← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 33

الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس

ابن حزم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وروينا اللفظَ الثاني من طريق أبي داود عن موسى بن إسماعيل (١)، حدثنا حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند (٢) وحبيب (٣) المعلم كلاهما عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ (٤). واحتجوا بمرسل في إذا اختلف المتبايعان (٥).

стр. 317

وردوا مرسل الزهري (١): "مضت السنة من رسول الله وأبي بكر وعمر أن لا تقبل شهادة النساء في الطلاق والعتاق" (٢)، فَخَالَفُوهُ وقالوا: هذا مرسل، ولم يعيبوه بغير الإرسال. واحتجوا بمرسلِ كذَّابٍ في الشاهد يرجع يؤخذ بأول قوله (٣)، وقد رُوي هذا الخبر نفسه: "خذوا بآخر قوله".

стр. 318

واحتجوا بمرسل: "لا تنكح الأمة على الحرة" (١). وردوا الخبر الثابت المسند عن رسول الله من طريق أبي موسى: "لا نكاح إلا بولي" (٢)، ولم يتعللوا فيه إلا أن

стр. 319

سفيان (١) أرسله، وقد أسنده شعبة (٢). واحتجوا بمرسل في تجديد النكاح الفاسد (٣)، وردوا مرسلًا من أحسن المراسيل: "آمِرُوا النساء في بناتهن" (٤) فعابوه بالإرسال.

стр. 320

واحتجوا بمرسل في القسمة: للزوجة الحرة ليلتان، وللزوجة الأمة ليلة (١)، وردوا أخبارًا مرسلة في إيجاب كفارة على واطئ الحائض دينارًا، أو نصف دينار (٢). واحتجوا بمرسلين ساقطين في أن لا لعان بين زوجين: أحدهما

стр. 321

مملوكأ وكافر (١)، وردوا مثلهما سواء في خَرْصِ العنب في الزكاة (٢) وعابوهما بالإرسال.

стр. 322

واحتجوا بمرسل في أنَّ رسول الله كره في الخلع أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها (١). وردوا المرسل فيما "يعوض من الغرة في الجنين عبد، أو أمة، أو فرس أو مائة من الشاء، أو عشر من الإبل". وروي أيضًا: "أو مائة وعشرون من الشياه، أو عشرون من الإبل". ولم يعيبوه إلا بالإرسال (٢).

стр. 323

وقلَّدوا روايةً فاسدة عن عُمرَ وعلي، قد جاء عن علي خلافها (١). وردوا المرسل أن مَنْ نذر أن ينحر نفسه فعليه مائة من الإبل إِنْ أَطَاقَهَا (٢)، وعابوه بالإرسال.

стр. 324

واحتجوا بمرسل في إيجاب الحضانة للخالة (١). وردوا مرسلًا من أحسن المراسيل في أن دية العمد على عاقلة القاتل (٢)، فعابوه بالإرسال فيه. واحتجوا في أن لا يباع أحد الأخوين دون الآخر بمرسل وضعيف (٣).

стр. 325

وردوا مرسلات في صفة الدية في عمد الخطأ (١)، وَعَابُوهَا بالإرسال. واحتجوا بمرسل عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ : "لا يقاد عبد من سيده". ثم خالفوه نفسه في أنه ﵇ جلده مائة ونفاه سنة، ومحا سهمه (٢) من المسلمين (٣)، وعابوه بالإرسال.

стр. 326

وردوا رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ في اليد الشلاء والسن السوداء نصف الدية (١). واحتجوا بمرسل في "أنَّ في الأذنين الدية" (٢)، وردوا المرسل: "من ضُرب على صلبه، فلم يولد لَهُ، فَلَهُ الدية" (٣)، وعابوه بالإرسال. واحتجوا بمرسل مكحول (٤)، ورواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن

стр. 327

جده عن النبي ﷺ "في الذكر الدية، وفي الأنثيين الدية " (١). وردوا المرسلَ، وروايةَ عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أَنَّ النبي أعتق بالمُثلة على الممثل، ولم يجعل له ولاء (٢).

стр. 328

واحتجوا بأرذل ما يكون من المراسيل في "أَنْ لا قَوَدَ في شلل، ولا عرج، ولا كسر، ولا مأمومة ولا جائفة ولا منقلة" (١). وردوا المرسل في "أن دية المجوسي ثمانمائة درهم" (٢) ولم يعيبوه إلا بالإرسال.

стр. 329

وأخذوا بمرسل: "لم يقض رسول الله فيما دون الموضحة" (١)، وردوا المرسل: "لم يقض رسول الله إلا في ثلاث: الموضحة، والآمة، والمنقلة" (٢)، ولم يعيبوه إلا بالإرسال.

