← Фикх общий

Фикх общий · id 3485

حسن الأسوة بما ثبت من الله ورسوله في النسوة

صديق حسن خان

Полный текст (575 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

﴿وَالله أعلم بإيمانكم﴾ أَي كلكُمْ بَنو آدم وأكرمكم عِنْد الله أَتْقَاكُم فَلَا تستنكفوا من الزواج بالإماء عِنْد الضَّرُورَة فَرُبمَا كَانَ إِيمَان بعض الْإِمَاء أفضل من إِيمَان الْحَرَائِر ﴿بَعْضكُم من﴾ جنس ﴿بعض﴾ لأَنهم جَمِيعًا بَنو آدم فهم متصلون بالأنساب لأَنهم جَمِيعًا أهل مِلَّة وَاحِدَة وكتابهم وَاحِد ونبيهم وَاحِد ومتصلون بِالدّينِ ﴿فانكحوهن بِإِذن أهلهن﴾ أَي بِإِذن المالكين لَهُنَّ ومواليهن لِأَن منافعهن لَهُم لَا يجوز لغَيرهم أَن ينْتَفع بِشَيْء مِنْهَا إِلَّا بِإِذن من هِيَ لَهُ وَاتفقَ أهل الْعلم على أَن نِكَاح الْأمة بِغَيْر إِذن سَيِّدهَا بَاطِل لِأَن الله تَعَالَى جعل إِذن السَّيِّد شرطا فِي جَوَاز نِكَاح الْأمة ﴿وآتوهن أُجُورهنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَي أَدّوا إلَيْهِنَّ مهورهن بِمَا هُوَ الْمَعْرُوف فِي الشَّرْع من غير مطل وَلَا نقص وَلَا ضرار وَقيل مُهُور أمثالهن وَقد اسْتدلَّ بِهَذَا من قَالَ إِن الْأمة أَحَق من سَيِّدهَا وَإِلَيْهِ ذهب مَالك وَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن الْمهْر للسَّيِّد وَإِنَّمَا أضافها إلَيْهِنَّ لِأَن التأدية إلَيْهِنَّ إِلَى سيدهن لكونهن مَاله وَالَّذِي يتَرَجَّح هُوَ الأول لكَونه ظَاهر النّظم القرآني وَالله أعلم ﴿محصنات﴾ عفائف ﴿غير مسافحات﴾ زانيات جَهرا وَهَذَا الشَّرْط على سَبِيل النّدب بِنَاء على الْمَشْهُور من جَوَاز نِكَاح الزواني وَلَو كن إِمَاء قَالَه الْخَطِيب ﴿وَلَا متخذات أخدان﴾ أخلاء يزنون بِهن سرا وَكَانَت الْعَرَب تعيب الإعلان بالزنى وَلَا تعيب إتخاذ الأخدان ثمَّ رفع الْإِسْلَام جَمِيع ذَلِك فَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تقربُوا الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن﴾ فَإِذا أحصن فَإِن أتين بِفَاحِشَة فعليهن نصف مَا على الْمُحْصنَات من المُرَاد بالإحصان هُنَا الْإِسْلَام وَبِه قَالَ الْجُمْهُور وَقيل التَّزْوِيج فعلى الأول لَا حد على الْأمة الْكَافِرَة وعَلى الثَّانِي لَا حد على الْأمة الَّتِي لم تتَزَوَّج وَقَالَ قوم هُوَ التَّزَوُّج وَلَكِن الْحَد وَاجِب على الْمسلمَة إِذا زنت قبل أَن تتَزَوَّج بِالسنةِ وَقَالَ ابْن عبد الْبر جَاءَت السّنة بجلدها وَإِن لم تحصن وَكَانَ ذَلِك

стр. 72

زِيَادَة بَيَان وَالْمرَاد بِالْعَذَابِ هُنَا الْجلد وَإِنَّمَا نقص حد الْإِمَاء عَن حد الْحَرَائِر لِأَنَّهُنَّ أَضْعَف وَلم يذكر الله فِي هَذِه الْآيَة العبيد وهم لاحقون بالإماء بطرِيق الْقيَاس وَكَذَلِكَ يكون عَلَيْهِم وعليهن نصف الْحَد فِي الْقَذْف وَالشرب ﴿ذَلِك﴾ أَي نِكَاح المملوكات عِنْد عدم الطول ﴿لمن خشِي الْعَنَت﴾ أَي الْوُقُوع فِي الْإِثْم وَقيل الزِّنَى وَأُرِيد بِهِ هُنَا مَا يجر إِلَيْهِ الزِّنَى من الْعقَاب الدنيوي والأخروي وَبِالْجُمْلَةِ فقد أَبَاحَ الله نِكَاح الْأمة بِثَلَاثَة شُرُوط عدم الْقُدْرَة على نِكَاح الْحرَّة وَخَوف الْعَنَت وَكَون الْأمة مُؤمنَة ﴿مِنْكُم﴾ بِخِلَاف من لَا يخافه من الْأَحْرَار فَلَا يحل لَهُ نِكَاحهَا وَكَذَا من اسْتَطَاعَ طول حرَّة وَعَلِيهِ الشَّافِعِي وَكَذَلِكَ مَالك وَأحمد ﴿وَإِن تصبروا﴾ عَن نِكَاح الْإِمَاء ﴿خير لكم﴾ من نِكَاحهنَّ لِأَن نِكَاحهنَّ يُفْضِي إِلَى إرقاق الْوَلَد والغض من النَّفس ٤٦ - بَاب مَا نزل فِي كَون الرِّجَال قوامين على النِّسَاء ومدح الصَّالِحَات مِنْهُنَّ ﴿الرِّجَال قوامون على النِّسَاء بِمَا فضل الله بَعضهم على بعض وَبِمَا أَنْفقُوا من أَمْوَالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بِمَا حفظ الله﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿الرِّجَال قوامون على النِّسَاء﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس أمروا عَلَيْهِنَّ فعلى الْمَرْأَة أَن تطيع زَوجهَا فِي طَاعَة الله ﴿بِمَا فضل الله بَعضهم على بعض﴾ من كَونهم فيهم الْأَنْبِيَاء وَالْخُلَفَاء والسلاطين والحكام وَالْأَئِمَّة والغزاة وَزِيَادَة الْعقل وَالدّين وَالشَّهَادَة وَالْجمع وَالْجَمَاعَات وَلِأَن الرجل يتَزَوَّج بِأَرْبَع نسْوَة وَلَا يجوز للْمَرْأَة غير زوج وَاحِد وَزِيَادَة النَّصِيب والتعصيب فِي الْمِيرَاث

стр. 73

وَبِيَدِهِ الطَّلَاق وَالنِّكَاح وَالرَّجْعَة وَإِلَيْهِ الإنتساب وَغير ذَلِك من الْأُمُور فَكل هَذَا يدل على فضل الرِّجَال على النِّسَاء ﴿وَبِمَا أَنْفقُوا من أَمْوَالهم﴾ فِي مهورهن وَفِي الْجِهَاد وَالْعقل وَالدية والأرث وَالْكِتَابَة وَقد اسْتدلَّ جمَاعَة من الْعلمَاء بِهَذِهِ الْآيَة على جَوَاز فسخ النِّكَاح إِذا عجز الزَّوْج عَن نَفَقَة زَوجته وكسوتها وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهمَا ﴿فالصالحات﴾ أَي المحسنات العاملات بِالْخَيرِ من النِّسَاء ﴿قانتات﴾ أَي معطيات لله قائمات بِمَا يجب عَلَيْهِنَّ من حُقُوق أَزوَاجهنَّ ﴿حافظات للغيب﴾ أَي عِنْد غيبَة أَزوَاجهنَّ عَنْهُن من حفظ نفوسهن وفروجهن وَحفظ أموالهن ﴿بِمَا حفظ الله﴾ أَي بِحِفْظ الله إياهن ومعونته وتسديده أَو حافظات لَهُ بِمَا استحفظن من أَدَاء الْأَمَانَة إِلَى أَزوَاجهنَّ على الْوَجْه الَّذِي أَمر الله بِهِ أَو حافظات لَهُ بِحِفْظ الله لَهُنَّ بِمَا أوصى بِهِ الْأزْوَاج فِي شأنهن من حسن الْعشْرَة وَقَالَ السّديّ تحفظ على زَوجهَا مَاله وفرجها حَتَّى يرجع كَمَا أَمر الله تَعَالَى ٤٧ - بَاب مَا نزل فِي علاج النَّاشِزَة ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن فِي الْمضَاجِع واضربوهن فَإِن أطعنكم فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِن الله كَانَ عليا كَبِيرا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿واللاتي تخافون نشوزهن﴾ هَذَا خطاب للأزواج والنشوز الْعِصْيَان ودلالته قد تكون بالْقَوْل وَالْفِعْل بِأَن رفعت صَوتهَا عَلَيْهِ أَو لم تجبه إِذا دَعَاهَا وَلم تبادر إِلَى أمره إِذا أمرهَا أَو لَا تخضع لَهُ إِذا خاطبها أَو لَا تقوم لَهُ إِذا دخل عَلَيْهَا

стр. 74

﴿فعظوهن﴾ أَي ذكروهن بِمَا أوجب الله عَلَيْهِنَّ من الطَّاعَة وَحسن المعاشرة ورغبوهن إِذا ظهر مِنْهُنَّ أَمَارَات النُّشُوز وَهُوَ أَن يَقُول لَهَا اتقِي الله وخافيه فَإِن لي عَلَيْك حَقًا وارجعي عَمَّا أَنْت عَلَيْهِ واعلمي أَن طَاعَتي فرض عَلَيْك وَنَحْو ذَلِك فَإِن أصرت على ذَلِك هجرها فِي المضجع كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿واهجروهن فِي الْمضَاجِع﴾ يُقَال هِجْرَة أَي تبَاعد مِنْهُ والمضجع هُوَ مَحل الِاضْطِجَاع أَي لَا تدخلوهن تَحت مَا تجعلونه عَلَيْكُم حَال الضجعة من الثِّيَاب وَقيل هُوَ أَن يوليها ظَهره عِنْد الضجعة فِي الْفراش وَقيل هُوَ كِنَايَة عَن ترك جِمَاعهَا وَقيل لَا يبيت مَعهَا فِي الْبَيْت الَّذِي يضطجع فِيهِ قَالَ حَمَّاد يَعْنِي النِّكَاح أخرجه أَبُو دَاوُد ﴿واضربوهن﴾ إِن لم ينزعن بالهجران ضربا غير مبرح وَلَا شائن وَظَاهر النّظم القرآني أَنه يجوز للزَّوْج أَن يفعل جَمِيع هَذِه الْأُمُور عِنْد مَخَافَة النُّشُوز وَقيل حكم الْآيَة مَشْرُوع على التَّرْتِيب وَإِن دلّ ظَاهر الْعَطف بِالْوَاو على الْجمع لِأَن التَّرْتِيب مُسْتَفَاد من قرينَة الْمقَام وسوق الْكَلَام للرفق فِي إصلاحهن وإدخالهن تَحت الطَّاعَة فالأمور الثَّلَاثَة مرتبَة لِأَنَّهَا لدفع الضَّرَر كدفع الصَّائِل فَاعْتبر فِيهَا الأخف فالأخف وَقيل إِنَّه لَا يهجرها إِلَّا بعد عدم تَأْثِير الْوَعْظ فَإِن أثر الْوَعْظ لم ينْتَقل إِلَى الهجر وَإِن كَفاهُ الهجر لم ينْتَقل إِلَى الضَّرْب قيل هُوَ أَن يضْربهَا بِالسِّوَاكِ وَنَحْوه قَالَ الشَّافِعِي الضَّرْب مُبَاح وَتَركه أفضل

