Полный текст (575 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الْمَحْرَمِيَّة إِلَّا إبني الْعم وَالْخَال وَهَذَا من الذلالات البليغة فِي وجوب الِاحْتِيَاط عَلَيْهِنَّ من النّسَب
وَلَيْسَ فِي الْآيَة ذكر الرَّضَاع وَهُوَ كالنسب وَيخرج من هَذِه الْآيَة الشَّرِيفَة نسَاء الْكفَّار من أهل الذِّمَّة وَغَيرهم فَلَا يحل لَهُنَّ أَن يبدين زينتهن لَهُنَّ لِأَنَّهُنَّ لَا يتحرجن عَن وصفهن للرِّجَال وَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة خلاف بَين أهل الْعلم قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ هن المسلمات لَا تبديها ليهودية وَلَا نَصْرَانِيَّة وَهُوَ النَّحْر والقرط والوشاح وَمَا يحرم أَن يرَاهُ إِلَّا محرم وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَالْبَيْهَقِيّ وَابْن الْمُنْذر عَن عمر بن الْخطاب أَنه كتب إِلَى أبي عُبَيْدَة أما بعد فَإِنَّهُ بَلغنِي أَن نسَاء من نسَاء الْمُؤمنِينَ يدخلن الحمامات مَعَ نسَاء أهل الشّرك فانه من قبلك عَن ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن ينظر إِلَى عورتها إِلَّا أهل ملتها ﴿أَو مَا ملكت أيمانهن﴾ فَيجوز لَهُم نظرهن إِلَّا مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة فَيحرم نظره لغير الْأزْوَاج وَظَاهر الْآيَة يَشْمَل العبيد وَالْإِمَاء من غير فرق بَين أَن يَكُونُوا مُسلمين أَو كَافِرين وَبِه قَالَ جمَاعَة من أهل الْعلم وَكَانَ الشّعبِيّ يكره أَن ينظر الْمَمْلُوك إِلَى شعر مولاته وَجوزهُ غَيره وَأخرج الْبَيْهَقِيّ وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهمَا عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ أَتَى فَاطِمَة بِعَبْد قد وهبه لَهَا وَعَلَيْهَا ثوب إِذا قنع بِهِ رَأسهَا لم يبلغ رِجْلَيْهَا وَإِذا غطت بِهِ رِجْلَيْهَا لم يبلغ رَأسهَا فَلَمَّا رأى النَّبِي ﷺ مَا تلقى قَالَ إِنَّه لَيْسَ عَلَيْك بَأْس إِنَّمَا هُوَ أَبوك وغلامك وَهُوَ ظَاهر الْقُرْآن
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَأحمد عَن أم سَلمَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا كَانَ لإحداكن مكَاتب وَكَانَ لَهُ مَا يُؤَدِّي فلتحتجب مِنْهُ
стр. 142
قَالَ سُلَيْمَان الْجمل عَن شيخة فَيجوز لَهُنَّ أَن يكشفن لَهُم مَا عدا مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة وَيجوز للعبيد أَيْضا أَن ينْظرُوا لَهُ وَأَن يكشفوا لَهُنَّ من أبدانهم مَا عدا مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة وَلَكِن بِشَرْط الْعِفَّة وَعدم الشَّهْوَة من الْجَانِبَيْنِ ﴿أَو التَّابِعين غير أولي الإربة من الرِّجَال﴾ أَي الْحَاجة وَالْمرَاد بهؤلاء الحمقى الَّذين لَا حَاجَة لَهُم فِي النِّسَاء وَقيل البله وَقيل الْعنين وَقيل الْخصي وَقيل المخنث وَقيل الشَّيْخ الْكَبِير وَقيل الْمَجْبُوب وَلَا وَجه لهَذَا التَّخْصِيص بل الْمَجْبُوب الَّذِي بَقِي أنثياه والخصي الَّذِي بَقِي ذكره والعنين الَّذِي لَا يقدر على إتْيَان النِّسَاء والمخنث المتشبه بِالنسَاء وَالشَّيْخ الْهَرم كالفحل كَذَا أطلق الْأَكْثَرُونَ
وَالْمرَاد بِالْآيَةِ ظَاهرهَا وهم من يتتبع أهل الْبَيْت فِي فضول الطَّعَام وَلَا حَاجَة لَهُ فِي النِّسَاء وَلَا يحصل مِنْهُ ذَلِك فِي حَال من الْأَحْوَال فَيدْخل فِي هَؤُلَاءِ من هُوَ بِهَذِهِ الصّفة وَيخرج من عداهُ
وَعَن عَائِشَة قَالَت كَانَ مخنث يدْخل على أَزوَاج النَّبِي ﷺ فَكَانُوا يَدعُونَهُ من غير أولي الإربة فَدخل النَّبِي ﷺ يَوْمًا وَهُوَ عِنْد بعض نِسَائِهِ وَهُوَ ينعَت امْرَأَة قَالَ إِذا أَقبلت أَقبلت بِأَرْبَع وَإِذا أَدْبَرت أَدْبَرت بثمان فَقَالَ النَّبِي ﷺ أَلا أرى هَذَا يعرف مَا هَهُنَا لَا يدخلن عليكن فحجبوه ﴿أَو الطِّفْل الَّذين لم يظهروا على عورات النِّسَاء﴾ أَي لم يبلغُوا حد الشَّهْوَة للجماع وَقيل لم يعرفوا الْعَوْرَة من غَيرهَا من الصغر وَقيل لم يبلغُوا أَوَان الْقُدْرَة على الْوَطْء والعورة هِيَ مَا يُرِيد الْإِنْسَان ستره من بدنه وَغلب على السوأتين وَاخْتلف الْعلمَاء فِي وجوب ستر مَا عدا الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ من الْأَطْفَال فَقيل لَا يلْزم لِأَنَّهُ لَا تَكْلِيف عَلَيْهِم وَهُوَ الصَّحِيح وَكَذَا اخْتلف فِي عَورَة
стр. 143
الشَّيْخ الْكَبِير السَّاقِط الشَّهْوَة وَالْأولَى بَقَاء الْحُرْمَة كَمَا كَانَت وَأما حد الْعَوْرَة فأجمع الْمُسلمُونَ على أَن السوأتين عَورَة من الرِّجَال وَالْمَرْأَة وَأَن الْمَرْأَة كلهَا عَورَة إِلَّا وَجههَا ويديها على خلاف فِي ذَلِك وَقَالَ الْأَكْثَر إِن عَورَة الرجل من سرته إِلَى ركبته ﴿وَلَا يضربن بأرجلهن ليعلم مَا يخفين من زينتهن﴾ فَإِن ذَلِك مِمَّا يُورث الرِّجَال ميلًا إلَيْهِنَّ ويوهم أَن لَهُنَّ ميلًا إِلَى الرِّجَال وَهَذَا سد لباب الْمُحرمَات وَتَعْلِيم للأحوط وَإِلَّا فصوت النِّسَاء لَيْسَ بِعَوْرَة عِنْد الشَّافِعِي فضلا عَن صَوت خلخالهن وَقَالَ الزّجاج سَماع هَذِه الزِّينَة أَشد تحريكا للشهوة من إبدائها وَقَالَ ابْن عَبَّاس هُوَ أَن تقرع الخلخال بِالْآخرِ عِنْد الرِّجَال فنهين عَن ذَلِك لِأَنَّهُ من عمل الشَّيْطَان وَسَمَاع صَوت الزِّينَة كإظهارها وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ من فعل ذَلِك مِنْهُنَّ فَرحا بحليهن فَهُوَ مَكْرُوه وَمن فعل تبرجا وتعرضا للرِّجَال فَهُوَ حرَام مَذْمُوم وَكَذَلِكَ من ضرب بنعله الأَرْض من الرِّجَال إِن فعل ذَلِك عجبا حرم فَإِن الْعجب كَبِيرَة وَإِن فعل ذَلِك تبرجا لم يحرم انْتهى
١١٣ - بَاب مَا نزل فِي إنكاح الأيامي
﴿وَأنْكحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم وَالصَّالِحِينَ من عبادكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِم الله من فَضله﴾ سُورَة النُّور
قَالَ تَعَالَى ﴿وَأنْكحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم﴾ الأيم هِيَ الَّتِي لَا زوج لَهَا وَمن لَيْسَ لَهُ زَوْجَة فَيشْمَل الرجل وَالْمَرْأَة غير المتزوجين وَالْخطاب للأولياء والسادة وَقيل للأزواج وَالْأول أرجح وَفِيه دَلِيل على أَن الْمَرْأَة لَا تنْكح نَفسهَا وَعَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ أَيّمَا امْرَأَة نكحت بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل ثَلَاثًا أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَعِنْدَهُمَا عَن أبي مُوسَى
стр. 144
يرفعهُ لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وَاخْتلف فِي هَذَا النِّكَاح فَقَالَ الشَّافِعِي مُبَاح وَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة مُسْتَحبّ وَقَالَ غَيرهم وَاجِب على تَفْصِيل لَهُم فِي ذَلِك وَالْحق أَنه سنة من السّنَن الْمُؤَكّدَة لأحاديث وَردت فِي ترغيب النِّكَاح قَالَ ابْن عَبَّاس رغبهم فِيهِ وَوَعدهمْ فِي ذَلِك الْغنى وَقَالَ أَبُو بكر الصّديق ﵁ أطِيعُوا الله فِيمَا أَمركُم من النِّكَاح ينجز لكم مَا وَعدكُم من الْغَنِيّ وَعَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ مَا رَأَيْت كَرجل لم يلْتَمس الْغنى فِي الْبَاءَة وَقد وعد الله فِيهَا مَا وعد فَقَالَ ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء﴾ وَعَن ابْن مَسْعُود نَحوه وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ انكحوا النِّسَاء فَإِنَّهُنَّ يَأْتينكُمْ بِالْمَالِ أخرجه الْبَزَّار وَالدَّارَقُطْنِيّ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي مراسيله عَن عُرْوَة مَرْفُوعا وَالْمرَاد بالأيامي هَهُنَا الْأَحْرَار والحرائر وَأما المماليك فقد بَين ذَلِك بقوله ﴿وَالصَّالِحِينَ من عبادكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ وَالصَّلَاح هُوَ الْإِيمَان وَالْقِيَام بِحُقُوق النِّكَاح أَو أَن لَا تكون صَغِيرَة لَا تحْتَاج إِلَى النِّكَاح وَلم يذكر الصّلاح فِي الْأَحْرَار لِأَن الْغَالِب فيهم الصّلاح بِخِلَاف المماليك وَفِيه دَلِيل على أَن الْمَمْلُوك لَا يُزَوّج نَفسه وَإِنَّمَا يُزَوجهُ ويتولى تَزْوِيجه مَالِكه وسيده وَلَا يجوز للسَّيِّد أَن يكره عَبده وَأمته على النِّكَاح وَقَالَ مَالك يجوز وَالْأول مَذْهَب الْجُمْهُور ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِم الله من فَضله﴾ أَي لَا تمنعوا من تَزْوِيج الْأَحْرَار بِسَبَب فقد الرجل وَالْمَرْأَة أَو أَحدهمَا مَالا فَإِنَّهُم إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِم الله سُبْحَانَهُ ويتفضل عَلَيْهِم بذلك فَإِن فِي فضل الله غنية عَن المَال فَإِنَّهُ غاد ورائح وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن خِفْتُمْ عيلة فَسَوف يغنيكم الله من فَضله إِن شَاءَ إِن الله عليم حَكِيم﴾ سُورَة التَّوْبَة
стр. 145
وَبِالْجُمْلَةِ فَفِي الْآيَة دلَالَة على جَوَاز النِّكَاح الثَّانِي للأيم رجلا كَانَ أَو امْرَأَة بل إِيجَاب لَهُ لِأَن الْحَقِيقَة فِي الْأَمر الْوُجُوب وَلَا صَارف لَهُ هُنَا ١١
٤ - بَاب مَا نزل فِي النَّهْي عَن الْإِكْرَاه للفتيات على الْبغاء)
﴿وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء إِن أردن تَحَصُّنًا لتبتغوا عرض الْحَيَاة الدُّنْيَا وَمن يكرههن فَإِن الله من بعد إكراههن غَفُور رَحِيم﴾ سُورَة النُّور
قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء﴾ أَي إماءكم على الزِّنَى ﴿إِن أردن تَحَصُّنًا﴾ أَي تعففا وتزوجا وَعَن جَابر بن عبد الله قَالَ كَانَ عبد الله بن أبي يَقُول لجارية لَهُ اذهبي فابغينا شَيْئا وَكَانَت كارهة فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَسَعِيد بن مَنْصُور وَابْن أبي شيبَة وَغَيرهم
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يكْرهُونَ إماءهم على الزِّنَى فَيَأْخُذُونَ أُجُورهنَّ فَنزلت هَذِه الْآيَة وَقد ورد النَّهْي عَن مهر الْبَغي وَكسب الْحجام وحاوان الكاهن وَفِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة رِوَايَات ﴿لتبتغوا عرض الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ وَهُوَ مَا تكسبه الْأمة بفرجها ﴿وَمن يكرههن فَإِن الله من بعد إكراههن غَفُور رَحِيم﴾ مَعْنَاهُ أَن عُقُوبَة الْإِكْرَاه رَاجِعَة إِلَى المكرهين لَا إِلَى المكرهات وَقيل إِن الله غَفُور رَحِيم لَهُم إِمَّا مُطلقًا أَو بِشَرْط التَّوْبَة
стр. 146
١١٥ - بَاب مَا نزل فِي الاسْتِئْذَان للدخول على النِّسَاء
﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لِيَسْتَأْذِنكُم الَّذين ملكت أَيْمَانكُم وَالَّذين لم يبلغُوا الْحلم مِنْكُم ثَلَاث مَرَّات من قبل صَلَاة الْفجْر وَحين تضعون ثيابكم من الظهيرة وَمن بعد صَلَاة الْعشَاء ثَلَاث عورات لكم لَيْسَ عَلَيْكُم وَلَا عَلَيْهِم جنَاح بعدهن طَوَّافُونَ عَلَيْكُم﴾ سُورَة النُّور
قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لِيَسْتَأْذِنكُم الَّذين ملكت أَيْمَانكُم﴾ العبيد وَالْإِمَاء عَن مقَاتل بن حَيَّان قَالَ بلغنَا أَن رجلا من الْأَنْصَار وَامْرَأَته أَسمَاء بنت مرشده صنعا للنَّبِي ﷺ طَعَاما فَقَالَت أَسمَاء يَا رَسُول الله مَا أقبح هَذَا إِنَّه ليدْخل على الْمَرْأَة وزجها وهما فِي ثوب وَاحِد غلامهما بِغَيْر إِذن فَأنْزل الله فِي ذَلِك هَذِه الْآيَة يَعْنِي بهَا العبيد وَالْإِمَاء
وَعَن السّديّ قَالَ كَانَ أنَاس من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يعجبهم أَن يواقعوا نِسَاءَهُمْ فِي هَذِه السَّاعَات ليغتسلوا ثمَّ يخرجُوا إِلَى الصَّلَاة فَأمروا المملوكين والغلمان أَن لَا يدخلُوا عَلَيْهِم فِي تِلْكَ السَّاعَات إِلَّا بِإِذن ﴿وَالَّذين لم يبلغُوا الْحلم مِنْكُم﴾ أَي الصّبيان وَالْمرَاد الْأَحْرَار من الرِّجَال وَالنِّسَاء وَاتَّفَقُوا على أَن الِاحْتِلَام بُلُوغ وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا بلغ خمس عشرَة سنة وَلم يَحْتَلِم فَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يكون بَالغا حَتَّى يبلغ ثَمَانِي عشرَة سنة ويستكملها وَالْجَارِيَة سبع عشرَة سنة وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد فِي الْغُلَام وَالْجَارِيَة بِخمْس عشرَة سنة يصير مُكَلّفا وتجري عَلَيْهِ الْأَحْكَام وَإِن لم يَحْتَلِم ﴿ثَلَاث مَرَّات﴾ أَي ثَلَاثَة أَوْقَات فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة ﴿من قبل صَلَاة الْفجْر وَحين تضعون ثيابكم﴾ فِي النَّهَار ﴿من﴾ شدَّة حر ﴿الظهيرة﴾ وَذَلِكَ عِنْد
стр. 147
انتصاف النَّهَار ﴿وَمن بعد صَلَاة الْعشَاء﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَقت التجرد عَن ثِيَاب الْيَقَظَة وَالْخلْوَة بالأهل والالتحاف بِثِيَاب النّوم ﴿ثَلَاث عورات لكم﴾ أَي أَوْقَات يخْتل فِيهَا السّتْر وَقيل ثَلَاث استئذانات وَالْأول أرجح لحَدِيث عبد الله بن سُوَيْد قَالَ سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن العورات الثَّلَاث فَقَالَ إِذا أَنا وضعت ثِيَابِي بعد الظهيرة لم يلج عَليّ أحد من الخدم من الَّذين لم يبلغُوا الْحلم وَلَا أحد لم يبلغ الْحلم من الاحرار إِلَّا بِإِذن وَإِذا وضعت ثِيَابِي بعد صَلَاة الْعشَاء وَمن قبل صَلَاة الصُّبْح أخرجه ابْن مرْدَوَيْه
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ إِنَّه لم يُؤمن بهَا أَكثر النَّاس يَعْنِي آيَة الْإِذْن وَإِنِّي لآمر جاريتي هَذِه جَارِيَة قَصِيرَة قَائِمَة على رَأسه أَن تستأذن عَليّ وَعنهُ قَالَ ترك النَّاس ثَلَاث آيَات لم يعملوا بِهن هَذِه الْآيَة وَالْآيَة الَّتِي فِي سُورَة النِّسَاء ﴿وَإِذا حضر الْقِسْمَة﴾ الْآيَة وَالْآيَة الَّتِي فِي الحجرات ﴿إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم﴾ وَعنهُ أَن رجلا سَأَلَهُ عَن الاسْتِئْذَان فِي الثَّلَاث العورات فَقَالَ إِن الله ستير يحب السّتْر وَكَانَ النَّاس لَهُم ستور على أَبْوَابهم وَلَا حجاب فِي بُيُوتهم فَرُبمَا فجأ الرجل خادمه أَو وَلَده أَو يتيمه فِي حجره وَهُوَ على أَهله فَأَمرهمْ أَن يستأذنوا فِي تِلْكَ العورات الَّتِي سَمَّاهَا الله ثمَّ جَاءَ الله بعد بالستور وَبسط عَلَيْهِم الرزق فاتخذوا الستور والحجال فَرَأى النَّاس أَن ذَلِك قد كفاهم من الاسْتِئْذَان الَّذِي أمروا بِهِ
وَعَن ابْن عمر فِي الْآيَة قَالَ هِيَ على الذُّكُور دون الْإِنَاث وَلَا وَجه لهَذَا التَّخْصِيص وَعَن السّلمِيّ قَالَ هِيَ فِي النِّسَاء خَاصَّة وَالرِّجَال يستأذنون على كل حَال فِي اللَّيْل وَالنَّهَار ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم وَلَا عَلَيْهِم جنَاح بعدهن﴾ أَي بعد كل وَاحِدَة من هَذِه العورات الثَّلَاث ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُم﴾ أَي يطوفون وهم خدمكم فَلَا بَأْس أَن يدخلُوا عَلَيْكُم فِي غير هَذِه الْأَوْقَات بِغَيْر إِذن
стр. 148
١١٦ - بَاب مَا نزل فِي الْقَوَاعِد من النِّسَاء
﴿وَالْقَوَاعِد من النِّسَاء اللَّاتِي لَا يرجون نِكَاحا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جنَاح أَن يَضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وَأَن يستعففن خير لَهُنَّ﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿وَالْقَوَاعِد من النِّسَاء﴾ أَي الْعَجَائِز اللَّاتِي قعدن عَن الْمَحِيض أَو عَن الِاسْتِمْتَاع أَو عَن الْوَلَد من الْكبر فَلَا يلدن وَلَا يحضن ﴿اللَّاتِي لَا يرجون نِكَاحا﴾ أَي لَا يطمعن فِيهِ لكبرهن وَقيل هن اللواتي إِذا رآهن الرِّجَال استقذروهن فَأَما من كَانَت فِيهَا بَقِيَّة جمال وَهِي مَحل الشَّهْوَة فَلَا تدخل فِي حكم هَذِه الْآيَة ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جنَاح أَن يَضعن ثيابهن﴾ الَّتِي تكون على ظَاهر الْبدن كالجلباب والرداء الَّذِي فَوق الثِّيَاب والقناع الَّذِي فَوق الْخمار وَنَحْوهَا لَا الثِّيَاب الَّتِي على الْعَوْرَة الْخَاصَّة والخمار وَإِنَّمَا جَازَ لَهُنَّ ذَلِك لانصراف الْأَنْفس عَنْهُن إِذْ لَا رَغْبَة للرِّجَال فِيهِنَّ فأباح الله سُبْحَانَهُ لَهُنَّ مَا لم يبحه لغيرهن ﴿غير متبرجات بزينة﴾ أَي غير مظهرات للزِّينَة الَّتِي أمرن بإخفائها فِي قَوْله ﴿وَلَا يبدين زينتهن﴾ لينْظر إلَيْهِنَّ الرِّجَال أَو زِينَة خُفْيَة كقلادة وسوار وخلخال والتبرج التكشف والظهور للعيون والتكلف فِي إِظْهَار مَا يخفى وَإِظْهَار الْمَرْأَة زينتها ومحاسنها للرِّجَال ﴿وَأَن يستعففن خير لَهُنَّ﴾ أَي وَأَن يتركن وضع الثِّيَاب ويطلبن الْعِفَّة عَنهُ كَانَ ذَلِك خيرا فِي حقهن وَأقرب من التَّقْوَى
стр. 149
١١٧ - بَاب مَا نزل فِي الْأكل من بيُوت النِّسَاء
﴿لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج وَلَا على الْأَعْرَج حرج وَلَا على الْمَرِيض حرج وَلَا على أَنفسكُم أَن تَأْكُلُوا من بُيُوتكُمْ أَو بيُوت آبائكم أَو بيُوت أُمَّهَاتكُم أَو بيُوت إخْوَانكُمْ أَو بيُوت أخواتكم أَو بيُوت أعمامكم أَو بيُوت عماتكم أَو بيُوت أخوالكم أَو بيُوت خالاتكم أَو مَا ملكتم مفاتحه أَو صديقكم لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَو أشتاتا﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج وَلَا على الْأَعْرَج حرج وَلَا على الْمَرِيض حرج وَلَا على أَنفسكُم أَن تَأْكُلُوا من بُيُوتكُمْ﴾ الَّتِي فِيهَا مَتَاعكُمْ وأهلكم فَيدْخل بيُوت الْأَوْلَاد كَذَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ لكَون بَيت ابْن الرجل بَيته فَلِذَا لم يذكر سُبْحَانَهُ بيُوت الْأَوْلَاد وَذكر بيُوت الْآبَاء وبيوت الْأُمَّهَات وَمن بعدهمْ أَو الْمَعْنى من بيُوت أزواجكم لِأَن بَيت الْمَرْأَة كبيت الزَّوْج وَلِأَن الزَّوْجَيْنِ صَارا كَنَفس وَاحِدَة ﴿أَو بيُوت آبائكم أَو بيُوت أُمَّهَاتكُم أَو بيُوت إخْوَانكُمْ أَو بيُوت أخواتكم أَو بيُوت أعمامكم أَو بيُوت عماتكم أَو بيُوت أخوالكم أَو بيُوت خالاتكم﴾ قَالَ بعض الْعلمَاء جَوَاز الْأكل من بيُوت هَؤُلَاءِ بِالْإِذْنِ مِنْهُم لِأَن الْإِذْن ثَابت دلَالَة وَقَالَ آخَرُونَ لَا يشْتَرط الْإِذْن قيل وَهَذَا إِذا كَانَ الطَّعَام مبذولا فَإِن كَانَ محرزا دونهم لم يجز لَهُم أكله قَالَه الْخَطِيب وَهَؤُلَاء يَكْفِي فيهم أدنى قرينَة بل يَنْبَغِي أَن يشْتَرط فيهم أَن لَا يعلم عدم الرِّضَا بِخِلَاف غَيرهم من الْأَجَانِب فَلَا بُد فيهم من صَرِيح الْإِذْن أَو قرينَة قَوِيَّة هَذَا مَا ظهر لي وَلم أر من تعرض لذَلِك ﴿أَو مَا ملكتم مفاتحه﴾ أَي الْبيُوت الَّتِي تَمْلِكُونَ التَّصَرُّف فِيهَا بِإِذن
