← Фикх общий

Фикх общий · id 3485

حسن الأسوة بما ثبت من الله ورسوله في النسوة

صديق حسن خان

Полный текст (575 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

إِنَّمَا صرحت بذلك لِأَنَّهَا علمت أَنه لَا ملامة عَلَيْهَا مِنْهُنَّ حِينَئِذٍ ﴿وَلَئِن لم يفعل مَا آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين﴾ قالته كاشفة لجلباب الْحَيَاة هاتكة لستر العفاف (هر كجا سُلْطَان عشق آمد نماند ... قوت بازوي تقوى رامحل) قَالَ يُوسُف ﵇ ﴿رب السجْن أحب إِلَيّ مِمَّا يدعونني إِلَيْهِ وَإِلَّا تصرف عني كيدهن أصب إلَيْهِنَّ﴾ أَي أمل وأطاوعهن من صبا يصبو إِذا مَال واشتاق وَمِنْه قَول الشَّاعِر (إِلَى هِنْد صبا قلبِي ... وَهِنْد حبها يصبي) ﴿وأكن من الْجَاهِلين﴾ أَي مِمَّن يجهل مَا يحرم ارتكابه وَيقدم عَلَيْهِ أَو مِمَّن يعْمل عمل الْجُهَّال أَو مِمَّن يسْتَحق صفة الذَّم بِالْجَهْلِ وَفِيه أَن من ارْتكب ذَنبا إِنَّمَا يرتكبه عَن جَهَالَة ٧٩ - بَاب مَا نزل فِي تبين الْحق بعد خفائه ﴿وَقَالَ الْملك ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُول قَالَ ارْجع إِلَى رَبك فَاسْأَلْهُ مَا بَال النسْوَة اللَّاتِي قطعن أَيْدِيهنَّ إِن رَبِّي بكيدهن عليم قَالَ مَا خطبكن إِذْ راودتن يُوسُف عَن نَفسه قُلْنَ حاش لله مَا علمنَا عَلَيْهِ من سوء قَالَت امْرَأَة الْعَزِيز الْآن حصحص الْحق أَنا راودته عَن نَفسه وَإنَّهُ لمن الصَّادِقين ذَلِك ليعلم أَنِّي لم أخنه بِالْغَيْبِ وَأَن الله لَا يهدي كيد الخائنين﴾

стр. 107

قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالَ الْملك ائْتُونِي بِهِ﴾ أَي بِيُوسُف ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُول قَالَ ارْجع إِلَى رَبك فَاسْأَلْهُ مَا بَال النسْوَة اللَّاتِي قطعن أَيْدِيهنَّ إِن رَبِّي بكيدهن عليم قَالَ مَا خطبكن إِذْ راودتن يُوسُف عَن نَفسه قُلْنَ حاش لله مَا علمنَا عَلَيْهِ من سوء﴾ فَلَمَّا علمت زليخا أَن هَذِه المناقشات إِنَّمَا هِيَ بِسَبَبِهَا كشفت الغطاء وصرحت بِمَا هُوَ الْوَاقِع ﴿قَالَت امْرَأَة الْعَزِيز الْآن حصحص الْحق﴾ أَي تبين وَظهر بعد خفائه ﴿أَنا راودته عَن نَفسه وَإنَّهُ لمن الصَّادِقين﴾ فِيمَا قَالَه من تَنْزِيه نَفسه وَنسبَة المراودة إِلَيْهَا ﴿ذَلِك ليعلم أَنِّي لم أخنه بِالْغَيْبِ وَأَن الله لَا يهدي كيد الخائنين﴾ والقصة بِتَمَامِهَا فِي كتب التفاسير ٨٠ - بَاب مَا نزل فِي علم الله بِحمْل الْأُنْثَى ونقصه وزيادته ﴿الله يعلم مَا تحمل كل أُنْثَى وَمَا تغيض الْأَرْحَام وَمَا تزداد﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الرَّعْد ﴿الله يعلم مَا تحمل كل أُنْثَى﴾ أَي فِي بَطنهَا من علقَة أَو مُضْغَة أَو ذكر أَو أُنْثَى أَو صبيح أَو قَبِيح أَو سعيد أَو شقي أَو طَوِيل أَو قصير أَو تَامّ أَو نَاقص ﴿وَمَا تغيض الْأَرْحَام وَمَا تزداد﴾ الغيض النَّقْص وَعَلِيهِ أَكثر الْمُفَسّرين قيل المُرَاد نقص خلقَة الْحمل وزيادته كنقص أصْبع أَو زيادتها وَقيل نقص الْحمل عَن تِسْعَة أشهر أَو زيادتها وَقيل إِذا حَاضَت الْمَرْأَة فِي حَال حملهَا كَانَ ذَلِك نقصا فِي وَلَدهَا وَإِذا لم تَحض يزْدَاد الْوَلَد وينمو وَقيل نقص الدَّم وزيادته وَقيل نُقْصَان الْغذَاء زِيَادَة فِي مُدَّة الْحمل وَقيل الغيض السقط وَالزِّيَادَة التَّمام وَذَلِكَ أَن من النِّسَاء من تحمل عشرَة أشهر ومنهن

стр. 108

من تحمل تِسْعَة أشهر وَمُدَّة الْحمل أَكْثَرهَا عِنْد قوم سنتَانِ وَقيل أَربع سِنِين وَقيل خمس سِنِين وأقلها سِتَّة أشهر وَقد يُولد لهَذِهِ الْمدَّة ويعيش وَالْآيَة الشَّرِيفَة مسوقة لبَيَان إحاطته سُبْحَانَهُ بِالْعلمِ وَعلمه بِالْغَيْبِ الَّذِي هَذِه الْأُمُور مِنْهُ وَالله أعلم ٨١ - بَاب مَا نزل فِي الْأزْوَاج الصَّالِحَات من بِشَارَة الْجنَّة ﴿جنَّات عدن يدْخلُونَهَا وَمن صلح من آبَائِهِم وأزواجهم﴾ قَالَ تَعَالَى فِي حق الصابرين المقيمين الصَّلَاة المنفقين سرا وَعَلَانِيَة الدافعين السَّيئَة بِالْحَسَنَة إِن لَهُم ﴿جنَّات عدن يدْخلُونَهَا وَمن صلح من آبَائِهِم وأزواجهم﴾ اللَّاتِي متن فِي عصمتهم وذرياتهم وَذكر الصّلاح دَلِيل على أَنه لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا من كَانَ كَذَلِك وَلَا ينفع مُجَرّد كَونه مِنْهُم بِدُونِ صَلَاح ٨٢ - بَاب مَا نزل فِي كَون الْأزْوَاج للرسل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام ﴿وَلَقَد أرسلنَا رسلًا من قبلك وَجَعَلنَا لَهُم أَزْوَاجًا وذرية﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد أرسلنَا رسلًا من قبلك وَجَعَلنَا لَهُم أَزْوَاجًا وذرية﴾ أَي لَهُم أَزوَاج من النِّسَاء وَلَهُم ذُرِّيَّة تَوَالَدُوا مِنْهُم وَمن أَزوَاجهم وَفِي هَذَا رد على من كَانَ يُنكر على رَسُول الله ﷺ تزَوجه بِالنسَاء أَي إِن هَذَا شَأْن رسل الله الْمُرْسلين قبل هَذَا الرَّسُول فَمَا بالكم تنكرون عَلَيْهِ مَا كَانُوا

стр. 109

عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قد كَانَ لِسُلَيْمَان ثَلَاثمِائَة امْرَأَة وَسَبْعمائة سَرِيَّة فَلم يقْدَح ذَلِك فِي نبوته وَكَانَ لِأَبِيهِ دَاوُد مائَة امْرَأَة وَكَانُوا ينْكحُونَ ويأكلون وَيَشْرَبُونَ فَكيف يَجْعَل هَذَا قادحا فِي نبوته ﷺ وَعَن الْحسن عَن سَمُرَة قَالَ نهى رَسُول الله ﷺ عَن التبتل أخرجه ابْن مَاجَه وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَعَن سعد بن هِشَام قَالَ دخلت على عَائِشَة وَقلت إِنِّي أُرِيد أَن أتبتل قَالَت لَا تفعل أما سَمِعت الله يَقُول ﴿وَلَقَد أرسلنَا رسلًا﴾ الْآيَة أخرجه ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَقد ورد من النَّهْي عَن التبتل وَالتَّرْغِيب فِي النِّكَاح مَا هُوَ مَعْرُوف وَقد كَانَ لرَسُول الله ﷺ سَبْعَة أَوْلَاد أَربع إناث وَثَلَاثَة ذُكُور وَكَانُوا فِي الْولادَة على هَذَا التَّرْتِيب الْقَاسِم فزينب فرقية ففاطمة فَأم كُلْثُوم فعبد الله ويلقب بالطيب والطاهر فإبراهيم وَكلهمْ من خَدِيجَة إِلَّا إِبْرَاهِيم فَمن مَارِيَة الْقبْطِيَّة وماتوا جَمِيعًا فِي حَيَاته ﷺ إِلَّا فَاطِمَة فَإِنَّهَا عاشت بعده سِتَّة أشهر ٨٣ - بَاب مَا نزل فِي دُعَاء الْأَبَوَيْنِ ﴿رَبنَا اغْفِر لي ولوالدي وَلِلْمُؤْمنِينَ يَوْم يقوم الْحساب﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة إِبْرَاهِيم ﵇ ﴿رَبنَا اغْفِر لي ولوالدي وَلِلْمُؤْمنِينَ يَوْم يقوم الْحساب﴾ فِيهِ مَشْرُوعِيَّة الدُّعَاء لِلْأَبَوَيْنِ ولغيرهم من أهل الْأَيْمَان وَأحد الْأَبَوَيْنِ هُوَ الْمَرْأَة وَأَن الدُّعَاء لَهما من خِصَال الْأَنْبِيَاء وهديهم فغيرهم أولى بذلك وَفِي الحَدِيث أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ رَوَاهُ مُسلم بِطُولِهِ عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ

стр. 110

٨٤ - بَاب مَا نزل فِي امْرَأَة لوط ﵇ ﴿إِلَّا آل لوط إِنَّا لمنجوهم أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَته قَدرنَا إِنَّهَا لمن الغابرين﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْحجر فِي قصَّة لوط ﵇ فَقَالُوا ﴿إِنَّا لمنجوهم﴾ أَي آل لوط ﴿أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَته قَدرنَا إِنَّهَا لمن الغابرين﴾ أَي البَاقِينَ فِي الْعَذَاب مَعَ الْكَفَرَة وَقد تقدم مثله فِيمَا سبق وَفِيه أَنه قد تكون امْرَأَة النَّبِي كَافِرَة وبعلها رَسُول من الله وَفِي هَذَا عِبْرَة لمن اعْتبر وَتَذْكِرَة لمن تذكر ٨٥ - بَاب مَا نزل فِي تَزْوِيج الْبَنَات ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِن كُنْتُم فاعلين لعمرك إِنَّهُم لفي سكرتهم يعمهون﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿قَالَ﴾ أَي لوط ﵇ ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ فتزوجوهن حَلَالا إِن أسلمتم وَلَا ترتكبوا الْحَرَام وَتقدم تَفْسِير هَذَا فِي هود ﴿إِن كُنْتُم فاعلين﴾ مَا عزمتم عَلَيْهِ من فعل الْفَاحِشَة بضيفي وَمَا آمركُم بِهِ ﴿لعمرك إِنَّهُم لفي سكرتهم يعمهون﴾ هَذَا قسم مِنْهُ ﷻ بِمدَّة حَيَاة مُحَمَّد ﷺ بِاتِّفَاق أهل التَّفْسِير وإجماعهم تَشْرِيفًا لَهُ

стр. 111

وَلم يقسم بحياة أحد غَيره لِأَنَّهُ أكْرم الْبَريَّة عِنْده وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا حلف الله بحياة أحد إِلَّا بحياة مُحَمَّد قَالَ) لعمرك) الْآيَة أخرجه ابْن مرْدَوَيْه كَذَا فِي الدّرّ المنثور للسيوطي ﵀ ٨٦ بَاب مَا نزل فِي جعل الْبَنَات لله تَعَالَى ﴿ويجعلون لله الْبَنَات سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَا يشتهون﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة النَّحْل ﴿ويجعلون لله الْبَنَات﴾ وَقد كَانَت خُزَاعَة وكنانة تَقول الْمَلَائِكَة بَنَات الله ﴿سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَا يشتهون﴾ نزه نَفسه عَمَّا نسبه إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ وَإِنَّهُم يجْعَلُونَ لأَنْفُسِهِمْ مَا يشتهونه من الْبَنِينَ ٨٧ - بَاب مَا نزل فِي اسوداد الْوَجْه من ولادَة الْأُنْثَى ﴿وَإِذا بشر أحدهم بِالْأُنْثَى ظلّ وَجهه مسودا وَهُوَ كظيم يتَوَارَى من الْقَوْم من سوء مَا بشر بِهِ أيمسكه على هون أم يدسه فِي التُّرَاب أَلا سَاءَ مَا يحكمون﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا بشر أحدهم بِالْأُنْثَى﴾ أَي أخبر بِوِلَادَة بنت لَهُ ﴿ظلّ وَجهه مسودا﴾ أَي صَار متغيرا من الْغم والحزن والغيظ وَالْكَرَاهَة ﴿وَهُوَ كظيم﴾ أَي ممتليء من الْغم غيظا وحنقا ﴿يتَوَارَى من الْقَوْم من سوء مَا بشر بِهِ﴾ وسوءها من حَيْثُ كَونهَا يخَاف