стр. 75

وَفِي حَاشِيَة الْجمل على الجلالين إِن كلا من الهجر وَالضَّرْب مُقَيّد بِعلم النُّشُوز وَلَا يجوز بِمُجَرَّد الظَّن ﴿فَإِن أطعنكم﴾ كَمَا يجب وقمن بِوَاجِب حقكم وتركن النُّشُوز ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ أَي لَا تتعرضوا لَهُنَّ بِشَيْء مِمَّا يكْرهُونَ لَا بقول وَلَا بِفعل وَقيل الْمَعْنى لَا تكلفوهن الْحبّ لكم فَإِنَّهُ لَا يدْخل تَحت اختيارهن ﴿إِن الله كَانَ عليا كَبِيرا﴾ إِشَارَة إِلَى الْأزْوَاج بخفض الْجنَاح ولين الْجَانِب أَي وَإِن كُنْتُم تقدرون عَلَيْهِنَّ فاذكروا قدرَة الله عَلَيْكُم فَإِنَّهَا فَوق كل قدرَة وَهُوَ بالمرصاد لكم قَالَ ابْن عَبَّاس يضْربهَا ضربا غير مبرح وَلَا يكسر لَهَا عظما وَلَا يجرح بهَا جرحا وَعنهُ قَالَ يهجرها بِلِسَانِهِ ويغلظ لَهَا بالْقَوْل وَلَا يدع الْجِمَاع وَعَن عَمْرو بن الْأَحْوَص أَنه شهد خطْبَة الْوَدَاع مَعَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ فِيهَا أَلا وَاسْتَوْصُوا بِالنسَاء خيرا فَإِنَّمَا هن عوار عنْدكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئا غير ذَلِك إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة فَإِن فعلن فاهجروهن فِي الْمضَاجِع واضربوهن ضربا غير مبرح فَإِن أطعنكم فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَعَن عبد الله بن زَمعَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أيضرب أحدكُم امْرَأَته كَمَا يضْرب العَبْد ثمَّ يُجَامِعهَا فِي آخر الْيَوْم أخرجه الشَّيْخَانِ وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن الأولى ترك الضَّرْب للنِّسَاء فَإِن احْتَاجَ فَلَا يوالي بِالضَّرْبِ على مَوضِع وَاحِد من بدنهَا وليتق الْوَجْه لِأَنَّهُ مجمع المحاسن وَلَا يبلغ بِالضَّرْبِ عشرَة أسواط وَقيل يَنْبَغِي أَن يكون الضَّرْب بالمنديل وَالْيَد

стр. 76

وَلَا يضْرب بِالسَّوْطِ والعصا وَبِالْجُمْلَةِ فالتخفيف بأبلغ شَيْء أولى فِي هَذَا الْبَاب وَعَن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يسْأَل الرجل فيمَ ضرب امْرَأَته أخرجه أَبُو دَاوُد ٤٨ - بَاب مَا نزل فِي بعث الحكم للإصلاح بَينهُنَّ ﴿وَإِن خِفْتُمْ شقَاق بَينهمَا فَابْعَثُوا حكما من أَهله وَحكما من أَهلهَا إِن يريدا إصلاحا يوفق الله بَينهمَا إِن الله كَانَ عليما خَبِيرا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن خِفْتُمْ شقَاق بَينهمَا﴾ الْخطاب لِلْأُمَرَاءِ والحكام وَالضَّمِير للزوجين ﴿فَابْعَثُوا﴾ إِلَى الزَّوْجَيْنِ برضاهما خطاب للْإِمَام أَو لنائبه أَو لكل أحد من صالحي الْأمة أَو للزوجين ﴿حكما﴾ رجلا عدلا ﴿من أَهله﴾ أَقَاربه ﴿وَحكما من أَهلهَا﴾ فَإِذا لم يُوجد الحكمان مِنْهُم كَانَا من غَيرهم وَهَذَا إِذا أشكل أَمرهمَا وَلم يتَبَيَّن من هُوَ الْمُسِيء مِنْهُمَا فَأَما إِذا عرف الْمُسِيء فَإِنَّهُ يُؤْخَذ لصَاحبه الْحق مِنْهُ والبعث وَاجِب وَكَون الْحكمَيْنِ من أهلهما مَنْدُوب ﴿إِن يريدا إصلاحا﴾ أَي الحكمان وَقيل الزَّوْجَانِ وَالْأول أولى أَي على الْحكمَيْنِ أَن يسعيا فِي إصْلَاح ذَات الْبَين جهدهما فَإِن قدرا على ذَلِك عملا عَلَيْهِ وَإِن أعياهما إصْلَاح حَالهمَا ورأيا التَّفَرُّق بَينهمَا جَازَ لَهما ذَلِك من دون أَمر من الْحَاكِم فِي الْبَلَد وَلَا تَوْكِيل بالفرقة من الزَّوْجَيْنِ

стр. 77

وَعَن مَالك بلغه أَن عليا ﵁ قَالَ إِن إِلَيْهِمَا الْفرْقَة والاجتماع وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَحَكَاهُ ابْن كثير عَن الْجُمْهُور قَالُوا لِأَن الله تعال قَالَ ﴿فَابْعَثُوا حكما من أَهله وَحكما من أَهلهَا﴾ وَهَذَا نَص من الله سُبْحَانَهُ أَنَّهُمَا قاضيان لَا وكيلان وَلَا شَاهِدَانِ وَقَالَ أهل الْكُوفَة إِن التَّفْرِيق هُوَ إِلَى الإِمَام أَو الْحَاكِم فِي الْبَلَد لَا إِلَيْهِمَا مَا لم يوكلهما الزَّوْجَانِ أَو يأمرهما الإِمَام وَالْحَاكِم لِأَنَّهُمَا رسولان شَاهِدَانِ فَلَيْسَ إِلَيْهِمَا التَّفْرِيق ويرشد إِلَى هَذَا قَوْله ﴿إِن يريدا﴾ أَي الحكمان ﴿إصلاحا يوفق الله بَينهمَا﴾ لاقتصاره على ذكر الْإِصْلَاح دون التَّفْرِيق وَالْمعْنَى يُوقع الله الألفة والموافقة بَين الزَّوْجَيْنِ حَتَّى يعودا إِلَى الألفة وَحسن المعاشرة وَمعنى الْإِرَادَة خلوص نِيَّتهَا لصلاح الْحَالين بَين الزَّوْجَيْنِ وَقيل الضَّمِير فِي قَوْله بَينهمَا لِلْحكمَيْنِ أَي يوفق الله بَينهمَا فِي اتِّحَاد كلمتهما وَحُصُول مقصودهما وَقيل كلا الضميرين للزوجين أَي إِن يريدا إصْلَاح مَا بَينهمَا من الشقاق أوقع الله بِهِ بَينهمَا الألفة والوفاق وَإِذا اخْتلف الحكمان لم ينفذ حكمهمَا وَلَا يلْزم قبُول قَوْلهمَا بِلَا خلاف وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ بعثت أَنا وَمُعَاوِيَة حكمين فَقيل لنا إِن رَأَيْتُمَا أَن تجمعَا جَمعْتُمَا وَإِن رَأَيْتُمَا أَن تفَرقا فَرَّقْتُمَا وَالَّذِي بعثهما عُثْمَان ﴿إِن الله كَانَ عليما خَبِيرا﴾ يعلم كَيفَ يوفق بَين الْمُخْتَلِفين وَيجمع بَين المتفرقين وَفِيه وَعِيد شَدِيد للزوجين والحكمين إِن سلكوا غير طَرِيق الْحق

стр. 78

٤٩ - بَاب مَا نزل فِي عظم حق الْوَالِدين وَالْإِحْسَان إِلَيْهِمَا وَإِلَى المملوكات ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ ﴿وَمَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ أَي برا ولين جَانب وَقد دلّ ذكره بعد الْأَمر بِعبَادة الله وَالنَّهْي عَن الْإِشْرَاك بِهِ على عظم حَقّهمَا وَمثله ﴿أَن اشكر لي ولوالديك﴾ فَأمر سُبْحَانَهُ بِأَن يشكرا مَعَه وَهُوَ أَن يقوم بخدمتهما وَلَا يرفع صَوته عَلَيْهِمَا وَيسْعَى فِي تَحْصِيل مرادهما والإنفاق عَلَيْهِمَا بِقدر الْقُدْرَة وَقد وَردت أَحَادِيث كَثِيرَة فِي حقوقهما وَهِي مَعْرُوفَة إِلَى قَوْله ﴿وَمَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ أَي أَحْسنُوا إِلَى الأرقاء وهم العبيد وَالْإِمَاء وَقيل أَعم فَيشْمَل الْحَيَوَانَات وَعَن عَليّ كرم الله وَجهه قَالَ كَانَ آخر كَلَام رَسُول الله ﷺ وَاتَّقوا الله فِيمَا ملكت أَيْمَانكُم ٥٠ - بَاب مَا نزل فِي التَّيَمُّم من لمس النِّسَاء وَكَونه ضَرْبَة وَاحِدَة من التُّرَاب ﴿أَو لامستم النِّسَاء فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿أَو لامستم النِّسَاء﴾ وقريء لمستم وَالْمرَاد الْجِمَاع وَقيل مُطلق الْمُبَاشرَة وَقيل يجمع الْأَمريْنِ جَمِيعًا وَقيل معنى لامستم قبلتم ولمستم غشيتم قَالَت فرقة الْمُلَامسَة هُنَا مُخْتَصَّة بِالْيَدِ دون الْجِمَاع قَالُوا وَالْجنب لَا يتَيَمَّم بل يغْتَسل ويدع الصَّلَاة حَتَّى يجد المَاء وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة

стр. 79

تَدْفَعهُ وتبطله كَحَدِيث عمار وَعمْرَان وَأبي ذَر فِي تيَمّم الْجنب قَالَت طَائِفَة هُوَ الْجِمَاع وَقَالَ مَالك الملامس بِالْجِمَاعِ يتَيَمَّم وَالْآيَة ظَاهِرَة فِي الْجِمَاع وَثبتت السّنة الصَّحِيحَة بِوُجُوب التَّيَمُّم على من أجنب وَلم يجد المَاء فَكَانَ الْجنب دَاخِلا فِي هَذَا الحكم بِهَذَا الدَّلِيل وعَلى فرض عدم دُخُوله فَالسنة تَكْفِي فِي ذَلِك ﴿فَلم تَجدوا مَاء﴾ تتطهرون بِهِ للصَّلَاة هَذَا الْقَيْد رَاجع إِلَى جمع مَا تقدم من الْمَرَض وَالسّفر والمجيء من الْغَائِط وملامسة النِّسَاء وَقيل رَاجع إِلَى الْأَخيرينِ وعَلى كل صُورَة لَا تَخْلُو الْآيَة عَن الْإِشْكَال وَالظَّاهِر أَن الْمَرَض بِمُجَرَّدِهِ مسوغ للتيمم وَإِن كَانَ المَاء مَوْجُودا إِذْ كَانَ يتَضَرَّر بِاسْتِعْمَالِهِ فِي الْحَال أَو فِي المَال وَلَا تعْتَبر خشيَة التّلف ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ التَّيَمُّم الْقَصْد ثمَّ كثر اسْتِعْمَال هَذِه الْكَلِمَة فِي مسح الْيَدَيْنِ وَالْوَجْه بِالتُّرَابِ وَظَاهر الْأَمر الْوُجُوب وَهُوَ مجمع عَلَيْهِ وَالْأَحَادِيث فِي تفاصيل التَّيَمُّم وَصِفَاته مبينَة فِي السّنة المطهرة ﴿صَعِيدا طيبا﴾ الصَّعِيد وَجه الأَرْض سَوَاء كَانَ عَلَيْهِ تُرَاب أم لم يكن وَقَالَت طَائِفَة التُّرَاب وَالثَّانِي أولى ﴿فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ﴾ يتَنَاوَل الْمسْح بضربة أَو ضربتين وَإِلَى كل ذهبت طَائِفَة وَالْأول أرجح وبينته السّنة بَيَانا شافيا وَالْحَاصِل أَن أَحَادِيث الضربتين لَا يَخْلُو جَمِيع طرقها من مقَال وَلَو صحت لَكَانَ الْأَخْذ بهَا مُتَعَيّنا لما فِيهَا من الزِّيَادَة فَالْحق الْوُقُوف على ماثبت فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عمار من الِاقْتِصَار على ضَرْبَة وَاحِدَة حَتَّى تصح الزِّيَادَة على ذَلِك الْمِقْدَار

