← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 33

الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس

ابن حزم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الركعة الثانية؛ والرابعة (١) بالخبرين المذكورين آنفا من طريق رفاعة بن رافع وأبي هريرة، وقالوا: لم يَذْكُرَا فيه تلك الجلسة، فاحتجوا بالأخبار المذكورة في إسقاط ما ليس مذكورا فيها، وهم قد أسقطوا ما أوجب رَسُولُ الله في تلك الأخبار مما ذَكَرْنَاه في الفصل الذي قبل هذا (٢). وأسقطوا ما في خبر أبي حميد (٣) من رفع اليدين عند الركوع والرفع منه (٤)؛ فخالفوا ما فيها، واحتجوا بِها في إسقاط ما ليس فيها؛ وهم

стр. 422

قد قالوا بالتوجيه (١) وليس مذكورا في شيء من هذه الأخبار. واحتجوا لقولهم الفاسد في إسقاط فرض السلام، والتشهد، وإيجاب فرض الجلوس ساكتا إن شاء مقدار التشهد ولا بد (٢)؛ بالخبر الثابت عن رسول الله من طريق ابن مسعود أنه ﵇ علمه التشهد وأمره أن يقوله في آخر صلاته، ثم قال له ﵇: "فإذا قلت ذلك، فقد قضيت صلاتك؛ فإن شئت فقم وإن شئت فاقعد" (٣).

стр. 423

فاعجبوا لهذه الفضائح أن يحتجوا بأمره ﵇، أن يقال التشهد في أنه لا يجب أن يقال ذلك فرضا ويحتجون به في إيجاب الجلوس الذي ليس في هذا الخبر، ولا في غيره أمر به أصلا. وإنما وجب بوجوب التشهد فيه فقط، ولولا وجوب القول للتشهد في حال الجلوس، ما كان الجلوس فعكسوا الحقائق عكسا. ثم خالفوا هذا الخبر الذي احتجوا به في إسقاط فرض السلام، عند تمام الصلاة في عشر مسائل أوجبوا فيها السلام فرضا لا تتم الصلاة إلا به، بل تبطل بما حدث فيها ما لم يسلم منها؛ وإن كان ذلك الحادث بعد قعوده في آخر الصلاة بمقدار التشهد، منها: طلوع الشمس، ومنها خروج وقت الجمعة، وانقضاء وقت المسح على الخفين في باقي

стр. 424

تلك المسائل، وقد ذكرناها في غير هذا المكان (١)، وعند ذكرنا في هذا الديوان إن شاء الله تعالى مسائلهم الفاسدة المخالفة للقرآن والسنن وأقوال الصحابة والمعقول والقياس. واحتجوا لقولهم الفاسد في جواز صلاة الإمام في مكان أرفع من مكان صلاة المأمومين بقامة، وبطلان صلاته وصلاتهم إن كان وقوفه في موضع أرفع من مكان صلاة المأمومين بأكثر من قامة (٢) - بالخبر

стр. 425

الثابت من صلاة رسول الله بالناس - وهو قائم على المنبر، ثم ينزل فيسجد على الأرض، ثم يرجع فيقوم على المنبر (١). فتأملوا -رحمنا الله تَعالى وإياكم- هل في هذا الخبر منع مما منعوا، أو إباحة ما أباحوا؛ أو التحديد بما حدوا من القامة؟ ! . فليت شعري أي قامة هي؟ وقد رأينا بعض الناس أكثر من تسعة أشبار بالشبر التام الكبير! ! ورأينا قامة بعضهم لا تتجاوز ستة أشبار إلا بأقل من شبر! ! فاعجبوا لهذه الفضائح! ! واحتجوا في معصيتهم الخبر الثابت أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله ﷺ في مسجده، ثم يرجع، فيؤم قومه بني سلمة في تلك الصلاة، وَعَلِمَ رسول الله بذلك (٢) - بالخبر عن ابن