стр. 150
أَرْبَابهَا وَذَلِكَ كالوكلاء والخزان وَقيل المُرَاد بيُوت المماليك ﴿أَو صديقكم﴾ وَإِن لم يكن بَيْنكُم وَبَينه قرَابَة فَإِن الصّديق فِي الْغَالِب يسمح لصديقه بذلك وتطيب بِهِ نَفسه ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَو أشتاتا﴾ أَي مُجْتَمعين أَو مُتَفَرّقين
١١٨ - بَاب مَا نزل فِي النّسَب والصهر
﴿وَهُوَ الَّذِي خلق من المَاء بشرا فَجعله نسبا وصهرا﴾
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْفرْقَان ﴿وَهُوَ الَّذِي خلق من المَاء بشرا فَجعله نسبا وصهرا﴾ قيل النّسَب هُوَ الَّذِي لَا يحل نِكَاحه والصهر مَا يحل نِكَاحه وَقيل الصهر قرَابَة النِّكَاح فقرابة الزَّوْجَة هم الْأخْتَان وقرابة الزَّوْج هم الأحماء والأصهار تعمهما وَفِي الْقَامُوس الصهر بِالْكَسْرِ الْقَرَابَة والختن وَقَالَ الْخَلِيل الصهر أهل بَيت الْمَرْأَة
وَقَالَ الْأَزْهَرِي الصهر يشْتَمل على قَرَابَات النِّسَاء ذَوي الْمَحَارِم وَذَوَات الْمَحَارِم كالأبوين وَالإِخْوَة وَأَوْلَادهمْ والأعمام والأخوال والخالات فَهَؤُلَاءِ أَصْهَار زوج الْمَرْأَة وَمن قبل الزَّوْج من ذَوي قرَابَته الْمَحَارِم فهم أَصْهَار الْمَرْأَة أَيْضا
وَقَالَ ابْن السّكيت كل من كَانَ من قبل الزَّوْج من أَبِيه أَو أُخْته أَو عَمه فهم الأحماء وَمن كَانَ من قبل الْمَرْأَة فهم الْأخْتَان وَيجمع الصِّنْفَيْنِ الأصهار
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ النّسَب والصهر مَعْنيانِ يعمان كل قربى تكون بَين آدميين
стр. 151
وَقَالَ الواحدي قَالَ الْمُفَسِّرُونَ النّسَب سَبْعَة أَصْنَاف من الْقَرَابَة يجمعها قَوْله ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَأُمَّهَات نِسَائِكُم﴾ وَمن هُنَا إِلَى قَوْله ﴿وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ﴾ تَحْرِيم بالصهر وَهُوَ الْخلطَة الَّتِي تشبه الْقَرَابَة وَهُوَ النّسَب الْمحرم للنِّكَاح وَقد حرم الله سَبْعَة أَصْنَاف من النّسَب من جِهَة الصهر أَي السَّبَب واشتملت الْآيَة الْمَذْكُورَة على سِتَّة مِنْهَا وَالسَّابِعَة قَوْله ﴿وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح آباؤكم من النِّسَاء﴾ وَقد جعل ابْن عَطِيَّة والزجاج وَغَيرهمَا الرَّضَاع من جملَة النّسَب وَيُؤَيِّدهُ قَوْله ﷺ يحرم من الرَّضَاع مايحرم من النّسَب
أَرَادَ سُبْحَانَهُ تَقْسِيم الْبشر قسمَيْنِ ذَوي النّسَب أَي ذُكُورا ينْسب اليهم فَيُقَال فلَان ابْن فلَان وفلانة بنت فلَان وَذَوَات صهر أَي إِنَاثًا يصاهر بِهن كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَجعل مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذّكر وَالْأُنْثَى﴾ ١١٩
بَاب مَا نزل فِي الدُّعَاء للأزواج والذرية
﴿وَالَّذين يَقُولُونَ رَبنَا هَب لنا من أَزوَاجنَا وَذُرِّيَّاتنَا قُرَّة أعين واجعلنا لِلْمُتقين إِمَامًا﴾ الْفرْقَان ٧٤
قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين يَقُولُونَ رَبنَا هَب لنا من أَزوَاجنَا وَذُرِّيَّاتنَا قُرَّة أعين﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس يعنون من يعْمل بِالطَّاعَةِ فتقر بِهِ أَعيننَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْء أقرّ لعين الْمُؤمن من أَن يرى زَوجته وَأَوْلَاده مُطِيعِينَ لله فيطمع أَن يحلوا مَعَه فِي الْجنَّة فَيتم سروره وتقر عينه بذلك ﴿واجعلنا لِلْمُتقين إِمَامًا﴾ أَي قدوة يقْتَدى بِنَا فِي الْخَيْر وَإِقَامَة
стр. 152
مراسم الدَّين بإفاضة الْعلم والتوفيق للْعَمَل الصَّالح وَفِي آخر هَذِه الْآيَة وعد الْجنَّة لهَؤُلَاء الداعين اللَّهُمَّ أرزقنا إِيَّاهَا
١٢٠ - بَاب مَا نزل فِي إِبَاحَة الزَّوْجَات للزَّوْج
﴿أتأتون الذكران من الْعَالمين وتذرون مَا خلق لكم ربكُم من أزواجكم بل أَنْتُم قوم عادون﴾
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الشُّعَرَاء ﴿أتأتون﴾ أَي أتنكحون ﴿الذكران﴾ جمع الذّكر ضد الْأُنْثَى وهم بَنو آدم أَو كل حَيَوَان ﴿من الْعَالمين﴾ أَي من النَّاس وَقد كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك بالغرباء ﴿وتذرون﴾ أَي تتركون ﴿مَا خلق﴾ أَي أصلح وَأحل وأباح ﴿لكم ربكُم﴾ لأجل استمتاعكم بِهِ ﴿من أزواجكم﴾ المُرَاد بِهن جنس الْإِنَاث وَقَالَ مُجَاهِد تركْتُم أقبال النِّسَاء إِلَى أدبار الرِّجَال وأدبار النِّسَاء وَعَن عِكْرِمَة نَحوه وَفِيه دَلِيل على تَحْرِيم أدبار الزَّوْجَات والمملوكات قَالَ النَّسَفِيّ من أجَازه فقد أَخطَأ خطأ عَظِيما ﴿بل أَنْتُم قوم عادون﴾ أَي مجاوزون للحد فِي جَمِيع الْمعاصِي وَمن جُمْلَتهَا هَذِه الْمعْصِيَة الَّتِي ترتكبونها من الذكران
стр. 153
١٢١ - بَاب مَا نزل فِي الدُّعَاء للوالدة
﴿وَقَالَ رب أوزعني أَن أشكر نِعْمَتك الَّتِي أَنْعَمت عَليّ وعَلى وَالِدي وَأَن أعمل صَالحا ترضاه وأدخلني بِرَحْمَتك فِي عِبَادك الصَّالِحين﴾
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة النَّمْل ﴿وَقَالَ رب أوزعني أَن أشكر نِعْمَتك الَّتِي أَنْعَمت عَليّ وعَلى وَالِدي وَأَن أعمل صَالحا ترضاه وأدخلني بِرَحْمَتك فِي عِبَادك الصَّالِحين﴾ معنى أوزعني ألهمني الدُّعَاء مِنْهُ بِأَن يوزعه الله شكر نعْمَته على وَالِديهِ كَمَا أوزعه شكر نعْمَته عَلَيْهِ لِأَن الإنعام عَلَيْهِمَا إنعام عَلَيْهِ وَذَلِكَ يسْتَوْجب الشُّكْر مِنْهُ لله سُبْحَانَهُ قَالَ أهل الْكتاب وَأمه هِيَ زَوْجَة أوريا بِوَزْن قوتلا الَّتِي امتحن الله بهَا دَاوُد قَالَه الْقُرْطُبِيّ وَالله أعلم بِصِحَّتِهِ
١٢٢ - بَاب مَا نزل فِي كَون الْمَرْأَة ملكة لمملكة
﴿إِنِّي وجدت امْرَأَة تملكهم وَأُوتِيت من كل شَيْء وَلها عرش عَظِيم وَجدتهَا وقومها يَسْجُدُونَ للشمس من دون الله وزين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم فصدهم عَن السَّبِيل فهم لَا يَهْتَدُونَ﴾ سُورَة النَّمْل
قَالَ تَعَالَى ﴿إِنِّي وجدت امْرَأَة تملكهم﴾ هِيَ بلقيس بنت شرَاحِيل وَقيل بنت ذِي شرح وجدهَا الهدهد تملك أهل سبأ وَكَانَ أَبوهَا ملك أَرض الْيمن وَلم يكن لَهُ ولد غَيرهَا فَغلبَتْ على الْملك وَكَانَت هِيَ وقومها
стр. 154
مجوسا يعْبدُونَ الشَّمْس وَقَالَ ابْن عَبَّاس هِيَ بنت ذِي شيره وَكَانَت شعراء قيل كَانَت من نسل يعرب بن قحطان وَعَن أَي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أحد أَبَوي بلقيس كَانَ جنيا أخرجه ابْن عَسَاكِر وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن جرير ﴿وَأُوتِيت من كل شَيْء﴾ من الْأَشْيَاء الَّتِي تحْتَاج إِلَيْهَا الْمُلُوك من الْآلَة وَالْعدة وَكَانَ تخدمها النِّسَاء ﴿وَلها عرش عَظِيم﴾ أَي سَرِير كَبِير ضخم قيل كَانَ مسبوكا من الذَّهَب وَالْفِضَّة طوله ثَمَانُون ذِرَاعا وَعرضه أَرْبَعُونَ ذِرَاعا وارتفاعه فِي السَّمَاء ثَلَاثُونَ ذِرَاعا مكللا بالدر والياقوت الْأَحْمَر والزبرجد الْأَخْضَر والزمرد
قَالَ ابْن عَطِيَّة وَاللَّازِم من الْآيَة أَنَّهَا امْرَأَة ملكت على مداين الْيمن ذَات ملك عَظِيم وسرير وَكَانَت كَافِرَة من قوم كفار وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ سَرِير كريم من ذهب وقوائمه من جَوْهَر ولؤلؤ حسن الصَّنْعَة غالي الثّمن عَلَيْهِ سَبْعَة أَبْيَات على كل بَيت بَاب مغلق ﴿وَجدتهَا وقومها يَسْجُدُونَ للشمس من دون الله﴾ أَي يعبدونها متجاوزين عبَادَة الله سُبْحَانَهُ قيل كَانُوا مجوسا وَقيل زنادقة ﴿وزين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم﴾ الَّتِي يعملونها وَهِي عبَادَة الشَّمْس وَسَائِر أَعمال الْكفْر ﴿فصدهم عَن السَّبِيل﴾ أَي الطَّرِيق الْوَاضِح وَهُوَ الْإِيمَان بِاللَّه وتوحيده ﴿فهم لَا يَهْتَدُونَ﴾ إِلَى ذَلِك إِلَى آخر الْآيَة
وَفِي الْآيَة ورد الشّرك بِاللَّه فِي الْعِبَادَة وَقد وقفت فِي هَذَا الْبَاب على كتاب سَمَّاهُ مُؤَلفه الدَّين الْخَالِص جمع فِيهِ كل مَا فِيهِ شرك أَو بِدعَة ضَالَّة وكل مَا ورد فِي ذَلِك من الْآيَات وَالسّنة
стр. 155
١٢٣ - بَاب مَا نزل فِي إِجَابَة الْمَرْأَة الرجل على كِتَابَته إِلَيْهَا
﴿قَالَت يَا أَيهَا الْمَلأ إِنِّي ألقِي إِلَيّ كتاب كريم إِنَّه من سُلَيْمَان وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم أَلا تعلوا عَليّ وأتوني مُسلمين قَالَت يَا أَيهَا الْمَلأ أفتوني فِي أَمْرِي مَا كنت قَاطِعَة أمرا حَتَّى تَشْهَدُون قَالُوا نَحن أولُوا قُوَّة وأولو بَأْس شَدِيد وَالْأَمر إِلَيْك فانظري مَاذَا تأمرين قَالَت إِن الْمُلُوك إِذا دخلُوا قَرْيَة أفسدوها وَجعلُوا أعزة أَهلهَا أَذِلَّة وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ وَإِنِّي مُرْسلَة إِلَيْهِم بهدية فناظرة بِمَ يرجع المُرْسَلُونَ﴾ ﴿فَلَمَّا جَاءَت قيل أهكذا عرشك قَالَت كَأَنَّهُ هُوَ وأوتينا الْعلم من قبلهَا وَكُنَّا مُسلمين وصدها مَا كَانَت تعبد من دون الله إِنَّهَا كَانَت من قوم كَافِرين قيل لَهَا ادخلي الصرح فَلَمَّا رَأَتْهُ حسبته لجة وكشفت عَن سَاقيهَا قَالَ إِنَّه صرح ممرد من قَوَارِير قَالَت رب إِنِّي ظلمت نَفسِي وَأسْلمت مَعَ سُلَيْمَان﴾ سُورَة النَّمْل
