← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 33

الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس

ابن حزم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

المنازل (١)، أو بذات عرق (٢)، أو يلملم (٣)، أو بين أحد هذه المواقيت إلى مكة، فله أن يدخلها محلا، ومن كان ساكنا وراء هذه المواضع، فليس لي أن يدخلها إلا محرما، هذا مع تسويتهم في جواز الإحرام بين هذه المواضع وبين ما وراءها (٤). وصح عن سعد بن أبي وقاص: "سلب من وُجد يحتطب في الحرم لواجده". وعن عمر بن الخطَّاب: "إباحة أَخْذِ فأسِهِ وحَبْلِهِ لِمَنْ وَجَدَهُ" (٥). ولا يعرف لهما في ذلك مخالف من الصحابة فخالفوهما. قال أبو محمد رحمه الله تعالى (٦): ومثل هذا لهم كثير جدا يرى من وقف عليه، أنهم أترك الناس لما يجعلونه حجة في الدين، ويحرمون

стр. 947

تركه، وأنهم ليسوا في شيء حاشا العصبية لقول أبي حنيفة بما أمكن من حق أو باطل جهارا وهم يعلمون، وإضلال من اغتر بهم في ذلك نعوذ بالله من البلاء. واعلموا - رحمكم الله - أن ما وجد فيه أقوال مختلفة عن طوائف من الصحابة [فلا فرق بين الخارج عن تلك الأقوال كلها وخلاف جميعها إلى قول لم يرو عن أحد من الصحابة، فلا فرق بين الخارج عن تلك الأقوال (١) كلها وبين المخالف لقول جاء عن صاحب، أو صحابة إلى قول لم يرو عن غيره منهم، إذ كلا القولين والأمرين قول مخالف لما روي عن الصحابة في ذلك ما لم يرو عن أحد منهم (٢)]، لا سيما وشيخهم أبو حنيفة لا يختلفون عنه أنه أخبر بمذهبه. والذي صح عنه من نقلهم الذي يتبجحون به أنه قال: "ما جاء عن الله تعالى، فعلى الرأس والعينين، وما جاء عن رسول الله ﷺ (٣)، فسمعا وطاعة، وما جاء عن أصحابه (٤). ﵃ (٥) تخيرنا من أقوالهم، ولم يكن لنا أن نخرج عنهم، وما

стр. 948

جاء عن التابعين فهم رجال، ونحن رجال" (١). قال أبو محمد رحمه الله تعالى (٢): فتالله إن أبا حنيفة لمعذور في كثير من خطأ أقواله، لضيق باعه في رواية (٣) الآثار، وقصر ذِراعِهِ في المعرفة بالسنن والأخبار (٤)، إنما الشأن فيمن تبحر منهم في الروايات للآثار كالحربي (٥)، وبكار بن

стр. 949

قتيبة (١)، وعيسى بن أبان (٢)، والطحاوي والرازي (٣)، وأهل طبقته منهم، وأمثالهم إذ لا يزالون يتركون السنن: ويطلبون كل مزلة دحضٍ في نصر خطأ أبي حنيفة. وأما ما مر لنا في هذا من احتجاجهم بما لا يعرف له مخالف من الصحابة، والخلاف فيه موجود كما قد ذكرناه قبل، وجميع من عارضناهم به في هذا الفصل - فإنه يفتح لكل طالب هُدًى باب الفلاح.