стр. 426

عمر: "نهانا رسول الله أن نصلي صلاةً في يوم مرتين" (١). وقد علم كل ذي فهم وإنصاف، أنه ليس في خبر معاذ صلاة في يوم مرتين، لأن الثانية التي كان يصلي بقومه إنما كانت تطوعا، وليس في خبر ابن عمر نهي عن صلاة الفرض خلف المتطوع. ثم خالفوا خبر ابن عمر هذا، وأجازوا لمن صلى الظهر والعتمة في جماعة أو وحده، ثم وجد جماعة أخرى تصلي تلك الصلاة، أن يصليها معهم، فإن قالوا: إنَّما هي له تطوع، قلنا: وصلاة معاذ بقومه إنما كانت تطوعا، ولا فرق. وقد صح أن رسول الله صلى بأصحابه بطائفة صلاة فرض ركعتين، ثم سلم وسلموا؛ ثم صلى تلك الصلاة بالطائفة الثانية ركعتين، ثم سلم وسلموا (٢).

стр. 427

وهذا هو فعل معاذ نفسه وبالله التوفيق، فاعجبوا لعظيم تخليطهم، واحمدوا الله تعالى على السلامة. واحتجوا في مخالفتهم الخبرَ الصحيحَ في تسليم الأنصار على رسول الله وهو يصلي، فكان ﵇ يرد عليهم بالإشارة بيده (١)، فقالوا: لعل تلك الإشارة كانت نهيا لهم عن السَّلام عليه في حال الصلاة فقلنا: وما علمكم بذلك؟ وهذا لا يعقل من الإشارة أصلا (٢).

стр. 428

ثم هبكم أنه كَما قلتم -ومعاذ الله أن يكون كذلك- أتجوز عندكم الإشارة في الصلاة على معنى النهي عن شيء ما؟ فَمِنْ قولهم لا يجوز ذلك، فقلنا: فكيف تعرفون فعله عن المفهوم منه بالظن الكاذب؟ وتتأولون فيه تأويلا أنتم أول من يخالف ذلك التأويل، ويبطله؟ أيكون في التسكع في ظلمات الجهل أكثر من هذا؟ ! واحتجوا في رَدِّ السنة الثابتة عن رسول الله في أن يركع من دخل المسجد في يوم الجمعة والإمام يخطب - ركعتين قبل أن يجلس من طريق أبي سعيد وجابر، وأنه ﵇ أمر بذلك (١).

стр. 429

فاحتجوا في معصيته ﵇ مع أمره بذلك، بخبر لا يصح فيه أن رسول الله رأى رجلا دخل المسجد يوم الجمعة، فتخطى رقاب الناس، فقال له رسول الله: "اجلس فقد آذيت وآنيت" (١)، وبالخبر الذي فيه: "أن أبا ذر سمع رسول الله يخطب يوم الجمعة، فقرأ سورة، فقال أبو ذر لأبي بن كعب: متى نزلت هذه؟ فلم يُجِبْهُ أبي، فلما قضى رسول الله صلاته، قال أُبيٌّ لأبي ذر: ما لك من صلاتك إلا ما لغوت، فقال رسول الله: "صدق أُبَيٌّ" (٢).

стр. 430

وبالخبر الثابت من طريق أبي هريرة عن النبي أنه قال: "إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت" (١). فاعجبوا أيها السامعون لهذه الجهالة والتمويه! ! هل في شيء من هذه الأحاديث نهي عما أمر به ﵇ الداخل في المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب - بأن يصلي ركعتين قبل أن يجلس وهل في الخبر (٢) -لو صح وهو لا يصح- أن النبي كان يخطب إذ دخل ذلك الرجل، فهل إقحام أنه "كان يخطب". في ذلك الخبر إلا كذب ومجاهرة بالزور؟ !