قَالَ تَعَالَى ﴿قَالَت﴾ أَي بلقيس ﴿يَا أَيهَا الْمَلأ إِنِّي ألقِي إِلَيّ كتاب كريم﴾ الْمَلأ الْأَشْرَاف والكريم الْمُعظم أَو الْمَخْتُوم فَإِن كَرَامَة الْكتاب خَتمه كَمَا رُوِيَ ذَلِك مَرْفُوعا قَالَ ابْن المقفع من كتب إِلَى أَخِيه كتابا وَلم يختمه فقد استخف بِهِ ﴿أَنه من﴾ عبد الله ﴿سُلَيْمَان﴾ بن دَاوُد إِلَى بلقيس ملكة سبأ ﴿وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ أَي مفتتح بِالتَّسْمِيَةِ أخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مَيْمُون بن مهْرَان أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يكْتب بِاسْمِك اللَّهُمَّ حَتَّى نزلت هَذِه الْآيَة فَكَانَ يكْتب الْبَسْمَلَة وَبعدهَا السَّلَام على من اتبع الْهدى
стр. 156
﴿أَلا تعلوا﴾ لَا تتكبروا ﴿على﴾ كَمَا تَفْعَلهُ جبابرة الْمُلُوك ﴿وأتوني مُسلمين﴾ أَي طائعين منقادين للدّين مُؤمنين بِمَا جِئْت بِهِ قيل لم يزدْ سُلَيْمَان على مَا نَص الله فِي كِتَابه وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاء كَانُوا يَكْتُبُونَ جملا لَا يطيلون وَلَا يكثرون قيل طبعه سُلَيْمَان بالمسك أَي جعل عَلَيْهِ قِطْعَة مِنْهُ كالشمع ثمَّ خَتمه بِخَاتمِهِ ﴿قَالَت يَا أَيهَا الْمَلأ أفتوني فِي أَمْرِي مَا كنت قَاطِعَة أمرا حَتَّى تَشْهَدُون﴾ أَي تشيروا عَليّ ﴿قَالُوا نَحن أولُوا قُوَّة﴾ فِي الْعدَد وَالْعدة ﴿وأولو بَأْس شَدِيد﴾ عِنْد الْحَرْب واللقاء ﴿وَالْأَمر إِلَيْك﴾ أَي إِلَى رَأْيك ونظرك ﴿فانظري﴾ أَي تأملي ﴿مَاذَا تأمرين﴾ إيانا بِهِ فَنحْن سامعون لأمرك مطيعون لَهُ فَلَمَّا سَمِعت تفويضهم الْأَمر إِلَيْهَا لم ترض بِالْحَرْبِ بل مَالَتْ للصلح وبينت السَّبَب فِي رغبتها فِيهِ ﴿قَالَت إِن الْمُلُوك إِذا دخلُوا قَرْيَة﴾ من الْقرى ﴿أفسدوها﴾ أَي خربوا مبانيها وغيروا مغانيها وأتلفوا أموالها وَفرقُوا شَمل أَهلهَا إِذا أخذوها عنْوَة وقهرا أخربوها قَالَه ابْن عَبَّاس ﴿وَجعلُوا أعزة أَهلهَا أَذِلَّة﴾ أَي أهانوا أَشْرَافهَا وحطوا مَرَاتِبهمْ فصاروا عِنْد ذَلِك أَذِلَّة وَإِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِك لأجل ان يتم لَهُم الْملك وتستحكم لَهُم الْوَطْأَة وتتقرر لَهُم فِي قُلُوبهم المهابة وَالْمَقْصُود من قَوْلهَا هَذَا تحذير قَومهَا من مسير سُلَيْمَان إِلَيْهِم ودخوله بِلَادهمْ ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أَرَادَت أَن هَذِه عَادَتهم المستمرة الَّتِي لَا تَتَغَيَّر لِأَنَّهَا كَانَت فِي بَيت الْملك الْقَدِيم فَسمِعت نَحْو ذَلِك وَرَأَتْ ﴿وَإِنِّي مُرْسلَة إِلَيْهِم﴾ أَي إِنِّي أجرب هَذَا الرجل بإرسال رُسُلِي إِلَيْهِ ﴿بهدية﴾ مُشْتَمِلَة على نفائس الْأَمْوَال فَإِن كَانَ ملكا أرضيناه بذلك وكفينا أمره وَإِن كَانَ نَبيا لم يرضه ذَلِك لِأَن غَايَة مطلبه ومنتهى أربه
стр. 157
هُوَ الدُّعَاء إِلَى الدَّين فَلَا ينجينا مِنْهُ إِلَّا إجَابَته ومتابعته والتدين بِدِينِهِ وسلوك طَرِيقَته وَلِهَذَا قَالَت ﴿فناظرة بِمَ يرجع المُرْسَلُونَ﴾ بالهدية من قبُول أَو رد فعاملة بِمَا يَقْتَضِيهِ ذَلِك وَذَلِكَ أَن بلقيس كَانَت امْرَأَة لَبِيبَة عَاقِلَة قد سادت الْأُمُور وجربتها وَقد طول الْمُفَسِّرُونَ فِي ذكر هَذِه الْهَدِيَّة فَلَا فَائِدَة فِي التَّطْوِيل بذكرها هُنَا ثمَّ ذكر سُبْحَانَهُ قصَّة رد الْهَدِيَّة وَطلب عرشها وإتيانه فِي طرفَة الْعين وتنكيره لَهَا إِلَى قَوْله ﴿فَلَمَّا جَاءَت﴾ أَي بلقيس إِلَى سُلَيْمَان ﴿قيل أهكذا عرشك قَالَت كَأَنَّهُ هُوَ﴾ أجابت أحسن جَوَاب إِذْ لم تقل هُوَ هُوَ وَلَا لَيْسَ بِهِ وَذَلِكَ من رجاحة عقلهَا ﴿وأوتينا الْعلم من قبلهَا وَكُنَّا مُسلمين وصدها مَا كَانَت تعبد من دون الله إِنَّهَا كَانَت من قوم كَافِرين قيل لَهَا ادخلي الصرح﴾ أَي الْقصر أَو الصحن أَو كل بِنَاء مُرْتَفع ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حسبته لجة﴾ أَي مُعظم المَاء وَقيل الْبَحْر ﴿وكشفت عَن سَاقيهَا﴾ لتخوض المَاء خوفًا عَلَيْهَا أَن تبتل فَإِذا هِيَ أحسن النِّسَاء ساقا سليمَة مِمَّا قَالَت الْجِنّ فِيهَا غير أَنَّهَا كَانَت كَثِيرَة الشّعْر فَلَمَّا فعلت ذَلِك وَبَلغت إِلَى هَذَا الْحَد ﴿قَالَ﴾ لَهَا سُلَيْمَان ﵇ بعد أَن صرف بَصَره عَنْهَا ﴿إِنَّه صرح ممرد من قَوَارِير﴾ أَي مسقف بسطح ﴿قَالَت رب إِنِّي ظلمت نَفسِي﴾ أَي بِمَا كنت عَلَيْهِ من عبَادَة غَيْرك ﴿وَأسْلمت مَعَ سُلَيْمَان﴾ مُتَابعَة لَهُ دَاخِلَة فِي دينه وَهُوَ الْإِسْلَام ﴿لله رب الْعَالمين﴾
أخرج ابْن الْمُنْذر وَعبد بن حميد وَابْن أبي شيبَة وَغَيرهم عَن ابْن عَبَّاس فِي أثر طَوِيل أَن سُلَيْمَان تزَوجهَا بعد ذَلِك قَالَ أَبُو بكر بن أبي شيبَة مَا أحْسنه من حَدِيث قَالَ ابْن كثير فِي تَفْسِيره بعد حِكَايَة هَذَا القَوْل بل هُوَ مُنكر جدا وَلَعَلَّه من أَوْهَام عَطاء بن السَّائِب على ابْن عَبَّاس وَالله أعلم
стр. 158
وَالْأَقْرَب فِي مثل هَذِه السياقات أَنَّهَا مُتَلَقَّاة عَن أهل الْكتاب مِمَّا يُوجد فِي صُحُفهمْ كروايات كَعْب ووهب سامحهما الله فِيمَا نقلا إِلَى هَذِه الْأمة من بني إِسْرَائِيل من الأوابد والغرائب والعجائب مِمَّا كَانَ وَمِمَّا لم يكن وَمِمَّا حرف وَبدل وَنسخ انْتهى
وَقيل انْتهى أمرهَا إِلَى قَوْلهَا أسلمت وَلَا علم لأحد وَرَاء ذَلِك لِأَنَّهُ لم يذكر فِي الْكتاب وَلَا فِي خبر صَحِيح وَرُوِيَ أَن سُلَيْمَان ملك وَهُوَ ابْن ثَلَاث عشرَة سنة وَمَات وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَخمسين سنة وانقضى ملك سُلَيْمَان فسبحان من لَا انْقِضَاء لدوام ملكه
١٢٤ - بَاب مَا نزل فِي إهلاك امْرَأَة لوط ﵇
﴿أئنكم لتأتون الرِّجَال شَهْوَة من دون النِّسَاء بل أَنْتُم قوم تجهلون﴾ ﴿فأنجيناه وَأَهله إِلَّا امْرَأَته قدرناها من الغابرين﴾ سُورَة النَّمْل
قَالَ تَعَالَى ﴿أئنكم لتأتون الرِّجَال شَهْوَة﴾ هِيَ اللواطة ﴿من دون النِّسَاء﴾ اللَّاتِي هن مَحل للنسل ﴿بل أَنْتُم قوم تجهلون﴾ التَّحْرِيم أَو الْعقُوبَة على هَذِه الْمعْصِيَة إِلَى قَوْله ﴿فأنجيناه وَأَهله إِلَّا امْرَأَته قدرناها من الغابرين﴾ فِي الْعَذَاب وَقد تقدم تَفْسِير مثل هَذِه الْآيَة
стр. 159
١٢٥ - بَاب مَا نزل فِي الإلهام إِلَى الْمَرْأَة
﴿وأوحينا إِلَى أم مُوسَى أَن أرضعيه فَإِذا خفت عَلَيْهِ فألقيه فِي اليم وَلَا تخافي وَلَا تحزني إِنَّا رادوه إِلَيْك وجاعلوه من الْمُرْسلين﴾
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْقَصَص ﴿وأوحينا إِلَى أم مُوسَى﴾ أَي ألهمناها الَّذِي صنعت وَقد أجمع الْعلمَاء على أَنَّهَا لم تكن نبية وَكَانَ أسمها يوحانذ وَقيل لوخا بنت هاند بن لاوي بن يَعْقُوب نَقله الْقُرْطُبِيّ عَن الثَّعْلَبِيّ ﴿أَن أرضعيه﴾ قيل أَرْضَعَتْه ثَمَانِيَة أشهر وَقيل أَرْبَعَة وَقيل ثَلَاثَة وَكَانَت ترْضِعه وَهُوَ لَا يبكي وَلَا يَتَحَرَّك فِي حجرها وَكَانَ الْوَحْي بإرضاعه قبل وِلَادَته وَقيل بعْدهَا ﴿فَإِذا خفت عَلَيْهِ﴾ من فِرْعَوْن بِأَن يبلغ خَبره إِلَيْهِ فيذبحه ﴿فألقيه فِي اليم﴾ هُوَ بَحر النّيل ﴿وَلَا تخافي﴾ عَلَيْهِ الْغَرق أَو الضَّيْعَة ﴿وَلَا تحزني إِنَّا رادوه إِلَيْك﴾ عَن قريب على وَجه تكون بِهِ نجاته وتأمنين عَلَيْهِ ﴿وجاعلوه من الْمُرْسلين﴾ الَّذين نرسلهم إِلَى الْعباد
стр. 160
١٢٦ - بَاب مَا نزل فِي تبني الْمَرْأَة ابْن غَيرهَا ولدا وإرضاع الْأُم وَلَدهَا
﴿وَقَالَت امْرَأَة فِرْعَوْن قُرَّة عين لي وَلَك لَا تقتلوه عَسى أَن ينفعنا أَو نتخذه ولدا وهم لَا يَشْعُرُونَ وَأصْبح فؤاد أم مُوسَى فَارغًا إِن كَادَت لتبدي بِهِ لَوْلَا أَن ربطنا على قَلبهَا لتَكون من الْمُؤمنِينَ وَقَالَت لأخته قصيه فبصرت بِهِ عَن جنب وهم لَا يَشْعُرُونَ وحرمنا عَلَيْهِ المراضع من قبل فَقَالَت هَل أدلكم على أهل بَيت يكفلونه لكم وهم لَهُ ناصحون فرددناه إِلَى أمه كي تقر عينهَا وَلَا تحزن ولتعلم أَن وعد الله حق وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ الْقَصَص
قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالَت امْرَأَة فِرْعَوْن﴾ وَهِي آسِيَة بنت مُزَاحم وَكَانَت من خِيَار النِّسَاء وَبَنَات الْأَنْبِيَاء وَقيل كَانَت من بني إِسْرَائِيل وَقيل كَانَت عمَّة مُوسَى حَكَاهُ السُّهيْلي ﴿قُرَّة عين لي وَلَك لَا تقتلوه عَسى أَن ينفعنا أَو نتخذه ولدا وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَنهم على خطأ فِي الْتِقَاطه وَأَن هلاكهم على يَده ﴿وَأصْبح فؤاد أم مُوسَى فَارغًا﴾ من كل شَيْء إِلَّا من أَمر مُوسَى كَأَنَّهَا لم تهتم بِشَيْء سواهُ ﴿إِن كَادَت لتبدي بِهِ﴾ أَي تظهر ﴿لَوْلَا أَن ربطنا على قَلبهَا لتَكون من الْمُؤمنِينَ﴾ المصدقين بوعد الله ﴿وَقَالَت لأخته﴾ وَاسْمهَا مَرْيَم وَقَالَ الضَّحَّاك إِن اسْمهَا كاتمة وَقَالَ السُّهيْلي كُلْثُوم ﴿قصيه﴾ أَي تتبعي أَثَره واعرفي خَبره وانظري أَيْن وَقع وَإِلَى من صَار ﴿فبصرت بِهِ﴾ أَي أبصرته ﴿عَن جنب﴾ أَي عَن جَانب ﴿وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَنَّهَا أُخْته أخرج الطَّبَرَانِيّ وَابْن عَسَاكِر عَن أبي أُمَامَة أَن رَسُول
стр. 161
