← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 33

الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس

ابن حزم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

واحتجوا لقولهم: لا يؤذن لصلاة الصبح إلا بعد طلوع الفجر، بالخبر الصحيح المشهور عن رسول الله: "إن بلالا يؤذن بليل ليوقظ نائمكم، ويرجع قائمكم" (١). وهم لا يجيزون هذا أصلا؛ ولا يبيحون لأحد أن يؤذن قبل الصبح، لإرجاع القائم؛ وإيقاظ النائم، واعجبوا لتخليطهم وتلاعبهم، واحمدوا الله على السلامة (٢)! ! واحتجوا لقولهم الفاسد: لا يجوز التمادي في صلاة الصبح، ولا ابتداؤها من أول ما يبدو حاجب الشمس إلى أن يتم طلوعها؛ فإذا تم طلوع القرص جاز قضاء جميع الصلوات الفائتات وإن لم ترتفع الشمس،

стр. 457

ولا ابيضت ولا صفت، بالخبر الثابت عن رسول الله المشهور إذ نام عن صلاة الصبح، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس، وفي بعض ألفاظه: "فما أيقظهم إلا حر الشمس، فأمرهم ﵇ أن يقتادوا رواحلهم، حتى ارتفعت الشمس ثم صلى بهم الصبح" (١). قال أبو محمد: وهذا عجب ما مثله عَجَبٌ: أن يموهوا بهذا الخبر، وجميع ألفاظه من جميع طرق رواته مخالفة لمذهبهم في ذلك، لأنهم يأمرون بقضائها إثر تمام طلوع القرص، قبل ارتفاع الشمس، وقبل ابيضاضها، وقبل أن تَصْفُوَ، ويبيحون حينئذ الصلاة على الجنازة، وسجود التلاوة بخلاف نص الخبر المذكور، فخالفوا الخبر في نص ما فيه، ومَوَّهُوا به فيما ليس فيه منه شيء، ولا أثر ولا إشارة، وإني لأَعْجَبُ من جواز تمويههم هذا مُذْ أزيدَ من مائتي عام، وغَفْلَةِ خصومهم عن التنبه له؛ والتنبيه عليه، وحسبنا الله ونعم الوكيل (٢).

стр. 458

واحتجوا لقولهم الفاسد: أنَّه من طلع له أوَّلُ حاجب الشمس، وقد صلى صلاة الصبح كلها، وقعد مقدار التشهد وأكثر، إلا أنه لم يسلم بعد، فإن صلاته قد بطلت وفسدت، وعليه أن يبتدئها بعد تمام طلوع الشمس، بالخبر المشهور عن رسول الله من نهيه عن الصلاة حين طلوع الشمس حتى تبرز، وحين استوائها حتى تميل، وحين غروبها حتى تغيب (١). وادعوا أنهم يعولون على هذا الخبر، وعصوا له [بجهلهم] (٢) الأخبار الثابتة: "من أدرك ركعة من الصبح، قبل طلوع الشمس، فقد أدرك الصبح" (٣). و"من نسي صلاة، أو نام عنها، فليصلها حين ذكرها، لا كفارة لَهَا إلا ذلك" (٤).

стр. 459

ثم خالفوه في بعض ما فيه، فأجازوا صلاة العصر حين غروب الشمس بيسير وبعده، ولم يكرهوا ذلك، وكرهوا صلاة الجنازة في الأوقات المذكورة فيه، وأجازوها إن صليت في الأوقات المذكورة، ولم يروا إعادتها بخلاف الصلوات الخمس المفروضات. فإن قالوا قد روي: "من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل غروب الشمس، فقد أدرك العصر" (١)؛ قلنا: نعم، وفي هذا الخبر نفسه: "ومن أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل طلوع الشمس فقد أدرك الصبح" فمرة يحتجون بالخبر ويصححونه إذا وافق فاسد رأي أبي حنيفة؛ ومرة يخالفونه إذا خالف فاسد رأيه! ! نعوذ بالله من هذا التحكم بالباطل. واحتجوا في أن من سَلَّم في الصَّلاة سهوا، أن صلاته لا تبطل، بل يبني على ما صلى ويسجد للسَّهو بعد السلام بخبر أبي هريرة في أمر ذي