стр. 431

وهل فيه القطع بأن ذلك الداخل لم يكن ركع قبل أن يتخطى رقاب الناس؟ ! وهل فيه أن ذلك كان بعد أمره ﵇ الداخل في المسجد، والإمام يخطب بأن يصلي ركعتين؟ فاعجبوا لسهولة الباطل على ألسنة هؤلاء القوم وقلوبهم (١)! ! وأما خبر أبي هريرة، فإنما فيه نهي للكلام (٢) في حال خطبة الإمام وكذلك خبر أبي ذر، وليس في شيء منها نهي عن الركعتين، ولا خلاف لخبر أبي سعيد وجابر، ولا موافقة لقولهم أصلا. واحتجوا في إيجابهم الخطبة يوم الجمعة فرضا بأنه عمل رسول الله المروي عنه (٣)، فقلنا لهم ذلك العمل المروي عنه، لم يختلف فيه أنه

стр. 432

كان خطبتين، وهو قائم يجلس بينهما، فلم يروا هذه الصفة فرضا؛ فاعجبوا لهذا التلاعب أن يكون بعض عمله ﵇ في قصة واحدة فرضا، وبعضه ليس فرضا بلا دليل أصلا لا من قرآن ولا سنة صحيحة؛ ولا سقيمة، ولا قول صاحب؛ ولا قياس؛ ولا معقول (١). واحتجوا في قولهم أنه لا يدخل وقت العصر إلا إذا زاد الظل بعد طرح ظل الزوال على المثلين من كل قائم (٢) - بالخبر الثابت عن رسول الله في تمثيل عمل اليهود والنصارى بالأُجَرَاء الذين عملوا من أول النهار إلى صلاة الظهر، ثم الأُجَرَاء الذين عملوا من الظهر إلى

стр. 433

صلاة العصر، وشبه عملنا بِعَمَلِ الذين عملوا من العصر إلى الليل، وضوعف لهم الأجر، فكانوا أقل عملا وأكثر أجرا (١). وليس في الخبر شيء مما ذكروا، لأن الزيادة على المثلين لكل قائم بعد طرح ظل الزوال في كل أوان ومكان، إنما تبدأ بعد مضي أربعة أخماس النهار، غير عشر سدس النهار، والزيادة على مثل كل قائم، بعد طرح ظِلِّ الزوال في كل زمان ومكان، إنما تبدأ بعد مضي ثلاثة أرباع النهار غير عشر سدس النهار، فأي الأمرين كان فهو أقل مِنْ عَمَلِ الطائفتين معا، ولم يقل ﵇ في الخبر المذكور: إننا أقل عملا من كل طائفة على انفرادها، فخالفوا بهذه الظنون الفاضحة نص كلام رسول الله: أن وقت العصر يبدأ إذا زاد الظل على مثل القائم؛ وهذا بيان لا يحتمل تأويلا أصلا. واحتجوا لأقوالهم الفاسدة فيما أجازوه من الصلوات، بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر؛ وما منعوا منها في الوقتين المذكورين، بالأخبار الصحيحة الثابتة في نهي رسول الله عن الصلاة بعد الصبح

стр. 434

حتى تَصْفَرَّ الشمس؛ وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس (١)، ثم خالفوا هذا النهي فأجازوا قضاء الفرائض بعد صلاة الصبح ما لم تأخذ الشمس في الطلوع؛ وبعد صلاة العصر حتى تأخذ الشمس في الغروب (٢)، وليس هذا في الأخبار المذكورة، وأبطلوا صلاة الصبح إن لم يسلم منها قبل أَوَّلِ طلوع حاجب الشمس (٣)، وأجازوا صلاة العصر، وإن أخذت الشمس في الغروب (٤)، وهو خلاف الآثار كلها التي احتجوا بها في ذلك.

стр. 435

واحتجوا لقولهم في اختيار تأخير صلاة الصبح بالخبر عن ابن مسعود في تعجيل صلاة الصبح بمزدلفة أنها صلاة حولت عن وقتها في ذلك المكان (١)؛ ثم خالفوا هذا الخبر في نص ما فيه فقالوا: ليس كما قال: أنها حولت عن وقتها، بل ما تصلى إلا في وقتها المعهود (٢).