الله ﷺ قَالَ لِخَدِيجَة أما شَعرت أَن الله زَوجنِي مَرْيَم بنت عمرَان وكلثوم أُخْت مُوسَى وَامْرَأَة فِرْعَوْن أَي فِي الْجنَّة قَالَت هَنِيئًا لَك يَا رَسُول الله وَأخرجه ابْن عَسَاكِر عَن أبي رداد مَرْفُوعا بأطول من هَذَا وَفِي آخِره أَنَّهَا قَالَت بالرفاء والبنين ﴿وحرمنا عَلَيْهِ المراضع من قبل﴾ أَي من قبل أَن نرده إِلَى أمه أَو من قبل قصها لأثره ﴿فَقَالَت﴾ أُخْته لما رَأَتْ امْتِنَاعه من الرَّضَاع وحنوهم عَلَيْهِ ﴿هَل أدلكم على أهل بَيت يكفلونه لكم﴾ وَهِي امْرَأَة قتل وَلَدهَا وَأحب شَيْء إِلَيْهَا أَن تَجِد ولدا ترْضِعه ﴿وهم لَهُ ناصحون﴾ أَي مشفقون عَلَيْهِ لَا يقصرون فِي إرضاعه وتربيته ﴿فرددناه إِلَى أمه كي تقر عينهَا﴾ بِوَلَدِهَا ﴿وَلَا تحزن﴾ على فِرَاقه ﴿ولتعلم أَن وعد الله حق وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾
١٢٧ - بَاب مَا نزل فِي سقِِي الْمَرْأَة ماشيتها
﴿وَلما ورد مَاء مَدين وجد عَلَيْهِ أمة من النَّاس يسقون وَوجد من دونهم امْرَأتَيْنِ تذودان قَالَ مَا خطبكما قَالَتَا لَا نسقي حَتَّى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كَبِير فسقى لَهما ثمَّ تولى إِلَى الظل فَقَالَ رب إِنِّي لما أنزلت إِلَيّ من خير فَقير فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهمَا تمشي على استحياء قَالَت إِن أبي يَدْعُوك ليجزيك أجر مَا سقيت لنا فَلَمَّا جَاءَهُ وقص عَلَيْهِ الْقَصَص قَالَ لَا تخف نجوت من الْقَوْم الظَّالِمين قَالَت إِحْدَاهمَا يَا أَبَت اسْتَأْجرهُ إِن خير من اسْتَأْجَرت الْقوي الْأمين﴾ سُورَة الْقَصَص
قَالَ تَعَالَى ﴿وَلما ورد مَاء مَدين﴾ أَي وصل مُوسَى إِلَيْهِ وَهُوَ المَاء الَّذِي
стр. 162
يستقون مِنْهُ وَالْمرَاد بِالْمَاءِ هُنَا بِئْر فِيهَا ﴿وجد عَلَيْهِ أمة من النَّاس﴾ أَي جمَاعَة كَثِيرَة ﴿يسقون﴾ مَوَاشِيهمْ ﴿وَوجد من دونهم﴾ أَي فِي مَوضِع أَسْفَل مِنْهُم أَو بعيد مِنْهُم ﴿امْرَأتَيْنِ تذودان﴾ أَي تحبسان أغنامهما من المَاء حَتَّى يفرغ النَّاس ويخلوا بَينهمَا وَبَين المَاء وَقيل تكفان الْغنم عَن أَن تختلط بأغنام النَّاس وَقيل تمنعان أغنامهما عَن أَن تند وَتذهب وَالْأول أولى لقَوْله ﴿قَالَ﴾ مُوسَى للمرأتين ﴿مَا خطبكما﴾ أَي مَا شأنكما لَا تسقيان غنمكما مَعَ النَّاس ﴿قَالَتَا لَا نسقي حَتَّى يصدر الرعاء﴾ عَن المَاء وينصرفوا مِنْهُ حذرا من مخالطتهم أَو عَجزا عَن السَّقْي مَعَهم والرعاء جمع رَاع على غير قِيَاس ﴿وأبونا شيخ كَبِير﴾ عالي السن لَا يقدر أَن يسْقِي مَاشِيَته من الْكبر فَلذَلِك احتجنا إِلَى الْوُرُود وَنحن امْرَأَتَانِ ضعيفتان مستورتان لَا نقدر على مزاحمة الرِّجَال وعَلى أَن نسقي الْغنم لعدم وجود رجل يقوم لنا بذلك قيل كَانَ أَبوهُمَا شُعَيْب ﵇ وَقيل هُوَ ثيرون ابْن أخي شُعَيْب وَقيل رجل مِمَّن آمن بشعيب وَالْأول أولى وَإِنَّمَا رَضِي شُعَيْب لابنتيه بسقي الْمَاشِيَة لِأَن هَذَا الْأَمر فِي نَفسه لَيْسَ بمحظور وَالدّين لَا يأباه وَأما الْمُرُوءَة فعادات النَّاس فِي ذَلِك متباينة وأحوال الْعَرَب فِيهَا خلاف الْعَجم وَمذهب أهل البدو فِيهِ غير مَذْهَب أهل الْحَضَر خُصُوصا إِذا كَانَت الْحَالة حَالَة الضَّرُورَة فَلَمَّا سمع مُوسَى كَلَامهمَا رق لَهما ورحمهما ﴿فسقى لَهما﴾ أَي لأجلهما رَغْبَة فِي الْمَعْرُوف وإغاثة للملهوف قَالَ الْمحلى من بِئْر أُخْرَى بقربها بِأَن رفع حجرا عَنْهَا لَا يرفعهُ إِلَّا عشرَة أنفس انْتهى ﴿ثمَّ تولى إِلَى الظل﴾ فَجَلَسَ فِيهِ من شدَّة الْحر وَهُوَ جَائِع ﴿فَقَالَ رب إِنِّي لما أنزلت إِلَيّ من خير﴾ أَي أَي خير كَانَ ﴿فَقير﴾ أَي مُحْتَاج إِلَى ذَلِك قَالَ ابْن عَبَّاس لقد قَالَ هَذَا وَهُوَ أكْرم خلقه إِلَيْهِ وَلَقَد افْتقر إِلَى شقّ تَمْرَة وَلَقَد لصق بَطْنه بظهره من شدَّة الْجُوع وَعنهُ قَالَ مَا سَأَلَ إِلَّا الطَّعَام وَعنهُ قَالَ سَأَلَ فلقا من الْخبز يشد بهَا صلبه من الْجُوع
стр. 163
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهمَا﴾ وَهِي الْكُبْرَى وَاسْمهَا صفوراء وَقيل صفراء وَقيل هِيَ الصُّغْرَى وَهِي ليا وقيلى صفيراء ﴿تمشي على استحياء﴾ حالتي الْمَشْي والمجيء وَهَذَا دَلِيل كَمَال إيمَانهَا وَشرف عنصرها لِأَنَّهَا كَانَت تَدعُوهُ إِلَى ضيافتها وَلم تعلم أيجيبها أم لَا فَأَتَتْهُ مستحيية قَالَ عمر بن الْخطاب جَاءَت مستترة بكم درعها على وَجههَا من الْحيَاء والاستحياء بِالْمدِّ الحشمة والانقباض الانزواء ﴿قَالَت إِن أبي يَدْعُوك ليجزيك أجر مَا سقيت لنا﴾ فأجابها مُنْكرا فِي نَفسه أَخذ الْأُجْرَة وَقيل أجَاب لوجه الله أَو للتبرك بِرُؤْيَة الشَّيْخ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وقص عَلَيْهِ الْقَصَص﴾ يَعْنِي قَتله القبطي وَغَيره إِلَى وُصُوله إِلَى مَاء مَدين ﴿قَالَ﴾ شُعَيْب ﴿لَا تخف نجوت من الْقَوْم الظَّالِمين﴾ أَي فِرْعَوْن وَأَصْحَابه لِأَن فِرْعَوْن لَا سُلْطَان لَهُ على مَدين وَفِيه دَلِيل على جَوَاز الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد وَلَو عبدا أَو أُنْثَى وعَلى الْمَشْي مَعَ الْأَجْنَبِيَّة مَعَ ذَلِك الِاحْتِيَاط والتورع ﴿قَالَت إِحْدَاهمَا﴾ وَهِي الَّتِي جَاءَتْهُ ﴿يَا أَبَت اسْتَأْجرهُ﴾ ليرعى الْغنم ﴿إِن خير من اسْتَأْجَرت الْقوي الْأمين﴾ لكَونه جَامعا بَين خصلتي الْقُوَّة وَالْأَمَانَة قَالَ ابْن مَسْعُود أَفرس النَّاس ثَلَاث بنت شُعَيْب وَصَاحب يُوسُف فِي قَوْله عَسى أَن ينفعنا وَأَبُو بكر فِي أَمر عمر كَمَا تقدم
١٢٨ - بَاب مَا نزل فِي كَون مهر الْمَرْأَة استئجارا إِلَى مُدَّة مَعْلُومَة
﴿قَالَ إِنِّي أُرِيد أَن أنكحك إِحْدَى ابْنَتي هَاتين على أَن تَأْجُرنِي ثَمَانِي حجج فَإِن أتممت عشرا فَمن عنْدك وَمَا أُرِيد أَن أشق عَلَيْك ستجدني إِن شَاءَ الله من الصَّالِحين قَالَ ذَلِك بيني وَبَيْنك أَيّمَا الْأَجَليْنِ قضيت فَلَا عدوان عَليّ وَالله على مَا نقُول وَكيل﴾ الْقَصَص
стр. 164
قَالَ تَعَالَى ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيد أَن أنكحك إِحْدَى ابْنَتي هَاتين﴾ وَفِيه مَشْرُوعِيَّة عرض ولي الْمَرْأَة لَهَا على الرجل وَهَذِه سنة ثَابِتَة فِي الْإِسْلَام وَثَبت عرض عمر ابْنَته على أبي بكر وَعُثْمَان وَغير ذَلِك مِمَّا وَقع فِي أَيَّام الصَّحَابَة وَأَيَّام النُّبُوَّة وَكَذَلِكَ مَا وَقع عَن عرض الْمَرْأَة لنَفسهَا على رَسُول الله ﷺ
قيل إِن شعيبا زوجه الْكُبْرَى قَالَ الْأَكْثَرُونَ الصُّغْرَى وَقَوله هَاتين يدل على أَنه كَانَ لَهُ غَيرهمَا وَقَالَ البقاعي إِنَّه كَانَ لَهُ سبع بَنَات وَهَذِه مواعدة مِنْهُ وَلم يكن ذَلِك عقد نِكَاح إِذْ لَو كَانَ عقدا لقَالَ أنكحتك ﴿على أَن تَأْجُرنِي ثَمَانِي حجج﴾ جمع حجَّة وَهِي السّنة أَي ترعى غنمي فِي تِلْكَ الْمدَّة والتزوج على رعي الْغنم جَائِز لِأَنَّهُ من بَاب الْقيام بِأَمْر الزَّوْجِيَّة (فَإِن أتممت عشرا فَمن عنْدك) أَي تفضلا مِنْك وتبرعا لَا إلزاما مني لَك وَلَيْسَ بِوَاجِب عَلَيْك ﴿وَمَا أُرِيد أَن أشق عَلَيْك﴾ بإلزامك إتْمَام الْعشْرَة الأعوام وَلَا بالمناقشة فِي مُرَاعَاة الْأَوْقَات وَاسْتِيفَاء الْأَعْمَال ﴿ستجدني إِن شَاءَ الله من الصَّالِحين﴾ وَفِي حسن الصُّحْبَة ولطف الْمُعَامَلَة ولين الْجَانِب وَالْوَفَاء بالعهد وَقيل أَرَادَ الصّلاح على الْعُمُوم وَقيد ذَلِك بِالْمَشِيئَةِ تفويضا لِلْأَمْرِ إِلَى توفيق الله ومعونته وللتبرك بِهِ ﴿قَالَ ذَلِك بيني وَبَيْنك أَيّمَا الْأَجَليْنِ قضيت فَلَا عدوان عَليّ وَالله على مَا نقُول وَكيل﴾ أَي شَاهد وحفيظ فَلَا سَبِيل لِأَحَدِنَا إِلَى الْخُرُوج عَن شَيْء من ذَلِك
أخرج الطَّبَرَانِيّ وَغَيره عَن عتبَة بن النّذر السّلمِيّ قَالَ كُنَّا عِنْد سَوَّلَ الله ﷺ فَقَرَأَ سُورَة طسم حَتَّى إِذا بلغ قصَّة مُوسَى قَالَ إِن مُوسَى آجر نَفسه ثَمَانِي سِنِين أَو عشرا على عفة فرجه وَطَعَام بَطْنه فَلَمَّا وَفِي الْأَجَل قيل يَا رَسُول الله أَي الْأَجَليْنِ قضى مُوسَى قَالَ أبرهما وأوقاهما فَلَمَّا أَرَادَ فِرَاق شُعَيْب أَمر امْرَأَته أَن تسْأَل أَبَاهَا أَن يُعْطِيهَا من غنمه مَا يعيشون
стр. 165
بِهِ فَأَعْطَاهَا مَا ولدت غنمه الحَدِيث بِطُولِهِ وَفِيه مسلمة الدِّمَشْقِي ضعفه الْأَئِمَّة
قَالَ أَبُو السُّعُود وَلَيْسَ مَا حُكيَ عَنْهُمَا فِي الْآيَة تَمام مَا جرى بَينهمَا من الْكَلَام فِي إنْشَاء عقد النِّكَاح وَعقد الْإِجَازَة وإيقاعهما بل هُوَ بَيَان لما عزما عَلَيْهِ واتفقا على إِيقَاعه حَسْبَمَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ مساق الْقِصَّة إِجْمَالا من غير تعرض لبَيَان وَاجِب الْعقْدَيْنِ فِي تِلْكَ الشَّرِيعَة تَفْصِيلًا وَالله أعلم
١٢٩ - بَاب مَا نزل فِي النَّهْي عَن طَاعَة الْوَالِدين فِيمَا فِيهِ شرك بِاللَّه تَعَالَى
﴿وَوَصينَا الْإِنْسَان بِوَالِديهِ حسنا وَإِن جَاهَدَاك لتشرك بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم فَلَا تطعهما﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة العنكبوت ﴿وَوَصينَا الْإِنْسَان بِوَالِديهِ حسنا﴾ أَي إيصاء حسنا أَو أمرا ذَا حسن وَالْآيَة فِيهَا التوصية للْإنْسَان بِوَالِديهِ بِالْبرِّ لَهما والعطف عَلَيْهِمَا وَالْإِحْسَان إِلَيْهِمَا بِكُل مَا يُمكنهُ من وُجُوه الْإِحْسَان فَيشْمَل ذَلِك إِعْطَاء المَال والخدمة ولين القَوْل وَعدم الْمُخَالفَة وَغير ذَلِك ﴿وَإِن جَاهَدَاك لتشرك بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم فَلَا تطعهما﴾ فِي الْإِشْرَاك وَعبر بِنَفْي الْعلم عَن نفي الْإِلَه
