عباس (١) فخالفوه، ولم يقولوا: مثل هذا لا يقال بالرأي.
وجاء عن عمرو بن العاص: "لا تُلَبِّسوا علينا سنة نبينا ﷺ (٢)، عدة أم الولد من سيدها أربعة أشهر وعشرا" (٣).
وحدثنا محمد بن سعيد بن نبات (٤) حدثنا عباس بن أصبغ (٥)
стр. 667
حدثنا محمد بن قاسم بن محمد (١) حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني (٢) حدثنا محمد بن المثنى (٣) حدثنا عبد الأعلى (٤) حدثنا سعيد بن أبي عروبة (٥) عن قتادة (٦) عن خلاس بن عمرو (٧)، عن علي بن أبي طالب قال: "عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشرا، وإذا أعتقها، فثلاث
стр. 668
حيض" (١)، فخالفوهما ولم يقولوا: مثل هذا لا يقال بالرأي (٢).
وقد صح عن عمر وعلي وابن الزبير: "إذا بلغ الغلام ستة أشبار، وجبت عليه الحدود، واقْتُصَّ منه"، فخالفوهم، ولم يقولوا: مثل هذا لا يقال بالرأي.
وروي عن عمر في دية الجنين: عبد أو أمة أو فرس (٣)، فخالفوه ولم يقولوا: مثل هذا لا يقال بالرأي (٤).
وصح عنه أيضا في الأرنب جَدْيٌ، وفي اليَرْبُوع جَفْرة (٥)، فخالفوه، ولم يقولوا: مثل هذا لا يقال بالرأي.
ومثل هذا كثير جدا.
стр. 669
وفيما ذكرنا بيان لمن اتقى الله تعالى في وجوب النِّفار عن أقوالهم المتناقضة وآرائهم الفاسدة.
وما توفيقنا إلا بالله ربنا جل وعلا (١).
* * *
стр. 670
الفَصْل التّاسِع في طرف من تناقض الحنفيين وتمويههم، بأنهم موافقون لرواية جاءت عن صاحب من الصحابة ﵃ (١) وهم إما مخالفون لتلك الرواية نفسها، فيما شغبوا به منها، وإما ليس موافقة لدعواهم فيها
قال أبو محمد رحمه الله تعالى (٢): قولهم في هذا الباب إنما هو ليتكثروا بالصاحب الذي ذكروا قوله، وليروا مخالفيهم أن لهم سلفًا في تلك المقالة.
وربما أوردنا (٣) الشيء من ذلك على سبيل قصدهم في الفصل الذي قبل هذا، من أنه توقيف، وربما أوردوا الشيء منه، على سبيل قصدهم في الفصل الذي بعد (٤) هذا من أنه إجماع.
فاحتجوا لقولهم في الوضوء بالنبيذ برواية من طريق أبي العالية (٥) أن
стр. 671
جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ركبوا البحر، فلم يجدوا ماء غير ماء البحر، ومعهم نبيذ فتوضؤوا به أي بالنبيذ، ولم يتوضؤوا بماء البحر (١) وهذا خلاف قولهم جهارا، لأنهم لا يجيزون الوضوء بالنبيذ ما دام ماء البحر موجودا. واحتجوا لقولهم في الفأر يموت في البئر برواية عن علي ﵁ (٢) أن البئر تنزح (٣)، وهو خلاف قولهم: لأنه لا تنزح عندهم البئر من الفار، إلا أن ينتفخ أو يتفسخ (٤)، وليس الخبر عن علي ﵁ شيء من هذا.
واحتجوا لقولهم لا يقتل الوالد بالولد بحديث عمر في أمر قتادة
стр. 672
المدلجي (١)، ولا عجب أعجب من قول الطحاوي (٢) فيه في كتابه (اختلاف العلماء) في (باب قتل الوالد بالولد) منه: (هو نقل متواتر تقوم به الحجة، لا يجوز تركه)، وقال في كتاب: (كيفية تغليظ الدية): (هو مرسل لا يؤخذ به، ولا تقوم به حجة)، وخالف الخَبَر المذكور (٣) في ذلك.
واحتجوا في مخالفتهم أمر الرسول ﷺ بغسل الإناء من ولوغ الكلب
سبعًا أولاهن بالتراب (٤)، برواية عن أبي هريرة أن الإناء يغسل من ولوغ الكلب ثلاث مرات (٥)، وهو خلاف قولهم لأنهم لا يرون غسله إلا مرة واحدة.