стр. 436

واحتجوا لقولهم أن الصبي لا تلزمه زكاة، وكذلك المجنون بالخبر الثابت عن رسول الله: "رفع القلم عن ثلاث، فذكر الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق" (١)؛ ثم خالفوه في ذلك، فأوجبوا الزكاة فيما أخرجت أرضهما (٢).

стр. 437

واحتجوا في رد السنن الثابتة عن رسول الله في رفع اليدين عند الركوع، والرفع من الركوع، وعند السجود، والقيام من الجلسة (١) بالخبر الذي فيه: "ما لي أراكم رافعي أيديكم في الصلاة كَأنَّها أذناب خيل شُمَّسٍ، اسكنوا في الصلاة" (٢) ثم خالفوه فرأوا رفع الأيدي

стр. 438

في تكبيرة الإحرام، وعند كل تكبيرة في صلاة العيدين؛ وعند كل تكبيرة على الجنازة. ورأيت الإباضية (١) يحتجون بهذا الخبر في المنع من رفع الأيدي للإحرام وغيره، فكانوا أَطْرَدَ منهم لباطلهم! ! وهذا الخبر منسوخ بفعل رسول الله في رفعه يديه المقدستين في الصلاة في كل خفض ورفع؛ وبرهان ذلك أن من المحال الممتنع أن يكون ﵇ ينهاهم فيه عن الاقتداء به في ذلك؛ فصح أنه كان قبل أن يفعله ﵇ بلا شك، وجاء مبينا أنهم كانوا يرفعون عند السلام. واحتجوا لقولهم في إسقاط فَرْضِ التشهد بالخبر الذي فيه: "إذا

стр. 439

رفع أحدكم رأسه من آخر السجدة، فقد تمت صلاته" (١)، وهم لا يقولون بهذا، بل يوجبون الجلوس بمقدار التشهد فرضا؛ واحتجوا لذلك بخبر ساقط فيه: "إذا قعد الإمام قبل أن يسلم فأحدث فقد تمت صلاته" (٢)؛ فخالفوه أيضا، وزادوا مقدار التشهد ولا بد.

стр. 440

واحتجوا لقولهم مَنْ نام خلف إمام حتى فاتته ركعة فأكثر، فإنه يقضي الذي فاته حتى يلحق بالإمام بما روي - مما لا يصح - "إن الناس كانوا إذا جاؤوا ووجدوا النبي يصلي، صلوا ما سبقهم حتى يلحقوه" (١)، ثم هم أول مخالف لهذا العمل، وأول عاصي له، ومبطل لما فيه، ولصلاة من عمل به، فاعجبوا لهذه الفضائح! ! (٣٤ / ت) واحتجوا في إيجاب الوتر بخبر روي فيه أن رسول الله قال: "أوتروا"؛ فقال له أعرابي: "ما قلت يا رسول الله؟ فقال ﵇: "ليس لك ولا لأصحابك" (٢)؛ وهم لا يقولون بهذا بل هو عندهم على الأعرابي كما هو على غيرهم.

стр. 441

الأعراب عن الحيرة والألتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس تأليف الإمام الحافظ أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري (٣٨٤ هـ- ٤٥٦ هـ) دراسة وتحقيق الدكتور محمد بن زين العابدين رستم تقديم الدكتور زين العابدين بن محمد بلافريج أستاذ التعليم العالي بجامعة الدار البيضاء بالمغرب [الجزء الثاني]

стр. 442

ثم احتجوا في ذلك أيضا بأخبار لا تصح: "من لم يوتر، فليس منا" (١). وهم لا يقولون بهذا، بل يقولون: ليس فرضا ولا تطوعا، بل هو واجب، فكان هذا عجبا: حكمٌ لا واجبٌ ولا تطوعٌ، ولا حرامٌ، هذا ما لا يعقل (٢)! ! ! واحتجوا لقولهم: أن من شك فلم يدر كم صلى أن ذلك إن كان في أول مرة، فإنه يبتدئ صلاته تلك، فإن كان ذلك بعد مرار تحرى أغلب ظنه؛ فإن لم يكن له ظن غالب بنى على اليقين بالخبر الذي فيه:

