← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 33

الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس

ابن حزم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

جزاؤه (١)، بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ في المُحرم يقتل الضَّبع عليه كبش، وأنها صيدٌ حلال أكلُه، هكذا نُصَّ في حديث جابر عنه ﵇ (٢). وخالفوه فقالوا: ليس في الضبع كبش إنما فيه قيمتها، ولو بلغت درهما: فإن زادت قيمتها جدا، فليس عليه إلا شاة فقط، ولا هي صيد، ولا يحل أكلها، بل أكلها حرام (٣). فهل سُمع بأعجب من هذا يخالفون حكم رسول الله ﷺ في الضبع بكبش، وفي أنها صيد حلال أكلُه، ثم يوجبون به نفسه أن يجزئ الخنزير إِنَّ هذا لعظيمٌ جدا! ! ونعوذ بالله من البلاء. واحتجوا فيمن وجبت عليه في زكاة إبله بنت مخاض، فأعطى ثُلُثَيْ بنت لَبُون تساوي بنت مخاض، فإنه يجزئه ذلك بالسنة الثابتة عن رسول الله من طريق أنس عن أبي بكر الصديق عن رسول الله ﷺ : "من وجبت عليه

стр. 387

بنت مخاض، فلم تكن عنده، وكانت عنده بنت لبون، فإنه يؤديها، ويرد إليه الساعي شاتين أو عشرين درهما" (١). وهذه الحجة أطلقها الشيطانُ على لسان زعيمهم محمد بن الحسن (٢)، فهل سُمع بأسْخَفَ من هذا الاحتجاج، وهل فَهمَ أحدٌ من حُكم النبي على من لزمته بنت مخاض لم تكن عنده، وعنده بنت لبون أن يعطيها، ويأخذ من الساعي شاتين أو عشرين درهما - أن ثلثي بنت لبون يجزئ عن بنت مخاض إذا ساوتها، وهم يخالفون هذا الحكم من رسول الله جِهارا، ولا يقولون بشيء منه ولا يجُيزون إعطاء بنت لبون مكان بنت مخاض، ولا أن يرد عليه الساعي شاتين ولا عشرين درهما. فخالفوا حكم النبي علانيةً وأبطلوه، واحْتَجوا به في حكمٍ باطلٍ فاسدٍ ليس من دين الله تعالى في شيء، ولا له في الخبر المذكور أثرٌ أصلًا. والعجبُ كُلُّهُ قولهُ: تساوي بنت مخاض، فليت شعري أيَّ بنت

стр. 388

مخاض هي؟ ! ! وقد عَلم كلُّ ذي مسكة من تمييز أن في بنات المخاض ما يساوي دينارًا، أو ما يساوي دنانير. فاعجبوا لهذه العقول، واحمدوا الله تعالى على السلامة، مما ابتلاهم به! ! . فإن قالوا: إنما أمر رسول الله ﷺ بالحكم المذكور على معنى القيمة؟ . قلنا: هذا الكذب المحضُ على رسول الله، ونسبتهُ لِما قد نزهه الله تعالى عنه من الجُنون الذي لا يُشَاكِل إلا عُقُولَهُمْ! ! وهل فهم أحدٌ قط من تعويض بنت لَبون برَدِّ شاتين، أو عشرين درهما من بنت مخاض أن الحاكم بهذا أراد القيمة؟ ! ! أهكذا يقول من لا يَقْذِفُ بالحجارة، أَنَّه إنما أراد تعويض القيمة التي لا تثبت على حدٍّ واحد؟ ! ما شاء الله كان، اللهم إنا نعوذ بك مما امتحنتَهُمْ به من الضلال. واحتجوا بخبر كعب بن عجرةَ (١) في حَلْق رأسه للأذى الذي كان

стр. 389

به (١)، وهو خبر جاء بألفاظ شتى، فرواه الثقات: "أوْ أطعمْ فَرْقًا من تَمْر بين ستة مساكين"، وروى بعضُ الناس: "فَرْقًا من زبيب بين ستة مساكين"؛ ورُوي من طريق واحدة: "فَرْقًا من

