← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 33

الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس

ابن حزم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

"ترى الشمس؟ فاشهد على مثلها أو دع" (١)؛ وليس في هذا أثر من شهادة الأعمى، لأن الأعمى يرى الشمس رؤية معلم، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ (٢). وقوله تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (٣)؛ ولم ير ذلك يعني وجهه، وأجازوا الشهادة في النسب؛ وليس مما يرى. واحتجوا بخبر لا يصح: "إذا اختلف المتبايعان، فالقول ما قال البائع؛ أو يترادان" (٤)؛ فقالوا: إنما يكون هذا إذا كانت السلعة قائمة،

стр. 492

وأما إذا لم تكن قائمة، فالقول قول المشتري مع يمينه، وليس هذا في شيء من ذلك الخبر (١). واحتجوا لقولهم الفاسد في اختلاف الزوجين، أو ورثتهما؛ أو أحدهما، وورثة الآخر بخبر فاسد: "متاع الرجال للرجال، ومتاع النساء للنساء" (٢)؛ ثم خالفوه فلم يقضوا بذلك في الأخ والأخت يسكنان في بيت واحد، ثم يختلفان في متاع البيت، ولفظ ذلك

стр. 493

الخبر - لو صح - يقتضي أن الزوجين في ذلك كالأخ، والأخت، ولا فرق (١). واحتجوا في إيجاب إشهاد اثنين في الإنكاح وَلَا بُدَّ بالخبر الوارد: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" (٢)؛ وصححوه، ثم خالفوه جهارا، فأجازوا إنكاحها نفسها بغير ولي (٣)، وردوه بإشهاد عبدين ولو أنهما

стр. 494

بلال، وزيد بن حارثة (١) قبل أن يعتقا. وَرُبَّ عَبْدٍ أَعْدَلُ عند الله تعالى، وعند ملائكته ورسله، وعند جميع أهل الإسلام من أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر بن الهذيل (٢)، ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد (٣)! ! فلما بلغوا إلى تجويزهم النكاح بشهادة فاسقين زانيين أو بغاءين أو سارقين، أو بائعي خمر؛ وصححوا الخبر المذكور وقووه، فَيَا لَرقَّةِ الدين وقِلَّة الحياء! ! ونعوذ بالله من الضلالة (٤).

стр. 495

واحتجوا بالخبر الثابت عن رسول الله ﷺ في شأن بروع بنت واشق (١) , ثم قالوا: إنما ذلك إذا مات أحدهما؛ فأما إن مات كلاهما، فلا مهر لها أصلا؛ وهذا خلاف الخبر الذي ادعوا الأخذ به (٢).

стр. 496

واحتجوا لقولهم الفاسد في أن الولد يكون ابن رجلين، بالخبر الثابت عن رسول الله في واطئ أمته حاملا من غيره، كيف يورثه، وهو لا يحل له، أم كيف يسترقه ولا يحل له (١)، فاعجبوا لهذه الفضائح المخزية! ! وهل في هذا الخبر إشارة أو معنى من إلحاق الولد باثنين؟ ! بل فيه ضد ذلك جهارا، لأن فيه كيف يورثه ولا يحل له. ثم خالفوا نص ما فيه، فأباحوا له استرقاقه خلافا لرسول الله، واستحلالا لما لم يحله الله، واستحلالا لما لم يحله الله على لسان رسوله ﷺ . واحتجوا لقولهم بإجازة طلاق المكره بخبر لا يصح: "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه" (٢)، ثم خالفوه، فلم يجيزوا طلاق الذي لم

стр. 497

يبلغ وليس بمعتوه (١). واحتجوا لقولهم إِنَّ المرأة تقطع صلاة الرجل إذا صلت معه مؤتمة به، أو كلاهما بإمام واحد، فصلت أمامه، أو إلى جنبه، ولا تقطع صلاته إن صلت إلى جنبه، أو أمامه غير مؤتمة به، ولا مؤتمة معه بإمام واحد، ولا تقطع صلاته إن صلت كذلك أمامه؛ أو مرت أمامه (٢) بالخبر الثابت عن رسول الله: "يقطع صلاة أحدكم - ما لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل: المرأة، والحمار، والكلب" (٣).