стр. 673
واحتجوا لقولهم في رجوع تزكية الإبل بالغنم بعد عشرين ومائة، برواية عن علي (١)، وفي ذلك الخبر نفسه عن علي أن في خمس وعشرين من الإبل خمسًا من الغنم، وخالفوا ذلك الخبر نفسه عن علي في عشرة مواضع (٢). واحتجوا لقولهم أن القارن يطوف طوافين
стр. 674
ويسعى سعيين برواية عن علي بمثل ذلك (١)، وفي ذلك الخبر نفسه أنه لا يجوز أن يقدم القارن ذكر الحج قبل ذكر العمرة، وهذا خلاف قولهم، لأنهم يجيزون أن يبدأ بأيهما شاء في الإهلال. (٢). واحتجوا لقولهم أن لا تقتل الرهبان وشيوخ أهل دار الحرب بخبر أبي بكر الصديق، وفي ذلك الخبر نفسه: (ولا تقطعن شجرًا مثمرًا ولا تقتل بعيرًا، ولا شاةً إلا لمأكلة) (٣) وهذا كله خلاف قولهم (٤).
واحتجوا لِقَوْلهم أن ما غنمه المشركون من أموال المسلمين فظفرنا به، فإنه قبل القسمة يرد إلى صاحبه بلا تكليف غرامة، وإن كان بعد القسمة فهو أحق بثمنه، ليس له أخذه بلا ثمن، ولا لمن وقع
стр. 675
في سهمه منعه من ذلك (١) برواية عن عمر بن الخطاب (٢)، وأبي عبيدة وزيد بن ثابت، وكلها خلاف قولهم، لأن الرواية عن عمر في ذلك إنما جاءت عن عبد آبق إلى دار الحرب، وهم يقولون الآبق بخلاف ذلك، بل يرد إلى صاحبه بلا ثمن قبل القسمة وبعدها، والرواية عن أبي عبيدة وزيد خلاف قولهم، إنما جاء عنهما أنه لا يرد إلى صاحبه بعد القسمة لا بثمن، ولا بغير ثمن، فاعجبوا لهذه الفضائح! ! .
واحتجوا لقولهم أنَّ السلب لا يقضى به للقاتل جملة، برواية عن عمر أنه خمس سلب مرزبان الزأرة (٣) وهذه فاحشة جدًّا لأن عمر قضى بأربعة أخماس السلب للبراء (٤)، وهم لا يقولون بذلك أصلًا إلا أن
стр. 676
يقوله الإمام قبل الحرب، فيكون حينئذ للقاتل ولا يخمس (١).
واحتجوا لقولهم في إيقاف الأرض المغنومة بفعل عمر في ذلك (٢)، وهو خلاف قولهم، لأن فيه صفة فرض عمر الخراج على جريب النخل، وجريب العنب، وعير ذلك بصفة لا يقولون بها.
стр. 677
واحتجوا لقولهم في إسقاط الحدود في دار الحرب برواية عن عمر وعلي (١)، وهي خلاف قولهم، لأن في تلك الرواية عنهما أن تُقام عليهم إذا خرجوا إلى دار الإسلام، ما أصابوه في دار الحرب (٢).
واحتجوا لقولهم: من باع سلعة فلم يقبضها المشتري حتى باعها من البائع بثمن أقل من الذي ابتاعها به، فإن ذلك لا يجوز سواء كان البيع الأول حالا أو إلى أجل، والآخر كذلك، برواية عن عائشة في بيع أم ولد زيد بن أرقم عنه بثمانمائة درهم، من زيد بن أرقم إلى العطاء، ثم اشترته بستمائة نقدًا (٣).
وهم أول مخالف لهذا الخبر، لأنه ليس فيه أن عائشة فرقت بين بيع العبد قبل قبضه، وبيعه بعد قبضه، وهم يجيزون ذلك بعد القبض،
стр. 678
ولعلها إنما أنكرت البيع إلى العطاء، وهم يجيزون ذلك.
