Полный текст (575 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
﴿إِن الله كَانَ لطيفا خَبِيرا﴾ بِجَمِيعِ خلقه فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته
١٣٨ - بَاب مَا نزل فِي أجر الصَّالِحَات
﴿إِن الْمُسلمين وَالْمُسلمَات وَالْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات وَالصَّابِرِينَ والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا وَالذَّاكِرَات أعد الله لَهُم مغْفرَة وَأَجرا عَظِيما﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الْمُسلمين وَالْمُسلمَات وَالْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ وَالْفرق بَين الْإِسْلَام وَالْإِيمَان هُوَ مَا ورد فِي حَدِيث جِبْرِيل ﵇ الْمَشْهُور وَهُوَ نَص فِي مَحل النزاع ﴿والقانتين والقانتات﴾ الْقُنُوت الطَّاعَة وَالْعِبَادَة ﴿والصادقين والصادقات﴾ هما من يتَكَلَّم بِالصّدقِ ويتجنب الْكَذِب ويفي بِمَا عوهد عَلَيْهِ ﴿وَالصَّابِرِينَ والصابرات﴾ هما من يصبر عَن الشَّهَوَات وعَلى مشاق التَّكْلِيف ﴿والخاشعين والخاشعات﴾ أَي المتواضعين لله الْخَائِفِينَ مِنْهُ والخاضعين فِي عِبَادَتهم لله ﴿والمتصدقين والمتصدقات﴾ هما من تصدق من مَاله بِمَا أوجبه الله عَلَيْهِ وَقيل ذَلِك أَعم من صَدَقَة الْفَرْض وَالنَّفْل ﴿والصائمين والصائمات﴾ قيل ذَلِك مُخْتَصّ بِالْفَرْضِ وَقيل هُوَ أَعم ﴿والحافظين فروجهم والحافظات﴾ فروجهن عَن الْحَرَام بالتعفف والتنزه والاقتصار على الْحَلَال ﴿والذاكرين الله كثيرا وَالذَّاكِرَات﴾
стр. 177
هما من يذكر الله فِي جَمِيع أَحْوَاله وَفِي ذكر الْكَثْرَة دَلِيل على مَشْرُوعِيَّة الاستكثار من ذكر الله بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان
وَفِي جمع الْأَذْكَار المأثورة كتب جمَاعَة من أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ من أَتَى بِمَا فِيهَا من الْأَذْكَار والدعوات فَهُوَ دَاخل تَحت هَذِه الْآيَة بِلَا شكّ وَلَا رِيبَة وَمن أحْسنهَا كتاب الْحصن الْحصين وعدته وجنته وَسلَاح الْمُؤمن وفرنده وَعمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة لِابْنِ السّني ونزل الْأَبْرَار وَهُوَ أحسن من كل مَا جمع فِي هَذَا الْبَاب وَقد وقفت على ذَلِك كُله وَللَّه الْحَمد ﴿أعد الله لَهُم مغْفرَة﴾ لذنوبهم الَّتِي أذنبوا بهَا ﴿وَأَجرا عَظِيما﴾ على طاعاتهم الَّتِي فَعَلُوهَا من الْإِسْلَام وَالْإِيمَان والقنوت والصدق وَالصَّبْر والخشوع وَالتَّصَدُّق وَالصَّوْم والعفاف وَالذكر وَوصف الْأجر بالعظم للدلالة على أَنه بَالغ الْغَايَة وَلَا شَيْء أعظم من أجر هُوَ الْجنَّة وَنَعِيمهَا الدَّائِم الَّذِي لَا يَنْقَطِع وَلَا ينفذ اللَّهُمَّ أَغفر ذنوبنا وَعظم أجورنا
وَقد أخرج أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن أم سَلمَة قَالَت قلت يَا رَسُول الله فَمَا لنا لَا نذْكر فِي الْقُرْآن كَمَا تذكر الرِّجَال فَلم يرعني مِنْهُ ذَات يَوْم إِلَّا نداؤه على الْمِنْبَر وَهُوَ يَقُول إِن الله يَقُول ﴿إِن الْمُسلمين وَالْمُسلمَات﴾ الْآيَة وَأخرج عبد بن حميد وَالتِّرْمِذِيّ وحسنة وَالطَّبَرَانِيّ عَن أم عمَارَة الْأَنْصَارِيَّة أَنَّهَا أَتَت النَّبِي ﷺ فَقَالَت مَا أرى كل شَيْء إِلَّا للرِّجَال وَمَا أرى النِّسَاء يذكرن بِشَيْء فَنزلت هَذِه الْآيَة وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَت النِّسَاء يَا رَسُول الله مَا باله يذكر الْمُؤمنِينَ وَلَا يذكر الْمُؤْمِنَات فَنزلت هَذِه الْآيَة أخرجه الطَّبَرَانِيّ وَابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه باسناد قَالَ السُّيُوطِيّ حسن وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَهُوَ الْمُسْتَعَان
стр. 178
١٣٩ - بَاب مَا نزل فِي عدم خيرتهن بعد قَضَاء الله وَرَسُوله ﷺ
﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن وَلَا مُؤمنَة إِذا قضى الله وَرَسُوله أمرا أَن يكون لَهُم الْخيرَة من أَمرهم وَمن يعْص الله وَرَسُوله فقد ضل ضلالا مُبينًا﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن وَلَا مُؤمنَة إِذا قضى الله وَرَسُوله أمرا أَن يكون لَهُم الْخيرَة من أَمرهم﴾ قَالَ الْقُرْطُبِيّ لفظ مَا كَانَ وَمَا يَنْبَغِي وَنَحْوهمَا مَعْنَاهُ الْحَظْر وَالْمَنْع من الشَّيْء والإخبار بِأَنَّهُ لَا يحل شرعا أَن يكون وَقد يكون لما يمْتَنع عقلا كَقَوْلِه ﴿مَا كَانَ لكم أَن تنبتوا شَجَرهَا﴾ سُورَة النَّمْل وَمعنى الْآيَة أَنه لَا يحل لمن يُؤمن بِاللَّه وَرَسُوله إِذا قضى الله وَرَسُوله أمرا أَن يخْتَار من أَمر نَفسه مَا شَاءَ بل يجب عَلَيْهِ أَن يذعن للْقَضَاء وَيُوقف نَفسه تَحت مَا قضى الله وسوله عَلَيْهِ وَاخْتَارَهُ لَهُ وَيجْعَل رَأْيه تبعا لرأيه وَجمع الضَّمِير فِي قَوْله لَهُم وأَمرهم لِأَن مُؤمنا ومؤمنة وَقعا فِي سِيَاق النَّفْي فهما يعمان كل مُؤمن ومؤمنة ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله﴾ فِي أَمر من الْأُمُور وَشَيْء من الْأَشْيَاء وَمن ذَلِك عدم الرِّضَا بِمَا قضى الله بِهِ فِي كِتَابه أَو رَسُوله ﷺ فِي سنته ﴿فقد ضل ضلالا مُبينًا﴾ ظَاهرا وَاضحا لَا يخفى فَإِن كَانَ الْعِصْيَان عصيان رد وَامْتِنَاع عَن الْقبُول كحالة بعض أهل الرَّأْي وَأَصْحَاب الْفُرُوع فَهُوَ ضلال كفر وَإِن كَانَ عصيان فعل مَعَ قبُول الْأَمر واعتقاد الْوُجُوب كحالة بعض أهل التَّوْحِيد فَهُوَ ضلال خطأ وَفسق
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ إِن رَسُول الله ﷺ انْطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثه فَدخل على زَيْنَب بنت جحش الأَسدِية فَخَطَبَهَا قَالَت لست بناكحته قَالَ بلَى فانكحيه قَالَت يَا رَسُول الله أؤامر نَفسِي
стр. 179
فَبَيْنَمَا هما يتحدثان إِذْ أنزل الله هَذِه الْآيَة على رَسُوله ﷺ قَالَت قد رضيته لي ناكحا قَالَ نعم قَالَت إِذا لَا أعصي رَسُول الله ﷺ قد أنكحته نَفسِي أخرجه ابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه
وَعنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لِزَيْنَب إِنِّي أُرِيد أَن أزَوجك زيد بن حَارِثَة فَإِنِّي قد رضيته لَك قَالَت يَا رَسُول الله لكني لَا أرضاه لنَفْسي وَأَنا أيم قومِي وَبنت عَمَّتك فَلم أكن لأَفْعَل فَنزلت هَذِه الْآيَة ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن﴾ يَعْنِي زيدا ﴿وَلَا مُؤمنَة﴾ يَعْنِي زَيْنَب ﴿إِذا قضى الله وَرَسُوله أمرا﴾ يَعْنِي النِّكَاح فِي هَذَا الْموضع ﴿أَن يكون لَهُم الْخيرَة من أَمرهم﴾ خلاف مَا أَمر الله بِهِ قَالَت قد أطعتك فَاصْنَعْ مَا شِئْت فَزَوجهَا زيدا وَدخل عَلَيْهَا أخرجه ابْن مرْدَوَيْه
وَعَن ابْن زيد قَالَ نزلت فِي أم كُلْثُوم بنت عقبَة بن أبي معيط وَكَانَت أول امْرَأَة هَاجَرت فَوهبت نَفسهَا للنَّبِي ﷺ فَزَوجهَا زيد بن حَارِثَة فَسَخِطَتْ هِيَ وأخوها وَقَالا إِنَّمَا أردنَا رَسُول الله ﷺ فَزَوجهَا عَبده وَكَانَ تزوج زيد بِزَيْنَب قبل الْهِجْرَة بِنَحْوِ ثَمَان سِنِين وَبعد مَا طلق زيد زَيْنَب زوجه ﷺ أم كُلْثُوم وَكَانَ زوجه قبلهَا أم أَيمن وَولدت لَهُ أُسَامَة وَكَانَت وِلَادَته بعد الْبعْثَة بِثَلَاث سِنِين وَقيل بِخمْس وَفِي شرح الْمَوَاهِب أَن أم أَيمن هِيَ بركَة الحبشية بنت ثَعْلَبَة أعْتقهَا عبد الله أَبُو النَّبِي ﷺ وَقيل بل أعْتقهَا هُوَ ﷺ وَقيل كَانَت لأمه ﷺ أسلمت قَدِيما وَهَاجَرت الهجرتين وَمَاتَتْ بعده ﷺ بِخَمْسَة أشهر وَقيل بِسِتَّة قَالَ أهل الْعلم دلّت الْآيَة على لُزُوم اتِّبَاع قَضَاء الْكتاب وَالسّنة وذم التَّقْلِيد والرأي وَعدم خيرة الْأَمر فِي مُقَابلَة النَّص من الله وَرَسُوله ﷺ وَإِن كَانَ السَّبَب خَاصّا فَإِن الِاعْتِبَار بِعُمُوم اللَّفْظ لَا بِخُصُوص السَّبَب
стр. 180
١٤٠ - بَاب مَا نزل فِي نفي الْحَرج عَن أَزوَاج الأدعياء