стр. 498

فاعجبوا وتأملوا هل في هذا الخبر شيء من تقسيمهم السخيف بنص أو دليل، أو إشارة، أو بإيهام؟ ! وهل بقي في الخبر المذكور شيء إلا وقد خالفوه؟ ! ونسأل الله السلامة. واحتجوا في رد طلاق من لم يبلغ بالخبر الثابت عن رسول الله: "رُفع القلمُ عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، والنائم حتى يستيقظ، والمبتلى حتى يُفيق" (١)؛ وخالفوه في إجازة طلاق السكران (٢)، وهو مبتلى ذاهب العقل لا يدري ما يقول! ! ! . واحتجوا بأخبارٍ في إحداد المتوفى عنها (٣)، ثم خالفوا ما فيها، لأن

стр. 499

نصها لا تلبس ثوبا مصبوغا، إلا ثوب عَصْب (١)، ولا تكتحل، ولا تمتشط، ولا تمس طيبا إلا عند طهرها حين تطهر: نبذة من قُسْطٍ أو أظفار (٢)، وقالوا هم: تمتنع من الزينة والطيب والكحل، والثياب المصبوغة بالعصفر (٣) والزعفران والورس (٤) خاصة، وأن لا تدهن بالزيت؛ وإن كان غير مطيب، ولا بغير الزيت، وأباحوا لها الخز الأحمر؛ وهذا كله خلاف ما في الأخبار التي احتجوا بها (٥). واحتجوا بالأخبار التي فيها: "لا تُوطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض" (٦) في إيجابهم الاستبراء في المملوكة المبيعة وإن

стр. 500

كانت بكرا، ثم خالفوها فقالوا: إن أعتقها سيدها وقد وَطِئَهَا في ذلك الحين، فلها أن تتزوج في إثر ذلك؛ ويدخل بها زوجها، وهذا ضد ما في تلك الأخبار جملة! ! ! (١). واحتجوا في إيجاب الحضانة بخبر بنت حمزة، وأن رسول الله قضى بها لخالتها أسماء بنت عميس (٢) وهي متزوجة بجعفر بن أبي طالب (٣) - وهو ابن عم بنت حمزة لَحًا (٤)، ثم خَالَفُوه، ولم يروا أن يقضى بها

стр. 501

للخالة إذا كانت متزوجة بغير ذي محرم من المحضونة (١). واحتجوا بخبرين فيهما: "أن لا يباع أحد الأخوين دون الآخر"؛ وأنه ﵇ أمر بفسخ البيع في ذلك (٢)، ثم خالفوهما فلم يروا فسخ البيع في ذلك (٣). واحتجوا بأخبار منها واه، ومنها مرسل ومنها صحيح في عمد الخطأ (٤)، ثم خالفوها كلها في صفة ما فيها من الدية في ذلك، لأن

стр. 502

في تلك الأخبار أن دية شبه العمد دية الخطأ، وفي بعضها مغلظة، وفي سائرها أن الدية في ذلك مائة من الإبل منها أربعون حوامل كلها، فخالف أبو حنيفة كلّ ذلك فقال: دية شبه العمد أرباع خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة (١). واحتجوا بأخبار ساقطة: "كُلُّ شَيْءٍ خطأ إلا السيف" (٢)؛ ثم

стр. 503

خالفوها فقالوا: إذ ذبحه بليطة (١) قصب، أو أحرقه بالنار، أو خنقه حتى مات، بعد أن يخنق آخر كذلك؛ أو قتله برمح؛ أو بسهم، أو ذبحه بسكين فهو عمد، وفي كل ذلك القود؛ فإن قتله بحجر ضخم؛ أو ضرب رأسه بعود ضخم، حتى كسر عظام رأسه، وخرج دماغه، أو غَرَّقَهُ مُكَتَّفًا في البحر فمات؛ أو سد (٢) عليه بابا حتى مات جوعا؛ أو خنقه، ولم يخنق غيره قبله، فلا قود في شيء من ذلك، فاعجبوا لهذه الحماقات (٣)! ! ثم احتجوا لقولهم: لا يقاد في النفس إلا بضرب الرقبة لا بمثل ما فعل بخبر لا يصح: "لا قود إلا بحديدة" (٤)؛ وخالفوه فقالوا: لا

стр. 504

يقاد برمح ولا بسهم، ولا بسكين، فاعجبوا لهذا، زادوا في الخبر الأول؛ ونقصوا من الثاني (١). واحتجوا لقولهم الفاسد في إيجاب القود للذمي الكافر من المسلم، فيما دون النفس، بخبر سوء موضوع مكذوب، أنه ﵇ أقاد يهوديا من مسلم من لطمة (٢)، ثم خالفوه فقالوا: لا يجوز القود من اللطمة أصلا، لا لمسلم من مسلم؛ ولا من ذمي، ولا ذمي من مسلم، ولا ذمي (٣)، فاعجبوا لهذه الوساوس والتلاعب بالديانة! !