стр. 112

عَلَيْهَا الزِّنَا وَمن حَيْثُ كَونهَا لَا تكتسب وَغير ذَلِك ﴿أيمسكه على هون﴾ أَي هوان أَو بلَاء ومشقة أَو سوء ﴿أم يدسه فِي التُّرَاب﴾ أَي يخفيه فِيهِ بالوأد كَمَا كَانَت تَفْعَلهُ الْعَرَب ﴿أَلا سَاءَ مَا يحكمون﴾ حَيْثُ أضافوا الْبَنَات الَّتِي يكرهونها إِلَى الله سُبْحَانَهُ وأضافوا الْبَنِينَ المحبوبين عِنْدهم إِلَى أنفسهم قَالَ السّديّ بئس مَا حكمُوا بقول شَيْء لَا يرضونه لأَنْفُسِهِمْ فَكيف يرضونه لله تَعَالَى ٨٨ - بَاب مَا نزل فِي امتنان الله على عباده بِأَن جعل أَزوَاجهم من أنفسهم وَجعل لَهُم من أَزوَاجهم بَنِينَ وحفدة ﴿وَالله جعل لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا وَجعل لكم من أزواجكم بَنِينَ وحفدة﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالله جعل لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ يَعْنِي النِّسَاء فَإِن حَوَّاء خلقت من ضلع آدم ﵇ وَالْمعْنَى خلق لكم من جنسكم أَزْوَاجًا لتستأنسوا بهَا لِأَن الْجِنْس يأنس إِلَى جنسه ويستوحش من غير جنسه وبسبب هَذِه الأنسة يَقع بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء مَا هُوَ سَبَب النَّسْل ﴿وَجعل لكم من أزواجكم بَنِينَ وحفدة﴾ جمع حافد وَالْمرَاد أَوْلَاد الْأَوْلَاد قَالَ ابْن عَبَّاس الْحَفِيد ولد الابْن ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى وَولد الْبِنْت كَذَلِك وتخصيصه بِالذكر وَتَخْصِيص ولد الْأُنْثَى بالسبط عرف طَارِئ على أصل اللُّغَة وَقيل الحفدة الْأخْتَان قَالَه ابْن مَسْعُود وَغَيره وَقيل الأصهار وَقَالَ الْأَصْمَعِي الختن من كَانَ من قبل الْمَرْأَة كابنها وأخيها وَمَا أشبههما والأصهار مِنْهُمَا جَمِيعًا وَقيل هم أَوْلَاد امْرَأَة الرجل من

стр. 113

غَيره وَقيل أَوْلَاد الرجل الَّذين يخدمونه وَقيل الْبَنَات الخادمات لأبيهن وكل هَذِه الْأَقْوَال مُتَقَارِبَة لِأَن اللَّفْظ يحْتَمل الْكل بِحَسب الْمَعْنى الْمُشْتَرك وَرجح كثير من الْعلمَاء أَنهم أَوْلَاد الْأَوْلَاد لِأَن الله سُبْحَانَهُ امتن على عباده بِأَن جعل لَهُم من الْأزْوَاج بَنِينَ وحفدة فالحفدة فِي الظَّاهِر عطف على الْبَنِينَ وَالله أعلم ٨٩ - بَاب مَا نزل فِي الْإِخْرَاج من بطُون الْأُمَّهَات ﴿وَالله أخرجكم من بطُون أُمَّهَاتكُم لَا تعلمُونَ شَيْئا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالله أخرجكم من بطُون أُمَّهَاتكُم لَا تعلمُونَ شَيْئا﴾ عطف على قَوْله ﴿وَالله جعل لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا﴾ مُنْتَظم مَعَه فِي سلك أَدِلَّة التَّوْحِيد أَي أخرجكم من بطُون أُمَّهَاتكُم أطفالا لَا علم لكم بِشَيْء من منافعكم ٩٠ - بَاب مَا نزل فِي طيب حَيَاة الْأُنْثَى العاملة عملا صَالحا ﴿من عمل صَالحا من ذكر أَو أُنْثَى وَهُوَ مُؤمن فلنحيينه حَيَاة طيبَة ولنجزينهم أجرهم بِأَحْسَن مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿من عمل صَالحا من ذكر أَو أُنْثَى وَهُوَ مُؤمن فلنحيينه حَيَاة طيبَة﴾ وَقد وَقع الْخلاف فِي الْحَيَاة الطّيبَة بِمَاذَا تكون فَقيل بالرزق الْحَلَال هُنَا وَالْجَزَاء الْحسن هُنَاكَ وَقيل بالقناعة وَقيل بِالْكَسْبِ الطّيب الْعَمَل الصَّالح وَقيل هِيَ حَيَاة الْجنَّة وَقيل السَّعَادَة وَقيل الْمعرفَة بِاللَّه

стр. 114

وَقيل حلاوة الطَّاعَة وَقيل الْعَيْش فِي الطَّاعَة وَقيل رزق يَوْم بِيَوْم وَقيل إِنَّمَا هِيَ تحصل فِي الْقَبْر لِأَن الْمُؤمن يستريح بِالْمَوْتِ من هَذِه الدُّنْيَا وتعبها وَقيل هِيَ أَن ينْزع عَن العَبْد تَدْبِير نَفسه وَيرد تَدْبيره إِلَى الْحق وَقيل هِيَ الإستغناء عَن الْخلق والإفتقار إِلَى الْحق وَاللَّفْظ أوسع من ذَلِك وَلَا مَانع من إِرَادَة الْكل وَأكْثر الْمُفَسّرين على أَن الْحَيَاة الطّيبَة هِيَ فِي الدُّنْيَا لَا فِي الْآخِرَة لِأَن حَيَاة الْآخِرَة ذكرت بقوله ﴿ولنجزينهم أجرهم بِأَحْسَن مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ وعَلى كل حَال فَفِي الْآيَة بِشَارَة للذّكر وَالْأُنْثَى إِذا كَانَا مُؤمنين ٩١ - بَاب مَا نزل فِي الْإِحْسَان إِلَى الْوَالِدين وَنهي الْوَلَد عَن زجر الْوَالِد ﴿وَقضى رَبك أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه وبالوالدين إحسانا إِمَّا يبلغن عنْدك الْكبر أَحدهمَا أَو كِلَاهُمَا فَلَا تقل لَهما أُفٍّ وَلَا تنهرهما وَقل لَهما قولا كَرِيمًا واخفض لَهما جنَاح الذل من الرَّحْمَة وَقل رب ارحمهما كَمَا ربياني صَغِيرا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَقضى رَبك أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه﴾ أَي أَمر أمرا جزما وَحكما قَاطعا وحتما مبرما وَفِيه وجوب عبَادَة الله وَالْمَنْع من عبَادَة غَيره وَهَذَا هُوَ الْحق ثمَّ أردفه بِالْأَمر ببر الْوَالِدين وَأَحَدهمَا أُنْثَى فَقَالَ ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ أَي وَقضى بِأَن تحسنوا أَو أَحْسنُوا إِلَيْهِمَا وبروهما قيل وَجه ذكر الْإِحْسَان إِلَى الْوَالِدين بعد عبَادَة الله سُبْحَانَهُ أَنَّهُمَا السَّبَب الظَّاهِر فِي وجود الْمُتَوَلد مِنْهُمَا وَفِي جعل الْإِحْسَان إِلَى الْأَبَوَيْنِ قَرِيبا لتوحيد الله وعبادته من الإعلان بتأكد حَقّهمَا والعناية بشأنهما مَا لَا يخفى وَهَكَذَا جعل

стр. 115

سُبْحَانَهُ فِي آيَة أُخْرَى شكرهما مقترنا بشكره فَقَالَ ﴿أَن اشكر لي ولوالديك﴾ سُورَة لُقْمَان ﴿إِمَّا يبلغن عنْدك الْكبر أَحدهمَا أَو كِلَاهُمَا﴾ معنى عنْدك أَن يَكُونَا فِي كنفك وكفالتك ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ أَي فِي حالتي الِاجْتِمَاع والانفراد وَعَن الْحُسَيْن ابْن عَليّ ﵄ مَرْفُوعا لَو علم الله شَيْئا من العقوق أدنى من أُفٍّ لحرمه وَقَالَ مُجَاهِد لَا تقل لَهما أُفٍّ لما تميط عَنْهُمَا من الْأَذَى أَي الْخَلَاء وَالْبَوْل كَمَا كَانَا لَا يقولانه حِين كَانَا يميطان عَنْك الْخَلَاء وَالْبَوْل وَفِي أُفٍّ أَرْبَعُونَ لُغَة مِثَاله السمين وَهُوَ اسْم فعل يُنبئ عَن التضجر والاستثقال لَهما ﴿وَلَا تنهرهما﴾ أَي لَا تزجرهما عَمَّا يتعاطيانه مِمَّا لَا يُعْجِبك وَالنَّهْي وَالنّهر والنهم أَخَوَات بِمَعْنى الزّجر والغلظة قَالَ الزّجاج مَعْنَاهُ لَا تكلمهما ضجرا صائحا فِي وُجُوههمَا ﴿وَقل لَهما قولا كَرِيمًا﴾ لطيفا لينًا جميلا سهلا أحسن مَا يُمكن التَّعْبِير عَنهُ من لطف القَوْل وكرامته مَعَ حسن الْأَدَب وَالْحيَاء والاحتشام قَالَ مُحَمَّد بن زبير يَعْنِي إِذا دعواك فَقل لبيكما وسعديكما وَقيل هُوَ أَن يَقُول يَا أُمَّاهُ يَا أبتاه وَلَا يدعوهما بأسمائهما وَلَا يكنيهما ﴿واخفض لَهما جنَاح الذل﴾ قَالَ سعيد بن جُبَير أَي إخضع لوالديك كَمَا يخضع العَبْد للسَّيِّد الْفظ الغيلظ ﴿من الرَّحْمَة﴾ أَي من أجل فرط الشَّفَقَة والعطف عَلَيْهِمَا لكبرهما وافتقارهما لمن كَانَ أفقر خلق الله إِلَيْهِمَا بالْأَمْس ﴿وَقل رب ارحمهما﴾ أَي وادع الله لَهما وَلَو خمس مَرَّات فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة أَن يرحمهما برحمته الْبَاقِيَة الدائمة وَأَرَادَ بِهِ إِذا كَانَا مُسلمين ﴿كَمَا ربياني صَغِيرا﴾ أَي رَحْمَة مثل تربيتهما لي

стр. 116

وَلَقَد بَالغ سُبْحَانَهُ بالوالدين مُبَالغَة تقشعر مِنْهَا جُلُود أهل التَّقْوَى وتقف عِنْدهَا شُعُورهمْ حَيْثُ افتتحها بِالْأَمر بتوحيده وعبادته ثمَّ شفعه بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا ثمَّ ضيق الْأَمر فِي مراعاتهما حَتَّى لم يرخص فِي أدنى كلمة تَنْفَلِت من المتضجر مَعَ مُوجبَات الضجر وَمَعَ أَحْوَال لَا يكَاد يصبر الْإِنْسَان مَعهَا وَأَن يذل ويخضع لَهما ثمَّ ختم بِالْأَمر بِالدُّعَاءِ لَهما والترحم عَلَيْهِمَا فَهَذِهِ خَمْسَة أَشْيَاء كلف الْإِنْسَان بهَا فِي حق الْوَالِدين وَقد ورد فِي بر الْوَالِدين أَحَادِيث كَثِيرَة ثَابِتَة فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا وَهِي مَعْرُوفَة فِي كتب الحَدِيث ٩٢ - بَاب مَا نزل فِي النَّهْي عَن الزِّنَى ﴿وَلَا تقربُوا الزِّنَى إِنَّه كَانَ فَاحِشَة وساء سَبِيلا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تقربُوا الزِّنَى إِنَّه كَانَ فَاحِشَة﴾ أَي قبيحا بَالغا فِي الْقبْح مجاوزا للحد شرعا وعقلا ﴿وساء سَبِيلا﴾ أَي بئس طَرِيقا طَرِيقه وَذَلِكَ أَنه يُؤَدِّي إِلَى النَّار وَلَا خلاف فِي كَونه من كَبَائِر الذُّنُوب وَقد ورد فِي تقبيحه والتنفير عَنهُ من الْأَدِلَّة مَا هُوَ مَعْلُوم وَهُوَ يشْتَمل على أَنْوَاع من الْمَفَاسِد مِنْهَا الْمعْصِيَة وَإِيجَاب الْحَد على نَفسه وَمِنْهَا اخْتِلَاط الْأَنْسَاب فَلَا يعرف الرجل ولد من هُوَ وَلَا يقوم أحد بتربيته وَذَلِكَ يُوجب ضيَاع الْأَوْلَاد وَانْقِطَاع النَّسْل وَهُوَ خراب الْعَالم وَعَن السّديّ فِي الْآيَة قَالَ يَوْم نزلت هَذِه لم تكن حُدُود فَجَاءَت بعد ذَلِك الْحُدُود فِي سُورَة النُّور والمتعة حكمهَا حكم الزِّنَى

