← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 33

الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس

ابن حزم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

لا نجاسة على شيء من أعضائه ينغمس في البئر، ولا ينوي بذلك غُسل الجنابة أنه قد طهر من الجنابة، ولم يصر بذلك ماء البئر مستعملًا. وقال أبو يوسف (١): لا يطْهُرُ بذلك، ولا يصير الماء مستعملًا (٢). وهم لا يختلفون في أنَّ مَنْ مس الماءُ جسده كلَّه لا ينوي بذلك طُهْرًا أنه قد طهر وأجزأه (٣). فترك أبو يوسف ههنا هذا الأصل تناقضًا منه، ولا يختلفون في أن الماء المتطهر به مستعمل لا يحل الوضوء به ولا الغسل.

стр. 352

وقد جعل محمد بن الحسن -ههنا- الماء المتطهر به المزيل لحكم الجنابة غير مستعمل، فترك هذا الأصل أيضًا تناقضًا منه. فإن قالوا: فلأي شيء نهى النبي ﷺ عن اغتسال الجنب في الماء الدائم؟ قلنا: لأن الله تعالى أوحى إليه بذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]، ولا يسأل مُسْلِمٌ ربه تعالى لِمَ أمرت بهذا؟ قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. نهى عن ذلك كما نهى عن الخنزير والدم، ليبلوكم أيكم أحسن عملًا (١)، وليجزي المطيع بالجنة، والعاصي بما هو أهله ولا مزيد. واحتجوا أيْضا لهذا المذهب الفاسد بما روي عن رسول الله ﷺ في تحريمه الصدقة على بني هاشم، وروي أنه قال: "يا بني عبد المطلب إن الله كره لكم غُسالة أيدي الناس" (٢). يعني الزكوات. قال أبو محمد: فكان هذا عجبًا. ودليلًا على قلة حياء المحتج بهذا

стр. 353

في تحريمه الماء المتوضأ به، أو المغتسل به، وعلى فساد دينه -ونعوذ بالله من البلاء- من وجوه: أحدها: أنَّهم مقرون بأن هذا الحكم لا يتعدى بني عبد المطلب إلى غيرهم، ثم احتجوا به في مَنْعِ جميع أهل الإسلام من الماء المتوضأ به، أو المغتسل به من الجنابة. وثانيها: أَنَّ غُسالة (١) أيدي الناس عندهم حلال لبني عبد المطلب، الوضوء بها للصلاة، والغسل منها للجنابة، وشربها، وهذا خلافٌ مجردٌ للخبر الذي احتجوا به تمويهًا، وإيهامًا وغِشًا للضعفاء المغترين بهم. وثالثها: أنَّ غُسالة أيدي الناس عندهم حلال لكل مُسْلم شُرْبُه، والوضوءُ به للصلاة، والغُسل به للجنابة، وإنما تحرم عندهم إذا نوى بذلك الوضوء للصلاة أو غسل الجنابة، بعد أن يستوعب بالغُسل جميع بدنه، لا بعضه، وليس في الخبر المذكور من هذا كله أثر، ولا إشارة ولا معنى، ونعوذ بالله من الضلال. واحتجوا أيضًا في ذلك بما رُوي عن عمر أنه قاله لأسلم (٢) مولاه: "أرأيت لو توضأ إنسان بماء، أكنت شاربه". وهذا لا يصح عن

стр. 354

عمر أصلًا، وإنما هو خبر رويناه عن مالك عن زيد بن أسلم (١) عن أبيه قال: "قال لي عبد الله بن الأرقم (٢): "أدللني على بعير من المطايا، أستحمل عليه أمير المؤمنين". فقلت: نعم، جمل من الصدقة، قال: فقال لي عبد الله بن الأرقم: "أتحب لو أن رجلًا باديًا في يوم حَارٍّ غسل لك ما تحت إزاره، ورُفغه ثم أعطاكه، فشربته إنما الصدقة أوساخ الناس، يغسلونها عنهم" (٣). ثم لَوْ صَحَّ عن عمر ما ذُكر، لما كان فيه حجة، وقد خالفوه لأنهم في أحد قَوْلَيْهمْ يبيحون شرب الماء الذي تُوضئ، أو اغتُسل به من جنابة، وهذا خلاف ما ذكروا عن عمر، لأن عمر لم ينه في الخبر المذكور عن الوضوء، مما قد تُوضئ به، ولا عن الغسل للجنابة به، إنما كره شربه، وقد يُتَوضَّأُ بما لا يُشرب كماء البحر، وماءٍ وقع فيه سُم، فيتوضأ الصائم بالماء، ولا يحل له شربه، فظهر فساد ما يأتون

