← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 33

الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس

ابن حزم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ومن مُثِّل به فهو حر" (١)؛ فخالفوا كل ما فيه، واحتجوا به فيما ليس

стр. 562

فيه منْه شيءٌ. واحتجوا أن لا يقاد والد بولده، ولا سيد بعبده، بخبر من طريق عمر، وفيه: "وَمَنْ مُثِّلَ به فهو حر" (١)، فخالفوه. واحتجوا في غير ما قصة بِـ "الولد للفراش" (٢) ثم خالفوه في نص حكمه، فقالوا للرجل أن ينتفي من حمل أم ولده (٣)، ثم قالوا: من تزوج أمه التي ولدته، وابنته وأخته، وهو يدري قرابتهن، ويدري التحريم فيهن، فأولاده لاحقون به، فنفوا ولد الفراش؛ وألحقوا ولد إبليس تلاعبا بالإسلام، واستخفافا بالديانة، وجعلوا الأم والابنة والأخت فراشا، وجعلوا أم الولد غير فراش، والخبر المذكور لم يأت إلا في ولد مملوكة، لا في ولد حرة. واحتجوا لقولهم الفاسد في أن صوم رمضان يجزئ مع إِصْبَاحِ المرءِ

стр. 563

متعمدا لنية الفطر فيه، ثم يحدث نية للصوم ما لم تزل الشمس (١)، بالخبر الذي فيه أن رسول الله ﵇: "كان يدخل على عائشة أم المؤمنين، فيقول ﵇: "هل من غذاء؟ ". فتقول: "لا". فيقول: "فإني صائم" (٢). قال أبو محمد: وهذه فضيحة الدهر، وَقِحَةٌ (٣) لا نظير لها، لأن هذا خبر إنما جاء في صوم تطوع، وهم لا يجيزون ذلك في صوم التطوع أصلا، ولا يجزئ عندهم صوم التطوع إلا بنية من الليل ولا بد، ثم خصوا قبل الزوال (٤)؛ وليس في هذا الخبر ولا غيره فرق بين ما قبل الزوال وما بعده، فإن شهرة هؤلاء القوم لعظيمةٌ؛ وإن بلية الإسلام بهم لفظيعةٌ، نسأل الله تعالى العافية والعصمة. واحتجوا لقولهم: لا يمس القرآن إلا طاهر بصحيفة عمرو بن حزم: "لا يمس القرآن إلا طاهر" (٥)، وخالفوه فلم يقولوا ذلك إلا في المصحف، وأجازوا مس الجنب والمحدث، والكافر الصحيفةَ فيها

стр. 564

القرآن، والدراهم التي فيها القرآن (١)، وكل ذلك قرآن؛ وليس في الخبر المذكور للمصحف ذكرٌ أصلا، فإن قالوا القرآن هو القرآن كله - قلنا: وبعضُ القرآن قرآنٌ. ثم نسألهم عن جزء فيه نصف القرآن، أو ثلثه أو ربعه، ولا نزال نَحُطُّهُمْ إلى بعض آية. واحتجوا لقولهم: إن من نام قائما أو جالسا، لم ينتقض وضوءه بالخبر الثابت عن رسول الله: "إذا نعس أحدكم في الصلاة، فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس، لعله يذهب يستغفر، فيسب نفسه" (٢). قالوا: وهذا يدل على جواز الصلاة في حال النوم. قال أبو محمد: كَذَبُوا جِهَارًا، بل ما يفهم ذو عقل منا، إلا ضد ما

стр. 565

قالوه، بل فيه النهي عن أن يصلي وهو ناعس، وإنكار ذلك أشد الإنكار، والأمر بقطع الصلاة عند احتباس النعاس، والأمر بالنوم فقط، فدل على أن الصلاة لا تكون، ولا تجزئ في حال النعاس أصلا. واحتجوا لقولهم: لا يقرأ الجنب آية من القرآن بالخبر من طريق علي: "كان رسول الله لا يحجزه عن القرآن شيء إلا الجنابة" (١)، ثم خالفوه

стр. 566

فقالوا يقرأ آية غير شيء (١). واحتجوا لقولهم أن ما مات في الماء من الخشاش لم ينجسه بالخبر الذي فيه: "مَقْلُ الذباب في الطعام" (٢) وخالفوه لأن فيه: "ثم لِيُخْرِجْهُ"، فهذا يدل على خلاف قَوْلهم، إذ لم يأمر ﵇ بإبقائه حتى يموت، واحتجوا لهذا القول بخبر موضوع فيه: "كل طعام، وشراب وقعت فيه دابة، فماتت ليس لها دم؛ فهو الحلال أكله، وشربه ووضوءه" (٣)، وهذا خلاف قولهم، لأن الذباب