стр. 80

٥١ - بَاب مَا نزل فِي الْجِهَاد مِنْهُم وَهن مستضعفات ﴿وَمَا لكم لَا تقاتلون فِي سَبِيل الله وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من الرِّجَال وَالنِّسَاء والولدان﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا لكم لَا تقاتلون فِي سَبِيل الله﴾ خطاب للْمُؤْمِنين المأمورين بِالْقِتَالِ ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من الرِّجَال وَالنِّسَاء والولدان﴾ حَتَّى تخلصوهم من الْأسر وتريحوهم مِمَّا هم فِيهِ من الْجهد وَفِيه دَلِيل على أَن الْجِهَاد وَاجِب وَلَا عذر لكم فِي تَركه وَقد بلغ حَال الْمُسْتَضْعَفِينَ مَا بلغ من الضعْف والأذى قَالَ ابْن عَبَّاس أَنا وَأمي من الْمُسْتَضْعَفِينَ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَلَا يبعد أَن يُقَال إِن لفظ الْآيَة أوسع من هَذَا ٥٢ - بَاب مَا نزل فِي كَفَّارَة قتل الْخَطَأ بِرَقَبَة مُؤمنَة ﴿وَمن قتل مُؤمنا خطأ فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن قتل مُؤمنا خطأ فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة﴾ أَي فَعَلَيهِ عتق نسمَة كَفَّارَة عَن قتل الْخَطَأ قيل هِيَ الَّتِي صلت وعقلت الْإِيمَان فَلَا تجزيء الصَّغِيرَة المولودة بَين الْمُسلمين وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ يجزيء كل من حكم لَهُ بِوُجُوب الصَّلَاة عَلَيْهِ إِن مَاتَ وَعَن أبي هُرَيْرَة أَن رجلا أَتَى النَّبِي ﷺ بِجَارِيَة سَوْدَاء فَقَالَ يَا رَسُول الله أَن عَليّ عتق رَقَبَة مُؤمنَة فَقَالَ لَهَا أَيْن الله فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاء بأصبعها

стр. 81

فَقَالَ لَهَا فَمن أَنا فَأَشَارَتْ إِلَى رَسُول الله ﷺ وَإِلَى السَّمَاء أَي أَنْت رَسُول الله فَقَالَ أعْتقهَا فَإِنَّهَا مُؤمنَة رَوَاهُ عبد بن حميد وَأَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ وَقد رُوِيَ من طرق وَهُوَ فِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث مُعَاوِيَة السّلمِيّ ٥٣ - بَاب مَا نزل فِي استضعاف النِّسَاء من الْهِجْرَة ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ من الرِّجَال وَالنِّسَاء والولدان لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَة وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ من الرِّجَال وَالنِّسَاء والولدان لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَة وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ وَردت هَذِه الْآيَة فِي شَأْن الْهِجْرَة ودلت على أَن من لم يتَمَكَّن من إِقَامَة دينه فِي بلد كَمَا يجب بِأَيّ سَبَب كَانَ وَعلم أَنه يتَمَكَّن من إِقَامَته فِي غَيره حقت عَلَيْهِ المهاجرة وَفِي الْبَاب أَحَادِيث قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ أَنا وَأمي مِمَّن عذر الله تَعَالَى أَنا من الْولدَان وَأمي من النِّسَاء ٥٤ - بَاب مَا نزل فِي دُعَاء الْإِنَاث من دون الله ﴿إِن يدعونَ من دونه إِلَّا إِنَاثًا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿إِن يدعونَ من دونه إِلَّا إِنَاثًا﴾ أَي أصناما لَهَا أَسمَاء مؤنثه كاللات والعزى والمناة وَقيل المُرَاد بالإناث الْأَمْوَات الَّتِي لَا روح لَهَا كالخشبة وَالْحجر وَقيل الْمَلَائِكَة لقَولهم هم بَنَات الله قَالَ الضَّحَّاك

стр. 82

اتخذوهن أَرْبَابًا وصورهن صور الْجَوَارِي فحلوا وقلدوا وَقَالُوا هَؤُلَاءِ يشبهن بَنَات الَّذِي نعبده يعنون الْمَلَائِكَة ٥٥ - بَاب مَا نزل فِي بِشَارَة الْإِنَاث بِالْجنَّةِ عِنْد الْعَمَل الصَّالح ﴿وَمن يعْمل من الصَّالِحَات من ذكر أَو أُنْثَى وَهُوَ مُؤمن فَأُولَئِك يدْخلُونَ الْجنَّة وَلَا يظْلمُونَ نقيرا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يعْمل من الصَّالِحَات من ذكر أَو أُنْثَى وَهُوَ مُؤمن﴾ فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن الْأَعْمَال لَيست من الْإِيمَان ﴿فَأُولَئِك يدْخلُونَ الْجنَّة وَلَا يظْلمُونَ نقيرا﴾ وَهُوَ النقرة فِي ظهر النواة وَهَذَا على سَبِيل الْمُبَالغَة فِي نفي الظُّلم ووعد بتوفية جَزَاء أَعْمَالهم وأعمالهن من غير نُقْصَان كَيفَ والمجازي أرْحم الرَّاحِمِينَ ٥٦ - بَاب مَا نزل فِي فَتْوَى الله فِي يتامى النِّسَاء ﴿ويستفتونك فِي النِّسَاء قل الله يفتيكم فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُم فِي الْكتاب فِي يتامى النِّسَاء اللَّاتِي لَا تؤتونهن مَا كتب لَهُنَّ وترغبون أَن تنكحوهن وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من الْولدَان وَأَن تقوموا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿ويستفتونك فِي النِّسَاء﴾ أَي فِي شأنهن وميراثهن ﴿قل الله يفتيكم فِيهِنَّ﴾ قَالَ مُجَاهِد كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة لَا يورثون النِّسَاء وَلَا الصّبيان

стр. 83

شَيْئا لأَنهم كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّهُم لَا يغنمون وَلَا يغنمون خيرا فَفرض لَهُنَّ الْمِيرَاث حَقًا وَاجِبا ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُم فِي الْكتاب﴾ أَي الْقُرْآن أَو اللَّوْح الْمَحْفُوظ ﴿فِي يتامى النِّسَاء اللَّاتِي لَا تؤتونهن مَا كتب﴾ أَي فرض ﴿لَهُنَّ﴾ من الْمِيرَاث وَمن الصَدَاق وَغَيره وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا يورثون الرِّجَال دون النِّسَاء والكبار دون الصغار قَالَ إِبْرَاهِيم كَانُوا إِذا كَانَت الْجَارِيَة يتيمة دَمِيمَة لَا يعطونها مِيرَاثهَا ويحبسونها من التَّزْوِيج حَتَّى تَمُوت فيرثوها فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة ﴿وترغبون أَن تنكحوهن﴾ بجمالهن ومالهن ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ من الْولدَان وَأَن تقوموا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ أَي الْعدْل فِي مهورهن ومواريثهن ٥٧ - بَاب مَا نزل فِي مصالحة الْمَرْأَة للزَّوْج عِنْد خوف النُّشُوز ﴿وَإِن امْرَأَة خَافت من بَعْلهَا نُشُوزًا أَو إعْرَاضًا فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا أَن يصلحا بَينهمَا صلحا وَالصُّلْح خير وأحضرت الْأَنْفس الشُّح وَإِن تحسنوا وتتقوا فَإِن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن امْرَأَة خَافت من بَعْلهَا﴾ أَي زَوجهَا وَيُطلق البعل أَيْضا على السَّيِّد ﴿نُشُوزًا﴾ أَي دوَام النُّشُوز بترك مضاجعتها وَالتَّقْصِير فِي نَفَقَتهَا ليغضها وطموح عينه إِلَى أجمل مِنْهَا ﴿أَو إعْرَاضًا﴾ مِنْهُ بِوَجْهِهِ قَالَ النّحاس الْفرق بَينهمَا أَن النُّشُوز التباعد والإعراض أَن لَا يكلمها وَلَا يأنس بهَا ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا﴾ أَي لَا حرج وَلَا إِثْم على الزَّوْج وَالْمَرْأَة ﴿أَن يصلحا﴾ ظَاهر الْآيَة أَنه يجوز التصالح بِأَيّ نوع من أَنْوَاعه إِمَّا بِإِسْقَاط النّوبَة أَو بَعْضهَا

стр. 84

أَو بعض النَّفَقَة أَو بعض الْمهْر (بَينهمَا صلحا) أَي فِي الْقِسْمَة وَالنَّفقَة قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ فَإِن صالحته على بعض حَقّهَا جَازَ وَإِن أنْكرت ذَلِك بعد الصُّلْح كَانَ ذَلِك لَهَا وَلها حَقّهَا ﴿وَالصُّلْح خير﴾ على الْإِطْلَاق أَو خير من الطَّلَاق والفرقة أَو من الْخُصُومَة أَو من النُّشُوز والإعراض وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ خشيت سَوْدَة أَن يطلقهَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَت يَا رَسُول الله لَا تُطَلِّقنِي وَاجعَل يومي لعَائِشَة فَفعل وَنزلت هَذِه الْآيَة أخرجه التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن الْمُنْذر وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ فَمَا اصطلحا عَلَيْهِ من شَيْء فَهُوَ جَائِز وَأخرج البُخَارِيّ عَن عَائِشَة فِي الْآيَة قَالَت الرجل يكون عِنْده الْمَرْأَة لَيْسَ بمستكثر مِنْهَا يُرِيد أَن يفارقها فَتَقول أجعلك من شأني فِي حل فَنزلت وَفِي الْبَاب رِوَايَات ﴿وأحضرت الْأَنْفس الشُّح﴾ أَي شدَّة الْبُخْل فالرجل يشح بِمَا يلْزمه للْمَرْأَة من حسن الْعشْرَة وَحسن النَّفَقَة وَنَحْو ذَلِك وَالْمَرْأَة تشح على الرجل بحقوقها اللَّازِمَة للزَّوْج فَلَا تتْرك لَهُ شَيْئا مِنْهَا ﴿وَإِن تحسنوا﴾ أَيهَا الْأزْوَاج الصُّحْبَة وَالْعشرَة ﴿وتتقوا﴾ مَا لَا يجوز من النُّشُوز والإعراض فِي حق الْمَرْأَة فَإِنَّهَا أَمَانَة عنْدكُمْ وَقيل الْمَعْنى أَن تحسنوا بِالْإِقَامَةِ مَعهَا على الْكَرَاهَة وتتقوا ظلمها والجور ﴿فَإِن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا﴾ فيجازيكم يَا معشر الْأزْوَاج بِمَا تستحقونه ٥٨ - بَاب مَا نزل فِي الْميل إِلَى إِحْدَاهُنَّ كل الْميل ﴿وَلنْ تستطيعوا أَن تعدلوا بَين النِّسَاء وَلَو حرصتم فَلَا تميلوا كل الْميل فتذروها كالمعلقة وَإِن تصلحوا وتتقوا فَإِن الله كَانَ غَفُورًا رحِيما وَإِن يَتَفَرَّقَا يغن الله كلا من سعته﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلنْ تستطيعوا أَن تعدلوا بَين النِّسَاء﴾ على الْوَجْه الَّذِي لَا ميل

стр. 85

فِيهِ الْبَتَّةَ لما جبلت عَلَيْهِ الطباع البشرية من ميل النَّفس إِلَى هَذِه دون هَذِه وَزِيَادَة هَذِه فِي الْمحبَّة ونقصان هَذِه وَذَلِكَ بِحكم الْخلقَة بِحَيْثُ لَا يملكُونَ قُلُوبهم وَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْقِيف أنفسهم على التَّسْوِيَة وَلِهَذَا كَانَ يَقُول الصَّادِق المصدوق ﷺ اللَّهُمَّ هَذَا قسمي فِيمَا أملك وَلَا تلمني فِيمَا تملك وَلَا أملك رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة وَأحمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن الْمُنْذر عَن عَائِشَة وَإِسْنَاده حسن صَحِيح قَالَ ابْن مَسْعُود الْعدْل بَين النِّسَاء الْجِمَاع وَقَالَ الْحسن الْحبّ وَكَذَا المحادثة والمجالسة وَالنَّظَر إلَيْهِنَّ والتمتع ﴿وَلَو حرصتم﴾ على الْعدْل والتسوية بَينهُنَّ فِي الْحبّ وميل الْقلب (فَلَا تميلوا كل الْميل) إِلَى الَّتِي تحبونها فِي الْقسم وَالنَّفقَة ﴿فتذروها﴾ أَي الْأُخْرَى الممال عَنْهَا ﴿كالمعلقة﴾ الَّتِي لَيست ذَات زوج وَلَا مُطلقَة تَشْبِيها بالشَّيْء الَّذِي هُوَ مُعَلّق غير مُسْتَقر على شَيْء لَا فِي السَّمَاء وَلَا فِي الأَرْض أَي لَا أَيّمَا وَلَا ذَات زوج ﴿وَإِن تصلحوا﴾ مَا أفسدتم من الْأُمُور الَّتِي تركْتُم مَا يجب عَلَيْكُم فِيهَا من عشرَة النِّسَاء وَالْعدْل بَينهُنَّ فِي الْقسم وَالْحب ﴿وتتقوا﴾ الْجور فِي الْقسم وكل الْميل الَّذِي نهيتم عَنهُ ﴿فَإِن الله كَانَ غَفُورًا رحِيما﴾ ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا﴾ أَي لم يتصالحا بل فَارق كل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه بِالطَّلَاق ﴿يغن الله كلا﴾ أَي يَجعله مستغنيا عَن الآخر بِأَن يهيء للرجل امْرَأَة توافقه وتقر بهَا عينه وللمرأة رجلا تغتبط بِصُحْبَتِهِ ويرزقهما ﴿من سعته﴾ رزقا يغنيهما بِهِ عَن الْحَاجة وَفِي هَذَا تَسْلِيَة لكل وَاحِد من الزَّوْجَيْنِ بعد الطَّلَاق