стр. 355

به، وما توفيقنا إلا بالله تعالى، وأيضًا فَعُمَرُ وابن الأرقم ليسا ممن تحرم عليهما الصدقة المبتدأة، ولا حظ لهما في سبيل الله تعالى منها لو أُعطياه. واحتجوا لمذهبهم الفاسد في أن الماء يحرم شربه والتطهر به، وَيَتَنَجَّسُ بما حل فيه من النجاسات، وإن لم يظهر لها فيه أثر - بالآثار الثابتة عن رسول الله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، أن يُغسل سَبْعَ مرات، أولاهن بالتراب" (١)، و "إذا استيقظ أحدكم

стр. 356

من نومه، فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثًا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" (١)، و "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يتوضأ فيه" (٢). وليس في شيء من هذه الآثارأن الماء ينجس بشيء مما حله (٣)، ثم خالفوها كلها فيما أمر به ﵇ فيها جهارًا، فقالوا: لا معنى لغسل الإناء من وُلُوغ الكلب فيه سبعًا، ولا بالتراب، وهذا لا معنى له (٤): وليس على القائم من نومه أن يغسل يده ثلاثًا قبل إدخَالها في وضوئه، بل إنْ أدخلها في الوضوء كما هي، فلا حرج في ذلك، ولا يضر ذلك ماء وضوئه شيئًا، فإن تيقن في يده نجاسةً فَغَسْلَةٌ واحدة تكفيه، ولا معنى لغسلها ثلاث مرات، ومن بال في ماء دائم إذا

стр. 357

حُرِّكَ أحدُ أطرافه لم يتحرك الآخر، فلا حرج عليه في أن يتوضأ منه ويغتسل (١)، فكيف ترون؟ ! رحم اللهُ أئمة الحديث، القائلين إن أصحاب أبي حنيفة يكيدون الإسلام (٢). واحتجوا أيضًا لهذا المذهب الفاسد، بالمرسل الذي لا يصح من أنه ﵇ أمر بحفر التراب الذي بال فيه الأعرابي في المسجد (٣)، وهم لا يقولون بهذا، بل يقولون يُترك حتى يَيْبَسَ البولُ

стр. 358

فتطهر الأرض بذلك بلا صب ماء ولا حَفْرٍ (١). واحتجوا لقولهم الفاسد في البئر تقع فيه الفأرة، أو العصفور الحَيَّانِ، أو يموت أحدهما فيه، ولم ينتفخا، ولا انفسخا أنَّه يُطَهِّرُهَا أنْ يُنزح منها عشرون دَلْوًا، فإن وقعت فيها دجاجة، أو بقرة مَيِّتان أوْ مات أحدهما فيها، ولم ينتفخا ولا انفسخا أنَّهُ يُطَهِّرُهَا أن يُنزح منها أربعون دلوًا، فإن انفسخ شيء من ذلك أو انتفخ، أو وقعت في البئر شاة ميتة، أو ماتت فيها نُزحت البئر حتى يغلبهم الماء - بالرواية عن علي في بئر وقعت فيه فأرة، فماتت قال: "يُنزح ماؤها" (٢).

стр. 359

وبما رواه سفيان عن زكريا (١) عن الشعبي (٢) في الطير ونحوه، يقع في البئر قال: "ينزح منها أربعون دلوًا" (٣). وبِمَا رَوَاهُ سعيد بن منصور حدثنا هشيم أخبرنا مغيرة (٤) عن إبراهيم (٥) في البئر يقع فيها الجُرذ فتموت فيها: قال: "ينزح منها