стр. 330

واحتجوا بمرسل في تأخير القود (١). وردوا المرسل: "لا تحمل العاقلة إلا ثلث الدية فصاعدًا" (٢)، وعابوه بالإرسال. واحتجوا بمرسل في القسامة (٣). وخالفوا مرسلًا من أحسن المراسيل "فيمن حبس إنسانًا لآخر، حتى

стр. 331

قتله، فإنه يقتل القاتل، ويحبس الحابس" (١). فلم يعيبوه إلا بالإرسال. واحتجوا بمرسلين خَسِيسَينْ ضعيفين في التحريم بالوطء المحرم من الزنا (٢)، وعَارَضَهُمَا خبرٌ مخالف لهما بإباحة ذلك (٣)، فقالوا:

стр. 332

الحاظر أولى من المبيح. وخالفوا مُرسلات في تحريم الذَّهب على النساء (١)، وقد قال بِها طائفة من الصحابة. وقال الحنيفيون: قد جاءت مسندات بإباحة ذلك لهن (٢)، فقلنا:

стр. 333

سبحان الله ألم تقولوا: إن الحاظر أولى من المبيح، وأن المرسل والمسند سواء، فما هذا التلاعب بالدين؟ ! ! واحتجوا برواية بقية (١) -وهو ضعيف- عن يزيد بن خالد (٢) -وهو مثله- عن يزيد بن محمد (٣) -وهو مثلهما- قال عمر بن عبد العزيز (٤)

стр. 334

قال تميم الداري (١): قال رسول الله ﷺ : "الوضوء من كل دم سائل" (٢)، وهذا منقطع فاحش، لأن عمر بن عبد العزيز لم يولد إلا بعد موت تميم بدهر طويل. وخالفوا المرسل الذي رويناه من طريق عبد الرزاق (٣) عن

стр. 335

معمر (١) عن ابن أبي نجيح (٢) عن مجاهد: "أن رسول الله قضى في الصلب إذا كسر، فذهب ماؤه الدية كاملة، فإن ذهب الماء، فنصف الدية" (٣). وروي مِثْلُهُ عن أبي بكر وعمر (٤)، فخالفوه وقالوا: هذا مرسل. وخالفوا المرسل المشهور في أنه "لا يحل بيع الطعام حتى يقبض، ولا بأس بالتوْلية والإقالة، والشركة فيه قبل القبض" (٥)، ولم يعيبوه إلا بالإرسال.

стр. 336

وخالفوا مراسيل فيها: لا ميراث للعمة ولا للخالة، وإن لم يترك غيرهما (١)، وعابوها بالإرسال. وخالفوا المرسل المشهور: "ما أدرك من قسمة الكفار، الإسلامُ لم يقتسم، هو على الإسلام" (٢)، ولم يعيبوه إلا بالإرسال. وخالفوا ما رويناه من طريق أبي داود حدثنا أبو بكر (٣) -صاحب لنا

стр. 337

ثقة- حدثنا شيبان (١) حدثنا محمد بن راشد (٢) عن سليمان بن موسى (٣) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "قضى رسول الله ﷺ على أهل البقر مائتي بقرة، ومن كان مثله في الشياه، فَأَلْفَا شاة .... وذكر باقي الخبر .... " (٤).

стр. 338

ومن طريق حماد بن سعيد (١) حدثنا محمد بن إسحاق (٢) عن عطاء بن أبي رباح (٣): "أن رسول الله ﷺ قضى بالدية على أهل الإبل: مائة بعير، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وعلى أهل البقر مائتي بقرة ... " (٤). وذكر باقي الحديث.

стр. 339

ومن طريق سعيد بن منصور (١) حدثنا هشيم (٢) أخبرنا محمد بن إسحاق، سمعت عطاء بن أبي رباح يحدث أن رسول الله ﷺ : "فرض الدية في أموال المسلمين، فجعلها في الإبل مائة بعير، وفي البقر مائتي بقرة، وفي الغنم ألفي شاة" (٣). وذكر الخبر، فعابوه بالإرسال. وردوا المرسل المشهور في غسل الذكر، والأنثيين من المذي (٤)، ولم

стр. 340

يعيبوه إلا بالإرسال. وخالفوا المرسل في الوضوء مِنْ مَسِّ الرُّفْغَينْ والأنثيين (١)، ولم يعيبوه إلا بالإرسال. وردوا المرسل في أن النبي طهر لُمعة من جسده بماء عصره من شعره من غسل الجنابة (٢)، وعَابُوهُ بالإرسال.