﴿وَإِذ تَقول للَّذي أنعم الله عَلَيْهِ وأنعمت عَلَيْهِ أمسك عَلَيْك زَوجك وَاتَّقِ الله وتخفي فِي نَفسك مَا الله مبديه وتخشى النَّاس وَالله أَحَق أَن تخشاه فَلَمَّا قضى زيد مِنْهَا وطرا زَوَّجْنَاكهَا لكَي لَا يكون على الْمُؤمنِينَ حرج فِي أَزوَاج أدعيائهم إِذا قضوا مِنْهُنَّ وطرا وَكَانَ أَمر الله مَفْعُولا﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ تَقول للَّذي أنعم الله عَلَيْهِ وأنعمت عَلَيْهِ أمسك عَلَيْك زَوجك﴾ هُوَ زيد بن حَارِثَة أنعم الله عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ وأنعم عَلَيْهِ ﷺ بِأَن أعْتقهُ من الرّقّ وَكَانَ من سبي الْجَاهِلِيَّة اشْتَرَاهُ رَسُول الله ﷺ فِي الْجَاهِلِيَّة وَأعْتقهُ وتبناه قَالَ جمَاعَة إِن النَّبِي ﷺ وَقع مِنْهُ اسْتِحْسَان لِزَيْنَب وَهِي فِي عصمَة زيد وَكَانَت حريصة على أَن يطلقهَا زيد فيتزوجها النَّبِي ﷺ ثمَّ إِن زيدا أخبر بِأَنَّهُ يُرِيد فراقها شكا مِنْهَا غلظة القَوْل وعصيان الْأَمر والأذى بِاللِّسَانِ والتعظم بالشرف قَالَ لَهُ ﴿وَاتَّقِ الله﴾ فِي أمرهَا وَلَا تعجل بِطَلَاقِهَا وَأمْسك عَلَيْك زَوجك ﴿وتخفي فِي نَفسك مَا الله مبديه﴾ وَهُوَ نِكَاحهَا إِن طَلقهَا زيد وَقيل حبها وَلكنه فعل مَا يجب عَلَيْهِ من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ ﴿وتخشى النَّاس وَالله أَحَق أَن تخشاه﴾ فِي كل حَال وَهَذَا التَّقْرِير أحسن مَا قيل فِي هَذِه الْآيَة ﴿فَلَمَّا قضى زيد مِنْهَا وطرا﴾ أَي حَاجَة سَمَّاهُ الله فِي الْقُرْآن حَتَّى صَار اسْمه يُتْلَى فِي المحاريب ونوه بِهِ غَايَة التنويه ﴿زَوَّجْنَاكهَا﴾ فَدخل عَلَيْهَا
стр. 181
بِغَيْر إِذن وَلَا عقد وَلَا تَقْدِير صدَاق وَلَا شَيْء مِمَّا هُوَ مُعْتَبر فِي النِّكَاح فِي حق أمته وَهَذَا من خصوصياته ﷺ الَّتِي لَا يُشَارِكهُ فِيهَا أحد بِإِجْمَاع الْمُسلمين وَكَانَ تزَوجه بِزَيْنَب سنة خمس من الْهِجْرَة وَقيل سنة ثَلَاث وَهِي أول من مَاتَ بعده من زَوْجَاته المطهرات مَاتَت بعده بِعشر سِنِين عَن ثَلَاث وَخمسين سنة
وَأخرج أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهم عَن أنس قَالَ جَاءَ زيد بن حَارِثَة يشكو زَيْنَب إِلَى رَسُول الله ﷺ فَجعل رَسُول الله ﷺ يَقُول اتَّقِ الله وَأمْسك عَلَيْك زَوجك فَنزلت ﴿وتخفي فِي نَفسك مَا الله مبديه﴾ فَتَزَوجهَا رَسُول الله ﷺ فَمَا أولم على امْرَأَة من نِسَائِهِ مَا أولم عَلَيْهَا ذبح شَاة وَأطْعم النَّاس خبْزًا وَلَحْمًا حَتَّى تَرَكُوهُ فَكَانَت تفتخر على أَزوَاج النَّبِي ﷺ تَقول زوجكن أهليكن وزوجني الله من فَوق سبع سماوات وَكَانَت تَقول لرَسُول الله ﷺ جدي وَجدك وَاحِد وَلَيْسَ من نِسَائِك من هِيَ كَذَلِك غَيْرِي وَقد أنكحنيك الله والسفير فِي ذَلِك جِبْرِيل قَالَه الخازن ﴿لكَي لَا يكون على الْمُؤمنِينَ حرج فِي أَزوَاج أدعيائهم﴾ أَي فِي التَّزَوُّج بِأَزْوَاج من يجعلونه ابْنا كَمَا كَانَت تَفْعَلهُ الْعَرَب وَكَانَ النَّبِي ﷺ قد تبنى زيد بن حَارِثَة وَكَانَ يُقَال لَهُ زيد بن مُحَمَّد حَتَّى نزل قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ ﴿إِذا قضوا مِنْهُنَّ وطرا﴾ بِخِلَاف ابْن الصلب فَإِن امْرَأَته تحرم على أَبِيه بِنَفس العقد عَلَيْهَا ﴿وَكَانَ أَمر الله مَفْعُولا﴾ أَي قَضَاءَهُ فِي أَمر زَيْنَب أَن يَتَزَوَّجهَا رَسُول الله ﷺ مَاضِيا مَوْجُودا فِي الْخَارِج لَا محَالة
وَعَن عَائِشَة أَن رَسُول الله ﷺ لما تزوج زَيْنَب قَالُوا تزوج حَلِيلَة ابْنه فَأنْزل الله ﴿مَا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أحد من رجالكم وَلَكِن رَسُول الله وَخَاتم النَّبِيين﴾ وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 182
تبناه وَهُوَ صَغِير فَلبث حَتَّى صَار رجلا يُقَال لَهُ زيد بن مُحَمَّد فَأنْزل الله ﴿ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أقسط عِنْد الله﴾ أخرجه التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَالطَّبَرَانِيّ وَغَيرهم