стр. 166
١٣٠ - بَاب مَا نزل فِي مَوَدَّة الزَّوْجَة ورحمتها على الزَّوْج وَبِالْعَكْسِ
﴿وَمن آيَاته أَن خلق لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا لتسكنوا إِلَيْهَا وَجعل بَيْنكُم مَوَدَّة وَرَحْمَة﴾
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الرّوم ﴿وَمن آيَاته أَن خلق لكم من أَنفسكُم﴾ أَي من جنسكم فِي البشرية والإنسانية ﴿أَزْوَاجًا﴾ قيل المُرَاد حَوَّاء فَإِنَّهُ خلقهَا من ضلع آدم وَالنِّسَاء بعْدهَا خُلِقْنَ من أصلاب الرِّجَال وترائب النِّسَاء ﴿لتسكنوا﴾ أَي تألفوا وتميلوا ﴿إِلَيْهَا﴾ أَي إِلَى الْأزْوَاج ﴿وَجعل بَيْنكُم مَوَدَّة وَرَحْمَة﴾ أَي ودادا وتراحما بِسَبَب عصمَة النِّكَاح يعْطف بِهِ بَعْضكُم على بعض من غير أَن يكون بَيْنكُم من قبل ذَلِك معرفَة فضلا عَن مَوَدَّة وَرَحْمَة قَالَ مُجَاهِد الْمَوَدَّة الْجِمَاع وَالرَّحْمَة الْوَلَد وَقيل الْمَوَدَّة حب الرجل امْرَأَته وَالرَّحْمَة رَحمته إِيَّاهَا من أَن يُصِيبهَا بِسوء وَقيل غير ذَلِك
١٣١ - بَاب مَا نزل فِي مصاحبة الْأُمَّهَات بِالْمَعْرُوفِ
﴿وَوَصينَا الْإِنْسَان بِوَالِديهِ حَملته أمه وَهنا على وَهن وفصاله فِي عَاميْنِ أَن اشكر لي ولوالديك إِلَيّ الْمصير وَإِن جَاهَدَاك على أَن تشرك بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم فَلَا تطعهما وصاحبهما فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفا﴾
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة لُقْمَان ﴿وَوَصينَا الْإِنْسَان بِوَالِديهِ حَملته أمه﴾ @ ١٨١ @ وَهنا على وَهن) أَي ضعفا على ضعف فَإِنَّهَا لَا يزَال يتضاعف ضعفها وَقيل شدَّة بعد شدَّة وخلقا بعد خلق وَقيل الْحمل وَهن والطلق وَهن والوضع وَهن وَالرضَاعَة وَهن ﴿وفصاله فِي عَاميْنِ﴾
стр. 167
الفصال الْفِطَام عَن الرَّضَاع وَفِيه دَلِيل على أَن مُدَّة الرَّضَاع حولان ﴿أَن اشكر لي ولوالديك﴾ قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة من صلى الصَّلَوَات الْخمس فقد شكر الله وَمن دَعَا لوَالِديهِ فِي أدبار الصَّلَوَات الْخمس فقد شكر الْوَالِدين ﴿إِلَيّ الْمصير﴾ لَا إِلَى غَيْرِي ﴿وَإِن جَاهَدَاك على أَن تشرك بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم فَلَا تطعهما﴾ فِي ذَلِك لِأَنَّهُ لَا طَاعَة لمخلوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق وَجُمْلَة هَذَا الْبَاب أَن طَاعَة الْأَبَوَيْنِ لَا تراعى فِي ركُوب كَبِيرَة وَلَا ترك فَرِيضَة وَإِنَّمَا تلْزم طاعتهما فِي الْمُبَاحَات ﴿وصاحبهما فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفا﴾ ببرهما إِن كَانَا على دين يقران عَلَيْهِ وَقيل الْمَعْرُوف هُوَ الْبر والصلة وَالْعشرَة الجميلة والخلق الْجَمِيل والحلم وَالِاحْتِمَال وَمَا تَقْتَضِيه مَكَارِم الْأَخْلَاق ومعالي الشيم
١٣٢ - بَاب مَا نزل فِي أَن النِّسَاء المظاهرات لسن كالأمهات فِي التَّحْرِيم الأبدي
﴿وَمَا جعل أزواجكم اللائي تظاهرون مِنْهُنَّ أُمَّهَاتكُم﴾
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْأَحْزَاب ﴿وَمَا جعل أزواجكم اللائي تظاهرون مِنْهُنَّ أُمَّهَاتكُم﴾ الظِّهَار أَصله أَن يَقُول الرجل لامْرَأَته أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي أَي مَا جَعلهنَّ كأمهاتكم فِي التَّحْرِيم وَلكنه مُنكر من القَوْل
стр. 168
وزور وَإِنَّمَا تجب فِيهِ الْكَفَّارَة بِشَرْطِهِ وَهُوَ الْعود كَمَا ذكر فِي سُورَة المجادلة ﴿وَالَّذين يظاهرون من نِسَائِهِم ثمَّ يعودون لما قَالُوا﴾ أَي فِيهِ بِأَن يخالفوه بإمساك الْمظَاهر مِنْهَا زَمنا يُمكنهُ أَن يفارقها فِيهِ وَلَا يفارقها لِأَن مَقْصُود الْمظَاهر وصف الْمَرْأَة بِالتَّحْرِيمِ وإمساكها يُخَالِفهُ قَالَه الْكَرْخِي
١٣٣ - بَاب مَا نزل فِي كَون أَزوَاج النَّبِي أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ
﴿النَّبِي أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ الْأَحْزَاب
قَالَ تَعَالَى ﴿النَّبِي أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم﴾ فَإِذا دعاهم لشَيْء ودعتهم أنفسهم إِلَى غَيره وَجب عَلَيْهِم أَن يقدموا مَا دعاهم إِلَيْهِ ويؤخروا مَا دعتهم أنفسهم إِلَيْهِ وَيجب عَلَيْهِم أَن يطيعوه فَوق طاعتهم لأَنْفُسِهِمْ ويقدموا طَاعَته على مَا تميل إِلَيْهِ أنفسهم وتطلبه خواطرهم وَالْآيَة من أَدِلَّة رد التَّقْلِيد بفحوى الْخطاب كَمَا صرح بذلك بعض أولي الْأَلْبَاب ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ أَي مِثْلهنَّ فِي الحكم بِالتَّحْرِيمِ ومنزلات منزلتهن فِي اسْتِحْقَاق التَّعْظِيم فَلَا يحل لأحد أَن يتَزَوَّج بِوَاحِدَة مِنْهُنَّ كَمَا لَا يحل أَن يتَزَوَّج بِأُمِّهِ فَهَذِهِ الأمومة مُخْتَصَّة بِتَحْرِيم النِّكَاح لَهُنَّ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا وبالتعظيم لجنابهن لَا فِي جَوَاز النّظر إلَيْهِنَّ وَالْخلْوَة بِهن فَإِنَّهُ حرَام فِي حقهن كَمَا فِي سَائِر الْأَجَانِب قَالَ الْقُرْطُبِيّ الَّذِي يظْهر لي أَنَّهُنَّ أُمَّهَات الرِّجَال وَالنِّسَاء تَعْظِيمًا لحقهن وَفِي مصحف أبي وَهُوَ أَب لَهُم وَعَن أم سَلمَة قَالَت
стр. 169
أَنا أم الرِّجَال مِنْكُم وَالنِّسَاء وَهن فِيمَا وَرَاء ذَلِك كَالْإِرْثِ وَنَحْوه كالأجنبيات وَلِهَذَا لم يَتَعَدَّ التَّحْرِيم إِلَى بناتهن
١٣٤ - بَاب مَا نزل فِي تَخْيِير النِّسَاء وَأَنه لَيْسَ بِطَلَاق
﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك إِن كنتن تردن الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وَإِن كنتن تردن الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة فَإِن الله أعد للمحسنات مِنْكُن أجرا عَظِيما﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك﴾ قَالَ الواحدي قَالَ الْمُفَسِّرُونَ إِن أَزوَاج النَّبِي ﷺ سألنه شَيْئا من عرض الدُّنْيَا وطلبن مِنْهُ الزِّيَادَة فِي النَّفَقَة وآذينه بغيرة بَعضهنَّ على بعض فآلى رَسُول الله ﷺ مِنْهُنَّ شهرا وَأنزل الله آيَة التَّخْيِير هَذِه وَكن يَوْمئِذٍ تسعا ﴿إِن كنتن تردن الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا﴾ أَي سعتها ونضارتها ورفاهيتها وَكَثْرَة الْأَمْوَال والتنعم فِيهَا ﴿فتعالين﴾ أَي أقبلن إِلَيّ بإرادتكن واختياركن لأحد الْأَمريْنِ ﴿أمتعكن﴾ أَي أعطيكن الْمُتْعَة ﴿وأسرحكن﴾ أَي أطلقكن ﴿سراحا جميلا﴾ وَهُوَ الْوَاقِع من غير ضرار على مُقْتَضى السّنة ﴿وَإِن كنتن تردن الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة﴾ أَي الْجنَّة وَنَعِيمهَا ﴿فَإِن الله أعد للمحسنات مِنْكُن أجرا عَظِيما﴾ لَا يُمكن وَصفه وَلَا يقدر قدره وَذَلِكَ بِسَبَب إحسانهن وبمقابلة صَالح عملهن
وَاخْتلف أهل الْعلم فِي كَيْفيَّة تَخْيِير النَّبِي ﷺ أَزوَاجه على قَوْلَيْنِ الأول أَنه خيرهن بِإِذن الله فِي الْبَقَاء على الزَّوْجِيَّة أَو الطَّلَاق فاخترن الْبَقَاء
стр. 170
وَالثَّانِي أَنه إِنَّمَا خيرهن بَين الدُّنْيَا فيفارقهن وَبَين الْآخِرَة فيمسكهن وَلم يُخَيِّرهُنَّ فِي الطَّلَاق وَالرَّاجِح الأول
وَالرَّاجِح أَن التَّخْيِير لَا يكون طَلَاقا لحَدِيث عَائِشَة فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي ذَلِك وَدَعوى أَنه كِنَايَة من كنايات الطَّلَاق مدفوعة بِأَن الْمُخَير لم يرد الْفرْقَة بِمُجَرَّد التَّخْيِير بل أَرَادَ تَفْوِيض الْمَرْأَة فَإِن اخْتَارَتْ الْبَقَاء بقيت وَإِن اخْتَارَتْ الْفرْقَة صَارَت مُطلقَة وَالْحق أَنه رَجْعِيَّة وَاحِدَة لَا بَائِنَة وَفِي سَبَب النُّزُول رِوَايَات فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا تَأتي فِي محلهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
١٣٥ - بَاب مَا نزل فِي تَضْعِيف عَذَاب أهل الْبَيْت النَّبَوِيّ على فرض وُقُوع الْمعْصِيَة مِنْهُنَّ
﴿يَا نسَاء النَّبِي من يَأْتِ مِنْكُن بِفَاحِشَة مبينَة يُضَاعف لَهَا الْعَذَاب ضعفين﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿يَا نسَاء النَّبِي من يَأْتِ مِنْكُن بِفَاحِشَة﴾ أَي مَعْصِيّة ﴿مبينَة﴾ ظَاهِرَة الْقبْح وَاضِحَة الْفُحْش وَقد عَصَمَهُنَّ الله عَن ذَلِك وبرأهن وطهرهن فَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك﴾ سُورَة الزمر وَقيل المُرَاد بالفاحشة النُّشُوز وَسُوء الْخلق وَقيل الزِّنَى وَقيل سَائِر الْمعاصِي وَقيل عقوق الزَّوْج وَفَسَاد عشرته
стр. 171