стр. 360

أربعون دلوًا" (١). قال أبو محمد: فاعجبوا لهذه الفضائح، عليٌّ يقول في الفأرة تنزح البئر، ولم يشترط انتفاخًا ولا انفساخًا، وإبراهيم يقول: "أربعون دلوًا"، ولا يشترط انتفاخًا، ولا انفساخًا، والشعبيُّ يقول في الطير ونحوه: "أربعون دلوًا"، ولا يشترط انفساخًا ولا انتفاخًا، والعصفور طير، وأبو حنيفة وصاحباه لا يرون في ذلك إلا عشرين دلوًا، والنزح في الانتفاخ والانفساخ (٢)، فهل ههنا للحياء مدخل، أو للتقوى وُلوجٌ؟ ! اللهم إنا نسألك العافية. فإن قالوا: إنما أردنا باحتجاجنا بهم أنهم رأوا البئر تطهر بنزح بعضها، قلنا: لئن لم يكن تحديدهم لما ينزح منها حجة عندهم، فما قولكم في أنها تطهر بنزح بعضها إلا كتحديدهم، ولا فَرْقَ، والتَّحكمُ بالباطل لا معنى له.

стр. 361

واحتجوا لتفريقهم بين ما يقع في البئر من الميتات، وأن السمك الطَّافي إن وقع في الماء لم ينجسه بما روي عن النبي ﷺ في البحر: "هو الطهور مَاؤُهُ الحل ميتته" (١)، ثم خالفوا هذا الخبر نفسه فقالوا: لا يحل ما مات في البحر من السمك فَطفَا، ولا يحل أكله، ولا يحل أكل شيء مِمَّا في البحر أصلًا من دوابه كلها حاشا السمك وحده (٢). واحتجوا في تحريم ما وَلَغَ فيه الكلبُ، وفي إيجاب غسل الإناء منه ولا بُدَّ، بالخبر الثابت عن رسول الله: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبع مرات، وليعَفِّرْهُ الثامنة بالتراب"، ثم خالفوه،

стр. 362

فقالوا: لا معنى لسبع مرات، ولا للتراب، ولكن يغسله مرة فقط (١). واحتجوا بأنه روي عن أبي هريرة أنه يغسل ثلاث مرات (٢)، ثم خالفوه فقالوا: لا معنى لثلاث مرات، إنما هي مرة واحدة. واحتجوا في تصحيح مذهبهم الفاسد في أَنَّ مَنْ صلى، وفي ثوبه أو في جسمه من النجاسات أكثر من قدر الدِّرهم البَغْلي بطلت صلاته، فإن

стр. 363

كانت قدر الدرهم فأقل، لم تبطل صلاته، تعمد ذلك أو لم يتعمد (١) - بالخبر الذي لا يصح أيضًا من طريق ابن غطيف (٢) عن الزهري عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف (٣) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "تُعاد الصلاةُ من قَدْرِ الدرهم البَغْلي" (٤).

стр. 364

فيا للشهرةِ والفَضيحة في الدُّنيا والآخرة، يحتجون بهذا الخبر، ويصححونه وهم يخالفونه فيقولون: لا تُعاد الصلاة من قدر الدرهم، وقال بعضهم: إنما قلنا بذلك للأمر بالاستنجاء من الغائط والبول في الدبر والذَّكر، وهو أكبر من قدر الدرهم، فكان هذا عجبًا جدًا، وتشبيها في غاية البَرْدِ، وما الواجبُ غسله من جوف المخرج إلا أقل من ذلك! ! ثم هَلَّا قاسوه على مخرج البول من الإحْلِيل، فتطهيره وحده فرضٌ عندهم عندنا وإن لم يُبَحْ. ثم خَالَفُوا كل ذلك، فلم يروا زوال النجاسة من الجسد والثوب بالحجارة المطهرة للدبر والذكر، فهم لا ينفكون من تَلوُّثْ في الباطل كالسكران أو الأعمى بلا عُكَّازٍ (١) ولا قائد! ! واحتجوا بخبر علي وعمرو بن حزم، وفيهما جميعًا: "فإذا زادت

стр. 365

على عشرين ومائة -يعني الإبل- ففي كل خمسين حقة، وتُردُّ إلى أول فرائض الإبل" (١)، فاحتجوا بهما في قولهم الفاسد: أن ما زاد على عشرين ومائة عاد إلى زكاتها بالغنم، وليس هذا مذكورًا في الخبرين المذكورين، وقد يكون ردها إلى أول الفرائض: الإبلُ أن ترد إلى أن في كل أربعين بنت لبون (٢)، وخالفوا خبر علي المذكور في اثني عشر حكما فيه منصوصة في لفظه، قَدْ ذكرناها في كتابنا المَوْسُوم بِـ "الإيصال" مع أن خبر علي موقوف عليه (٣).

