← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 33

الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس

ابن حزم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

"الحج عرفة" (١). وأوجبوا السعي بين الصفا والمروة مرتين على القارن، ولم يتفق على وجوبه مرة، فكيف مرتين؟ ولم يردوه بالأثر: "الحج عرفة" (٢). وأمر بالقصر والفطر في السفر، فقالوا: القصر فرض، وليس الفطر فرضا، وليس في نص القرآن إلا إيجاب الفطر، والتخيير في القصر بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٤)، فقالوا: ليس فرضا (٥). وقال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (٦)، فقالوا: هذا فرض (٧).

стр. 597

وقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (١). فقالوا: ليس فرضا. وقال تعالى في الطلاق: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) فقالوا: هذا فرض في الطلاق والنكاح أيضا، ثم سَخُفُوا ما شاؤوا، فقالوا ليس إشهاد ذوي عدل فرضا، بل إن أشهد بَغَّائَين أو قاطِعَيْ سبيل أو سارقَيْن أو سارقًا وزانيين، كلهم مصر على هذه الفواحش غير تائبين عنها، فقد أدى فرضه اللازم له، وليس عليه كثر من ذلك. وقال الله (٣) تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٤)، فقالوا: ليس قبضها فرضا (٥). وقال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٦)، فقالوا: الصوم في الاعتكاف فرض، لأنه ذُكر إلى جَنْب الصوم (٧). وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٨)، فقالوا ليس ترك البيع فرضا، ثم أوجبوا

стр. 598

الخطبة في الجمعة فرضا بقوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ ... ﴾ (٢)، فقالوا: هذا فرض (٣). وقال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤)، قالوا: ليس فرضًا (٥). قال أبو محمد رحمه الله تعالى (٦): وهذا يكثر منهم جدا حتى ما يكاد أن يسلم أمر وارد في نص القرآن، أو سنة من تناقضهم فيه، وتحكمهم بالباطل؛ وفيما (٧) ذكرنا كفايةٌ لمن نصح نفسه، وتنبيهٌ لمن تأمل أقوالهم، فإنه لا يحفى عليه بحول الله تعالى تحكمهم بالباطل في الأوامر، وبالله تعالى (٨) التوفيق. * * *

стр. 599

القول في ذكر طرف من أخذهم بالمنسوخ المتقدم وتركهم الناسخ المتأخر قال أبو محمد رحمه الله تعالى (١): قد ذكرنا أخذهم بقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٢)؛ فهو المتقدم المنسوخ، وتركهم قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣). ومن ذلك احتجاجهم في سقوط الحج عن العبد بقوله ﵇: "إذا حج العبد ثم أعتق فعليه حجة أخرى، وإذا حج الأعرابي، ثم هاجر، فعليه حجة أخرى" (٤)، وهذا خبر كان قبل الفتح بلا شك، وتركوا الخبر الثابت من قوله ﵇ في حجة الوداع: "أَيُّها الناس كتب عليكم الحج فحجوا" (٥)، فَعَمَّ ﵇، ولم يخص. ومن ذلك احتجاجهم في المنع من الطيب عند الإحرام - وهو آخر فعله

стр. 600

عليه السلام في حجة الوداع - بخبر (١) الذي كان في عمرة الجعرانة عام الفتح من أمره ﵇ للأعرابي الذي أحرم في جبة بأن يغسل عنه الطيب (٢). ومن ذلك احتجاجهم في إبطال الصلاة بالكلام ساهيا بقوله ﵇ لابن مسعود: "إن الله يُحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أَنْ لا تَكَلَّمُوا في الصلاة" (٣)، وهذا قبل وقعة بدر بنص ذلك الخبر إثر قدوم ابن مسعود من أرض الحبشة، وتركوا الأخبار الثابتة المتأخرة من مشاهدة

стр. 601

أبي هريرة (١) وعمران بن الحصين (٢)، ومعاوية بن الحكم (٣) لكلامه ﵇، وكلام أصحابه ﵃ (٤)، غير عامدين لذلك، وهم يعلمون أنهم في صلاة، وكل هؤلاء متأخر الإسلام بعد بدر بسنين (٥). ومن ذلك احتجاجهم في مخالفتهم السنة الثابتة من قوله ﵇ في غزوة حنين: "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه" (٦)، بخبر البدري (٧)، وخالد بن الوليد، وعوف بن مالك (٨)، وكان في غزوة مؤتة قبل حنين بسنة أو نحوها (٩). * * *