стр. 117

٩٣ - بَاب مَا نزل فِي إهلاك الْفَاسِق لرعاية حَالَة الوالدة المؤمنة وَالْوَالِد الْمُؤمن ﴿وَأما الْغُلَام فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤمنين فَخَشِينَا أَن يرهقهما طغيانا وَكفرا﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْكَهْف ﴿وَأما الْغُلَام فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤمنين﴾ وَلم يكن هُوَ كَذَلِك ﴿فَخَشِينَا أَن يرهقهما﴾ أَن يرهق الْغُلَام أَبَوَيْهِ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ مَعْنَاهُ خشينا أَن يحملهما حبه على أَن يتبعاه فِي دينه وَهُوَ الْكفْر أَو خشينا أَن يرهق الْوَالِدين ﴿طغيانا﴾ عَلَيْهِمَا ﴿وَكفرا﴾ لنعمتهما بعقوقه وَالله أعلم ٩٤ - بَاب مَا نزل فِي أَن الله يحفظ الصَّالح والصالحة فِي أَنفسهمَا وولدهما ﴿وَكَانَ أَبوهُمَا صَالحا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَكَانَ أَبوهُمَا صَالحا﴾ فَكَانَ صَلَاحه مقتضيا لرعاية ولديه وَحفظ مَالهمَا وَظَاهر اللَّفْظ أَنه أَبوهُمَا حَقِيقَة وَقيل هُوَ الَّذِي دَفنه وَقيل هُوَ الْأَب السَّابِع من عِنْد الدافن لَهُ وَقيل الْعَاشِر وَكَانَ من الأتقياء وَفِيه مَا يدل على أَن الله يحفظ الصَّالح فِي نَفسه وَفِي وَلَده وَإِن بعدوا وَعَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله يصلح بصلاح الرجل الصَّالح وَلَده وَولد وَلَده وَأهل دويرته وَأهل دويرات حوله فَمَا يزالون فِي حفظ الله مَا دَامَ فيهم أخرجه ابْن مرْدَوَيْه وَعَن

стр. 118

ابْن عَبَّاس مثله قَالَ سعيد بن الْمسيب إِنِّي لأصلي فأذكر وَلَدي فأزيد فِي صَلَاتي وَقد روى أَن الله يحفظ الصَّالح فِي سَبْعَة من ذُريَّته وعَلى هَذَا يدل قَوْله تَعَالَى ﴿إِن وليي الله الَّذِي نزل الْكتاب وَهُوَ يتَوَلَّى الصَّالِحين﴾ سُورَة الْأَعْرَاف قَالَه الْقُرْطُبِيّ ٩٥ - بَاب مَا نزل فِي بِشَارَة زَكَرِيَّا بِيَحْيَى حَال كَونه شَيخا كَبِيرا وَامْرَأَته عاقرا ﴿وَكَانَت امْرَأَتي عاقرا﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة مَرْيَم ﴿وَكَانَت امْرَأَتي عاقرا﴾ وَهِي الَّتِي لَا تَلد لكبر سنّهَا وَالَّتِي لَا تَلد أَيْضا لغير كبر وَهِي المرادة هُنَا وَيُقَال للرجل الَّذِي لَا يلد عَاقِر أَيْضا وَكَانَ اسْم امْرَأَته أشاع بنت فاقوذ وَهِي أُخْت حنة وَهِي أم مَرْيَم فولد لأشاع يحيى ولحنة مَرْيَم وَقَالَ القتيبي هِيَ أشاع بنت عمرَان فعلى القَوْل الأول يكون يحيى بن زَكَرِيَّا ابْن خَالَة أم عِيسَى وعَلى الثَّانِي يكونَانِ ابْني خَالَة كَمَا ورد الحَدِيث الصَّحِيح ٩٦ - بَاب مَا نزل فِي بر الْوَالِدين ﴿وَبرا بِوَالِديهِ وَلم يكن جبارا عصيا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَبرا بِوَالِديهِ﴾ أَي لطيفا بهما ومحسنا إِلَيْهِمَا لِأَنَّهُ لَا عبَادَة بعد تَعْظِيم الله أعظم من برهما ﴿وَلم يكن جبارا عصيا﴾ أَي متكبرا عَاصِيا وَهَذَا وصف ليحيى ﵇ بلين الْجَانِب وخفض الْجنَاح

стр. 119

٩٧ - بَاب مَا نزل فِي ولادَة عِيسَى من مَرْيَم ﵉ وَذكر الْمَخَاض ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب مَرْيَم إِذْ انتبذت من أَهلهَا مَكَانا شرقيا فاتخذت من دونهم حِجَابا فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا فتمثل لَهَا بشرا سويا قَالَت إِنِّي أعوذ بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا قَالَ إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك لأهب لَك غُلَاما زكيا قَالَت أَنى يكون لي غُلَام وَلم يمسسني بشر وَلم أك بغيا قَالَ كَذَلِك قَالَ رَبك هُوَ عَليّ هَين ولنجعله آيَة للنَّاس وَرَحْمَة منا وَكَانَ أمرا مقضيا فَحَملته فانتبذت بِهِ مَكَانا قصيا فأجاءها الْمَخَاض إِلَى جذع النَّخْلَة قَالَت يَا لَيْتَني مت قبل هَذَا وَكنت نسيا منسيا فناداها من تحتهَا أَلا تحزني قد جعل رَبك تَحْتك سريا وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة تساقط عَلَيْك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا فإمَّا تَرين من الْبشر أحدا فَقولِي إِنِّي نذرت للرحمن صوما فَلَنْ أكلم الْيَوْم إنسيا فَأَتَت بِهِ قَومهَا تحمله قَالُوا يَا مَرْيَم لقد جِئْت شَيْئا فريا يَا أُخْت هَارُون مَا كَانَ أَبوك امْرأ سوء وَمَا كَانَت أمك بغيا فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيفَ نُكَلِّم من كَانَ فِي المهد صَبيا قَالَ إِنِّي عبد الله آتَانِي الْكتاب وَجَعَلَنِي نَبيا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْن مَا كنت وأوصاني بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة مَا دمت حَيا وَبرا بوالدتي وَلم يَجْعَلنِي جبارا شقيا وَالسَّلَام عَليّ يَوْم ولدت وَيَوْم أَمُوت وَيَوْم أبْعث حَيا ذَلِك عِيسَى ابْن مَرْيَم قَول الْحق الَّذِي فِيهِ يمترون﴾

стр. 120

قَالَ تَعَالَى ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب مَرْيَم﴾ أَي قصَّتهَا وخبرها ونبأها ﴿إِذْ انتبذت﴾ أَي تنحت وَتَبَاعَدَتْ وَقيل اعتزلت وانفردت ﴿من أَهلهَا﴾ من قَومهَا ﴿مَكَانا شرقيا﴾ أَي من جَانب الشرق ﴿فاتخذت﴾ أَي ضربت ﴿من دونهم﴾ أَي من دون أَهلهَا ﴿حِجَابا﴾ أَي حاجزا وسترا يَسْتُرهَا عَنْهُم لِئَلَّا يروها حَال الْعِبَادَة أَو حَال التطهر من الْحيض ﴿فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا﴾ هُوَ جِبْرِيل ﵇ ليبشرها بالغلام ولينفخ فِيهَا فَتحمل بِهِ ﴿فتمثل لَهَا﴾ جِبْرِيل ﵇ ﴿بشرا سويا﴾ تَاما مستوي الْخلق لم يفقد من نعوت بني آدم شَيْئا ﴿قَالَت إِنِّي أعوذ بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا﴾ مِمَّن يَتَّقِي الله ويخافه ويعامل بِمُقْتَضى التَّقْوَى وَالْإِيمَان ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك﴾ الَّذِي استعذت بِهِ ﴿لأهب لَك غُلَاما زكيا﴾ هُوَ الطَّاهِر من الذُّنُوب الَّذِي يَنْمُو على النزاهة والعفة قيل المُرَاد بالزكي النَّبِي ﴿قَالَت أَنى يكون لي غُلَام وَلم يمسسني بشر﴾ زوج بِنِكَاح (وَلم أك بغيا) فاجرة وَالْبَغي هِيَ الزَّانِيَة الَّتِي تبغي الرِّجَال تَعْنِي أَن الْوَلَد لَا يكون إِلَّا من نِكَاح أَو سفاح وَلم يكن هُنَا وَاحِد مِنْهُمَا ﴿قَالَ كَذَلِك﴾ أَي هَكَذَا من خلق غُلَام مِنْك من غير أَب ﴿قَالَ رَبك هُوَ عَليّ هَين ولنجعله آيَة للنَّاس﴾ يستدلون بهَا على كَمَال الْقُدْرَة على أَنْوَاع الْخلق فَإِن الله خلق آدم من غير ذكر وَلَا أُنْثَى وَخلق حَوَّاء من ذكر بِلَا أُنْثَى وَخلق عِيسَى من أُنْثَى بِلَا ذكر وَخلق بَقِيَّة الْخلق من ذكر وَأُنْثَى قَالَه الْكَرْخِي ﴿وَرَحْمَة﴾ عَظِيمَة كائنة ﴿منا وَكَانَ أمرا مقضيا فَحَملته فانتبذت بِهِ مَكَانا قصيا﴾ أَي اعتزلت إِلَى مَكَان بعيد ن أَهلهَا مَخَافَة اللائمة قيل حملت بِهِ سِتَّة أشهر وَذَلِكَ آيَة أُخْرَى لِأَنَّهُ لَا يعِيش من ولد لهَذِهِ الْمدَّة وَقيل سَبْعَة أشهر وَقيل تِسْعَة أشهر كحمل النِّسَاء وَقيل كَانَ الْحمل والولادة فِي سَاعَة وَاحِدَة

