← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 33

الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس

ابن حزم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وبين آخر قيمة نصيب شريكه (١)، وليس في هذا الخبر من هذا الحكم شيء، لأن معتق نصيبه لم يستهلك نصيب شريكه، لكن أعتقه، كما لو وهبه؛ أو باعه، ثم خالفوه فلم يضمنوه قطعا (٢). ومن عجائب الدنيا احتجاجهم بحكم الله تعالى على قاتل الصيد، وهو محرم بجزاء مثل ما قتل من النعم، في إثبات القياس، وليس فيه للقياس أثر. ولو احتج بها (٣) محتج في القضاء بالمِلْك بالمثل على من استهلك شيئا لا بالقيمة، لكان أدخل في التمويه منهم.

стр. 527

واحتجوا لقولهم الفاسد في أن المفسد للشَّيء يعطى ما أفسد، ويضمن قيمته قبل أن يفسده، بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ إذ كسرتْ أُمُّنَا عائشة ﵂ قصعة أخرى من أمهات المؤمنين، فأخذ رسول الله ﷺ قصعة عائشة، وأعطاها التي كسرتْ عائشة قصعتها، وأعطى عائشة القصعة المكسورة (١). والعجبُ كله ههنا، لأن هذا الحكم ضد قولهم جهارا في إيجابهم القيمة في ذلك؛ وإنما أوجب ﵇ في ذلك المثل لا القيمة، وقضى لعائشة دون توكيل ولا طلب، وهذا كله خلاف أقوالهم الفاسدة (٢). واحتجوا في ذلك أيضا بالخبر الذي لا يصح من أمر الشاة المأخوذة بغير إذن صاحبها، فأمر ﵇ أن تطعم للأسرى (٣)،

стр. 528

وهذا خلاف قولهم نصا، لأنه ﵇ لم يقض بها للذي استهلكها. واحتجوا بالخبر الذي لا يصح: "لا قطع في ثمر، ولا في كنز، ولا قطع في ثمر معلق، وإذا آواه الجرين، ففيه القطع إذا بلغ الجرين" (١)؛ في مقدار ما يقطع فيه، وفي أنه لا يقطع في الرطب والفاكهة (٢)، ثم خالفوه فقالوا: لمان آواه الجرين، فلا قطع فيمن سرق منه؛ لأنه ليس الجرين حرزا؛ إلا أن يكون هنالك حارس له كغير الجرين ولا فرق (٣). واحتجوا لقولهم الفاسد في أن من غصب آخرا مالا، ثم ظفر له المَغْصُوبُ بمال، فلا يحل له أن يأخذه إلا إن كان من نوع الذي أخذ منه مما يكال أو يوزن (٤) بخبر لا يصح فيه: "أد الأمانة إلى من ائتمنك،

стр. 529

ولا تخن من خانك" (١). وليس في هذا اللفظ شيء مما احتجوا به، وانتصاف المرء من حقه وانتصاره بعد ظلمه، [واقتص من حرمته] (٢)، ليس خيانة ولا منع أمانة، ثم خالفوه على أصلهم، فقالوا: إن كان مثله مما يكال، أم يوزن فله أخذه.

стр. 530

واحتجوا بمرسل فيه أنه ﵇ جعل لمن جاء بآبق من خارج الحرم دينارا (١)، وفي بعض ألفاظه: "عشرة دراهم"، ثم خالفوه كله فلم يوجبوا فيه إلا أربعين درهما، إنْ جيء به على ثلاث لَيَالٍ فصاعدا (٢).

стр. 531

واحتجوا في كراء الأرض بخبر رافع (١) وطارق (٢)، وخالفوا ما فيهما (٣).

