← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 33

الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس

ابن حزم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الصحابة أصلا فخالفوهم وقالوا: ليس فيها إلا قيمتها فَإنْ بَلَغَتْ هديا فأكثر أهدى ما بلغت قيمتها ولو شاتين أو ثلاثة، وإن شاء ابتاع بقيمتها طعاما وتصدق به، أو صام عن كل نصف صاع يوما، وهكذا قوله في الصيد، فهلا راعى في القملة قيمتها على أصله البديع (١)؟ ! ومَوَّهُوا في قولهم في بيض النعام يصيبها المحرم قيمته (٢) بروايات عن عمر وابن مسعود وابن عباس بمثل ذلك (٣) وقد اختلف

стр. 737

الصحابة ﵃ (١) في ذلك، فروي عن ابن مسعود في بيضة النَّعامة: صيام يوم أو إطعام مسكين، وعن علي ومعاوية: على مصيب بيض النعام - وهو محرم - أَلْقاح عددها من إبله مما لم يلقح فيما لا يتم من البيض، وما أنتجت أهداه (٢)، فخالفوا ذلك كله لقَولَة لا يؤيدها نصٌّ قياس (٣). وروي عن ابن عباس في الدبسي شاة، وفي الحجلة شاة وفي القطاة شاة (٤)، وروي عنه أيضا في القطاة ثلثا مد (٥)، ولا يعرف

стр. 738

في هذا له مخالف من الصحابة، فخالفوه وقالوا: ليس في ذلك إلا قيمتها فقط. وصح عن عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله: في الضبع يصيبها المحرم كبش (١)، وروي أيضا عن علي وابن عباس (٢)، ولا مخالف لهم في ذلك من الصحابة، فخالفوهم، وقالوا قيمتها فقط (٣). ومَوَّهُوا في قولهم في المحرم يمرض أنه يَبْعَثُ بدنة ويواعدهم يوما، فإذا كان ذلك اليوم حَلَّ برواية بمثل ذلك عن ابن مسعود، وقد جاء عن ابن مسعود أنه يهدي ويحل (٤)، وصح هذا عن علي والحسين رضي الله

стр. 739

عن جميعهم (١) وصح عن ابن عمر وابن عباس وابن الزبير، لا يُحِلُّهُ شيءٌ إلا الطواف بالبيت (٢)، فخالفوا كل ذلك لرواية لا يؤيدها نص ولا نظر (٣). ومَوَّهُوا في قولهم في حد الخمر ثمانون جلدة، بأنه فعل عمر بحضرة الصحابة لا يخالفونه (٤)، وكذبوا لأنه قد صح عن عمر نفسه

стр. 740

جلد أربعين، وعن أبي بكر قبله (١) وعثمان وعن علي وعبد الله بن جعفر والصحابة بعده جلد أربعين فقط (٢). وصح عن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص، الحكم في الأرنب بصغير من الغنم (٣)، ولا مخالف لهما في ذلك من الصحابة، فخالفوهما وقالوا: لا يجوز ذلك (٤). وصح عن عمر وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص الحكم في الطير بشاة، أو بتيس، ولا مخالف لهم في ذلك من الصحابة ﵃ (٥)

стр. 741

فخالفوهم. وصح عن عمر وابن مسعود وابن عباس الحكم في اليربوع بجفرة (١)، ولا مخالف لهم في ذلك من الصحابة ﵃ (٢). وصح عن ابن عباس، وروي عن عمر وعثمان في حمامة من حمام الحرم شاة (٣)، ولا مخالف لهم في ذلك من الصحابة، فخالفوهم، وقالوا: لا يلزم شيء من ذلك إنما هي القيمة فقط (٤). ومَوَّهُوا في قولهم في تأجيل العنين سنة برواية عن عمر في ذلك (٥)، وادعوا أنه بحضرة الصحابة، لا مخالف له في ذلك منهم، وكذبوا، صح عن علي أنه لم يؤجله ولا فرق بينهما (٦)، وعن المغيرة بن