стр. 602

القول في طرف من تناقضهم في القول بدليل الخطاب وتركه قال أبو محمد رحمه الله تعالى (١): قال الله تعالى: ﴿ ... أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ (٢)، فقالوا: ما عدا المسفوح ليس حراما، وخالفوا بذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٤)، فقالوا: وغير المؤمنات من الفتيات أيضا مباح، وواجد الطَّوْل أيضا له ذلك (٥). وقال تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى﴾ (٦)، فقالوا: نَعَمْ، والحر بالعبد أيضا والعبد بالحر أيضا، والذكر بالأنثى،

стр. 603

والأنثى بالذكر، وكل هذا ففيه خلاف قديم وحديث (١). وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٢)، قالوا: لا شيء لها غير ذلك، وخالفوا قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿ ... وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٤)، قالوا: وغير المتعمد أيضا كذلك (٥). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٦)، قالوا: لا يلزم هذا غير القاتل خطأ (٧).

стр. 604

وقال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (١)، فقالوا: لا يجوز كلها، لأنه لم يذكر في الآية، قالوا: وإجارَتُهَا حلال، وإن لم يذكر في الآية (٢). وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (٣)، قالوا: وغير الأهلة أيضا مواقيت للناس والحج، كشهور العجم، وأعيادهم التي لا تنتقل. وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ (٤)، قالوا: وفرض الحج أيضا في غيرهن جائز لازم (٥).

стр. 605

وقال رسول الله ﷺ (١): "في سائمة الغنم في كل أربعين شاة شاة" (٢)، فقالوا: ليس في غير السائمة زكاة، وخالفوه ﵇ في خبر آخر: "في كل أربعين شاة شاة" (٣)، فعم السائمة وغيرها (٤).

стр. 606

وقال ﵇: "الحج عرفة" (١)، فقالوا: وغير عرفة أيضا فرض، وهو السعي بين الصفا والمروة. قال أبو محمد رحمه الله تعالى (٢): ومثل هذا لهم كثير؛ وفيما ذكرنا كفايةٌ لمن نصح نفسه، والتزم نصوص الله تعالى في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ (٣) التزاما واحدا، فأخذ بكل شرع زائد، ولم يبطله بشرع آخر منهما، إذا جاء كلاهما بلفظ النهي، أو جاء كلاهما بلفظ الأمر، واستثنى الأقل من الأكثر إذا جاء أحدهما بإيجاب، والآخر بنهي (٤)، ولم يتلاعب بدينه مرة هكذا، ومرة هكذا، وبالله تعالى التوفيق. * * *

стр. 607

القول في طرف من دعواهم الكاذبة في أخبار مكذوبة لم تصح قط فلما أعجزهم تصحيحها من جهة الإسناد، ادعو فيها التواتر وهم قد خالفوا الأخبار الصحاح المتيقن فيها التواتر: قال أبو محمد رحمه الله تعالى (١): ادعى الحنيفيون التواتر في خبر الوضوء من القهقهة في الصلاة (٢)، وفي خبر الوضوء بالنبيذ (٣) وفي تعويض نصف صاع بُرٍّ مكان صاع من الشعير، أو صاع تمر (٤)، وفي خبر إضعاف الصدقة علي بني تغلب النصارى (٥).

стр. 608

وفي خبر "الاستطاعة زاد الراحلة" (١). وَأَكْذَبَهُمْ المالكيون في ذلك كله، وادعوا التواتر في خبر "الأذنان

стр. 609

من الرأس" (١)، وفي خبر: "الفخذ عورة" (٢)، وفي خبر: "من اغتسل يوم الجمعة، والغسل أفضل" (٣)، وفي خبر معاذ: "أجتهد

стр. 610

رأيي ولا آلو" (١). وقد خالفهم غيرهم من الفقهاء في كل ذلك. وخالفوا من الأخبار الصحاح التي جاءت مجيء التواتر: أخبار المسح