стр. 532

واحتجوا في أَنَّ مَنْ أحيى أرضا ميتة لم تكن له إلا بإذن الإمام (١)

стр. 533

بخبر فاسد: "ليس للمرء إلا ما طابت له به نفس إمامه" (١)؛ واحتجوا به أيضا في منع القاتل من سلب مقتوله، ثم خالفوه فأباحوا لمن وجد ركازا أن يخفي الخمس عن الإمام، ويأخذه لنفسه (٢)؛ وخالفوه أيضا في إباحة الصَّيدِ لَهُ، والحطب في دار الحَرب، ودار الإسلام بِغَيْر إذن الإمام، ولا فرق بين ذلك، وبين الأرض الموات التي لا مالك لها إلا الله تعالى. وخالفوا بهذا الاختلاط السنةَ عن رسول الله: "من أحيا أرضا ميتة

стр. 534

فهي له ولعقبه" (١)، فهذه عطية الله تعالى الحلال الطيب الذي لا مدخل فيه لأحد من الأئمة، ولا من غيرهم في شيء منها، وكذلك قوله ﵇: "من قتل قتيلا له عليه بينة، فله سلبه" (٢). واحتجوا في تحريمهم الحلال الطلق (٣) مِنْ مِلْكِ المتلقط اللقطة بعد أن ينشدها سنة، ومن تملكه الشاة يجدها بالفلاة، وكلاهما عطية الله تعالى، ومنحته الطيبة على لسان رسوله ﷺ ، فخالفوا ذلك (٤).

стр. 535

واحتجوا بخبر صحيح أيضا عن رسول الله إذ سئل عن ضوال الإبل، فأمر بتركها، وقال: "ضالة المسلم حَرَقُ النار" (١)، وخالفوه فيما فيه، فأمروا بأخذ الإبل الضوال، وفيها جاء اللفظ المذكور (٢). واحتجوا في إبطالهم طلاق النائم بالخبر الصحيح عن رسول الله:

стр. 536

"رُفع القلم عن ثلاث" فذكر النائم (١)، ثم خالفوه فقالوا: إنْ أَكَلَ في صومه - وهو نائم - فعليه القضاء، ولم يروا القلم في ذلك عنه مرفوعا بخلاف طلاقه. واحتجوا لقولهم الفاسد أنَّ الصحيح المكره على البيعِ، والإقرارِ والهبةِ لا يلزمه شيء من ذلك، ولقولهم الفاسد: إن المكره على الزنا، لا حد عليه، والمكره على القتل لا قود عليه (٢)؛ بالخبر الصحيح: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" (٣)؛

стр. 537

وصححوه، ثم خالفوه فألزموه الطلاق والعتاق والرجعة، والنذر واليمين، فإن قيل: فبأي شيء لم تسقطوا أنتم عليه حد الزنا والقتل، وإفساد المال؟ قلنا: لأن الزنا والقتل، وإتلاف الأعضاء لا مدخل للإكراه فيها أصلا، وفاعلها مختار قاصد إلى فعلها، وإنما يسقط عن المكره ما تبيحه له الضرورة من حكاية قول أُمِرَ بقوله، والحاكي لا شيء عليه، أو ما تبيحه له الضرورة من الأكل والشرب والإكراه ضرورة فقط. واحتجوا لقولهم الفاسد في أنه لا ينفذ حكم المريض الذي يموت من مرضه إلا في الثلث (١)، بالخبر الصحيح عن عمران بن حصين (٢)، في الذي أعتق ستة أعبد له عند موته، لا يملك غيرهم (٣)، وليس في هذا الخبر من ذلك شيء أصلا، بل قد صح أنه كان وصية بعد موته، ثم خالفوا نصه، فلم يجيزوا القرعة في ذلك؛ ولا أرقوا من