стр. 366

واحتجوا بصحيفة عمرو بن حزم: "ما زاد على مائتي درهم، فلا شيء فيه حتى يبلغ أربعين" (١). وخالفوها في نصِّ ما فيها مِنْ أنَّ الزكاة في الذهب إنما هي بالقيمة حتى تبلغ أربعين دينارًا (٢). واحتجوا بحديث الزهري عن صحيفة عبد آل عمر فيما زاد على مائتي درهم أيضًا (٣)، وخالفوا نَصَّهَا في أن ما زاد على عشرين ومائة

стр. 367

من الإبل ثلاث بنات لبون (١). واحتجوا بخبر حُجيَّة (٢) عن علي، وبمراسيل في جواز تقديم الزكاة قبل تمام الحول (٣)، ثم خالفوها كلها، فقالوا: لا يجوز تقديم الزكاة

стр. 368

إلا عن مالٍ يكون عنده مِنْهُ نصابٌ، وليس هذا في شيء من تلك الأخبار لا بنص ولا دليل (١). واحتجوا لقولهم: لا يجوز الخيار في البيع أكثر من ثلاثة أيام بحديث المُصرَّاة (٢). وهذا من عجائب الدنيا، وهم أشد الناس إنكارًا لخبر المصراة،

стр. 369

ويقولون هو مخالف للأصول، وهو مضطرب (١)، فيخالفون أمر رسول الله فيه جهارًا بلا تقية، ثم يحتجون به فيما ليس فيه منه أثر

стр. 370

ولا دليل، لأنه ليس في خبر المصراة ذكرُ خيارٍ في عقد البيع أصلا، فاعجبوا لهذه العظائم! ! واحتجوا أيضًا لهذا القول الفاسد، بخبر الذي كان يُغبنُ في البيع، فأمره رسول الله إذا بايع أحدًا أن يقول: "لا خِلابة"، ثم جعل له الخيار فيما اشترى ثلاثًا (١)، وهم مخالفون لهذا الخبر كله، فيجيزون الغبن في البيع قَلَّ، أو كَثُر، ولا يُنتفع عندهم بأن يقول البائع: "لا خلابة"، بل سواء عندهم قال ذلك، أو سكت، ولا يجعلون له الخيار أصلا (٢)، وليس في الخبر أن مُبَايِعَهُ عقد معه البيع على خيار، فاعجبوا، واسألوا الله العافية مما ابتلاهم به. واحتجوا في قولهم أن مَنْ أصبح في يوم من أيام رمضان ينوي الفطر عامدًا ذاكرًا، لأنه في رمضان إلا أنه لم يأكل ولم يشرب، ولا وَطئ، ولا تعمد القيء، ثم ينوي الصوم قبل زوال الشمس فصومه تام لَا

стр. 371

دَاخِلَةَ فيه، فإن لم ينو الصوم، حتى زالت الشمس فلا صوم له (١) بالخبر الثابت عن رسول الله أنه إذْ فرض الله تعالى صوم يوم عاشوراء بعث إلى قرى الأمصار: "من لم يأكل منكم، فليصم باقي يومه، ومن أكل منكم فليصم أيضًا بقية يومه" (٢). وهم أشد الناس خلافًا لهذا الخبر، لأنه إنما أمر ﵇ بذلك قومًا لم يعرفوا وجوب ذلك الحكم، قبل ذلك، فإنما لزمهم مُذْ عرفوه وليس في هذا الخبر شيء مما موهوا به فيه، من قولهم الفاسد، ولا فيه للفرق بين حكم ذلك قبل زوال الشمس: أَوْ بعد زوالها أثر، ولا

стр. 372

دليل ألبتة فاعجبوا لهذا، وزاد بعض الرواة في هذا الخبر الصحيح زيادة موضوعة لم تصح قط وهي: "واقضوا" (١). فاحتجوا في إيجاب القضاء على مَنْ تعمد الأكل في نهار رمضان، ذاكرًا لصومه عاصيًا (٢)، ولو صحت هذه الزيادة، لكانت مخالفة لقولهم، لأنه إنما كان يكون المأمورون بها قوما أكلوا غير عارفين بأن الصوم يلزمهم، وقومًا لم يأكلوا أصلًا، وهم لا يرون القضاء على من هذه صفتهم، فاعجبوا، واسألوا الله العافية. واحتجوا بالخبر الثابت في كفارة مَنْ جامع في نهار رمضان ذاكرًا لصومه، وقالوا قد جاء بلفظة: "أفطر" (٣)، وخالفوا هذه اللفظة،