стр. 742

شعبة ومعاوية التفريق دون التأجيل (١). وجاء عن عمر: تحريم المنكوحة في العدة المدخول بها على ناكحها أبدا بحضرة الصحابة فخالفوه وتعلقوا بغيره من الصحابة المبيحين له نكاحها (٢). وجاء عن عمر: تحريم الأزواج (٣) على التي كتمته تمام عدتها مدة حماته بحضرة الصحابة فخالفوه، وما نعلم أحدا من الصحابة أنكر على عمر ذلك، فإن ادعوا خلافا، فمن قيام حجتهم أن يأتوا به، ولا سبيل للقوم به! !

стр. 743

ومَوَّهُوا لقولهم أن العاقلة على أهل الديوان لا على القبائل بأنه فعل عمر. قال أبو محمد رحمه الله تعالى (١): وكذبوا في ذلك جهارا، ما فعله عمر قط، بل قد جهدنا أن نجد ذلك في رواية ساقطة فضلا عن صحيحة، فلم نجده إلا في رواية لا يساوي من اعتمد عليها بعرة لا بيان فيها أيضًا، إنما هو شيء رويناه من طريق وكيع عن سفيان الثوري (٢) عمن سمع الشعبي (٣)، يقول: "جعل عمر على العاقلة الدية في الأعطية، . وهذا كما ترى منقطع في موضعين، ثم إنه ليس فيه أن عمر لم يجعل مع أصحاب الأعطية غيرهم، ممن لا عطاء له، بل الثابت عن عمر ما رويناه من طريق وكيع حدثنا الربيع بن صبيح (٤) عن الحسن (٥): أن عمر قال في قصة وجبت عليه لعلي: "عزمت عليك

стр. 744

إلا قسمت الدية على بني أبيك، فقسمها علي ﵁ (١) على قريش (٢) "، وهذا بحضرة الصحابة لا مخالف له في ذلك، فخالفوه. ومَوَّهُوا في قولهم بتوريث المطلقة ثلاثًا في العدة، برواية عن عمر وعثمان (٣)، قالوا: وذلك بحضرة الصحابة لا يعرف لهما في ذلك مخالف من الصحابة، وكذبوا، بل قد اختلف عنهما في ذلك فروي تَورِيثُهَا أيضًا بعد العدة (٤)، وقد رأى ابن الزبير أن لا ترث أصلا (٥)

стр. 745

وجاء عن عمر وعثمان وعلي ﵃ (١) في امرأة المفقود بأصح الطرق أنها تتربص أرْبع سنين، ثم تتزوج بحضرة الصحابة (٢)، فخالفوا ذلك لرواية منقطعة عن علي وابن مسعود ﵄ (٣)، وقد خالفوا أصح منها عن علي في العنين، وقلدوا عمر (٤). ومَوَّهُوا في قولهم بتوريث ذوي الأرحام بروايات - لا تصح - عن عمر وعثمان، وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وقالوا: ذلك بحضرة الصحابة.

стр. 746

قال أبو محمد رحمه الله تعالى (١): وقد خالفهم زيد بن ثابت في ذلك حتى أن أبا حازم عبد العزيز بن عبد الحميد (٢) أحد قضاتهم ببغداد قال: "لا يعد خلاف زيد بن ثابت خلافا على عمر وعثمان وعلي"، ذكر ذلك عنه عميدهم أبو بكر أحمد بن علي الرازي (٣) في شرحه مختصر الطحاوي (٤). فاعجبوا لهذا الأرعن لا يعد زيد بن ثابت خلافا لأصحابه، وله من كتابة الوحي لرسول الله ﷺ (٥) ما ليس لغيره، ومن المنزلة في الإسلام، وصحبة رسول الله ﷺ (٥)، والعلم والفقه والقرآن ما لا يجهله إلا من طبع الله على قلبه، ثم يجعل أبو حازم بعقله أبا حنيفة - الذي قد عرف أهل العلم مقداره [وَهَوَانَ] (٦) منزلته فيه (٧) - خلافا لعمر وعلي وابن