стр. 538

الأعبد أحدا؛ وخالفوه أيضا في قسمة الرقيق، فلم يجيزوها لا في الميراث ولا في غيره إذا لم يكن معهم مال آخر (١). واحتجوا في قولهم الفاسد أن المكره على اليمين، وعلى النذر يَلْزَمَانِهِ، وعليه الكفارة إن حنث والنذر إن حنث أيضا بخبر لا يصح عن حذيفة أن قريشا أخذته يوم بدر، فأخذوا عليه أن لا يأتي رسول الله ﷺ ، فأمره ﵇ بأن يفي لهم بذلك العهد (٢)؛ وهذا غاية التمويه منهم، لأنه ليس في هذا الخبر أنه أكرهوه على يمين ولا على نذر أصلا، هذا مع فساد الخبر، وظهور التَّوْليد فيه، لأن حذيفة كان من سكان المدينة حليفا للأنصار، وطريقه على بدر ليس على مكان قريش أصلا؛ وَيُسْأَلون عمن أكرهه المشركون، فعاهدهم على أن لا يصلي أبدا، ولا يصوم رمضان، وأن يفسق بأمه، أيفي بهذا العهد؟ فو الله ما بين هذه الأمور، وبين من تعمد ترك نصر رسول الله فرق؟ ! ! !

стр. 539

واحتجوا في إلزامهم المكره على الطلاق بأخبار لا يصح منها شيء: "ثلاث هزلهن جد، وجدهن جد: الطلاق والنكاح والعتاق" (١). وليس في هذه الأخبار للمكره مدخل بوجه من الوجوه، لأن المكره ليس مجدا ولا هازلا؛ إنما هو حاكي للفظ المكره له، ولا شيء على الحاكي قول قائل لامرأته: أنت طالق (٢).

стр. 540

واحتجوا لقولهم الفاسد فيمن اشترى شيئا فهو بالخيار إذا نظر إليه، إن شاء أبطل البيع، فلا عيب، وإن وجده كما وصف له، وإن شاء أمضاه، ولم يجعوا له الخيار قبل الرؤية أصلا (١)؛ بخبر لا يصح فيه: "من اشترى شيئا فهو بالخيار حتى يراه" (٢)، وهذا خلاف قولهم جهارا، وضده كفاحا، لأن حكم هذا اللفظ كون الخيار له قبل أن يراه، وبطلان الخيار إذا رآه، فتأملوه تجدوه كما قلنا لا يحتمل غير ذلك، واعجبوا لبارد تمويههم، وغثاثة إيهامهم؟ ! وبالله التوفيق. واحتجوا في إبطال بيع شيء غائب لم يره البائع، ولا المشتري، ولا وصفه لهما مَنْ رآه بالخبر الثابت عن رسول الله: "أنه نهى عن بيع

стр. 541

السنبل حتى يشتد" (١)؛ وليس في هذا الخبر بيع غائب غير مرئي، بل هو مرئي معلوم، ثم خَالَفُوه، وَأَجَازُوا بيع السنبل قبل أن يشتد على القطع (٢). واحتجوا في إبطال السنة الثابتة عن رسول الله في أن كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا إلا بيع الخيار، بأخبار صحاح، وواهية (٣)

стр. 542

ليس في شيء منها خلاف للسنة المذكورة؛ وإنما فيها بعض أحكام البيع فقط؛ وليست جميع السنن موجودة في خبر واحد، ولا في آية واحدة، ولا في سورة واحدة! ! ! واحتجوا بخبر شهر بن حوشب (١) في المنع من بيع الآبق، وفيه المنع من بيع الصدقات حتى تقبض (٢)، فخالفوه؛ وأجازوا بَيْعَها قبل

стр. 543

أن تقبض وأخذ القيمة فيها (١). واحتجوا في إباحة كثير من الشروط الفاسدة بخبر ساقط: "المسلمون عند شروطهم ... " (٢) كمن شرط لامرأته أن لا يتزوج عليها، فإن فعل فهي طالق، ثم خالفوه فأبطلوا بيع الأمة الحامل بشرط استثناء ما في بطنها (٣).