стр. 611

على العمامة (١)، وتجميعه ﵇ في قرية بني مالك بن النجار (٢) - وهي صغيرةٌ - منحازةٌ عن سائر القرى، وفي إعطاء خيبر نصف ما يخرج منها من زرع وتَمْرٍ (٣) إلى أجل (٤)، والأخبار في رَصِّ الصفوف وتعديلها (٥)، وأذان أهل مكة وأهل المدينة وإقامتهم (٦)، والخرص

стр. 612

في الزكاة (١)، وإنفاقه ﵇ أمواله بالمدينة وفدك وخيبر (٢)، وغير ذلك كثير جدا، وفيما ذكرنا كفاية لمن عقل ونصح نفسه بتوفيق الله تعالى لَهُ (٣). * * *

стр. 613

القول في طرف من تناقضهم في دَعْوَاهُمْ إسقاط الحدود بالشبهات وهو أيضا قول لم يقله رسول الله ﷺ (١) قط (٢)، فعطلوا الحدود الواجبة التي أمر الله (٣) في القرآن بها وفي بيان رسول الله ﵇ (٤) بشبهات فاسدة، ثم أقاموا حدودا لم يأمر الله تعالى قَطٌّ بها، ولا رسوله ﷺ (٥)؛ فأثبتوها بالشبهات الفاسدة (٦).

стр. 614

قال أبو محمد رحمه الله تعالى (١): أسقطوا حد الخمر الواجب عمن أقر بشربه (٢) اليوم، إلا أنه لا يوجد ريحها من فيه (٣)، وأسقطوا الحد عن السكران جملة، وأسقطوا الحد في (٤) كل ذلك، عمن قامت عليه بينة عادلة بأنهم شاهدوه اليوم يشربها، إلا أنهم لم يأتوا به سكران، ولا وجد ريحها عليه. وأسقطوا الحد عمن شهدت البينةُ العَدْلَةُ بأنه شرب شراب عسل مسكر؛ وأتوا به سكران، أو يوجد ريحها من فمه. وأوجبوا الحد على من شهدت البينةُ العَدَلَةُ بأنه شرب نبيذ تمر مطبوخا أو نيئا، إذا أتوا به سكران فقط (٥). ثم أوجبوا حد الخمر في كُلِّ مَا ذكرنا ثمانين جلدة (٦)، ولم يوجب الله تعالى قط في ذلك إلا أربعين فقط، ولا رسوله ﷺ (٧) إلا ذلك (٨)، ولا صَحَّ عن أحد من

стр. 615

الصحابة ﵃ أن الحد الواجب في ذلك إلا أربعين فقط، وإنما جلد عمر الزيادة تعزيرا فقط (١). وأما في القذف، فإنهم يقيمون الحد في ذلك على من قذف زوجته بالزنا وهي حرة وهو عبد، أو وهو قد جلد في قذف مُذْ أعوام (٢)، وتالله ما أوجب الله تعالى قط على هذين حد قذف في ذلك إلا أن لا يلاعنها، وحد (٣) بالقذف ألف رجل عدول فضلاء أتوا شاهدين بالزنا على امرأة، إلا أنهم أتوا متفرقين، وهذا أعظم شبهة في الدنيا، بل أعظم بيان، لأن الله تعالى لم يوجب قط على الشاهد حدا، واحتجوا في ذلك بعمر، ثم خالفوه في هذا نفسه، إذ قذف أبو بكرة المغيرةَ بعد تمام جلده، فلم يحده ثانية (٤).

стр. 616

ثم أسقطوا حد القذف الذي أمر الله تعالى به عَمَّن قذف أم رسول الله ﷺ (١) بالزنا، وعمن قذف مارية أم إبراهيم بن رسول الله ﷺ (٢) بالزنا، نعم، وعمن قذف عائشة أم المؤمنين لأنه لا يطلب حد قذف الميتة في دينهم الأَبْخَر، دين الشيطان الرجيم إلا ولدها، أو من تناسل من ولدها، ولا ولد لعائشة وَلَا نَسْلَ؛ لكن العجبُ يَسْقُطُ ههنا عند إباحتهم لليهود والنصارى والمجوس والمنانية (٣) والديصانية (٤)