стр. 86

٥٩ - بَاب مَا نزل فِي مِيرَاث الْكَلَالَة ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم فِي الْكَلَالَة إِن امْرُؤ هلك لَيْسَ لَهُ ولد وَله أُخْت فلهَا نصف مَا ترك وَهُوَ يَرِثهَا إِن لم يكن لَهَا ولد فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا ترك وَإِن كَانُوا إخْوَة رجَالًا وَنسَاء فللذكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿يستفتونك﴾ والمستفتي هُوَ جَابر وَعَن قَتَادَة أالصَّحَابَة أَهَمَّهُمْ شَأْن الْكَلَالَة فسألوا عَنْهَا النَّبِي ﷺ فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة ﴿قل الله يفتيكم فِي الْكَلَالَة﴾ وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهَا وَاسم الْكَلَالَة يَقع على الْوَارِث والمورث فَإِن وَقع على الأول فهم من سوى الْوَلَد وَالْوَالِد وَإِن وَقع على الثَّانِي فَهُوَ من مَاتَ لَا يَرِثهُ أحد الْأَبَوَيْنِ وَلَا أحد الْأَوْلَاد وَعَن جَابر بن عبد الله قَالَ دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ وَأَنا مَرِيض لَا أَعقل فَتَوَضَّأ ثمَّ صب عَليّ فعقلت فَقلت إِنَّه لَا يَرِثنِي إِلَّا كَلَالَة فَكيف الْمِيرَاث فَنزلت آيَة الْفَرَائِض أخرجه السِّتَّة وَغَيرهم وَعَن جَابر رضى الله عَنهُ قَالَ اشتكيت وَعِنْدِي سبع أَخَوَات فَدخل عَليّ رَسُول الله ﷺ فَنفخ فِي وَجْهي فَأَفَقْت فَقلت يَا رَسُول الله أَلا أوصِي لأخواتي بالثلثين قَالَ أحسن قَالَ بالشطر قَالَ أحسن ثمَّ خرج وَتَرَكَنِي وَقَالَ يَا جَابر لَا أَرَاك مَيتا من وجعك هَذَا وَإِن الله تَعَالَى قد أنزل فَبين الَّذِي لأخواتك فَجعل لَهُنَّ الثُّلثَيْنِ فَكَانَ جَابر يَقُول أنزلت فِي هَذِه الْآيَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي الْبَاب رِوَايَات ﴿إِن امْرُؤ هلك لَيْسَ لَهُ ولد﴾ أَي وَلَا وَالِد وَالْمرَاد بِالْوَلَدِ الابْن لِأَن الْبِنْت لَا تسْقط الْأُخْت ﴿وَله أُخْت﴾ أَي من الْأَبَوَيْنِ أَو لأَب لَا لأم فَإِن فَرضهَا السُّدس ﴿فلهَا﴾ أَي لأخت الْمَيِّت ﴿نصف مَا ترك﴾ قَالَ الْجُمْهُور

стр. 87

إِن الْأَخَوَات لِأَبَوَيْنِ أَو لأَب عصبَة للبنات وَإِن لم يكن مَعَهُنَّ أَخ وَذهب دَاوُد ال / اهري إِلَى أَنَّهُنَّ لَا يعصبن الْبَنَات وَأَنه لَا مِيرَاث للْأُخْت لِأَبَوَيْنِ أَو لأَب مَعَ الْبِنْت وَورد فِي السّنة مَا يدل على ثُبُوت مِيرَاث الْأُخْت مَعَ الْبِنْت وَهُوَ مَا ثَبت فِي الصَّحِيح أَن معَاذًا قضى على عهد رَسُول الله ﷺ فِي بنت وَأُخْت فَجعل للْبِنْت النّصْف وَللْأُخْت النّصْف وَكَذَا صَحَّ عَنهُ ﷺ أَنه قضى فِي بنت وَبنت ابْن وَأُخْت فَجعل للْبِنْت النّصْف ولبنت الإبن السُّدس وَللْأُخْت الْبَاقِي فَكَانَت هَذِه السّنة مقتضية بتفسير الْوَلَد بالإبن دون الْبِنْت ﴿وَهُوَ﴾ أَي الْأَخ ﴿يَرِثهَا﴾ أَي الْأُخْت ﴿إِن لم يكن لَهَا ولد﴾ ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى إِن كَانَ المُرَاد بإرثه لَهَا حيازته لجَمِيع مَا تركته وَإِن كَانَ المُرَاد ثُبُوت مِيرَاثه لَهَا فِي الْجُمْلَة أَعم من أَن يكون كلا أَو بَعْضًا يُفَسر الْوَلَد بِمَا يتَنَاوَل الذّكر فَقَط فَإِن كَانَ لَهَا ولد ذكر فَلَا شَيْء لَهُ أَو أُنْثَى فَلهُ مَا فضل عَن نصِيبهَا وَلَو كَانَت الْأُخْت أَو الْأَخ من أم ففرضه السُّدس وَالْمرَاد هُنَا سُقُوط الْأَخ مَعَ الْوَلَد فَقَط وَأما سُقُوطه مَعَ الْأَب فقد تبين بِالسنةِ كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح من قَوْله ﷺ ألْحقُوا الْفَرَائِض بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِي فَلأولى رجل ذكر وَالْأَب أولى من الْأَخ ﴿وَإِن كَانَت﴾ أَي إِن كَانَ من يَرث بالأخوة ﴿اثْنَتَيْنِ﴾ أَي الْأُخْتَيْنِ فَصَاعِدا لِأَنَّهَا نزلت عَن جَابر وَقد مَاتَ عَن أَخَوَات سبع أَو تسع ﴿فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا ترك﴾ الْأَخ إِن لم يكن لَهُ ولد كَمَا سلف وَمَا فَوق اثْنَتَيْنِ من الْأَخَوَات يكون لَهُنَّ الثُّلُثَانِ بِالْأولَى ﴿وَإِن كَانُوا﴾ أَي من يَرث بالأخوة ﴿إخْوَة﴾ أَي وأخوات ﴿رجَالًا وَنسَاء﴾ أَي مختلطين ذُكُورا وإناثا ﴿فللذكر﴾ مِنْهُم ﴿مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ تعصيبا

стр. 88

٦٠ - بَاب مَا نزل فِي الكتابيات الْمُحْصنَات ﴿وَالْمُحصنَات من الْمُؤْمِنَات وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورهنَّ محصنين غير مسافحين وَلَا متخذي أخدان﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْمَائِدَة ﴿وَالْمُحصنَات من الْمُؤْمِنَات﴾ قيل هن العفائف وَقيل الْحَرَائِر ﴿وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ﴾ يدْخل تَحت هَذِه الْآيَة الْحرَّة العفيفة من الكتابيات على جَمِيع الْأَقْوَال إِلَّا على قَول ابْن عمر فِي النَّصْرَانِيَّة وَلَا تدخل تحتهَا الْحرَّة الَّتِي لَيست بعفيفة وَالْأمة العفيفة على قَول من يَقُول أَنه يجوز اسْتِعْمَال الْمُشْتَرك فِي كلا معنييه وَأما من لم يجوز فَإِن حمل الْمُحْصنَات على الْحَرَائِر لم يقل بِجَوَاز نِكَاح الْأمة عفيفة كَانَت أَو غَيرهَا إِلَّا بِدَلِيل آخر وَيَقُول بِجَوَاز نِكَاح الْحرَّة عفيفة كَانَت أَو غَيرهَا وَإِن حمل على العفائف قَالَ بِجَوَاز نِكَاح الْحرَّة العفيفة وَالْأمة العفيفة دون غير العفيفة مِنْهُمَا وَمذهب أبي حنيفَة جَوَاز التَّزْوِيج بالأمة الْكِتَابِيَّة لعُمُوم هَذِه الْآيَة ﴿إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ أَي مهورهن وَهَذَا الْعِوَض الَّذِي يبذله الزَّوْج للْمَرْأَة أَي فهن حَلَال وَهَذَا الشَّرْط بَيَان للأكمل وَالْأولَى لَا لصِحَّة العقد إِذْ لَا يتَوَقَّف على دفع الْمهْر وَلَا على الْتِزَامه كَمَا لَا يخفي ﴿محصنين غير مسافحين﴾ أَي مجاهرين بِالزِّنَا ﴿وَلَا متخذي أخدان﴾ أَي لم يتخذوا معشوقات فَقَط شَرط الله فِي الرِّجَال الْعِفَّة وَعدم المجاهرة بالزنى وَعدم اتِّخَاذ أخدان كَمَا شَرط فِي النِّسَاء أَن يكن محصنات

стр. 89

بَاب مَا نزل فِي التَّيَمُّم للمرضى وَغَيرهم ﴿وَإِن كُنْتُم مرضى أَو على سفر أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط أَو لامستم النِّسَاء فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن كُنْتُم مرضى أَو على سفر أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط أَو لامستم النِّسَاء فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ تقدم تَفْسِير هَذِه الْآيَة وأحكامها فِي سُورَة النِّسَاء مُسْتَوفى ٦٢ - بَاب مَا نزل فِي حد السارقة ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا جَزَاء بِمَا كسبا نكالا من الله﴾ ﴿فَمن تَابَ من بعد ظلمه وَأصْلح فَإِن الله يَتُوب عَلَيْهِ﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ ذكر السارقة مَعَ السَّارِق لزِيَادَة الْبَيَان لِأَن غَالب الْقُرْآن الِاقْتِصَار على الرِّجَال فِي تشريع الْأَحْكَام وَالسَّرِقَة بِكَسْر الرَّاء اسْم الشَّيْء الْمَسْرُوق والمصدر السرق وَهُوَ أَخذ الشَّيْء فِي خُفْيَة عَن الْعُيُون وَقدم السَّارِق هُنَا والزانية فِي آيَة الزِّنَا لِأَن الرِّجَال إِلَى السّرقَة أميل وَالنِّسَاء إِلَى الزِّنَا أميل وَالْمعْنَى اقْطَعُوا يَمِين كل وَاحِد مِنْهُمَا من الْكُوع وَقد بيّنت السّنة المطهرة أَن مَوضِع الْقطع الرسغ وَقيل يقطع من الْمرْفق وَقَالَ الْخَوَارِج من الْمنْكب وَالسَّرِقَة لَا بُد أَن تكون ربع دِينَار فَصَاعِدا وَتَكون من حرز كَمَا وَردت

стр. 90

بذلك الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُور وَذهب قوم إِلَى التَّقْدِير بِعشْرَة دَرَاهِم وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ إِذا جمع الثِّيَاب فِي بَيت قطع ﴿جَزَاء بِمَا كسبا نكالا من الله﴾ أَي عُقُوبَة مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَكَانَ عمر بن الْخطاب يَقُول إشتدوا على الْفُسَّاق واجعلوهم يدا يدا ورجلا رجلا إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَمن تَابَ من بعد ظلمه وَأصْلح فَإِن الله يَتُوب عَلَيْهِ﴾ فِيهِ قبُول التَّوْبَة وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُفِيد أَنه لَا قطع على التائب ٦٣ - بَاب مَا نزل فِي كَون مَرْيَم صديقَة ﴿وَأمه صديقَة﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأمه صديقَة﴾ أَي أم الْمَسِيح ﵇ صَادِقَة فِيمَا تَقوله أَو مصدقة لما جَاءَ بِهِ وَلَدهَا من الرسَالَة وَذَلِكَ لَا يسْتَلْزم الألوهية لَهَا بل هِيَ كَسَائِر من يَتَّصِف بِهَذَا الْوَصْف من النِّسَاء اللَّاتِي يلازمن الصدْق أَو التَّصْدِيق ويبالغن فِي الإتصاف فَمَا رتبتهما إِلَّا رُتْبَة بشرين أَحدهمَا نَبِي وَالْآخر صَحَابِيّ فَمن أَيْن لكم أَن تصفوهما بِمَا لَا يُوصف بِهِ سَائِر الْأَنْبِيَاء وخواصهم وَوَقع أسم الصديقة عَلَيْهَا بقوله تَعَالَى ﴿وصدقت بِكَلِمَات رَبهَا وَكتبه﴾ سُورَة التَّحْرِيم