стр. 544

واحتجوا بخبر النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها (١)، ثم خالفوه فأجازوا بيعها قبل بدو صلاحها بشرط القطع (٢). واحتجوا بالنهي عن بيع الغرر (٣) في مواضع كثيرة، وصححوه وتبجحوا بالأخذ به، ثم خالفوه، وأجازوا بيع رطل من جملة هذا الدقيق، وَصَاعٍ من هذا التمر، وأحد هذين الثوبين، أو أحد هذه الأثواب الثلاثة بغير عينه يختاره المشتري، وهذا عين الغرر حقا، لأنه لا يدري أي تلك الجملة اشترى المشتري، وباع البائع، ثم أبطلوا بيع هذا

стр. 545

الدقيق إلا رطلا، وبيع هذا التمر إلا صاعا وبيع أحد هذه الأثواب الأربعة بغير عينه، وقالوا: هذا غرر، وهذا عين ما أجازوا، فلا فرق (١). واحتجوا في المنع من بيع الزيتون بالزيت إلا بعد صحة العلم، بأن ما في تلك الزيتون من الزيت، أقل من الزيت المبيع به بالخبر الذي فيه النهي عن بيع اللحم بالحيوان (٢)؛ وخالفوا هذا الخبر فيما فيه فأباحوا بيع اللحم بالحيوان من نوعه، ومن غير نوعه (٣). واحتجوا لقولهم الفاسد في إجازتهم بيع المرء مَالَ غيره، بغير إذن من صاحب ذلك الشيء إذا بلغه، فأجازوه بالخبر الثابت الذي فيه

стр. 546

إخبار النبي ﷺ عن الذي استأجر أجيرا بفرق أرز، فلما دفعه إليه تسخطه، فتركه، فزرعه له، حتى نما، فجمع له منه بقرا براعيها، وثناء النبي ﵇ عيه بذلك (١)، فلا حجة لهم فيه، لأنه ليس فيه أن ذلك الفرق كان معينا، بل كان في ذمة المستأجر فإنما كان متصرفا في مال نفسه، متطوعا له بما أعطاه من البقر. واحتجوا أيضا في ذلك بخبر عروة البارقي (٢)، وذكر فيه أن النبي ﵇ أعطاه دينارا ليبتاع له أضحية فابتاع له شاة بدينار، ثم باعها بدينارين، فابتاع له شاة بدينار، فأتاه بها وبالدينار (٣).

стр. 547

قال أبو محمد: وكلا هذين الخبرين، قد خالفوه، لأن فيهما أن عروة، والمستأجر باعا وابتاعا، وهم لا يجيزون الابتياع لأحدٍ بغير إذنه، وهذا من العجائب جدا (١). واحتجوا في إباحة بَيْع الكلب بخبر فيه النهي عن ثمن الكلب إلا كلب صيد (٢) وهذا خبر مكذوب؛ وهو مع ذلك خلاف لقولهم،

стр. 548

لأنهم احتجوا على خلاف ما فيه من إباحة ثمن كل كلب، فاعجبوا لهذا! ! (١) واحتجوا لقولهم بأن علة الربا الكيل والوزن بأخبار فيها: "لا صاعين بصاع" (٢) ثم خالفوها، فأجازوا صاعين بصاع من غير جنسه، فإن قالوا خصصنا ذلك بقول رسول الله: "فإذا اختلفت الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد" (٣). فعلمنا أنه أراد ﵇ إلا صاعين بصاع

стр. 549

من جنس واحد - قلنا: وغيركم خصه باقتصار رسول الله، إذ بين الربا على الأصناف الستة: القمح، والشعير، والتمر، والملح والذهب والفضة، فعلمنا أنه ﵇ لو صح عنه ذلك النهي، لكان إنما أراد "لا صاعين بصاع"، من الأصناف الستة المذكورة وهذا التخصيص متفق على صحته بلا شك، وتخصيصكم دعوى لا يؤيدها نص ولا إجماع، فهو باطل بلا شك (١).

