن بعض الفقهاء برقم ١١٤٢٨ (ج ٨/ ص ٢٠٣) وقال في معرفة السنن (ج ٦/ ص ٢٥٣): "في إسناده انقطاع وضعف".(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم ١٥٩١٤ (ج ٨ / ص ٤٦٣) من طريق رشدين بن كريب مولى ابن عباس عن أبيه عن ابن عباس قال: "جاء رجل وأمه إلى النبي ﷺ وهو يريد الجهاد .... فقال: إني نذرت أن أنحر نفسي ... قال: هل لك مال؟ قال: نعم. قال: أهد مائة ناقة، واجعلها في ثلاث سنين فإنك لا تجد من يأخذها منك معا ... ".
وأخرجه كذلك الطبراني كما في مجمع الزوائد (ج ٤/ ص ٨٩) وقال الهيثمي: "رشدين ضعيف جدا جدا". وأخرجه المؤلف في المحلى (ج ٨/ ص ١٧) بواسطة عبد الرزاق وقال: "وقد خالف الحنيفيون والمالكيون ما روي عن الصحابة في هذا، فلا ما يوهمون من اتباع الصحابة التزموا، ولا النص المفترض عليهم اتبعوا، ولا بالمرسل أخذوا، وهو يقولون: إن المرسل والمسند سواء". ثم حكى مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة.стр. 324
واحتجوا بمرسل في إيجاب الحضانة للخالة (١) .
وردوا مرسلًا من أحسن المراسيل في أن دية العمد على عاقلة القاتل (٢) ، فعابوه بالإرسال فيه.
واحتجوا في أن لا يباع أحد الأخوين دون الآخر بمرسل وضعيف (٣) . الحواشي
(١) أشار المصنف في المحلى (ج ١٠ / ص ٣٢٦) إلى هذا المرسل من طريق أبي داود وقد أخرجه أبو داود في الطلاق، باب من أحق بالولاء برقم ٢٢٧٩ قال: "حدثنا محمد ابن عيسى حدثنا سفيان عن أبي فروة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن رسول الله ﷺ قضى ببنت حمزة لجعفر، لأن خالتها عنده". قال ابن حزم: "هذا مرسل، ولا حجة في مرسل، وأبو فروة هو مسلم بن سالم الجهني، وليس بمعروف".(٢) أشار ابن حزم في المحلى (ج ١١ / ص ٥٥) إلى هذا المرسل أثناء ذكره لحجج المختلفين في هذه المسألة فقال: " .... ثم نظرنا فيما احتج به أهل القول الثاني، فوجدناهم يذكرون ما روي عن الزهري قال: بلغني أن النبي ﷺ قال في الكتاب الذي كتبه بين قريش والأنصار: "لا تتركوا مفرجا أن تعينوه في فكاك أو عقل". والمفرج كل ما لا تحمله العاقلة، وهذا مرسل ..... وأما نحن فلا حجة عندنا في مرسل". ويعلم من رد الحنفية لهذا المرسل أن دية العمد عندهم ليست على عاقلة القاتل. وانظر تفصيل ذلك في: المختصر للطحاوي (ص ٢٣٢) والهداية للمرغناني (ج ٤/ ص ٥٧٤) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ١٧٧).(٣) أما المرسل: فأخرجه الدارقطني في البيوع (ج ٣/ ص ٦٧) عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن طليق بن عمران عن أبي بردة عن أبي موسى قال: "لعن رسول الله ﷺ من فَرَّقَ بين الوالدة وولدها، وبين الأخ وأخيه". وذكر الدارقطني فيه اختلافا على طليق فمنهم من يرويه عن طليق عن أبي بردة عن أبي موسى، ومنهم من يرويه عن طليق عن عمران بن حصين ومنهم من يرويه عن طليق عن النبي ﷺ مرسلا. قال ابن القطان بعد أن ذكر طرفا من هذا: "وبالجملة فالحديث لا يصح، لأن طليقا لا يعرف حاله وهو خزاعى". وانظر: نصب الراية (ج ٣/ ص ٢٥) وأما الضعيف: فأخرجه أبو داود في الجهاد باب التفريق بين السبي برقم ٢٦٩٦ عن يزيد بن أبي خالد الدالاني =стр. 325
وردوا مرسلات في صفة الدية في عمد الخطأ (١) ، وَعَابُوهَا بالإرسال.
واحتجوا بمرسل عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ : "لا يقاد عبد من سيده". ثم خالفوه نفسه في أنه ﵇ جلده مائة ونفاه سنة، ومحا سهمه (٢) من المسلمين (٣) ، وعابوه بالإرسال. الحواشي
(١) من هذه المراسيل: ما أخرجه النسائي في الصغرى كتاب القَوَد باب من قتل بحجر أو سوط (ج ٨/ ص ٣٩). ومن طريقه المؤلف في المحلى (ج ١٠/ ص ٣٧٩)، وأبو داود في الديات، باب فيمن قتل في عميا بين قوم برقم ٤٥٩١، وابن ماجه في الديات باب من حال بين ولي المقتول وبين القود أو الدية برقم ٤٦٣٥ كلهم عن سليمان بن كثير عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل في عمياء أو رمياء بحجر أو سوط أو عصا فعليه عقل الخطأ". قال الزيلعي في نصب الراية (ج ٤/ ص ٣٣٢): "قال في التنقيح إسناده جيد، لكنه روي مرسلا". وانظر مخالفة الأحناف لهذه المراسيل في المحلى (ج ١٠/ ص ٣٨٠).(٢) في النُّسخة التونسية: "اسمه" والتصحيح من متن الحديث.(٣) أخرجه البيهقي في الجراح باب ما روي فيمن قتل عبده أو مثل به برقم ١٥٩٥١ (ج ٧/ ص ٦٦) من طريق الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن رجلا قتل عبده متعمدا، فجلده النبي ﷺ مائة جلدة ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين، ولم يُقدْهُ به، وأمره أن يعتق رقبة". قال البيهقي بعد أن ساق ما يقرب من هذا الحديث: "أسانيد هذه الأحاديث ضعيفة، لا تقوم بشيء منا الحجة إلا أن أكثر أهل العلم على أن لا يقتل الرجل بعبده".стр. 326
وردوا رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ في اليد الشلاء والسن السوداء نصف الدية (١) .
واحتجوا بمرسل في "أنَّ في الأذنين الدية" (٢) ، وردوا المرسل: "من ضُرب على صلبه، فلم يولد لَهُ، فَلَهُ الدية" (٣) ، وعابوه بالإرسال.
واحتجوا بمرسل مكحول (٤) ، ورواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن الحواشي
(١) أخرجها النسائي في الصغرى كتاب الديات، باب العين العوراء السادة لمكانها إذا طمست (ج ٨/ ص ٥٥)، من طريق العلاء بن الحارث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ ثم ذكره وأخرجه المؤلف في المحلى (ج ١٠/ ص ٤٤١) بواسطة النسائي. وانظر مذهب الحنفية في دية اليد الشلاء والسن السوداء فى: المختصر (ص ٢٤٤) والهداية (ج ٤/ ص ٥٣٣) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ١٥٦).(٢) لعله المرسل الذي أخرجه البيهقي في الديات، باب الأذنين برقم ١٦٢٢١ (ج ٨/ ص ١٤٩) عن زيد بن أسلم قال: "مضت السنة أشياء من الإنسان، فذكر الحديث قال فيه: وفي الأذنين الدية". والقول بأن في الأذنين الدية في: الهداية (ج ٤/ ص ٥٢٤) والمحلى (ج ١٠ / ص ٤٤٨) وتبيين الحقائق (ج ٦/ ص ١٢٩) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ١٥٥).(٣) أخرج عبد الرزاق في المصنف برقم ١٧٥٩٦ (ج ٩/ ص ٣٦٤) عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد "في الصلب إذا كسر، فذهب ماؤه الدية كاملةً، وإن لم يذهب الماء فنصف الدية". قال: قضى بذلك رسول الله ﷺ . وأخرجه المصنف من طريق عبد الرزاق وقال في المحلى (ج ١٠ / ص ٤٥٢): " .... وفي هذا أيضا خبر مرسل كما أوردنا بالدية. وإن لم يولد له وبنصف الدية إن ولد له، وهم يدعون -يعني الحنفية والمالكية- الأخذ بالمرسل، ولا يبالون بالتناقض والتشنيع على خصومهم ..... ".(٤) مكحول الشامي أبو عبد الله ويقال أبو أيوب الفقيه الدمشقي، روى عن النبي ﷺ مرسلا، وعن أبي بن كعب، وأبي هريرة وطائفة، وعنه الأوزاعي وابن إسحاق =стр. 327
جده عن النبي ﷺ "في الذكر الدية، وفي الأنثيين الدية " (١) .
وردوا المرسلَ، وروايةَ عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أَنَّ النبي أعتق بالمُثلة على الممثل، ولم يجعل له ولاء (٢) . الحواشي
(١) أما مرسل مكحول: فأخرجه أبو داود في المرسل (ص ٢١٤) عن مكحول أن النبي ﷺ قال: " في اللسان الدية، وفي الذكر الدية". ورجاله ثقات، وفيه عنعنة ابن إسحاق. وأخرج أبو داود في المراسيل أيضا (ص ٢١٤) بسنده عن ابن إسحاق سمعت مكحولا يقول: "قضى رسول الله ﷺ في الأنثيين الدية".