стр. 567

والبرغوث لها دم طَاهِرٌ بَيِّنٌ، وليس في الخبر المذكور تخصيص سائل من غير سائل (١). قال أبو محمد: وهذا يكثر منهم جدا، بل ما يكاد يسلم لهم خبر احتجوا به من صحيح، أو سقيمٍ، مِنْ أن يكونوا يخالفون ما فيه، وأن لا يكون فيه شيء مما احتجوا به فيه، فَهُمْ في ضلالٍ مُتَّصل، ونعوذ بالله مِنَ الخذلان، وفي بعض ما ذَكَرْنَا كفايةٌ لمن نَصَحَ نفسه منهم، في أن يتداركها بالتوبة من المعصية لأوامر رسول الله ﷺ ، ومن تقويله ما لم يقل، والتلاعب بالسنن، وتصحيح الباطل، ورد الثابت في كل ذلك. ولما بلغنا مكاننا هذا، اعترضنا بذكر تخاليط لهم أخر؛ ومناقضات فاحشة في أخذهم تارة بالعموم في نص الخطاب، وتارة بتخصيصه بلا برهان إلا التحكم بالهوى فقط؛ ومن أخذهم تارة بالقول بالوجوب في أوامر النصوص، وتارة بحملها على الكراهة، والندب بلا برهان إلا التحكم بالهوى فقط، ومن أخذهم تارة بشيء سموه دليل الخطاب، وهو أن يقولوا: إن ما لم يذكر في هذا النص، فهو بخلاف حكم هذا النص، وتركهم القول به تارة بلا برهان في كل ذلك، إلا التحكم بالهوى في تقليد فاحش خطأ أبي حنيفة وفاسد آرائه، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 568

فرأينا أن نذكر إن شاء الله تعالى من هذه الأعمال طرفا لئلا نُبقي لهم شغبا يلوذون به، إلا أريناهم ضلالهم فيه، بحول الله تعالى وقوته. ومن العجائب قولهم في خبر المصراة (١)؛ لما لم يقس نظراؤها من سائر المبيعات وجب تركه، وهم قد أخذوا بخبر: "الله أطعمه وسقاه" (٢)، وقاسوا عليه المجامع ناسيا، ولم يقيسوا عليه نظراءه ممن فعل في الصلاة، أو في الحج ناسيا ما يبطله بالعمد، ولا قاسوا على قولهم في الآبق نُظَرَاءَهُ ممن أتى بضلالة أو لقطة (٣)، ولا قاسوا على

стр. 569

خبر القهقهة في الصلاة نظراءه ممن تعمد العمل في الصلاة، وغير ذلك كثير (١). ومن العجائب: قولهم في الخبر الثابت عن رسول الله: أنه مسح في وضوئه على العمامة والخمار (٢)، وهذا فعل من رسول الله، وليس أمرا، فيحمل على ظاهره وعمومه، ثم أتوا إلى الوضوء بالنبيذ (٣) - وهو خبر ساقط - فأخذوا به، ولم يقولوا: هذا عمل وليس أمرا، فيحمل على ظاهره وعمومه، وبالله تعالى التوفيق. * * *

стр. 570

القول على طرفٍ يسيرٍ من تناقضهم في العموم والخصوص في القرآن والسنن (١) قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢)؛ فقالوا: هذا في الأحرار والحرائر دون العبيد والإماء (٣)، وما عدا الولد والوالدين،

стр. 571

وفيما (١) عدا أحد الزوجين للآخر (٢). وقال تعالى (٣): ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٤)؛ فقالوا أراد الأحرار خاصة (٥)، واختُلف عن أبي حنيفة في المُقعد والأعمى، ولم يختلف عنه أن الأَعْرَجَ إذا وجد زادا وراحلة وجب عليه فرض الحج (٦). وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٧)، فقالوا: هذا على الأحرار خاصة، ولم يرد العبيد، فإن حضروها أَجْزَأَتهمْ، وإن حجوا لم يجزهم حجهم؛ وفي المصر خاصة، لا على من كان خارج المصر (٨).