стр. 373

ولم يوجبوا الكفارة على مَنْ أكل أو بَلَعَ دقيقًا، أو عجينًا أو إِهْلِيلَجًا (١) أو طينا، إلا أن يكون طينا إرمينيا (٢)، وأوجبوا القضاء والكفارة على مَنْ بلع أو أكل طينًا إرمينيًا، أو زعفرانا، أو مسكا، وكل هؤلاء عندهم مفطرون يلزمهم القضاء، وكفارةٌ معه، وبعضهم يلزمهم القضاء فقط دون كفارة (٣)، وهذا عَجَبٌ جدًا. واحتجوا في إيجاب القضاء على مَنْ تعمد القيء بالخبر الثابت في ذلك (٤)، ثم خالفوه، فقالوا: إن من تعمد أن يَتَقيَّأ أقل من مِلْءِ فيه،

стр. 374

فلا قضاء عليه (١). واحتجوا لقولهم الفاسد أَنَّ الفطر والقصر لا يكونان إلا في سفر ثلاثة أيام بلياليهن فصاعدًا (٢)، بالخبر الثابت عن رسول الله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله، واليوم الآخر أن تسافر ثلاثًا، إلا مع زوج، أو ذي مَحْرم" (٣).

стр. 375

وليس في هذا الخبر مِنْ حُكم الفطر، وقَصْر الصلاة أثر جليٌّ، ولا خفي، ولا نصٌّ، ولا إشارة، ولا دليل، مع ما قد ذكرنا قبلُ من أنه قد صح فيه أكثر من: "ثلاث"، وصح: "يومين"، وصح: "يومًا"، وصح أن تسافر دون تحديد، فخالفوا كلَّ ذلك (١). وخالفوه أيضًا، فقالوا: إن للمملوكة، والمكاتبة، وأم الولد أَنْ تسافر ثلاثًا، وأكثر، دون زوج ولا ذي محرم، وليس هذا في شيء من الخبر المذكور، بل كل مَنْ ذكرنا ممن يؤمن بالله واليوم الآخر،

стр. 376

وقد يكون لهن الأزواج وَذَوُوا الرَّحم المحرمة. واحتجوا بإباحة الصوم في السفر بحديث: "من كان يأوي إلى حَمُولة، وشِبَعٍ فليصم رمضان" (١)، وخالفوه فقالوا: ليس عليه صيامه فرضًا، وله أن يفطر (٢). واحتجوا في ذلك أيضا بخبر حمزة بن عمرو الأسلمي (٣) إذ قال: "يا رسول الله، إني أسرُد الصوم، أفأصوم في السفر؟ فقال له عليه

стр. 377

السلام: "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر"، وَرُوي. "أي ذلك شئت يا حمزة" (١)، فخالفوه فقالوا: الصوم أفضل، وليس هذا في هذا الخبر. واحتجوا في قولهم: لا يُصام عَنْ ميِّت بقول رسول الله: "إذا مات الميت، انقطع عمله إلا من ثلاث" (٢)، وليس في هذا الخبر لا

стр. 378

بنص ولا بدليل، أن عمل غيره عنه ينقطع، وهم يقولون: إن الصدقة عنه جائزة، وإن لم يوصِ بها، وأن الحج عنه جائز وواجب إذا أوصى به، ولا يصام عنه وإن أوصى به (١). واحتجوا فى قولهم مَنْ أوصى بزكاة واجبة، أو حجة واجبة، فهي مقدمة في الثلث على ما أوصى به من صدقةٍ لقول رسول الله ﷺ : "أرأيتِ لو كان على أبيك دين، أكنت قاضيته؟ " قالت: نعم. قال: "فدين الله أحق أن يقضى" (٢)، وقوله: "فاقضوا الله فهو

стр. 379

أحق بالوفاء". ثم [خالفوا] (١) كلَّ ذلك، فقالوا ديون اليهود والنصارى في خمر كسرها لهم أحق من ديون الله كلها، وهم أحق بالوفاء، وعتقه في مرضه لعبد له نصراني، مقدم على كل ما أوصى به من ذلك، ولا يُقْضَى عنه شيء من ديون الله تعالى، إلا أن يوصي بذلك في الزكاة والحج والكفارات خاصة (٢).