стр. 460

اليدين (١)، وخبر عمران بن الحصين (٢) في أمر الخرباق (٣)، ثم

стр. 461

خالفوا هذين الخبرين في نص ما فيهما، وقالوا: من تكلم في صلاته ساهيا؛ أو مشى ساهيا بطلت صلاته (١)، وعللوا الخبرين الثابتين بالكذب البحت، وادعوا أن أبا هريرة وعمران لم يشهدا ما رويا،

стр. 462

وكذبوا في ذلك، كلاهما ذكر أنه شاهد القضية (١)؛ وهم مع هذا يأمرون بالبناء بعد البول والغائط ولا يبطلون الصلاة بهما (٢)! ! واحتجوا لقولهم الفاسد: أن لا تستقبل القبلة للغائط، بالأخبار التي فيها: "لا تستقبل القبلة ولا تستدبر لغائط، ولا بول" (٣)؛ ولم ينه

стр. 463

أبو حنيفة عن استقبالها للبول، ولا عن استدبارها بغائط أو بول، والخبر واحد. واحتجوا لقولهم: إن الرجل لا يغسل امرأته إذا ماتت، بأثر لا يصح (١)؛ وردوا به الخبر الصحيح أن عليا غَسَّلَ فاطمة (٢) ﵂ وفي ذلك الخبر الذي مَوَّهُوا به أنها ﵂ اغتسلت قبل موتها، ونهت أن تغسل بعد موتها، فدفنت بغير أن تغسل، وهم لا يرون هذا ولا يجيزونه، فردوا به الخبر الصحيح، ثم خالفوه.

стр. 464

واحتجوا في إيجاب النية للصلاة والصوم والزكاة، بالسنة الثابتة عن رسول الله: "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى" (١)؛ ثم

стр. 465

خالفوه، فأجازوا الوضوء، وغسل الجنابة بنية التبرد لا بالنية لهما (١). واحتجوا في قولهم: إن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم، بخبر ضعيف فيه عبد الله بن بديل - وهو مجهول - (٢) أن رجلا نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلة، فسأل رسول الله عن ذلك فقال له: "اعتكف وصم" (٣)؛

стр. 466

وخالفوا هذا الخبر في الأمر بالوفاء باعتكاف منذور في الكفر؛ وقد جاءت به الآثار الصحاح (١). واحتجوا على من قال بقول معاذ ومعاوية بأن يرث المسلم الكافر (٢)، ثم خالفوه فورثوا من المرتد ورثته من المسلمين خاصة. واحتجوا في إبطال نص القرآن في إيجاب الوصية للأقربين، بالخبر

стр. 467

الثابت عن رسول الله في الذي أوصى بعتق الستة الأعبد بالقرعة (١)، وليس فيه حجة لهم، لأنه ليس فيه بيان أن ذلك كان بعد نزول الآية، ثم خالفوه في نص ما فيه من عتق الثلث، وإرقاق الثلثين، وفي نصه أيضا بالقرعة، وقالوا: هذا قمار، وهذا كما ترون (٢)! ! واحتجوا في توريث ذوي الأرحام بالخبر الذي فيه: "الخال وارثُ مَنْ لا وارث له" (٣). ثم خالفوه فورثوا الجد للأم، وابن الأخت

стр. 468

للأم، وبنت الأخ للأب، وابن البنت دون الخال، ومنعوا الخال مع وجود أحد ممن ذكرنا، فاعجبوا لفساد أقوال هؤلاء (١)! ! ! واحتجوا في توريث المرأة جميع مال ولدها، إذا لم يكن له وارث سواها بالخبر الساقط: "تحُرزُ المرأة ميراث عتيقها ولقيطها، وولدها الذي لاعنت عنه" (٢)، وخالفوه فيما فيه، فلم يجعلوا لها شيئا من ميراث لقيطها، وقد أوجبه لها عمر بن الخطاب وغيره (٣). واحتجوا في هذا أيضا بخبر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن

стр. 469

النبي جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها بعدها (١)، ثم خالفوه فلم يجعلوا منه شيئا لزوجها، وله الحظ الأوفر من ميراث أمه (٢). واحتجوا أيضا في توريث ذوي الأرحام بالخبر الذي فيه: "التمسوا له وارثا، أو ذا رحم". فلم يجدوا فقال: "أعطوه الكبير من خزاعة" (٣)، ثم خالفوه فلم يروا أن يُعطى ميراثه الكبير من قبيلته (٤). واحتجوا في توريثهم الجد للأم دون الأخ للأم، ودون ابن الأخت، بالخبر الثابت عن رسول الله: "ألحقوا الفرائض بأصحابها، فما أبقت الفرائض فَلِأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (٥).

стр. 470

وهم أول مَنْ خالفوا هذا الخبر، فردوا ما أبقت الفرائض على الأم، والبنت والأخت، ولا يورثون معهن أحدا من رجال ذوي الأرحام، نعم، ويورثون جميع المال بنت البنت، ولا يورثون معها عما لأم ولا خالا ولا ابن أخت (١). واحتجوا في قولهم أن الإنسان من العجم لا ولاء عليه لأحد: أن يوالي من يشاء، ويرثه ميراث المعتق لمن أعتق، بالخبر الذي لا يصح: "من أسلم على يد رجل، فهو أحق بمحياه ومماته" (٢) وله ولاؤه؛

стр. 471

وليس في شيء من هذا الخبر شئ مما ذكروا من الموالاة، ومن أن له أن ينتقل بولائه ما لم يعقل عنه، وخالفوا هذا الخبر في نص ما فيه مِنْ أن مَنْ أَسْلَمَ على يدي آخر فله ولاؤه (١). واحتجوا في منعهم القاتلَ الميراثَ، بخبر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "لا يرث قاتل" (٢)، و"لا يقتل مؤمن بكافر" (٣)؛ ثم

стр. 472

خالفوهما، فورثوا القاتل من مقتوله الباغي، وقتلوا المؤمن بالكافر المعاهد. واحتجوا في منعهم أن يقاد المؤمن بالكافر المستأمن، بالخبر الثابت عن رسول الله: "لا يقتل مؤمن بكافر" (١)؛ ثم خالفوه فقتلوا المؤمن بالكافر الذمي (٢). واحتجوا في قولهم: لا يمس القرآن إلا طاهر، بصحيفة عمرو بن حزم (٣)، وخالفوها فيما فيها من صفة زكاة الإبل، وغير ذلك.

стр. 473

واحتجوا لقولهم في جواز صلاة الجنازة بالتيمم في الحضر والمصر، بخبر أبي جهيم (١) في تيمم رسول الله لرد السلام (٢)، وليس في هذا من حكم صلاة الجنازة أثر (٣)؛ وخالفوا نص هذا الخبر، فلم يكرهوا رد السلام على غير طهارة، ولم يروا للتيمم لذلك معنى ولا وجها، وخالفوه في نص ما فيه من التيمم للكفين دون المرافق (٤).

стр. 474

واحتجوا لإجازتهم الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار خلافا للسنة الثابتة في ذلك (١)، بخبر ابن مسعود الذي فيه أن رسول الله ذهب لحاجته، وقال: "ائتني بأحجار"، فأتاه بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثه، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: "هذه ركس" (٢). وليس في الخبر أنه ﵇ اكتفى بالحجرين، فاحتجوا به فيما ليس فيه منه أثر (٣)، ثم خالفوه في نص ما فيه، فأجازوا الاستنجاء