وَأخرج أَحْمد وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهم عَن أنس قَالَ لما انْقَضتْ عدَّة زَيْنَب قَالَ رَسُول الله ﷺ لزيد اذْهَبْ فاذكرها عَليّ فَانْطَلق قَالَ فَلَمَّا رَأَيْتهَا عظمت فِي صَدْرِي قلت يَا زَيْنَب أَبْشِرِي أَرْسلنِي رَسُول الله ﷺ يذكرك قَالَت مَا أَنا بِصَانِعَةٍ شَيْئا حَتَّى أوَامِر رَبِّي فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدهَا وَنزل الْقُرْآن وَجَاء رَسُول الله ﷺ فَدخل عَلَيْهَا بِغَيْر إِذن وَلَقَد رَأَيْتنَا حِين دخلت على رَسُول الله ﷺ أطعمنَا الْخبز وَاللَّحم فَخرج النَّاس وَبَقِي رجال يتحدثون فِي الْبَيْت بعد الطَّعَام فَخرج رَسُول الله ﷺ واتبعته فَجعل يتتبع حجر نِسَائِهِ يسلم عَلَيْهِنَّ وَيَقُلْنَ يَا رَسُول الله كَيفَ وجدت أهلك فَمَا أَدْرِي هَل أَنا أخْبرته أَن الْقَوْم قد خَرجُوا أَو أخبرهُ غَيْرِي فَانْطَلق حَتَّى دخل الْبَيْت فَذَهَبت لأدخل مَعَه فَألْقى السّتْر بيني وَبَينه وَنزل الْحجاب وَوعظ الْقَوْم بِمَا وعظوا ﴿لَا تدْخلُوا بيُوت النَّبِي إِلَّا أَن يُؤذن لكم﴾ الْآيَة
١٤١ - بَاب مَا نزل فِي أَن لَا عدَّة فِي الطَّلَاق قبل الْمَسِيس
﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نكحتم الْمُؤْمِنَات ثمَّ طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ فَمَا لكم عَلَيْهِنَّ من عدَّة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نكحتم الْمُؤْمِنَات﴾ أَي عقدتم
стр. 183
بِهن عقد النِّكَاح ﴿ثمَّ طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ﴾ أَي تجامعوهن فكنى عَن ذَلِك بِلَفْظ الْمس وَمن آدَاب الْقُرْآن الْكِنَايَة عَن الْوَطْء بِلَفْظ الْمُلَامسَة والمماسة والقرب والتغشي والإتيان
وَقد اسْتدلَّ بِهَذِهِ الْآيَة على أَن لَا طَلَاق قبل النِّكَاح وَبِه قَالَ الْجُمْهُور وَذهب مَالك وَأَبُو حنيفَة إِلَى صِحَّته إِذْ قَالَ إِذا تزوجت فُلَانَة فَهِيَ طَالِق وَيَردهُ الحَدِيث عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا طَلَاق فِيمَا لَا يملك الخ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ بِمَعْنَاهُ وَعَن أبن عَبَّاس جعل الله الطَّلَاق بعد النِّكَاح أخرجه البُخَارِيّ ﴿فَمَا لكم عَلَيْهِنَّ من عدَّة تعتدونها﴾ أَي تحصونها بِالْأَقْرَاءِ وَالْأَشْهر أجمع الْعلمَاء على أَنه إِذا كَانَ الطَّلَاق قبل الْمَسِيس وَالْخلْوَة فَلَا عدَّة وَذهب أَحْمد إِلَى أَن الْخلْوَة توجب الْعدة وَالصَّدَاق ﴿فمتعوهن﴾ أَي أعطوهن مَا يستمتعن بِهِ وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهَا فِي سُورَة الْبَقَرَة ويخصص من هَذِه الْآيَة من توفّي عَنْهَا زَوجهَا فَإِنَّهُ إِذا مَاتَ بعد العقد عَلَيْهَا وَقبل الدُّخُول بهَا كَانَ الْمَوْت كالدخول فَتعْتَد أَرْبَعَة أشهر وَعشرا قَالَ ابْن كثير بِالْإِجْمَاع فَيكون الْمُخَصّص هُوَ الْإِجْمَاع لَا الْجِمَاع ﴿وسرحوهن سراحا جميلا﴾ أَي أخرجوهن من غير أضرار وَلَا منع حق من مَنَازِلكُمْ وَلَيْسَ لكم عَلَيْهِنَّ عدَّة وَقيل هُوَ أَن لَا يطالبها بِمَا كَانَ قد أَعْطَاهَا وَعَن ابْن عَبَّاس فِي الْآيَة قَالَ هَذَا فِي الرجل يتَزَوَّج الْمَرْأَة ثمَّ يطلقهَا من غير أَن يَمَسهَا فَإِذا طَلقهَا وَاحِدَة بَانَتْ مِنْهُ وَلَا عدَّة عَلَيْهَا فلهَا
стр. 184
أَن تتَزَوَّج من شَاءَت وَإِن كَانَ سمى لَهَا صَدَاقا فَلَيْسَ لَهَا إِلَّا النّصْف وَإِن لم يكن سمى مَتعهَا على قدر عسره ويسره
١٤٢ - بَاب مَا نزل فِي الواهبة نَفسهَا للنَّبِي ﷺ
﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِنَّا أَحللنَا لَك أَزوَاجك اللَّاتِي آتيت أُجُورهنَّ وَمَا ملكت يَمِينك مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْك وَبَنَات عمك وَبَنَات عَمَّاتك وَبَنَات خَالك وَبَنَات خَالَاتك اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَك وَامْرَأَة مُؤمنَة إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي إِن أَرَادَ النَّبِي أَن يستنكحها خَالِصَة لَك من دون الْمُؤمنِينَ قد علمنَا مَا فَرضنَا عَلَيْهِم فِي أَزوَاجهم وَمَا ملكت أَيْمَانهم﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِنَّا أَحللنَا لَك أَزوَاجك اللَّاتِي آتيت أُجُورهنَّ﴾ أَي مهورهن فَإِن المهور أجور الأبضاع قيل أحل لَهُ جَمِيع النِّسَاء مَا عدا ذَوَات الْمَحَارِم إِذا آتاها مهرهَا وَقيل أحل لَهُ أَزوَاجه لِأَنَّهُنَّ قد أخترنه على الدُّنْيَا وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر ﴿وَمَا ملكت يَمِينك مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْك﴾ أَي السراري اللَّاتِي دخلن فِي ملكك بِالْغَنِيمَةِ مثل صَفِيَّة وَجُوَيْرِية فأعتقهما وتزوجهما وَقد كَانَت مَارِيَة مِمَّا ملكت يَمِينه فَولدت لَهُ إِبْرَاهِيم وَخرجت الْآيَة مخرج الْغَالِب لِأَنَّهَا تحل لَهُ السّريَّة الْمُشْتَرَاة والموهوبة وَنَحْوهمَا ﴿وَبَنَات عمك وَبَنَات عَمَّاتك﴾ أَي نسَاء قُرَيْش ﴿وَبَنَات خَالك وَبَنَات﴾