стр. 617

والدهرية وعباد الأوثان إعلان سب رسول الله ﷺ (١) في الجوامع في اجتماع المسلمين بأعظم ما يكون من السب، والتكذيب والفحش، ولا يرون عليهم في ذلك شيئا أصلا غير النهي لهم فقط (٢). وأقوالهم تقتضي يقينًا أنهم إن سبوا الله كذلك، فلا شيء عليهم، غير النهي فقط، لأن حجتهم في ذلك أن الذي أقروا عليه من الكفر أشد من ذلك؛ وهذا يدخل سب الكفار على الله تعالى، فيما قلنا عنهم، من أنه لا عقوبة عليهم في ذلك. وأما في الزنا، فأسقطوا الحد عن كل مَنْ أعطى امرأة درهما، ثم زنى بها، وعن كل من زنى في عسكر المسلمين بعد دخولهم دار الحرب، وعمن زنى في عسكر أهل البغي، وعن الإمام يزني بنساء المسلمين علانية، وعن الذمي يزني بنساء المسلمين كل يوم جهارا (٣)؛ ثم

стр. 618

أقاموا الحد على امرأة شهد عليها بالزنا أربعة: أحدهم زوجها؛ وهذه أعظم شبهة، لأن جماعة من الفقهاء يدرأون عنها بذلك الحد (١)؛ وهو قول ابن عباس (٢) ولا مخالف له في ذلك يُعرف من الصحابة (٣) ﵃ (٤). وأما في السرقة، فأسقطوا حد السرقة عمن ادعى أنها له، وعمن سرق خشبا يساوي ألف دينار، إلا أن يكون ساجا؛ وعمن سرق لحما يساوي مثل ذلك. ثم قالوا إن اجتمع ألف رجل، فدخلوا دارا فسرق أحدهم بحضرة جميعهم، ورضاهم دينارا واحدا، وخرج به، فإن القطع على جميعهم، فاعجبوا لإسقاطهم الحد عمن سرق، وإيجابهم إياه على من لم يسرق (٥).

стр. 619

وأما حد الحرابة، فأسقطوه عن الجماعة المحاربة، إذا كانت معهم امرأة زانية؛ أو صبي بِغَاءٍ؛ فكلما زاد جُرمهم عندهم، سقط الحد عنهم! ! وأما القتل، فاسقطوا القصاص عمن قتل ابنه عَمْدًا أَوْ عبده عمدا (١)، وقتلوا ألف مسلم قتلوا يهوديا سمعوه يسب رسول الله ﷺ وأسقطوا القصاص عمن أخذ هراوة، فضرب بها رأس مسلم حتى تطايرت شؤون رأسه، وانتثر دماغه، ومات (٢). فاعجبوا لهذه الفضائح المُردية، والقبائح المبدية (٣)، فهذا عملهم في نصوص القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله ﷺ (٤)، في رد كل ذلك ومعصيته، وأخذهم بالمكذوب، والموضوع، وتناقضهم في ذلك؛ ونعوذ بالله من الخذلان. وَأَمَّا مَا مَوَّهُوا به بتعلقهم (٥) بالصحابة ﵃ (٦) فنحن أيضا إن شاء الله تعالى محتسبون الأجرَ عند الله تعالى في تَجلِيَتِهمْ عن هذا المشرب، وبيان كذبهم في ادعائه، كما فَعَلْنَا في السنن، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 620

الفَصْل الثّامن في ذكر ما لم يجدوا فيه متعلقا إلا برواية صاحب صحيحة، أو غير صحيحة، فخالفوا لها القرآن والسنن الثابتة، وقالوا: مثل هذا لا يقال بالرأي، فهو توقيف بلا شك فاستجازوا القطع بالظن الكاذب على رسول الله ﷺ - (١) وخالفوا اليقين من القرآن والسنن، ثم جاءت رواياتٌ عن بعض الصحابة ﵃ مثل التي اعتلوا به؛ فيها؛ بِمَا ذَكَرْنَا سواءً بِسَواء، فَخَالَفُوها (٢). قال أبو محمد رحمه الله تعالى (٣): كلامهم في هذا الباب احتجاج وإلزام للقول به؛ إذ جعلوه توقيفا من رسول الله ﷺ (٤) بظن كاذب فَأَوَّلُ ما حصلوا عليه من هذا، فالكذبُ على رسول الله ﷺ (٥) إذ قَوَّلُوهُ ما لم يقل، ونسبوا إليه ما لم يذكره عنه [﵇] (٦) أحدٌ من الرواة؛ وما ليس لهم به علم؛ وهذه موجبة للنار؛ ثم التناقض العظيم في تركهم ما قطعوا أنه توقيف على ما نُورِدُ إن شاء الله تعالى.