стр. 475

بالروث، وهذا أَعْجَبُ جِدًّا (١)! ! ! واحتجوا في استنجاس المني بالخبرين الصحيحين اللَّذَيْنِ في أحدهما أنه ﵇ غسله (٢)؛ وفي الآخر أن عائشة كانت تفركه من

стр. 476

ثوبه (١)؛ ثم تحكموا، فقالوا: يفرك اليابس ولا يجزئ في الرَّطْبِ إلا الغسل تحكما بلا دليل (٢). واحتجوا في الماء ينجس بالخبر الثابت عن رسول الله: "إذا بلغ الماء

стр. 477

قُلَّتَيْن لم ينجس" (١)؛ وهم أول مخالف لهذا الخبر وموهن له (٢).

стр. 478

واحتجوا بالخبر الساقط في الوضوء بالنبيذ (١)، وأجازوا الغسل به للجنابة، وليس ذلك في الخبر، ومنعوا من الوضوء به في المصر، وليس ذلك في الخبر؛ فإن قالوا: لم يفعله ﵇ إلا خارج مكة،

стр. 479

قلنا: لا تتعدوا به ذلك الموضع، وإلا فما الفرق لو عقلتم (١)! ! ؟ واحتجوا في إباحة تطهير الرجل بفضل المرأة خلافا للسنة الثابتة في النهي عن ذلك (٢)، بالخبر الساقط من طريق سماك بن حرب (٣):

стр. 480

"الماء لا ينجسه شيء" (١)؛ وهم أول مخالف لهذا الحكم، ومخالفهم لا يقول إن فضل المرأة نجس، بل هو عندهم طاهر لا يُطَهِّرُ. واحتجوا في منعهم من الماء المستعمل بالخبر الثابت من أن الخطايا تخرج من الأعضاء يغسلها في الوضوء (٢)، وهذا عَجَبٌ جدا؛ وليس

стр. 481

في هذا الخبر دليل ولا نص بالمنع (١). واحتجوا لقولهم الفاسد فيما ينقض الوضوءَ من أحوال النوم، وهو نوم المضطجع والمتكئ والمستند، والمتورك بإليته على إحدى رجليه فقط، دون السَّاجد والراكع والقائم، والجالس غير المستند والمتورك بالخبر الذي فيه أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا ينامون حتى يسمع غطيطهم؛ أو غطيط أحدهم، ثم يصلون، ولا يتوضؤون (٢). وليس في شيء من هذا

стр. 482

الخبر، ولا من كل خبر جاء في النوم شيء من هذا التقسيم ولعل نومهم كان في حال الاستناد والاتكاء والتورك (١). واحتجوا في قولهم المخالف للقرآن: إن لمس المرأة للذة، وغير لذة لا ينقض الوضوء، إلا أن يكون معه إنعاظ، فينقض الوضوء حينئذ، بخبر عائشة أنها وضعت يدها على باطن قدم رسول الله، وهو ساجد (٢)، وليس في هذا الخبر شيء من تقسيمهم المذكور، ولا فيه أنه ﵇ كان في صلاة، ولا فيه أيضا أنه ﵇ تمادى على الصلاة لذلك ولم

стр. 483

يتوضأ، وبالجملة فليس فيه أنه ﵇ لَمَسَهَا، ولا أنه أقر قدمه في يدها، والوضوء عندنا لا ينتقض إلا بقصد اللامس إلى اللمس؛ ذاكرا لوضوئه فقط (١). واحتجوا أيضا في هذا القول بعينه بصلاة رسول الله بالناس حاملا أُمَامَة بنت أبي العاصي (٢)؛ وليس في هذا الخبر شيء من تقسيمهم الفاسد الذي ذكرنا، ولا فيه أن بشرة يده وقعت على شيء من بشرتها دون حائل بينهما من لباسها، فموهوا بذكر هذا الخبر فيما ليس فيه منه أثر، ثم خالفوه في نصه، فقالوا: من صلى كذلك بطلت صلاته