وأما رواية عمرو بن شعيب: فأخرجها البيهقي في الكبرى في الديات باب دية اللسان برقم ١٦٢٥٢ (ج ٨/ ص ١٥٥) من طريق ابن عدي بسنده إلى الحارث بن نبهان عن محمد بن عبيد الله. هو العرزمي. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو ابن العاص عن رسول الله ﷺ قال: "في اللسان الدية إذا مغ الكلام، وفي الذكر الدية إذا قطعت الحشفة، وفي الشفتين الدية". قال البيهقي: "وهذا إسناد ضعيف، محمد بن عبد الله العزرمي: والحارث ابن نبهان ضعيفان". وأشار ابن حزم في المحلى (ج ١٠/ ص ٤٤٩) إلى ما احتج به الحنفية في هذه المسألة وقال: "قد ذكرنا ما جاء في ذلك، في صحيفة عمرو بن حزم، وصحيفة عمرو ابن شعيب وخبر مكحول .... وأن كل ذلك لا يصح منه شيء". وانظر مذهب الأحناف في هذه الأنواع من الجراحات في: الهداية (ج ٤/ ص ١٥٤) وتبيين الحقائق (ج ٦/ ص ٤٤٩) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ١٥٤).(٢) وأما المرسل: فأشار إليه ابن حزم في المحلى (ج ٩/ ص ٢١٠) عن عمر "أنه أعتق أمة أقعدت على مَقْلَى فأحرقت عجزها". ثم قال: "هو غير صحيح عن عمر، لأنَّه من =стр. 328
واحتجوا بأرذل ما يكون من المراسيل في "أَنْ لا قَوَدَ في شلل، ولا عرج، ولا كسر، ولا مأمومة ولا جائفة ولا منقلة" (١) .
وردوا المرسل في "أن دية المجوسي ثمانمائة درهم" (٢) ولم يعيبوه إلا بالإرسال. الحواشي
(١) أخرجه الدارقطني في الديات (ج ٣/ ص ١٩) من طريق ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال في التعليق المغني على الدارقطني: "الحديث إما متصل، وإما منقطع على اختلاف سماع عمرو بن شعيب ... وفيه بقية وهو كثير التدليس".
وانظر تفصيل الكلام على القصاص في هذه الجراحات عند الحنفية في: الهداية (ج ٤/ ص ٥٢٨، ٥٣١) وتبيين الحقائق (ج ٦/ ص ١١٢) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ١٥٨).(٢) أخرجه البيهقي في الكبرى كتاب الديات باب دية أهل الذمة برقم ١٦٣٣٨ (ج ٨/ ص ١٧٥) ومعرفة السنن برقم ٤٩٢٩ من طريق منصور بن المعتمر عن ثابت الحداد عن ابن المسيب "أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى في دية اليهودي والنصراني بأربعة آلاف، وفي دية المجوسي بثمانمائة درهما". قال ابن التركماني في الجوهر النقي: "ذكر مالك =стр. 329
وأخذوا بمرسل: "لم يقض رسول الله فيما دون الموضحة" (١) ، وردوا المرسل: "لم يقض رسول الله إلا في ثلاث: الموضحة، والآمة، والمنقلة" (٢) ، ولم يعيبوه إلا بالإرسال. الحواشي
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم ١٧٣١٦ (ج ٩/ ص ٣٠٦) عن معمر والثوري عن بعض أصحابهم "أن عمر بن عبد العزيز كتب أن النبي ﷺ لم يقض فيما دون الموضحة بشيء".
ورواه أيضا عن النبي ﷺ الحسن وطاووس، وأثر الحسن عند عبد الرزاق برقم ١٧٣٠٢ (ج ٨/ ص ٣٠٦). وأثر طاووس عند البيهقي في الكبرى. كتاب الجراح باب ما لا قصاص فيه برقم ١٦١٠٣ (ج ٨/ ص ١١٥). قال الزيلعي في نصب الراية (ج ٤/ ص ٣٧٤): "وهو مرسل".(٢) لم أجده وقريب منه ما أخرجه ابن ماجه في الديات باب ما لا قود فيه برقم ٢٦٣٧ عن العباس ابن عبد المطلب قال: قال رسول الله ﷺ : "لا قود في المأمومة ولا الجائفة ولا المنقلة". وفيه رشدين بن سعد المصري: وقد اختلف فيه. وانظر: الميزان (ج ٢/ ص ٤٩).
والموضحة هي التي تكشف عنها القشرة الرقيقة التي بين اللحم والعظم، وتشق حتى يَبْدُوَ وَضَحُ العظم والآمةُ وتسمى أيضا المأمومة وهي التي تصل إلى أم الدماغ، وهي الجلدة التي فيها الدماغ، والمنقلة: هي التي تنقل العظم عن موضعه بعد كسره. وانظر: المحلى (ج ١١/ ص ٤٦١) واللباب في شرح الكتاب (ج ٣/ ص ١٥٧) والنهاية في غريب الحديث والأثر (ج ١/ ص ٦٩) و (ج ٤/ ص ١٦) (ج ٥/ ص ٩٦).стр. 330
واحتجوا بمرسل في تأخير القود (١) .
وردوا المرسل: "لا تحمل العاقلة إلا ثلث الدية فصاعدًا" (٢) ، وعابوه بالإرسال.
واحتجوا بمرسل في القسامة (٣) .
وخالفوا مرسلًا من أحسن المراسيل "فيمن حبس إنسانًا لآخر، حتى الحواشي
(١) قال أبو حنيفة: من قتل وله أولياء صغار وكبار فللكبار أن يقتوا القاتل وقال الصاحبان: ليس لهم ذلك حتى يدرك الصغار، فَيُؤَخَّرُ القود. وانظر: الهداية (ج ٤ / ص ٥٠٦).(٢) ذكر ابن حزم في المحلى (ج ١١/ ص ٥٣) مرسلين أحدهما: رواه يونس بن يزيد عن ربيعة أنه قال: "أن رسول الله ﷺ ألف بين الناس في معاقلهم، وكانت بنو ساعدة فرادى على معقلة يتعاقلون ثلث الدية فصاعدا، ويكون ما دون ذلك على من اكتسب وجنى". والثاني: من طريق عبد الجبار بن عمر عن ربيعة أيضا أنه قال: "عاقل رسول الله ﷺ بين قريش والأنصار، فجعل العقل بينهم إلى ثلث الدية". ثم قال: " ... فنظرنا في هذا الاحتجاج فوجدناه لا تقوم به حجة، لأن الخبرين عن ربيعة مرسلان".(٣) من المراسيل الواردة في القسامة: ما أخرجه البيهقي في الكبرى كتاب القسامة، باب أصل القسامة برقم ١٦٤٤٦ (ج ٨/ ص ٢١٣)، والدارقطني في السنن (ج ٣/ ص ١١٠) عن ابن جريج عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر إلا في القسامة". قال الحافظ في التلخيص الحبير (ج ٤/ ص ٣٩): "قال ابن عبد البر: إسناده لين". وقد رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو مرسلا، وعبد الرزاق أحفظ من مسلم بن خالد وأوثق .... وقال البخاري: "ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب فهذه عِلَّةٌ أخرى".
وانظر أيضا: الجوهر النقي بهامش السنن الكبرى للبيهقي (ج ٨/ ص ٢١٣).стр. 331
قتله، فإنه يقتل القاتل، ويحبس الحابس" (١) .
فلم يعيبوه إلا بالإرسال.
واحتجوا بمرسلين خَسِيسَينْ ضعيفين في التحريم بالوطء المحرم من الزنا (٢) ، وعَارَضَهُمَا خبرٌ مخالف لهما بإباحة ذلك (٣) ، فقالوا: الحواشي
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم ١٧٨٩٥ (ج ٩/ ص ٤٢٨)، والدارقطني في سننه في كتاب الديات (ج ٣/ ص ١٤٠) ومن طريقه البيهقي في الكبرى كتاب الجراح، باب ما جاء الرَّجل يحبس الرجل للآخر فيقتله برقم ١٦٠٣٠ (ج ٨/ ص ٩٠). عن إسماعيل بن أمية قال: "قضى رسول الله ﷺ في رجل أمسك رجلا وقتل الآخر، قال: يقتل القاتل، ويحبس الممسك". وأورده البيهقي برقم ١٦٠٢٩ عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ وقال: "هذا غير محفوظ" ثم رجح المرسل، وأورده المؤلف في المحلى (ج ١٠/ ص ٥١٣) بسنده عن سفيان عن إسماعيل بن أمية وقال: "تفريق رسول الله ﷺ بين حكم الحابس، وبين حكم القاتل بيان جلي، وعهدنا بالحنيفيين والمالكيين يقولون: إن المرسل والمسند سواء. وهذا مرسل من أحسن المراسيل، وقد خالفوه، ويشنعون على من خالف قول الصاحب، إذا وافق أهواءهم".(٢) يشير المصنف إلى ما ذكره من احتجاج الأحناف بمرسلين أَوْرَدَ الأول منهما في المحلى (ج ٩/ ص ٥٣٣) عن ابن جريج قال: أخبرت عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن أم الحكم أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن امرأة كان زنى بها في الجاهلية أينكح الآن ابنتها؟ فقال: "لا أرى ذلك ولا يصلح لك أن تنكح امرأة تطلع من ابنتها على ما اطَّلَعْتَ عليه منها". والثاني: أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم ١٦٢٢٩ (ج ٣/ ص ٤٦٩): عن حجاج عن أبي هانئ قال: قال رسول الله ﷺ : "من نظر إلى فرج امرأة، لم تحل له أمها ولا ابنتها". قال ابن حزم: " .... وأما الخبران فمرسلان ولا حجة في مرسل، وفي أحدهما انقطاع آخر، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن أم الحكم مجهول، وفي الآخر: الحجاج بن أرطأة وهو هالك عن أبي هانئ، وهو مجهول". قلت: وبنحو هذا رد البيهقي في الكبرى (ج ٧/ ص ٢٧٦) المرسل الثاني.(٣) هذا الخبر هو ما أشار إليه المصنف في المحلى (ج ٩/ ص ٥٣٣ - ٥٣٤) بقوله: " ... وقد عارضهما خبر آخر لا نورده احتجاجا به، لكان مُعَارَضَةً للفاسد، مما إن لم يكن=стр. 332
الحاظر أولى من المبيح.