стр. 747

مسعود وعلقمة (١)، ومسروق (٢) والشعبي (٣) والنخعي (٤)، في توريثهم ذوي الأرحام بإنزالهم منزلة من يدلون به، وانفرد أبو خنيفة بأن ورثهم على ترتيبهم في الولادة، بدأ بِمَنْ كان من ولد الموروث، ثم بمن كان من ولد أبويه أو أحدهما، ثم بمن كان من ولد جدته لأبيه، وأمه، وَجَدَّتَيْهِ كذلك، وهكذا ما علا، أليس هذا عَجَبًا يغيظ سامعيه (٥)؟ واحتجوا لقولهم في تجويز إيقاف الأرض المفتتحة، وإنْ كره ذلك أصحابها المالكون لها بفتحهم لها عنوة بروايات لا تصح عن عمر وأبي

стр. 748

عبيدة ومعاذ (١) ﵃ (٢) وقالوا: هذا بحضرة الصحابة، لا يخالفونه، وقد كذبوا في ذلك قد خالفه الزبير وبلال (٣) وغيره، والرواية الثانية عن عمر أنه لم يفعل ذلك إلا برضا أربابها وطيب نفوس، جميعهم أولهم عن آخرهم (٤). وصح عنه أنه أضعف القيمة على حاطب في ناقة المزني التي نحرها رقيق حاطب (٥)، فخالفوه، وذلك بحضرة الصحابة لا يخالفونه في ذلك. واحتجوا في مقدار الديات من الدنانير والدراهم، برواية عن عمر وعثمان (٦)، وقالوا: هذا بحضرة الصحابة لا يخالفونهما في ذلك،

стр. 749

ثم خالفوهما في أن جعل عمر الدية أيضا من الغنم ألفي شاة ومن البقر ألفي بقرة، ومن الحلل مائتي حلة (١). وخالفوا عثمان في تغليظ الدية في الحرم، وذي الرحم، وذلك بحضرة الصحابة لا يخالفونه في ذلك، روينا من طريق وكيع (٢) حدثنا سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح (٣) عن أبيه (٤) أن عثمان بن عفان قضى في امرأة قتلت في الحرم الدية، وثلث الدية فذلك ثمانية آلاف درهم (٥). ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ليث بن أبي سليم (٦) عن

стр. 750

مجاهد (١) قال: "قضى عمر بن الخطاب فيمن قتل وهو محرم في الشهر الحرام (٢)، أو في الحرم بدية وثلث" (٣) ". ومن طريق حماد بن سلمة (٤) عن محمد بن إسحاق (٥) عن عبد الرحمن بن أبي زيد (٦) عن نافع بن جبير بن مطعم (٧) "أن ابن عباس

стр. 751

قال في رجل قتل في الحرم في شهر حرام قال: ديته: إثنا عشر ألفا، والشهر الحرام أربعة آلاف، والبلد الحرام أربعة آلاف، فكمل عشرين ألفا" (١)، فخالفوا كل هذا، وبه يقول طوائف من التابعين (٢) لرواية ساقطة منقطعة عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب أن عمر قال: "لا تغليظ على أهل القرى في عقل، ولا في الشهر الحرام ولا الحرمة (٣) ". ولا حجة لهم في هذا، لأنه إنما نفى التغليظ عن أهل القرى، ولم ينفه عن أهل البادية وهم قد قالوا بالتغليظ في شبه العمد، وخالفوا الراوية

стр. 752

التي رويناها من طريق أبي داود (١) حدثنا يحيى بن حكيم (٢) حدثنا عبد الرحمن بن عثمان (٣)، حدثنا الحسين المعلم (٤)، حدثنا عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (لَمَّا اسْتُخْلِف عمر بن الخطاب قام خطيبًا فقال: (ألا إن الإبل قد غلت) ففرضها عمر، يعني الدية على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية (٥). وجاء عن أبي بكر الصديق، وعائشة أم المؤمنين، وأبي هريرة وابن عباس، وعثمان، وعلي، وعمر بن الخطاب، أن الدية من الدراهم اثنا عشر ألف درهم، فخالفوا ذلك لرواية عن عمر أنها عشرة آلاف درهم.