стр. 621

روينا عن زيد بن أرقم (١) أنه اشترى من أم ولده عبدا إلى عطاء بثمانمائة درهم، ثم باعه منها نقدا بستمائة درهم، وأن عائشة أم المؤمنين ﵂ (٢) سئلت عن ذلك فأنكرته وقالت: أَبْلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ (٣) إن لم يتب (٤)، فقالوا: مثل هذا الكلام لا تقوله بالرأي، فَلَمْ يبق إلا أنه توقيف. وروينا من طريق عبد الرزاق (٥) عن معمر (٦) عن أيوب (٧) عن

стр. 622

نافع (١) عن ابن عمر: "فيمن تتابع عليه رمضانان - وهو مريض لم يصح بينهما - أنه يقضي الآخِرَ منهما بصيام، ويطعم عن الأول ولا يصمه" (٢)؛ وبه يقول قتادة (٣) وعكرمة (٤) وغيرهما، فلم يأخذوا بهذا ولا قالوا: مثل هذا لا يقال بالرأي (٥). وروي عن علي ﵁ أنه قال: "لا جمعة، ولا تشريق إلا في مصر

стр. 623

جامع" (١)، فقالوا مثل هذا لا يقال بالرأي، وقلدوه إذ وافق رأي أبي حنيفة (٢)، ثم روي عن علي أنه خرج إلى المصلى في يوم عيد، وصلى بالناس صلاة العيد، واستخلف في المسجد الجامع مَنْ صلى بضعفاء الناس أربع ركعات (٣)؛ فَخَالَفُوه، ولم يقولوا مثلُ هذا لا يُقال بالرأي، لأنَّه يُوَافِقُ رَأيَ أبي حنيفة. وروينا من طريق أبي بكر بن أبي شيبة (٤) حدثنا محمد بن بشر (٥)

стр. 624

حدثنا سعيد بن أبي عروبة (١) حدثنا قتادة (٢) عن خلاس بن عمرو (٣) عن علي بن أبي طالب أنه قال: "إذا عجز المكاتب استسعى حولين، فإن أدى ما بقي عليه وإلا رد في الرق" (٤) فخالفوه ولم يقولوا: مثل

стр. 625

هذا لا يقال بالرأي لا سيما وهو خلاف ما رَوَى عليّ مسندا عن رسول الله (١) ﷺ (٢). وروينا رواية فاسدةً عن أبي هريرة أنه أمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث مرات (٣)، فتعلقوا بها في خلاف السنة الثابتة من طريقه عن رسول الله ﷺ (٤) في إيجاب غسله سبع مرات (٥)؛ وقالوا: لا يجوز أن يخالف أبو هريرة ما روى برأيه، فلم يبق إلا أنه توقيف، ثم تركوا هذه الرواية بعد قطعهم أن مثلها لا يقال بالرأي (٦).

стр. 626

وخالفوا القرآن والسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ (١) في التيمم لليدين فقط إلى الكوعين (٢)، برواية عن جابر أنه تيمم إلى المرافق (٣) وقالوا: مثل هذا لا يقال بالرأي. وروينا من طريق البخاري حدثنا محمد بن بشار (٤) حدثنا غندر (٥)

стр. 627

حدثنا شعبة (١) سمعت عبد الله بن عيسى بن أبي ليلى (٢) عن الزهري (٣) عن سالم بن عبد الله بن عمر (٤)، وعروة بن الزبير (٥) قال سالم: عن أبيه - وقال عروة عن عائشة أم المؤمنين، ثم اتفقت عائشة وابن عمر ﵄ (٦) قالا: "لم يرخص في أيام التشريق إلا للمتمتع في الحج" (٧)،

стр. 628

فخالفوهما ولم يقولوا: مثل هذا لا يقال بالرأي. وروي عن علي وأبي قتادة (١). ﵄ (٢): "من أحرم في قميص فإنَّه يشقه ولا ينزعه". فخالفوهما، ولم يقولوا مثل هذا لا يقال بالرأي. [وروينا] (٣) عن ابن مسعود فيمن جاء بآباق في كل رأس أربعون درهما (٤)، فَقَلَّدوهُ، وقالوا: مثل هذا لا يقال بالرأي (٥). وروينا من طريق أحمد بن حنبل حدثنا يزيد بن هارون (٦) عن الحجاج