стр. 121

﴿فأجاءها الْمَخَاض﴾ أَي وجع الْولادَة ﴿إِلَى جذع النَّخْلَة﴾ أَي سَاقهَا الْيَابِسَة الَّتِي لَا رَأس لَهَا كَأَنَّهَا طلبت شَيْئا تستند إِلَيْهِ وتعتمد عَلَيْهِ وتتعلق بِهِ كَمَا تتَعَلَّق الْحَامِل لشدَّة وجع الطلق بِشَيْء مِمَّا تَجدهُ عِنْدهَا ﴿قَالَت يَا لَيْتَني مت قبل هَذَا وَكنت نسيا منسيا﴾ أَي شَيْئا حَقِيرًا متروكا تمنت الْمَوْت استحياء من النَّاس أَو خوفًا من الفضيحة ﴿فناداها﴾ أَي خاطبها لما سمع قَوْلهَا ﴿من تحتهَا﴾ والمنادي جِبْرِيل وَقيل عِيسَى ﴿أَلا تحزني قد جعل رَبك تَحْتك سريا﴾ أَي نَهرا صَغِيرا ﴿وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة تساقط عَلَيْك رطبا جنيا﴾ أَي طريا طيبا ﴿فكلي واشربي﴾ من الرطب وَالْمَاء ﴿وقري عينا﴾ أَي وطيبي نفسا ﴿فإمَّا تَرين من الْبشر أحدا فَقولِي إِنِّي نذرت للرحمن صوما فَلَنْ أكلم الْيَوْم إنسيا فَأَتَت بِهِ قَومهَا تحمله قَالُوا يَا مَرْيَم لقد جِئْت شَيْئا فريا﴾ عجيبا نَادرا ﴿يَا أُخْت هَارُون﴾ قيل هُوَ هَارُون أَخُو مُوسَى قيل كَانَت مَرْيَم من وَلَده وَقيل هُوَ رجل صَالح فِي ذَلِك الْوَقْت شبهت بِهِ فِي عفتها وصلاحها وَعَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة قَالَ بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ إِلَى أهل نَجْرَان فَقَالُوا أَرَأَيْت مَا تقرأون ﴿يَا أُخْت هَارُون﴾ وَهُوَ قبل عِيسَى بِكَذَا وَكَذَا سنة قَالَ فَرَجَعت فَذكرت ذَلِك لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَلا أَخْبَرتهم أَنهم كَانُوا يسمون بالأنبياء وَالصَّالِحِينَ قبلهم أخرجه أَحْمد وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَعبد بن حميد وَابْن أبي شيبَة وَغَيرهم وَهَذَا التَّفْسِير النَّبَوِيّ يُغني عَن سَائِر مَا روى عَن السّلف فِي ذَلِك ﴿مَا كَانَ أَبوك امْرأ سوء وَمَا كَانَت أمك بغيا فَأَشَارَتْ﴾ أَي مَرْيَم ﴿إِلَيْهِ﴾ أَي إِلَى عِيسَى أَن كَلمُوهُ ﴿قَالُوا كَيفَ نُكَلِّم من كَانَ فِي المهد صَبيا﴾ فَلَمَّا سمع عِيسَى كَلَامهم ترك الرَّضَاع وَأَقْبل عَلَيْهِم ﴿قَالَ إِنِّي عبد الله آتَانِي الْكتاب وَجَعَلَنِي نَبيا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْن مَا كنت وأوصاني بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة مَا دمت حَيا وَبرا بوالدتي﴾ اقْتصر على الْبر بهَا لِأَنَّهُ قد

стр. 122

علم فِي تِلْكَ الْحَال أَنه لم يكن لَهُ أَب ﴿وَلم يَجْعَلنِي جبارا شقيا وَالسَّلَام عَليّ يَوْم ولدت وَيَوْم أَمُوت وَيَوْم أبْعث حَيا ذَلِك عِيسَى ابْن مَرْيَم﴾ لَا مَا تَقوله النَّصَارَى من أَنه ابْن الله وَأَنه إِلَه ﴿قَول الْحق الَّذِي فِيهِ يمترون﴾ يَشكونَ ويختلفون ٩٨ - بَاب مَا نزل فِي الْإِتْيَان بالنَّار إِلَى الْمَرْأَة ﴿وَهل أَتَاك حَدِيث مُوسَى إِذْ رأى نَارا فَقَالَ لأَهله امكثوا إِنِّي آنست نَارا لعَلي آتيكم مِنْهَا بقبس أَو أجد على النَّار هدى﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة طه ﴿وَهل أَتَاك حَدِيث مُوسَى إِذْ رأى نَارا فَقَالَ لأَهله امكثوا﴾ المُرَاد بالأهل هُنَا امْرَأَته وَهِي بنت شُعَيْب وَاسْمهَا صفورا وَقيل صفوريا وَقيل صفوره وَاسم أُخْتهَا ليا وَقيل شرفا وَقيل عبدا وَاخْتلف فِي الَّتِي تزَوجهَا مُوسَى هَل هِيَ الصُّغْرَى أَو الْكُبْرَى ﴿إِنِّي آنست نَارا لعَلي آتيكم مِنْهَا بقبس أَو أجد على النَّار هدى﴾ أَي هاديا يهديني إِلَى الطَّرِيق ويدلني عَلَيْهَا وَكَانَ أخطأها لظلمة اللَّيْل ٩٩ - بَاب مَا نزل فِي إرجاع الْوَلَد إِلَى الوالدة ﴿إِذْ أَوْحَينَا إِلَى أمك مَا يُوحى أَن اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم فليلقه اليم بالسَّاحل﴾ ﴿إِذْ تمشي أختك فَتَقول هَل أدلكم على من يكفله فرجعناك إِلَى أمك كي تقر عينهَا وَلَا تحزن﴾

стр. 123

قَالَ تَعَالَى ﴿إِذْ أَوْحَينَا إِلَى أمك مَا يُوحى﴾ اسْمهَا يوحانذ وَالْمرَاد بِالْوَحْي الإلهام أَو الْمَنَام أَو على لِسَان نَبِي أَو ملك لَا على طَرِيق النُّبُوَّة كالوحي إِلَى مَرْيَم ﴿أَن اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم فليلقه اليم بالسَّاحل﴾ اليم هُنَا هُوَ النّيل إِلَى قَوْله ﴿إِذْ تمشي أختك﴾ وَكَانَت شقيقته وَاسْمهَا مَرْيَم ﴿فَتَقول هَل أدلكم على من يكفله﴾ وَذَلِكَ أَنَّهَا خرجت متعرفة لخبره فَوجدت فِرْعَوْن وَامْرَأَته آسيا يطلبان لَهُ مُرْضِعَة فَقَالَت لَهما هَذَا القَوْل وَكَانَت أمه قد أَرْضَعَتْه ثَلَاثَة أشهر وَقيل أَرْبَعَة قبل إلقائه فِي اليم فَقَالَا لَهَا وَمن هُوَ قَالَت أُمِّي فَقَالَا هَل لَهَا لبن قَالَت نعم لبن أخي هَارُون أكبر من مُوسَى بِسنة وَقيل بِأَكْثَرَ فَجَاءَت الْأُم فَقبل ثديها وَكَانَ لَا يقبل ثدي مُرْضِعَة غَيرهَا وَهَذَا هُوَ معنى ﴿فرجعناك إِلَى أمك كي تقر عينهَا وَلَا تحزن﴾ حِينَئِذٍ أَي لَا يحصل لَهَا مَا يكدر ذَلِك السرُور من الْحزن بِسَبَب من الْأَسْبَاب ١٠٠ - بَاب مَا نزل فِي بَدو سوأة الْمَرْأَة ﴿فأكلا مِنْهَا فبدت لَهما سوآتهما وطفقا يخصفان عَلَيْهِمَا من ورق الْجنَّة﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿فأكلا﴾ أَي آدم وحواء ﴿مِنْهَا﴾ أَي من الشَّجَرَة ﴿فبدت لَهما سوآتهما﴾ يَعْنِي عريا من الثِّيَاب الَّتِي كَانَت عَلَيْهِمَا بِسَبَب تساقط حلل الْجنَّة عَنْهُمَا لما أكلا من الشَّجَرَة حَتَّى بَدَت فروجهما وَظَهَرت عورتهما وَسمي كل مِنْهُمَا سوأة لِأَن انكشافه يسوء صَاحبه ويحزنه ﴿وطفقا﴾ أَي أَقبلَا وأخذا وَجعلا ﴿يخصفان﴾ يلصقان ﴿عَلَيْهِمَا﴾ لستر سوأتهما ﴿من ورق الْجنَّة﴾ قيل من ورق التِّين بعضه بِبَعْضِه حَتَّى يصير طَويلا عريضا يصلح للاستتار بِهِ

стр. 124

١٠١ - بَاب مَا نزل فِي إصْلَاح الله الزَّوْجَة ﴿وأصلحنا لَهُ زوجه﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْأَنْبِيَاء ﴿وأصلحنا لَهُ﴾ أَي لزكريا ﵇ ﴿زوجه﴾ قَالَ أَكثر الْمُفَسّرين إِنَّهَا كَانَت عاقرا فَجَعلهَا الله ولودا وَقيل كَانَت سَيِّئَة الْخلق وَلَا مَانع من إِرَادَة الْأَمريْنِ جَمِيعًا قَالَ ابْن عَبَّاس مَكَان فِي لِسَان امْرَأَة زَكَرِيَّا طول فأصلحه الله وروى نَحْو ذَلِك عَن جمَاعَة من التَّابِعين ١٠٢ - بَاب مَا نزل فِي نفخ الرّوح فِي الْمَرْأَة ﴿وَالَّتِي أحصنت فرجهَا فنفخنا فِيهَا من رُوحنَا وجعلناها وَابْنهَا آيَة للْعَالمين﴾ سُورَة الْأَنْبِيَاء قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّتِي أحصنت فرجهَا﴾ هِيَ مَرْيَم ﵍ فَإِنَّهَا أحصنت الْفرج من الْحَلَال وَالْحرَام وَلم يَمَسهَا بشر وَقيل المُرَاد بالفرج جيب الْقَمِيص أَي إِنَّهَا طَاهِرَة الأثواب وَالْأول أولى ﴿فنفخنا فِيهَا من رُوحنَا﴾ يُرِيد روح عِيسَى وَقيل هُوَ جِبْرِيل أمرناه فَنفخ فِي جيب درعها فَحملت بِعِيسَى ﴿وجعلناها وَابْنهَا آيَة للْعَالمين﴾ لِأَنَّهَا وَلدته من غير رجل

стр. 125

١٠٣ - بَاب مَا نزل فِي ذُهُول الْمُرضعَة عَن رضيعها وَوضع الْحَامِل حملهَا من زَلْزَلَة السَّاعَة ﴿يَوْم ترونها تذهل كل مُرْضِعَة عَمَّا أرضعت وتضع كل ذَات حمل حملهَا وَترى النَّاس سكارى وَمَا هم بسكارى وَلَكِن عَذَاب الله شَدِيد﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْحَج ﴿يَوْم ترونها﴾ أَي ترَوْنَ زَلْزَلَة السَّاعَة ﴿تذهل كل مُرْضِعَة عَمَّا أرضعت﴾ أَي تغفل كل ذَات إِرْضَاع عَن رضيعها وَقيل تشتغل عَنهُ وَقيل تنسى وَقيل تلهو وَقيل تسلو والمعاني مُتَقَارِبَة وَهَذَا يدل على أَن هَذِه الزلزلة فِي الدُّنْيَا إِذْ لَيْسَ بعد الْقِيَامَة حمل وَلَا إِرْضَاع ﴿وتضع كل ذَات حمل حملهَا﴾ أَي تلقي جَنِينهَا بِغَيْر تَمام من شدَّة الهول ﴿وَترى النَّاس سكارى وَمَا هم بسكارى وَلَكِن عَذَاب الله شَدِيد﴾ فبسبب هَذِه الشدَّة والهول الْعَظِيم تطيش عُقُولهمْ وتضطرب أفهامهم فيصيرون كالسكارى بِجَامِع سلب كَمَال التَّمْيِيز وَصِحَّة الْإِدْرَاك ١٠٤ - بَاب مَا نزل فِي حفظ الْأزْوَاج لفروجهم إِلَّا على الزَّوْجَات ﴿وَالَّذين هم لفروجهم حافظون إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم فَإِنَّهُم غير ملومين فَمن ابْتغى وَرَاء ذَلِك فَأُولَئِك هم العادون﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْمُؤْمِنُونَ ﴿وَالَّذين هم لفروجهم حافظون إِلَّا﴾

стр. 126

على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم فَإِنَّهُم غير ملومين) أَي يلامون على كل مُبَاشرَة إِلَّا على مَا أحل لَهُم فَإِنَّهُم غير ملومين عَلَيْهِ وَالْمرَاد بالأزواج الْحَرَائِر وَبِمَا ملكوا الْإِمَاء والسراري والجواري وَالْآيَة فِي الرِّجَال خَاصَّة لِأَن الْمَرْأَة لَا يجوز لَهَا أَن تستمتع بفرج مملوكها ﴿فَمن ابْتغى وَرَاء ذَلِك فَأُولَئِك هم العادون﴾ أَي المجاوزون إِلَى مَا لَا يحل لَهُم وَقد دلّت هَذِه الْآيَة على تَحْرِيم نِكَاح الْمُتْعَة وَاسْتدلَّ بهَا بعض أهل الْعلم على تَحْرِيم الاستمناء لِأَنَّهُ من الوراء لما ذكر فَهُوَ حرَام عِنْد الْجُمْهُور وَخَالفهُم غَيرهم فجوزه ١٠٥ - بَاب مَا نزل فِي جعل أم عِيسَى آيَة للنَّاس وَهِي مَرْيَم ﵍ ﴿وَجَعَلنَا ابْن مَرْيَم وَأمه آيَة وآويناهما إِلَى ربوة ذَات قَرَار ومعين﴾ سُورَة الْمُؤْمِنُونَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا ابْن مَرْيَم وَأمه آيَة﴾ أَي عَلامَة تدل على عَظِيم قدرتنا وبديع صنعنَا أَي وَلدته من غير أَب وَخلق من غير نُطْفَة ﴿وآويناهما﴾ أَي أسكناهما وأنزلناهما وأوصلناهما وجعلناهما يأويان ﴿إِلَى ربوة﴾ هِيَ الْمَكَان الْمُرْتَفع من الأَرْض وَهُوَ أحسن مَا يكون فِيهِ النَّبَات وَقيل هُوَ أَعلَى مَكَان من الأَرْض فيزيد على غَيره فِي الِارْتفَاع ثَمَانِيَة عشر ميلًا قيل هِيَ أَرض دمشق وَقيل بَيت الْمُقَدّس وَقيل فلسطين وَعَن مرّة الْبَهْزِي قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الربوة الرملة أخرجه الطَّبَرَانِيّ وَابْن أبي حَاتِم وَابْن جرير وَغَيرهم