واحتجوا لقولهم في الطافي من السمك برواية عن علي وجابر وابن عباس في أن لا يؤكل ما طفا من السمك (١)، وهذه خلاف قولهم، لأنهم يقولون: ما قتله حوت أو طائر، أو حجر من السمك، فيطفا فحلال أكله، وإنما يحرم ما مات حتف أنفه فطفا (٢)، وليس شيء من هذا في شيء من تلك الروايات.
واحتجوا لقولهم في تحريم نبيذ التمر والبسر والرطب والزهو
стр. 679
والزبيب قليله وكثيره إذا أسكر كثيره ما لم يطبخ، وإباحته إذا طبخ، وتحريم السكر منه فقط (١)، بأخبار عن الصحابة ليس فيها شيء من هذا، وإنما فيها إباحة النبيذ الشديد أو المسكر فقط، وهم لا يقولون بهذا.
واحتجوا لقولهم في أن لا يرد ولد المستحقة إلى الذي استحق أمهم برواية عن علي أنها ترد المستحقة إلى سيدها، ويقوم أولادها، فيغرم الذي باع أمهم، وهم لا يقولون بهذا، ولا يغرمون بائع أمهم إلا الثمن الذي أدى فقط.
واحتجوا لقولهم إن المسلم يضمن خمر الذمي إذا أتلفها برواية عن عمر: "لا تبيعوا الخمر ولا الخنازير، ولكن ولوهم بيعها، وخذوا من الثمن (٢) ". وليس في هذه الرواية شيء مما احتجوا به، وهي أيضًا ساقطة.
واحتجوا لقولهم في عين الفرس والبغل والحمار، والبقرة والبعير، ربع ثمن المصاب، وليس في عين الشاة والعنز إلا ما
стр. 680
نقصها فقط (١) برواية عن عمر وعلي في عين الدابة ربع ثمنها، وليس في هذا الخبر شيء من تقسيمهم، وفي هذا الخبر نفسه متصلا بهذا الحكم من عهد عمر وقوله: "وأحق ما صدق فيه الرجل عند موته أن ينتفي من ولده، أو أن يدعيه" فخالفوه، ولم يجيزوا لأحد أن ينتفي عند موته من ولده (٢). (٣).
واحتجوا لقولهم في تجويز الصلح على الإنكار برواية عن علي أنه يجوز: "ولولا أنه صلح لرددته" وليس في هذا ذكر الصلح على الإنكار، وهم لا يجيزون الجور في الصلح كمن صالح على خمر أو خنزير (٤). واحتجوا لقولهم: إن من استأجر شيئا فآجَرَهُ بأكثر مما استأجره به، فإنه يتصدق بالربح، برواية عن ابن عمر (٥) مخالفة لقولهم، لأن ابن عمر إنما قال: فالربح للأول، وهم لا يقولون بهذا.
стр. 681
واحتجوا لقولهم في جعل الآبق برواية عن ابن مسعود وعمر وعلي (١)، هي كلها خلاف لقولهم أنه لا يجب ذلك الجعل إلا أن يأتي به من ثلاثة أيام فصاعدًا.
واحتجوا (٢) لقولهم في كراء الأرض، بروايات عن رافع بن خديج خالفوها كلها (٣).
واحتجوا لقولهم في رد السنة الثابتة أن كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا، إلا أن يكون خيارا (٤) برواية عن عمر: "البيع عن صَفْقَةٍ أو خيار" (٥) وليس في هذا اللفظ تجويز البيع قبل التفرق.
واحتجوا في المنع من بيع أمهات الأولاد بحكم عمر (٦)، وقد جاء عن عمر: "فإن فجرت رقت (٧) " وهم لا يقولون بهذا.
стр. 682
واحتجوا في المنع من بيع المدبرة بالرواية عن جابر وعثمان وعلي وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عمر في أولاد المدبرة أنهم يعتقون في عتقها، ويرقون في رقها (١)، وهذا خلاف قولهم جهارا، لأن جابرًا وكل من ذكرنا قضى بأن يعتقوا إن عتقت، وبأن يرقوا إن رقت (٢)
стр. 683
وهذا نص بين في إباحتهم استرقاقها، وأن لا تعتق، لأنهم جعلوا إرقاقها حالا غير حال عتقها.
واحتجوا لقولهم في الشفعة بأقوال، عن ابن عمر وعمرو بن حريث (١)، وهي مخالفة لقولهم موجود (٢) ذلك منها.