стр. 505

ونعوذ بالله من البلاء (٥٠/ ت). واحتجوا في قولهم بأن لا دية على قاتل العمد إلا أن يشاء هو ذلك؛ ويوافقه ولي المقتول، وإلَّا فَلَا، بأخبارٍ فيها: " ... ومن قتل عمدا فَقَوَدُ يده" (١). ثم خالفوها في كثير من العمد؛ فلم يروا فيه قَوَدًا (٢). واحتجوا في قولهم لا قود للعبد من سيده، ولا من غير سيده، فيما دون النفس بالأخبار التي فيها عتق الممثل به (٣) وخالفوها، فلم يوجبوا له عتقا بذلك (٤). واحتجوا أيضا في ذلك بالخبر الثابت عن رسول الله: "من لطم عبده، فهو حر" (٥)؛ ثم خالفوه فلم يوجبوا له عتقا.

стр. 506

واحتجوا في إيجاب الديات في بعض الجراحات من الخطأ والعمد بخبر ابن أبي العوجاء (١) - وهو مجهول - ثم خالفوه في نصه أن المجروح مخير بين القود أو الدية، فقالوا: لا خيار في بعض جراح العمد كالموضحة وقطع اليد، وفقء العين، وقطع الأنف، وأقحموا فيه ما ليس فيه منه أثر أصلا من جراح الخطأ. واحتجوا في أقوالهم في دية ما دون النفس بأخبار ساقطة كصحيفة الحزم (٢)، وصحيفة عمرو بن شعيب (٣)، وصحيفة آل عمرو، وصحيفة الحسين بن ضميرة (٤)، ومرسل عن مكحول عن طاووس (٥)، وليس منها

стр. 507

شيء إلا وقد خالفوه، فمرة هو حجة وصحيح، ومرة هو باطل ولا حجة فيه، فاحتجوا بصحيفة عمرو بن شعيب في دية العين (١)، وخالفوها في الدية في العين القائمة السادة موضعها ثلث الدية، وفي السن السوداء ثلث الدية (٢)، وخالفوا صحيفة آل حزم في أن الذهب يُزَكَّى بقيمته ما لم يبلغ أربعين دينارا (٣)، وخالفوا أيضا كثيرا مما في صحيفة ابن ضميرة. ومن ذلك احتجاجهم بالمراسيل التي فيها: "في الموضحة خمس من الإبل، أو عدلها من الورق والذهب، والبقر والشاء" (٤)؛

стр. 508

وخالفوها كلها لأنهم لم يروا ذلك إلا في موضحة الرأس والوجه فقط؛ وليس هذا في شيء من تلك الأخبار، وقد [سَوَّى] (١) عطاء (٢) بين ذلك كله، وجاء عن عمر (٣) وغيره في كل موضحة في الجسد نصف عشر دية ذلك العضو (٤). واحتجوا في طهارة جلد الكلب الميت إذا دبغ، بالخبر الثابت: "أَيُّمَا إهاب دُبغ، فقد طَهُر (٥) ثم خالفوه في جلد الخنزير، فقالوا: لا

стр. 509

يطهر بالدباغ أصلا (١). واحتجوا في كراهتهم الشرب في آنية الذهب والفضة، وأن ذلك كان عندهم مباحا، بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ : "الذي يشرب فيها كأنما يجرجر في بطنه نار جهنم" (٢).

стр. 510

فيا للعصبية أن لا يكون هذا الوعيد الشديد العظيم يتعدى عندهم الكراهة فقط، ولا يبلغ التحريم، إن هذا لعظيم جدا! ! (١) ولهم مثلُ هذا، وهو أنهم قالوا في احتجاجهم لقولهم الفاسد في إباحة الرجوع في الهبة بقول رسول الله: "العائد في هبته، كالكلب يعود في قيئه" (٢)؛ قالوا: والكلب لا يحرم عليه القيء، فاعجبوا لهذه المصائب! ! (٣)

стр. 511

وقالوا: تفضيل بعض الولد على بعض جور (١)؛ وقد أمضاه رسول الله ﷺ (٢)، فلم يستحيوا أن يجعلوه ﵇ حاكما بالجور ولقد كنا نستبشع كلام ذي الخويصرة (٣) - لعنه الله - حتى أتانا هؤلاء