﴿يُضَاعف لَهَا الْعَذَاب ضعفين﴾ أَي مثلي عَذَاب غَيْرهنَّ من النِّسَاء إِذا أتين تِلْكَ الْفَاحِشَة وَذَلِكَ لشرفهن وعلو درجتهن وارتفاع منزلتهن وَلِأَن مَا قبح فِي سَائِر النِّسَاء كَانَ مِنْهُنَّ أقبح فَزِيَادَة قبح الْمعْصِيَة تتبع زِيَادَة الْفضل وَلَيْسَ لأحد فِي النِّسَاء مثل فضل نسَاء النَّبِي ﷺ وَلذَا كَانَ الذَّم للعاصي وَالْعَام اشد فِي العَاصِي الْجَاهِل لِأَن الْمعْصِيَة من الْعَالم أقبح وَلذَا فضل حد الْأَحْرَار على العبيد وَقد ثَبت فِي هَذِه الشَّرِيعَة فِي غير مَوضِع أَن تضَاعف الشّرف وارتفاع الدَّرَجَات يُوجب لصَاحبه إِذا عصى تضَاعف الْعُقُوبَات وَقَالَ قوم لَو قدر الله الزِّنَى من وَاحِدَة وَقد أعاذهن الله من ذَلِك لكَانَتْ تحد حَدَّيْنِ لعظم قدرهَا فَمَعْنَى الضعفين معنى المثلين والمرتين وَقَالَ مقَاتل هَذَا التَّضْعِيف فِي الْعَذَاب إِنَّمَا هُوَ فِي الْآخِرَة كَمَا أَن إيتَاء الْأجر مرَّتَيْنِ فِيهَا وَهَذَا حسن لِأَن نسَاء النَّبِي ﷺ لم يَأْتِين بِفَاحِشَة توجب حدا قَالَ ابْن عَبَّاس مَا بَغت امْرَأَة نَبِي قطّ وَإِنَّمَا خانت فِي الْإِيمَان وَالطَّاعَة وَالله أعلم
١٣٦ - بَاب مَا نزل فِي تَضْعِيف أجرهن
﴿وَمن يقنت مِنْكُن لله وَرَسُوله وتعمل صَالحا نؤتها أجرهَا مرَّتَيْنِ وأعتدنا لَهَا رزقا كَرِيمًا﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يقنت﴾ أَي يطع ﴿مِنْكُن لله وَرَسُوله وتعمل صَالحا نؤتها أجرهَا مرَّتَيْنِ﴾ يَعْنِي أَنه يكون لَهُنَّ من الْأجر على الطَّاعَة ضعفا مَا يسْتَحقّهُ غَيْرهنَّ من النِّسَاء إِذا فعلن تِلْكَ الطَّاعَة ﴿وأعتدنا لَهَا رزقا كَرِيمًا﴾ جليل الْقدر قَالَ الْمُفَسِّرُونَ هُوَ نعيم الْجنَّة
стр. 172
١٣٧ - بَاب مَا نزل فِي أَزوَاج النَّبِي ﷺ وأمرهن بِالْعلمِ وَالْعَمَل
﴿يَا نسَاء النَّبِي لستن كَأحد من النِّسَاء إِن اتقيتن فَلَا تخضعن بالْقَوْل فيطمع الَّذِي فِي قلبه مرض وقلن قولا مَعْرُوفا وَقرن فِي بيوتكن وَلَا تبرجن تبرج الْجَاهِلِيَّة الأولى وأقمن الصَّلَاة وآتين الزَّكَاة وأطعن الله وَرَسُوله إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا واذكرن مَا يُتْلَى فِي بيوتكن من آيَات الله وَالْحكمَة إِن الله كَانَ لطيفا خَبِيرا﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿يَا نسَاء النَّبِي لستن كَأحد من النِّسَاء﴾ بل أنتن أكْرم عَليّ وثوابكن أعظم لدي ﴿إِن اتقيتن﴾ بَين سُبْحَانَهُ أَن هَذِه الْفَضِيلَة لَهُنَّ إِنَّمَا تكون لملازمتهن للتقوى لَا لمُجَرّد اتصالهن بِالنَّبِيِّ ﷺ وَقد كن وَللَّه الْحَمد على غَايَة من التَّقْوَى الظَّاهِرَة والباطنة وَالْإِيمَان الْخَالِص وَالْمَشْي على طَريقَة الرَّسُول ﷺ فِي حَيَاته وَبعد مماته ﴿فَلَا تخضعن بالْقَوْل﴾ أَي لَا تلن القَوْل عِنْد مُخَاطبَة النَّاس كَمَا تَفْعَلهُ المريبات من النِّسَاء وَلَا ترققن الْكَلَام ﴿فيطمع الَّذِي فِي قلبه مرض﴾ أَي فجور وشهوة أوشك وريبة أَو نفاق وَالْمعْنَى لَا تقلن قولا يجد الْمُنَافِق والفاجر بِهِ سَبِيلا إِلَى الطمع فيكُن وَالْمَرْأَة مَنْدُوبَة إِلَى الغلظة فِي الْمقَال إِذا خاطبت الْأَجَانِب لقطع الأطماع فِيهِنَّ ﴿وقلن قولا مَعْرُوفا﴾ أَي حسنا مَعَ كَونه خشنا بَعيدا من الرِّيبَة على سنَن الشَّرْع لَا يُنكر مِنْهُ سامعه شَيْئا بِبَيَان من غير خضوع ﴿وَقرن فِي بيوتكن﴾ أَي الزمنها قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين نبئت
стр. 173
أَنه قيل لسودة زوج النَّبِي ﷺ لَا تحجين وَلَا تعتمرين كَمَا تفعل أخواتك قَالَت قد حججْت واعتمرت وَأَمرَنِي الله أَن أقرّ فِي بَيْتِي فوَاللَّه لَا أخرج بَيْتِي حَتَّى أَمُوت قَالَ فوَاللَّه مَا خرجت من بَاب حُجْرَتهَا حَتَّى أخرجت بجنازتها ﴿وَلَا تبرجن تبرج الْجَاهِلِيَّة الأولى﴾ التبرج أَن تبدي الْمَرْأَة من زينتها ومحاسنها مَا يجب ستره مِمَّا تستدعي بِهِ شَهْوَة الرجل وَقد اخْتلف فِي المُرَاد بالجاهلية الأولى فَقيل مَا بَين آدم ونوح أَو زمن دَاوُد وَسليمَان وَقيل مَا بَين نوح وَإِدْرِيس وَكَانَت ألف سنة وَقيل مَا بَين نوح وَإِبْرَاهِيم وَقيل مَا بَين مُوسَى وَعِيسَى أَو مَا بَين عِيسَى وَمُحَمّد ﵇ وَقيل مَا قبل الْإِسْلَام والجاهلية الْأُخْرَى قوم يَفْعَلُونَ مثل فعلهم فِي آخر الزَّمَان أَو الأولى جَاهِلِيَّة الْكفْر وَالْأُخْرَى جَاهِلِيَّة الفسوق والفجور فِي الْإِسْلَام وَقد بَين حكمهَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يبدين زينتهن﴾ وَقيل تذكر الأولى وَإِن لم تكن لَهَا أُخْرَى وَكَانَ نسَاء الْجَاهِلِيَّة يظهرن مَا يقبح إِظْهَاره حَتَّى كَانَت الْمَرْأَة تجْلِس مَعَ زَوجهَا وخليلها فينفرد خليلها بِمَا فَوق الْإِزَار إِلَى أَعلَى وينفرد زَوجهَا بِمَا دون الْإِزَار إِلَى أَسْفَل وَرُبمَا سَأَلَ أَحدهمَا صَاحبه
الْبَدَل قَالَ ابْن عَطِيَّة وَالَّذِي يظْهر لي أَنه أَشَارَ إِلَى الْجَاهِلِيَّة الَّتِي لحقنها وأدركنها فأمرن بالنقلة عَن سيرتهن فِيهَا وَهِي مَا كَانَ قبل الشَّرْع من سيرة الْكَفَرَة لأَنهم كَانُوا لَا غيرَة عِنْدهم فَكَانَ أَمر النِّسَاء دون حجبة وَجعلهَا أولى بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا كن عَلَيْهِ وَلَيْسَ الْمَعْنى أَن ثمَّ جَاهِلِيَّة أُخْرَى كَذَا قَالَ وَهُوَ قَول حسن وَيُمكن أَن يُرَاد بالجاهلية الْأُخْرَى مَا يَقع فِي الْإِسْلَام من التَّشَبُّه بِأَهْل الْجَاهِلِيَّة بقول أَو فعل أَي لَا تحدثن بأفعالكن وأقوالكن جَاهِلِيَّة تشابه الْجَاهِلِيَّة الَّتِي كَانَت من قبل
وَعَن عَائِشَة قَالَت الْجَاهِلِيَّة الأولى على عهد إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام
стр. 174
وَكَانَت الْمَرْأَة تلبس الدرْع من اللُّؤْلُؤ فتمشي وسط الطَّرِيق لعرض نَفسهَا على الرِّجَال وَكَانَت عَائِشَة ﵂ إِذا قَرَأت هَذِه الْآيَة تبْكي حَتَّى يبتل خمارها رَوَاهُ مَسْرُوق ﴿وأقمن الصَّلَاة﴾ الْوَاجِبَة ﴿وآتين الزَّكَاة﴾ الْمَفْرُوضَة ﴿وأطعن الله وَرَسُوله﴾ فِيمَا أَمر وَنهى وَخص الصَّلَاة وَالزَّكَاة لِأَنَّهُمَا أصل الطَّاعَات الْبَدَنِيَّة والمالية ثمَّ عمم فأمرهن بِالطَّاعَةِ لله وَرَسُوله فِي كل مَا هُوَ مَشْرُوع لِأَن من واظب عَلَيْهِمَا جرتاه إِلَى مَا وراءهما ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس﴾ أَي الْإِثْم والذنب المدنسين للأعراض الحاصلين بِسَبَب ترك مَا أَمر الله بِهِ وَفعل مَا نهى عَنهُ فَيدْخل فِي ذَلِك كل مَا لَيْسَ فِيهِ رضَا الله تَعَالَى قيل الرجس الشَّك وَقيل السوء وَقيل عمل الشَّيْطَان والعموم أولى ﴿أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ﴾ من الأرجاس والأدناس ﴿تَطْهِيرا﴾ وَفِي اسْتِعَارَة الرجس للمعصية والترشيح لَهَا بالتطهير تنفير عَنْهَا بليغ وزجر لفاعلها شَدِيد
وَقد اخْتلف أهل الْعلم فِي أهل الْبَيْت فِي هَذِه الْآيَة فَقَالَ قوم من السّلف هُوَ زَوْجَات النَّبِي ﷺ خَاصَّة وَالْمرَاد بِالْبَيْتِ بَيت النَّبِي ﷺ ومساكن زَوْجَاته لقَوْله تَعَالَى ﴿واذكرن مَا يُتْلَى فِي بيوتكن﴾ وَلِأَن السِّيَاق فِيهِنَّ من قَوْله ﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك﴾ إِلَى قَوْله ﴿لطيفا خَبِيرا﴾
وَقَالَ قوم هم عَليّ وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن خَاصَّة وَمن حججهم الْخطاب فِي الْآيَة بِمَا يصلح للذكور وَالْإِنَاث وَهُوَ قَوْله ﴿عَنْكُم﴾ و ﴿ليطهركم﴾ وَلَو كَانَ للنِّسَاء خَاصَّة لقَالَ عنكن وليطهركن وَأجِيب بِأَن التَّذْكِير بِاعْتِبَار لفظ الْأَهْل كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿أَتَعْجَبِينَ من أَمر الله رَحْمَة الله وَبَرَكَاته عَلَيْكُم أهل الْبَيْت﴾
وَيدل على القَوْل الأول مَا أخرجه ابْن أبي حَاتِم وَابْن عَسَاكِر من طَرِيق عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس فِي الْآيَة قَالَ نزلت فِي نسَاء النَّبِي ﷺ خَاصَّة
стр. 175
وَقَالَ عِكْرِمَة من شَاءَ باهلته أَنَّهَا نزلت فِي أَزوَاج النَّبِي ﷺ وَرُوِيَ هَذَا عَنهُ بطرق وَفِي الْبَاب رِوَايَات أُخْرَى تدل على القَوْل الثَّانِي مَذْكُورَة فِي تَفْسِير فتح الْبَيَان فِي مَقَاصِد الْقُرْآن وتوسطت طَائِفَة ثَالِثَة بَين الطَّائِفَتَيْنِ فَجعلت هَذِه الْآيَة شَامِلَة لِلزَّوْجَاتِ ولعلي وَفَاطِمَة الْحسن وَالْحُسَيْن
وَالْحَاصِل أَن من جعل الْآيَة خَاصَّة بِأحد الْفَرِيقَيْنِ أعمل بعض مَا يجب إعماله وأهمل مَا لَا يجوز إهماله وَقد رجح هَذَا القَوْل جمَاعَة من الْمُحَقِّقين مِنْهُم الْقُرْطُبِيّ وَابْن كثير وَغَيرهمَا وَقَالَ جمَاعَة هم بَنو هَاشم فَهَؤُلَاءِ ذَهَبُوا إِلَى أَن المُرَاد بِالْبَيْتِ النّسَب ﴿واذكرن مَا يُتْلَى فِي بيوتكن من آيَات الله وَالْحكمَة﴾ أَي اذكرن مَوضِع النِّعْمَة إِذْ صيركن الله فِي بيُوت يُتْلَى فِيهَا الْقُرْآن وَالسّنة المطهرة واذكرن وتفكرن فِيهَا لتتعظن بمواعظ الله واذكرنها للنَّاس ليتعظوا بهَا ويهتدوا بهداها أَو اذكرنها بالتلاوة لَهَا لتحفظنها وَلَا تتركن الاستكثار من التِّلَاوَة
قَالَ الْقُرْطُبِيّ قَالَ أهل التَّأْوِيل يَعْنِي الْمُفَسّرين آيَات الله هِيَ الْقُرْآن وَالْحكمَة السّنة وَقَالَ قَتَادَة فِي الْآيَة الْقُرْآن وَالسّنة المطهرة وَكَذَا يُرَاد بهَا فِي أَلْفَاظ الحَدِيث الشريف كَحَدِيث الْكَلِمَة الْحِكْمَة ضَالَّة الْمُؤمن فَحَيْثُ وجدهَا فَهُوَ أَحَق بهَا أَو كَمَا قَالَ وتأويلها بِغَيْر هَذَا تَأْوِيل لم يدل عَلَيْهِ دَلِيل لَا من الْقُرْآن وَلَا من السّنة
стр. 176
﴿إِن الله كَانَ لطيفا خَبِيرا﴾ بِجَمِيعِ خلقه فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته
١٣٨ - بَاب مَا نزل فِي أجر الصَّالِحَات