стр. 91

٦٤ - بَاب مَا نزل فِي نفي صَاحِبَة الله ﴿وخرقوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَات بِغَيْر علم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يصفونَ بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَنى يكون لَهُ ولد وَلم تكن لَهُ صَاحِبَة وَخلق كل شَيْء وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وخرقوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَات بِغَيْر علم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يصفونَ بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَنى يكون لَهُ ولد وَلم تكن لَهُ صَاحِبَة وَخلق كل شَيْء وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم﴾ ادّعى الْمُشْركُونَ أَن الْمَلَائِكَة بَنَات الله وَذَلِكَ عَن جهل خَالص وَمن كَانَ خالقهما فَكيف يكون لَهُ ولد وَهُوَ من جملَة مخلوقاته وَكَيف يتَّخذ مَا يخلقه ولدا ﴿وَلم تكن﴾ تَأْكِيد لنفي الْوَلَد لِأَن الصَّحَابَة إِذا لم تُوجد اسْتَحَالَ وجود الْوَلَد ٦٥ - بَاب مَا نزل فِي تَحْرِيم مَا فِي بطُون الْأَنْعَام على النِّسَاء ﴿وَقَالُوا مَا فِي بطُون هَذِه الْأَنْعَام خَالِصَة لذكورنا ومحرم على أَزوَاجنَا وَإِن يكن ميتَة فهم فِيهِ شُرَكَاء سيجزيهم وَصفهم إِنَّه حَكِيم عليم﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا مَا فِي بطُون هَذِه الْأَنْعَام خَالِصَة لذكورنا﴾ أَي حَلَال لَهُم ﴿ومحرم على أَزوَاجنَا﴾ وَهن النِّسَاء فَيدْخل فِي ذَلِك الْبَنَات وَالْأَخَوَات ونحوهن فِيهِ بَيَان نوع من جهالتهم وضلالتهم وَالْمرَاد بالأنعام أجنة البحائر والسوائب وَقيل هُوَ اللَّبن ﴿وَإِن يكن ميتَة﴾ أَي مَا فِي بطونها ﴿فهم فِيهِ شُرَكَاء﴾ يَأْكُل مِنْهُ الذُّكُور وَالْإِنَاث ﴿سيجزيهم وَصفهم إِنَّه حَكِيم عليم﴾ فِيهِ وَعِيد على أهل الشّرك

стр. 92

٦٦ - بَاب مَا نزل فِي أَمر الْأَبَوَيْنِ فِي سُكْنى الْجنَّة ﴿وَيَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْأَعْرَاف ﴿وَيَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة﴾ الْآيَة تقدم تَفْسِيرهَا فِي أول الْكتاب من سُورَة الْبَقَرَة وَاخْتلفُوا فِي خلق حَوَّاء فَقَالَ ابْن إِسْحَاق خلقت قبل دُخُول آدم الْجنَّة وَهُوَ ظَاهر هَذِه الْآيَة وَقيل بعده وَقيل الْخطاب للمعدوم لوُجُوده فِي علم الله والقصة مُشْتَمِلَة على فَوَائِد وَأَحْكَام لَا يَسعهَا هَذَا الْمقَام ٦٧ - بَاب مَا نزل فِي ترك النِّسَاء وإتيان الرِّجَال ﴿إِنَّكُم لتأتون الرِّجَال شَهْوَة من دون النِّسَاء بل أَنْتُم قوم مسرفون﴾ ﴿فأنجيناه وَأَهله إِلَّا امْرَأَته كَانَت من الغابرين﴾ قَالَ تَعَالَى فِي قصَّة لوط ﵇ ﴿إِنَّكُم لتأتون الرِّجَال شَهْوَة من دون النِّسَاء﴾ أَي متجاوزين فِي فعلكم هَذَا للنِّسَاء اللَّاتِي هن مَحل لقَضَاء الشَّهْوَة وَمَوْضِع لطلب اللَّذَّة ﴿بل أَنْتُم قوم مسرفون﴾ أَي مجاوزون الْحَلَال إِلَى الْحَرَام يَعْنِي من فروج النِّسَاء إِلَى أدبار الرِّجَال إِلَى قَوْله ﴿فأنجيناه وَأَهله إِلَّا امْرَأَته كَانَت من الغابرين﴾ اسْتثْنى امْرَأَته من الْأَهْل لكَونهَا لم تؤمن بِهِ أَي بقيت فِي عَذَاب الله لِأَنَّهَا كَانَت كَافِرَة

стр. 93

٦٨ - بَاب مَا نزل فِي شرك الْمَرْأَة بِاللَّه تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة وَجعل مِنْهَا زَوجهَا ليسكن إِلَيْهَا فَلَمَّا تغشاها حملت حملا خَفِيفا فمرت بِهِ فَلَمَّا أثقلت دعوا الله ربهما لَئِن آتيتنا صَالحا لنكونن من الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتاهما صَالحا جعلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتاهما﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة﴾ أَي آدم ﵇ قَالَه جُمْهُور الْمُفَسّرين ﴿وَجعل مِنْهَا﴾ أَي من هَذِه النَّفس أَو من جِنْسهَا وَالْأول أولى ﴿زَوجهَا﴾ وَهِي حَوَّاء خلقهَا من ضلع من أضلاعه ﴿ليسكن إِلَيْهَا﴾ ويطمئن بهَا فَإِن الْجِنْس لجنسه أسكن وَإِلَيْهِ آنس وَكَانَ هَذَا فِي الْجنَّة ﴿فَلَمَّا تغشاها﴾ أَي جَامعهَا ﴿حملت حملا خَفِيفا﴾ أَي علقت بِهِ ﴿فمرت بِهِ﴾ أَي استمرت تقوم وتقعد فِي حوائجها لَا تَجِد ثقلا وَلَا مشقة وَلَا كلفة وَقيل جزعت وَقيل شكت أحملت أم لَا ﴿فَلَمَّا أثقلت﴾ أَي صَارَت ذَات ثقل لكبر الْوَلَد فِي بَطنهَا ﴿دعوا الله ربهما لَئِن آتيتنا صَالحا لنكونن من الشَّاكِرِينَ﴾ على هَذِه النِّعْمَة ﴿فَلَمَّا آتاهما صَالحا جعلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتاهما﴾ وَعَن سَمُرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لما ولدت حَوَّاء طَاف بهَا إِبْلِيس وَكَانَ لَا يعِيش لَهَا ولد فَقَالَ سميه عبد الْحَارِث فَإِنَّهُ يعِيش فَسَمتْهُ عبد الْحَارِث فَعَاشَ فَكَانَ ذَلِك من وَحي الشَّيْطَان وَأمره أخرجه أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَأَبُو يعلي وَابْن جرير وَابْن حَاتِم وَالرُّويَانِيّ والطبري وَأَبُو الشَّيْخ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه وَفِي الْبَاب رِوَايَات وفيهَا دَلِيل على الْجَاعِل شُرَكَاء فِيمَا آتاهما

стр. 94

هُوَ حَوَّاء دون آدم ﵇ وَصِيغَة التَّثْنِيَة لَا تنَافِي ذَلِك لِأَنَّهُ قد يسند فعل الْوَاحِد إِلَى اثْنَيْنِ بل إِلَى جمَاعَة والأنبياء عصمهم الله تَعَالَى من الشّرك وَالْكفْر وَكَانَ هَذَا الشّرك من حَوَّاء شركا فِي التَّسْمِيَة دون الْعِبَادَة ٦٩ - بَاب مَا نزل فِي تَعْذِيب المنافقات ﴿المُنَافِقُونَ والمنافقات بَعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وَينْهَوْنَ عَن الْمَعْرُوف﴾ ﴿وعد الله الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْكفَّار نَار جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا هِيَ حسبهم ولعنهم الله وَلَهُم عَذَاب مُقيم﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة التَّوْبَة ﴿المُنَافِقُونَ والمنافقات بَعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وَينْهَوْنَ عَن الْمَعْرُوف﴾ إِلَى قَوْله ﴿وعد الله الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْكفَّار نَار جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا هِيَ حسبهم ولعنهم الله وَلَهُم عَذَاب مُقيم﴾ دلّت الْآيَة على أَن حكم أهل النِّفَاق من ذكر وَأُنْثَى حكم الْكفَّار فِي دُخُول النَّار وَاسْتِحْقَاق اللَّعْنَة وَالْعَذَاب ٧٠ - بَاب مَا نزل فِي الترحم على الْمُؤْمِنَات ﴿والمؤمنون وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض يأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر﴾ سيرحمهم الله قَالَ تَعَالَى ﴿والمؤمنون وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض يأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر﴾ إِلَى قَوْله ﴿سيرحمهم الله﴾ السِّين للدلالة على تَحْقِيق ذَلِك

стр. 95

وتقرره بمعونة الْمقَام والتوكيد فِي إنجاز الْوَعْد لكَونه بِشَارَة محضت لتأكيد الْوُقُوع ٧١ - بَاب مَا نزل فِي وعد الْمُؤْمِنَات بِالْجنَّةِ ﴿وعد الله الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا ومساكن طيبَة فِي جنَّات عدن ورضوان من الله أكبر ذَلِك هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وعد الله الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا ومساكن طيبَة فِي جنَّات عدن ورضوان من الله أكبر ذَلِك هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾ وصف الله الْجنَّة هُنَا بأوصاف الأول جري الْأَنْهَار من تحتهَا أَي من تَحت أشجارها وغرفها ليميل الطَّبْع إِلَيْهَا الثَّانِي إِنَّهُم فِيهَا خَالدُونَ لَا يعتريهم فِيهَا فنَاء وَلَا تغير وَالثَّالِث طيب مساكنها الخالية عَن الكدورات لتطبيها النُّفُوس ويطيب فِيهَا الْعَيْش الرَّابِع أَنَّهَا ذَات عدن أَي إِقَامَة غي مُنْقَطِعَة هَذَا على مَا هُوَ معنى عدن وَقيل هُوَ علم والجنات هِيَ الْبَسَاتِين الَّتِي يتحير فِي حسنها النَّاظر وَعَن أنس ﵁ نزل على النَّبِي ﷺ ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا﴾ الْآيَة عِنْد مرجعه من الْحُدَيْبِيَة فالفتح الْمُبين هُوَ فتح الْحُدَيْبِيَة فَقَالُوا هَنِيئًا لَك مريئا يَا رَسُول الله لقد بَين الله لَك مَا يفعل بك فَمَاذَا يفعل بِنَا فَنزلت ﴿ليدْخل الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار﴾ الْآيَة أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ

стр. 96

٧٢ - بَاب مَا نزل فِي ولادَة الْعَجُوز وَزوجهَا الشَّيْخ ﴿وَامْرَأَته قَائِمَة فَضَحكت فبشرناها بِإسْحَاق وَمن وَرَاء إِسْحَاق يَعْقُوب قَالَت يَا ويلتى أألد وَأَنا عَجُوز وَهَذَا بعلي شَيخا إِن هَذَا لشَيْء عَجِيب قَالُوا أَتَعْجَبِينَ من أَمر الله رَحْمَة الله وَبَرَكَاته عَلَيْكُم أهل الْبَيْت إِنَّه حميد مجيد﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة هود ﴿وَامْرَأَته﴾ أَي سارة زَوْجَة إِبْرَاهِيم ﵉ وَهِي ابْنة هَارُون بن ناحور وَهِي إبنة عَم إِبْرَاهِيم ﵇ ﴿قَائِمَة﴾ عِنْد تحاور الْمَلَائِكَة وَرَاء السّتْر تسمع كَلَامهم وَقيل واقفة تخْدم الْمَلَائِكَة ﴿فَضَحكت﴾ تَعَجبا وسرورا وَقيل حَاضَت وَالْأول أولى ﴿فبشرناها بِإسْحَاق﴾ ولد بعد الْبشَارَة بِسنة وَكَانَت وِلَادَته بعد إِسْمَاعِيل بِأَرْبَع عشرَة سنة ﴿وَمن وَرَاء إِسْحَاق يَعْقُوب﴾ هُوَ ولد الْوَلَد أَي فبشرت بِأَنَّهَا تعيش حَتَّى ترى ولد الْوَلَد ﴿قَالَت يَا ويلتى أألد وَأَنا عَجُوز﴾ أَي شيخة طعنت فِي السن ﴿وَهَذَا بعلي شَيخا﴾ لَا تحبل من مثله النِّسَاء قيل كَانَ إِبْرَاهِيم ﵇ إِبْنِ مائَة وَعشْرين سنة وَهِي بنت تسع وَتِسْعين وَقيل تسعين فَقَط ﴿إِن هَذَا لشَيْء عَجِيب﴾ قيل كَانَ ولد لأبراهيم من هَاجر إِسْمَاعِيل فتمنت سارة أَن يكون لَهَا إِبْنِ وأيست مِنْهُ لكبر سنّهَا فبشرها الله على لِسَان مَلَائكَته ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ من أَمر الله﴾ أَي قَضَائِهِ وَقدره وَهُوَ لَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ شَيْء قَالُوا ﴿رَحْمَة الله وَبَرَكَاته عَلَيْكُم أهل الْبَيْت إِنَّه حميد مجيد﴾ فِيهِ دَلِيل على أَن أَزوَاج الرجل من أهل بَيته