وخالفوا مُرسلات في تحريم الذَّهب على النساء (١) ، وقد قال بِها طائفة من الصحابة.
وقال الحنيفيون: قد جاءت مسندات بإباحة ذلك لهن (٢) ، فقلنا: الحواشي
(١) وجدت في ذلك مسندات منها: ما أخرجه النسائي في الكبرى (ج ٥/ ص ٤٣٧) في الزينة باب الكراهية للنساء في إظهار الحلي والذهب من حديث أسماء بنت يزيد أن رسول الله ﷺ قال: "أيما امرأة تحلت -يعني قلادة- من ذهب جعل في عنقها مثلها في النار، وأيما امرأة جعلت في أذنها خرصا من ذهب جعل الله في أذنها مثلها خرصا من النار يوم القيامة".
وأما المراسيل: فمن ذلك: ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري برقم ١٩٩٤٤ (ج ١١/ ص ٧١) قال: "رأى النبي ﷺ على عائشة قلابين من فضة ملونين بذهب، فأمرها أن تلقيهما، وتجعل قلابين من فضة وتصفرهما بزعفران". قال ابن حزم في المحلى (ج ١٠/ ص ٨٣): "وهذا مرسل، ولا حجة في مرسل".(٢) من ذلك ما أخرجه البزار في مسنده برقم ٣٣٣ (ج ١/ ص ٤٦٧)، والطبراني في الصغير (ج ١/ ص ١٦٧) عن عمرو بن جرير عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم =стр. 333
سبحان الله ألم تقولوا: إن الحاظر أولى من المبيح، وأن المرسل والمسند سواء، فما هذا التلاعب بالدين؟ ! !
واحتجوا برواية بقية (١) -وهو ضعيف- عن يزيد بن خالد (٢) -وهو مثله- عن يزيد بن محمد (٣) -وهو مثلهما- قال عمر بن عبد العزيز (٤) الحواشي
(١) بقية بن الوليد بن صاعد الكلاعي أبو يحمد الحمصي روى عن محمد بن زياد الألهاني، ويحيى ابن سعد، وثور بن يزيد وخلق، وعنه شعبة وابن جريج وخلائق، قال النسائي: "إذا قال حدثنا وأخبرنا فهو ثقة"، وقال الخطيب: "في حديثه مناكير إلا أن أكثرها عن المجاهيل، وكان صدوقا". وقال ابن عدي: " إذا حدث عن أهل الشام فهو ثبت". توفي سنة ١٩٧ هـ. أخرج له مسلم والأربعة. انظر: الجرح والتعديل (ج ١/ ص ٤٣٤) والضعفاء الكبير (ج ١/ ص ١٦٢ - ١٦٣) والمجروحين (ج ١/ ص ٢٠٠) وميزان الاعتدال (ج ١/ ص ٣٣١).(٢) لم أجده فيما بين يدي من مصادر، وسيرد في كلام الدارقطني ما يفهم منه أنه مجهول.(٣) لم أجده فيما بين يدي من مصادر، وسيرد النقل عن الدارقطني أنه مجهول.(٤) هو أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص أبو حفص الحافظ روى عن أنس وعبد الملك بن جعفر وابن المسيب، وعنه أيوب وحميد والزهري وخلق، ولي سنة ٩٩ هـ أجمعوا على جلالته وثقته مات سنة ١٠١ هـ. وفضائله كثيرة استوعبها من ألف في سيرته، أخرج له الستة. انظر: التاريخ الكبير للبخاري (ج ٣/ ص ١٧٤) ومشاهير علماء الأمصار (ص ٢٠٩) وتهذيب التهذيب (ج ٧/ ص ٤٧٥).стр. 334
قال تميم الداري (١) : قال رسول الله ﷺ : "الوضوء من كل دم سائل" (٢) ، وهذا منقطع فاحش، لأن عمر بن عبد العزيز لم يولد إلا بعد موت تميم بدهر طويل.
وخالفوا المرسل الذي رويناه من طريق عبد الرزاق (٣) عن الحواشي
(١) هو تميم بن أوس بن حارثة أبو رقية الداري الصحابة، كان نصرانيا، وقدم المدينة فأسلم، وغزا مع رسول الله ﷺ ، انتقل إلى الشام بعد مقتل عثمان، وسكن فلسطين أخرج له مسلم والأربعة. توفي سنة ٤٠ هـ. انظر. طبقات ابن سعد (ج ١/ ص ٣٤٣) وتجريد أسماء الصحابة (ج ١/ ص ٥٨)، والإصابة (ج ١/ ص ٤٨٧ - ٤٨٩)، وخلاصة تذهيب التهذيب (ص ٥٥).(٢) أخرجه بهذا السند الدارقطني في الطهارة، باب في الوضوء من الخارج من البدن كالرعاف والقيء والحجامة ونحوه حديث رقم ٢٧ (ج ١/ ص ١٥٧)، وقال: "عمر ابن عبد العزيز لم يسمع من تميم الداري ولا رآه، ويزيد بن خالد، ويزيد بن محمد مجهولان". وقال النووي في المجموع (ج ٢/ ص ٥٦) في الجواب عمن احتج بهذا الحديث: " .... وأما حديث تميم الداري فجوابه من أوجه: أحدها أنه ضعيف، وضعفه من وجهين: أحدهما: أن يزيد ويزيد الراويين مجهولان، والثاني: أنه مرسل أو منقطع، فإن عمر بن عبد العزيز لم يسمع تميما".
* وقال أبو حنيفة: كل دم سائل أو قيح سائل أو ما سائل من أي موضع سال من الجسد فإنه ينقض الوضوء. وانظر بيان ذلك في: تحفة الفقهاء (ج ٢/ ص ١٨) والمغني لابن قدامة (ج ١/ ص ١٣٦) والمجموع للنووي (ج ٢/ ص ٥٤) والمحلى (ج ١/ ص ٢٥٦).(٣) هو الحافظ عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم أبو بكر الصنعاني، أحد الأئمة الأعلام روى عن ابن جريج وهشام بن حسان، وثور بن يزيد ومعمر ومالك وخلائق، وعنه أحمد وإسحاق وابن المديني وخلق، وثقه غير واحد، لكنه اختلط بعدما ذهب بصره. توفي سنة ٢١١ هـ. أخرج له الستة: انظر: تذكرة الحفاظ (ج ١/ ص ٣٦٤) وتهذيب التهذيب (ج ٦/ ص ٣١٠) والخلاصة للخزرجي (ص ٢٣٨).стр. 335
معمر (١) عن ابن أبي نجيح (٢) عن مجاهد: "أن رسول الله قضى في الصلب إذا كسر، فذهب ماؤه الدية كاملة، فإن ذهب الماء، فنصف الدية" (٣) .
وروي مِثْلُهُ عن أبي بكر وعمر (٤) ، فخالفوه وقالوا: هذا مرسل.
وخالفوا المرسل المشهور في أنه "لا يحل بيع الطعام حتى يقبض، ولا بأس بالتوْلية والإقالة، والشركة فيه قبل القبض" (٥) ، ولم يعيبوه إلا بالإرسال. الحواشي
(١) هو معمر بن راشد أبو عروة الأزدي مولاهم البصري، روى عن قتادة والزهري وزياد بن علاقة، وطائفة، وعنه يحيى بن أبي كثير وعبد الرزاق، وكان من أثبت الناس في الزهري، وهو أول من صنف باليمن. توفي سنة ١٥٣ هـ. أخرج له الستة. انظر: طبقات خليفة (ص ٢٨٨) والجرح والتعديل (ج ٨/ ص ٢٥٥) وسير أعلام النبلاء (ج ٧/ ص ٥).(٢) هو عبد الله بن أبي نجيح الثقفي مولاهم أبو يسار المكي روى عن طاوس ومجاهد، وعنه عمرو ابن شعيب وأبو إسحاق الفزاري وشعبة، وثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة والنسائي. وقد رمي بالقدر، وربما دلس. توفي سنة ١٣١ هـ. أخرج له الستة. انظر تهذيب التهذيب (ج ٣/ ص ٢٨٤) وتقريب التهذيب (ص ٣٢٦) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٢١٧).(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم ١٧٥٩٦ (ج ٩/ ص ٣٦٤) بهذا السند وفيه: "قال مجاهد: قضى بذلك رسول الله ﷺ ". والمؤلف في المحلى (ج ١٠/ ص ٤٥١) بواسطة عبد الرزاق.(٤) أخرج عبد الرزاق في المصنف برقم ١٧٥٩٧ (ج ٩/ ص ٣٦٤) عن معمر عن رجل عن عكرمة عن أبي بكر أو عن عمر قال: "إذا لم يولد له، فالدية، وإن ولد له فنصف الدية". وأخرجه ابن حزم في الإيصال. كما أفاد ابنه في تكملة المحلى (ج ١٠/ ص ٤٥١) من طريق حمام حدثنا ابن مفرج حدثنا ابن الأعرابي حدثنا الدبري حدثنا عبد الرزاق عن ابن جريج ومعمر كلاهما عن رجل عن عكرمة وذكره.(٥) أخرجه أبو داود في المراسيل (ص ١٧٨) عن ربيعة بن عبد الرحمن قال: قال سعيد بن المسيب في حديث يرفعه كأنه إلى النبي ﷺ : "لا بأس بالتولية في الطعام قبل أن يستوفى. ... ".