стр. 390

حنطة بين ستة مساكين"؛ وهو وَهَمٌ بلا شك، فتعلقوا بها، وقالوا: لا يجزئه من التمر إلا فَرْقَانِ اثنان، ومن الزبيب كذلك، ثم خالفوا الطريق التي تعلقوا بها، وقالوا: من حلق رأسه بغير ضرورة وهو محرم، فلا يجزئه إطعامٌ أصلا؛ ولا يجزئه إلا هدي وَلَا بُدَّ، وليس شيء من هذا في الخبر المذكور أصلا (١). واحتجوا في قولهم الفاسد أنه لا يحل لأحد يسكن، بحيث أن يكون الميقات بينه وبين مكة، أن يدخل مكة بغير إحرام، فإن كان ساكنا بين أحد المواقيت، وبينها (٢)، أو في أحد المواقيت فله أن يدخلها بِغَيْر إحرام (٣) - بالخبر الثابت عن رسول الله ﷺ : "إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، وإنها لم تحلَّ لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أُحلت لي ساعةً من نهار، ثم عادت كَحرمتها بالأمس. فإن تَرَخَّصَ أحدٌ لقتال رسول الله فيها، فقولوا إن الله أحلها لرسوله، ولم يحلها لكم" (٤).

стр. 391

فتأملوا -هداكم الله- هل في كلامه ﵇ المذكور شيءٌ من الهذيان الذي أَتَوْا به؛ أو أثرٌ للتقسيم السخيف الذي دانوا به؟ ! وقد بين ﵇ ما خصه الله تعالى به من إحلال مكة له ساعةً من نهار فقط؛ وأنه إنما هو في القتال فيها فقط، ليس ههنا لدخولها بإحرام، أو بغير إحرام ذكرٌ ولا أثرٌ. ولو كان تحريمُ الله تعالى إيَّاها يوجبُ أن لا يدخل إلا بإحرام لوجب بذلك ولا بد؛ أن لا يحل فيها أحد أبدا، ولا ساعةً من الدهر. وأي فَرْقٍ بين دخولها مُحِلًّا - وهو لا يريد حجا ولا عمرة لكن لحاجته؛ وبين إحلاله فيها دَهْرَه كُلَّهُ؟ ! وَلَوْلَا النَّصُّ الواردُ في أن لا يدخلها يريد الحج والعمرة إلا مُحرما (١)

стр. 392

إما من الميقات، وإما من حيث أَنْشَأَ إنْ كان دون الميقات، لَمَا كان الإحرامُ لذلك فرضا، ولا تطوعا أيضا، فلما جاء النص بذلك سَمِعْنَا وأطعنا، ولَمَّا لم يأت نصٌّ بأن يُحْرم لدخولها من لا يريد حجا ولا عمرة لم يجب ذلك أصلا؛ وبالله تعالى التوفيق. واحتجوا في إبطال السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ : "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سَلَبُه" (١)؛ بخبر عوف بن مالك (٢) مع خالد بن الوليد في غَزَاة مؤتة (٣)، وبخبر إعطاء رسول الله سَلَب أبي جهل لمُعاذ

стр. 393

ابن عفراء (١) يوم بدر (٢). وهذا نوعٌ من استخفافهم، أَنْ يحتجوا بشيء كان قبلَ الفَتْح بسنين، وبشهور، في إبطال حكم كان بعد الفتح، وإنما قال ﵇: "من قتل قتيلا له عليه بَيِّنة، فله سَلَبُهُ"؛ في غزوة حُنين، فجعلوا الأوَّل

стр. 394

ناسخا للثاني الآخِرِ (١)، وهذا تلاعبٌ سَمْجٌ.! ! واحتجوا في قولهم الفاسد بأن تقتل البهيمة ينكحها الرجل، بأنه قد روي "أن رسول الله أحرق رحل الغال" (٢)؛ فهل سمع بأقبح من هذه المجاهرة؟ ! ! (٣). هم يخالفون هذ الخبر مع ما فيه، ولا يرون إحراق رحل الغال أصلا ثم يحتجون به في قتل بهيمة لا ذنب لها؛ لِأَنْ نَكَحَهَا فاسقٌ، تبارك الله! ! تبارك الله! ! تبارك الله! ! . واحتجوا لقولهم الفاسد في أحد الزوجين الكافرين، إذا أسلم