стр. 629

ابن أرطاة (١) عن حصين الحارثي (٢) عن الحارث الأعور (٣) عن علي بن أبي طالب قال: لا في جُعل الآبق إذا كان خارجًا من المصر دينارا، أو اثنا عشر درهما" (٤). وعن الحجاج عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب مثله (٥)، فخالفوهما، ولم يقولوا: مثل هذا لا يقال بالرأي. وصح بأجود الطرق عن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف،

стр. 630

وجابر بن عبد الله؛ وزيد بن ثابت، وابن الزبير، وابن عباس ﵃ (١) إباحة تغطية المحرم وجهه، والفُتيا به (٢)، فخالفوهم ولم يقولوا: مثل هذا لا يقال بالرأي (٣). وروينا عن عمر وعائشة أم المؤمنين وابن عمر من طريق لا خير فيها، أن المطلقة ترث ما دامت في العدة إذا طلقها وهو مريض، ومات من مرضه ذلك (٤)؛ ولا يصح عنهم شيء من ذلك، لأن الرواية عن عمر وابن عمر

стр. 631

منقطعة؛ إبراهيم عن عمر ولم يولد إلا بعد موته، وإبراهيم عن ابن عمر، ولم يلقه قط، وسعيد بن أبي عروبة عن هشام بن عروة (١)، ولم يسمع سعيد من هشام شيئا، قالوا: مثل هذا لا يقال بالرأي (٢). وصح من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عثمان (٣)، أنه وَرَّثَ الكَلْبية من عبد الرحمن بن عوف بعد انقضاء عدتها، وكان طلقها وهو مريض (٤)، ولا يصح في (٥) هذا عن أحد من الصحابة شيء غيره في هذا الباب (٦)، فخالفوه، ولم يقولوا (٧): مثل هذا لا يقال بالرأي. وحدثنا أحمد بن محمد الطلمنكي (٨) حدثنا أحمد بن

стр. 632

عون الله (١) حدثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس (٢) حدثنا محمد بن علي بن يزيد الصائغ (٣) حدثنا سعيد بن منصور (٤) حدثنا أبو معاوية - هو محمد بن خازم (٥) الضرير (٦) - حدثنا الأعمش (٧) عن عمارة - هو ابن عطية (٨) -

стр. 633

وخيثمة (١) قالا جميعا: "قال عمر بن الخطاب: من قدم ثقله ليلة النفر فلا حج له" (٢). فهذه أصح طريق عن عمر. فلم يقولوا، مثل هذا لا يقال بالرأي، فإن قالوا: قدر روي عن عمار بن ياسر خلاف ذلك (٣)، قلنا: وقد روينا في خبر عائشة ﵄ (٤) عن زيد بن أرقم خلاف قول عائشة (٥)، فإن قالوا: لعل هذا تغليظ قلنا: ولعل ذلك من عائشة تغليظ، ولعل قول علي ﵁ (٦): "لا جمعة إلا في مصر جامع" (٧)، على التأكيد في أن لا يخلو المصر من

стр. 634

الجمعة. وروي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄ (١) في عين الدابة ربع قيمتها (٢)، فقالوا: مثل هذا لا يقال بالرأي (٣). وقد حدثنا أحمد بن محمد الطلمنكي حدثنا أحمد بن عون الله حدثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس حدثنا محمد بن علي بن يزيد حدثنا سعيد بن منصور حدثنا سفيان بن عيينة (٤) وعيسى بن يونس (٥) قال

стр. 635

سفيان عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر قال: "كل هدي لم يشعر ولم يقلد، ولم يفض به من عرفة، - قال - ليس هديا إنما هي ضحايا". وقال عيسى بن يونس حدثنا عُبَيْد الله - هو ابن عمر (١) عن نافع عن ابن عمر قال: "لا هدي إلا ما قلد وسيق ووقف بعرفة" (٢)، فخالفوه ولم يقولوا: مثل هذا لا يقال بالرأي (٣).
следующие страницы →