ونحوه أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم ١٤٢٥٧ (ج ٨/ ص ٤٩).стр. 336
وخالفوا مراسيل فيها: لا ميراث للعمة ولا للخالة، وإن لم يترك غيرهما (١) ، وعابوها بالإرسال.
وخالفوا المرسل المشهور: "ما أدرك من قسمة الكفار، الإسلامُ لم يقتسم، هو على الإسلام" (٢) ، ولم يعيبوه إلا بالإرسال.
وخالفوا ما رويناه من طريق أبي داود حدثنا أبو بكر (٣) -صاحب لنا الحواشي
(١) من هذه المراسيل: ما أخرجه الدارقطني في سننه كتاب الفرائض (ج ٤/ ص ٩٩)، والبيهقي في الكبرى (ج ٦/ ص ٢١٢) من طريق مسعدة بن اليسع الباهلي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: "سئل رسول الله ﷺ عن ميراث العمة والخالة. فقال: لا أدري حتى يأتيني جبريل، ثم قال: أين السائل عن ميراث العمة والخالة؟ فأتى الرجل فقال: سارني جبريل أنه لا شيء لهما"، قال الدارقطني: "لم يسنده غير مسعدة عن محمد بن عمرو وهو ضعيف، والصواب مرسل". وقال ابن الجوزي في التحقيق في أحاديث الخلاف (ج ٢/ ص ٢٤٠) بعد أن ساقه من طريق الدارقطني: "قال أحمد بن حنبل: مَسْعَدةُ ليس بشيء خرقنا حديثه". والعمة والخالة من ذوي الأرحام، وهؤلاء يرثون عند أبي حنيفة وأصحابه. وانظر: المبسوط (ج ٣/ ص ١٣٠) والمغني (ج ٧/ ص ٨٣).(٢) لم أجده بهذا اللفظ ووجدت مرسلا في معناه: أخرجه الدارقطني في سننه (ج ٤/ ص ١١٤)، عن قبيصة بن ذؤيب عن عمر بن الخطاب قال: "ما أصاب المشركين من أموال المسلمين، فظهر عليهم، فرأى رجل منا متاعه بعينه، فهو أحق به من غيره، فإذا قسم، ثم ظهروا عليه فلا شيء له إنما هو رجل منهم". قال الدارقطني: "هذا مرسل".(٣) هو أحمد بن محمد بن إبراهيم الإبلي أبو بكر العطار روى عن شيبان بن فروخ وابن أبي شيبة وأبي الوليد ومسدد وغيرهم، وعنه أبو داود حديثا واحدا أخرجه وجادة عن شيبان، ثم قال: لم أسمعه من شيبان فَحَدَّثنيه أبو بكر صاحب لنا ثقة. قال الحافظ: "صدوق من الحادية عشرة". توفي سنة ٢٧٨ هـ. انظر: تهذيب التهذيب (ج ١/ ص ٤٨٤٧) والتقريب (ص ٨٣) والخلاصة (ص ١١).стр. 337
ثقة- حدثنا شيبان (١) حدثنا محمد بن راشد (٢) عن سليمان بن موسى (٣) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "قضى رسول الله ﷺ على أهل البقر مائتي بقرة، ومن كان مثله في الشياه، فَأَلْفَا شاة .... وذكر باقي الخبر .... " (٤) . الحواشي
(١) هو شيبان بن فروخ الحبطي مولاهم أبو محمد الأبلي، روى عن جرير بن حازم، وأبان ابن يزيد العطار، وحماد بن سلمة، وعبد الوارث بن سعيد، وثقه أحمد، وقال أبو زرعة: "صدوق": وقال أبو حاتم: "كان يرى القدر، واضطر الناس إليه بِأخَرةٍ" مات سنة ٢٣٥ هـ. أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي. انظر: تهذيب التهذيب (ج ٢/ ص ٥٢٠ - ٥٢١) والتقريب (ص ٢٦٩) وخلاصة تذهيب التهذيب (ص ١٦٨).(٢) هو محمد بن راشد الخزاعي أبو عبد الله الدمشقي المكحولي، روى عن مكحول فنسب إليه، وعن سليمان بن موسى وجماعة، وروى عنه يحيى القطان وبقية وعارم وخلق، وثقه أحمد وابن معين والنسائي وقال ابن حبان: "كثرت المناكير في روايته فاستحق ترك الاحتجاج به". توفي سنة ١٦٠ هـ. أخرج له الأربعة. انظر: ميزان الاعتدال (ج ٣/ ص ٥٤٣ - ٥٤٤) والتقريب (ص ٤٧٨) والخلاصة (ص ٣٣٦).(٣) هو سليمان بن موسى الأموي أبو أيوب الدمشقي الأشدق الفقيه عن جابر مرسلا وواثلة وطاووس وعطاء، وعنه ابن جريج والأوزاعي وهمام بن يحيى وخلق، وثقه دحيم وابن معين، وقال ابن عدي: "تفرد بأحاديث وهو عندي ثبت صدوق".
توفي سنة ١١٩ هـ. أخرج له الأربعة. وانظر: الثقات لابن حبان (ج ٦/ ص ٣٧٩) والتقريب (ص ٢٥٥) والخلاصة (ص ١٥٥).(٤) أخرجه أبو داود في الديات، باب ديات الأعضاء برقم ٤٥٦٤ وساق سنده هكذا: "وجدت في كتابي عن شيبان ولم أسمعه منه، فحدثناه أبو بكر. صاحب لنا ثقة. قال: حدثنا شيبان ..... ". وقد ذكر المؤلف هنا طرفا من الحديث، وبقيته فيها طول. وانظر في مقادير نصاب البقر عند الحنفية: المبسوط (ج ٢/ ص ١٨٦) وحلية العلماء (ج ٣/ ص ٥١) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٢٦١) والمحلى (ج ٦/ ص ٢ - ١٢) فقد حكى المؤلف مذاهب العلماء، وأبي حنيفة وتقصى ذلك، واستوعب في رد ما استدل به، وبالغ في ذلك.стр. 338
ومن طريق حماد بن سعيد (١) حدثنا محمد بن إسحاق (٢) عن عطاء بن أبي رباح (٣) : "أن رسول الله ﷺ قضى بالدية على أهل الإبل: مائة بعير، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وعلى أهل البقر مائتي بقرة ... " (٤) . وذكر باقي الحديث. الحواشي
(١) هكذا قال المؤلف، ولم أجده في رجال الستة، وورد اسمه عند أبي داود مهملا هكذا: "حماد". ويحتمل أن يكون أحد الحمادين: حماد بن سلمة أو حماد بن زيد وكلاهما روى عن محمد بن إسحاق والله أعلم.(٢) محمد بن إسحاق المطلبي المخرمي مولاهم المدني أبو بكر، حدث عن أبيه وعطاء الأعرج وطائفة وكان بحرا في العلم، حبرا فى معرفة أيام رسول الله ﷺ ، وله غرائب في كثرة ما روى، وحديثه حسن وصححه جماعة. من تآليفه: "السيرة" (ح). توفي سنة ١٥١ هـ. أخرج له مسلم والأربعة.
انظر: تاريخ بغداد (ج ١/ ص ٢١٤) وسير أعلام النبلاء (ج ٧/ ص ٣٣) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٣٢٦ - ٣٢٧).(٣) عطاء بن أبي رباح واسم أبي رباح أسلم، أبو محمد الفهري القرشي المكي، أحد الفقهاء والأئمة روى عن عثمان، وعتاب بن أسيد مرسلا، وطائفة، وروى عنه أيوب، وجرير بن حازم وابن جريج. قال ابن سعد: "كان ثقة عالما كثير الحديث".
أخرج له الستة. توفي سنة ١١٤ هـ وقيل سنة ١١٥ هـ. انظر: التاريخ الكبير للبخاري (ج ٣/ ص ٤٦٣) والثقات لابن حبان (ج ٥/ ص ١٩٨) والكاشف (ج ٢/ ص ٢٦٥).(٤) أخرجه أبو داود في الديات باب الدية كم هي؟ برقم ٤٥٤٣ وسياقه هكذا: "أن رسول الله ﷺ قضى في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وعلى أهل القمح شيئا لم يحفظه محمد".стр. 339
ومن طريق سعيد بن منصور (١) حدثنا هشيم (٢) أخبرنا محمد بن إسحاق، سمعت عطاء بن أبي رباح يحدث أن رسول الله ﷺ : "فرض الدية في أموال المسلمين، فجعلها في الإبل مائة بعير، وفي البقر مائتي بقرة، وفي الغنم ألفي شاة" (٣) . وذكر الخبر، فعابوه بالإرسال.