стр. 395

الرجل، وبقيت المرأة وهي مجوسية أو وثنية، أو أسلمت هي، وبقي هو على كفره؛ فهما على زوجيتهما حتى يعرض الإسلام على الكافر منهما؛ فإن أسلم بقيا على نكاحهما؛ وإن أبى فحينئذ ينفسخ النكاح لا قبل ذلك، ولو بقيا كذلك سنين - بالخبر الثابت أن رسول الله ردَّ زينب (١) ابنته ﵂ على أبي العاصي بن الربيع (٢)، إذ أسلم بالنكاح الأول (٣)، وبالخبرين المرسلين أنه ﵇ أبقى أبا سفيان (٤) على

стр. 396

نكاح هند بنت عتبة (١) -وهو أسلم قبلها- وأبقى صفوان بن أمية بنِ خلف (٢) على نكاح امرأته، وهي أسلمت قبله (٣). قال أبو محمد: وكل هذه الأخبار مخالف لقولهم في هذا المكان: أما زينب ابنة رسول الله فأسلمت في أول مبعثه ﷺ ، مع أمها خديجة ﵂ وأسر أبو العاص يوم بدر، وَمَنَّ عليه رسول الله على أن يبعث إليه زينب ففعل (٤)، وعاد أبو العاصي إلى مكة وهي أرض حرب، ودار كفر، وبقي إلى أن أسلم قبل الحديبية بيسير، فردها عليه رسول الله حينئذ بالنكاح الأول، وبين إسلامه، وإسلامها أزيد من ثمانية عشر سنة؛ فكم ترون عرض عليه الإسلام في هذه المدة؟ ! . وبيان هذا هو ما خفي عنهم، فيكون أعذر لهم، أو علموه فهو أمقت لهم عند الله، وهو أن نكاح المسلمة الوثني، ونكاح الوثنية

стр. 397

المسلم، كان حلالا حينئذ حتى حرم الله تعالى ذلك في سورة الممتحنة (١) التي نزلت بعد الحديبية. وأما خبر أبي سفيان وصفوان، فلا يستندان أصلا، ولا حجة في مرسل (٢). وفيهما أن صفوان عرض عليه النبي الإسلام بعد ذلك، فأبى فَأَجَّلَ له أربعة أشهر؛ وشهد حنينا وهو كافر، وهذا خلاف قولهم (٣). وليس في شيء من هذه الأخبار أثر لقولهم؛ وإنما يوافق قول إبراهيم النخعي، وسفيان (٤)، وفيهما أن أي الزوجين أسلم، فهما

стр. 398

على نكاحهما أبدا إلا أنه لا يطؤها فقط؛ ولو صح خبر هند؛ وامرأة صفوان؛ لكان قول إبراهيم هو الذي لا يجوز غيره، ولكنهما لا يصحان كما ذكرنا. واحتجوا لقولهم الفاسد: لا يُقاد مِنْ قاتل مسلم عمدا في جيش المسلمين في دار الحرب، ولا يحد مسلم في زنى في جيش المسلمين في دار الحرب (١)، بخبر فاسد ساقط: "لا تقطع الأيدي في السفر" (٢). فانظروا يا عباد الله، هل في هذا الخبر شيء مما احتجوا به؟ ! ! ثم خالفوه، فقطعوا به السارق في السفر؛ وقطعوا يد المحارب،

стр. 399

ورجله في السفر! ! وأقادوا بقطع الأيدي في السفر (١)! ! نعم، وفي العساكر، ما لم يدخل أرض الحرب، فخالفوا نص الخبر فيما فيه؛ واحتجوا به، فيما ليس فيه مِنْهُ أثر؛ وهذا كما ترون! ! واحتجوا في إيجاب الأضحية فرضا بأثر فاسد، من طريق ابن لهيعة (٢) فيه أنه ﵇ أمر بالأضحية وأن يطعم منها الجار والسائل (٣)، فقالوا هو حجة في إيجاب الأضحية فرضا، وليس هو حجة في الإطعام منها؛ فرضا، وصححوه في إيجاب الأضحية، وأبطلوه في إيجاب الإطعام (٤).