стр. 127

وَقيل مصر فهربت بِهِ إِلَى تِلْكَ الربوة وَمَكَثت بهَا اثْنَتَيْ عشرَة سنة حَتَّى هلك ذَلِك الْملك ﴿ذَات قَرَار﴾ مُسْتَقر يسْتَقرّ عَلَيْهِ ساكنوه وَقيل ذَات خصب وَقيل ذَات أثمار ﴿بِمَاء معِين﴾ وَهُوَ المَاء الْجَارِي فِي الْعُيُون ١٠٦ - بَاب مَا نزل فِي أَن حد الزَّانِيَة جلد مائَة إِذا لم تحصن ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة وَلَا تأخذكم بهما رأفة فِي دين الله إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وليشهد عذابهما طَائِفَة من الْمُؤمنِينَ﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة النُّور ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي﴾ الزِّنَى هُوَ وَطْء الرجل الْمَرْأَة فِي فرجهَا من غير نِكَاح وَلَا شُبْهَة نِكَاح وَقيل هُوَ إيلاج فرج فِي فرج مشتهى طبعا محرم شرعا والزانية هِيَ الْمَرْأَة المطاوعة للزنى الممكنة مِنْهَا كَمَا تنبيء عَنهُ الصِّيغَة لَا المكرهة وَكَذَلِكَ الزَّانِي وَتَقْدِيم الزَّانِيَة على الزَّانِي لِأَنَّهَا الأَصْل فِي الْفِعْل لكَون الداعية فِيهَا أوفر وَلَوْلَا تمكينها مِنْهُ لم يَقع قَالَه أَبُو السُّعُود وَقيل وَجه التَّقْدِيم أَن الزِّنَى فِي ذَلِك الزَّمَان كَانَ من النِّسَاء أَكثر حَتَّى كَانَ لَهُنَّ رايات تنصب على أبوابهن ليعرفهن من أَرَادَ الْفَاحِشَة مِنْهُنَّ ﴿فاجلدوا﴾ الْجلد الضَّرْب الشَّديد وَالْخطاب للأئمة وَمن قَامَ مقامهم وَقيل للْمُسلمين أَجْمَعِينَ لِأَن إِقَامَة الْحُدُود وَاجِبَة عَلَيْهِم جَمِيعًا وَالْإِمَام يَنُوب عَنْهُم إِذْ لَا يُمكنهُم الِاجْتِمَاع على إِقَامَة الْحُدُود ﴿كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة﴾ هُوَ حد الزَّانِي الْحر الْبَالِغ الْبكر وَكَذَلِكَ الزَّانِيَة وَثَبت بِالسنةِ زِيَادَة على هَذَا الْجلد وَهُوَ تغريب عَام وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَقَالَ أَبُو حنيفَة

стр. 128

التَّغْرِيب إِلَى رَأْي الإِمَام والْحَدِيث يردهُ وَقَالَ مَالك يجلد الرجل ويغرب وتجلد الْمَرْأَة وَلَا تغرب وَأما الْمَمْلُوك والمملوكة فجلد كل وَاحِد مِنْهُمَا خَمْسُونَ جلدَة لقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن أتين بِفَاحِشَة فعليهن نصف مَا على الْمُحْصنَات من الْعَذَاب﴾ سُورَة النِّسَاء هَذَا نَص فِي الْإِمَاء وَألْحق بِهن العبيد لعدم الْفَارِق وَأما من كَانَ مُحصنا من الْأَحْرَار فَعَلَيهِ الرَّجْم بِالسنةِ الصَّحِيحَة المتواترة وبإجماع أهل الْعلم وَبِالْقُرْآنِ الْمَنْسُوخ لَفظه الْبَاقِي حكمه وَهُوَ الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ وَزَاد جمَاعَة من أهل الْعلم مَعَ الرَّجْم جلد مائَة وَهُوَ حق وَقَالَ النَّسَفِيّ التَّغْرِيب مَنْسُوخ بِالْآيَةِ وَلَيْسَ بِصَحِيح فقد أثبتته السّنة الصَّحِيحَة نعم هَذِه الْآيَة ناسخة لآيَة الْحَبْس وَآيَة الْأَذَى اللَّتَيْنِ فِي سُورَة النِّسَاء ﴿وَلَا تأخذكم بهما رأفة﴾ أَي رقة وَرَحْمَة ﴿فِي دين الله﴾ أَي فِي طَاعَته وَحكمه ﴿إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ وَكفى بذلك أُسْوَة برَسُول الله ﷺ حَيْثُ قَالَ لَو سرقت فَاطِمَة بنت مُحَمَّد لَقطعت يَدهَا ﴿وليشهد عذابهما طَائِفَة من الْمُؤمنِينَ﴾ ندبا قيل أقلهَا ثَلَاثَة وَقيل أَرْبَعَة وَقيل عشرَة وَلَا يجب على الإِمَام حُضُور الرَّجْم وَلَا الشُّهُود لِأَنَّهُ ﷺ أَمر برجم مَاعِز والغامدية وَلم يحضر رجمهما وَخص الْمُؤمنِينَ بالحضور لِأَن ذَلِك أفضح وَالْفَاسِق بَين صلحاء قومه أخجل ١٠٧ - بَاب مَا نزل فِي نِكَاح المشركة وَغَيرهَا ﴿الزَّانِي لَا ينْكح إِلَّا زَانِيَة أَو مُشركَة والزانية لَا ينْكِحهَا إِلَّا زَان أَو مُشْرك وَحرم ذَلِك على الْمُؤمنِينَ﴾ سُورَة النُّور قَالَ تَعَالَى ﴿الزَّانِي لَا ينْكح إِلَّا زَانِيَة أَو مُشركَة والزانية لَا ينْكِحهَا إِلَّا زَان أَو مُشْرك﴾

стр. 129

) يَعْنِي أَن الْغَالِب أَن المائل إِلَى الزِّنَى لَا يرغب فِي نِكَاح الصوالح والزانية لَا يرغب فِيهَا الصلحاء فَإِن المشاكلة عِلّة الألفة وَاخْتلف أهل الْعلم فِي معنى الْآيَة على أَقْوَال سَبْعَة أرجحها مَا ذكرنَا بِلَفْظ الْغَائِب وَالْمَقْصُود زجر الْمُؤمنِينَ عَن نِكَاح الزواني بعد زجرهم عَن الزِّنَى وَسبب النُّزُول يشْهد لَهُ وَقد اخْتلف فِي جَوَاز تزوج الرجل بِامْرَأَة قد زنى بهَا فَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة بِجَوَاز ذَلِك وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه لَا يجوز وَقَالَ ابْن مَسْعُود إِذا زنى الرجل بِالْمَرْأَةِ ثمَّ نَكَحَهَا بعد ذَلِك فهما زانيان أبدا وَبِه قَالَ مَالك ﴿وَحرم ذَلِك﴾ أَي الزِّنَى أَو نِكَاح الزواني ﴿على الْمُؤمنِينَ﴾ قيل مَكْرُوه فَقَط وَعبر بِالتَّحْرِيمِ عَن كَرَاهَة التَّنْزِيه مُبَالغَة فِي الزّجر

стр. 130

١٠٨ - بَاب مَا نزل فِي رمي الْمُحْصنَات وحد الرَّامِي ﴿وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات ثمَّ لم يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذين تَابُوا من بعد ذَلِك وَأَصْلحُوا فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة النُّور ﴿وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات﴾ أَي النِّسَاء العفيفات بالزنى وَكَذَا المحصنين وَإِنَّمَا خصهن بِالذكر لِأَن قذفهن أشنع والعار فِيهِنَّ أعظم وَيلْحق الرِّجَال بِالنسَاء فِي هَذَا الحكم بِلَا خلاف بَين عُلَمَاء هَذِه الْأمة وَقيل أَرَادَ بالمحصنات الْفروج فتعم الْآيَة الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالْأول أولى وَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَنه لَا حد على من قذف كَافِرًا أَو كَافِرَة وَقيل يجب عَلَيْهِ الْحَد وَالْعَبْد يجلد أَرْبَعِينَ جلدَة وَقيل ثَمَانِينَ وَالْأول أولى وشرائط الْإِحْصَان خَمْسَة الْإِسْلَام وَالْعقل وَالْبُلُوغ وَالْحريَّة والعفة من الزِّنَى ﴿ثمَّ لم يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء﴾ يشْهدُونَ عَلَيْهِنَّ بِوُقُوع الزِّنَا مِنْهُنَّ برؤيتهم وَظَاهر الْآيَة أَن يكون الشُّهُود مُجْتَمعين وَمُتَفَرِّقِينَ وَإِذا لم يكمل الشُّهُود أَرْبَعَة كَانُوا قذفة يحدون حد الْقَذْف قَالَ الْحسن وَالشعْبِيّ وَلَا حد على الشُّهُود وَلَا على الْمَشْهُود عَلَيْهِ وَبِه قَالَ أَحْمد ونعمان وَيرد ذَلِك مَا وَقع فِي خلَافَة عمر ﵁ من جلده للثَّلَاثَة الَّذين أشهدوا على الْمُغيرَة بالزنى وَلم يُخَالف فِي ذَلِك أحد من الصَّحَابَة ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ أَي لكل وَاحِد مِنْهُم ﴿ثَمَانِينَ جلدَة وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة﴾ لأَنهم قد صَارُوا بِالْقَذْفِ غير عدُول بل فسقة ﴿أبدا﴾ مَا داموا فِي الْحَيَاة ﴿وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ﴾ لإتيانهم كَبِيرَة وَفِيه دَلِيل على أَن الْقَذْف من الْكَبَائِر

стр. 131

﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا من بعد ذَلِك﴾ أَي بعد اقترافهم لذنب الْقَذْف ﴿وَأَصْلحُوا﴾ أَعْمَالهم وأقوالهم بِالتَّوْبَةِ والانقياد للحد ﴿فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ يغْفر ذنوبهم ويرحمهم قَالَ الْجُمْهُور إِذا تَابَ الْقَاذِف قبلت شَهَادَته وَزَالَ عَنهُ الْفسق وَقَالَ أَبُو حنيفَة يرْتَفع بِالتَّوْبَةِ وصف الْفسق لَا تقبل شَهَادَته أصلا وَالْحق هُوَ الأول ١٠٩ - بَاب مَا نزل فِي الْمُلَاعنَة بَين الزَّوْج وَالزَّوْجَة ﴿وَالَّذين يرْمونَ أَزوَاجهم وَلم يكن لَهُم شُهَدَاء إِلَّا أنفسهم فشهادة أحدهم أَربع شَهَادَات بِاللَّه إِنَّه لمن الصَّادِقين وَالْخَامِسَة أَن لعنة الله عَلَيْهِ إِن كَانَ من الْكَاذِبين ويدرأ عَنْهَا الْعَذَاب أَن تشهد أَربع شَهَادَات بِاللَّه إِنَّه لمن الْكَاذِبين وَالْخَامِسَة أَن غضب الله عَلَيْهَا إِن كَانَ من الصَّادِقين﴾ سُورَة النُّور قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين يرْمونَ أَزوَاجهم﴾ جمع زوج بِمَعْنى الزَّوْجَة لم يُقيد هُنَا بالمحصنات إِشَارَة إِلَى أَن اللّعان يشرع فِي قذف المحصنة وَغَيرهَا فَهُوَ فِي قذف المحصنة يسْقط الْحَد عَن الزَّوْج وَفِي قذف غَيرهَا يسْقط التَّعْزِير كَأَن كَانَت ذِمِّيَّة أَو أمة أَو صغيره تحْتَمل الْوَطْء بِخِلَاف قذف الصغيره الَّتِي لَا تحتمله وَبِخِلَاف قذف الْكَبِيرَة الَّتِي ثَبت زنَاهَا بِبَيِّنَة أَو إِقْرَار فَإِن الْوَاجِب فِي قذفهما التَّعْزِير لكنه لَا يُلَاعن لدفعه كَمَا فِي كتب الْفُرُوع وَقد وَقع قذف الزَّوْجَة بالزنى لجَماعَة من الصَّحَابَة كهلال بن أُميَّة وعويمر الْعجْلَاني وَعَاصِم بن عدي ﴿وَلم يكن لَهُم شُهَدَاء﴾ يشْهدُونَ بِمَا رموهن بِهِ من الزِّنَى ﴿إِلَّا أنفسهم فشهادة أحدهم﴾ أَي الشَّهَادَة الَّتِي تزيل عَنهُ حد الْقَذْف أَو فَالْوَاجِب