стр. 572

وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١)، فقالوا هذا للأحرار والعبيد، إلا أن العبد والحر من زَوْجَتَيْهِمَا المملوكتين لا يؤجل لهما إلا شهرين، وهذا فِيمَنْ طالبته امرأته لا من لم تطالبه (٢)، فمرة حملوا الأمر على عمومه في لزوم الإيلاء، ومرة خصوا كل مولي لم تطالبه امرأته، ومرة خصوا الأجل في بعض المولين دون بعض، كل ذلك بلا دليل أصلا، لا من نص ولا قول صاحب، ولا قياس مطرد، ثم زادوا بآرائهم وتقليدهم، على الآية ما ليس فيها ولا تحتمله (٣)، فقالوا: مضي الأربعة الأشهر، أو الشهرين طلاق لا عزيمة فيه للمولي أصلا (٤). وقال تعالى (٥): ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٦)،

стр. 573

وقالوا: إنما أراد الحرائر، وأما الإماء فَقُرآن فقط ثلثا أقراء الحرة (١). وقال تعالى (٢): ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٣) فقالوا: إنما أراد الحرائر، وأما الإماء، فشهر ونصف، نصف عدة الحرة (٤). وقال تعالى (٥): ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٦)، فقالوا: هذا على عمومه، والحرائر والإماء سواء (٧)، وقال تعالى (٨) في المتوفى عنهن أزواجهن: ﴿ ... يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٩)؛ فقالوا: أراد الحرائر، وأما الإماء فشهران وخمس ليال نصف عدة الحرة (١٠).

стр. 574

وقال تعالى (١): ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢)، فقالوا: هذا عموم للحر والعبد، والحرة والأمة؛ ثم قالوا: إنما أراد سارق عشرة دراهم فصاعدا، ولم يرد قطُّ سارق خشبة إلا أن تكون (٣) ساجا (٤)، ولا سارق لحم (٥). وقال تعالى (٦): ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٧)، ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٨)، فقالوا: هذا في طلاق الحرة من العبد والحر؛ وأما الأَمَةُ من الحر والعبد، فيحرم عليه تطليقتين، ثلثي طلاق الحرة، وأما تحريمها إلا بعد زوج، فعموم

стр. 575

للحرة والأمة (١). وقال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٢)، فقالوا: هذا للحر، وأما العبد فلا يحل له إلا اثنتان (٣). وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٤)، فقالوا: أول الآية للحر والعبد سواء، وآخرها للحر دون العبد (٥). وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٦)، فقالوا: هذا عموم (٧)، والحر

стр. 576

والعبد سواء، وأما (١) النساء فلا، بخلاف قولهم في السرقة (٢). وقال تعالى (٣): ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٤)، فقالوا: هذا عموم في النفس؛ في الحر والعبد والمرأة والكافر، وأما فيما دون النفس، فلا قصاص بين حر وعبد ولا بين رجل وامرأة (٥). وقال تعالى (٦): ﴿وَأَقِيمُوا (٧) الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٨)، فقالوا:

стр. 577

الأُولى: عموم للحر والعبد، والثانية: أراد الأحرار فقط (١). وقال تعالى (٢): ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ (٣)، فقالوا: عموم للحر والعبد (٤). وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ [مِنْكُمْ] (٥) مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٦)، فقالوا: أراد الزوجات دون السراري (٧). وقال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (٨)، فقالوا: الحرة والأمة سواء

стр. 578

وهذا عموم (١). وقال تعالى: ﴿ ... وَتَحْرِيرُ (٢) رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (٣)، وقال تعالى في الظهار أيضا: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (٤)، وقال تعالى في كفارة الأيمان: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (٥)، فقالوا: عموم للحر والعبد. وقال تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٦)، فقالوا: عموم للعبد والحر، والمرأة إلا الراعف، ومن غلبه الحدث. وقال رسول الله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفرٌ بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو نفس بنفس" (٧)، فقالوا: أما الزاني بعد الإحصان، والنفس بالنفس، فعمومٌ للرجال والنساء،

стр. 579

وأما الكفر بعد الإيمان، فللرجال خاصة (١). وقال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (٢)، فأرادوا (٣) عشرة دراهم فصاعدا الحرة والأمة والحر والعبد في ذلك سواء (٤).