وردوا المرسل المشهور في غسل الذكر، والأنثيين من المذي (٤) ، ولم الحواشي
(١) هو الإمام سعيد بن منصور أبو عثمان المروزي البلخي، سمع مالكا وفليحا، والليث ابن سعد وغيرهم وثقه أبو حاتم ووصفه بالإتقان، وأثنى عليه الإمام أحمد، وفخم أمره، أخرج له الجماعة، مات سنة ٢٢٧ هـ. من تآليفه: "السنن" (ح). انظر: طبقات ابن سعد (ج / ٥ ص ٥٠٢) والتاريخ الكبير (ج ٣/ ص ٥٧٦) والجرح والتعديل (ج ٤/ ص ٦٨) وتهذيب التهذيب (ج ٢/ ص ٣٣٨).(٢) هشيم. بالتصغير. بن بشير أبو معاوية الواسطي، سمع الزهري، وعمرو بن دينار وطائفة، وعني بهذا الشأن، وفاق الأقران، ولا نزاع في أنه كان من الحفاظ الثقات، إلا أنه كان كثير التدليس. فقد روى عن جماعة لم يسمع منهم، أخرج له الستة، توفي سنة ١٨٣ هـ. انظر: طبقات ابن سعد (ج ٧/ ص ٧٠) وتاريخ بغداد (ج ٤/ ص ٨٥) وتذكرة الحفاظ (ج ١/ ص ٢٤٨ - ٢٤٩).(٣) لم أجده في سنن سعيد بن منصور المطبوعة وأخرج نحوه أبو داود في الديات باب الدية كم هي؟ برقم ٤٥٤٣ من طريق موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا محمد بن إسحاق عن عطاء بن أبي رباح أن رسول الله ﷺ .(٤) لم أجد في ذلك مرسلا، والموجود خبر مرفوع إلى النبي ﷺ عن علي قال: كنت رجلا مذاء فأمرت رجلا أن يسأل النبي ﷺ لمكان ابنته. فسأل، فقال: "توضأ واغسل ذكرك". أخرجه البخاري في الغسل باب غسل المذي والوضوء منه، برقم ٢٦٩ قال الحافظ في الفتح (ج ١/ ص ٣٨٠): "واستدل بقوله ﷺ : "توضأ" على أن الغسل لا يجب بخروج المذي، وصرح بذلك في رواية لأبي داود وغيره وهو إجماع .... واستدل به بعض المالكية والحنابلة =стр. 340
يعيبوه إلا بالإرسال.
وخالفوا المرسل في الوضوء مِنْ مَسِّ الرُّفْغَينْ والأنثيين (١) ، ولم يعيبوه إلا بالإرسال.
وردوا المرسل في أن النبي طهر لُمعة من جسده بماء عصره من شعره من غسل الجنابة (٢) ، وعَابُوهُ بالإرسال. الحواشي
(١) أخرجه الدارقطني في الطهارة حديث رقم ١٠ (ج ١/ ص ١٤٨) باب ما روي في لمس القبل والدبر والذكر عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة بنت صفوان قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مس ذكره، أو أنثييه أو رفغيه فليتوضأ". قال الدارقطني: "كذا رواه عبد الحميد بن جعفر عن هشام، ووهم في ذكر الأنثيين والرفغ، وإدراجه ذلك في حديث بسرة عن النبي ﷺ ، والمحفوظ أن ذلك من قول عروة غير مرفوع، كذلك رواه الثقات عن هشام، منهم أيوب السختياني، وحماد بن زيد".
وقال الحافظ في التلخيص الحبير (ج ١/ ص ١٢٣): "طعن الطحاوي في رواية هشام بن عروة عن أبيه لهذا" بأن هشاما لم يسمعه من أبيه، إنما أخذه عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم". ثم بين الحافظ أنه وَقَعَ في الطبراني في "الكبير" أن هشاما أدخل بينه وبين أبيه واسطة. قلت: انظر كلام الطحاوي في هذا الحديث في شرح معاني الآثار (ج ١/ ص ٧٣).(٢) أخرج أبو داود في المراسيل (ص ٧٤) عن العلاء بن زياد عن النبي ﷺ "أنه اغتسل فرأى لمعة على منكبه لم يصبها الماء، فأخذ خصلة من شعره فعصرها على مَنْكِبهِ، ثم مسح يده على ذلك المكان".
وأخرج نحوه ابن ماجه في الطهارة، باب من اغتسل من الجنابة، فبقي من جسده لمعة لم يصبها الماء كيف يصنع؟ برقم ٦٦٣ من طريق أبي علي الرحبي عن عكرمة عن ابن عباس. قال الزيلعي في نصب الراية (ج ١/ ص ١٠٠): "وأبو علي الرحبي حسين بن قيس يلقب بحنش" قال أحمد والنسائي والدارقطني: متروك، وقال أبو زرعة: "ضعيف".стр. 341
وردوا المرسل في أن النبي ودى حربيًا قتل في الشهر الحرام (١) ، ولم يعيبوه إلا بالإرسال.
وردوا المرسل في تغليظ الدية في الجار، وفي الشهر الحرام (٢) ، ولم يعيبوه إلا بالإرسال.
وردوا المرسل الجيد في حمى الزرع غَلْوة (٣) بسهم من كل جانب، ولم يعيبوه إلا بالإرسال.
وردوا المرسل في أن حريم البئر العادية خمسون ذراعًا، والمُحدثة خمسة وعشرون ذراعًا (٤) ، ولم يعيبوه إلا بالإرسال. الحواشي
(١) لم أجده هكذا ومن المرسل الوارد في دية الذمي ما أخرجه أبو داود في المراسيل (ص ١٥٩) عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ : "دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار".(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم ١٧٢٨٨ (ج ٩/ ص ٢٩٩) من طريق ابن جريج قال: أخبرني ابن طاووس عن أبيه أنه كان يقول عن النبي ﷺ : "في الجار، والشهر الحرام تغليظ".(٣) الغلوة: قدر رمية بسهم، انظر: النهاية (ج ٣/ ص ٣٤٣) وفي القاموس (ص ١٠٠٠) مادة غلا: "وغلا السهم: ارتفع في ذهابه وجاوز المدى. وكل مرماة غلوة والجمع غلوات وغلاء".(٤) أخرجه أبو داود في المراسيل (ص ٢٩٠) قال حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان الثوري عن إسماعيل بن أمية عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: "قال رسول الله ﷺ وذكره .... ".
وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (ج ٤/ ص ٣٩١) برقم ٢١٣٤٨، وأبو عبيد في الأموال (ص ٣٦٩ و ٣٧٠) ويحي بن آدم في الخراج (ص ٣٢٧) والحاكم في المستدرك (ج ٤/ ص ٩٧) والبيهقي (ج ٦/ ص ١٥٥) من طرق عن الزهري بهذا الإسناد الذي ذكره أبو داود. =стр. 342
قال أبو محمد: لو تتبعنا ما تناقضوا فيه في هذا الباب لَكثُرَ جدًّا، وفيما ذكرنا كفاية لمن وفقه الله تعالى لِنُصْح نفسه، وأسانيد الأخبار المذكورة قد أوردناها بحمد الله تعالى في كتابنا الكبير المَوْسُوم بِـ "الإيصال" وهي كلها مشهورة عند أهل العلم بالآثار.
وإعلانهُم في جميع كتبهم بأن المرسل كالمسند، أشهر من أن يخفى على مَنْ عَرَفَ شيئًا من مذاهبهم (١) ، ففضحنا تمويههم بذلك، وأنهم لا يلتفتون إلى مسند، ولا مرسل، ولا نص قرآن، ولا قول صاحب، ولا قياس، وإنَّما هو تقليد أبي حنيفة فقط.
قال أبو محمد: والحق في هذا الباب هو أن كل خبر لم يأت قط إلا مرسلًا، فإنه لا يحل الأخذ به أصلًا، لأننا لا ندري عمن رواه، ولا الحواشي
(١) في الاحتجاج بالمرسل خمسة مذاهب:
الأول: قبول مرسل العدل مطلقا. سواء كان من أئمة النقل أم لا، وسواء أكان في القرون الثلاثة الأولى أم بعدها، ونقل ذلك عن مالك وأبي حنيفة وأحمد في أشهر الروايتين عنه، وعليه جماهير المعتزلة كأبي هاشم، وتبعهم الآمدي. ومن هؤلاء من أمعن في الاحتجاج به حتى قدمه على المسند كصاحب التنقيح وغيره تبعا لابن أبان.