стр. 443

"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (١)، وبالخبر الذي فيه: "لا غرار في صلاة، ولا في تسليم" (٢). فليتأمل كُلُّ مَنْ له أقل نظر هل في هذين الخبرين شيء مِمَّا قالوه بوجه من الوجوه؟ أو هل فيهما فرق بين أن يَعْرض ذلك في أول مرة؛ أو أن يعرض ذلك مرتين فأكثر (٣)؟

стр. 444

واحتجوا بإسقاطهم سجود السهو عن المأموم بقول رسول الله: "إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه" (١)، وليس في سجود المأموم بعد تمام صلاة الإمام، وتمام صلاته أيضا اختلاف على الإمام (٢). ثم أجازوا الاختلاف على الإمام حقا، في إباحتهم للمأموم تفوته بعض صلاة الإمام إذا قعد إمامه مقدار التشهد في آخر صلاته، ولم يسلم، أن يقوم المأموم إلى قضاء ما فاته ويجزئه. ثم قالوا فإن طلعت الشمس كذلك على الإمام قبل أن يسلم، بطلت صلاته، ثم إن قهقه بعد ذلك انتقض وضوءه، فهذا هو الاختلاف على الإمام بالهوس حقا لا سجود الساهي لسهوه بعد تمام صلاة إمامه (٣)! !

стр. 445

واحتجوا لقولهم السخيف المتناهي في الحماقة في أن من قام على نجاسة في صلاته، بطلت صلاته عَمدًا كان، أو غير عالم بها، فإن جلس عليها، أو وضع عليها يديه، أو ركبتيه عمدا، عالما بها؛ لم يضر ذلك صلاته شيئا (١). واختلف قولهم في السجود عليها، فمرة أبطلوا الصلاة بذلك، ومرة لم يبطلوا الصلاة (٢) بذلك. فإن قالوا وضعه يديه وركبتيه على النجاسة بمنزلة ترك وضعه يديه وركبتيه عليها؛ لأن وضعه يديه وركبتيه على الأرض ليس فرضا، ولا عليه أن يضع شيئا من ذلك على الأرض في سجوده. فلما سئلوا: من أين قلتم هذه الفضيحة؟ وأجزتم صلاةً لا يضع المرء فيها يديه ولا ركبتيه، ولا جبهته على الأرض في السجود؟ ! ويجزئه وضع أنفه على الأرض فقط (٣)؟ ! وهذه صلاة العبث واللعب والهزل والاستخفاف

стр. 446

بالديانة - قالوا: إنما قلنا هذا لما روي عن رسول الله: "من صلى عاقصا رأسه كمن صلى وهو مكتوف" (١)، فكان هذا الاحتجاج عجبا في الحماقة! ! أترى أن أحدا في العالم يجهل أن من صلى - وهو مكتوف. فإنه لا يقدر على أكثر من ذلك؛ وأن الله تعالى لم يكلفه قط ما أعجزه عنه! ! أفيجوز أن يُشَبَّه عامِدٌ لاعبٌ عابثٌ مستهزيءٌ عَيَّارٌ (٢) يصلي فرضه، فلا يضع في سجوده فيها يدا، ولا ركبة ولا جبهة على الأرض،

стр. 447

بمنزلة الزامر (١) يُخرج اللُّعب في العرس، بمغلوب مَكْتُوفٍ يؤدي فرضه كما يقدر، وكما كلفه الله تعالى ولا مزيد؟ ! ! ثم قبل كل شيء وبعده أي مدخل لمن لم يضع يديه وركبتيه في سجوده فيما في الخبر المذكور، من أن من صلى عاقصا رأسه كمن صلى وهو مكتوف؟ ! وهذا نهي عن الصلاة عاقصا، وهم يجيزون صلاة من لم يضع يديه ولا ركبتيه في السجود على الأرض؟ ! ولو أن قليل المبالاة مثلهم يحتج في إبطال فرض القيام في الصلاة، بسقوطه عن المريض؛ وعن الراكب الخائف، لكان أقل إبهاما منهم في إسقاطهم فرض وضع الركبتين والجبهة بتمثيل صلاة من عقص شعره بصلاة من صلى وهو مكتوف؟ ! ! واحتجوا في استنجاس البول بخبر ساقط فيه: "إنما تغسل ثوبك من البول" (٢)، ثم خالفوه، فقالوا: لا يغسل الثوب من بول ما لا