стр. 550

واحتجوا في قولهم الفاسد في المنع من بيع المدبر بخبر ساقط أن رسول الله باع خدمة المدبر (١)، ثم خالفوه فلم يجيزوا بيع خدمة المدبر أصلا، وهذا من طَوَامِّهم أن يحتجوا بخبر ساقط، فيما ليس فيه منه أثر، وهم يخالفون نصه، وما فيه! ! (٢).

стр. 551

واحتجوا لقولهم بأن للإمام أن يوقف الأرض المفتتحة، ويضرب عليها الخراج ولا يقسمها (١) بالخبر الثابت عن رسول الله: "منعت العراقُ درهمَها وقَفِيزَها، ومنعت الشام دينارها ومديها، ومنعت مصر دينارها وَإِرْدَبَّهَا، وعدتم كما بدأتم" (٢)، وهذا الخبر حجة عليهم في ذلك، لأن رسول الله ﷺ أنذر فيه بما قد ظهر من سوء العاقبة من إيقاف الأرض للخراج، وأن المفتتحين لها يعودون خائبين كما بدأوا. واحتجوا بأخبار فيها: "المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم" (٣)، ثم

стр. 552

خالفوها؛ فقالوا إن مات وترك مالا أكثر مما بقي عليه من كتابته، أدي عنه ما بقي من كتابته، وورث الباقي ورثته الأحرار (١)، فإن كان مات عبدا كما في الآثار التي احتجوا بها، فلا يحل أن يرثه ورثته، لأن العبد عندهم، وعندنا لا يورث، فإن ورثه أحرار ورثته، فما مات إلا حرا، فإن كان استحق الحرية بعد موته، فهذا حمق لا يقوله أحد، وإن كان استحقها في شيء من حياته فقد خالفوا ما احتجوا به من أنه عبد ما بقي عليه درهم. واحتجوا بخبرين أحدهما عن مجهول: "الناس شركاء في ثلاث: الماء والنار والكلأ" (٢)؛ والآخر مرسل: "بيعُ الشجر سُحْتٌ" (٣).

стр. 553

ثم خالفوهما فأجازوا بيع كل ذلك إذا أخذه المرء فَقَلَعَهُ (١). واحتجوا بالخبرين المذكورين في تحريم بيع كل ذلك في أرض الإنسان إذا نبت فيها. واحتجوا في تحريم الزمر وسماعه بالخبر الثابت عن ابن عمر إذْ سمع رسول الله زمارة راعي فَسَدَّ أذنيه، ولم يزل يقول له: أتسمع يا ابن عمر؟ حتى قال: لا أسمع بعدُ، فأزال أصبعه" (٢). وهذا حجة في إباحة سماعه إذ لو كان حراما ما أطلق (٣) ﵇ ابن عمر على سماعه، لكن الورع أن لا يسمع. واحتجوا لقولهم من استأجر شيئا فَآجَرَهُ بكثر مما استأجر به؛ أن عليه أن يتصدق بالفضل (٤)، بأن النبي ﵇ اشترى شيئا ليس عنده ثمنه، فباعه بربح، فتصدق بالفضل، وقال: "لا أشتري شيئا ليس عندي ثمنه" (٥).

стр. 554

وهذا خبر ليس فيه مِنَ الإجارات ولا ما يشبهها؛ وَهُمْ لا يكرهون ابتياع ما ليس عند المرء ثمنه، ولا يأمرونه بالصدقة بربح إن ربح فيه، فخالفوا الخبر الذي احتجوا به في نص ما فيه؛ واحتجوا به فيما ليس فيه منه شيء؛ فاعجبوا لتمويههم البارد، ثم هو بعد خبر فاسد، لأن الثابت أنه ﵇ ابتاع شعيرا من يهودي، وَرَهَنَهُ درعه، ومات ﵇ قبل أَنْ يفتكها (١)، فهذا شراء ما ليس عنده ثمنه. واحتجوا في أَنَّ السَّلَمَ لا يجوز إلا إلى أجل مسمى، ولا يجوز في الحيوان (٢) بالخبر الثابت عن رسول الله: "من أسلف فلا يسلف إلا