стр. 580

وقال تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (١) وبين رسول اللهِ ﷺ أنه تعالى إنما أراد اعتزال موضع الحيض فقط (٢)، فعصوا السنة، وخالفوا القرآن، وقالوا: يحرم عليه ما بين السرة والركبة فقط، ويحل له ما وراء ذلك، وما أسفل من ذلك (٣). وقال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (٤)، قالوا: إنما أراد أيام الحرية الذي ليس فيه من الرق بقية (٥). وقال رسول الله ﷺ : "لا يرث الكافر المسلم" (٦)، فقالوا:

стр. 581

عموم لكل أحد، وقال ﵇: "ولا يرث المسلم الكافر"، فقالوا: أراد غير المرتد (١). وقال تعالى (٢): ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ (٣)، فقالوا: هذا عموم للذكر والأنثى، وولد الولد الذكر؛ وهو خصوص للولد الحر المسلم التام الحرية. وقال تعالى (٤): ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ ... ﴾ (٥)، قالوا (٦): إنما أراد ولدا ذكرا لا أنثى. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٧)، قالوا: عموم في الحلال والحرام. وقال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٨)، قالوا:

стр. 582

عموم للحرائر والإماء. وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (١)، قالوا: إنما أراد من لم يحلف متعمدا للكذب (٢). وقال تعالى في الظهار والكفارة: ﴿ ... أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٣)، وأمر بذلك رسول الله ﷺ (٤) في المجامع أهله في نهار رمضان عامدًا (٥)، فقالوا عموم لكافرة والمؤمنة، ثم حسدوا أنفسهم على الصواب، فقالوا: خصوص في التي لم يقطع إبهامها، أو أصبعان غير الإبهام (٦).

стр. 583

وفرض رسول الله ﷺ (١) صدقة الفطر صاعا من تمر؛ أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير من المسلمين (٢)، فقالوا: عموم للكفار من العبيد المسلمين وخصوص لغير رقيق التجارة (٣). وقال رسول الله ﷺ (٤): "فيما سقت السماء العشر" (٥)، فقالوا

стр. 584

عموم في ما قل أو أكثر، وفي كل شيء إلا الحطب والقصب والحشيش - وفي أحد قَوْلَيْهِ: وإلا قصب الذريرة (١)، قالوا وَعُمُومٌ للحر والعبد والصغير والكبير والمجنون، والمكاتب، ثم نسوا أنفسهم، فقالوا: إلا ما أصيب في أرض خراج، فلا زكاة فيه (٢). وقال رسول الله ﷺ (٣) بوجوب الزكاة في مائتين من الدراهم (٤)، وفي عشرين من الدنانير (٥)، وفي ثلاثين من البقر (٦)، وأربعين من

стр. 585

الغنم (١)، وخمس من الإبل (٢)، فقالوا: إنما أراد أموال العقلاء البالغين الرجال والنساء الأحرار والعبيد، ولم يرد المجانين ولا الصغار، ولا المكاتبين، ولا ما زرع في أرض خراج. ونهى رسول الله ﷺ (٣) عن بيع الرُّطَب بالتمر (٤)، فقالوا: هذا خصوص فيما كان من الرُّطَب في رؤوس النخل خاصة. ونهى ﵇ عن التذكية بالظفر والسن (٥)، فقالوا: إنما عنى

стр. 586

الظفر النَّاتِئَة في الأصبع والسن النَّاتِئَة في الفم خاصة (١). وقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (٢)، قالوا: أراد العرب خاصة، ثم زادوا هوسا وضلالا فقالوا فإن ارتد العرب بعد إسلامهم وبانوا بدارهم (٣)، وعاودوا عبادة الأوثان وامتنعوا هم وأولاهم، حتى ماتوا قبلت الجزية من أولادهم، وَتُرِكُوا ذِمَّةً. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٤)، قالوا: لم يرد من الجراح إلا الموضحة فقط (٥).

стр. 587

وقال رسول الله ﷺ (١): "التمر بالتمر ربا، إلا هاء وهاء، كيلا بكيل" (٢)، قالوا أراد كل تمر وكل بُرٍّ، وإن اختلفت أصنافه، ولم يرد التمرتين ولا الثلاث. وقال تعالى (٣): ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٤)؛ قالوا خصوص لمن كان (٥) لم يكن محصنا (٦).

стр. 588

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (١)، قالوا: استشهاد أربعة عموم لكل كافرة ومؤمنة، حرة أو أمة، والجلد خصوص للقاذف المسلمةَ الحرةَ فقط (٢). وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ الآية (٣)، قالوا إنما أراد الله ، البُصَرَاءَ والأحرارَ في الحرائر من المسلمين خاصة، الفُسَّاقُ والعدولُ سواء؛ ومن لم يجُلد قط في قذف ولا حد (٤).