стр. 185
خَالَاتك) أَي نسَاء بني زهرَة ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَك﴾ هَذَا إِشَارَة إِلَى مَا هُوَ الْأَفْضَل وللإيذان بشرف الْهِجْرَة وَشرف من هَاجر أَي أحللن لَك زَائِدا على الْأزْوَاج اللَّاتِي آتيت أُجُورهنَّ على قَول الْجُمْهُور
أخرج التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن جرير وَالطَّبَرَانِيّ وَغَيرهم عَن أم هَانِيء بنت أبي طَالب قَالَت خطبني رَسُول الله ﷺ فاعتذرت إِلَيْهِ فعذرني فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة فَلم أكن أحل لَهُ لِأَنِّي لم أُهَاجِر مَعَه كنت من الطُّلَقَاء وَفِي الْبَاب رِوَايَات
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ حرم الله عَلَيْهِ سوى ذَلِك من النِّسَاء وَكَانَ قبل ذَلِك ينْكح أَي النِّسَاء شَاءَ لم يحرم ذَلِك عَلَيْهِ وَكَانَ نساؤه يجدن من ذَلِك وجدا شَدِيدا أَن ينْكح أَي النِّسَاء أحب فَلَمَّا نزلت الْآيَة أعجب ذَلِك نساؤه ﴿وَامْرَأَة مُؤمنَة﴾ هَذَا يَد على أَن الْكَافِرَة لَا تحل لَهُ فجوز لنا نِكَاح الْحَرَائِر الكتابيات وَقصر هُوَ ﷺ على الْمُؤْمِنَات وَأما تسريه بالأمة الْكِتَابِيَّة فَالْأَصَحّ فِيهِ الْحل لِأَنَّهُ ﷺ استمتع بأمته رَيْحَانَة قبل إِن تسلم كَذَا فِي الْمَوَاهِب وَكَانَت يَهُودِيَّة من سبي قُرَيْظَة وَمِمَّا خص بِهِ أَيْضا يحرم عَلَيْهِ نِكَاح الْأمة وَلَو مسلمة ﴿إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي﴾ أَي مَلكتك بضعهَا وَأما من لم تكن مُؤمنَة فَلَا تحل لَك بِمُجَرَّد هبتها نَفسهَا لَك وَلَكِن لَيْسَ ذَلِك بِوَاجِب عَلَيْك بِحَيْثُ يلزمك قبُول ذَلِك بل مُقَيّد بإرادتك وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن أَرَادَ النَّبِي أَن يستنكحها﴾ قيل إِنَّه لم يكن عِنْده مِنْهُنَّ شَيْء وَقَالَ قَتَادَة كَانَت عِنْده مَيْمُونَة بنت الحارس وَقيل هِيَ زَيْنَب بنت خُزَيْمَة الْأَنْصَارِيَّة أم الْمَسَاكِين وَقيل أم شريك بنت جَابر الأَسدِية وَقيل هِيَ أم حَكِيم السلمِيَّة وَعَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت كَانَت خَوْلَة بنت حَكِيم من اللَّاتِي وهبْنَ أَنْفسهنَّ للنَّبِي ﷺ فَقَالَت عَائِشَة ﵂ أما تَسْتَحي الْمَرْأَة أَن تهب نَفسهَا للرِّجَال فَلَمَّا نزلت ﴿ترجي من تشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْك من تشَاء﴾
стр. 186
قلت يَا رَسُول الله مَا أرى رَبك إِلَّا يُسَارع فِي هَوَاك أخرجه الْخَمْسَة إِلَّا التِّرْمِذِيّ
وَعَن أنس قَالَ جَاءَت امْرَأَة إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَت يَا رَسُول الله هَل لَك بِي حَاجَة فَقَالَت ابْنة أنس مَا كَانَ أقل حياءها فَقَالَ هِيَ خير مِنْك رغبت فِي النَّبِي ﷺ فعرضت نَفسهَا عَلَيْهِ أخرجه البُخَارِيّ وَابْن مردوية وَفِي الْبَاب رِوَايَات
وَكَانَ من خَصَائِصه ﷺ أَن النِّكَاح ينْعَقد فِي حَقه بِالْهبةِ من غير ولي وَلَا شُهُود وَلَا مهر وَالزِّيَادَة على أَربع وَوُجُوب تَخْيِير النِّسَاء وَعَلِيهِ جمَاعَة وَاخْتلفُوا فِي انْعِقَاده فِي حق الْأمة فَذهب أَكْثَرهم إِلَى أَنه لَا ينْعَقد إِلَّا بِلَفْظ النِّكَاح وَالتَّزْوِيج وَقَالَ أهل الْكُوفَة ينْعَقد بِلَفْظ التَّمْلِيك وَالْهِبَة ﴿خَالِصَة لَك من دون الْمُؤمنِينَ﴾ وَالْحق أَن ذَلِك خَاص بِهِ ﷺ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿قد علمنَا مَا فَرضنَا عَلَيْهِم فِي أَزوَاجهم﴾ قَالَ ابْن عمر فِي الْآيَة فرض الله عَلَيْهِم أَنه لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وشاهدين وَمثله عَن ابْن عَبَّاس وَزَاد وَمهر ﴿وَمَا ملكت أَيْمَانهم﴾ مِمَّن يجوز سبيه وحربه وَأَن تستبريء قبل الْوَطْء