стр. 753

فإن قالوا أخذنا بالمتفق عليه، قلنا: فهلا أخذتم في حد الخمر بالمتفق عليه وهو أربعون جلدة؟ وإذا أخذتم هناك بالزائد فخذوا هاهنا بالزائد، وإلا فهو التلاعب بالدين جهارا! ! فخالفوا هذا كله، وهو بحضرة الصحابة ﵃، كما تسمعون، لا يعرف معترض عليهم في ذلك منهم، ثم صَحَّ عن عمر أنه قضى على محمد بن سلمة (١): بأن يمر الضحاك بن خليفة (٢) في أرضه بساقية من ماء، أحب أم كره (٣)، وهذا بحضرة الصحابة، فخالفوه. ومَوَّهُوا لقولهم فيما غنمة الكفار من أموالنا: أنه [إن] (٤) أدرك قبل القسمة، رد على صاحبه بلا تكليف غرامة، فإن لم يات صاحبه حتى قسم، فإن أراد أخذه بقيمته، أُجبر الذي وَقَع في سهمه على ذلك أحب أم كره، فإن لم يرد أن يأخذه بالقيمة، فلا حق له فيه، بأنه قد روي ذلك عن عمر بحضرة الصحابة، وادعوا أنه لا مخالف له في ذلك منهم، وكذبوا.

стр. 754

وهذه الرواية التي مَوَّهُوا بها إنما رويناها من طريق محمد بن راشد (١) عن مكحول أن عمر ..... وقد روينا من طريق عبد الرزاق (٢) عن معمر (٣) عن قتادة (٤) أن عمر بن الخطاب قال: (ما عرف قبل أن يقسم، فإنه يُرَد إلى أهله، وما لم يعرف حتى تجري فيه السهام لم يُرَد) (٥). ومن طريق ابن أبي شيبة (٦) حدثنا عبدة بن سليمان (٧) عن سعيد بن أبي عروبة (٨) عن قتادة (٩) عن رجاء بن حيوة (١٠) عن قبيصة بن

стр. 755

ذؤيب (١) أن عمر بن الخطاب قال: (ما أحرز المشركون من أموال المسلمين، فوجد رجل ماله بعينه، قبل أن تقسم السهام، فهو أحق به، وإن كان قسم، فلا شيء له) (٢). وهذا القول يقول [به] (٣) طوائف من التابعين (٤). وروي غيرُ هذا عن علي: روينا من طريق أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا المعتمر بن سليمان التيمي (٥) عن أبيه (٦) أن علي بن أبي طالب قال: (ما أحرزه المشركون من أموال المسلمين، فهو بمنزلة أموالهم) (٧).

стр. 756

وبهذا يقول الحسن (١)، والزهري وغيرهما، فخالفوا هذا كله كما ترى! ! ثم روينا عن عمر، من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص بن غياث (٢) عن حجاج عن عمرو بن شعيب أن عمر بن الخطاب جمع بمنى" (٣)، وهذا بحضرة الصحابة بلا شك، لا نعلم أن أحدًا خالفه في ذلك منهم، فخالفوه. ومَوَّهُوا في قولهم أن للمدخول بها، وإن لم توطأ إذا طلقت الصداق كله، برواية عن عمر، تركوا لها القرآن، وقد صح عن ابن عباس خلاف ذلك، وأنه ليس لها إلا النصف (٤). ثم صح عن عمر بحضرة جميع الصحابة حقًّا لا يُخالِفُ أحلى منهم - إمضاؤه، معاملة يهود خيبر بنصف ما يحرج منها من زرع أو ثمر (٥) إلى أن بلغه قول رسول الله: "لا يبقى بجزيرة العرب دينان"