стр. 341

وردوا المرسل في أن النبي ودى حربيًا قتل في الشهر الحرام (١)، ولم يعيبوه إلا بالإرسال. وردوا المرسل في تغليظ الدية في الجار، وفي الشهر الحرام (٢)، ولم يعيبوه إلا بالإرسال. وردوا المرسل الجيد في حمى الزرع غَلْوة (٣) بسهم من كل جانب، ولم يعيبوه إلا بالإرسال. وردوا المرسل في أن حريم البئر العادية خمسون ذراعًا، والمُحدثة خمسة وعشرون ذراعًا (٤)، ولم يعيبوه إلا بالإرسال.

стр. 342

قال أبو محمد: لو تتبعنا ما تناقضوا فيه في هذا الباب لَكثُرَ جدًّا، وفيما ذكرنا كفاية لمن وفقه الله تعالى لِنُصْح نفسه، وأسانيد الأخبار المذكورة قد أوردناها بحمد الله تعالى في كتابنا الكبير المَوْسُوم بِـ "الإيصال" وهي كلها مشهورة عند أهل العلم بالآثار. وإعلانهُم في جميع كتبهم بأن المرسل كالمسند، أشهر من أن يخفى على مَنْ عَرَفَ شيئًا من مذاهبهم (١)، ففضحنا تمويههم بذلك، وأنهم لا يلتفتون إلى مسند، ولا مرسل، ولا نص قرآن، ولا قول صاحب، ولا قياس، وإنَّما هو تقليد أبي حنيفة فقط. قال أبو محمد: والحق في هذا الباب هو أن كل خبر لم يأت قط إلا مرسلًا، فإنه لا يحل الأخذ به أصلًا، لأننا لا ندري عمن رواه، ولا

стр. 343

نرضى من لا نعرف عدالته، ولا نقطع بعدم صحته، لأننا لم نطلع على المُرْسِل عنه، فقد يكون عدلًا، فتركنا الأخذ به، غير قاطعين بضعفه، إذ لا يلزم من عدم علمنا بحاله لزوم ضعف الخبر، ولا ترجيح العدالة. وَلمَّا استوى ذلك، تركنا الأخذ لعدم تيقن العدالة، وبالله تعالى التوفيق، ولأننا على يقين من أن الله تعالى لا يضيع شيئًا من دينه تضييعًا لا يُوجد أبدًا إلا من طريق مَنْ لا تُعرف عدالته، وبالله تعالى التوفيق (١).

стр. 344

الفَصْل السّابع: في احتجاج الحنيفيين بأخبار صحاح أو غير صحاح مموهين بإبدالها جرأة واستحلالًا وليس فيها شئ مما احتجوا بها فيه أو قد خالفوا نَصَّ ما فيها فهذا عظيمٌ جدًا ومجاهرة قبيحة وإيهام فاحش قال أبو محمد: احتجوا لمذهبهم الفاسد في أنه لا يجوز الوضوء، ولا الغسل بماء قد تَؤَضَّأَ فيه مُسلم، أو اغتسل به مسلم، بالخبر الثابت عن رسول الله في "أن لا يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة" (١). وروي في هذا الخبر زيادة لم يُسَمَّ الذي رواها: "ولا تتوضأ المرأة بفضل طهور الرجل" (٢)، وهم

стр. 345

يجيزون للرجل أن يتوضأ للصلاة، ويغتسل من الجنابة بفضل وضوء المرأة للصلاة: وبفضل غسلها من الجنابة، ويجيزون كل ذلك للمرأة بفضل طهور الرجل، فخالفوا أمر رسول الله في نص هذا الخبر (١). قال أبو محمد: وقد أفسدوا (٢) -ولله الحمد- ما احتجوا به في الباطل الذي ليس منه في الخبر أثر، ولا إشارة، ولا مدخل بوجه من الوجوه، وفضل الطهور بيقين هو غير الطهور، لِأَنَّ، الطهور هو الماء الذي استعمل في الطهور، والفضل هو الذي بقي عَنْه في الإناء، فاعجبوا لهذه العظائم واسألوا الله العافية. واحتجوا بالخبر الساقط من طريق ابن جريج (٣) عن

стр. 346

أبيه (١) أن النبي ﷺ قال: "الوضوء من القيء، وإن كان قلسًا يَقْلِسُه أحدكم، فليتوضأ، وأمر بالبناء في الصلاة على ما صلى" (٢). ومن طريق إسماعيل بن عياش (٣) عن ابن جريج عن أبيه عن ابن أبي مليكة (٤) عن عائشة أن رسول الله قال: "إذا قاء أحدكم، أو قلس فليتوضأ، وَلْيَبْنِ على ما مضى، ما لم يتكلم" (٥).