стр. 484

وصلاة من ائتم به (١). شَاهَ وَجْهُ (٢) القائلِ بهذا، بَلْ أقُولُ - واللهُ يعلمُ صِدْقَ نيتي - ليتَ لي تلك الصلاة، أو حضورها بجميع صلواتي كلها، وتَاللَّهِ ما أودُّ أن لي صلوات الحنيفيين التي وقعت على خلاف هذا الحكم بنواةِ تمرةٍ، أو بَدَلَ إنشادِ شعرٍ لا هجوَ فيه لمسلم؛ إذ يجيزونها بغير قراءة أم القرآن، وبغير رفع من الركوع، وبأن لا يضع في السجود يديه، ولا إحداهما، ولا ركبتيه، ولا إحداهما، ولا جبهته، وأن يتعمد أن يكشف إسته في الصلاة أو رأس ذكره، لأنها كالدرهم البغلي لا كثر، ورأس إحليله أقل من ذلك! ! وحسبنا الله ونعم الوكيل (٣).

стр. 485

واحتجوا بأخبار فيها النهي عن أن يقرأ الجنب شيئا من القرآن (١)، وهم أول مخالف لنصها، فقالوا: له أن يقرأ آية الدين إلا حرفا منها؛ وليس له أن يتم لفظ "والضحى"؛ لأنهم لم يختلفوا أن له أَنْ يقرأ بَعْضَ آية، وليس له أن يتمها (٢). واحتجوا لقولهم: أقل أيام الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة بالخبر الثابت الذي فيه: "تقعد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن من كل

стр. 486

شهر" (١)؛ وليس فيه دليل على ما ذكروا، والليالي والأيام تقع على أكثر من عشرة، وتقع على من تحيض ليلة من كل شهر فقط، إذا جمعت الليلة إلى الليلة إلى الليلة (٢)، فاعجبوا لهذه التخاليط! ! والعجبُ أنهم يأمرونها بأول دفعة تراها من الحيض، بترك الصلاة، والأكل في رمضان نهارا، فلا يَخْلُونَ ضرورةً من أحد وجهين لا ثالث لهما: إما أن يأمروها بذلك وهي طاهر عندهم، أو يأمرونها بذلك وهي حائض عندهم، فإن كانوا يأمرونها بذلك وهي طاهر عندهم، فهذا ما لا يقوله مسلم، وهو الخروج عن الإسلام بلا شك، وإن كانوا يأمرونها بذلك وهي حائض عندهم، فقد تركوا قولهم الفاسد، وأقروا أن دفعة من الدم حيض، فإن قالوا: أمرناها بذلك، ونحن لا ندري أحائض هي أم طاهر؟ كانوا مخالفين بذلك لشريعة الإسلام، إذ لا يحل الفطر، وترك الصلاة إلا لحائض لا شك في حيضها، وبالله

стр. 487

تعالى التوفيق. واحتجوا في نصر قولين لأبي حنيفة فاسدين، فيمن أوصى لآخر بسهم من ماله، فمرة قال: يعطى أقل سهام الورثة، لا يحط في ذلك من السدس شيئا، ومرة قال: يعطى أقل سهام الورثة؛ ولا يزاد في ذلك على السدس شيئا (١)، بخبر مكذوب على النبي ﷺ : أن له السدس (٢)، وهو خلاف قوليْ أبي حنيفة المذكورين كليهما، وإنما يوافق قول إياس بن معاوية (٣)؛ وسفيان الثوري (٤).