стр. 132

شَهَادَة أحدهم أَو فَعَلَيْهِم أَن يشْهد أحدهم ﴿أَربع شَهَادَات بِاللَّه إِنَّه لمن الصَّادِقين﴾ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ من الزِّنَى الْمَشْهُود بِهِ والشَّهَادَة ﴿وَالْخَامِسَة أَن لعنة الله عَلَيْهِ إِن كَانَ من الْكَاذِبين﴾ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ من الزِّنَى ﴿ويدرأ﴾ أَي يدْفع ﴿عَنْهَا﴾ أَي عَن الْمَرْأَة ﴿الْعَذَاب﴾ الدنيوي وَهُوَ الْحَد وَالْمعْنَى أَنه يدْفع عَن الْمَرْأَة الْحَد ﴿أَن تشهد أَربع شَهَادَات بِاللَّه إِنَّه﴾ أَي الزَّوْج ﴿لمن الْكَاذِبين﴾ فِيمَا رماني بِهِ من الزِّنَى وتشهد الشَّهَادَة ﴿وَالْخَامِسَة أَن غضب الله عَلَيْهَا إِن كَانَ﴾ أَي الزَّوْج ﴿من الصَّادِقين﴾ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ من الزِّنَى وَتَخْصِيص الْغَضَب بِالْمَرْأَةِ للتغليظ عَلَيْهَا لكَونهَا أصل الْفُجُور ومادته وَلِأَن النِّسَاء يكثرن اللَّعْن فِي الْعَادة وَمَعَ استكثارهن مِنْهُ لَا يكون لَهُ فِي قلوبهن كَبِير موقع بِخِلَاف الْغَضَب وَعَن ابْن عَبَّاس أَن هِلَال بن أُميَّة قذف امْرَأَته عِنْد النَّبِي ﷺ بِشريك ابْن سَحْمَاء فَقَالَ النَّبِي ﷺ الْبَيِّنَة وَإِلَّا حد فِي ظهرك فَقَالَ يَا رَسُول الله إِذا رأى أَحَدنَا على امْرَأَته رجلا أينطلق يلْتَمس الْبَيِّنَة فَجعل النَّبِي ﷺ يَقُول الْبَيِّنَة وَإِلَّا حد فِي ظهرك فَقَالَ هِلَال وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ إِنِّي لصَادِق ولينزلن الله مَا يبريء ظَهْري من الْحَد فَنزل جِبْرِيل وَأنزل عَلَيْهِ ﴿وَالَّذين يرْمونَ أَزوَاجهم﴾ حَتَّى بلغ ﴿إِن كَانَ من الصَّادِقين﴾ فَانْصَرف النَّبِي ﷺ فَأرْسل إِلَيْهِمَا فجَاء هِلَال فَشهد وَالنَّبِيّ ﷺ يَقُول الله يعلم أَن أَحَدكُمَا لَكَاذِب فَهَل مِنْكُمَا تائب ثمَّ قَامَت الْمَرْأَة فَشَهِدت فَلَمَّا كَانَت عِنْد الْخَامِسَة وقفوها وَقَالُوا إِنَّهَا مُوجبَة فتلكأت أَي نكصت حَتَّى ظننا أَنَّهَا ترجع ثمَّ قَالَت لَا أفضح قومِي سَائِر الْيَوْم فمضت فَقَالَ النَّبِي ﷺ أبصروها فَإِن جَاءَت بِهِ أكحل الْعَينَيْنِ سابغ الأليتين خَدلج السَّاقَيْن فَهُوَ لِشَرِيك بن سَحْمَاء فَجَاءَت بِهِ كَذَلِك

стр. 133

فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَوْلَا مَا مضى من كتاب الله لَكَانَ لي وَلها شَأْن أخرجه البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة وَأخرج هَذِه الْقِصَّة أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَعبد الرَّزَّاق وَأحمد وَعبد بن حميد وَأَبُو دَاوُد وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس مُطَوَّلَة وأخرجها البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا وَلم يسموا الرجل وَلَا الْمَرْأَة وَفِي آخر الْقِصَّة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ اذْهَبْ فَلَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا فَقَالَ يَا رَسُول الله مَالِي قَالَ لَا مَال لَك إِن كنت صدقت عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا استحللت من فرجهَا وَإِن كنت كذبت عَلَيْهَا فَذَاك أبعد لَك مِنْهَا وَأخرج الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا عَن سهل بن سعد قَالَ جَاءَ عُوَيْمِر إِلَى عَاصِم بن عدي فَقَالَ سل رَسُول الله ﷺ أَرَأَيْت رجلا وجد مَعَ امْرَأَته رجلا فَقتله أيقتل بِهِ أم كَيفَ يصنع فَسَأَلَ عَاصِم رَسُول الله ﷺ فعاب رَسُول الله ﷺ الْمسَائِل فَقَالَ عُوَيْمِر وَالله لَآتِيَن رَسُول الله ﷺ ولأسألنه فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ قد أنزل عَلَيْهِ فَدَعَا بهما فلاعن بَينهمَا قَالَ عُوَيْمِر إِن انْطَلَقت بهَا يَا رَسُول الله لقد كذبت عَلَيْهَا ففارقها قبل أَن يَأْمُرهُ رَسُول الله ﷺ فَصَارَت سنة للمتلاعنين فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أبصروها فَإِن جَاءَت بِهِ أسحم أدعج الْعَينَيْنِ عَظِيم الأليتين فَلَا أرَاهُ إِلَّا قد صدق وَإِن جَاءَت بِهِ أُحَيْمِر كَأَنَّهُ وحرة فَلَا أرَاهُ إِلَّا كَاذِبًا فَجَاءَت بِهِ مثل النَّعْت الْمَكْرُوه وَفِي الْبَاب أَحَادِيث كَثِيرَة يَأْتِي بَعْضهَا فِي مَحَله وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن عمر بن الْخطاب وَعلي وَابْن مَسْعُود قَالُوا لَا يجْتَمع المتلاعنان أبدا

стр. 134

١١٠ - بَاب مَا نزل فِي الجائين بالإفك فِي حق النِّسَاء ورميهن ﴿إِن الَّذين جاؤوا بالإفك عصبَة مِنْكُم لَا تحسبوه شرا لكم بل هُوَ خير لكم لكل امْرِئ مِنْهُم مَا اكْتسب من الْإِثْم وَالَّذِي تولى كبره مِنْهُم لَهُ عَذَاب عَظِيم لَوْلَا إِذْ سمعتموه ظن الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بِأَنْفسِهِم خيرا وَقَالُوا هَذَا إفْك مُبين﴾ ﴿إِن الَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات لعنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلَهُم عَذَاب عَظِيم﴾ سُورَة النُّور قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين جاؤوا بالإفك﴾ وَهُوَ أَسْوَأ الْكَذِب وأفحشه وأقبحه فالإفك هُوَ الحَدِيث المقلوب لكَونه مصروفا عَن الْحق وَقيل هُوَ الْبُهْتَان وَأجْمع الْمُسلمُونَ على أَن المُرَاد بِمَا فِي الْآيَة مَا وَقع من الْإِفْك على عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ وَإِنَّمَا وَصفه الله بِأَنَّهُ إفْك لِأَن الْمَعْرُوف من حَالهَا ﵂ خلاف ذَلِك ﴿عصبَة مِنْكُم﴾ وَهِي الْجَمَاعَة من الْعشْرَة إِلَى الْأَرْبَعين وَالْمرَاد بهم هُنَا عبد الله بن أبي رَأس الْمُنَافِقين وَزيد بن رِفَاعَة وَحسان بن ثَابت ومسطح بن أثاثه وَحمْنَة بن جحش وَمن ساعدهم وَقد أخرج الشَّيْخَانِ وَأهل السّنَن وَغَيرهم حَدِيث عَائِشَة الطَّوِيل فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَات بِأَلْفَاظ مُتعَدِّدَة وطرق مُخْتَلفَة حَاصله أَنَّهَا خرجت من هودجها تلتمس عقدا لَهَا من جزع انْقَطع فرحلوا وهم يظنون أَنَّهَا فِي هودجها فَرَجَعت وَقد ارتحل الْجَيْش والهودج مَعَهم فأقامت فِي ذَلِك الْمَكَان وَمر بهَا صَفْوَان بن الْمُعَطل مُتَأَخِّرًا عَن الْجَيْش فَأَنَاخَ رَاحِلَته وَحملهَا عَلَيْهَا فَلَمَّا رأى ذَلِك أهل الْإِفْك قَالُوا مَا قَالُوا فبرأها الله مِمَّا قَالُوا هَذَا حَاصِل الْقِصَّة مَعَ طولهَا وتشعب أطرافها

стр. 135

﴿لَا تحسبوه شرا لكم بل هُوَ خير لكم لكل امْرِئ مِنْهُم مَا اكْتسب من الْإِثْم﴾ بِسَبَب تكَلمه بالإفك ﴿وَالَّذِي تولى﴾ أَي تحمل ﴿كبره﴾ أَي معظمه ﴿مِنْهُم﴾ فَبَدَأَ بالخوض فِيهِ وأشاعه وَهُوَ ابْن أبي ﴿لَهُ عَذَاب عَظِيم﴾ إِلَى قَوْله ﴿إِن الَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات﴾ أَي العفائف بالزنى ﴿الْغَافِلَات﴾ أَي اللَّاتِي غفلن عَن الْفَاحِشَة بِحَيْثُ لَا تخطر ببالهن وَلَا يفْطن لَهَا وَقيل هن السليمات الصُّدُور النقيات الْقُلُوب اللَّاتِي لَيْسَ فِيهِنَّ دهاء وَلَا مكر لِأَنَّهُنَّ لم يجربن الْأُمُور فَلَا يفْطن لما تفطن لَهُ المجربات وَكَذَلِكَ البله من الرِّجَال الَّذين غلبت عَلَيْهِم سَلامَة الصُّدُور وَحسن الظَّن بِالنَّاسِ أغفلوا أَمر دنياهم فجهلوا حذق التَّصَرُّف فِيهَا وَأَقْبلُوا على آخرتهم فشغلوا نُفُوسهم بهَا ﴿الْمُؤْمِنَات﴾ بِاللَّه وَرَسُوله ﴿لعنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلَهُم عَذَاب عَظِيم﴾ وَالْآيَة نَص على كَون الرافضة ملعونين فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لأَنهم يرْمونَ من هِيَ أفضل الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات أقمأهم الله تَعَالَى قيل هَذَا خَاصَّة فِي عَائِشَة وَسَائِر أَزوَاج النَّبِي ﷺ دون سَائِر الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات فَمن قذف إِحْدَاهُنَّ فَهُوَ من أهل هَذِه الْآيَة وَلَا تَوْبَة لَهُ وَمن قذف غَيْرهنَّ فَلهُ التَّوْبَة وَقيل تعم كل قَاذف ومقذوف من الْمُحْصنَات والمحصنين وَهُوَ الْمُوَافق لما قَرَّرَهُ أهل الْأُصُول من أَن الِاعْتِبَار بِعُمُوم اللَّفْظ لَا بِخُصُوص السَّبَب وَنزل ثَمَانِي عشرَة آيَة فِي بَرَاءَة عَائِشَة الصديقة ﵂ تَنْتَهِي بقوله سُبْحَانَهُ ﴿أُولَئِكَ مبرؤون﴾