стр. 448

يحل أكل لحمه، ومن بول الإنسان إلا أن يكون أكثر من قدر الدرهم البغلي، ولا يغسل ثوبٌ من بول ما يؤكل لحمه، إلا أن يكون كثيرا فاحشا (١). وحد أبو يوسف الكثير الفاحش بشبر في شبر (٢). فَيَا عَجَبًا لهذا التحديد! ! ثم عجبٌ ثانٍ أي شبر هو؟ ! ! واحتجوا في صفة تطهير الخف بالخبر المشهور: "إن طهوره مسحه بالتراب" (٣)، ثم خالفوه فقالوا: أما من العذرة اليابسة فنعم، وأما من

стр. 449

البول يابسه ورطبه، ومن العذرة الرطبة فلا، ولا بد من غسله (١). واحتجوا في استخلاف الإمام إذا أحدث، بالخبر الثابت المشهور بأن رسول الله خَرَجَ، فَأمَّ المسلمين في باقي صلاتهم (٢)؛ وليس في هذا الخبر حدث من الإمام أصلا؛ وهم يقولون إنه مَنْ فَعَلَ كفعل النبي وأبي بكر وجميع من حضر تلك الصلاة من الصحابة، فصلاتهم كلهم باطلة؛ وفعلهم خطأ. قال أبو محمد: هذا الضلال المبين، والقول الذي تأباه نفوس المؤمنين! ! . وأضافوا إلى ذلك مخالفة الخبر في نص ما فيه، والاحتجاج به فيما

стр. 450

ليس فيه منه أثر وخالفوا إجماع الصحابة، وآخر فعل رسول الله، فما صلى ﵇ بالمسلمين في مسجده صلاة بعدها (١). واحتجوا لقولهم الفاسد: أنه لا فطر ولا قصر إلا في سفر ثلاثة أيام بلياليهن بالخبر الثابت عن رسول الله: "يمسح المسافر ثلاثة أيام" (٢) وليس في هذا الخبر للفطر والقصر أثر لا بنص، ولا بدليل ولا بإشارة ولا بوجه من الوجوه، ثم خالفوا نص هذا الخبر فيما فيه، وفيما قصد به، لأن نصه وحكمه أن يَمْسَحَ المسافر ثلاثا من الليالي، فقالوا هم: لا يجوز له هذا، ولا يحل له المسح ثلاثا من الليالي بأيامهن لمن (٣) يصلي بالمسح ثلاث ليال بأيامهن فقط، ولا مزيد.

стр. 451

وليس هذا في الخبر أصلا، فاعجبوا لهذه الفضائح! ! واحتجوا لقولهم الفاسد أن الجمعة لا تجزئ إلا بسلطان بالخبر الثابت عن رسول الله من طريق مالك بن الحويرث (١): "صلوا كما تروني أصلي" (٢). فكان هذا من عجائب الدهر، وهل رأي مَن لا يرمي الناسَ بالحجارة في هذا الكلام تخصيصا للجمعة دون سائر الصلوات (٣)! !