стр. 950

وبالله تعالى التوفيق. ونسأله جل وعز العافية من الخذلان والحرمان في الدنيا والدين آمين رب العالمين. * * *

стр. 951

الفَصْل الحَادي عَشر في ذكر طرف من خلاف الحنيفيين لجمهور السلف وهم يشنعون ذلك إذا خالف أهواءهم وتقليدهم، ويسمونه شذوذا قال أبو محمد رحمه الله تعالى (١): شنعوا علينا أننا خالفنا جمهور (٢) العلماء في قولنا بوجوب الحج على العبد والأمة، وما نعلم روي قولهم: لا حج عليه إلا عن ابن عباس (٣)، وروي عنه في الخبر نفسه أن الأعرابي إذا حج، ثم هاجر فعليه حجة أخرى، وهذا خلاف قولهم. وروي أيضًا قولهم: لا حج على المملوك عن خمسة من التابعين فقط، وهم عطاء وطاووس والحسن وإبراهيم والزهري (٤)، وقد

стр. 952

روي قولنا عن القاسم بن محمد (١)، وسليمان بن يسار وصح عن ابن عمر وجابر: (ما من مسلم إلا عليه حجة وعمرة) (٢) ولم يخصا عبدا من غيره، وقد صح عن ابن مسعود وجابر بن عبد الله، وابن عمر وابن عباس، وزيد بن ثابت أن العمرة فريضة كالحج (٣). وروي أيضًا عن عمر بن الخطاب، وهو قول عطاء وطاووس ومجاهد (٤). (٥) وسعيد بن جبير (٦)، والشعبي، ومسروق (٧)، والحكم

стр. 953

ابن عتيبة والحسن، وابن سيرين وقتادة (١)، وسعيد بن المسيب، وعلي بن الحسين (٢)، ونافع مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، وما نعلم روي خلاف ذلك إلا عن إبراهيم النخعي وحده (٣)، ورواية عن الشعبي قد صح عنه خلافها (٤)، ورواية ساقطة عن ابن مسعود (٥)، فخالفوا الجمهور والقرآن، والسنن الثابتة والضعيفة أيضًا. واحتجوا في قولهم بشبه العمد أنَّه قول الجمهور. قال أبو محمد رحمه الله تعالى (٦): وروينا في الدية في شبه العمد أقوالًا عن عمر بن الخطاب (٧)، وعثمان، وزيد (٨)، وأبي

стр. 954

موسى (١)، والنخعي والشعبي، وعطاء بن أبي رباح (٢)، وطاووس (٣)، والحسن البصري (٤)، والزهري (٥)، والليث وعبد العزيز بن أبي سلمة (٦)، وغيرهم صح ذلك عن عثمان ﵁ (٧) وأبي

стр. 955

موسى، وزيد وعمن ذكرنا من التابعين، فخالفهم أبو حنيفة كلهم إلى رواية لا تصح عن ابن مسعود لم نجدها عن صاحب سواه (١)، ولا عن أحد من التابعين، فخالفوا الجمهور الذي احتجوا به، وحرموا خلافه. وجاءت عن الصحابة والتابعين ﵃ (٢)، آثارٌ بعضها، بأن يقتل المسلم بالذمي، وبعضها لا يقتل به إلا أن يكون ذلك منه عادة، وبعضها لا يقتل به، إلا أن يقتله حرابة وغيلة، وبعضها لا يقتل به أصلًا (٣)، فخالفوهم كلهم، فَقَالُوا لا يقتل المسلم بالمعاهد، ويقتل بسائر أهل الذمة.

стр. 956

واحتجوا لقولهم في تضمين البهيمة العادية على المسلم لتقتله (١)، فيقتلها دفعًا لها عن نفسه أنه قول الجمهور (٢). وخالفوا قول جمهور العلماء في أنَّ ولي المقتول مخير بين الدية والقود والعفو، صح هذا عن ابن عباس وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد والشعبي، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، وقتادة وهو الظاهر من قول عمر بن الخطاب (٣)، ولا يمنع السلطان ولي الدم أن يعفو إن شاء، أو يأخذ العقل إن اصطلحوا عليه ولا يمنعه أن يقتل إن أبَى إلا القتل بعد أن يحق له القتل في العمد، يعني، إن اصطلح الأولياء على العقل. وقالوا: لا خيار له أصلًا إلا في القود، أو العفو فقط إلا أن يصطلحا على شيء (٤)، ولا يحفظ هذا عن أحد من السلف ﵃ (٥) إلا