стр. 400

واحتجوا بالخبرين الثابتين عن رسول الله: "لا يضحى بالعوراء البين عورها، ولا بالعرجاء البين عرجها، ولا بمقابلة، ولا بمدابرة ولا شرقاء، ولا خرقاء، ولا بتراء" (١). ثم خالفوا كل ذلك فقالوا: إن ذهب ثلث العين، وبقي ثلثاه جازت في الأضحية، وإن ذهب أكثر من الثلث لم يجز، وإن ذهب من الأذن

стр. 401

الثلث فكذلك، وإن ذهب من الذنب النصف فكذلك؛ وإن بلغت العرجاء المنسك أجزأت؛ وإن كان عرجها بينا، وتجزئ الشرقاء، والخرقاء، والمقابلة، والمدابرة؛ فاحتجوا بهما فيما ليس فيهما شيء من تحديد الثلث في العين، والأذن والذنب؛ وخالفوا كُلُّ مَا نص فيهما، فاعجبوا (١)! ! واحتجوا بأخبار فيها: "لا يؤكل ما طفا من السمك" (٢)؛

стр. 402

وصححوها، ثم خالفوها، فقالوا: إن قتل السمكة حوت؛ أو طائر، أو إنسان، فَمَاتَ فطفا فأكله حلال؛ وإنما يحرم إذا مات حتف أنفه فطفا؛ وليس في تلك الأخبار على ضعفها شيء من هذا (١). واحتجوا في تحريم الضبع، ورد السنة الصحيحة في إباحة أكلها (٢) بخبر فاسد فيه: "ومن يأكل الضبع؟ " (٣).

стр. 403

قال أبو محمد: وهذا لفظٌ -لو صح- لما أوجب تحريمها أصلا؛ وإنما كان يكون فيه تقذرها فقط، فاحتجوا به فيما ليس فيه منه شيء. واحتجوا في إباحة أكل ما ذبحه غاصب، أو سارق، بخبر لا يصح فيه أن رسول الله دعي إلى طعام مع رهط من الأنصار من أصحابه، فَلَمَّا أخذ اللقمة قال: "إني لأجد لحم شاة أخذت بغير حق"، فقالت له المرأة: "بلى يا رسول الله إني أخذتها من امرأة فلان بغير علم زوجها؛ والشاة لزوجها". قال: "فأمر ﵇ بأن تطعم الأسرى" (١). قال أبو محمد: وليس في هذا الخبر إباحة أكلها أصلا؛ بل فيه المنع من أكلها؛ لأنه لو صح ذلك الخبر - لكان فى منعه ﵇ كل

стр. 404

مسلم بحضرته من أكلها؛ وإعطائها الأسرى الكفار الذين يأكلون الميتة ولعلهم كانوا في ضرورة، وهذا أبين دليل على تحريم أكلها على أهل الإسلام، فكيف وهو خبر لا يصح؟ ! . فاحتجوا به فيما ليس فيه منه شيء، وخالفوا فيما فيه، وهم لا يكرهون ما ذبح السارق والغاصب أصلا؛ ولا يحبون لأحد تركه تورعا؛ بل هو عندهم وما ذكاه مالكه سواء. واحتجوا في إباحة الخمر المسكرة بأخبار واهية، ثم ليس فيها شيء مما ذهبوا إليه، وخالفوا نص ما فيها، لأن نصها أنه ﵇ دعا بماء فصبه على ذلك النبيذ الشديد من الزبيب وشربه، ثم قال: "ما اغتلم عليكم منها، فاكسروا متونها بالماء" (١). وهم لا يقولون بهذا أصلا، بل هو حرام عندهم ما لم يطبخ، وإن صُبَّ عليه الماء، وأحلوا المسكر من نبيذ التمر إذا طبخ، وليس هذا