﴿إِن الْمُسلمين وَالْمُسلمَات وَالْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات وَالصَّابِرِينَ والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا وَالذَّاكِرَات أعد الله لَهُم مغْفرَة وَأَجرا عَظِيما﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الْمُسلمين وَالْمُسلمَات وَالْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ وَالْفرق بَين الْإِسْلَام وَالْإِيمَان هُوَ مَا ورد فِي حَدِيث جِبْرِيل ﵇ الْمَشْهُور وَهُوَ نَص فِي مَحل النزاع ﴿والقانتين والقانتات﴾ الْقُنُوت الطَّاعَة وَالْعِبَادَة ﴿والصادقين والصادقات﴾ هما من يتَكَلَّم بِالصّدقِ ويتجنب الْكَذِب ويفي بِمَا عوهد عَلَيْهِ ﴿وَالصَّابِرِينَ والصابرات﴾ هما من يصبر عَن الشَّهَوَات وعَلى مشاق التَّكْلِيف ﴿والخاشعين والخاشعات﴾ أَي المتواضعين لله الْخَائِفِينَ مِنْهُ والخاضعين فِي عِبَادَتهم لله ﴿والمتصدقين والمتصدقات﴾ هما من تصدق من مَاله بِمَا أوجبه الله عَلَيْهِ وَقيل ذَلِك أَعم من صَدَقَة الْفَرْض وَالنَّفْل ﴿والصائمين والصائمات﴾ قيل ذَلِك مُخْتَصّ بِالْفَرْضِ وَقيل هُوَ أَعم ﴿والحافظين فروجهم والحافظات﴾ فروجهن عَن الْحَرَام بالتعفف والتنزه والاقتصار على الْحَلَال ﴿والذاكرين الله كثيرا وَالذَّاكِرَات﴾
стр. 177
هما من يذكر الله فِي جَمِيع أَحْوَاله وَفِي ذكر الْكَثْرَة دَلِيل على مَشْرُوعِيَّة الاستكثار من ذكر الله بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان
وَفِي جمع الْأَذْكَار المأثورة كتب جمَاعَة من أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ من أَتَى بِمَا فِيهَا من الْأَذْكَار والدعوات فَهُوَ دَاخل تَحت هَذِه الْآيَة بِلَا شكّ وَلَا رِيبَة وَمن أحْسنهَا كتاب الْحصن الْحصين وعدته وجنته وَسلَاح الْمُؤمن وفرنده وَعمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة لِابْنِ السّني ونزل الْأَبْرَار وَهُوَ أحسن من كل مَا جمع فِي هَذَا الْبَاب وَقد وقفت على ذَلِك كُله وَللَّه الْحَمد ﴿أعد الله لَهُم مغْفرَة﴾ لذنوبهم الَّتِي أذنبوا بهَا ﴿وَأَجرا عَظِيما﴾ على طاعاتهم الَّتِي فَعَلُوهَا من الْإِسْلَام وَالْإِيمَان والقنوت والصدق وَالصَّبْر والخشوع وَالتَّصَدُّق وَالصَّوْم والعفاف وَالذكر وَوصف الْأجر بالعظم للدلالة على أَنه بَالغ الْغَايَة وَلَا شَيْء أعظم من أجر هُوَ الْجنَّة وَنَعِيمهَا الدَّائِم الَّذِي لَا يَنْقَطِع وَلَا ينفذ اللَّهُمَّ أَغفر ذنوبنا وَعظم أجورنا
وَقد أخرج أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن أم سَلمَة قَالَت قلت يَا رَسُول الله فَمَا لنا لَا نذْكر فِي الْقُرْآن كَمَا تذكر الرِّجَال فَلم يرعني مِنْهُ ذَات يَوْم إِلَّا نداؤه على الْمِنْبَر وَهُوَ يَقُول إِن الله يَقُول ﴿إِن الْمُسلمين وَالْمُسلمَات﴾ الْآيَة وَأخرج عبد بن حميد وَالتِّرْمِذِيّ وحسنة وَالطَّبَرَانِيّ عَن أم عمَارَة الْأَنْصَارِيَّة أَنَّهَا أَتَت النَّبِي ﷺ فَقَالَت مَا أرى كل شَيْء إِلَّا للرِّجَال وَمَا أرى النِّسَاء يذكرن بِشَيْء فَنزلت هَذِه الْآيَة وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَت النِّسَاء يَا رَسُول الله مَا باله يذكر الْمُؤمنِينَ وَلَا يذكر الْمُؤْمِنَات فَنزلت هَذِه الْآيَة أخرجه الطَّبَرَانِيّ وَابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه باسناد قَالَ السُّيُوطِيّ حسن وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَهُوَ الْمُسْتَعَان
стр. 178
١٣٩ - بَاب مَا نزل فِي عدم خيرتهن بعد قَضَاء الله وَرَسُوله ﷺ
﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن وَلَا مُؤمنَة إِذا قضى الله وَرَسُوله أمرا أَن يكون لَهُم الْخيرَة من أَمرهم وَمن يعْص الله وَرَسُوله فقد ضل ضلالا مُبينًا﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن وَلَا مُؤمنَة إِذا قضى الله وَرَسُوله أمرا أَن يكون لَهُم الْخيرَة من أَمرهم﴾ قَالَ الْقُرْطُبِيّ لفظ مَا كَانَ وَمَا يَنْبَغِي وَنَحْوهمَا مَعْنَاهُ الْحَظْر وَالْمَنْع من الشَّيْء والإخبار بِأَنَّهُ لَا يحل شرعا أَن يكون وَقد يكون لما يمْتَنع عقلا كَقَوْلِه ﴿مَا كَانَ لكم أَن تنبتوا شَجَرهَا﴾ سُورَة النَّمْل وَمعنى الْآيَة أَنه لَا يحل لمن يُؤمن بِاللَّه وَرَسُوله إِذا قضى الله وَرَسُوله أمرا أَن يخْتَار من أَمر نَفسه مَا شَاءَ بل يجب عَلَيْهِ أَن يذعن للْقَضَاء وَيُوقف نَفسه تَحت مَا قضى الله وسوله عَلَيْهِ وَاخْتَارَهُ لَهُ وَيجْعَل رَأْيه تبعا لرأيه وَجمع الضَّمِير فِي قَوْله لَهُم وأَمرهم لِأَن مُؤمنا ومؤمنة وَقعا فِي سِيَاق النَّفْي فهما يعمان كل مُؤمن ومؤمنة ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله﴾ فِي أَمر من الْأُمُور وَشَيْء من الْأَشْيَاء وَمن ذَلِك عدم الرِّضَا بِمَا قضى الله بِهِ فِي كِتَابه أَو رَسُوله ﷺ فِي سنته ﴿فقد ضل ضلالا مُبينًا﴾ ظَاهرا وَاضحا لَا يخفى فَإِن كَانَ الْعِصْيَان عصيان رد وَامْتِنَاع عَن الْقبُول كحالة بعض أهل الرَّأْي وَأَصْحَاب الْفُرُوع فَهُوَ ضلال كفر وَإِن كَانَ عصيان فعل مَعَ قبُول الْأَمر واعتقاد الْوُجُوب كحالة بعض أهل التَّوْحِيد فَهُوَ ضلال خطأ وَفسق
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ إِن رَسُول الله ﷺ انْطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثه فَدخل على زَيْنَب بنت جحش الأَسدِية فَخَطَبَهَا قَالَت لست بناكحته قَالَ بلَى فانكحيه قَالَت يَا رَسُول الله أؤامر نَفسِي
стр. 179
فَبَيْنَمَا هما يتحدثان إِذْ أنزل الله هَذِه الْآيَة على رَسُوله ﷺ قَالَت قد رضيته لي ناكحا قَالَ نعم قَالَت إِذا لَا أعصي رَسُول الله ﷺ قد أنكحته نَفسِي أخرجه ابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه
وَعنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لِزَيْنَب إِنِّي أُرِيد أَن أزَوجك زيد بن حَارِثَة فَإِنِّي قد رضيته لَك قَالَت يَا رَسُول الله لكني لَا أرضاه لنَفْسي وَأَنا أيم قومِي وَبنت عَمَّتك فَلم أكن لأَفْعَل فَنزلت هَذِه الْآيَة ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن﴾ يَعْنِي زيدا ﴿وَلَا مُؤمنَة﴾ يَعْنِي زَيْنَب ﴿إِذا قضى الله وَرَسُوله أمرا﴾ يَعْنِي النِّكَاح فِي هَذَا الْموضع ﴿أَن يكون لَهُم الْخيرَة من أَمرهم﴾ خلاف مَا أَمر الله بِهِ قَالَت قد أطعتك فَاصْنَعْ مَا شِئْت فَزَوجهَا زيدا وَدخل عَلَيْهَا أخرجه ابْن مرْدَوَيْه
وَعَن ابْن زيد قَالَ نزلت فِي أم كُلْثُوم بنت عقبَة بن أبي معيط وَكَانَت أول امْرَأَة هَاجَرت فَوهبت نَفسهَا للنَّبِي ﷺ فَزَوجهَا زيد بن حَارِثَة فَسَخِطَتْ هِيَ وأخوها وَقَالا إِنَّمَا أردنَا رَسُول الله ﷺ فَزَوجهَا عَبده وَكَانَ تزوج زيد بِزَيْنَب قبل الْهِجْرَة بِنَحْوِ ثَمَان سِنِين وَبعد مَا طلق زيد زَيْنَب زوجه ﷺ أم كُلْثُوم وَكَانَ زوجه قبلهَا أم أَيمن وَولدت لَهُ أُسَامَة وَكَانَت وِلَادَته بعد الْبعْثَة بِثَلَاث سِنِين وَقيل بِخمْس وَفِي شرح الْمَوَاهِب أَن أم أَيمن هِيَ بركَة الحبشية بنت ثَعْلَبَة أعْتقهَا عبد الله أَبُو النَّبِي ﷺ وَقيل بل أعْتقهَا هُوَ ﷺ وَقيل كَانَت لأمه ﷺ أسلمت قَدِيما وَهَاجَرت الهجرتين وَمَاتَتْ بعده ﷺ بِخَمْسَة أشهر وَقيل بِسِتَّة قَالَ أهل الْعلم دلّت الْآيَة على لُزُوم اتِّبَاع قَضَاء الْكتاب وَالسّنة وذم التَّقْلِيد والرأي وَعدم خيرة الْأَمر فِي مُقَابلَة النَّص من الله وَرَسُوله ﷺ وَإِن كَانَ السَّبَب خَاصّا فَإِن الِاعْتِبَار بِعُمُوم اللَّفْظ لَا بِخُصُوص السَّبَب
стр. 180
١٤٠ - بَاب مَا نزل فِي نفي الْحَرج عَن أَزوَاج الأدعياء
﴿وَإِذ تَقول للَّذي أنعم الله عَلَيْهِ وأنعمت عَلَيْهِ أمسك عَلَيْك زَوجك وَاتَّقِ الله وتخفي فِي نَفسك مَا الله مبديه وتخشى النَّاس وَالله أَحَق أَن تخشاه فَلَمَّا قضى زيد مِنْهَا وطرا زَوَّجْنَاكهَا لكَي لَا يكون على الْمُؤمنِينَ حرج فِي أَزوَاج أدعيائهم إِذا قضوا مِنْهُنَّ وطرا وَكَانَ أَمر الله مَفْعُولا﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ تَقول للَّذي أنعم الله عَلَيْهِ وأنعمت عَلَيْهِ أمسك عَلَيْك زَوجك﴾ هُوَ زيد بن حَارِثَة أنعم الله عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ وأنعم عَلَيْهِ ﷺ بِأَن أعْتقهُ من الرّقّ وَكَانَ من سبي الْجَاهِلِيَّة اشْتَرَاهُ رَسُول الله ﷺ فِي الْجَاهِلِيَّة وَأعْتقهُ وتبناه قَالَ جمَاعَة إِن النَّبِي ﷺ وَقع مِنْهُ اسْتِحْسَان لِزَيْنَب وَهِي فِي عصمَة زيد وَكَانَت حريصة على أَن يطلقهَا زيد فيتزوجها النَّبِي ﷺ ثمَّ إِن زيدا أخبر بِأَنَّهُ يُرِيد فراقها شكا مِنْهَا غلظة القَوْل وعصيان الْأَمر والأذى بِاللِّسَانِ والتعظم بالشرف قَالَ لَهُ ﴿وَاتَّقِ الله﴾ فِي أمرهَا وَلَا تعجل بِطَلَاقِهَا وَأمْسك عَلَيْك زَوجك ﴿وتخفي فِي نَفسك مَا الله مبديه﴾ وَهُوَ نِكَاحهَا إِن طَلقهَا زيد وَقيل حبها وَلكنه فعل مَا يجب عَلَيْهِ من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ ﴿وتخشى النَّاس وَالله أَحَق أَن تخشاه﴾ فِي كل حَال وَهَذَا التَّقْرِير أحسن مَا قيل فِي هَذِه الْآيَة ﴿فَلَمَّا قضى زيد مِنْهَا وطرا﴾ أَي حَاجَة سَمَّاهُ الله فِي الْقُرْآن حَتَّى صَار اسْمه يُتْلَى فِي المحاريب ونوه بِهِ غَايَة التنويه ﴿زَوَّجْنَاكهَا﴾ فَدخل عَلَيْهَا
следующие страницы →