стр. 97

٧٣ - بَاب مَا نزل فِي كَون الْبَنَات أطهر للْوَطْء ﴿قَالَ يَا قوم هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هن أطهر لكم﴾ قَالَ تَعَالَى حاكيا عَن لوط ﵇ ﴿يَا قوم هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ أَي تزوجوهن ودعوا مَا تطلبونه من الْفَاحِشَة بأضيافي وَقد كَانَ لَهُ ثَلَاث بَنَات وَقيل ابنتان وَقيل أَرَادَ بِهن النِّسَاء لِأَن نَبِي الْقَوْم أَب لَهُم قَالَه ابْن عَبَّاس وَهَذَا أولى لَكِن فِيهِ مُخَالفَة لظَاهِر النّظم وَقيل كَانَ فِي مِلَّته يجوز تزوج الْكَافِر بالمسلمة وَقيل عرض بَنَاته عَلَيْهِم بِشَرْط الْإِسْلَام وَقيل إِنَّمَا كَانَ هَذَا القَوْل مِنْهُ على طَرِيق المدافعة وَلم يرد الْحَقِيقِيَّة ﴿هن أطهر لكم﴾ أَي أحل وأنزه عَمَّا لَا يحل ٧٤ بَاب مِنْهُ ﴿قَالُوا لقد علمت مَا لنا فِي بناتك من حق وَإنَّك لتعلم مَا نُرِيد﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿قَالُوا لقد علمت مَا لنا فِي بناتك من حق﴾ أَي من شَهْوَة وحاجة لِأَن من احْتَاجَ إِلَى شَيْء فَكَأَنَّهُ حصل لَهُ فِيهِ نوع حق وَقيل لَا حق لنا فِي نِكَاحهنَّ لِأَنَّهُ لَا ينكحهن إِلَّا رجل مُؤمن وَنحن لَا نؤمن أبدا وَقيل إِنَّهُم كَانُوا قد خطبوا بَنَاته من قبل فردهم وَكَانَ من سنتهمْ أَن من خطب فَرد لَا تحل لَهُ المخطوبة أبدا ﴿وَإنَّك لتعلم مَا نُرِيد﴾ من إتْيَان الذُّكُور وَالرِّجَال قَالَه السّديّ

стр. 98

٧٥ - بَاب مَا نزل فِي تَعْذِيب الْمَرْأَة فِي الدُّنْيَا ﴿فَأسر بأهلك بِقطع من اللَّيْل وَلَا يلْتَفت مِنْكُم أحد إِلَّا امْرَأَتك إِنَّه مصيبها مَا أَصَابَهُم إِن موعدهم الصُّبْح أَلَيْسَ الصُّبْح بقريب﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿فَأسر بأهلك بِقطع من اللَّيْل وَلَا يلْتَفت مِنْكُم أحد إِلَّا امْرَأَتك﴾ فَلَا تسر بهَا لكَونهَا كَافِرَة ﴿إِنَّه مصيبها مَا أَصَابَهُم﴾ من الْعَذَاب وَهُوَ رميهم بِالْحِجَارَةِ ﴿إِن موعدهم الصُّبْح أَلَيْسَ الصُّبْح بقريب﴾ لَعَلَّ جعل الصُّبْح ميقاتا لهلاكهم لكَون النُّفُوس فِيهِ أسكن وَالنَّاس فِيهِ مجتمعون لم يتفرقوا إِلَى أَعْمَالهم ٧٦ - بَاب مَا نزل فِي الْأَمر للْمَرْأَة بإكرام الْمَمْلُوك المُشْتَرِي ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ من مصر لامْرَأَته أكرمي مثواه﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة يُوسُف ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ من مصر﴾ هُوَ الْعَزِيز الَّذِي كَانَ على خَزَائِن مصر وَكَانَ وزيرا لملك مصر وَهُوَ الريان بن الْوَلِيد من العمالقة وَقيل إِن الْملك هُوَ فِرْعَوْن مُوسَى قَالَ ابْن عَبَّاس كَانَ اسْم المُشْتَرِي قطفير وَقيل إطفير إِبْنِ روحب وَكَانَت امْرَأَته راعيل بنت رعابيل وَاسم الَّذِي بَاعه من الْعَزِيز مَالك بن دعر قيل اشْتَرَاهُ بِعشْرين دِينَارا ﴿لامْرَأَته﴾ اسْمهَا زليخا بِفَتْح الزَّاي وَكسر اللَّام كَمَا فِي الْقَامُوس أَو بِضَم الزَّاي وَفتح اللَّام كَمَا قَالَ الشهَاب ﴿أكرمي مثواه﴾ أَي منزله الَّذِي يثوي فِيهِ بِالطَّعَامِ الطّيب واللباس الْحسن يَعْنِي أحسني تعهده

стр. 99

عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ أَفرس النَّاس ثَلَاثَة الْعَزِيز حِين تفرس فِي يُوسُف فَقَالَ لامْرَأَته أكرمي مثواه وَالْمَرْأَة الَّتِي أَتَت مُوسَى فَقَالَت لأَبِيهَا يَا أَبَت اسْتَأْجرهُ وَأَبُو بكر حِين اسْتخْلف عمر ٧٧ - بَاب مَا نزل فِي مراودة الْمَرْأَة الرجل على الْفَاحِشَة وغلق الْأَبْوَاب ﴿وراودته الَّتِي هُوَ فِي بَيتهَا عَن نَفسه وغلقت الْأَبْوَاب وَقَالَت هيت لَك قَالَ معَاذ الله إِنَّه رَبِّي أحسن مثواي إِنَّه لَا يفلح الظَّالِمُونَ وَلَقَد هَمت بِهِ وهم بهَا لَوْلَا أَن رأى برهَان ربه﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وراودته﴾ أَي راودت زليخا يُوسُف حِين بلغ مبلغ الرِّجَال قَالَه ابْن زيد والمراودة الْإِرَادَة والطلب بِرِفْق ولين ﴿الَّتِي هُوَ فِي بَيتهَا﴾ أَي امْرَأَة الْعَزِيز ﴿وغلقت الْأَبْوَاب﴾ أَي أطبقتها ﴿وَقَالَت هيت لَك﴾ أَي هَلُمَّ وتعال أَي أقبل ﴿قَالَ معَاذ الله إِنَّه رَبِّي أحسن مثواي﴾ فَكيف أخونه فِي أَهله ﴿إِنَّه لَا يفلح الظَّالِمُونَ وَلَقَد هَمت بِهِ وهم بهَا لَوْلَا أَن رأى برهَان ربه﴾ أَي لفعل مَا هم بِهِ وَأطَال الْمُفَسِّرُونَ فِي تعْيين الْبُرْهَان الَّذِي رَآهُ بِلَا دَلِيل عَلَيْهِ من السّنة المطهرة وَاخْتلفت أَقْوَالهم فِي ذَلِك اخْتِلَافا كثيرا وَالْحَاصِل أَنه رأى شَيْئا حَال بَينه وَبَين مَا هم بِهِ وَالله أعلم

стр. 100

٧٨ - بَاب مَا نزل فِي كيد النِّسَاء ﴿واستبقا الْبَاب وقدت قَمِيصه من دبر وألفيا سَيِّدهَا لَدَى الْبَاب قَالَت مَا جَزَاء من أَرَادَ بأهلك سوءا إِلَّا أَن يسجن أَو عَذَاب أَلِيم قَالَ هِيَ راودتني عَن نَفسِي وَشهد شَاهد من أَهلهَا إِن كَانَ قَمِيصه قد من قبل فصدقت وَهُوَ من الْكَاذِبين وَإِن كَانَ قَمِيصه قد من دبر فَكَذبت وَهُوَ من الصَّادِقين فَلَمَّا رأى قَمِيصه قد من دبر قَالَ إِنَّه من كيدكن إِن كيدكن عَظِيم يُوسُف أعرض عَن هَذَا واستغفري لذنبك إِنَّك كنت من الخاطئين وَقَالَ نسْوَة فِي الْمَدِينَة امْرَأَة الْعَزِيز تراود فتاها عَن نَفسه قد شغفها حبا إِنَّا لنراها فِي ضلال مُبين فَلَمَّا سَمِعت بمكرهن أرْسلت إلَيْهِنَّ وأعتدت لَهُنَّ متكأ وآتت كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ سكينا وَقَالَت اخْرُج عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رأينه أكبرنه وقطعن أَيْدِيهنَّ وقلن حاش لله مَا هَذَا بشرا إِن هَذَا إِلَّا ملك كريم قَالَت فذلكن الَّذِي لمتنني فِيهِ وَلَقَد راودته عَن نَفسه فاستعصم وَلَئِن لم يفعل مَا آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين قَالَ رب السجْن أحب إِلَيّ مِمَّا يدعونني إِلَيْهِ وَإِلَّا تصرف عني كيدهن أصب إلَيْهِنَّ وأكن من الْجَاهِلين﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿واستبقا الْبَاب﴾ أَي تسابقا إِلَيْهِ وَهَذَا كَلَام مُتَّصِل بقوله ﴿وَلَقَد هَمت بِهِ وهم بهَا﴾ الْآيَة وَمَا بَينهمَا اعْتِرَاض وَوجه تسابقهما أَن يُوسُف أَرَادَ الْفِرَار وَالْخُرُوج من الْبَاب وَامْرَأَة الْعَزِيز أَرَادَت أَن تسبقه إِلَيْهِ لتمنعه عَن الْفَتْح وَالْخُرُوج قَالَ السُّيُوطِيّ بَادر إِلَيْهِ يُوسُف للفرار وَهِي للتشبث بِهِ فَأَمْسَكت ثَوْبه

стр. 101

﴿وقدت﴾ أَي جذبت قَمِيصه ﴿من دبر﴾ من وَرَائه فانشق إِلَى أَسْفَله ﴿وألفيا سَيِّدهَا لَدَى الْبَاب﴾ أَي وجدا الْعَزِيز هُنَالك ﴿قَالَت مَا جَزَاء من أَرَادَ بأهلك سوءا﴾ من الزِّنَا وَنَحْوه وَقَالَت هَذِه الْمقَالة طلبا للحيلة وللستر على نَفسهَا فنسبت مَا كَانَ مِنْهَا إِلَى يُوسُف ﴿إِلَّا أَن يسجن أَو عَذَاب أَلِيم﴾ هُوَ الضَّرْب بالسياط وَالظَّاهِر أَنه مَا يصدق عَلَيْهِ الْعَذَاب الْأَلِيم من ضرب أَو غَيره وَفِي الْإِبْهَام زِيَادَة تهويل ﴿قَالَ هِيَ راودتني عَن نَفسِي﴾ يَعْنِي طلبت مني الْفَحْشَاء فأبيت وفررت ﴿وَشهد شَاهد من أَهلهَا﴾ أَي من قرابتها قيل كَانَ ابْن عَم لَهَا وَقيل ابْن خَال لَهَا وَقيل طِفْل فِي المهد تكلم وَهُوَ الصَّحِيح للْحَدِيث الْوَارِد فِي ذَلِك ﴿إِن كَانَ قَمِيصه قد من قبل فصدقت وَهُوَ من الْكَاذِبين وَإِن كَانَ قَمِيصه قد من دبر فَكَذبت وَهُوَ من الصَّادِقين﴾ فِي دَعْوَاهُ عَلَيْهَا وَللَّه مَا أبلغ هَاتين الْآيَتَيْنِ معنى وأفصحها لفظا ﴿فَلَمَّا رأى﴾ الْعَزِيز ﴿قَمِيصه﴾ أَي قَمِيص يُوسُف ﴿قد من دبر﴾ كَأَنَّهُ لم يكن رأى ذَلِك بعد أَو لم يتدبره فَلَمَّا تنبه لَهُ وَعلم حَقِيقَة الْحَال وَعرف خِيَانَة امْرَأَته وَبَرَاءَة يُوسُف ﵇ ﴿قَالَ إِنَّه من كيدكن﴾ ومكركن وحيلكن يَا معشر النِّسَاء ﴿إِن كيدكن عَظِيم﴾ وصف كيدهن أَي جنس النِّسَاء بالعظيم لِأَنَّهُ مِنْهُنَّ أعظم من كيد جَمِيع الْبشر فِي إتْمَام مرادهن لَا يقدر عَلَيْهِ الرِّجَال فِي هَذَا الْبَاب فَإِنَّهُ ألطف وأعلق بِالْقَلْبِ وَأَشد تَأْثِيرا فِي النَّفس