стр. 589

وقال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (١)، فقالوا: لم يرد قط الطلاق البائن، وما علمنا في القرآن والسنة طلاقا بائنا، إلا غير المدخول بها، والمطلقة ثلاثا فقط (٢). وقال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٣)، قالوا: عموم لكل مسجد، وللحرة والأمة، والحر والعبد (٤). وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٥)، قالوا عموم لكل كافر أسلم؛ وخالفوا السنة في اشتراط التوبة مما سلف له أيضا (٦). وقال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٧)، قالوا: عموم لكل رضاع، ولو نقطة واحدة (٨).

стр. 590

وقال رسول الله ﷺ (١): "لا يقتل مؤمن بكافر" (٢)، فقالوا: إنما أراد الكافر الحربي" (٣). وقال رسول الله ﷺ (٤): "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" (٥)، قالوا: إنما أراد الكافر الذي يقر على كفره، ولا يقتل؛ بقوله: "لا يرث المسلم الكافر"؛ وأما قوله: "لا يرث الكافر المسلم"، فعموم لكل كافر مرتد (٦)، وغيره، فجمعوا في هذه الأقوال التلاعب بالقرآن والسنن في حملها على العموم، ومرة على الخصوص بآرائهم، والكذب على الله تعالى جهارا بتقويل رسول الله ﷺ (٧) ما لم يقل، وهذه طَوّامٌ نُسيءَ الظن بصاحبها. قال أبو محمد: رحمه الله تعالى (٨) لم نذكر لهم شيئا خصوه بسنة

стр. 591

صحيحة أصلا؛ لكن إما بخبر ساقط، وإما بتقليد فاسد، وإما بقياس سخيف، وإما برأي ضعيف، ولو تقصينا هذا الباب لكثر جدا ولما سَلِمَ لهم نصٌّ من الأخذ بعمومه خلافا لسنة صحيحة خصته، أو خصوه بالباطل، وفيما ذكرنا كفاية لِمَنْ عَقَلَ. وبالله تعالى (١) التوفيق. * * *

стр. 592

القول في طرف من تناقضهم في أوامر الله تعالى في القرآن، وعلى لسان رسول الله (١) ﷺ ، فحملوا بعضَها على الوجوب، وبعضَها على الإباحة تحكما بالباطل، بلا برهان من نص آخر ثابت أصلا (٢). قال أبو محمد: رحمه الله تعالى (٣) أوجبوا المضمضمة والاستنشاق في الجنابة فرضا بخبر فاسد، قد خالفوه على ما ذكرنا قبل، ثم صح أمرُ الله تعالى على لسان رسوله ﷺ (٤) بالاستنشاق والاستنثار في الوضوء فقالوا: ليس ذلك فرضا، وكلاهما ليس في القرآن. وقال بعضهم أمر بغسل جميع الجسد، وكان حكمُ باطن الأنف (٥)، وباطن الفم، حكمَ الأعضاء الظاهرة، لأن ما جُعل فيهما لا يفطر الصائم، فقلنا: وأمر بغسل (٦) جميع الوجه في الوضوء، وكان حكم باطن الأنف وباطن الفم، حكم الأعضاء الظاهرة، لأن ما جُعل فيهما لا يفطر الصائم فَقُلنا، وأُمرنا بغسل جميع الوجه في الوضوء؛ وكان حُكم باطن الأنف والفم، حكم أعضاء الوجه

стр. 593

الظاهرة؛ لأنَّ ما جُعل فيهما لا يفطر الصائم ولا فرق. وأوجبوا الجلوس في آخر الصلاة فرضا، ولم يأت به أمر إلا في الأمر بالتشهد فيه، ولم يوجبوا الأمر بالتشهد فرضا. وأسقطوا وجوب كل أمرٍ، أَمَرَ به رسولُ الله ﷺ (١) في الصلاة، من الاعتدال في القيام والركوع والسجود، والسلام والتشهد، والذكر في السجود والركوع والقراءة لأم القرآن (٢)، وغير ذلك. وأوجبوا الأضحية فرضا، وترك الكلام في الصلاة أيضا. وأوجبوا السعي بين الصفا والمروة فرضا، بأمر ورد فيهما، وتركوا له قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (٣)، وهذه ألفاظ مسقطة لوجوب الطواف بهما (٤). وأسقطوا وجوب العمرة، وقد قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٥)، وقال رسول ﷺ (٦): "حُجَّ عن أبيك واعتمر" (٧)