стр. 555

في كيل معلوم، أو وزن معلوم إلى أجل معلوم" (١)، فخالفوه فأجازوا السلم في الثياب، وفي البيض، وفيما يُعَدُّ ويزرع، ولا يكال ولا يوزن (٢). واحتجوا لقولهم في إيجاب الشفعة للجار الملاصق بالخبر الذي فيه: "الشفعة في كل شرك؛ ربعة، أو حائط، لا يصلح أن يبيع، حتى يُؤْذِنَ شريكه قبل البيع" (٣)؛ ولم يروا إذن الشفيع إذنا قبل البيع (٤)، ولا

стр. 556

يجيزون تقديم الكفارة قبل الحنث (١)، خلافا على رسول الله ﵇، وهم يجيزون تقديم الزكاة قبل وقتها (٢)، ويرون أن من نذر أن يصوم بعد غد، وصام غدا أنه يجزئه عن صيام بعد غد (٣). واحتجوا في منعهم من السَّلَم في الحيوان (٤) بمرسل وضعيف: "نهى عن الحيوان بالحيوان نسيئة" (٥) وليس فيه أن لا يسلم غير

стр. 557

الحيوان في الحيوان. واحتجوا لقولهم: إن الهبة لا تتم إلا بالحيازة والقبض (١)، بالثابت عن رسول الله: "يا ابن آدم مَالَكَ مِنْ مَالِكَ إلَّا ما أعطيت فأمضيت، وذكر باقي الحديث" (٢)؛ قالوا: الإمضاء: هو الإقباض.

стр. 558

قال أبو محمد: وهذا باطل لأنه دعوى بلا برهان، بل الإمضاء هو الإعطاء نفسه، وأما من أراد الرجوع فيما أعطى لأنه بدا له أو لأنه لم يقبض منه، ففي هذا الخبر إبطال إرادته، لأنه ﵇ لم يجعل من ماله ما أعطى، فلم يمضه، فإِذْ لم يجعله ﵇ من ماله، فلا حق له فيه أصلا ولا مدخل له في ماله، فخالفوا نص حكم هذا الخبر المذكور. واحتجوا لقولهم في الرجوع في الهبة (١) بخبر لا يصح، لأن راويه إسماعيل بن مجمع (٢) -: "الرجل أحق بهبته ما لم يثب

стр. 559

منها" (١)، وخالفوه فقالوا: ليس هذا الحكم بين الزوجين، ولا بين ذوي الأرحام المحرمة، واحتجوا في هذا أيضا بخبر فيه أن رسول الله وهب له فأثاب" (٢). قال أبو محمد: وهذا عجبٌ من ردهم وغثاثتهم، ليت شعري مَنِ الذي خالفهم في أن للموهوب له أن يثيب؟ ! وأي دليل في هذا على أن للواهب أن يرجع في هبته ما لم يثب من هبته! ؟ . واحتجوا في إجازتهم العتق بشرط مدة مسماة محدودة (٣)، بالخبر الذي لم يصح من أن أم سلمة - أعتقت سفينة مولاها، وشَرَطَتْ أن لا

стр. 560

يفارق رسولَ الله ﵇ (١)، وهم لا يجيزون العتق على أن لا يفارق فلانا مدة حياته، فاحتجوا به فيما ليس فيه منه شيء، وخالفوا نَصَّ حكمه الذي فيه؟ ! واحتجوا في قولهم: إن الشفعة تبطل بتركها مدة (٢)، بخبر ابن البيلماني (٣): "الشُّفعةُ كَحَلِّ العِقَالِ، ولا شفعة لصغير ولا لغائب،