стр. 102

وَعَن بعض الْعلمَاء إِنِّي أَخَاف من النِّسَاء مَا لَا أَخَاف الشَّيْطَان فَإِنَّهُ تَعَالَى يَقُول ﴿إِن كيد الشَّيْطَان كَانَ ضَعِيفا﴾ وَقَالَ للنِّسَاء (إِن كيدكن عَظِيم) وَلِأَن الشَّيْطَان يوسوس مسارقة وَهن يواجهن بِهِ الرِّجَال وَقَالَ الحفناوي هَذَا فِيمَا يتَعَلَّق بِأَمْر الْجِمَاع والشهوة لَا أَنه عَظِيم على الْإِطْلَاق إِذْ الرِّجَال أعظم مِنْهُنَّ فِي الْحِيَل والمكايدة فِي غير مَا يتَعَلَّق بالشهوة ثمَّ خَاطب الْعَزِيز يُوسُف ﵇ بقوله ﴿يُوسُف أعرض عَن هَذَا﴾ وأكتمه وَلَا تَتَحَدَّث بِهِ حَتَّى لَا يفشو ويشيع بَين النَّاس ﴿واستغفري﴾ يَا زليخا ﴿لذنبك﴾ الَّذِي وَقع مِنْك ﴿إِنَّك كنت من الخاطئين﴾ أَي من جنسهم برمي يُوسُف بالخطيئة ﴿وَقَالَ نسْوَة﴾ جمَاعَة من النِّسَاء ﴿فِي الْمَدِينَة﴾ هِيَ مصر وَقيل مَدِينَة الشَّمْس ﴿امْرَأَة الْعَزِيز تراود فتاها عَن نَفسه﴾ وَهُوَ يمْتَنع مِنْهَا ﴿قد شغفها حبا﴾ أَي غلبها حبه وَقيل دخل حبه فِي شغافها وَهُوَ غلاف الْقلب وَهُوَ جلدَة عَلَيْهِ وَقيل هُوَ وسط الْقلب وَقَالَ ابْن عَبَّاس قَتلهَا حب يُوسُف قَالَ السَّيِّد غُلَام على آزاد البلجرامي فِي سبْحَة المرجان فِي آثَار هندوستان لَا إستعباد فِي إِظْهَار الْعِشْق من جَانب الْمَرْأَة أما ترى فِي الْقُرْآن الْكَرِيم غرام امْرَأَة الْعَزِيز بِيُوسُف ﵇ والأهاند يذكرُونَ الْعِشْق فِي تغزلاتهم من جَانب الْمَرْأَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرجل خلاف الْعَرَب وَسَببه أَن الْمَرْأَة فِي دينهم لَا تنْكح إِلَّا زوجا وَاحِدًا فحظ عيشها مَنُوط بحياة الزَّوْج وَإِذا مَاتَ تحرق نَفسهَا مَعَه والعشق بَين الرجل وَالْمَرْأَة وضع إلهي فَتَارَة يكون من الطَّرفَيْنِ وَتارَة يكون من أَحدهمَا وَإِذا لوحظ الْوَضع الإلهي فالمرأة معشوقة عاشقة وَالرجل عاشق معشوق وَأهل الْهِنْد وافقوا الْعَرَب فِي التغزل بِالنسَاء بِخِلَاف الْفرس وَغَيرهم فَإِن تغزلهم بالمرد فَقَط وَلَا ذكر للْمَرْأَة فِي أغزالهم ولعمر الْمحبَّة إِنَّهُم لظالمون حَيْثُ يضعون الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه كَمَا قَالَ فِي قوم لوط ﵇ ﴿وَمَا هِيَ من الظَّالِمين بِبَعِيد﴾ والمولدون من

стр. 103

الْعَرَب فِي التغزل بالمرد مقلدون لَهُم وَالْأَصْل فِي التغزل بِالنسَاء وَمَعْنَاهُ الْوَصْف لَهُنَّ وَأما الأهاند فَلَا يعْرفُونَ التغزل بالمرد قطعا انْتهى حَاصله قلت الأَصْل فِي الْعِشْق هُوَ الرجل يعشق الْمَرْأَة تدل على ذَلِك قصَّة آدم فِي عشقه حَوَّاء ﵉ وَظُهُور الْعِشْق من جَانب الْمَرْأَة للرجل قصَّة مِلَّة الْكفْر كَمَا مر وَيُؤَيِّدهُ شِيمَة أهل الْهِنْد فَلَا حجَّة فِيهِ لجَوَاز الْعِشْق على الْمُسلمين وَأما عشق المرد سَمَّاهُ الله تَعَالَى فَاحِشَة فِي قصَّة لوط فالمقلدون لَهُم فِي ذَلِك من أهل الْفرس وَغَيرهم خاطئون مخطئون فَإِن هَذَا مِمَّا لَا يحل فِي أَي صُورَة وَلَا يستطاب عِنْد أحد من الْعُقَلَاء وللحافظ ابْن الْقيم وَالشَّيْخ مُحَمَّد حَيَاة الْمدنِي قدس الله سرهما كَلَام نَفِيس فِي الرَّد على عشق المرد والنسوان فِي إغاثة اللهفان والدَّاء والدواء وَغَيرهمَا وَعقد السَّيِّد آزاد رَحمَه الله تَعَالَى الْفَصْل الرَّابِع من كِتَابه الْمَذْكُور فِي بَيَان أَقسَام المعشوقات وأنواع العشاق وَأورد لكل قسم مِنْهُمَا أشعارا عَجِيبَة وأبياتا غَرِيبَة بِاعْتِبَار الْجِهَات المتنوعة والحيثيات المتلونة إِن رَآهَا السالي تذوب طَبِيعَته الجامدة أَو العاذل تشْتَمل ناره الخامدة وَلَيْسَ هَذَا الْكتاب مَحل ذكر مثل هَذِه الْأَبْوَاب وَفِي ذَلِك الْبَاب كتاب نشوة السَّكْرَان من صهباء تذكار الغزلان وَهُوَ أجمل مَا جمع فِي هَذَا الْبَاب وَلَا نشك أَن كل محبَّة من كل أحد لكل أحد يُخَالف الْإِسْلَام البحت وَالْإِيمَان الصّرْف وَالْإِحْسَان الْمَحْض إِلَّا مَا أرشد إِلَيْهِ خَالق الْبشر ومعطي القوى وَالْقدر وَرَسُوله الْمبلغ إِلَى الْأمة كل مَعْرُوف ومنكر وَقد قَالَ ﴿وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله﴾ فَهَذِهِ الْمحبَّة وشدتها تغني عَن كل عشق وغرام وتكفي عَن جَمِيع أَنْوَاع الوله والهيام اللَّهُمَّ اجْعَل حبك أحب إِلَيْنَا من كل شَيْء سواك وَلَا تدع لحب وَلَا لعشقه فِينَا موقعا واجعلنا من الَّذين قَالَ فيهم نبيك ﷺ تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك (أَتَانِي هَواهَا قبل أَن أعرف الْهوى ... فصادف قلبا خَالِيا فتمكنا)

стр. 104

(وَكَيف ترى ليلى بِعَين ترى بهَا ... سواهَا وَمَا طهرتها بالمدامع) (وتلتذ مِنْهَا بِالْحَدِيثِ وَقد جرى ... حَدِيث سواهَا فِي حروق المسامع) (أَجلك يَا ليلى عَن الْعين إِنَّمَا ... أَرَاك بقلب خاضع لَك خاشع) (إِذا كَانَ هَذَا الدمع يجْرِي صبَابَة ... على غير ليلى فَهُوَ دمع مضيع) (دلّ آرامي كه دَاري دلّ درو نبد ... دكر جشم أزهمه عَالم فروند) وَهل يجوز فِي الْإِسْلَام أَن يعشق أحد خلقا من خلق الله أَو شَيْئا من كائناته سُبْحَانَهُ وَلَا يحب الله الَّذِي خلق هَذِه المعشوقات الفانية المكدرة المشوبة بالآلام المحفوفة بالأسقام وَيتْرك خَالِقهَا ذَا الْجمال الْمُطلق والجلال الْكَامِل وَتَمام الْإِكْرَام أَو رَسُوله الجائي إِلَيْنَا بِهَذَا الْإِيمَان وَالْإِحْسَان وَالْإِسْلَام وَللَّه در إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ فِي قَوْله لَا أحب الآفلين وَكَيف يَأْتِي من الْعَاقِل أَن يخْتَار الفاني على الْبَاقِي ويرضى بالدنيء من الفاني وَهل هَذَا إِلَّا كَمَا حكى فِي هَذَا الْمقَام عَن النسْوَة الْمَذْكُورَات ﴿إِنَّا لنراها فِي ضلال﴾ عَن طَرِيق الرشد وَالصَّوَاب ﴿مُبين﴾ وَاضح لَا يلتبس على من نظر فِيهِ حَيْثُ تركت مَا يجب على أَمْثَالهَا من العفاف والستر ﴿فَلَمَّا سَمِعت﴾ امْرَأَة الْعَزِيز ﴿بمكرهن﴾ أَي بغيبتهن إِيَّاهَا ﴿أرْسلت إلَيْهِنَّ﴾ تدعوهن إِلَيْهَا لتقيم عذرها عِنْدهن ولينظرن إِلَى يُوسُف حَتَّى يقعن فِيمَا وَقعت فِيهِ قيل دعت أَرْبَعِينَ امْرَأَة من أَشْرَاف مدينتها فِيهِنَّ هَؤُلَاءِ اللائي عيرنها

стр. 105

﴿وأعتدت لَهُنَّ متكأ﴾ أَي هيأت لَهُنَّ مجَالِس يتكئن عَلَيْهَا من نمارق ومسانيد ﴿وآتت كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ سكينا﴾ ليقطعن مَا يحْتَاج إِلَى التقطيع من الْأَطْعِمَة قيل وَكَانَ من عادتهن أَن يأكلن اللَّحْم والفواكه بالسكين وَكَانَت تِلْكَ السكاكين خناجر ﴿وَقَالَت اخْرُج عَلَيْهِنَّ﴾ أَي فِي تِلْكَ الْحَالة الَّتِي هن عَلَيْهَا من الإتكاء وَالْأكل ﴿فَلَمَّا رأينه أكبرنه﴾ أَي أعظمنه وَقيل هبنه وَقيل دهشن من شدَّة جماله وَقيل أمذين وَقيل حضن وَالْأول أولى قَالَ الرَّازِيّ وَعِنْدِي أَنَّهُنَّ إِنَّمَا أكبرنه لِأَنَّهُنَّ رأين عَلَيْهِ نور النُّبُوَّة وسيماء الرسَالَة وشاهدن فِيهِ مهابة ملكية وَهِي عدم الِالْتِفَات إِلَى المطعوم والمنكوح وَعدم الِاعْتِدَاد بِهن فتعجبن من تِلْكَ الْحَالة فَلَا جرم أَنَّهُنَّ أكبرنه وعظمنه واحترمنه ﴿وقطعن أَيْدِيهنَّ﴾ أَي جرحنها حَتَّى سَالَ الدَّم وَقيل المُرَاد بِالْأَيْدِي هَهُنَا أناملهن وَقيل أكمامهن وَعَن مُنَبّه عَن أَبِيه قَالَ مَاتَ من النسْوَة تسع عشرَة امْرَأَة كمدا ﴿وقلن حاش لله مَا هَذَا بشرا﴾ إِنَّمَا نفين عَنهُ البشرية لِأَنَّهُ برز فِي صُورَة قد لبست من الْجمال البديع مَا لم يعْهَد لأحد من الْبشر وَلَا أبْصر المبصرون مَا يُقَارِبه فِي جَمِيع النَّسمَة البشرية ﴿إِن هَذَا إِلَّا ملك كريم﴾ على الله لِأَنَّهُ قد تقرر فِي الطباع وركز فِي النُّفُوس أَنهم على شكل فَوق شكل الْبشر فِي الذوات وَالصِّفَات وَأَن لَا شَيْء أحسن من الْملك وَأَنَّهُمْ فائقون فِي كل شَيْء كَمَا تقرر أَن الشَّيَاطِين على الْعَكْس من ذَلِك إِذْ لَا شَيْء أقبح مِنْهُم وَالْمَقْصُود من هَذَا إِثْبَات الْحسن الْفَائِق الباهر المفرط ليوسف ﵇ ﴿قَالَت فذلكن الَّذِي لمتنني فِيهِ﴾ قَالَت لَهُنَّ هَذَا لما رَأَتْ افتتانهن بِيُوسُف إِظْهَارًا لعذر نَفسهَا وَمعنى فِيهِ فِي حبه ﴿وَلَقَد راودته عَن نَفسه فاستعصم﴾ أَي استعف واستعصى وَامْتنع مِمَّا أريده طَالبا لعصمة نَفسه عَن ذَلِك (كرمن آلوده دامنم جه عجب ... همه عَالم كواه عصمت أوست)