стр. 452

أليس هذا من الحُمق الذي لا دواء له؟ ! ومن الاستخفاف في الدين؟ ! ! ثم خالفوه في نصه، فقالوا: إن صلى الإمام جالسا، لم يصل من يصلي خلفه كما يرونه يصلي، بل بخلاف ما يرونه يصلي. واحتجوا لقولهم إن الإمام إذا صلى بالناس جالسا لمرض به، فإن الناس لا يصلون وراءه إلا قياما بالخبر الثابت عن رسول الله إذ خرج فوجد أبا بكر قائما يصلي بالناس، فتأخر أبو بكر، وصلى رسول الله بالناس قاعدا (١). قال أبو محمد: فخالفوا هذا الخبر فيما فيه، وقالوا: إن تأخر إمام الغير حدث، وتقدم الآخر الخليفة كان، أو غيره، بطلت صلاة الإمامين، وصلاة جميع المأمومين (٢)، ثم أقحموا فيه جرأة، وتمويها بالباطل، وغرورا لضعفاء المسلمين المقتدين بهم ما ليس فيه، من أن المسلمين صلوا وراءه ﵇ قياما (٣).

стр. 453

وليس في شيء من الخبر شيءٌ من هذا أصلا، حاشا أن أبا بكر كان قائما يُؤْذِنُ النَّاسَ بصلاة رسول الله ﷺ فقط (١). واحتجوا لقوله في بطلان صيام من تسحر يظنه ليلا، فوافق ذلك إثر طلوع الفجر، وقبل أن يتبين بياض الفجر بالخبر الثابت عن رسول الله: "إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحتَ، أصبحتَ" (٢). فكان هذا التمويه منهم عجبا من عجائب الدنيا. وعدم حياء بالجملة، لأن نص هذا الخبر موافق لنص القرآن الذي خالفوه بآرائهم الفاسدة،

стр. 454

إذ يقول تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١). فلم يحرم الله تعالى قط الجماع، ولا الأكل، ولا الشرب بطلوع الفجر، بل كل ذلك مباح حلال طَلْقٌ وإن طلع الفجر الثاني، ما لم يتبين بياضه للمجامع. والآكل، والشارب، وإنما يحرم عليه كل ذلك بعد تبينه بياض الفجر بأول الآية، وبآخرها إذ يقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢). فإنما ألزمنا تعالى الصيام بعد أن يتبين لنا بياض الفجر، لا بطلوع الفجر أصلا، والخبر المذكور بالآية سواء بسواء في هذا الحكم؛ لأنه ﵇ أمر بالأكل والشرب حتى ينادي ابن أم مكتوم (٣)؛ وهو

стр. 455

لا ينادي حتى يقال له: أصبحت، أصبحت، وإنما ينادي بعد تبين الفجر للناس، وبندائه يحرم الأكل والشرب، لا قبل ندائه أصلا؛ فأعجبوا لقلة حياء هؤلاء القوم إذ يدعون في هذا الخبر ضد ما فيه جهارًا، ويخالفون القرآن بكذبهم ورأيهم الفاسد، ولا يهابون فضيحة عاجلة وآجلة؛ نعوذ بالله مما ابتلاهم به. ثم زاد بعضهم كذبا وجرأة، فقالوا معنى قولهم له: "أصبحتَ، أصبحتَ" أي قاربت الصباح وهذا أراد رسولُ الله ﷺ (١). فحصَّلوا من هذا التأويل الكاذب على رسول الله، على عظيمتين من الكبائر: إحداهما: الكذب بما لا دليل عليه، والثانية: الكذب على رسول الله بدعواهم أنه هذا أراد، ولا برهان لهم بذلك. ثم الطامة أن يقال لهم: إن كان كما تقولون، فإنما كان يؤذن ابن أم مكتوم أيضا بليل لا بعد طلوع الفجر، وأنتم لا تقولون هذا. وأيضا فيلزمكم أنه يحرم الأكل حينئذ؛ وهو قبل الفجر، وما قال مسلم قط: إن الأكل يحرم قبل طلوع الفجر! ! فاعجبوا لتلوثهم (٢) في وضر (٣) الكذب والباطل! ! واسألوا الله العافية.