стр. 136

١١١ - بَاب مَا نزل فِي كَون الخبيثات للخبيثين والطيبات للطيبين ﴿الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أُولَئِكَ مبرؤون مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مغْفرَة ورزق كريم﴾ سُورَة النُّور قَالَ تَعَالَى ﴿الخبيثات﴾ من النِّسَاء ﴿للخبيثين﴾ من الرِّجَال أَي مختصات بهم لَا يكدن يتجاوزنهم إِلَى غَيرهم ﴿والخبيثون للخبيثات﴾ أَي مختصون بِهن لَا يتجاوزونهن لِأَن المجانسة من دواعي الأنضمام ﴿والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات﴾ قَالَ أَكثر الْمُفَسّرين مَعْنَاهُ الْكَلِمَات الخبيثات من القَوْل للخبيثين من الرِّجَال والخبيثون من الرِّجَال للخبيثات من الْكَلِمَات والكلمات الطَّيِّبَات من القَوْل للطيبين من النَّاس والطيبون من النَّاس للطيبات من الْكَلِمَات وَعَن ابْن عَبَّاس مثله وَكَذَا رُوِيَ عَن جمَاعَة من التَّابِعين قَالَ النّحاس وَهَذَا أحسن مَا قيل وَقَالَ الزّجاج مَعْنَاهُ لَا يتَكَلَّم بالخبيثات إِلَّا الْخَبيث من الرِّجَال وَالنِّسَاء وَلَا يتَكَلَّم بالطيبات إِلَّا الطّيب من الرِّجَال وَالنِّسَاء وَهَذَا ذمّ للَّذين قذفوا السيدة عَائِشَة ﵂ بالخبث ومدح للَّذين برأوها وَقيل إِن هَذِه الْآيَة مَبْنِيَّة على قَوْله ﴿الزَّانِي لَا ينْكح إِلَّا زَانِيَة﴾ فالخبيثات الزواني والطيبات العفائف وَكَذَا الخبيثون والطيبون ﴿أُولَئِكَ مبرؤون مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مغْفرَة﴾ عَظِيمَة ﴿ورزق كريم﴾ أَي فِي الْجنَّة

стр. 137

١١٢ - بَاب مَا نزل فِي إبداء النسْوَة زينتهن وإخفائها ﴿وَقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن وَلَا يبدين زينتهن إِلَّا مَا ظهر مِنْهَا وَليَضْرِبن بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبهنَّ وَلَا يبدين زينتهن إِلَّا لبعولتهن أَو آبائهن أَو آبَاء بعولتهن أَو أبنائهن أَو أَبنَاء بعولتهن أَو إخوانهن أَو بني إخوانهن أَو بني أخواتهن أَو نسائهن أَو مَا ملكت أيمانهن أَو التَّابِعين غير أولي الإربة من الرِّجَال أَو الطِّفْل الَّذين لم يظهروا على عورات النِّسَاء وَلَا يضربن بأرجلهن ليعلم مَا يخفين من زينتهن﴾ سُورَة النُّور قَالَ تَعَالَى ﴿وَقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾ خص الْإِنَاث بِهَذَا الْخطاب على طَرِيق التَّأْكِيد لدخولهن تَحت خطاب الْمُؤمنِينَ تَغْلِيبًا كَمَا فِي سَائِر الخطابات القرآنية وَعَن مقَاتل قَالَ بلغنَا أَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ حدث أَن أَسمَاء بنت يزِيد كَانَت فِي نخل لَهَا لبني حَارِثَة فَجعل النِّسَاء يدخلن عَلَيْهَا غير متزرات فيبدو مَا فِي أرجلهن يَعْنِي الخلاخل وتبدو صدورهن وذوائبهن فَقَالَت أَسمَاء مَا أقبح هَذَا فَأنْزل الله فِي ذَلِك هَذِه الْآيَة وَبِالْجُمْلَةِ لَا يحل للْمَرْأَة أَن تنظر إِلَى الرجل لِأَن علاقتها بِهِ كعلاقته بهَا وقصدها مِنْهُ كقصده مِنْهَا قَالَ مُجَاهِد إِذا أَقبلت الْمَرْأَة جلس إِبْلِيس على رَأسهَا فزينها لمن ينظر وَإِذا أَدْبَرت جلس على عجيزتها فزينها لمن ينظر ﴿ويحفظن فروجهن﴾ أَي يجب عَلَيْهِنَّ حفظهَا عَمَّا يحرم عَلَيْهِنَّ وَالْمرَاد ستر الْفروج عَن أَن يَرَاهَا من لَا تحل لَهُ رؤيتها قَالَ أَبُو الْعَالِيَة كل مَا فِي

стр. 138

الْقُرْآن من حفظ الْفرج فَهُوَ عبارَة عَن صونه من الزِّنَى إِلَّا مَا فِي هَذَا الْموضع فَإِنَّهُ أَرَادَ بِهِ الاستتار حَتَّى لَا يَقع بصر الْغَيْر عَلَيْهِ وَأخرج البُخَارِيّ وَأهل السّنَن وَغَيرهم عَن بهر بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده قَالَ قلت يَا رَسُول الله عوراتنا مَا نأتي مِنْهَا وَمَا نذر قَالَ احفظ عورتك إِلَّا من زَوجتك أَو مَا ملكت يَمِينك قلت يَا نَبِي الله إِذا كَانَ الْقَوْم بَعضهم فِي بعض قَالَ إِن اسْتَطَعْت أَن لَا يرينها أحد فَلَا يرينها قلت إِذا كَانَ أَحَدنَا خَالِيا قَالَ الله أَحَق أَن يستحيا مِنْهُ من النَّاس وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كتب الله على ابْن آدم حَظه من الزِّنَى أدْرك ذَلِك لَا محَالة فزنى الْعين النّظر وزنى اللِّسَان النُّطْق وزنى الْأُذُنَيْنِ السماع وزنى الْيَدَيْنِ الْبَطْش وزنى الرجلَيْن الخطو وَالنَّفس تتمنى والفرج يصدق ذَلِك أَو يكذبهُ وَلَفظ ابْن آدم يعم الرِّجَال وَالنِّسَاء وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن حُذَيْفَة مَرْفُوعا النظرة سهم من سِهَام إِبْلِيس مَسْمُومَة فَمن تَركهَا من خوف الله أثابه الله إِيمَانًا يجد حلاوة فِي قلبه وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة

стр. 139

﴿وَلَا يبدين زينتهن﴾ أَي مَا يتزين بِهِ من الحلى وَغَيرهَا مثل الخلخال والخصاب فِي الرجل والسوار فِي المعصم والقرط فِي الْأذن والقلائد فِي الْعُنُق فَلَا يجوز للْمَرْأَة إظهارها وَلَا يجوز للْأَجْنَبِيّ النّظر إِلَيْهَا ﴿إِلَّا مَا ظهر مِنْهَا﴾ أَي مَا جرت الْعَادة وَالْحِيلَة على ظُهُوره وَاخْتلف النَّاس فِي ظَاهر هَذِه الزِّينَة مَا هُوَ فَقيل هُوَ الثِّيَاب وَقيل الْوَجْه وَقيل الْوَجْه والكفان وَقيل هُوَ الْخَاتم والسوار والكحل والخضاب فِي الْكَفّ وَقيل الجلباب والخمار وَنَحْوهمَا مِمَّا فِي الْكَفّ والقدمين من الْحلِيّ وَنَحْوهَا هَذَا ظَاهر النّظم القرآني وَإِن كَانَ المُرَاد موَاضعهَا كَانَ الِاسْتِثْنَاء رَاجعا إِلَى مَا يشق عَلَيْهَا ستره كالكفين والقدمين وَنَحْو ذَلِك وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن عَائِشَة أَن أَسمَاء بنت أبي بكر دخلت على النَّبِي ﷺ وَعَلَيْهَا ثِيَاب رقاق فَأَعْرض عَنْهَا وَقَالَ يَا أَسمَاء إِن الْمَرْأَة إِذا بلغت الْمَحِيض لم يصلح أَن يرى مِنْهَا إِلَّا هَذَا وَأَشَارَ إِلَى وَجهه وكفيه وَهَذَا مُرْسل وَإِنَّمَا رخص لَهَا فِي هَذَا الْقدر لِأَن الْمَرْأَة لَا تَجِد بدا من مزاولة الْأَشْيَاء بِيَدَيْهَا وَمن الْحَاجة إِلَى كشف وَجههَا خُصُوصا فِي الشَّهَادَة والمحاكمة وَالنِّكَاح وتضطر إِلَى الْمَشْي فِي الطرقات وَظُهُور قدميها وخاصة الفقيرات مِنْهُنَّ فَيجوز نظره لأَجْنَبِيّ إِن لم يخف فتْنَة فِي أحد الْوَجْهَيْنِ وَالثَّانِي يحرم لِأَنَّهُ مَظَنَّة الْفِتْنَة وَرجح حسما للباب قَالَه الْمحلي ﴿وَليَضْرِبن بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبهنَّ﴾ جمع خمار وَهُوَ مَا تغطي بِهِ الْمَرْأَة رَأسهَا والجيب مَوضِع الْقطع من الدرْع والقميص وَقيل المُرَاد بهَا هُنَا الْعُنُق أَي مَحَله قَالَ الْمُفَسِّرُونَ إِن نسَاء الْجَاهِلِيَّة كن يسدلن خمرهن من خلفهن وَكَانَت جُيُوبهنَّ من قُدَّام وَاسِعَة فتنكشف نحورهن

стр. 140

وقلائدهن فأمرن أَن يضربن مقانعهن على الْجُيُوب ليستر بذلك مَا كَانَ يَبْدُو مِنْهَا وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت رحم الله نسَاء الْمُهَاجِرَات الأولات لما أنزل الله ﴿وَليَضْرِبن بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبهنَّ﴾ شققْنَ أكثف مروطن فَاخْتَمَرْنَ بِهِ أخرجه البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهم وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن جرير وَغَيرهمَا عَنْهَا بِلَفْظ أَخذ النِّسَاء أزرهن فشققنها من قبل الْحَوَاشِي فَاخْتَمَرْنَ بهَا ﴿وَلَا يبدين زينتهن﴾ أَي مَوَاضِع الزِّينَة الْبَاطِنَة وَهِي مَا عدا الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ والصدر والساق وَالرَّأْس وَنَحْوهَا ﴿إِلَّا لبعولتهن﴾ أَي أَزوَاجهنَّ ﴿أَو آبائهن أَو آبَاء بعولتهن أَو أبنائهن أَو أَبنَاء بعولتهن أَو إخوانهن أَو بني إخوانهن أَو بني أخواتهن أَو نسائهن﴾ المختصات بِهن من جِهَة الِاشْتِرَاك فِي الْإِيمَان الملابسات لَهُنَّ بِالْخدمَةِ والصحبة فجوز للنِّسَاء أَن يبدين زينتهن الْبَاطِنَة لهَؤُلَاء لِكَثْرَة المخالطة الضرورية بَينهم وبينهن وَعدم خشيَة الْفِتْنَة من قبلهم لما فِي الطباع من النفرة عَن مماسة القرائب وَقد روى عَن الْحسن وَالْحُسَيْن ﵉ أَنَّهُمَا كَانَا لَا ينْظرَانِ إِلَى أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ ذَهَابًا مِنْهُمَا إِلَى أَن أَبنَاء البعولة لم يذكرُوا فِي الْآيَة الَّتِي فِي أَزوَاج النَّبِي ﷺ وَهِي قَوْله ﴿لَا جنَاح عَلَيْهِنَّ فِي آبائهن﴾ وَالْمرَاد بأبناء بعولتهن ذُكُور أَوْلَاد الْأزْوَاج وَيدخل فِي قَوْله ﴿أبنائهن﴾ أَوْلَاد الْأَوْلَاد وَإِن سفلوا وَكَذَا آبَاء البعولة وآباء الْآبَاء وآباء الْأُمَّهَات وَإِن علوا وَكَذَلِكَ أَبنَاء البعولة وَإِن سفلوا وَكَذَلِكَ أَبنَاء الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات وَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن الْعم وَالْخَال كَسَائِر الْمَحَارِم فِي جَوَاز النّظر إِلَى مَا يجوز لَهُم وَقَالَ الشّعبِيّ وَعِكْرِمَة لَيْسَ الْعم وَالْخَال من الْمَحَارِم قَالَ الْكَرْخِي وَعدم ذكر الْأَعْمَام والأخوال لما أَن الْأَحْوَط أَن يتسترن مِنْهُم حذرا من أَن يصفوهن لأبنائهم وَالْمعْنَى أَن سَائِر الْقرَابَات تشترك مَعَ الْأَب وَالِابْن فِي