واحتجوا لقولهم في المنع من السلم في الحيوان بقول عمر: "السلم في الحيوان ربا (٣) ". وقد صح عن عمر في ذلك الخبر نفسه قوله:
стр. 684
"بيع الثمرة قبل أن تطيب ربا". فخالفوه وأجازوا بيعها على القطع واحتجوا لقولهم: أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة بخبر أبي بكر إذ قال لعائشة أم المؤمنين عند موته: "إني كنت نحلتك جاد عشرين وسقا من مالي بالغابة" (١) وليس فيه شيء مما ذكروا، لأنه إنما كان
стр. 685
وعدها بأن يتصدق عليها من" نَخْله بالغابة بما يجد منه: "عشرون وسقًا وهذا غير معروف ولا معين، فهو غير لازم حتى يعين، ومات ﵁ (١) قبل أن، يتعين (٢) ذلك، فلذلك لم يصح.
واحتجوا لقولهم أنه إن قبض الموهوب له، أو المتصدق عليه ما وهب له أو تصدق به عليه بغير إذن المتصدق أو الواهب، فليس قبضا، ولا تصح به الهبة ولا الصدقة بأقوال عن عمر (٣) وعثمان، وليس فيها شيء من هذا (٤)، إنما فيها أن كل هبة لكبير فلم تجز
стр. 686
فهي باطل (١).
واحتجوا في إباحة الرجوع في الهبة بروايات عن طائفة من الصحابة (٢)، وليس في شيء منها ما يوافق قولهم أنه لا رجوع فيما وهب لذي رحم محرمة.
ومن عجائب الدنيا احتجاجهم في إبطال هبة المشاع (٣) بخبر أبي بكر الصديق في نحله عائشة أم المؤمنين ﵂ (٤) جَادَّ عشرين وسقا، من ماله بالغابة وهذا خلاف قولهم جهارا، لأنه إنما نحلها مشاعًا، ولم يبطله من أصل (٥) الإشاعة بنص الخبر.
واحتجوا في إسْقاطهم فرض الله تعالى غسل يوم الجمعة على لسان رسوله ﷺ بالخبر عن عمر إذ قال لعثمان وهو يخطب يوم الجمعة:
стр. 687
"والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله ﷺ (١) كان يأمرنا بالغسل" (٢) وهذا الخبر ضد قولهم جهارا لأنه أنكر ترك الغسل علانية، وخالفوا كل ما فيه من كلامه مع عثمان في الخطبة، ومراجعة عثمان له بالكلام، وهم لا يجيزون شيئا (٣)، فاعجبوا لعظيم ضلال هؤلاء القوم، وهذا القول، واسألوا الله تعالى (٤) العافية (٥).
واحتجوا في ردهم الخبر الصحيح أن عليا غسل فاطمة ﵂ (٦) بأنها اغتسلت في يوم موتها، وعهدت في أنْ لا تمس (٧)، فنفذ علي ذلك،
стр. 688
وهم لا يجيزون هذا أصلا ولا يبيحون دفن مسلم مات، ولم يغسل بعد موته إلا الشهيد في المعركة خاصة.
واحتجوا لقولهم أنه لا يجوز أن يصلي الإمام في مكان أرفع من مكان المأمومين بأكثر من قامة، وأجازوه في القامة فأقل، بخبر سلمان وحذيفة (١) وخبر صلاة رسول الله ﷺ (٢) بأصحابه - وهو على المنبر (٣) - وليس في شيء من هذه الأخبار إشارة إلى تخصيص قدر القامة، ثم ليت شعري أي قامة هي؟ إن هذا لعجب.
стр. 689
واحتجوا لقولهم في منع الجمع بين الصلاتين بقول عمر: "الجمع بين صلاتين من غير عذر من الكبائر (١) ". وهم يخالفون هذا القول، فلا يجيزون الجمع بين صلاتين لا لعذر ولا لغير عذر إلا على صفة هي جائزة عندهم لعذر، ولغير عذر (٢).
واحتجوا لقولهم الفاسد فيمن عجز عن الركوع والسجود - وهو قادر على القيام - أن له أن يصلي قاعدا، برواية عن أم سلمة أم المؤمنين أنها صلت قاعدة من رمد كان بها (٣) وليس في الخبر أنها كانت قادرة على
стр. 690
القيام، فاعجبوا لاستحلالهم الكذب جهارا.