стр. 380

واحتجوا في مخالفتهم للسنة الثابتة عن رسول الله في نهيه أن يَخُصَّ يوم الجمعة بصيام إلا أن يصوم يومًا قبله، أو يومًا بعده (١) بخبر ابن مسعود، وابن عباس وابن عمر: "ما رأيتُ رسولَ الله مفطرًا يوم جُمَعَةٍ قط" (٢)، وليس في هذا الخبر أنه خصه بالصوم، فلم يصم يومًا قبله، ولا يومًا بعده.

стр. 381

واحتجوا في قولهم بإسقاط فَرْض الحج عن العبد، بخبر يزيد بن زُرَيْع (١) عن شعبة عن الأعمش (٢) عن أبي ظبيان (٣) عن ابن عباس

стр. 382

عن النبي ﷺ : "إذا حج العبد ثم عُتق، فعليه حجة أخرى، وإذا حج الأعرابي ثم هاجر، فعليه حجة أخرى" (١)، فخالفوه في الأعرابي متحكمين بالباطل، فإن ادعوا إجماعًا أَكْذَبَهُمْ الحسن بن حي (٢) لأنه يقول: إذا حج الأعرابي ثم هاجر فعليه حجة الإسلام إلى اليوم (٣).

стр. 383

واحتجوا في منعهم المُحْرم من تغطية وجهه بالسنة الثابتة من طريق سعيد بن جبير (١) عن ابن عباس عن رسول الله في المُحْرم إذا مات: "لا يُخَمَّرُ وجهه ولا رأسه" (٢). فكان هذا عجبًا جِدًّا خالفوه في نَصّ ما فيه، فقالوا: المُحْرم إذا مات وجب أن يغطى وجهه ورأسه، وأوجبوا به ما ليس فيه منه أثر ولا معنى من منع المُحرم من تغطية وجهه (٣). واحتجوا من مخالفتهم للسنة الثابتة عن رسول الله أنه قال لضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب (٤): "حُجِّي واشترطي أن محلي حيثُ

стр. 384

حبَستني" (١)، بالسنة الثابتة عن رسول الله: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (٢). قال أبو محمد: أول كذبهم، فهو أن الاشتراط في الحج منصوصٌ في كتاب الله في مواضع منها: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: من الآية ٨٠] ومنها: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] ومنها: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم﴾ [النحل: ٤٤] ومنها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: من الآية ٢٨٦] ومنها ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: من الآية ٧٨] ومنها: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: من الآية ١٨٥]،

стр. 385

فعصوا كلَّ هذا وخَالَفُوا، وكلفوا المُحْرم يَمْرَضُ أو يَوْحَلُ (١)، أو يَعُوقُه عائقٌ، ما ليس في وسعه، وأعظمُ الحرج والعُسْر الشاقِّ من أن يبقى محرمًا حتى يطوف بالبيت، ولعله لا يقدر على ذلك سنين، ثم خالفوا ما احتجوا به حقًا، فأجازوا به شروط الشيطان التي ليست في كتاب الله تعالى حقا، من أن يشترط لامرأته إن تزوج فكل امرأة (٢) يتزوجها طالق (٣)، وَإِنْ تسرى فكل مملوكة يشتريها حرة، وهذه عظائم مهلكة (٤). واحتجوا في قولهم الخبيث: إن المُحرم إن قتل خنزيرًا بريا، فعليه

стр. 386

جزاؤه (١)، بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ في المُحرم يقتل الضَّبع عليه كبش، وأنها صيدٌ حلال أكلُه، هكذا نُصَّ في حديث جابر عنه ﵇ (٢). وخالفوه فقالوا: ليس في الضبع كبش إنما فيه قيمتها، ولو بلغت درهما: فإن زادت قيمتها جدا، فليس عليه إلا شاة فقط، ولا هي صيد، ولا يحل أكلها، بل أكلها حرام (٣). فهل سُمع بأعجب من هذا يخالفون حكم رسول الله ﷺ في الضبع بكبش، وفي أنها صيد حلال أكلُه، ثم يوجبون به نفسه أن يجزئ الخنزير إِنَّ هذا لعظيمٌ جدا! ! ونعوذ بالله من البلاء. واحتجوا فيمن وجبت عليه في زكاة إبله بنت مخاض، فأعطى ثُلُثَيْ بنت لَبُون تساوي بنت مخاض، فإنه يجزئه ذلك بالسنة الثابتة عن رسول الله من طريق أنس عن أبي بكر الصديق عن رسول الله ﷺ : "من وجبت عليه