١٤٣ - بَاب مَا نزل فِي التَّصَرُّف فِي النِّسَاء بالأرجاء والايواء
﴿ترجي من تشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْك من تشَاء وَمن ابْتَغَيْت مِمَّن عزلت فَلَا جنَاح عَلَيْك ذَلِك أدنى أَن تقر أعينهن وَلَا يحزن ويرضين بِمَا آتيتهن كُلهنَّ وَالله يعلم مَا فِي قُلُوبكُمْ﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿ترجي من تشَاء مِنْهُنَّ﴾ أَي تُؤخر ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْك من تشَاء﴾ أَي تضم إِلَيْك وَالْمعْنَى أَن الله تَعَالَى وسع عَلَيْهِ فِي جعل الْخِيَار إِلَيْهِ فِي
стр. 187
نِسَائِهِ فيؤخر من شَاءَ مِنْهُنَّ وَيُؤَخر نوبتها وَيَتْرُكهَا وَلَا يَأْتِيهَا من غير طَلَاق وَيضم إِلَيْهِ من شَاءَ مِنْهُنَّ ويضاجعها ويبيت عِنْدهَا
وَقد كَانَ الْقسم وَاجِبا عَلَيْهِ حَتَّى نزلت هَذِه الْآيَة فارتفع الْوُجُوب صَار الْخِيَار إِلَيْهِ وَكَانَ مِمَّن آوى إِلَيْهِ عَائِشَة وَحَفْصَة وَأم سَلمَة وَزَيْنَب وَمِمَّنْ أَرْجَى سَوْدَة وَجُوَيْرِية وَأم حَبِيبَة ومَيْمُونَة وَصفِيَّة فَكَانَ يُسَوِّي بَين من آوى فِي الْقسم وَكَانَ يقسم لمن أرجاه مَا شَاءَ وَهَذَا قَول الْجُمْهُور وَعَلِيهِ دلّت الْأَدِلَّة الثَّابِتَة
فِي الصَّحِيح وَغَيره وَأخرج البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا عَن عَائِشَة قَالَت كنت أغار من اللَّاتِي وهبْنَ أَنْفسهنَّ لرَسُول الله ﷺ وَأَقُول أما تستحيي الْمَرْأَة أَن تهب نَفسهَا فَلَمَّا أنزل الله ﴿ترجي من تشَاء﴾ الْآيَة قلت مَا أرى رَبك إِلَّا يُسَارع فِي هَوَاك وَفِي الْبَاب رِوَايَات ﴿وَمن ابْتَغَيْت مِمَّن عزلت﴾ الابتغاء الطّلب والعزل الْإِزَالَة أَي إِن أردْت أَن تؤوي إِلَيْك امْرَأَة مِمَّن قد عزلتهن من الْقِسْمَة ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْك﴾ فِي ذَلِك ﴿ذَلِك أدنى أَن تقر أعينهن﴾ أَي ذَلِك التَّخْيِير والتفويض أقرب إِلَى رضاهن ﴿وَلَا يحزن﴾ بإيثارك بَعضهنَّ دون بعض ﴿ويرضين بِمَا آتيتهن كُلهنَّ﴾ أَي من تقريب وإرجاء وعزل وإيواء وَكَانَ يقسم بَينهم حَتَّى توفّي ﷺ وَلم يسْتَعْمل شَيْئا مِمَّا أُبِيح لَهُ ضبطا لنَفسِهِ وأخذا بالأفضل غير سَوْدَة فَإِنَّهَا وهبت لَيْلَتهَا لعَائِشَة ﴿وَالله يعلم مَا فِي قُلُوبكُمْ﴾ من كل مَا تضمرونه من أُمُور النِّسَاء والميل إِلَى بَعضهنَّ
стр. 188
١٤٤ - بَاب مَا نزل فِي النَّهْي عَن تَبْدِيل الْأزْوَاج للنَّبِي ﷺ
﴿لَا يحل لَك النِّسَاء من بعد وَلَا أَن تبدل بِهن من أَزوَاج وَلَو أعْجبك حسنهنَّ إِلَّا مَا ملكت يَمِينك﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يحل لَك النِّسَاء من بعد﴾ أَي بعد هَؤُلَاءِ التسع اللواتي اخترنك واجمعن فِي عصمتك وَهن من توفّي عَنْهُم وَاخْتلف أهل الْعلم فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة على أَقْوَال ذكرت فِي فتح الْبَيَان ﴿وَلَا أَن تبدل بِهن من أَزوَاج﴾ غَيْرهنَّ من الكتابيات لِأَنَّهُ لَا تكون أم الْمُؤمنِينَ يَهُودِيَّة وَلَا نَصْرَانِيَّة ﴿وَلَو أعْجبك حسنهنَّ﴾ أَي حسن غَيْرهنَّ وجمالهن مِمَّن أردْت أَن تجعلها بَدَلا من إِحْدَاهُنَّ وَهَذَا التبديل من جملَة مَا نسخه الله فِي حق رَسُوله على القَوْل الرَّاجِح ونسخه إِمَّا بِالسنةِ أَو بقوله ﴿إِنَّا أَحللنَا لَك أَزوَاجك﴾ وترتيب النُّزُول لَيْسَ على تَرْتِيب الْمُصحف
قَالَ ابْن عَبَّاس لما اسْتشْهد جَعْفَر أَرَادَ رَسُول الله ﷺ أَن يخْطب امْرَأَته أَسمَاء بنت عُمَيْس فنهي عَن ذَلِك ﴿إِلَّا مَا ملكت يَمِينك﴾ أَي تحل لَك الْإِمَاء وَقد ملك النَّبِي ﷺ بعدهن مَارِيَة الْقبْطِيَّة أهداها لَهُ الْمُقَوْقس ملك القبط وهم أهل مصر وَولدت لَهُ إِبْرَاهِيم فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَمَات فِي حَيَاة أَبِيه وَله سَبْعُونَ يَوْمًا وَقيل سنة وَعشرَة أشهر وَفِي تَحْلِيل الْأمة الْكَافِرَة لَهُ ﷺ قَولَانِ وَلكُل وجهة وَفِي الْآيَة دَلِيل على جَوَاز النّظر إِلَى من يُرِيد نِكَاحهَا من النِّسَاء وَيدل
стр. 189
عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَن جَابر مَرْفُوعا إِذا خطب أحدكُم الْمَرْأَة فَإِن اسْتَطَاعَ أَن ينظر إِلَى مَا يَدعُوهُ إِلَى نِكَاحهَا فَلْيفْعَل أخرجه أَبُو دَاوُد وَعَن أبي هُرَيْرَة أَن رجلا أَرَادَ أَن يتَزَوَّج امْرَأَة من الْأَنْصَار فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ أنظر إِلَيْهَا فَإِن فِي أعين الْأَنْصَار شَيْئا قَالَ الْحميدِي يَعْنِي الصغر وَعَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة قَالَ خطبت امْرَأَة فَقَالَ لي النَّبِي ﷺ هَل نظرت إِلَيْهَا قلت لَا قَالَ فَانْظُر إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَن يُؤْدم بَيْنكُمَا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن
١٤٥ - بَاب مَا نزل فِي حجاب النِّسَاء
﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تدْخلُوا بيُوت النَّبِي إِلَّا أَن يُؤذن لكم﴾ ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعا فَاسْأَلُوهُنَّ من وَرَاء حجاب ذَلِكُم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وَمَا كَانَ لكم أَن تُؤْذُوا رَسُول الله وَلَا أَن تنْكِحُوا أَزوَاجه من بعده أبدا إِن ذَلِكُم كَانَ عِنْد الله عَظِيما﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تدْخلُوا بيُوت النَّبِي﴾ هَذَا نهي عَام لكل مُؤمن عَن أَن يدْخل بيُوت رَسُول الله ﷺ إِلَّا بِإِذن مِنْهُ
وَسبب النُّزُول مَا وَقع من بعض الصَّحَابَة فِي وَلِيمَة زَيْنَب وَعَن أنس قَالَ قَالَ عمر بن الْخطاب يَا رَسُول الله إِن نِسَاءَك يدْخل عَلَيْهِنَّ الْبر والفاجر فَلَو أمرت أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ بالحجاب فَأنْزل الله آيَة الْحجاب أخرجه الشَّيْخَانِ وَفِي الْبَاب رِوَايَات وفيهَا سَبَب النُّزُول وَكَانَ نزُول الْحجاب فِي ذِي الْقعدَة سنة خمس من الْهِجْرَة وَقيل سنة ثَلَاث
стр. 190
﴿إِلَّا أَن يُؤذن لكم﴾ اسْتثِْنَاء مفرغ من أَعم الْأَحْوَال أَي لَا تدخلوها فِي حَال من الْأَحْوَال إِلَّا فِي حَال كونكم مَأْذُونا لكم إِلَى قَوْله ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعا فَاسْأَلُوهُنَّ من وَرَاء حجاب﴾ فَبعد هَذِه الْآيَة لم يكن لأحد أَن ينظر إِلَى امْرَأَة من نسَاء رَسُول الله ﷺ متنقبة أَو غير متنقبة ﴿ذَلِكُم أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾ وَفِي هَذَا أدب لكل مُؤمن وتحذير لَهُ من أَن يَثِق بِنَفسِهِ فِي الْخلْوَة مَعَ من لَا تحل لَهُ والمكالمة من دون الْحجاب لمن تحرم عَلَيْهِ فَإِن مجانبة ذَلِك أحسن بِحَالهِ وَأحسن لنَفسِهِ وَأتم لعصمته ﴿وَمَا كَانَ لكم أَن تُؤْذُوا رَسُول الله﴾ بِشَيْء من الْأَشْيَاء كَائِنا مَا كَانَ ﴿وَلَا أَن تنْكِحُوا أَزوَاجه من بعده أبدا﴾ أَي بعد وَفَاته أَو فِرَاقه لِأَنَّهُنَّ أُمَّهَات وَلَا يحل للأولاد نِكَاح الْأُمَّهَات
قَالَ ابْن عَبَّاس نزلت هَذِه الْآيَة فِي رجل هم بِأَن يتَزَوَّج بعض نسَاء النَّبِي ﷺ بعد مَوته قَالَ سُفْيَان وَذكروا أَنَّهَا عَائِشَة وَفِي الْبَاب رِوَايَات ﴿إِن ذَلِكُم كَانَ عِنْد الله عَظِيما﴾ أَي ذَنبا عَظِيما وخطئا هائلا شَدِيدا
١٤٦ - بَاب مَا نزل فِي رفع حجابهن عَن ذَوي الْقُرْبَى
﴿لَا جنَاح عَلَيْهِنَّ فِي آبائهن وَلَا أبنائهن وَلَا إخوانهن وَلَا أَبنَاء إخوانهن وَلَا أَبنَاء أخواتهن وَلَا نسائهن وَلَا مَا ملكت أيمانهن واتقين الله﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿لَا جنَاح عَلَيْهِنَّ فِي آبائهن وَلَا أبنائهن وَلَا إخوانهن وَلَا أَبنَاء إخوانهن وَلَا أَبنَاء أخواتهن﴾ أَي فَهَؤُلَاءِ لَا يجب على نسَاء رَسُول الله ﷺ وَلَا على غَيْرهنَّ من النِّسَاء الاحتجاب مِنْهُم فِي رُؤْيَة وَكَلَام وَلم يذكر الْعم وَالْخَال
стр. 191