واحتجوا لقولهم أن الجمعة تصلى في موضعين من المصر، ولا يجوز أن تصلى فيه ثلاثة مواضع بالخبر عن علي أنه صلى العيد في المصلى، وأمر من يصلي بالضعفاء في الجامع (١)، فهل يرى أحد في هذا الخبر ذكرا لصلاة الجمعة في موضعين، أو منعًا من أن تصلى في ثلاث (٢)؟ !
واحتجوا لقولهم أن من كان في السفينة - وهو قادر على القيام - فله أن يصلي الفرض قاعدا، بالخبر عن أنس أنه صلى في السفينة قاعدا - وهو يُرِيدُ أرضه بلبق سيرين (٣) على خمسة فراسخ من البصرة، وأنه صلى العصر ركعتين حينئذ (٤)، فخالفوه، فلم يجيزوا القصر في هذا المقدار، وصح عن جنادة بن أبي أمية (٥) بمثل
стр. 691
ذلك (١)، وليس ليه أنه كان قادرًا على القيام (٢).
واحتجوا لقولهم في أن الوتر واجب، برواية عن علي: "ليس الوتر بحتم كصلاة المغرب، ولكن أوتروا يا أهل القرآن (٣) ". وهذا قولنا لا قولهم، وبخبر عن ابن مسعود: "الوتر واجب على كل مسلم يجب كصلاة المغرب" (٤) وهو خلاف قولهم لأنه عندهم واجب لا تطوع، ولا فرض، وهذا لا يُعْقَلُ، ولا خلق الله تعالى قط هذه الرتبة في عَالَمِهِ لأنه ليس إلا واجبا يعصى من تركه، فهذا فرض كالخمس، أو غير وجب لا يعصى من تركه.
стр. 692
واحتجوا في ذلك أيضا بخبر عن أبي أيوب الأنصاري: الوتر حق واجب، فمن شاء أوتر بسبع، أو بخمس، أو بثلاث، أو بواحدة (١) وهم لا يرون الوتر بواحدة (٢).
واحتجوا لقولهم بوجوب القراءة في ركعتين من كل صلاة فريضة فقط، بالخبر الثابت عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تقرأ في الأخيرتين من الفريضة بأم القرآن وتقول "إنما هما دعاء (٣) " قالوا: إنما كانت تقرأ فيهما أم القرآن على معنى الدعاء.
стр. 693
وهذا كذب فاحش إذ أخبروا عن ضميرها، بِمَا لم تخبر عن نفسها، فهل يستجيز من فيه خير؟ ثُمَّ أعظم من ذلك وأدهى إخبارهم أنها ﵄ (١) لم تقرأ فيهما على أنها من القرآن لكن على معنى الدعاء بها، وهذا انسلاخ من الإسلام، وإحالة للقرآن وتحريف لكلام الله تعالى عن مواضعه.
ثم احتجوا في إباحة ترك قراءة أم القرآن في الأخيرتين (٢) بأنها كانت تقرأها فيهما: فهل في عدم الحياء أكثر من هذا؟ فإن قالوا: إنما عولنا على قولها (إنما هما دعاء) قلنا: كل الصلاة دعاء، وكل الزكاة دعاء، وكل عمل برٍّ في الأرض قصد المسلم في ذلك الرغبة إلى الله تعالى في تقبله منه، وأن يرحمه به فقط، ثم هم أول مخالف لفعل عائشة جملة، لأنهم يجيزون ترك القراءة في الأوليين، إذا قرأ في الأخريين (٣)؛ وهذا خلاف ما رووا عن عائشة في الاقتصار على الأخريين فقط.
стр. 694
واحتجوا لمنعهم من الركعتين بعد العصر، بما روي عن عمر من منعه منهما، وقوله (إني لا أضرب عليهما، إلا خوف التمادي على الصلاة، إلى الوقت المكروه) (١) وهذا خلاف قولهم (٢). واحتجوا بحكم عمر في ميراث موالي المرأة لولدها دون بني عمها وإخوتها (٣)، وفي الخبر نفسه أنه إن انقرض ولدها كلهم صار ولاء مواليها لعصبة ولدها، فخالفوه. وقد وافق عمر في ذلك عبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وعمرو بن العاص، واحتجوا في مخالفتهم القرآن في إيجاب الوصية للأقربين (٤) بأخبار عن عمر وعائشة وعبد الرحمن بن عوف أنَّهم أوصوا لغير ذي قرابة، وليس في شيء من تلك الأخبار أنهم لم يوصوا مع ذلك للأقارب (٥).