الثاني: عدم قبول المرسل مطلقا: وإلى ذلك ذهب الشافعي وأحمد في إحدى =стр. 343
نرضى من لا نعرف عدالته، ولا نقطع بعدم صحته، لأننا لم نطلع على المُرْسِل عنه، فقد يكون عدلًا، فتركنا الأخذ به، غير قاطعين بضعفه، إذ لا يلزم من عدم علمنا بحاله لزوم ضعف الخبر، ولا ترجيح العدالة. وَلمَّا استوى ذلك، تركنا الأخذ لعدم تيقن العدالة، وبالله تعالى التوفيق، ولأننا على يقين من أن الله تعالى لا يضيع شيئًا من دينه تضييعًا لا يُوجد أبدًا إلا من طريق مَنْ لا تُعرف عدالته، وبالله تعالى التوفيق (١) . الحواشي
(١) وبنحو هذا البيان رَدَّ ابن حزم المرسل، في الإحكام (ج ١/ ص ١٤٥) وقال: " .... ولا تقوم به حجة، لأنه عن مجهول، وقد قدمنا أن مَنْ جهلنا حاله، ففرض =стр. 344
الفَصْل السّابع: في احتجاج الحنيفيين بأخبار صحاح أو غير صحاح مموهين بإبدالها جرأة واستحلالًا وليس فيها شئ مما احتجوا بها فيه أو قد خالفوا نَصَّ ما فيها فهذا عظيمٌ جدًا ومجاهرة قبيحة وإيهام فاحش
قال أبو محمد:
احتجوا لمذهبهم الفاسد في أنه لا يجوز الوضوء، ولا الغسل بماء قد تَؤَضَّأَ فيه مُسلم، أو اغتسل به مسلم، بالخبر الثابت عن رسول الله في "أن لا يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة" (١) . وروي في هذا الخبر زيادة لم يُسَمَّ الذي رواها: "ولا تتوضأ المرأة بفضل طهور الرجل" (٢) ، وهم الحواشي
(١) أخرجه الطيالسي في مسنده برقم ١٢٥٢، ومن طريقه: أبو داود في الطهارة، باب الوضوء بفضل وضوء المرأة برقم ٨٢، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في كراهية فضل طهور المرأة برقم ٦٤ وحسنه، والنسائي في الصغرى كتاب الطهارة، باب النهي عن فضل وضوء المرأة (ج ١/ ص ١٧٩)، وابن ماجه في الطهارة باب النهي عن ذلك برقم ٣٧٣ و ٣٧٤، وابن حزم في المحلى (ج ١/ ص ٢١٢) عن الحكم بن عمرو، هو الأقرع. الغفاري. وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة في المصنف، حديث رقم ٣٥٤. وأحمد في المسند برقم ٢٠٥٣٣. قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل (ج ١/ ص ٤٤): "وإسناده صحيح، وأعله بعض الأئمة بما لا يقدح".(٢) هذه الزيادة أخرجها أبو داود في الطهارة، باب النهي عن ذلك. يعني عن اغتسال =стр. 345
يجيزون للرجل أن يتوضأ للصلاة، ويغتسل من الجنابة بفضل وضوء المرأة للصلاة: وبفضل غسلها من الجنابة، ويجيزون كل ذلك للمرأة بفضل طهور الرجل، فخالفوا أمر رسول الله في نص هذا الخبر (١) .
قال أبو محمد: وقد أفسدوا (٢) -ولله الحمد- ما احتجوا به في الباطل الذي ليس منه في الخبر أثر، ولا إشارة، ولا مدخل بوجه من الوجوه، وفضل الطهور بيقين هو غير الطهور، لِأَنَّ، الطهور هو الماء الذي استعمل في الطهور، والفضل هو الذي بقي عَنْه في الإناء، فاعجبوا لهذه العظائم واسألوا الله العافية.
واحتجوا بالخبر الساقط من طريق ابن جريج (٣) عن الحواشي
(١) في الوضوء بماء مستعمل في الوضوء عن أبي حنيفة روايات: فقد روي عنه أن الماء نجس نجاسة غليظة. وقال أبو يوسف: هو نجس نجاسة خفيفة، وهو رواية عن أبي حنيفة، وروى محمد عن أبي حنيفة وهو قوله أنه طاهر غير طهور. وانظر: المبسوط (ج ١/ ص ٤٦) والمجموع للنووي (ج ١/ ص ١٥١) والمغني لابن قدامة (ج ١/ ص ١٦) وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ٢٤).(٢) غير واضحة في النُّسخة التونسية واستظهرت منها ما أثبته والله أعلم.(٣) هو الفقيه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. بضم أوله- أبو الوليد وأبو خالد، عن ابن أبي مليكة مرسلًا وعن طاووس ومجاهد ونافع وخلق، وَرَوَى عنه يحيي بن سعيد الأنصاري، والأوزاعي والسفيانان، كان فقيها قارئا عالما بالشعر والنسب ثقة، ربما دلس. أخرج =стр. 346
أبيه (١) أن النبي ﷺ قال: "الوضوء من القيء، وإن كان قلسًا يَقْلِسُه أحدكم، فليتوضأ، وأمر بالبناء في الصلاة على ما صلى" (٢) .
ومن طريق إسماعيل بن عياش (٣) عن ابن جريج عن أبيه عن ابن أبي مليكة (٤) عن عائشة أن رسول الله قال: "إذا قاء أحدكم، أو قلس فليتوضأ، وَلْيَبْنِ على ما مضى، ما لم يتكلم" (٥) . الحواشي
(١) هو عبد العزيز بن جريج المكي، روى عن عائشة، قال العجلي: "لم يسمع منها"، وعنه ابنه عبد الملك، قال البخاري: "لا يتابع في حديثه". وذكره ابن حبان في الثقات. وأخطأ خصيف فصرح بسماعه من عائشة. أخرج له الأربعة. ولم أقف على وفاته. انظر: تهذيب التهذيب (ج ٣/ ص ٤٥٨) وتقريب التهذيب (ص ٣٥٦) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٢٣٩).(٢) أخرجه الدارقطني في الطهارة، باب في الوضوء من الخارج من البدن (ج ١/ ص ١٥٤) بلفظ: "إذا قاء أحدكم في صلاته أو قلس، فلينصرف فليتوضأ، وليبن على صلاته ما لم يتكلم".(٣) هو إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي أبو عتبة الحمصي. روى عن شرحبيل بن مسلم، وتميم بن عطية، وزيد بن أسلم وخلق، وعنه الثوري والأعمش وأبو اليمان وأمم، وثقه أحمد وابن معين ودحيم والبخاري وابن عدي في أهل الشام، وضعفوه في غيرهم. توفي سنة ١٨١ هـ. أخرج له الأربعة. انظر: التاريخ الكبير للبخاري (ج ١/ ص ٣٦٩) والكامل لابن عدي (ج ١/ ص ٢٨٨) وميزان الاعتدال (ج ١/ ص ٢٤٠).(٤) هو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة القرشي المكي أبو بكر، روى عن عائشة وأم سلمة وأسماء وابن عباس وأدرك ثلاثين من الصحابة، روى عنه ابنه يحيي وعطاء وعمرو بن دينار وثقه أبو حاتم وأبو زرعة مات سنة ١١٧ هـ. أخرج له الستة. انظر: التاريخ الكبير (ج ٣/ ص ١٣٧) والثقات (ج ٥/ ص ٢) وخلاصة تذهيب التهذيب (ص ٢٠٥).(٥) تقدم تخريجه (ص ٣١٩).стр. 347
ومن طريق يعيش بن الوليد (١) عن خالد بن مَعْدان (٢) عن أبي الدرداء قال: "استقاء رسول الله وأفطر، وأتي بماء فتوضأ" (٣) فقالوا: لا وضوء من القيء ولا من قَلَسٍ (٤) إلا أن يكونا ملء الفم (٥) ، وهذا خلافٌ للأخبار التي احتجوا بها على سقوطها كلها. ثم أمروا بالبناء الحواشي
(١) هو يعيش بن الوليد بن هشام الأموي المعيطي، نزيل الجزيرة، روى عن أبيه ومعاوية وعنه يحيى بن أبي كثير والأوزاعي، قال العجلي والنسائي: "ثقة". ووثقه أيضا ابن حبان.
أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي. لم أقف على وفاته. انظر: تهذيب التهذيب (ج ٦/ ص ٢٥٦) وتقريب التهذيب (ص ٦١٠) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٤٤٢).(٢) خالد بن معدان. بفتح أوله وسكون ثانيه. الكلاعي أبو عبد الله الحمصي، عن جماعة من الصحابة مرسلا، وعن معاوية وطائفة. وعنه محمد بن إبراهيم التيمي، ثقة عابد يدلس كثيرا. أخرج له الستة. توفي سنة ١٠٣ هـ. وقيل غير ذلك. انظر: الكاشف (ج ١/ ص ٢٠٨) وتقريب التهذيب (ص ١٩٠) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ١٠٣).(٣) أخرجه أبو داود في الصوم باب الصائم يستقيء عامدا برقم ٢٣٨١، والترمذي في الوضوء باب ما جاء في الوضوء من القيء والرعاف برقم ٨٧، والدارقطني في الطهارة باب في الوضوء من الخارج من البدن (ج ١/ ص ١٥٨)، والبيهقي في الكبرى (ج ١/ ص ١٤٤)، والحاكم في المستدرك في الصوم برقم ١٥٥٣ وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين". وابن الجارود في المنتقى برقم ٨. عن يعيش عن أبيه عن معدان بن أبي طلحة. قال الزيلعي في نصب الراية (ج ١/ ص ٤١): " ..... وأعله الخصم باضطراب وقع فيه، فإن معمرا رواه عن يحيى بن أبي كثير عن يعيش عن خالد بن معدان عن أبي الدرداء، ولم يذكر فيه الأوزاعي، وأجيب بأن اضطراب بعض الرواة لا يؤثر في ضبط غيره". قلت: ومن هذا الطريق المضطرب ذكره المصنف هنا.(٤) القلس: ما خرج من الحلق ملء الفم، أو دونه، وليس بقيء، فإن عاد فهو قيء. وانظر: القاموس المحيط مادة قلس(٧٣١) .(٥) ينقض الوضوء عند الحنفية بالقيء الذي يكون ملء الفم، وإذا لم يكن كذلك لم ينتقض الوضوء، قالوا: ولا فرق بين أن يكون القيء طعاما، أو ماء صافيا، أو مرة صفراء أو =стр. 348
من الحدث -البول والغائط والريح- وإنه قَلَّ كل ذلك في الصلاة، وليس هذا في الخبر أصْلًا، فَخَالَفُوه فيما فيه، واحتجوا به فيما ليس فيه منه أثرٌ.