стр. 957

عن إبراهيم النخعي وأبي الزناد فقط. وأنكروا بدعواهم خلافنا للجمهور في دية العقل، والعين المبصرة والجفن والحاجب والشعر والأنف، والسمع والشفتين، والسن واللسان والصوت، والذكر والأنثيين والمأمومة، والجائفة والمنقلة والهاشمة والموضحة. قال أبو محمد رحمه الله تعالى (١): إنما جاءت فيما ذكرنا آثار مختلفة أكثرها لا يصح عن عمر، وزيد بن ثابت، وعلي وابن عمر وابن عباس وعثمان وأبي بكر وابن مسعود، ومعاوية غير مجتمعين، لكن متفرقين (٢)، جاء في كل ما ذكرنا أثر عن ثلاثة، أو عن اثنين، أو عن واحد ممن ذكرنا، وقد خالفوهم أيضًا في ذلك، فخالفوا عمر ﵁ (٣) في قوله في دية العين العوراء (٤)، واليد الشلاء (٥)، والضلع (٦)، والترقوة (٧).

стр. 958

وخالفوا زيد بن ثابت: في قوله في دية الضلع والترقوة والسمحاق، والمتلاحمة، والباضعة، والدامية (١)، وخالفوا علي بن أبي طالب في دية السمحاق (٢). وخالفوا عمر وعثمان، وابن عمر في دية عين الأعور (٣). وخالفوا ابن عباس في قوله: في دية العين العوراء (٤). وخالفوا أبا بكر في قوله في أسلة اللسان (٥)، وفي المنقلة، وليس

стр. 959

فيما ذكرنا قبل عن ابن مسعود شيء إلا رواية في دية الذكر لا تصح عنه (١)، ولا عن معاوية في ذلك شيء إلا رواية في الأضراس (٢)، وقد خالف فيها عمر بن الخطاب (٣) وغيره. وخالفوا أبا بكر وعمر وعليا وعثمان وابن الزبير، وخالد بن الوليد في القود من اللطمة والوكزة (٤). وخالفوا ما روينا أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى فقهاء الأمصار، وعلماء الأجناد يسألهم، فكتبوا إليه ممَّا اجتمع عليه فقهاؤهم وعلماؤهم: (في شفر العين ثلث الدية، وفي الجفن الأعلى إذا نتف نصف دية العين، وفي الأسفل إذا نتف ثلث دية العين، وفي الشاربين مائة دينار وعشرون دينارًا، وفي إحداهما ستون دينارًا، وفي ركب المرأة إذا قطع الدية كاملة، وفي العفلة الدية كاملة، وفي المنكب ينجبر بعد كسره أربعون دينارا، وفي الظفر إذا اسْوَدَّ أو سقط

стр. 960

عُشُرُ عُشُرِ الدية) (١). وخالفوا جمهور العلماء في عدد الدراهم في الدية إلى رواية عن عمر، الأشهر عنه خلافها (٢)، ورواية عن النخعي وعمر بن عبد العزيز من التابعين فقط. وأنكروا - بدعواهم - خلافنا للجمهور في ألفاظ الطلاق مثل: الحقي بأهلك، وأنت بائن وبِنْتِ البتة، وأمرك بيدك واعتدي،

стр. 961

وأنت خلية وأنت برية، وحبلك على غاربك، وأنت حرام، وقد خيرتك، وقد وهبتك لأهلك وأنت حرج، وأنت علي كالميتة وكدم الخنزير، ولا سبيل لي عليك، وولست لي بامرأة، وأنت حرة، وقد أعتقتك، والتوكيل في الطلاق، واذهبي، وأنكحي، وتزوجي، وأفلجي، وكل لفظ عنى به قائله الطلاق. فأما الحقي بأهلك فروي فيه ولم يصح عن الحسن البصري والشعبي: "هو ما نوى" (١)، وعن عكرمة والزهري أنها واحدة فقط (٢)، فخالفوهم كلهم فقالوا: إن نوى طلقتين، لم تكن طلقتين، ولم تكن إلا طلقة واحدة فقط (٣)، وهذا فيه خلاف الحسن والشعبي، وقالوا: إن من نوى ثلاثا فهي ثلاث (٤)، وهذا خلاف عكرمة والزهري.