стр. 106

إِنَّمَا صرحت بذلك لِأَنَّهَا علمت أَنه لَا ملامة عَلَيْهَا مِنْهُنَّ حِينَئِذٍ ﴿وَلَئِن لم يفعل مَا آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين﴾ قالته كاشفة لجلباب الْحَيَاة هاتكة لستر العفاف (هر كجا سُلْطَان عشق آمد نماند ... قوت بازوي تقوى رامحل) قَالَ يُوسُف ﵇ ﴿رب السجْن أحب إِلَيّ مِمَّا يدعونني إِلَيْهِ وَإِلَّا تصرف عني كيدهن أصب إلَيْهِنَّ﴾ أَي أمل وأطاوعهن من صبا يصبو إِذا مَال واشتاق وَمِنْه قَول الشَّاعِر (إِلَى هِنْد صبا قلبِي ... وَهِنْد حبها يصبي) ﴿وأكن من الْجَاهِلين﴾ أَي مِمَّن يجهل مَا يحرم ارتكابه وَيقدم عَلَيْهِ أَو مِمَّن يعْمل عمل الْجُهَّال أَو مِمَّن يسْتَحق صفة الذَّم بِالْجَهْلِ وَفِيه أَن من ارْتكب ذَنبا إِنَّمَا يرتكبه عَن جَهَالَة ٧٩ - بَاب مَا نزل فِي تبين الْحق بعد خفائه ﴿وَقَالَ الْملك ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُول قَالَ ارْجع إِلَى رَبك فَاسْأَلْهُ مَا بَال النسْوَة اللَّاتِي قطعن أَيْدِيهنَّ إِن رَبِّي بكيدهن عليم قَالَ مَا خطبكن إِذْ راودتن يُوسُف عَن نَفسه قُلْنَ حاش لله مَا علمنَا عَلَيْهِ من سوء قَالَت امْرَأَة الْعَزِيز الْآن حصحص الْحق أَنا راودته عَن نَفسه وَإنَّهُ لمن الصَّادِقين ذَلِك ليعلم أَنِّي لم أخنه بِالْغَيْبِ وَأَن الله لَا يهدي كيد الخائنين﴾

стр. 107

قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالَ الْملك ائْتُونِي بِهِ﴾ أَي بِيُوسُف ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُول قَالَ ارْجع إِلَى رَبك فَاسْأَلْهُ مَا بَال النسْوَة اللَّاتِي قطعن أَيْدِيهنَّ إِن رَبِّي بكيدهن عليم قَالَ مَا خطبكن إِذْ راودتن يُوسُف عَن نَفسه قُلْنَ حاش لله مَا علمنَا عَلَيْهِ من سوء﴾ فَلَمَّا علمت زليخا أَن هَذِه المناقشات إِنَّمَا هِيَ بِسَبَبِهَا كشفت الغطاء وصرحت بِمَا هُوَ الْوَاقِع ﴿قَالَت امْرَأَة الْعَزِيز الْآن حصحص الْحق﴾ أَي تبين وَظهر بعد خفائه ﴿أَنا راودته عَن نَفسه وَإنَّهُ لمن الصَّادِقين﴾ فِيمَا قَالَه من تَنْزِيه نَفسه وَنسبَة المراودة إِلَيْهَا ﴿ذَلِك ليعلم أَنِّي لم أخنه بِالْغَيْبِ وَأَن الله لَا يهدي كيد الخائنين﴾ والقصة بِتَمَامِهَا فِي كتب التفاسير ٨٠ - بَاب مَا نزل فِي علم الله بِحمْل الْأُنْثَى ونقصه وزيادته ﴿الله يعلم مَا تحمل كل أُنْثَى وَمَا تغيض الْأَرْحَام وَمَا تزداد﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الرَّعْد ﴿الله يعلم مَا تحمل كل أُنْثَى﴾ أَي فِي بَطنهَا من علقَة أَو مُضْغَة أَو ذكر أَو أُنْثَى أَو صبيح أَو قَبِيح أَو سعيد أَو شقي أَو طَوِيل أَو قصير أَو تَامّ أَو نَاقص ﴿وَمَا تغيض الْأَرْحَام وَمَا تزداد﴾ الغيض النَّقْص وَعَلِيهِ أَكثر الْمُفَسّرين قيل المُرَاد نقص خلقَة الْحمل وزيادته كنقص أصْبع أَو زيادتها وَقيل نقص الْحمل عَن تِسْعَة أشهر أَو زيادتها وَقيل إِذا حَاضَت الْمَرْأَة فِي حَال حملهَا كَانَ ذَلِك نقصا فِي وَلَدهَا وَإِذا لم تَحض يزْدَاد الْوَلَد وينمو وَقيل نقص الدَّم وزيادته وَقيل نُقْصَان الْغذَاء زِيَادَة فِي مُدَّة الْحمل وَقيل الغيض السقط وَالزِّيَادَة التَّمام وَذَلِكَ أَن من النِّسَاء من تحمل عشرَة أشهر ومنهن

стр. 108

من تحمل تِسْعَة أشهر وَمُدَّة الْحمل أَكْثَرهَا عِنْد قوم سنتَانِ وَقيل أَربع سِنِين وَقيل خمس سِنِين وأقلها سِتَّة أشهر وَقد يُولد لهَذِهِ الْمدَّة ويعيش وَالْآيَة الشَّرِيفَة مسوقة لبَيَان إحاطته سُبْحَانَهُ بِالْعلمِ وَعلمه بِالْغَيْبِ الَّذِي هَذِه الْأُمُور مِنْهُ وَالله أعلم ٨١ - بَاب مَا نزل فِي الْأزْوَاج الصَّالِحَات من بِشَارَة الْجنَّة ﴿جنَّات عدن يدْخلُونَهَا وَمن صلح من آبَائِهِم وأزواجهم﴾ قَالَ تَعَالَى فِي حق الصابرين المقيمين الصَّلَاة المنفقين سرا وَعَلَانِيَة الدافعين السَّيئَة بِالْحَسَنَة إِن لَهُم ﴿جنَّات عدن يدْخلُونَهَا وَمن صلح من آبَائِهِم وأزواجهم﴾ اللَّاتِي متن فِي عصمتهم وذرياتهم وَذكر الصّلاح دَلِيل على أَنه لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا من كَانَ كَذَلِك وَلَا ينفع مُجَرّد كَونه مِنْهُم بِدُونِ صَلَاح ٨٢ - بَاب مَا نزل فِي كَون الْأزْوَاج للرسل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام ﴿وَلَقَد أرسلنَا رسلًا من قبلك وَجَعَلنَا لَهُم أَزْوَاجًا وذرية﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد أرسلنَا رسلًا من قبلك وَجَعَلنَا لَهُم أَزْوَاجًا وذرية﴾ أَي لَهُم أَزوَاج من النِّسَاء وَلَهُم ذُرِّيَّة تَوَالَدُوا مِنْهُم وَمن أَزوَاجهم وَفِي هَذَا رد على من كَانَ يُنكر على رَسُول الله ﷺ تزَوجه بِالنسَاء أَي إِن هَذَا شَأْن رسل الله الْمُرْسلين قبل هَذَا الرَّسُول فَمَا بالكم تنكرون عَلَيْهِ مَا كَانُوا

стр. 109

عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قد كَانَ لِسُلَيْمَان ثَلَاثمِائَة امْرَأَة وَسَبْعمائة سَرِيَّة فَلم يقْدَح ذَلِك فِي نبوته وَكَانَ لِأَبِيهِ دَاوُد مائَة امْرَأَة وَكَانُوا ينْكحُونَ ويأكلون وَيَشْرَبُونَ فَكيف يَجْعَل هَذَا قادحا فِي نبوته ﷺ وَعَن الْحسن عَن سَمُرَة قَالَ نهى رَسُول الله ﷺ عَن التبتل أخرجه ابْن مَاجَه وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَعَن سعد بن هِشَام قَالَ دخلت على عَائِشَة وَقلت إِنِّي أُرِيد أَن أتبتل قَالَت لَا تفعل أما سَمِعت الله يَقُول ﴿وَلَقَد أرسلنَا رسلًا﴾ الْآيَة أخرجه ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَقد ورد من النَّهْي عَن التبتل وَالتَّرْغِيب فِي النِّكَاح مَا هُوَ مَعْرُوف وَقد كَانَ لرَسُول الله ﷺ سَبْعَة أَوْلَاد أَربع إناث وَثَلَاثَة ذُكُور وَكَانُوا فِي الْولادَة على هَذَا التَّرْتِيب الْقَاسِم فزينب فرقية ففاطمة فَأم كُلْثُوم فعبد الله ويلقب بالطيب والطاهر فإبراهيم وَكلهمْ من خَدِيجَة إِلَّا إِبْرَاهِيم فَمن مَارِيَة الْقبْطِيَّة وماتوا جَمِيعًا فِي حَيَاته ﷺ إِلَّا فَاطِمَة فَإِنَّهَا عاشت بعده سِتَّة أشهر ٨٣ - بَاب مَا نزل فِي دُعَاء الْأَبَوَيْنِ ﴿رَبنَا اغْفِر لي ولوالدي وَلِلْمُؤْمنِينَ يَوْم يقوم الْحساب﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة إِبْرَاهِيم ﵇ ﴿رَبنَا اغْفِر لي ولوالدي وَلِلْمُؤْمنِينَ يَوْم يقوم الْحساب﴾ فِيهِ مَشْرُوعِيَّة الدُّعَاء لِلْأَبَوَيْنِ ولغيرهم من أهل الْأَيْمَان وَأحد الْأَبَوَيْنِ هُوَ الْمَرْأَة وَأَن الدُّعَاء لَهما من خِصَال الْأَنْبِيَاء وهديهم فغيرهم أولى بذلك وَفِي الحَدِيث أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ رَوَاهُ مُسلم بِطُولِهِ عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ

стр. 110

٨٤ - بَاب مَا نزل فِي امْرَأَة لوط ﵇ ﴿إِلَّا آل لوط إِنَّا لمنجوهم أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَته قَدرنَا إِنَّهَا لمن الغابرين﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْحجر فِي قصَّة لوط ﵇ فَقَالُوا ﴿إِنَّا لمنجوهم﴾ أَي آل لوط ﴿أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَته قَدرنَا إِنَّهَا لمن الغابرين﴾ أَي البَاقِينَ فِي الْعَذَاب مَعَ الْكَفَرَة وَقد تقدم مثله فِيمَا سبق وَفِيه أَنه قد تكون امْرَأَة النَّبِي كَافِرَة وبعلها رَسُول من الله وَفِي هَذَا عِبْرَة لمن اعْتبر وَتَذْكِرَة لمن تذكر ٨٥ - بَاب مَا نزل فِي تَزْوِيج الْبَنَات ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِن كُنْتُم فاعلين لعمرك إِنَّهُم لفي سكرتهم يعمهون﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿قَالَ﴾ أَي لوط ﵇ ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ فتزوجوهن حَلَالا إِن أسلمتم وَلَا ترتكبوا الْحَرَام وَتقدم تَفْسِير هَذَا فِي هود ﴿إِن كُنْتُم فاعلين﴾ مَا عزمتم عَلَيْهِ من فعل الْفَاحِشَة بضيفي وَمَا آمركُم بِهِ ﴿لعمرك إِنَّهُم لفي سكرتهم يعمهون﴾ هَذَا قسم مِنْهُ ﷻ بِمدَّة حَيَاة مُحَمَّد ﷺ بِاتِّفَاق أهل التَّفْسِير وإجماعهم تَشْرِيفًا لَهُ
следующие страницы →