стр. 757

فأجلاهم حينئذ (١)، فخالفوه. ومَوَّهُوا لقولهم: إن القارن يطوف طوافين، ويسعى سعيين بروايات ساقطة عن علي وابن مسعود، وعمر والحسن والحسين (٢) ﵃ (٣)، وقد روي بمثل تلك الرواية عن علي: أن عليه طوافا واحدا وسعيا واحدا فقط (٤)، وصح عن عائشة وجابر وابن عمر، وابن عباس وجملة من الصحابة أنه ليس علمه إلا طواف واحد (٥).

стр. 758

ومَوَّهُوا لقولهم في الأيام المعلومات: أنها عشر ذي الحجة، والمعدودات أنها أيام التشريق برواية عن ابن عباس (١)، وأوهموا بذلك أنه لا مخالف له من الصحابة، وكذبوا، بل قد خالف ذلك ابن عمر، وجاءت عن ابن عباس رواية أخرى أيضًا. أما الرواية عن ابن عمر فرويناها (٢) من طريق يحيى بن سعيد القطان (٣)، حدثنا ابن عجلان (٤) حدثنا نافع عن ابن عمر قال: "الأيام المعلومات: يوم النحر، ويومان بعده، والمعدودات ثلاثة أيام التشريق بعد يوم النحر" (٥). وَأَمَّا الرواية عن ابن عباس، فحدثنا محمد بن سعيد بن نبات حدثنا

стр. 759

أحمد بن عبد البصير (١) حدثنا قاسم بن أصبغ (٢) حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني حدثنا محمد بن المثنى (٣) حدثنا عبد الله بن المثنى (٤) حدثنا عبيد الله بن موسى (٥) حدثنا ابن أبي ليلى (٦) عن الحكم بن عتيبة (٧) عن مقسم (٨) عن ابن عباس قال: "الأيام المعلومات: يوم النحر، وثلاثة

стр. 760

أيام بعده" (١). ومن طريق ابن أبي شيبة (٢) حدثنا علي بن هاشم (٣) عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ قال: "يوم النحر وثلاثة أيام بعده" (٤). وهاتان الروايتان موافقتان لنص القرآن.

стр. 761

قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢) وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ (١) وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢). وقال تعالى في سورة الحج: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣)﴾ (٤). فإن ذهبوا إلى أيام النحر، فالنحر في يوم النحر، وفيما بعده، وإن ذهبوا إلى أيام منى فهي أيام الرمي، وهي يوم النحر، وثلاثة أيام بعده. ومَوَّهُوا لقولهم الفاسد في إسلام المرأة تَحْت الذمي، أو إسلام

стр. 762

الرجل وامرأته وثنية أنهما على نكاحهما، حتى يعرض الإسلام على الذي لم يسلم منهما، برواية ضعيفة عن عمر، قد صح عن عمر خلافها كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختياني وقتادة كلاهما عن محمد بن سيرين (١) عن عبد الله بن يزيد الخطمي (٢) أن امرأة أسلمت قبل زوجها، وهما نصرانيان فخيرهما عمر بن الخطاب إن شاءت فارقته، وإن شاءت أقامت عنده (٣). (٤). ومن طريق حماد بن زيد (٥) عن أيوب السختياني عن عكرمة (٦)

стр. 763

عن ابن عباس في المرأة اليهودية أو النصرانية تسلم قبل زوجها الذمي قال: "يفرق بينهما" (١). واحتجوا لقولهم لا يسهم للعبد (٢) بقول ابن عباس وعمر (٣)، وقد روينا خلاف ذلك عن أبي بكر الصديق كما روينا من طريق أبي داود (٤) حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي (٥) حدثنا (٦)