стр. 594

وصح ذلك عنه ﵇، فردوا كل ذلك بخبر ساقط لا يجوز الاحتجاج به (١). وأسقطوا وجوب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٢)، فقالوا: ذروا البيع ندب، واسعوا إلى ذكر الله تعالى، خصوص للأحرار من

стр. 595

أهل الأمصار فقط (١). وقال رسول الله ﷺ (٢): "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" (٣)، فقالوا: هذا فرض في العمد والنسيان (٤). وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٥)، فقالوا: هذا فرض في العمد، وليس فرضا في النسيان (٦). وقال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (٧)، فقالوا: ليس هذا فرضا للأثر الذي صح فيه:

стр. 596

"الحج عرفة" (١). وأوجبوا السعي بين الصفا والمروة مرتين على القارن، ولم يتفق على وجوبه مرة، فكيف مرتين؟ ولم يردوه بالأثر: "الحج عرفة" (٢). وأمر بالقصر والفطر في السفر، فقالوا: القصر فرض، وليس الفطر فرضا، وليس في نص القرآن إلا إيجاب الفطر، والتخيير في القصر بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٤)، فقالوا: ليس فرضا (٥). وقال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (٦)، فقالوا: هذا فرض (٧).

стр. 597

وقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (١). فقالوا: ليس فرضا. وقال تعالى في الطلاق: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) فقالوا: هذا فرض في الطلاق والنكاح أيضا، ثم سَخُفُوا ما شاؤوا، فقالوا ليس إشهاد ذوي عدل فرضا، بل إن أشهد بَغَّائَين أو قاطِعَيْ سبيل أو سارقَيْن أو سارقًا وزانيين، كلهم مصر على هذه الفواحش غير تائبين عنها، فقد أدى فرضه اللازم له، وليس عليه كثر من ذلك. وقال الله (٣) تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٤)، فقالوا: ليس قبضها فرضا (٥). وقال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٦)، فقالوا: الصوم في الاعتكاف فرض، لأنه ذُكر إلى جَنْب الصوم (٧). وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٨)، فقالوا ليس ترك البيع فرضا، ثم أوجبوا

стр. 598

الخطبة في الجمعة فرضا بقوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ ... ﴾ (٢)، فقالوا: هذا فرض (٣). وقال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤)، قالوا: ليس فرضًا (٥). قال أبو محمد رحمه الله تعالى (٦): وهذا يكثر منهم جدا حتى ما يكاد أن يسلم أمر وارد في نص القرآن، أو سنة من تناقضهم فيه، وتحكمهم بالباطل؛ وفيما (٧) ذكرنا كفايةٌ لمن نصح نفسه، وتنبيهٌ لمن تأمل أقوالهم، فإنه لا يحفى عليه بحول الله تعالى تحكمهم بالباطل في الأوامر، وبالله تعالى (٨) التوفيق. * * *

стр. 599

القول في ذكر طرف من أخذهم بالمنسوخ المتقدم وتركهم الناسخ المتأخر قال أبو محمد رحمه الله تعالى (١): قد ذكرنا أخذهم بقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٢)؛ فهو المتقدم المنسوخ، وتركهم قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣). ومن ذلك احتجاجهم في سقوط الحج عن العبد بقوله ﵇: "إذا حج العبد ثم أعتق فعليه حجة أخرى، وإذا حج الأعرابي، ثم هاجر، فعليه حجة أخرى" (٤)، وهذا خبر كان قبل الفتح بلا شك، وتركوا الخبر الثابت من قوله ﵇ في حجة الوداع: "أَيُّها الناس كتب عليكم الحج فحجوا" (٥)، فَعَمَّ ﵇، ولم يخص. ومن ذلك احتجاجهم في المنع من الطيب عند الإحرام - وهو آخر فعله

стр. 600

عليه السلام في حجة الوداع - بخبر (١) الذي كان في عمرة الجعرانة عام الفتح من أمره ﵇ للأعرابي الذي أحرم في جبة بأن يغسل عنه الطيب (٢). ومن ذلك احتجاجهم في إبطال الصلاة بالكلام ساهيا بقوله ﵇ لابن مسعود: "إن الله يُحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أَنْ لا تَكَلَّمُوا في الصلاة" (٣)، وهذا قبل وقعة بدر بنص ذلك الخبر إثر قدوم ابن مسعود من أرض الحبشة، وتركوا الأخبار الثابتة المتأخرة من مشاهدة
следующие страницы →