стр. 405

في شيء من تلك الأخبار أصلا (١). واحتجوا لقولهم إن من قال: "أنا كافر إن دخلت دار زيد" أنها يمين، وعليه (٢) كفارة يمين إن دخلها بخبر لا يصح فيه لا نذر في معصية الله تعالى، وكفارته كفارة يمين (٣). وليس في هذا اللفظ شيء مما احتجوا له به، وخالفوا حكمه أيضا، فقالوا: من نذر أن يكفر أو أن يعصي الله تعالى، فلا شيء عليه لا كفارة ولا غيرها (٤). واحتجوا بخبر- لا يصح فيه: "إن طعام الكفَّارة إن كان خبزا يابسا: فغذاء وعشاء" (٥)، وخالفوه قالوا: يجزئ غذاء وعشاء، وعشاء وسحور، سواء كان مأدوما، أو يابسا؛ وليس هذا في شيء من هذا الخبر (٦).

стр. 406

واحتجوا في إباحة أخذ الدنانير من الدَّراهم، والدراهم من الدنانير بخبر ساقط من طريق سماك بن حرب (١) فيه: "لا بأس إذا كان بسعر يومكما، ولم تفترقا، وبينكما شيء" (٢)، فخالفوه في شرطه

стр. 407

بسعر يومكما، وقالوا: لا معنى لمراعاة سعر يَوْمِهِمَا. واحتجوا لقولهم في الرهن يتلف بخبر من طريق سعيد بن المسيب: "لا يغلق الرهن من راهنه، له غُنمه وعليه غُرمه" (١)، والآخر من طريق عطاء (٢) لا يصح أن رجلا رهن فرسا، فمات، فقال له رسول الله: "ذهب حقك" (٣). وصححوهما، وأبطلوا الحق إذا

стр. 408

كان بمقدار الرهن فأكثر؛ ثم خالفوهما، فقالوا: إن كانت قيمة الرهن أقل من قيمة الدين، فما زاد على قيمة الرهن فهو باق على الراهن، لم يذهب ذلك من حق المرتهن، وهذا خلاف ما في الخبرين المذكورين (١). واحتجوا لقولهم الفاسد: إنَّ من أقر بأحد ثلاثة أولاد لأمته، ولم يبين أيهم هو، ثم مات، فإن الأصغر حر؛ ولا يكلف غرامة، ولا يرث، ولا يلحق نسبه، وأن الأوسط يعتق نصفه بلا سعاية ويكلف السعاية عن قيمة نصفه ويعتق، وأن الأكبر يعتق ثلثه بلا سعاية، وثلثاه بالسعاية في قيمتها، بالخبر الذي فيه أن رسول الله بعث خالد ابن الوليد إلى حي من العرب فاعتصموا بالسجود، فقتلهم، فأمر لهم رسول الله بنصف الديات (٢)، فاحتجوا به فيما ليس فيه أثر، ولا

стр. 409

شَبَهٌ ولا مماثلة، ثم خالفوه جهارا فقالوا: لو أن مسلما قتل حربيا قد اعتصم بالسجود لم يلزمه شيء لا دية، ولا نصف دية، ولا غرامة أصلا، لا عليه، ولا على عاقلته، ولا على بيت المال. فإن قال قائل: فما وجه أمره ﵇ لهم بنصف الدية؟ قلت: تَفَضَّلَ رسول الله ﷺ عليهم بذلك، دون أن يجب في ذلك شيء، ولم يقل ﵇ إن نصف الدية واجب لهم، فيلزمنا الطاعة لذلك، إنما هو فَعَلَهُ ﵇، فمن فعله من الأمراء فحسن، ومن لا فلا حرج. واحتجوا بالخبر الثابت: "جرح العجماء جبار" (١)؛ في إبطال