стр. 561

ومن مُثِّل به فهو حر" (١)؛ فخالفوا كل ما فيه، واحتجوا به فيما ليس

стр. 562

فيه منْه شيءٌ. واحتجوا أن لا يقاد والد بولده، ولا سيد بعبده، بخبر من طريق عمر، وفيه: "وَمَنْ مُثِّلَ به فهو حر" (١)، فخالفوه. واحتجوا في غير ما قصة بِـ "الولد للفراش" (٢) ثم خالفوه في نص حكمه، فقالوا للرجل أن ينتفي من حمل أم ولده (٣)، ثم قالوا: من تزوج أمه التي ولدته، وابنته وأخته، وهو يدري قرابتهن، ويدري التحريم فيهن، فأولاده لاحقون به، فنفوا ولد الفراش؛ وألحقوا ولد إبليس تلاعبا بالإسلام، واستخفافا بالديانة، وجعلوا الأم والابنة والأخت فراشا، وجعلوا أم الولد غير فراش، والخبر المذكور لم يأت إلا في ولد مملوكة، لا في ولد حرة. واحتجوا لقولهم الفاسد في أن صوم رمضان يجزئ مع إِصْبَاحِ المرءِ

стр. 563

متعمدا لنية الفطر فيه، ثم يحدث نية للصوم ما لم تزل الشمس (١)، بالخبر الذي فيه أن رسول الله ﵇: "كان يدخل على عائشة أم المؤمنين، فيقول ﵇: "هل من غذاء؟ ". فتقول: "لا". فيقول: "فإني صائم" (٢). قال أبو محمد: وهذه فضيحة الدهر، وَقِحَةٌ (٣) لا نظير لها، لأن هذا خبر إنما جاء في صوم تطوع، وهم لا يجيزون ذلك في صوم التطوع أصلا، ولا يجزئ عندهم صوم التطوع إلا بنية من الليل ولا بد، ثم خصوا قبل الزوال (٤)؛ وليس في هذا الخبر ولا غيره فرق بين ما قبل الزوال وما بعده، فإن شهرة هؤلاء القوم لعظيمةٌ؛ وإن بلية الإسلام بهم لفظيعةٌ، نسأل الله تعالى العافية والعصمة. واحتجوا لقولهم: لا يمس القرآن إلا طاهر بصحيفة عمرو بن حزم: "لا يمس القرآن إلا طاهر" (٥)، وخالفوه فلم يقولوا ذلك إلا في المصحف، وأجازوا مس الجنب والمحدث، والكافر الصحيفةَ فيها

стр. 564

القرآن، والدراهم التي فيها القرآن (١)، وكل ذلك قرآن؛ وليس في الخبر المذكور للمصحف ذكرٌ أصلا، فإن قالوا القرآن هو القرآن كله - قلنا: وبعضُ القرآن قرآنٌ. ثم نسألهم عن جزء فيه نصف القرآن، أو ثلثه أو ربعه، ولا نزال نَحُطُّهُمْ إلى بعض آية. واحتجوا لقولهم: إن من نام قائما أو جالسا، لم ينتقض وضوءه بالخبر الثابت عن رسول الله: "إذا نعس أحدكم في الصلاة، فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس، لعله يذهب يستغفر، فيسب نفسه" (٢). قالوا: وهذا يدل على جواز الصلاة في حال النوم. قال أبو محمد: كَذَبُوا جِهَارًا، بل ما يفهم ذو عقل منا، إلا ضد ما

стр. 565

قالوه، بل فيه النهي عن أن يصلي وهو ناعس، وإنكار ذلك أشد الإنكار، والأمر بقطع الصلاة عند احتباس النعاس، والأمر بالنوم فقط، فدل على أن الصلاة لا تكون، ولا تجزئ في حال النعاس أصلا. واحتجوا لقولهم: لا يقرأ الجنب آية من القرآن بالخبر من طريق علي: "كان رسول الله لا يحجزه عن القرآن شيء إلا الجنابة" (١)، ثم خالفوه
следующие страницы →