стр. 962

وأما أنت بائن فصح عن علي وزيد بن ثابت، والحسن، والنخعي والزهري: أنها ثلاث (١)، وهو قول ابن أبي ليلى، وروي عن عمر، ولم يصح عنه أنها واحدة وجعية فقط (٢)، وهو قول عمرو بن دينار (٣)، وعطاء (٤)، وبه يقول أبو ثور (٥) وإسحاق هو ابن راهويه وصح عن

стр. 963

إبراهيم النخعي أنه قال: "هي واحدة بائنة" (١) وصح عن عطاء أن هذا مما أحدثوا، وله ما نوى، وهو قول الشافعي، ما يحفظ لصاحب ولا لتابع قوله (٢) في الناس غير هذا (٣). وقد خالف الحنيفيون كل هذا، فقالوا: ينوي في غضب قال ذلك، أو في غير غضب في غير ذكر طلاق فإن قال: "نويت واحدة رجعية، أو قال: "بائنة، أو قال: "نويت اثنتين رجعيتين أو بائنتين أو قال: لم أنو طلاقًا" ولا عددًا من طلاق لم يكن في ذلك إلَّا واحدة بائنة، فإن قال: "نويتُ ثلاثًا"، فهي ثلاث، فإن قال: "لم أنْوِ طلاقًا، فلا شيء عليه إلَّا أن يكون ذلك في ذكر طلاق، فلا يصدق البتة، وتلزمه واحدة بائنة، ولا يحفظ هذا عن أحد غير أبي حنيفة إلّا عن سفيان وحده، إلّا أَنَّه لم يفرق بين طلاق وغيره (٤). وأما البتة فصح أنها ثلاث عن علي وابن عمر (٥)، وروي ذلك عن

стр. 964

عمر وابن عباس (١)، والزهري (٢)، وعروة بن الزبير والحسن البصري، وقتادة، وسعيد بن المسيب (٣)، وعمر بن عبد العزيز (٤)، وبه يقول ابن أبي ليلى والأوزاعي وأبو عبيدة (٥). وصح أنَّها واحدة رجعية عن عمر بن الخطاب والمطلب بن حنطب (٦)، وأبان بن عثمان، وسعيد بن جبير، وهو قول أبي ثور،

стр. 965

وروي (١) عن شريح (٢)، أنها على ما نوى، وبه يقول الشافعي (٣)، وروينا عن إبراهيم أنه قال: "ينوي فإن نوى ثلاثًا، فهي ثلاث، وإن نوى واحدة فواحدة بائنة" (٤). ولم يرو عن إبراهيم - زيادة على هذا - كلمة، فخالفوهم كلهم، فقالوا: إن كان ذلك في غير ذكر طلاق، فإن نوى واحدة رجعية أو بائنة، أو لم ينو شيئًا، أو نوى طلقتين بائنتين أو رجعيتين، فهي في كل ذلك واحدة بائنة فقط، وإن نوى ثلاثًا، فهي ثلاث، فَإِنْ قال: لم أنو طلاقًا صدق إن لم يكن في ذكر طلاق، وإن كان في ذكر طلاق لم يصدق، ولزمته واحدة بائنة، فانظروا من خالف الجمهور من السلف (٥). وأما "أمرك بيدك" فروينا عن عمر بن الخطاب لا يلزمه إلّا ما نوى، وهو قول عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر والقاسم بن محمد بن أبي بكر (٦) ومروان إلّا أنهما أحلفاه في ذلك (٧). وروينا أيضًا عن عمر بن