стр. 488

واحتجوا في أن لا يحكم على غائب (١) بخبر ساقط: "إذا جلس بين يديك خصمان، فلا تقض لأحدهما، حتى تسمع من الآخر" (٢). وهذا خبر ليس فيه ذكر للحكم على الغائب أصلا، وإنما فيه الحكم بين حاضرين بين يدي الحاكم، بأن لا يحكم لأحدهما بكلامه دون أن يسمع من الآخر، وهذا لا يخالف فيه أحد من خلق الله تعالى، فموهوا به فيما ليس فيه منه شيء. واحتجوا بالخبر الثابت عن رسول الله: "شاهداك أو يمينه، ليس

стр. 489

لك إلا ذلك" (١)؛ في إبطال السنة الثابتة عن رسول الله في حكمه بالشاهد الواحد العدل مع يمين المشهود له (٢)؛ ثم خالفوا الخبر الذي موهوا بالاحتجاج به بآرائهم الفاسدة، فحكموا بالنكول في الدماء والأموال المحرمة، بدعوى المدعى بلا شاهد أصلا؛ وبلا يمين جملة (٣).

стр. 490

واحتجوا لقولهم الفاسد في أن لا يحكم الحاكم بعلمه، بالخبر المذكور آنفا: "شاهداك أو يمينه؛ ليس لك إلا ذلك" (١). وليس في هذا الخبر من الحكم في الحدود أثر، ولا معنى ولا مدخل ولا مخرج، لأنه لا يمين في الحدود أصلا؛ إذ ليس لها مدعي يدعيها لنفسه، فيحلف له الدعى عليه، ثم خالفوا هذا الخبر في نصه على أصلهم، فجعلوا للحاكم الحكم في الأموال بعلمه، وفيها جاء الخبر، واحتجوا في رد شهادة الأعمى (٢)، بالخبر الذي فيه:

стр. 491

"ترى الشمس؟ فاشهد على مثلها أو دع" (١)؛ وليس في هذا أثر من شهادة الأعمى، لأن الأعمى يرى الشمس رؤية معلم، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ (٢). وقوله تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (٣)؛ ولم ير ذلك يعني وجهه، وأجازوا الشهادة في النسب؛ وليس مما يرى. واحتجوا بخبر لا يصح: "إذا اختلف المتبايعان، فالقول ما قال البائع؛ أو يترادان" (٤)؛ فقالوا: إنما يكون هذا إذا كانت السلعة قائمة،

стр. 492

وأما إذا لم تكن قائمة، فالقول قول المشتري مع يمينه، وليس هذا في شيء من ذلك الخبر (١). واحتجوا لقولهم الفاسد في اختلاف الزوجين، أو ورثتهما؛ أو أحدهما، وورثة الآخر بخبر فاسد: "متاع الرجال للرجال، ومتاع النساء للنساء" (٢)؛ ثم خالفوه فلم يقضوا بذلك في الأخ والأخت يسكنان في بيت واحد، ثم يختلفان في متاع البيت، ولفظ ذلك

стр. 493

الخبر - لو صح - يقتضي أن الزوجين في ذلك كالأخ، والأخت، ولا فرق (١). واحتجوا في إيجاب إشهاد اثنين في الإنكاح وَلَا بُدَّ بالخبر الوارد: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" (٢)؛ وصححوه، ثم خالفوه جهارا، فأجازوا إنكاحها نفسها بغير ولي (٣)، وردوه بإشهاد عبدين ولو أنهما

стр. 494

بلال، وزيد بن حارثة (١) قبل أن يعتقا. وَرُبَّ عَبْدٍ أَعْدَلُ عند الله تعالى، وعند ملائكته ورسله، وعند جميع أهل الإسلام من أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر بن الهذيل (٢)، ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد (٣)! ! فلما بلغوا إلى تجويزهم النكاح بشهادة فاسقين زانيين أو بغاءين أو سارقين، أو بائعي خمر؛ وصححوا الخبر المذكور وقووه، فَيَا لَرقَّةِ الدين وقِلَّة الحياء! ! ونعوذ بالله من الضلالة (٤).

стр. 495

واحتجوا بالخبر الثابت عن رسول الله ﷺ في شأن بروع بنت واشق (١) , ثم قالوا: إنما ذلك إذا مات أحدهما؛ فأما إن مات كلاهما، فلا مهر لها أصلا؛ وهذا خلاف الخبر الذي ادعوا الأخذ به (٢).
следующие страницы →