стр. 764

عيسى (١) حدثنا ابن أبي ذئب (٢) عن القاسم بن عباس (٣) عن عبد الله بن دينار (٤) عن عروة عن عائشة قالت: "كان أبي يسهم للحر والعبد" (٥). واحتجوا لقولهم: لا تؤخذ من النساء جزية (٦) برواية عن عمر (٧)،

стр. 765

وادعوا أنه إجماع، وكذبوا بل الخبر المشهور في أخذ معاذ مِنْ كل حالم وحالمة من ذمة أهل اليمن دينارا، أو عدله من المعافر (١). واحتجوا لقولهم في الجزية، بفعل عمر في تطبيق ثمانية وأربعين، أو أربعة وعشرين أو اثني عشر (٢)، وقد جاء عن معاذ أخذه الدينار، أو عدله من المعافر عن كل رأس (٣).

стр. 766

واحتجوا في وجوب الأضحية بخبر عن أبي هريرة ساقط لا يعرف من رواه (١)، وقد صح عن أبي بكر وعمر وأبي مسعود وبلال وابن عباس ﵃ (٢) أنها تطوع غير واجب (٣). واحتجوا لقولهم في إباحة الأضحية بالعرجاء إذا بلغت المنسك، برواية عن علي (٤)، وروي عن علي وعن ابن عباس وجابر بأسانيد

стр. 767

أحسن من إسناد الخبر المذكور: "لا يذبح الضحايا إلا مسلم" (١). فخالفوهم، ولا يروى خلاف ذلك عن أحد من الصحابة ﵃ (٢). ومَوَّهُوا لقولهم: لا تقصر الصلاة في أقل من ثلاثة (٣) برواية عن ابن عمر أنه كان لا يقصر إلا إلى خيبر (٤)، وهي من المدينة ستة وتسعون ميلا، وهم أول مخالف لذلك، فيرون القصر في ثلاثة وستين ميلا، كما بين الكوفة والمدائن (٥)، والخلاف ما بين الصحابة في هذا أشهر من أن يجهله إلا جاهل، وصحت في هذا عن عمر، وابن عباس وحذيفة وابن عمر روايات (٦)، وجاءت عنهم أخر معلولة، خالفوها كلها،

стр. 768

ولم يأت عن أحد الصحابة - نعلمه - تحديد ذلك بثلاثة وستين ميلا. وروينا من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل (١) حدثنا أبي حدثنا هشيم (٢) عن الحجاج (٣) عن الحسن بن سعد (٤) عن أبيه عن سعد بن

стр. 769

أبي وقاص قال: "لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهما" (١). وبه إلى الحجاج عمن حدثه عن إبراهيم النخعي أن ابن مسعود كان يقول مثل ذلك (٢). ومن طريق أبي عبيد (٣) حدثنا هشيم عن الحجاج بن أرطاة عن الحكم بن عتيبة عن علي بن أبي طالب: "لا تحل الصدقة لمن له خمسون درهما، أو عدلها من الذهب" (٤). ومن طريق أبي عبيد حدثنا كثير بن هشام (٥) عن جعفر بن برقان (٦)

стр. 770

حدثنا ميمون بن مهران (١) أن عمر بن الخطاب قال لامرأة سألته: "إن كانت لك أوقية فلا تحل لك الصدقة" (٢). قال ميمون: "والأوقية أربعون درهما"؛ ولا يعرف لهؤلاء من الصحابة مُخالف، فخالفوهم. واحتجوا لقولهم: من أراد إقامة خمس عشرة ليلة، أتم الصلاة، ومن نوى إقامة أقل قصر (٣) برواية عن عمر وابن عباس وادعوا أنه لا يعرف لهما في ذلك مخالف من الصحابة، وكذبوا، لأن الرواية الثابتة من طريق البخاري عن ابن عباس: "فنحن إذا قمنا تسعة عشر يوما قصرنا الصلاة وإن أقمنا أكثر أتممنا" (٤)، وعن ابن عمر: "أنه