стр. 695
واحتجوا لقولهم أن قاتل الصيد في الحرم مخطئًا أو عامدًا، عليه الجزاء، بخبر عن عمر وابن عمر وابن عباس (١)، ليس فيها شيء مما قالوا، بل في بعضها: أعمد أصبته، أم خطأ، فقالوا لم يفرقوا بين العمد والخطأ، وهم أول مخالفين لهذه الأخبار عن هؤلاء الصحابة ﵃ (٢)، لأن فيها كلها الحكم بالنظير من النعم أو بشاة حيث لا يرونها إلا بالقيمة أصلًا، وأبو حنيفة لا يرى الجزاء في ذلك إلا بالقيمة لا بالمثل فخالفوهم في نص فتياهم، واحتجوا بهم فيما لم يقولوه في شيء من تلك الأخبار (٣).
واحتجوا في معصيتهم رسول الله ﷺ في نهيه عن الاستنجاء بعظم بخبر ابن أبي ليلى (٤) أن عمر كان لَهُ مَكَانٌ فيه عظم، أو
стр. 696
حجر إذا بال تمسح به (١)، فجعلوا شك ابن أبي ليلى في الحجر، أو العظم حجة في مخالفة يقين أمر رسول الله ﷺ (٢) في نهيه عن العظم في الاستنجاء. واحتجوا في قولهم: أن الماء ينجس بتوضؤ الطاهر المسلم فيه، برواية ساقطة عن ابن عبّاس، ومما ينجس الماء الحوض يقع فيه، الجنبُ فيغتسل فيه، وليس فيه لوضوء الطاهر ذكرٌ، وبرواية عن ابن عمر: (من اغترف بيده، فاغتسل فالباقي نجس) (٣) وهو خلاف قولهم. واحتجوا في قولهم فيما ينقض الوضوء من أحوال النوم، بأن الصحابة كانوا ينامون ولا يتوضؤن (٤)، وليس في هذا الخبر تخصيص ما خصوا من التورك والاتكاء والاستناد. واحتجوا لقولهم: أنّ المستحاضة تتوضأ لدخول وقت كل صلاة، بأخبار ثابتة عن عائشة أم المؤمنين وعلي وابن عباس ﵃ فيها إيجاب الوضوء على المستحاضة لكل
стр. 697
صلاة (١)، وهم لا يوجبون ذلك عليها لكل صلاة، وليس في الأخبار المذكورة نص ولا دليل على قولهم بأن وضوءها لدخول الوقت فقط (٢).
واحتجوا لقولهم في تبدية العتق على سائر الوصايا برواية ساقطة عن ابن عمر (٣) وخالفوه في ذلك في الوصية بعتق رقبة غير معينة فلم يروا أن يبدّى على سائر الوصايا (٤).
واحتجوا لقولهم في أن لا يقضى على غائب (٥) برواية عن عمر: (لا تقض لأحد الخصمين حتى تسمع من الآخر) (٦)، وهذا لا
стр. 698
يخالفون فيه، وليس فيه ذكر القضاء [بِالحكم] (١) على الغائب.
واحتجوا لقولهم في إيجاب الحكم بالنكول بفعل عثمان في ذلك (٢)، وخالفه في تلك القضية نفسها، لأن عثمان قضى بذلك في إبطاله البيع بالبراءة إلا من عيب لم يعلمه البائع، وهم لا يقولون بذلك (٣).
стр. 699
واحتجوا بالرسالة المكذوبة على عمر في تصحيح قولهم بالقياس (١)،
стр. 700
وفيما فيها من: "رددوا الخصوم".
وخالفوا ما فيها من أن (كل المسلمين عدول إلا مجلودًا حدًا)، فقالوا: وإن جلد الحد، وتاب قبلت شهادته إلا المجلود في القذف (١)، وقد قلد هذه الرسالة الحسن بن حي في ذلك، فرأى أن من جلد حدا في الخمر، فلا تقبل له شهادة وإن تاب (٢).
стр. 701
وخالفوها أيضًا فيما فيها من أن نجعل للمدعي بينةً غائبةً أجلًا محدودًا، فلم يروا ذلك أصلًا.