стр. 512

بِأُخَيَّتها! ! ! . رأيتُ هذه القول للمكنى بأبي بكر أحمد بن علي الرازي (١) في "شرحه لمختصر الطحاوي" (٢) في كلامه في الهبات. واحتجوا لقولهم في صوف الميتة، وعظمها وشعرها بخبر مكذوب: "لا بأس بصوف الميتة وشعرها، وقرونها إذا غسل بالماء" (٣). ثم

стр. 513

خالفوه فقالوا: لا معنى لغسل شيء من ذلك بالماء (١). واحتجوا لقولهم الفاسد في إيجاب المضمضة والاستنشاق للجنب بخبر ساقط فيه: "الاستنشاق والمضمضة للجنب ثلاثا فريضة" (٢). ثم خالفوه، فقالوا: لا معنى للثلاثة، إنما يلزمه من ذلك مرة (٣).

стр. 514

واحتجوا في معصيتهم للسنة الثابتة عن رسول الله، في نهيه المستنجي أن يكتفي بأقل من ثلاثة أحجار (١)، بخبر ساقط - لا يصح قط -: "فليستنج بثلاثة أعواد، أو بثلاثة أحجار، أو ثلاث حثيات من تراب" (٢) ثم خالفوه فقالوا: لا معنى لثلاثة مما ذكر فيه؛ ولا معنى للاقتصار على ما ذكر فيه من الأعواد؛ والتراب، بل يجزئ بكل شيء (٣). واحتجوا لقولهم الفاسد في أن النجاسة تزال من الثياب بكل مائع من خل أو (٤)، أو ماء ورد، أو غير ذلك؛ ولا تزال من الجسد إلا بالماء، بالسنة الثابتة في الاستنجاء بالأحجار، وبأمر رسول الله المنتبه

стр. 515

من نومه يغسل يده ثلاثا قبل أن يدخلها في وضوئه (١)، فقالوا، ولم يقل بالماء (٢). قال أبو محمد: فاعجبوا لهذه الفضائح، يحتجون بآثار لم تَأْتِ إلا في إزالة ما أمر بإزالته من الجسد؛ أو بما أمر به في الجسد لقولهم الفاسد: إن النجاسة تزال من الثياب بغير الماء؛ ولا تزال من الجسد إلا بالماء، نعم، وفي الخبر الذي مَوَّهُوا به من المذي: "يا رسول الله، فكيف بما أصاب ثوبي منه؟ فقال ﵇: "خذ كفا من ماء، فانضح حيث ترى أنه أصابه" (٣)؛ فعكسوا الأمر عكسا، فعل من لا دين لَهُ ولا حياء.

стр. 516

واحتجوا أيضا في ذلك بأمر رسول الله ﷺ بمسح الخف بالتراب من الأذى يكون فيه" (١)، ثم خالفوه فقالوا: لا يجزئ البول في الخف إلا بالماء، ولا يجزئ في العذرة الرطبة في الخف إلا بالماء (٢). واحتجوا لقولهم الفاسد فيما ينقض الوضوء من أحوال النوم، وما لا ينقضه منها، وأن نوم الساجد والقاعد لا ينقض الوضوء، بخبر بحر بن كنيز السقاء (٣) يا رسول الله: هل علي وضوء؟ قال " لا، إلا أن تضع جنبك" (٤)، ثم خالفوه، فقالوا: ينقض الوضوء النوم

стр. 517

متكئا؛ أو متوركا؛ أو مستندا؛ وأن يضع جنبه (١). واحتجوا في قولهم بالمسح على عصائب الجراح بخبر ساقط فيه تخيير المجروح بين التيمم، وبين أن يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده (٢)، ثم خالفوه؛ فلم يروا لمن يقدر على غسل الصحيح من جسده، والمسح على العصابة على المجروح منه أن يتيمم أصلا، ولم يجيزوه في ذلك (٣). واحتجوا لقولهم الفاسد في أن المقر بالحد، إن رجع عن إقراره، سقط عن الحد بما روي عن بريدة الأسلمي (٤) من قوله: "كنا

стр. 518

نَتَحَدَّث لَوْ أن ماعزا رجع لم يطلبه رسول الله" (١). فجعلوا هذا الظن من بريدة إسقاطا لحدود الله تعالى الواجبة؛ ثم لم يروا قول خزيمة بن ثابت (٢) "أمرنا رسول الله بالمسح ثلاثا، ولو