стр. 966

الخطاب وعبد الله بن مسعود (١)، وزيد بن ثابت أنها واحدة رجعية (٢)، ولا مزيد بكل حال وهو قول عمر بن عبد العزيز (٣)، وروينا عن علي أن القضاء ما قضت (٤)، وعن عثمان أيضًا (٥)، وعن عبد الله بن عمر، وابن الزبير، وفضالة بن عبيد (٦)، وبه يقول الزهري (٧)، وعطاء بن أبي

стр. 967

رباح، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة (١). وروينا عن أبي هريرة أنها ثلاث على كل حال، وهو قول الحسن (٢)، وروينا أنه ليس شيئًا أصلًا ولا للطلاق فيه مدخل بوجه من الوجوه عن عائشة أم المؤمنين (٣)، وعمر وعثمان وابن مسعود وابن عباس (٤)، وهو قول طاووس، وروي عن عطاء وبه يقول (٥). فخالفهم كلّهم أبو حنيفة وأصحابه إلى قول سخيف، فقال إن قال ذلك في غضب ذكر فيه طلاقًا أو لم يذكر أو في رضى، فيه ذِكْرُ طلاق، لم يصدق في قوله: "لم أنو طلاقًا"، وصُدِّق في ذلك إن كان في رِضًى

стр. 968

لم يَجْرِ فيه ذكر طلاق، وَتُسْأَلَ هي، فإن ردت أمرها إليه، فلا يلزمه شيء، وإن طلقت نفسها سئل هو: ماذا نويت؟ فإن قال: "نويت الثلاث فهي ثلاث، وإن قال: اثنتين رجعيتين، أو بائنتين أو واحدة رجعية أو بائنة أو قال: "لم أنو طلاقًا أو قال: "لم أنو عددًا، أو قال: "لم أنو شيئًا لزمته في كل ذلك طلقة واحدة بائنة (١). فانظروا - رحمكم الله تعالى - من خالف الجمهور والمعقول، وكل من حُفظ عنه قول في هذه القضية؟ ! ! . وأما: "اعتدي" فروي عن ابن مسعود أنها طلقة واحدة (٢)، وهو قول عطاء (٣) وإبراهيم النخعي (٤)، والشعبي (٥)، وروينا عن الحسن:

стр. 969

"إن نوى طلقتين فهي طلقتان، وإلّا فهي واحدة" (١)، وقال قتادة: "هي طلقتان، فإن كررها ثلاث مرات، فهي ثلاث طلقات، إلّا أن يقول أردت إفهامها" (٢). ما نعلم في هذا عن صاحب، ولا عن تابع غير ما ذكرنا فخالفوه في ذلك، وقالوا في مثل ذلك مثل قولهم في "أمرك بيدك" (٣). وأما "الخلية": فصح أنها ثلاث عن علي بن أبي طالب (٤)، وابن عمر (٥)، وهو قول ابن أبي ليلى، وروينا أنها واحدة رجعية عن عمر بن الخطاب والحسن، وقتادة، وعطاء، والزهري (٦)، وروينا عن

стр. 970

معاوية أنه فرق بها (١). وروينا عن الحسن أنها واحدة بائنة (٢)، وروينا عن إبراهيم النخعي، وشريح، وعمرو بن دينار، وعمر بن عبد العزيز، ومروان أنه لا يُنَوَّى (٣)، إلّا أن إبراهيم جعل له ما نوى في الثلاث والاثنتين، والواحدة، إلّا أنها عنده بائنة (٤)، وعمرو بن دينار جعلها واحدة فقط إن كان نوى الطلاق، وعن عطاء أنها طلاق، وعن ربيعة أنها ثلاث في المدخول بها، وواحدة في غير المدخول بها، فخالفوهم كلهم، وقالوا في الخلية كقولهم (٥)، الذي ذكرنا في "أنت بائن"، فانظروا من خالف الجمهور؟ ! ! . وأما البرية فصح عن علي وابن عمر وزيد بن ثابت والحسن وقتادة والزهري أنها ثلاث ولا بد (٦)، وروينا عن عمر وابن عباس أنها واحدة