стр. 410

الأخبار فيما جنت المواشي ليلا (١)، وصححوه وأوجبوا الأخذ به، ثم خالفوه أيضا فقالوا: من ركب دابة أو قادها أو ساقها، من ورائها فهو ضامن لما عضت بفمها، ولا ضمان عليه فيما أتلفت بِدَوْسِ (٢) رجليها، أو بركضه بهما، أو بأحدهما، وسواء في كل ذلك كَبَحَهَا أو ضربها، أو لم يفعل شيئا من ذلك (٣). واحتجوا بالخبر المشهور -وإن كان لا يصح- أن رجلا طعن آخر في ركبته بَقْرنٍ، فطلب القود، فقال له رسول الله: "دع حتى تبرأ، فأبى، فأقاده ﵇ قبل أن يبرأ" (٤)، فصححوه واحتجوا به في تأخير القود، وخالفوا ما فيه من تعجيل القود إِن

стр. 411

أَبَى المَجْنِيُّ عليه من التأخير (١). واحتجوا بالخبر الوارد: "أنت ومالك لأبيك" (٢) في إسقاط الحد عن الزاني بأم ولد ابنه، وألحقوا الولد في ذلك بالزاني، وأسقطوا القطع به عن الوالد يسرق مال ولده، والحد إن قذفه؛ أو قذف أمه، ثم خَالَفُوا في نص ما فيه، فلم يبيحوا للأب من مال ابنه فلسا فما فوقه؛ وقضوا عليه بدله بالسجن أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ، وبضمان ما أتلف،

стр. 412

وهذا عجب جدا. ويقال لهم لا تخلو أَمَةُ الولد من أن تكون له، أو لأبيه، أو لهما معا؛ أو لا لواحد منهما؛ ولا سبيل إلى قسم خامس، فإن كانت لا للأب، ولا للابن فحدوا كل من وطئها منهما؛ لأنه وطئ ما لا ملك له فيه؛ ولا تلحقوا ولدها بواحد منهما؛ لا بد من ذلك؛ وإن كانت لهما جميعا فامنعوا الابن من وطئها كما تمنعون الأب؛ وكما تنهون الشريكين عن وطء أمة بينهما، وأنتم لا تفعلون به ذلك؛ وإن كانت للابن لا للأب، فحدوا الأب إن زنى بها، ولا تلحقوا به ولدها؛ لأنه وطئ ما ليست له زوجة، ولا ملك يمين ولا بد من أحد هذه الوجوه (١). واحتجوا لقولهم الفاسد أن الإمام يكبر إذا قال المقيم: قد

стр. 413

قامت الصلاة - بالخبر الذي فيه أن بلالا قَال لرسول الله: لا تسبقني بآمين (١) وبقول أبي هريرة لمروان (٢): "لا تسبقني بآمين" (٣). قال أبو محمد: وليس في هذا الخبر شيء مما قالوا، لأن المقيم إذا قال: قد قامت الصلاة، فلم يبق عليه من الإقامة إلا قول: "قد

стр. 414

قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله"، ثم يكبر للصلاة (١). وبضرورة المشاهدة يدري كل ذي حس سليم، أنه لا سبيل إلى إتمام الإمام ثلاث آيات من أم القرآن؛ فكيف أن يتم جميعها؟ فكيف يسبقه الإمام بآمين؟ ! إن هذا لعجب لا نظير له! ! ! فإن قيل: فما معنى قول بلال لرسول الله: "لا تسبقني بآمين"؛ قلنا: معناه واضح، وهو أن المأموم يقرأ أم القرآن كما يقرأها الإمام؛ فربما كان في قراءة المأموم إبطاء فيسبقه الإمام بآمين، فأراد بلال أن يتمهل رسول الله في قول آمين حتى يتم بلال قراءته وهذا معنى قول أبي هريرة. لا يحتمل هذان الخبران شيئا غير هذا أصلا، وهو خلاف قولهم جهارا. واحتجوا لقولهم الفاسد في أن المتوضئ لا يجزئه من مسح رأسه إلا الربع فأكثر؛ ومرة قالوا: إلا ثلاثة أصابع فأكثر؛ لا يبالي من أي جوانب رأسه مسح مقدار ذلك، بالخبر الثابت المشهور من طريق المغيرة بن شعبة (٢) أن رسول الله توضأ فمسح بناصيته