стр. 347

ومن طريق يعيش بن الوليد (١) عن خالد بن مَعْدان (٢) عن أبي الدرداء قال: "استقاء رسول الله وأفطر، وأتي بماء فتوضأ" (٣) فقالوا: لا وضوء من القيء ولا من قَلَسٍ (٤) إلا أن يكونا ملء الفم (٥)، وهذا خلافٌ للأخبار التي احتجوا بها على سقوطها كلها. ثم أمروا بالبناء

стр. 348

من الحدث -البول والغائط والريح- وإنه قَلَّ كل ذلك في الصلاة، وليس هذا في الخبر أصْلًا، فَخَالَفُوه فيما فيه، واحتجوا به فيما ليس فيه منه أثرٌ. ثم فرقوا بين سهو الحدث وغلبته، فرأوا البناء في غلبته، لا في سهوه، وكلاهما ينقض الوضوء، وهذا كما ترون، ثم فرقوا بين غلبة الحدث -كما ترى- وبين من نام في صلاته، فأحدث فلم يجيزوا له البناء عليها أصلًا، وفرقوا بين القليل من بعض الأحداث، وبين القليل من بعضها (١). واحتجوا أيضًا في مذهبهم الفاسد الذي ذكرناه آنفًا - من أنه لا يجزئ الوضوء بماء قد توضأ به مسلم، أو اغتسل به من الجنابة مسلمٌ طاهر الأعضاء كلها، بالخبر الثابت عن رسول الله ﷺ في نهيه الجنب عن أن يغتسل في الماء الدائم (٢).

стр. 349

وكلُّ ذي مسكة من عقلٍ يدري أنه ليس في هذا الخبر من ذلك أثر، ولا دليل. فقالوا: إنما نهى رسول الله عن ذلك لئلا يصير ماء مستعملًا، فقلنا: وَمَنْ أنباكم هذا، وما قال قَطُّ مسلمٌ أن رسول الله قال إنما نهيت عن ذلك خوف أن يصير الماء مستعملًا، ولا قال ذلك قط أحد من الصحابة، وهذا منكم كذب بَحْتٌ إن قطعتم به على رسول الله، وتقويل له ما لم يقل، وقد أخبر ﵇ أَنَّ مَنْ كذب عليه، أو تَقَوَّلَ عليه ما لم يقل ولج النار (١). فإن لم تقطعوا به، فهو حكمُ بالظن منكم، وقد قال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: من الآية ٢٨] وصح عنه ﵇ من طريق مالك عن أبي الزناد (٢) عن الأعرج (٣) عن

стр. 350

أبي هريرة قال ﵇: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث" (١). وقد عارضكم الشافعيون بظن كظنكم، فقالوا إنما نهى ﵇ عن ذلك، لئلا يخرج من إحليله شيء يُنَجِّسُ الماء (٢)، فمن جعل دعواكم أو ظنكم أَوْلَى من دعوى غيركم أو ظنه؟ ثم إنكم في ذلك مُجاهرُون بالمحال البَحْت، لأنه لو كان النهي المذكور خوف أن يصير الماء مستعملًا لَمَا صح لأحد غُسل، ولا وضوء أبدًا، لأنَّه متى أخذ الماء وصبه على ذراعه، أو صدره، أو رأسه صار مستعملًا بيقين المشاهدة في الوقت، فَبَسْطُهُ على باقي العضو، يطهر بماء مُسْتَعْمِلٍ، فظهر بَرْدُ كذبكم، وغثاثةُ ظنكم، وفسادُ قولكم. ثم تناقضوا من قريب، فقال محمد بن الحسن (٣)، في الجنب الذي

стр. 351

لا نجاسة على شيء من أعضائه ينغمس في البئر، ولا ينوي بذلك غُسل الجنابة أنه قد طهر من الجنابة، ولم يصر بذلك ماء البئر مستعملًا. وقال أبو يوسف (١): لا يطْهُرُ بذلك، ولا يصير الماء مستعملًا (٢). وهم لا يختلفون في أنَّ مَنْ مس الماءُ جسده كلَّه لا ينوي بذلك طُهْرًا أنه قد طهر وأجزأه (٣). فترك أبو يوسف ههنا هذا الأصل تناقضًا منه، ولا يختلفون في أن الماء المتطهر به مستعمل لا يحل الوضوء به ولا الغسل.