стр. 971

رجعية (١)، وصح عن إبراهيم النخعي أنها واحدة رجعية، وعن عطاء، أنه ينوي، وعن أصحاب ابن مسعود أيضًا كذلك، وهو قول الشعبي (٢)، والشافعي، وعن عمرو بن دينار أنها واحدة فقط إن نوي الطلاق، فإن لم ينو طلاقًا، فليست بشيء وعن ربيعة مثل قوله في الخلية، [فخالفوهم، وقالوا فيها: كقولهم في الخلية] (٣)، فانظروا من خالف الجمهور؟ ! ! وأما: "حبلك على غاربك فروينا أن عمر استجلب قائلها من الكوفة إلى مكة، وأحلفه بين الركن والمقام على نيته، ثم ألزمه ما نوى، وأن عليا وافقه على ذلك (٤)، ما يذكر فيها غير هذا، ألّا إن ابن مسعود توقف فيها فقط فخالف الحنيفيون من ذكرنا، فلم

стр. 972

يروا أن يستجلب فيها، ولا أن يستحلف وقالوا: ينوى بكل حال، فإن نوى ثلاثًا فهي ثلاث، وإن لم ينو طلاقًا فليست بشيء، وإن نوى طلاقًا دون عدد أو اثنتين رجعيتين، أو بائنتين، أو واحدة رجعية، أو بائنة، فهي واحدة بائنة فقط ولا بد (١). وأما: "التحريم، فروينا عن علي بن أبي طالب - ولا يصح عنه - (٢) وعن زيد بن ثابت وابن عمر، وصح عنهما (٣)، وعن الحكم بن عتيبة - ولم يصح عنه - وعن الحسن البصري - وصح عنه أنه ثلاث (٤)، وصح عن علي وعن طائفة من أصحاب النبي ﷺ (٥) أنه تحريم فقط، دون أن يجعلوا له حكم الطلاق (٦)، وصح هذا نصًا عن الحسن، وخلاس بن عمرو، وجابر بن زيد، وقتادة (٧)، وروينا عن ابن مسعود: إن نوى

стр. 973

طلاقًا، فهو طلاق، وإلّا فهي يمين (١)، وهو قول الحسن وطاووس، وعن إبراهيم النخعي (٢)، وأصحاب ابن مسعود: هو ما نوى، وهو قول الزهري (٣). وروينا عن عمر بن الخطاب هو طلقة واحدة رجعية فقط (٤)، وصح عن ابن عباس أن فيه كفارة الظهار (٥)، وهو قول أبي قلابة (٦)، وسعيد بن جبير (٧)، ووهب بن منبه (٨) وبه يقول

стр. 974

عثمان البتي (١) وأحمد (٢)، وصح عن مجاهد أنه قال: "فيه كفارة الظهار، فإن لم يجد أَجْزَأَهُ أن يطعم عشرة مساكين". ورويناه عن عمر بن الخطاب وأبي بكر، وعائشة أم المؤمنين، وصح عن عبد الله بن عمر، وعن زيد بن ثابت وابن عباس (٣). وروينا عن ابن عباس أنه يمين فيه كفارة يمين فقط (٤)، وهو قول مطرف بن عبد الله بن الشخير (٥)، وعطاء ومكحول وقتادة والحسن

стр. 975

وسعيد بن المسيب، والشعبي، وجابر بن زيد وسعيد [بن جبير] (١)، وسليمان بن يسار، ونافع مولى ابن عمر، وطاووس، والأوزاعي وأبي ثور (٢). وروينا عن علي أنه توقف فيها فلم يفت فيها بشيء (٣)، وصح عن ابن عباس ومسروق وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وحميد بن عبد الرحمن الحميري (٤)، أنه لا شيء (٥)، ولا يجب بذلك شيء،