стр. 141

الْمَحْرَمِيَّة إِلَّا إبني الْعم وَالْخَال وَهَذَا من الذلالات البليغة فِي وجوب الِاحْتِيَاط عَلَيْهِنَّ من النّسَب وَلَيْسَ فِي الْآيَة ذكر الرَّضَاع وَهُوَ كالنسب وَيخرج من هَذِه الْآيَة الشَّرِيفَة نسَاء الْكفَّار من أهل الذِّمَّة وَغَيرهم فَلَا يحل لَهُنَّ أَن يبدين زينتهن لَهُنَّ لِأَنَّهُنَّ لَا يتحرجن عَن وصفهن للرِّجَال وَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة خلاف بَين أهل الْعلم قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ هن المسلمات لَا تبديها ليهودية وَلَا نَصْرَانِيَّة وَهُوَ النَّحْر والقرط والوشاح وَمَا يحرم أَن يرَاهُ إِلَّا محرم وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَالْبَيْهَقِيّ وَابْن الْمُنْذر عَن عمر بن الْخطاب أَنه كتب إِلَى أبي عُبَيْدَة أما بعد فَإِنَّهُ بَلغنِي أَن نسَاء من نسَاء الْمُؤمنِينَ يدخلن الحمامات مَعَ نسَاء أهل الشّرك فانه من قبلك عَن ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن ينظر إِلَى عورتها إِلَّا أهل ملتها ﴿أَو مَا ملكت أيمانهن﴾ فَيجوز لَهُم نظرهن إِلَّا مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة فَيحرم نظره لغير الْأزْوَاج وَظَاهر الْآيَة يَشْمَل العبيد وَالْإِمَاء من غير فرق بَين أَن يَكُونُوا مُسلمين أَو كَافِرين وَبِه قَالَ جمَاعَة من أهل الْعلم وَكَانَ الشّعبِيّ يكره أَن ينظر الْمَمْلُوك إِلَى شعر مولاته وَجوزهُ غَيره وَأخرج الْبَيْهَقِيّ وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهمَا عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ أَتَى فَاطِمَة بِعَبْد قد وهبه لَهَا وَعَلَيْهَا ثوب إِذا قنع بِهِ رَأسهَا لم يبلغ رِجْلَيْهَا وَإِذا غطت بِهِ رِجْلَيْهَا لم يبلغ رَأسهَا فَلَمَّا رأى النَّبِي ﷺ مَا تلقى قَالَ إِنَّه لَيْسَ عَلَيْك بَأْس إِنَّمَا هُوَ أَبوك وغلامك وَهُوَ ظَاهر الْقُرْآن وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَأحمد عَن أم سَلمَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا كَانَ لإحداكن مكَاتب وَكَانَ لَهُ مَا يُؤَدِّي فلتحتجب مِنْهُ

стр. 142

قَالَ سُلَيْمَان الْجمل عَن شيخة فَيجوز لَهُنَّ أَن يكشفن لَهُم مَا عدا مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة وَيجوز للعبيد أَيْضا أَن ينْظرُوا لَهُ وَأَن يكشفوا لَهُنَّ من أبدانهم مَا عدا مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة وَلَكِن بِشَرْط الْعِفَّة وَعدم الشَّهْوَة من الْجَانِبَيْنِ ﴿أَو التَّابِعين غير أولي الإربة من الرِّجَال﴾ أَي الْحَاجة وَالْمرَاد بهؤلاء الحمقى الَّذين لَا حَاجَة لَهُم فِي النِّسَاء وَقيل البله وَقيل الْعنين وَقيل الْخصي وَقيل المخنث وَقيل الشَّيْخ الْكَبِير وَقيل الْمَجْبُوب وَلَا وَجه لهَذَا التَّخْصِيص بل الْمَجْبُوب الَّذِي بَقِي أنثياه والخصي الَّذِي بَقِي ذكره والعنين الَّذِي لَا يقدر على إتْيَان النِّسَاء والمخنث المتشبه بِالنسَاء وَالشَّيْخ الْهَرم كالفحل كَذَا أطلق الْأَكْثَرُونَ وَالْمرَاد بِالْآيَةِ ظَاهرهَا وهم من يتتبع أهل الْبَيْت فِي فضول الطَّعَام وَلَا حَاجَة لَهُ فِي النِّسَاء وَلَا يحصل مِنْهُ ذَلِك فِي حَال من الْأَحْوَال فَيدْخل فِي هَؤُلَاءِ من هُوَ بِهَذِهِ الصّفة وَيخرج من عداهُ وَعَن عَائِشَة قَالَت كَانَ مخنث يدْخل على أَزوَاج النَّبِي ﷺ فَكَانُوا يَدعُونَهُ من غير أولي الإربة فَدخل النَّبِي ﷺ يَوْمًا وَهُوَ عِنْد بعض نِسَائِهِ وَهُوَ ينعَت امْرَأَة قَالَ إِذا أَقبلت أَقبلت بِأَرْبَع وَإِذا أَدْبَرت أَدْبَرت بثمان فَقَالَ النَّبِي ﷺ أَلا أرى هَذَا يعرف مَا هَهُنَا لَا يدخلن عليكن فحجبوه ﴿أَو الطِّفْل الَّذين لم يظهروا على عورات النِّسَاء﴾ أَي لم يبلغُوا حد الشَّهْوَة للجماع وَقيل لم يعرفوا الْعَوْرَة من غَيرهَا من الصغر وَقيل لم يبلغُوا أَوَان الْقُدْرَة على الْوَطْء والعورة هِيَ مَا يُرِيد الْإِنْسَان ستره من بدنه وَغلب على السوأتين وَاخْتلف الْعلمَاء فِي وجوب ستر مَا عدا الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ من الْأَطْفَال فَقيل لَا يلْزم لِأَنَّهُ لَا تَكْلِيف عَلَيْهِم وَهُوَ الصَّحِيح وَكَذَا اخْتلف فِي عَورَة

стр. 143

الشَّيْخ الْكَبِير السَّاقِط الشَّهْوَة وَالْأولَى بَقَاء الْحُرْمَة كَمَا كَانَت وَأما حد الْعَوْرَة فأجمع الْمُسلمُونَ على أَن السوأتين عَورَة من الرِّجَال وَالْمَرْأَة وَأَن الْمَرْأَة كلهَا عَورَة إِلَّا وَجههَا ويديها على خلاف فِي ذَلِك وَقَالَ الْأَكْثَر إِن عَورَة الرجل من سرته إِلَى ركبته ﴿وَلَا يضربن بأرجلهن ليعلم مَا يخفين من زينتهن﴾ فَإِن ذَلِك مِمَّا يُورث الرِّجَال ميلًا إلَيْهِنَّ ويوهم أَن لَهُنَّ ميلًا إِلَى الرِّجَال وَهَذَا سد لباب الْمُحرمَات وَتَعْلِيم للأحوط وَإِلَّا فصوت النِّسَاء لَيْسَ بِعَوْرَة عِنْد الشَّافِعِي فضلا عَن صَوت خلخالهن وَقَالَ الزّجاج سَماع هَذِه الزِّينَة أَشد تحريكا للشهوة من إبدائها وَقَالَ ابْن عَبَّاس هُوَ أَن تقرع الخلخال بِالْآخرِ عِنْد الرِّجَال فنهين عَن ذَلِك لِأَنَّهُ من عمل الشَّيْطَان وَسَمَاع صَوت الزِّينَة كإظهارها وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ من فعل ذَلِك مِنْهُنَّ فَرحا بحليهن فَهُوَ مَكْرُوه وَمن فعل تبرجا وتعرضا للرِّجَال فَهُوَ حرَام مَذْمُوم وَكَذَلِكَ من ضرب بنعله الأَرْض من الرِّجَال إِن فعل ذَلِك عجبا حرم فَإِن الْعجب كَبِيرَة وَإِن فعل ذَلِك تبرجا لم يحرم انْتهى ١١٣ - بَاب مَا نزل فِي إنكاح الأيامي ﴿وَأنْكحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم وَالصَّالِحِينَ من عبادكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِم الله من فَضله﴾ سُورَة النُّور قَالَ تَعَالَى ﴿وَأنْكحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم﴾ الأيم هِيَ الَّتِي لَا زوج لَهَا وَمن لَيْسَ لَهُ زَوْجَة فَيشْمَل الرجل وَالْمَرْأَة غير المتزوجين وَالْخطاب للأولياء والسادة وَقيل للأزواج وَالْأول أرجح وَفِيه دَلِيل على أَن الْمَرْأَة لَا تنْكح نَفسهَا وَعَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ أَيّمَا امْرَأَة نكحت بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل ثَلَاثًا أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَعِنْدَهُمَا عَن أبي مُوسَى

стр. 144

يرفعهُ لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وَاخْتلف فِي هَذَا النِّكَاح فَقَالَ الشَّافِعِي مُبَاح وَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة مُسْتَحبّ وَقَالَ غَيرهم وَاجِب على تَفْصِيل لَهُم فِي ذَلِك وَالْحق أَنه سنة من السّنَن الْمُؤَكّدَة لأحاديث وَردت فِي ترغيب النِّكَاح قَالَ ابْن عَبَّاس رغبهم فِيهِ وَوَعدهمْ فِي ذَلِك الْغنى وَقَالَ أَبُو بكر الصّديق ﵁ أطِيعُوا الله فِيمَا أَمركُم من النِّكَاح ينجز لكم مَا وَعدكُم من الْغَنِيّ وَعَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ مَا رَأَيْت كَرجل لم يلْتَمس الْغنى فِي الْبَاءَة وَقد وعد الله فِيهَا مَا وعد فَقَالَ ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء﴾ وَعَن ابْن مَسْعُود نَحوه وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ انكحوا النِّسَاء فَإِنَّهُنَّ يَأْتينكُمْ بِالْمَالِ أخرجه الْبَزَّار وَالدَّارَقُطْنِيّ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي مراسيله عَن عُرْوَة مَرْفُوعا وَالْمرَاد بالأيامي هَهُنَا الْأَحْرَار والحرائر وَأما المماليك فقد بَين ذَلِك بقوله ﴿وَالصَّالِحِينَ من عبادكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ وَالصَّلَاح هُوَ الْإِيمَان وَالْقِيَام بِحُقُوق النِّكَاح أَو أَن لَا تكون صَغِيرَة لَا تحْتَاج إِلَى النِّكَاح وَلم يذكر الصّلاح فِي الْأَحْرَار لِأَن الْغَالِب فيهم الصّلاح بِخِلَاف المماليك وَفِيه دَلِيل على أَن الْمَمْلُوك لَا يُزَوّج نَفسه وَإِنَّمَا يُزَوجهُ ويتولى تَزْوِيجه مَالِكه وسيده وَلَا يجوز للسَّيِّد أَن يكره عَبده وَأمته على النِّكَاح وَقَالَ مَالك يجوز وَالْأول مَذْهَب الْجُمْهُور ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِم الله من فَضله﴾ أَي لَا تمنعوا من تَزْوِيج الْأَحْرَار بِسَبَب فقد الرجل وَالْمَرْأَة أَو أَحدهمَا مَالا فَإِنَّهُم إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِم الله سُبْحَانَهُ ويتفضل عَلَيْهِم بذلك فَإِن فِي فضل الله غنية عَن المَال فَإِنَّهُ غاد ورائح وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن خِفْتُمْ عيلة فَسَوف يغنيكم الله من فَضله إِن شَاءَ إِن الله عليم حَكِيم﴾ سُورَة التَّوْبَة

стр. 145

وَبِالْجُمْلَةِ فَفِي الْآيَة دلَالَة على جَوَاز النِّكَاح الثَّانِي للأيم رجلا كَانَ أَو امْرَأَة بل إِيجَاب لَهُ لِأَن الْحَقِيقَة فِي الْأَمر الْوُجُوب وَلَا صَارف لَهُ هُنَا ١١ ٤ - بَاب مَا نزل فِي النَّهْي عَن الْإِكْرَاه للفتيات على الْبغاء) ﴿وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء إِن أردن تَحَصُّنًا لتبتغوا عرض الْحَيَاة الدُّنْيَا وَمن يكرههن فَإِن الله من بعد إكراههن غَفُور رَحِيم﴾ سُورَة النُّور قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء﴾ أَي إماءكم على الزِّنَى ﴿إِن أردن تَحَصُّنًا﴾ أَي تعففا وتزوجا وَعَن جَابر بن عبد الله قَالَ كَانَ عبد الله بن أبي يَقُول لجارية لَهُ اذهبي فابغينا شَيْئا وَكَانَت كارهة فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَسَعِيد بن مَنْصُور وَابْن أبي شيبَة وَغَيرهم وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يكْرهُونَ إماءهم على الزِّنَى فَيَأْخُذُونَ أُجُورهنَّ فَنزلت هَذِه الْآيَة وَقد ورد النَّهْي عَن مهر الْبَغي وَكسب الْحجام وحاوان الكاهن وَفِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة رِوَايَات ﴿لتبتغوا عرض الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ وَهُوَ مَا تكسبه الْأمة بفرجها ﴿وَمن يكرههن فَإِن الله من بعد إكراههن غَفُور رَحِيم﴾ مَعْنَاهُ أَن عُقُوبَة الْإِكْرَاه رَاجِعَة إِلَى المكرهين لَا إِلَى المكرهات وَقيل إِن الله غَفُور رَحِيم لَهُم إِمَّا مُطلقًا أَو بِشَرْط التَّوْبَة
следующие страницы →