стр. 771

أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة أغلق عليهم الثلج" (١). قال أبو محمد رحمه الله تعالى: الثلج لا يمكن ألبتة في تلك البلاد أن ينحسر، منذ يبدأ في تشرين الثاني إلا في آذار إلى أكثر من أربعة أشهر. وصح عن ابن مسعود وابن عمر: "من أدرك من الجمعة الجلسة صلاها أربعا" (٢)؛ ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة في ذلك فخالفوهما. وجاء عن عائشة وابن عمر: "يصلي المنفرد بعرفة الصلاتين مجموعتين، كما تصليان في الجماعة" (٣)؛ ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة. واحتجوا لقولهم أن المغمى عليه يعيد صلاة يوم وليلة ولا يقضي أكثر

стр. 772

برواية عن عمار وابن عمر (١)؛ وادعوا أنه لا يعرف لهما من الصحابة مخالف (٢). وقد صح عن أبي سعيد الخدري أنه ركع ركعتين إذ دخل يوم الجمعة والإمام يخطب (٣)، ولا مخالف له في ذلك، فخالفوه (٤). واحتجوا لقولهم أن الأَمَة (٥) تصلي مكشوفة الرأس برواية أن عمر أمرها بكشف رأسها (٦)، وقد جاء عن عائشة خلاف ذلك (٧).

стр. 773

وروينا عن عمر أنه نسي أم القرآن في الأوليين، فقرأ في الركعتين التاليتين بأم القرآن مرتين في كل ركعة (١)، وذلك بحضرة الصحابة، فخالفوه. واحتجوا لقولهم: لا تجب الجمعة على من كان خَارج المصر، وإن كان المسجد الجامع قبالته، وأنه لا تجزئ الجمعة في القرى، برواية عن علي: "لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع" (٢). والعجب أن الطحاوي - على سعته في العلم - قال مجاهرا بالباطل قد أعمى الله تعالى (٣) بصر قلبه بالتعصب لأبي حنيفة - أنه لا يعرف في هذا لعلي مخالف من الصحابة ﵃ (٤)، كأنه لم يسمع بحديث عمر الثابت الذي حدثناه محمد بن سعيد بن نبات قال أحمد بن عبد البصير حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن بن مهدي (٥) حدثنا

стр. 774

شعبة (١) عن عطاء بن أبي ميمونة (٢) عن أبي رافع (٣) عن أبي هريرة أنهم كَتَبُوا إلى عمر بن الخطاب يسألونه عن الجمعة - وهم بالبحرين فكتب أن جمعوا حيثما كنتم (٤). وبه إلى عبد الرحمن بن مهدي، حدثني عبد الله بن عمر عن نافع أن

стр. 775

ابن عمر كان يمر على المياه وهم يُجَمِّعُون، فلا يعيب عليهم (١). فهبك خفي عليه هذا - وما خفي - فمن المحال أن يخفى عليه تجميع رسول الله ﷺ (٢) مذ (٣) قدم المدينة في قرية صغيرة لبني مالك بن النجار، ليست مصرا، ولا قرية عظيمة، وسائر الأنصار في قراهم، ولم تصر المدينة مصرا إلا بعد الحديبية إذ هاجر الجمهور، وبنوا بها الدور، وقد ذكر أنس في الجمعة الثانية التي (٤) ذكر فيها استسقاء رسول الله ﷺ (٥) في خطبة الجمعة، قال أنس: "ليس بيننا وبين سلع بيت ولا دار" (٦) والخبر المشهور من تجميع أبي أمامة أسعد بن زرارة قبل هجرة النبي ﷺ في بني بياضة بأربعين رجلا فقط (٧).
следующие страницы →