стр. 519

استزدناه لزادنا" (١)، فلم يجعلوا ظن خزيمة مسقطا لتوقيته ﵇، ووقفوا في هذه، ولو التزموا هذا العمل هنالك لوفقوا! ! (٢). واحتجوا بالخبر الساقط: "من قاء أو قلس أو رعف، فلينصرف فليتوضأ" (٣)، وليس في أمرهم بالوضوء وَالبِنَاءِ على ما صلى من غلبة البول والغائط والفسو في الصلاة (٤)؛ وقالوا: هذا الخبر أصل في كُلِّ من غلبه في الصلاة حدث ينقض وضوءه في أنه يتوضأ ويبني، ثم خالفوه من كثب فقالوا: مَنْ صَلَّى متيمما ثم رأى الماء قبل أن يسلم، فقد انتقضت طهارته وصلاته؛ ويتوضأ ويبتدئ الصلاة ولا يبني (٥).

стр. 520

واحتجوا بالخبر الصحيح في قول أهل قباء إذ أتاهم من أخبرهم، بأن القبلة حولت عن بيت المقدس إلى الكعبة، فتحولوا كما هم إلى الكعبة وصلوا ما بقي عليهم من صلاتهم تلك إلى الكعبة، بَانِينَ على ما مضى منها (١)، وقالوا: هذا أصل لكل من طرأ عليه فرض لغير فرضه في أنه يبني، ثم خالفوه من قرب فقالوا: من صلى الجمعة في وقتها ثم دخل عليه وقت العصر قبل أن يسلم منها، فإن جمعته تبطل وعليه أن يبتدئها ظهرا أربعا (٢). واحتجوا في وقت العشاء الآخرة إلى نصف الليل، بالخبر الوارد في ذلك نصا (٣)

стр. 521

ثم خالفوه فجعلوه إلى طلوع الفجر (١). واحتجوا لقولهم الفاسد في ضمان ما لم يجب بعد (٢)، بالخبر الثابت عن رسول الله أنه أمر على الجيش إلى مؤتة زيد بن حارثة، فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة" (٣). وهذه طامةٌ من طَوَامِّ الهوس، لأنه لا يَعرف أحدٌ في هذا الخبر الضمان مال لم يجب بعد أصلا، فاعجبوا لِفَسادِ عقول هؤلاء القوم، وجرأتهم على القول بالباطل في الدين! ! ونسأل الله العافية من الخذلان. واحتجوا في اشتراط الكفيل في عقد المداينة في مذهبهم (٤)؛ بخبر الذي كان فيمن سلف قبلنا، فاستقرض ألف دينار فطلب منه المقرض

стр. 522

كفيلا فقال: كفى بالله كفيلا، فَأقْرَضَهُ إلى أجل، فلما كان الأجل لم يجد سفينة فأخذ خشبة ونقرها، وجعل فيها ألف دينار، وأرسلها في البحر، فقضى الله خروج تلك الخشبة إلى يد صاحب الحق فأخذها، فلما شقها وجد فيها ماله؛ وكتابا من غريمه إليه (١)، وهم أول مخالف على من يفعل هذا، وأول من يقضي عليه بالخطأ؛ وَإِضَاعَة المال، فإن قيل: فأنتم لا تقولون بغير السنن، وهذا خبر صحيح، فكيف تعملون فيه؟ قلنا: إنما كان فيمن قبلنا، ولا يجوز لنا العمل بشيء من شرائعهم، قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٢)؛ فإنما يلزمنا ما أمرنا به محمد رسول الله فقط (٣)؛ ولم يأمرنا ﵇ قط بهذا العمل بل نهانا عن إضاعة

стр. 523

المال، ولا أباح لنا أن نشترط كفيلا في عقد المداينة، فهو شرط ليس في كتاب الله تعالى كما قال رسول الله ﷺ (١). واحتجوا في قولهم بإجازة كفالة الوجه (٢) بخبر ساقط موضوع أن رسول الله كفل في تهمة (٣)، وهم أول مخالف لهذا الخبر، فلا يجوزون

стр. 524

الكفالة في التهمات (١). واحتجوا لقولهم الفاسد في أن كراء الدار المغصوبة، وإجارة الدابة المغصوبة، وإجارة العبد المغصوب حلال للغاصب، بالخبر الذي لا يصح وفيه: "الخراج بالضمان" (٢) ثم خالفوا له ولد الحيوان المغصوب ولا ثمرة المغصوب بضمانه (٣). واحتجوا لقولهم الفاسد في أن من قتل بعيرا صال عليه، لا نجاة له منه إلا بقتله، فضمانه عليه بالخبر الثابت عن رسول الله ﷺ : "جرح