стр. 387

بنت مخاض، فلم تكن عنده، وكانت عنده بنت لبون، فإنه يؤديها، ويرد إليه الساعي شاتين أو عشرين درهما" (١). وهذه الحجة أطلقها الشيطانُ على لسان زعيمهم محمد بن الحسن (٢)، فهل سُمع بأسْخَفَ من هذا الاحتجاج، وهل فَهمَ أحدٌ من حُكم النبي على من لزمته بنت مخاض لم تكن عنده، وعنده بنت لبون أن يعطيها، ويأخذ من الساعي شاتين أو عشرين درهما - أن ثلثي بنت لبون يجزئ عن بنت مخاض إذا ساوتها، وهم يخالفون هذا الحكم من رسول الله جِهارا، ولا يقولون بشيء منه ولا يجُيزون إعطاء بنت لبون مكان بنت مخاض، ولا أن يرد عليه الساعي شاتين ولا عشرين درهما. فخالفوا حكم النبي علانيةً وأبطلوه، واحْتَجوا به في حكمٍ باطلٍ فاسدٍ ليس من دين الله تعالى في شيء، ولا له في الخبر المذكور أثرٌ أصلًا. والعجبُ كُلُّهُ قولهُ: تساوي بنت مخاض، فليت شعري أيَّ بنت

стр. 388

مخاض هي؟ ! ! وقد عَلم كلُّ ذي مسكة من تمييز أن في بنات المخاض ما يساوي دينارًا، أو ما يساوي دنانير. فاعجبوا لهذه العقول، واحمدوا الله تعالى على السلامة، مما ابتلاهم به! ! . فإن قالوا: إنما أمر رسول الله ﷺ بالحكم المذكور على معنى القيمة؟ . قلنا: هذا الكذب المحضُ على رسول الله، ونسبتهُ لِما قد نزهه الله تعالى عنه من الجُنون الذي لا يُشَاكِل إلا عُقُولَهُمْ! ! وهل فهم أحدٌ قط من تعويض بنت لَبون برَدِّ شاتين، أو عشرين درهما من بنت مخاض أن الحاكم بهذا أراد القيمة؟ ! ! أهكذا يقول من لا يَقْذِفُ بالحجارة، أَنَّه إنما أراد تعويض القيمة التي لا تثبت على حدٍّ واحد؟ ! ما شاء الله كان، اللهم إنا نعوذ بك مما امتحنتَهُمْ به من الضلال. واحتجوا بخبر كعب بن عجرةَ (١) في حَلْق رأسه للأذى الذي كان

стр. 389

به (١)، وهو خبر جاء بألفاظ شتى، فرواه الثقات: "أوْ أطعمْ فَرْقًا من تَمْر بين ستة مساكين"، وروى بعضُ الناس: "فَرْقًا من زبيب بين ستة مساكين"؛ ورُوي من طريق واحدة: "فَرْقًا من

стр. 390

حنطة بين ستة مساكين"؛ وهو وَهَمٌ بلا شك، فتعلقوا بها، وقالوا: لا يجزئه من التمر إلا فَرْقَانِ اثنان، ومن الزبيب كذلك، ثم خالفوا الطريق التي تعلقوا بها، وقالوا: من حلق رأسه بغير ضرورة وهو محرم، فلا يجزئه إطعامٌ أصلا؛ ولا يجزئه إلا هدي وَلَا بُدَّ، وليس شيء من هذا في الخبر المذكور أصلا (١). واحتجوا في قولهم الفاسد أنه لا يحل لأحد يسكن، بحيث أن يكون الميقات بينه وبين مكة، أن يدخل مكة بغير إحرام، فإن كان ساكنا بين أحد المواقيت، وبينها (٢)، أو في أحد المواقيت فله أن يدخلها بِغَيْر إحرام (٣) - بالخبر الثابت عن رسول الله ﷺ : "إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، وإنها لم تحلَّ لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أُحلت لي ساعةً من نهار، ثم عادت كَحرمتها بالأمس. فإن تَرَخَّصَ أحدٌ لقتال رسول الله فيها، فقولوا إن الله أحلها لرسوله، ولم يحلها لكم" (٤).
следующие страницы →