стр. 415

وعمامته (١). وبالضرورة يدري كلُّ ذي فَهْم أنه ليس في هذا الخبر شيء من المقدارين السخيفين اللذين حدوًا لا بدليل ولا بنص، ويحتاج في حديهما المذكورين إلى خيط يُذرع (٢) به الرأس، ثم خالفوا هذا الخبر الصحيح فيما فيه من مسح العمامة، فرأوه لا معنى له، وهذا قول تقشعر منه جلود المؤمنين، نعوذ بالله منه (٣). وليس في هذا الخبر إلا قولنا في أن المسح على العمامة سنة تجزئ،

стр. 416

وأن مسح بعض الرأس دون تحديد يجزئ، أو قول الأوزاعي (١) والليث (٢) وهو أن مسح الناصية فقط - وهو مقدم الرأس يجزئ وبالله التوفيق (٣). واحتجوا لقولهم الفاسد أن المأموم يكبر مع الإمام لا بعده، ويركع معه لا بعده، ويسجد معه لا بعده، ويرفع معه لا بعده (٤) بالخبر الثابت المشهور عن رسول الله ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا

стр. 417

كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا" (١). قال أبو محمد: وليس في البرهان على قلة الحياء أكثر من احتجاجهم بالحديث المذكور، لأنه ضد قولهم لا يحتمل غير ذلك؛ لأن الفاء في اللغة التي خاطبنا بها رسول الله توجب التعقيب في الرتبة بلا مهلة ولا بد؛ ولا تأتي البتة لكون الأمرين معا، وأيضا، فلا يقال: كبر أو ركع؛ أو رفع أو سجد إلا حتى يكبر، ويركع ويسجد، ويرفع، فإذا تم ذلك من فعل الإمام فحينئذ أمرنا نحن بابتداء عمل التكبير، والركوع والسجود والرفع، فاعجبوا، فهذا مكان العجب! ! ونسأل الله العافية. واحتجوا بالخبر الثابت عن رسول الله أنه كان يطيل الركعة الأولى من الصبح، ومن الظهر أكثر من التي بعدها (٢)، لقولهم أن الركعة

стр. 418

الأولى من صلاة الصبح تُطَوَّلُ أكثر من التي بعدها، ولم يروا ذلك في الأولى من الظهر، فإن قالوا قد روي استواء القراءة في الأوليين من الظهر (١)؛ قلنا: وقد روي استواء القراءة في الركعتين معا من صلاة الصبح (٢). واحتجوا لقولهم في النهي عن السدل في الصلاة، بالخبر الثابت عن رسول الله في النهي عن الإسبال (٣).

стр. 419

وهذه مجاهرةٌ سَمْجَةٌ، لأن الإسبال شيء آخر غير السدل، السدل: هو (١) في الرداء على الصدر بغير قميص، والإسبال: هُوَ جَرُّ ذيل الثوب؛ فاعجبوا لإقدامهم على الباطل جهارا، واحتجوا في قولهم بإسقاط وجوب قراءة أم القرآن في الصلاة، والاقتصار على ما تيسر من القرآن - بالخبر الثابت عن رسول الله ﷺ من طريق أبي هريرة، ورفاعة ابن رافع (٢) إِذْ عَلَّمَ الرجل الصلاة فقال: "واقرأ ما تيسر معك من القرآن" (٣).

стр. 420

وهذا خبر خالفوه كله أوله عن آخره، لأن فيه الأمر بالتكبير في كل خفض ورفع، وبالطمأنينة، والاعتدال في القيام والركوع، والرفع والسجود، والجلوس وهم لا يوجبون الطمأنينة في شيء من ذلك (١). ثم خالفوا ما أَفْهَمُوا أنهم متعلقون به من قوله ﵇: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن"؛ فقالوا: لا يجزئ ذلك، ولا يجزئ إلا ثلاث آيات، أو آية طويلة كآية الدَّيْن (٢). واحتجوا لقولهم الفاسد في مخالقة الخبر الثابت عن رسول الله ﷺ من طريق مالك بن الحويرث (٣) في الجلسة التي بين السجدة والقيام إلى