ثم فرقوا بين سهو الحدث وغلبته، فرأوا البناء في غلبته، لا في سهوه، وكلاهما ينقض الوضوء، وهذا كما ترون، ثم فرقوا بين غلبة الحدث -كما ترى- وبين من نام في صلاته، فأحدث فلم يجيزوا له البناء عليها أصلًا، وفرقوا بين القليل من بعض الأحداث، وبين القليل من بعضها (١) .
واحتجوا أيضًا في مذهبهم الفاسد الذي ذكرناه آنفًا - من أنه لا يجزئ الوضوء بماء قد توضأ به مسلم، أو اغتسل به من الجنابة مسلمٌ طاهر الأعضاء كلها، بالخبر الثابت عن رسول الله ﷺ في نهيه الجنب عن أن يغتسل في الماء الدائم (٢) . الحواشي
(١) انظر تفاصيل هذه المسائل في: المبسوط (ج ١/ ص ٧٩ و ٨٣)، وتبيين الحقائق (ج ١/ ص ١٤٦) وبدائع الصنائع (ج ١/ ص ٢٢٠) وأسرف المؤلف في المحلى (ج ١/ ص ٢٥٧) في رد قول أبي حنيفة في التفرقة بين قليل بعض هذه الأحداث، وكثيرها، فقال: " .... مثل هذا لا يقبل -ولا كرامة- إلا من رسول الله ﷺ المبلغ عن خالقنا ورازقنا تعالى أمره، ونهيه، وأما من أحد دونه، فهو هذيان وتخليط كتخليط المبرسم، وأقوال مقطوع على أنه لم يقلها أحد قبل أبي حنيفة، ولم يؤيدها معقول، ولا نص، ولا قياس ..... ".(٢) يشير المؤلف إلى حديث أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه". أخرجه البخاري في الوضوء. باب البول في الماء الدائم برقم ٢٣٩: ومسلم في الطهارة، باب النهي عن البول في الماء الراكد (ج ١/ ص ١٨٧)، والترمذي في الطهارة باب ما جاء في كراهية البول في الماء الراكد برقم ٦٨، وابن ماجه في الطهارة باب النهي عن البول في الماء الراكد برقم ٣٤٤، والدارمي في الطهارة باب الوضوء من الماء الراكد برقم ٧٣١.стр. 349
وكلُّ ذي مسكة من عقلٍ يدري أنه ليس في هذا الخبر من ذلك أثر، ولا دليل.
فقالوا: إنما نهى رسول الله عن ذلك لئلا يصير ماء مستعملًا، فقلنا: وَمَنْ أنباكم هذا، وما قال قَطُّ مسلمٌ أن رسول الله قال إنما نهيت عن ذلك خوف أن يصير الماء مستعملًا، ولا قال ذلك قط أحد من الصحابة، وهذا منكم كذب بَحْتٌ إن قطعتم به على رسول الله، وتقويل له ما لم يقل، وقد أخبر ﵇ أَنَّ مَنْ كذب عليه، أو تَقَوَّلَ عليه ما لم يقل ولج النار (١) .
فإن لم تقطعوا به، فهو حكمُ بالظن منكم، وقد قال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: من الآية ٢٨] وصح عنه ﵇ من طريق مالك عن أبي الزناد (٢) عن الأعرج (٣) عن الحواشي
(١) أخرجه البخارى في العلم، باب إثم من كذب على النبي ﷺ . برقم ١٠٦. وابن ماجه في مقدمة السنن برقم ٣١، والدارمي في مقدمة السنن برقم ٢٣٥ و ٢٣٦، وأحمد في المسند (ج ١/ ص ٦٥) والطيالسي في مسنده حديث رقم ٧٠ و ١٠٧.(٢) هو عبد الله بن ذكوان المدني أبو عبد الرحمن، وأبو الزناد لقب له، روى عن أنس وابن عمر وعمر بن أبي سلمة مرسلا، وعن الأعرج فأكثر، وابن المسيب، وعنه أمم كثيرون، انعقد الإجماع على توثيقه وجلالته، أخرج له الستة. توفي سنة ١٣١ هـ وقيل في التي قبلها. انظر: الجرح والتعديل (ج ٥/ ص ٤٩) وتهذيب تاريخ ابن عساكر (ج ٧/ ص ٣٨٥): وتهذيب التهذيب (ج ٥/ ص ٢٠٣) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ١٩٦).(٣) هو الحافظ المقرئ عبد الرحمن بن هرمز. والأعرج لقب له. الهاشمي المدني سمع أبا هريرة، وأبا سعيد الخدري وجماعة، وحدث عنه الزهري وأبو الزناد وآخرون، كان ثقة ثبتا عالما مقرئا نحويا، نسابة، مبرزا في القرآن والسنة، توفي سنة ١١٧ هـ. أخرج له الستة.
انظر: طبقات ابن سعد (ج ٥/ ص ٢٨٣)، والتاريخ الكبير (ج ٥/ ص ٣٦٠)، والأنساب (ج ١/ ص ٣١٢)، وتذكرة الحفاظ (ج ١/ ص ٩٧)، وطبقات الحفاظ (ص ٣٨).стр. 350
أبي هريرة قال ﵇: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث" (١) .
وقد عارضكم الشافعيون بظن كظنكم، فقالوا إنما نهى ﵇ عن ذلك، لئلا يخرج من إحليله شيء يُنَجِّسُ الماء (٢) ، فمن جعل دعواكم أو ظنكم أَوْلَى من دعوى غيركم أو ظنه؟
ثم إنكم في ذلك مُجاهرُون بالمحال البَحْت، لأنه لو كان النهي المذكور خوف أن يصير الماء مستعملًا لَمَا صح لأحد غُسل، ولا وضوء أبدًا، لأنَّه متى أخذ الماء وصبه على ذراعه، أو صدره، أو رأسه صار مستعملًا بيقين المشاهدة في الوقت، فَبَسْطُهُ على باقي العضو، يطهر بماء مُسْتَعْمِلٍ، فظهر بَرْدُ كذبكم، وغثاثةُ ظنكم، وفسادُ قولكم.
ثم تناقضوا من قريب، فقال محمد بن الحسن (٣) ، في الجنب الذي الحواشي
(١) أخرجه البخاري في الأدب، باب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ ... ﴾. برقم ٦٠٦٦. ومالك في الموطأ برقم ١٦٨٤ (ص ٦٠٦)، وأبو داود في الأدب، باب الظن برقم ٤٩١٧، والترمذي باب ما جاء في ظن السوء برقم ٢٠٥٥ وقال: "هذا حديث حسن صحيح".(٢) حكى المصنف في المحلى (ج ١/ ص ١٨٦) مذهب الشافعية في هذه المسألة، وفسره بنحو هذا التفسير.(٣) محمد بن الحسن الشيباني مولاهم الكوفي المنشأ القاضي، ولد بواسط. وسمع أبا حنيفة ومالك ابن مغول، وطائفة، ثم تفقه على أبي يوسف، وصف الكتب الكثيرة، وبث علم أبي حنيفة، وكان فصيحا من أذكياء العالم. توفي سنة ١٨٩ هـ. من تآليفه: الجامع الصغير والكبير. انظر ترجمته في: الجرح والتعديل (ج ٧/ ص ٢٢٧) وسير أعلام النبلاء (ج ٩/ ص ١٣٤) والفوائد البهية (ص ١٦٣).стр. 351
لا نجاسة على شيء من أعضائه ينغمس في البئر، ولا ينوي بذلك غُسل الجنابة أنه قد طهر من الجنابة، ولم يصر بذلك ماء البئر مستعملًا.
وقال أبو يوسف (١) : لا يطْهُرُ بذلك، ولا يصير الماء مستعملًا (٢) .
وهم لا يختلفون في أنَّ مَنْ مس الماءُ جسده كلَّه لا ينوي بذلك طُهْرًا أنه قد طهر وأجزأه (٣) .
فترك أبو يوسف ههنا هذا الأصل تناقضًا منه، ولا يختلفون في أن الماء المتطهر به مستعمل لا يحل الوضوء به ولا الغسل. الحواشي
(١) هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري أبو يوسف القاضي، سمع أبا إسحاق الشيباني وسليمان التيمي ويحي الأنصاري وتلك الطبقة، وجالس ابن أبي ليلى وأبا حنيفة، وغلب عليه ولزمه، وكان فقيها عالما حافظا، تولى القضاء لثلاثة من الخلفاء. من تآليفه: "الأمالي". توفي سنة ١٨٢ هـ.
انظر ترجمته في: تاريخ بغداد (ج ١٤/ ص ٢٤٢ - ٢٤٣) والانتقاء لابن عبد البر (ص ١٧٢) ووفيات الأعيان (ج ٦/ ص ٣٧٨ - ٣٩٠) وتاج التراجم (ص ٣١٥ - ٣١٦).(٢) تعرف هذه المسألة التي ذكرها المؤلف هُنا بمسألة البئر، والحنفيون يقولون فيها: "ومسألة البئر جحط". يشيرون بالجيم إلى ما قال أبو حنيفة أن الرجل والماء نجسان، وبالحاء إلى ما قال أبو يوسف أنهما بحالهما، وبالطاء إلى ما قال محمد بن الحسن من طهارتهما.
وانظر توجيه كل قول ورواية في: تبيين الحقائق (ج ١/ ص ٢٥) ورد المحتار لابن عابدين (ج ١/ ص ١٣٤).