стр. 456

واحتجوا لقولهم: لا يؤذن لصلاة الصبح إلا بعد طلوع الفجر، بالخبر الصحيح المشهور عن رسول الله: "إن بلالا يؤذن بليل ليوقظ نائمكم، ويرجع قائمكم" (١). وهم لا يجيزون هذا أصلا؛ ولا يبيحون لأحد أن يؤذن قبل الصبح، لإرجاع القائم؛ وإيقاظ النائم، واعجبوا لتخليطهم وتلاعبهم، واحمدوا الله على السلامة (٢)! ! واحتجوا لقولهم الفاسد: لا يجوز التمادي في صلاة الصبح، ولا ابتداؤها من أول ما يبدو حاجب الشمس إلى أن يتم طلوعها؛ فإذا تم طلوع القرص جاز قضاء جميع الصلوات الفائتات وإن لم ترتفع الشمس،

стр. 457

ولا ابيضت ولا صفت، بالخبر الثابت عن رسول الله المشهور إذ نام عن صلاة الصبح، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس، وفي بعض ألفاظه: "فما أيقظهم إلا حر الشمس، فأمرهم ﵇ أن يقتادوا رواحلهم، حتى ارتفعت الشمس ثم صلى بهم الصبح" (١). قال أبو محمد: وهذا عجب ما مثله عَجَبٌ: أن يموهوا بهذا الخبر، وجميع ألفاظه من جميع طرق رواته مخالفة لمذهبهم في ذلك، لأنهم يأمرون بقضائها إثر تمام طلوع القرص، قبل ارتفاع الشمس، وقبل ابيضاضها، وقبل أن تَصْفُوَ، ويبيحون حينئذ الصلاة على الجنازة، وسجود التلاوة بخلاف نص الخبر المذكور، فخالفوا الخبر في نص ما فيه، ومَوَّهُوا به فيما ليس فيه منه شيء، ولا أثر ولا إشارة، وإني لأَعْجَبُ من جواز تمويههم هذا مُذْ أزيدَ من مائتي عام، وغَفْلَةِ خصومهم عن التنبه له؛ والتنبيه عليه، وحسبنا الله ونعم الوكيل (٢).

стр. 458

واحتجوا لقولهم الفاسد: أنَّه من طلع له أوَّلُ حاجب الشمس، وقد صلى صلاة الصبح كلها، وقعد مقدار التشهد وأكثر، إلا أنه لم يسلم بعد، فإن صلاته قد بطلت وفسدت، وعليه أن يبتدئها بعد تمام طلوع الشمس، بالخبر المشهور عن رسول الله من نهيه عن الصلاة حين طلوع الشمس حتى تبرز، وحين استوائها حتى تميل، وحين غروبها حتى تغيب (١). وادعوا أنهم يعولون على هذا الخبر، وعصوا له [بجهلهم] (٢) الأخبار الثابتة: "من أدرك ركعة من الصبح، قبل طلوع الشمس، فقد أدرك الصبح" (٣). و"من نسي صلاة، أو نام عنها، فليصلها حين ذكرها، لا كفارة لَهَا إلا ذلك" (٤).

стр. 459

ثم خالفوه في بعض ما فيه، فأجازوا صلاة العصر حين غروب الشمس بيسير وبعده، ولم يكرهوا ذلك، وكرهوا صلاة الجنازة في الأوقات المذكورة فيه، وأجازوها إن صليت في الأوقات المذكورة، ولم يروا إعادتها بخلاف الصلوات الخمس المفروضات. فإن قالوا قد روي: "من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل غروب الشمس، فقد أدرك العصر" (١)؛ قلنا: نعم، وفي هذا الخبر نفسه: "ومن أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل طلوع الشمس فقد أدرك الصبح" فمرة يحتجون بالخبر ويصححونه إذا وافق فاسد رأي أبي حنيفة؛ ومرة يخالفونه إذا خالف فاسد رأيه! ! نعوذ بالله من هذا التحكم بالباطل. واحتجوا في أن من سَلَّم في الصَّلاة سهوا، أن صلاته لا تبطل، بل يبني على ما صلى ويسجد للسَّهو بعد السلام بخبر أبي هريرة في أمر ذي

стр. 460

اليدين (١)، وخبر عمران بن الحصين (٢) في أمر الخرباق (٣)، ثم
следующие страницы →