стр. 352

وقد جعل محمد بن الحسن -ههنا- الماء المتطهر به المزيل لحكم الجنابة غير مستعمل، فترك هذا الأصل أيضًا تناقضًا منه. فإن قالوا: فلأي شيء نهى النبي ﷺ عن اغتسال الجنب في الماء الدائم؟ قلنا: لأن الله تعالى أوحى إليه بذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]، ولا يسأل مُسْلِمٌ ربه تعالى لِمَ أمرت بهذا؟ قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. نهى عن ذلك كما نهى عن الخنزير والدم، ليبلوكم أيكم أحسن عملًا (١)، وليجزي المطيع بالجنة، والعاصي بما هو أهله ولا مزيد. واحتجوا أيْضا لهذا المذهب الفاسد بما روي عن رسول الله ﷺ في تحريمه الصدقة على بني هاشم، وروي أنه قال: "يا بني عبد المطلب إن الله كره لكم غُسالة أيدي الناس" (٢). يعني الزكوات. قال أبو محمد: فكان هذا عجبًا. ودليلًا على قلة حياء المحتج بهذا

стр. 353

في تحريمه الماء المتوضأ به، أو المغتسل به، وعلى فساد دينه -ونعوذ بالله من البلاء- من وجوه: أحدها: أنَّهم مقرون بأن هذا الحكم لا يتعدى بني عبد المطلب إلى غيرهم، ثم احتجوا به في مَنْعِ جميع أهل الإسلام من الماء المتوضأ به، أو المغتسل به من الجنابة. وثانيها: أَنَّ غُسالة (١) أيدي الناس عندهم حلال لبني عبد المطلب، الوضوء بها للصلاة، والغسل منها للجنابة، وشربها، وهذا خلافٌ مجردٌ للخبر الذي احتجوا به تمويهًا، وإيهامًا وغِشًا للضعفاء المغترين بهم. وثالثها: أنَّ غُسالة أيدي الناس عندهم حلال لكل مُسْلم شُرْبُه، والوضوءُ به للصلاة، والغُسل به للجنابة، وإنما تحرم عندهم إذا نوى بذلك الوضوء للصلاة أو غسل الجنابة، بعد أن يستوعب بالغُسل جميع بدنه، لا بعضه، وليس في الخبر المذكور من هذا كله أثر، ولا إشارة ولا معنى، ونعوذ بالله من الضلال. واحتجوا أيضًا في ذلك بما رُوي عن عمر أنه قاله لأسلم (٢) مولاه: "أرأيت لو توضأ إنسان بماء، أكنت شاربه". وهذا لا يصح عن

стр. 354

عمر أصلًا، وإنما هو خبر رويناه عن مالك عن زيد بن أسلم (١) عن أبيه قال: "قال لي عبد الله بن الأرقم (٢): "أدللني على بعير من المطايا، أستحمل عليه أمير المؤمنين". فقلت: نعم، جمل من الصدقة، قال: فقال لي عبد الله بن الأرقم: "أتحب لو أن رجلًا باديًا في يوم حَارٍّ غسل لك ما تحت إزاره، ورُفغه ثم أعطاكه، فشربته إنما الصدقة أوساخ الناس، يغسلونها عنهم" (٣). ثم لَوْ صَحَّ عن عمر ما ذُكر، لما كان فيه حجة، وقد خالفوه لأنهم في أحد قَوْلَيْهمْ يبيحون شرب الماء الذي تُوضئ، أو اغتُسل به من جنابة، وهذا خلاف ما ذكروا عن عمر، لأن عمر لم ينه في الخبر المذكور عن الوضوء، مما قد تُوضئ به، ولا عن الغسل للجنابة به، إنما كره شربه، وقد يُتَوضَّأُ بما لا يُشرب كماء البحر، وماءٍ وقع فيه سُم، فيتوضأ الصائم بالماء، ولا يحل له شربه، فظهر فساد ما يأتون

стр. 355

به، وما توفيقنا إلا بالله تعالى، وأيضًا فَعُمَرُ وابن الأرقم ليسا ممن تحرم عليهما الصدقة المبتدأة، ولا حظ لهما في سبيل الله تعالى منها لو أُعطياه. واحتجوا لمذهبهم الفاسد في أن الماء يحرم شربه والتطهر به، وَيَتَنَجَّسُ بما حل فيه من النجاسات، وإن لم يظهر لها فيه أثر - بالآثار الثابتة عن رسول الله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، أن يُغسل سَبْعَ مرات، أولاهن بالتراب" (١)، و "إذا استيقظ أحدكم
следующие страницы →