واحتجوا بروايات عن بعض الصحابة لا يحكم الحاكم بعلمه (١)، وخالفوها فقالوا كل ما علم بعد ولايته، فعليه أن يحكم به (٢).
واحتجوا لقولهم: إن الشهود في الزنا إن لم يتموا أربعة في مجلس واحد، حُدُّوا حَدَّ القذف، بما روي من فعل عمر في أبي بكرة (٣)،
وخالفوا عمر في هذه القضية نفسها في موضعين: أحدهما: استجلابهم من البصرة إلى المدينة، وهم لا يرون ذلك، والآخر: أن أبا بكرة لما تمّ جلده، وقام قال: (أشهد أن المغيرة زنى) فلم يحده عمر، وهم لا يجيزون هذا أصلًا، بل يرون إعادة الجلد عليه (٤)، وهذا تلاعب منهم بالدين.
واحتجوا لقولهم الملعون: أن حكم الحاكم يُحلُّ ما حرم الله تعالى (٥)، برواية عن علي أنه أتىَ بامرأة ادعى رجل نكاحها، وأنكرت هي، فشهد
стр. 702
شاهدان بصحة نكاحها، فقال لها عليٌّ: (أنكحك الشاهدان)، وليس في هذا من قولهم شيء أصلا، ولم يختلف اثنان في أن ما شهدت به البينة محكوم به على ظاهره، وأن الباطن إن كان بخلاف ذلك، فهو حرام على من علمه.
واحتجوا لقولهم: أن الولد يكون ابن اثنين، كل واحد منهما أبوه بقضية عمر وعلي (١) في ذلك، وقد خالفوهما في هذه القضية نفسها لأنّ عمر إنما حكم في ذلك بقول القافة، وهم لا يجيزون حكم القافة أصلا (٢)، ولأن عليًا قال لهما: (وَهُوَ للآخر منكما)، وهم لا يرون ذلك.
واحتجوا لقولهم: بقتل الساحر بأن حفصة قتلت مملوكة لها
стр. 703
سحرتها (١): وخالفوها لأنها فعلت ذلك بغير علم الإمام، وهو حاضر لها ساكن بقربها، وهم لا يجيزون هذا (٢).
واحتجوا لقولهم في دية المنقلة بأبي بكر وعمر وزيد بن ثابت، وعلي وابن عمر، وخالفوهم في القضية نفسها، لأن الخبر عن أبي بكر فيه: (في الأذن خمسة عشر بعيرًا، كالمنقلة (٣)، وهم لا يرون ذلك، وأما عمر وابن عمر، ففي خبرهما: (أن في منقلة الجسد سبع أبعرة، ونصف بعير، نصف منقلة الرأس (٤)، وهم لا يرون ذلك، وأما علي وزيد، فعنهما في السمحاق أربعة أبعرة (٥)، وهم لا يرون ذلك.
стр. 704
واحتجوا بعمر وزيد وعلي في المأمومة (١)، وخالفوهم، لأن عليا وزيدا رأيا في السمحاق في الخبر نفسه أربعة من الإبل (٢)، ولعمري إن عمر يرى في مأمومة الجسد نصف دية مأمومة الرأس.
واحتجوا لقولهم: أنّ البالغ من الأولاد يقتص من قاتل أبيه، ولا ينتظر بلوغ الصغار (٣) بفعل الحسن بن علي في قتله عبد الرحمن بن ملجم (٤)، وخالفوه في القصة نفسها، فلم يجيزوا القود من متأول خارجيا كان أو غير خارجي، ولا شك عند أحد في أن عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل عليا، إلا متأولا على مذهب الخوارج.
стр. 705
واحتجوا لقولهم أنّ الجاني خطأً يغرم مع عاقلته الدية (١) بقول عمر للمعترف بقتل الخطأ: (الدية عليك وعلى قومك)، وخالفوه فقالوا: لا تغرم العاقلة (٢) اعترافًا.
ومثل هذا كثير جدا لو تُتُبِّعَ، لاسْتَوْعَبَ عامة تمويههم بالاحتجاج بالصحابة وبالله تعالى التوفيق، وفيما ذكرنا كفاية لمن أراد الله تعالى به خيرا وبالله تعالى (٣) نتأيد.
* * *