стр. 976

وهو قولنا فخالفوهم كلهم، وقالوا إن نوى يمينًا فهي يمين، وإن لم ينو شيئًا فهو إيلاء، وله حكم الإيلاء، فإن نوى طلاقًا، فإن نوى ثلاثًا فهي ثلاث، وإن نوى أقل، أو لم ينو عددًا فهي طلقة واحدة بائنة فقط ولابد، فانظروا من خالف الجمهور بالدعاوى الكاذبة؟ ! ! (١). وأما "التخيير"، فروينا إن اختارت زوجها، فليس هاهنا طلاق عن جماعة، وهو قول الحنيفيين وقولنا، وروينا إن اختارت زوجها فهي طلقة واحدة رجعية، عن زيد بن ثابت (٢)، صح ذلك عنه، وعن علي بن أبي طالب أيضًا (٣)، وعن جماعة من الصحابة لم يسموا، وهو

стр. 977

قول الحسن (١) وقتادة. فإن اختارت نفسها، فروينا عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وزيد بن ثابت في أحد قوليهما أنها طلقة رجعية واحدة (٢)، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد وقتادة، وعن ابن مسعود وجابر بن عبد الله أنها طلقة واحدة، ولا ندري أَرَجْعِيَّة أم بائنة؟ (٣). وعن علي بن أبي طالب ﵁ (٤) أنها طلقة بائنة واحدة، وهو الأشهر عنه (٥)، وعن زيد بن ثابت (٦)، وعن جماعة من الصحابة لم يسموا:

стр. 978

"أنها ثلاث" رروينا عن ابن عمر أنه لا يلزمه في التخيير إلا ما نوى، وهو مصدق في ذلك اليمين (١). وصح عن ابن عباس وعائشة أم المؤمنين، وعثمان بن عفان، وابن مسعود أنه ليس كل ذلك بشيء، ولا يقع به طلاق أصلًا (٢). روينا من طريق أبي عبيد، حدثنا أبو بكر بن عياش (٣)، حدثنا حبيب بن أبي ثابت (٤)، أن رجلًا جعل أمر امرأة له بيد امرأة له

стр. 979

أخرى، فطلقتها، قال أحسبه: ثلاثا، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فأبانها منه، فمروا بعبد الله بن مسعود فسألوه فذهب بهم إلى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء، ولم يجعل النساء قوامات على الرجال، فقال له عمر ﵁ (١): فما ترى؟ قال أرى أنها امرأته، فقال عمر: "وأنا أرى ذلك، فجعلها واحدة" (٢). قال أبو محمد رحمه الله تعالى (٣): يمكن أن يكون عمر ﵁ (٤) أمضى قضاءه في ذلك، وردها إليه، وإلّا فاتفاقه مع ابن مسعود على أنها امرأته، وإبطال حكمها كاف في ذلك (٥). ومن طريق أبي عبيد، حدثنا عبد الغفار بن داود (٦)، عن ابن لهيعة (٧)،

стр. 980

عن يزيد بن أبي حبيب (١) أن "رميسة (٢) الفراسية كانت تحت محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فَمَلَّكَهَا أمرها، فقالت: أنت طالق ثلاث مرات، فقال عثمان بن عفان: أخطأت لا طلاق لها، إن المرأة لا تطلق" (٣) ومن طريق البخاري، حدثنا مسدد، حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر الشعبي عن مسروق أنه قال: "سألت عائشة أم المؤمنين عن الخيرة، فقلت: خيرنا رسول الله ﵇، أفكان طلاقًا ... ؟ " (٤). ومن طريق عبد الرزاق، حدثنا ابن جريج، أخبرنا عطاء، وأبو الزبير أن مجاهدًا أخبره، ثم اتَّفَقَ عطاء ومجاهد كلاهما عن ابن عباس أن رجلًا سأله فقال: إني ملكت امرأتي أمرها فطلقتني ثلاثًا، فقال: ابن عباس خَطَّأَ اللهُ نَوْءَهَا، إنما الطلاق لك عليها، وليس لها عليك" (٥).