وشفع المؤلف في المحلى (ج ١/ ص ١٨٥) على أقوال أبي حنيفة وصاحبيه في هذه المسألة أشد تشنيع وقال: "وهذه أقوال هي إلى الهوس أقرب منها الى ما يعقل" وهذا من إسرافه ﵀.(٣) انظر: تبيين الحقائق (ج ١/ ص ٢٣) والمحلى (ج ١/ ص ٧٣ - ٧٤) حيث عد الحنفية النية سنة، في الغسل والوضوء،стр. 352
وقد جعل محمد بن الحسن -ههنا- الماء المتطهر به المزيل لحكم الجنابة غير مستعمل، فترك هذا الأصل أيضًا تناقضًا منه.
فإن قالوا: فلأي شيء نهى النبي ﷺ عن اغتسال الجنب في الماء الدائم؟ قلنا: لأن الله تعالى أوحى إليه بذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]، ولا يسأل مُسْلِمٌ ربه تعالى لِمَ أمرت بهذا؟ قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. نهى عن ذلك كما نهى عن الخنزير والدم، ليبلوكم أيكم أحسن عملًا (١) ، وليجزي المطيع بالجنة، والعاصي بما هو أهله ولا مزيد.
واحتجوا أيْضا لهذا المذهب الفاسد بما روي عن رسول الله ﷺ في تحريمه الصدقة على بني هاشم، وروي أنه قال: "يا بني عبد المطلب إن الله كره لكم غُسالة أيدي الناس" (٢) . يعني الزكوات.
قال أبو محمد: فكان هذا عجبًا. ودليلًا على قلة حياء المحتج بهذا الحواشي
(١) وذلك في قوله تعالى في سورة المائدة الآية رقم ٣: "حرمت عليكم الميتة، والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به".(٢) أخرجه مسلم في الزكاة، باب تحريم الزكاة على رسول الله ﷺ (ج ٧/ ص ١٨١) في حديث طويل من رواية عبد المطلب بن ربيعة مرفوعا، ولفظه: "إن هذه الصدقات، إنما هي أوساخ الناس، وأنها لا تَحِلُّ لمحمد، ولا لآل محمد". وأخرجه الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد عن ابن عباس وفيه: "إنه لا يحل لكم أهل البيت من الصَّدقات شيء إنما هي غسالة الأيدي، وإن لكم في خمس الخمس لما يغنيكم".
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج ٣/ ص ٩١): "وفيه حسين بن قيس الملقب بحنش، وفيه كلام كثير، وقد وثقه أبو محصن".стр. 353
في تحريمه الماء المتوضأ به، أو المغتسل به، وعلى فساد دينه -ونعوذ بالله من البلاء- من وجوه:
أحدها: أنَّهم مقرون بأن هذا الحكم لا يتعدى بني عبد المطلب إلى غيرهم، ثم احتجوا به في مَنْعِ جميع أهل الإسلام من الماء المتوضأ به، أو المغتسل به من الجنابة.
وثانيها: أَنَّ غُسالة (١) أيدي الناس عندهم حلال لبني عبد المطلب، الوضوء بها للصلاة، والغسل منها للجنابة، وشربها، وهذا خلافٌ مجردٌ للخبر الذي احتجوا به تمويهًا، وإيهامًا وغِشًا للضعفاء المغترين بهم.
وثالثها: أنَّ غُسالة أيدي الناس عندهم حلال لكل مُسْلم شُرْبُه، والوضوءُ به للصلاة، والغُسل به للجنابة، وإنما تحرم عندهم إذا نوى بذلك الوضوء للصلاة أو غسل الجنابة، بعد أن يستوعب بالغُسل جميع بدنه، لا بعضه، وليس في الخبر المذكور من هذا كله أثر، ولا إشارة ولا معنى، ونعوذ بالله من الضلال.
واحتجوا أيضًا في ذلك بما رُوي عن عمر أنه قاله لأسلم (٢) مولاه: "أرأيت لو توضأ إنسان بماء، أكنت شاربه". وهذا لا يصح عن الحواشي
(١) غسالة كل شيء بالضم: ماؤه الذي يغسل به، وما يخرج منه بالغسل. انظر القاموس المحيط مادة غسل (ص ١٣٤٢).(٢) أسلم مولى عمر من سبي عين التمر، وقيل حبشي مخضرم، روى عن أبي بكر الصديق، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وروى عنه ابنه زيد بن مسلم. قال أبو زرعة: "ثقة". توفي سنة ٨٠ هـ. أخرج له الستة. انظر: طبقات ابن سعد (ج ٥/ ص ١٠) وتاريخ البخاري (ج ٢/ ص ٢٣) وتقريب التهذيب (ص ١٠٤) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ٣١).стр. 354
عمر أصلًا، وإنما هو خبر رويناه عن مالك عن زيد بن أسلم (١) عن أبيه قال: "قال لي عبد الله بن الأرقم (٢) : "أدللني على بعير من المطايا، أستحمل عليه أمير المؤمنين". فقلت: نعم، جمل من الصدقة، قال: فقال لي عبد الله بن الأرقم: "أتحب لو أن رجلًا باديًا في يوم حَارٍّ غسل لك ما تحت إزاره، ورُفغه ثم أعطاكه، فشربته إنما الصدقة أوساخ الناس، يغسلونها عنهم" (٣) .
ثم لَوْ صَحَّ عن عمر ما ذُكر، لما كان فيه حجة، وقد خالفوه لأنهم في أحد قَوْلَيْهمْ يبيحون شرب الماء الذي تُوضئ، أو اغتُسل به من جنابة، وهذا خلاف ما ذكروا عن عمر، لأن عمر لم ينه في الخبر المذكور عن الوضوء، مما قد تُوضئ به، ولا عن الغسل للجنابة به، إنما كره شربه، وقد يُتَوضَّأُ بما لا يُشرب كماء البحر، وماءٍ وقع فيه سُم، فيتوضأ الصائم بالماء، ولا يحل له شربه، فظهر فساد ما يأتون الحواشي
(١) زيد بن أسلم أبو عبد الله العمري المدني الفقيه، روى عن مولاه ابن عمر، وعطاء بن يسار، وعلي بن الحسين، وعنه مالك، وهشام بن سعد والسفيانان وخلق، وثقه غير واحد، ووصفوه بالإتقان، توفي سنة ١٣٦ هـ. أخرج له الجماعة. انظر: تاريخ البخاري (ج ٣/ ص ٢٨٧) والجرح والتعديل (ج ٣/ ص ٥٥) وطبقات علماء الحديث (ج ١/ ص ٢١٠ - ٢١١).(٢) عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث بن وهب الزهري من مسلمة الفتح، كتب للنبي ﷺ ولأبي بكر وعمر، له أحاديث، روى عنه أسلم العدوي، وعروة. أخرج له الأربعة. وانظر: تجريد أسماء الصحابة (ج ١/ ص ٢٩٦) وتهذيب التهذيب (ج ٣/ ص ٩٨) وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص ١٩١).(٣) لم أجده فيما بين يدي من مصادر.стр. 355
به، وما توفيقنا إلا بالله تعالى، وأيضًا فَعُمَرُ وابن الأرقم ليسا ممن تحرم عليهما الصدقة المبتدأة، ولا حظ لهما في سبيل الله تعالى منها لو أُعطياه.
واحتجوا لمذهبهم الفاسد في أن الماء يحرم شربه والتطهر به، وَيَتَنَجَّسُ بما حل فيه من النجاسات، وإن لم يظهر لها فيه أثر - بالآثار الثابتة عن رسول الله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، أن يُغسل سَبْعَ مرات، أولاهن بالتراب" (١) ، و "إذا استيقظ أحدكم الحواشي
(١) أخرجه البخاري في الوضوء باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان .... برقم ١٧٢ ومسلم في الطهارة باب حكم ولوغ الكلب (ج ١/ ص ١٨٣) ومالك في الموطأ برقم ٣٥. والنسائي في الصغرى باب تعفير الإناء الذي ولغ فيه الكلب بالتراب (ج ١/ ص ٥٤) وابن ماجه في الطهارة، باب غسل الإناء من ولوغ الكلب برقم ٣٦٣، والترمذي في الطهارة باب ما جاء في سؤر الكلب حديث رقم ٩١، عن أبي هريرة قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا". قال الحافظ في الفتح (ج ١/ ص ٢٧٥): " .... واختلف الرواة عن ابن سيرين في محل غسلة التتريب فلمسلم وغيره من طريق هشام بن حسان عنه: "أولاهن"، وهي رواية الأكثر عن ابن سيرين، وكذا في رواية أبي رافع المذكورة، واختلف عن قتادة عن ابن سيرين فقال سعيد بن بشير عنه: "أولاهن" أيضا أخرجه الدارقطني: وقال أبان عن قتادة: "السابعة"، أخرجه أبو داود وللشافعي عن سفيان عن أيوب عن ابن سيرين: "أولاهن أو إحداهن" وفي رواية السدي عن البزار: "إحداهن"، وكذا في رواية هشام بن عروة عن أبي الزناد عنه، فطريق الجمع بين هذه الروايات أن يقال: إحداهن مبهمة، وأولاهن والسابعة معينة، و"أو" إن كانت في نفس الخبر فهي للتخيير فمقتضى حمل المطلق على المقيد أن يحمل على أحدهما، لأن فيه زيادة على الرواية المعينة .... وإن كانت "أو شكا من الراوي، فرواية مَنْ عين ومن لم يشك أولى من رواية من أبهم أو شك، فيبقى النظر في الترجيح بين رواية أولاهن، ورواية السابعة، ورواية أولاهن أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية ومن حيث المعنى أيضا، لأن تتريب الأخيرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه .... ".следующие страницы →