стр. 421

الركعة الثانية؛ والرابعة (١) بالخبرين المذكورين آنفا من طريق رفاعة بن رافع وأبي هريرة، وقالوا: لم يَذْكُرَا فيه تلك الجلسة، فاحتجوا بالأخبار المذكورة في إسقاط ما ليس مذكورا فيها، وهم قد أسقطوا ما أوجب رَسُولُ الله في تلك الأخبار مما ذَكَرْنَاه في الفصل الذي قبل هذا (٢). وأسقطوا ما في خبر أبي حميد (٣) من رفع اليدين عند الركوع والرفع منه (٤)؛ فخالفوا ما فيها، واحتجوا بِها في إسقاط ما ليس فيها؛ وهم

стр. 422

قد قالوا بالتوجيه (١) وليس مذكورا في شيء من هذه الأخبار. واحتجوا لقولهم الفاسد في إسقاط فرض السلام، والتشهد، وإيجاب فرض الجلوس ساكتا إن شاء مقدار التشهد ولا بد (٢)؛ بالخبر الثابت عن رسول الله من طريق ابن مسعود أنه ﵇ علمه التشهد وأمره أن يقوله في آخر صلاته، ثم قال له ﵇: "فإذا قلت ذلك، فقد قضيت صلاتك؛ فإن شئت فقم وإن شئت فاقعد" (٣).

стр. 423

فاعجبوا لهذه الفضائح أن يحتجوا بأمره ﵇، أن يقال التشهد في أنه لا يجب أن يقال ذلك فرضا ويحتجون به في إيجاب الجلوس الذي ليس في هذا الخبر، ولا في غيره أمر به أصلا. وإنما وجب بوجوب التشهد فيه فقط، ولولا وجوب القول للتشهد في حال الجلوس، ما كان الجلوس فعكسوا الحقائق عكسا. ثم خالفوا هذا الخبر الذي احتجوا به في إسقاط فرض السلام، عند تمام الصلاة في عشر مسائل أوجبوا فيها السلام فرضا لا تتم الصلاة إلا به، بل تبطل بما حدث فيها ما لم يسلم منها؛ وإن كان ذلك الحادث بعد قعوده في آخر الصلاة بمقدار التشهد، منها: طلوع الشمس، ومنها خروج وقت الجمعة، وانقضاء وقت المسح على الخفين في باقي

стр. 424

تلك المسائل، وقد ذكرناها في غير هذا المكان (١)، وعند ذكرنا في هذا الديوان إن شاء الله تعالى مسائلهم الفاسدة المخالفة للقرآن والسنن وأقوال الصحابة والمعقول والقياس. واحتجوا لقولهم الفاسد في جواز صلاة الإمام في مكان أرفع من مكان صلاة المأمومين بقامة، وبطلان صلاته وصلاتهم إن كان وقوفه في موضع أرفع من مكان صلاة المأمومين بأكثر من قامة (٢) - بالخبر

стр. 425

الثابت من صلاة رسول الله بالناس - وهو قائم على المنبر، ثم ينزل فيسجد على الأرض، ثم يرجع فيقوم على المنبر (١). فتأملوا -رحمنا الله تَعالى وإياكم- هل في هذا الخبر منع مما منعوا، أو إباحة ما أباحوا؛ أو التحديد بما حدوا من القامة؟ ! . فليت شعري أي قامة هي؟ وقد رأينا بعض الناس أكثر من تسعة أشبار بالشبر التام الكبير! ! ورأينا قامة بعضهم لا تتجاوز ستة أشبار إلا بأقل من شبر! ! فاعجبوا لهذه الفضائح! ! واحتجوا في معصيتهم الخبر الثابت أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله ﷺ في مسجده، ثم يرجع، فيؤم قومه بني سلمة في تلك الصلاة، وَعَلِمَ رسول الله بذلك (٢) - بالخبر عن ابن
следующие страницы →