стр. 525

العجماء جُبَار" (١)؛ وليس فيه خلاف لقول من لم يضمنه، وما خالفه أحد هنا في أن البعير لو قتله لم يؤخذ البعير بشيء ولا صاحبه، ثم خالفوه فقالوا: من ركب بعيرا وقاد قطارا (٢)، من ألف بعير كلها خَلْفَهُ، أو ساقها وكلها أمامه فهو ضامن لما أصاب أولها وآخرها بِعَمَهٍ (٣)، أو بيده. واحتجوا لقولهم الفاسد في أن من استهلك ما لا يكال، ولا يوزن بالقيمة لا بالمثل، بحديث تضمين من أعتق شِقْصَا (٤) له في عبد بينه

стр. 526

وبين آخر قيمة نصيب شريكه (١)، وليس في هذا الخبر من هذا الحكم شيء، لأن معتق نصيبه لم يستهلك نصيب شريكه، لكن أعتقه، كما لو وهبه؛ أو باعه، ثم خالفوه فلم يضمنوه قطعا (٢). ومن عجائب الدنيا احتجاجهم بحكم الله تعالى على قاتل الصيد، وهو محرم بجزاء مثل ما قتل من النعم، في إثبات القياس، وليس فيه للقياس أثر. ولو احتج بها (٣) محتج في القضاء بالمِلْك بالمثل على من استهلك شيئا لا بالقيمة، لكان أدخل في التمويه منهم.

стр. 527

واحتجوا لقولهم الفاسد في أن المفسد للشَّيء يعطى ما أفسد، ويضمن قيمته قبل أن يفسده، بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ إذ كسرتْ أُمُّنَا عائشة ﵂ قصعة أخرى من أمهات المؤمنين، فأخذ رسول الله ﷺ قصعة عائشة، وأعطاها التي كسرتْ عائشة قصعتها، وأعطى عائشة القصعة المكسورة (١). والعجبُ كله ههنا، لأن هذا الحكم ضد قولهم جهارا في إيجابهم القيمة في ذلك؛ وإنما أوجب ﵇ في ذلك المثل لا القيمة، وقضى لعائشة دون توكيل ولا طلب، وهذا كله خلاف أقوالهم الفاسدة (٢). واحتجوا في ذلك أيضا بالخبر الذي لا يصح من أمر الشاة المأخوذة بغير إذن صاحبها، فأمر ﵇ أن تطعم للأسرى (٣)،

стр. 528

وهذا خلاف قولهم نصا، لأنه ﵇ لم يقض بها للذي استهلكها. واحتجوا بالخبر الذي لا يصح: "لا قطع في ثمر، ولا في كنز، ولا قطع في ثمر معلق، وإذا آواه الجرين، ففيه القطع إذا بلغ الجرين" (١)؛ في مقدار ما يقطع فيه، وفي أنه لا يقطع في الرطب والفاكهة (٢)، ثم خالفوه فقالوا: لمان آواه الجرين، فلا قطع فيمن سرق منه؛ لأنه ليس الجرين حرزا؛ إلا أن يكون هنالك حارس له كغير الجرين ولا فرق (٣). واحتجوا لقولهم الفاسد في أن من غصب آخرا مالا، ثم ظفر له المَغْصُوبُ بمال، فلا يحل له أن يأخذه إلا إن كان من نوع الذي أخذ منه مما يكال أو يوزن (٤) بخبر لا يصح فيه: "أد الأمانة إلى من ائتمنك،

стр. 529

ولا تخن من خانك" (١). وليس في هذا اللفظ شيء مما احتجوا به، وانتصاف المرء من حقه وانتصاره بعد ظلمه، [واقتص من حرمته] (٢)، ليس خيانة ولا منع أمانة، ثم خالفوه على أصلهم، فقالوا: إن كان مثله مما يكال، أم يوزن فله أخذه.

стр. 530

واحتجوا بمرسل فيه أنه ﵇ جعل لمن جاء بآبق من خارج الحرم دينارا (١)، وفي بعض ألفاظه: "عشرة دراهم"، ثم خالفوه كله فلم يوجبوا فيه إلا أربعين درهما، إنْ جيء به على ثلاث لَيَالٍ فصاعدا (٢).
следующие страницы →