стр. 981

وممن قال: إن التخيير والتمليك سواء، عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت (١). ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج قلت لعبد الله بن طاووس: "كيف كان أبوك يقول في رجل ملَّكَ امرأته أمرها، أتملك أن تطلق نفسها، فقال: لا، كان يقول: ليس إلى النساء طلاق" (٢). فإن قيل: قد روي عن ابن عباس: "لو قالت أنا طالق للزمه، قلنا: إنما روى ذلك عنه عمرو بن دينار، والحكم بن عتيبة، ومنصور بن المعتمر وهو الذي انفرد بهذه اللفظة. وأما الآخران فإنما قالا: (٣) إلا قالت أنا طالق فقط وكل من ذكرنا، فلم يسمع من ابن عباس كلمة إلا عمرو بن دينار فسمع منه، وليس هذا مما سمع منه، والذي ذكرنا نحن

стр. 982

عن ابن عباس مسموع منه يقينا (١)، وقد حدثنا محمد بن سعيد بن نبات حدثنا إسماعيل بن إسحاق البصري (٢)، حدثنا عيسى بن حبيب حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ حدثنا جدي محمد بن عبد الله (٣) عن (٤) سفيان بن عيينة حدثنا عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عمن جعل أمر امرأته بيدها، فقالت: "أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق". فقال ابن عباس: "خَطَّأَ الله نَوْءَهَا، ولا أدري ما الخيار؟ " (٥).

стр. 983

فهذا هو المسموع من ابن عباس، فخالفوا كل هذا إلى قول سخيف طويل، وقطعوا بأنها إن اختارت نفسها، فقال هو لم أرد الطلاق صُدِّقَ، إلّا أن يكون في ذلك طلاق، فلا يصدق، وهي طالق طلقة واحدة بائنة، لا أكثر، سواء نوى بذلك ثلاثا، أو اثنتين، أو واحدة، نوى بذلك أن تكون رجعية، أو لم ينو، وهذا خلاف قول كل صاحب وتابع روي عنه في هذا كلمة، فانظروا من المُخَالف للجمهور؟ ! ! (١).

стр. 984

وأما: "قد وهبتك لأهلك"، فصح عن علي بن أبي طالب، وعن طائفة من أصحاب رسول الله ﷺ (١) لم يسموا إن قبلوها، فطلقة واحدة بائنة وإن ردوها فطلقة واحدة رجعية (٢)، وهو قول إبراهيم (٣)، وصح أيضًا عن علي: "إن قبلوها فواحدة، وإن لم يقبلوها، فليس بشيء"، وروي أيضا عن إبراهيم هذا القول (٤). ومن طريق ابن مسعود: "إن قبلوها فواحدة، وإن لم يقبلوها، فليس بشيء" (٥) وهو قول عطاء، وعن الزهري، ومسروق ومكحول: "إن قبلوها فواحدة رجعية، وان لم يقبلوها، فليس بشيء" (٦). ومن طريق إبراهيم: كانوا يقولون في الموهوبة هي طلقة (٧).

стр. 985

وعن زيد بن ثابت، والحسن البصري: "إن قبلوها، فهي طالق ثلاثًا، وإن ردوها، فهي طالق واحدة رجعية" (١). وعن ربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري وأبي الزناد: "قبلوها أو ردوها، هي طالق ثلاثًا" (٢). وقال فيها أبو حنيفة قَوْلًا مخالفًا لهؤلاء كلهم، إلّا أنَّه في نهاية السخف والطول، سنذكره إن شاء الله تعالى في ذكرنا لطوام أقواله بَابًا بَابًا، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم (٣).
следующие страницы →