لِأَنَّهُمَا يجريان مجْرى الْوَالِدين ﴿وَلَا نسائهن﴾ أَي النِّسَاء الْمُؤْمِنَات لِأَن الكافرات غير مأمونات على العورات وَالنِّسَاء كُلهنَّ عَورَة فَيجب على أَزوَاج النَّبِي ﷺ الاحتجاب عَنْهُن كَمَا يجب على سَائِر المسلمات مَا عدا مَا يَبْدُو عِنْد المهنة فَلَا يجب على المسلمات حجبه وستره عَن الكافرات وَلِهَذَا قيل هُوَ خَاص بِأَزْوَاج النَّبِي ﷺ فَلَا يجوز للكتابيات الدُّخُول عَلَيْهِنَّ وَقيل عَام فِي المسلمات والكتابيات ﴿وَلَا مَا ملكت أيمانهن﴾ من العبيد وَالْإِمَاء أَن يروهن ويكلموهن من غير حجاب وَقيل الْإِمَاء خَاصَّة وَمن لم يبلغ من العبيد وَالْخلاف فِي ذَلِك مَعْرُوف ﴿واتقين الله﴾ فِي كل الْأُمُور الَّتِي من جُمْلَتهَا الْحجاب قَالَ ابْن عَبَّاس نزلت هَذِه فِي نسَاء النَّبِي خَاصَّة يَعْنِي وجوب الاحتجاب عَلَيْهِنَّ لَا على سَائِر نسَاء الْأمة فَإِن الْحجاب فِي حقهن مُسْتَحبّ لَا وَاجِب وَلَا فرض
١٤٧ - بَاب مَا نزل فِي إِيذَاء الْمُؤْمِنَات بالبهتان
﴿وَالَّذين يُؤْذونَ الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات بِغَيْر مَا اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مُبينًا﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين يُؤْذونَ الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ بِوَجْه من وُجُوه الْأَذَى من قَول أَو فعل ﴿بِغَيْر مَا اكتسبوا﴾ قيل يقعون فيهم ويرمونهم بِغَيْر جرم فَإِن الأذية بِمَا كسبوه مِمَّا يُوجب حدا أَو تعزيرا وَنَحْوهمَا فَذَلِك حق الشَّرْع وَأمر أمرنَا الله بِهِ وندبنا إِلَيْهِ وَهَكَذَا إِذا وَقع من الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات
стр. 192
الِابْتِدَاء بشتم لمُؤْمِن أَو مُؤمنَة أَو ضرب فَإِن الْقصاص من الْفَاعِل لَيْسَ من الأذية الْمُحرمَة على أَي وَجه كَانَ مَا لم يُجَاوز مَا شَرعه الله ﴿فقد احتملوا بهتانا وإثما مُبينًا﴾ أَي ظَاهرا وَاضحا لَا شكّ فِي كَونه من الْبُهْتَان وَالْإِثْم قيل نزلت فِي شَأْن عَائِشَة وَقيل نزلت فِي الزناة كَانُوا يَمْشُونَ فِي طرق الْمَدِينَة يتبعُون النِّسَاء وَهن كارهات
١٤٨ - بَاب مَا نزل فِي ثِيَاب الْحَرَائِر والاماء وتمييزهن بهَا
﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك وَنسَاء الْمُؤمنِينَ يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن ذَلِك أدنى أَن يعرفن فَلَا يؤذين﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك وَنسَاء الْمُؤمنِينَ يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن﴾ جمع جِلْبَاب وَهُوَ ثوب أكبر من الْخمار وَهُوَ الملاءة الَّتِي تشْتَمل بهَا الْمَرْأَة فَوق الدرْع والخمار قَالَ الْجَوْهَرِي الجلباب الملحفة وَقَالَ الشهَاب إزر وَاسع يلتحف بِهِ وَقيل القناع وَقيل هُوَ كل ثوب يستر جَمِيع بدن الْمَرْأَة من كسَاء وَغَيره كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح من حَدِيث أم عَطِيَّة أَنَّهَا قَالَت يَا رَسُول الله إحدانا لَا يكون لَهَا جِلْبَاب فَقَالَ لتلبسها أُخْتهَا من جلبابها
قَالَ الواحدي قَالَ الْمُفَسِّرُونَ يغطين وجوههن ورؤسهن إِلَّا عينا وَاحِدَة فَيعلم أَنَّهُنَّ حرائر فَلَا يتَعَرَّض لَهُنَّ بأذى وَبِه قَالَ ابْن عَبَّاس وَقَالَ الْحسن تغطي نصف وَجههَا وَقَالَ قَتَادَة تلويه فَوق الجبين وتشده ثمَّ تعطفه على الْأنف وَإِن ظَهرت عَيناهَا لكنه يستر الصَّدْر ومعظم الْوَجْه وَقَالَ الْمبرد يرخينها عَلَيْهِنَّ ويغطين بهَا وجوههن وأعطافهن
стр. 193
﴿ذَلِك أدنى أَن يعرفن﴾ فتميزهن عَن الْإِمَاء وَيظْهر للنَّاس أَنَّهُنَّ حرائر ﴿فَلَا يؤذين﴾ من جِهَة أهل الرِّيبَة بالتعرض لَهُنَّ مراقبة لَهُنَّ ولأهلهن
واستنبط بعض أهل الْعلم من هَذِه الْآيَة أَن مَا يَفْعَله عُلَمَاء هَذَا الزَّمَان فِي ملابسهم من سَعَة الأكمام والعمة وَلبس الطيلسان حسن وَإِن لم يَفْعَله السّلف لِأَن فِيهِ تمييزا لَهُم وَبِذَلِك يعْرفُونَ فيلتفت إِلَى فتاواهم وأقوالهم
قَالَ السُّبْكِيّ وَمِنْه يعلم أَن تَمْيِيز الْأَشْرَاف بعلامة أَمر مَشْرُوع أَيْضا انْتهى وَأَقُول مَا أبرد هَذَا الاستنباط وأبعده وَمَا أقل نَفعه وجدواه لَا سِيمَا بعد مَا ورد فِي السّنة المطهرة من النَّهْي عَن الْإِسْرَاف فِي اللبَاس وإطالته وَقد منع من ذَلِك سلف الْأمة وأئمتها فَأَيْنَ هَذَا من ذَاك وَإِنَّمَا هُوَ بِدعَة قبيحة شنيعة مَرْدُودَة على صَاحبهَا أحدثها عُلَمَاء السوء ومشايخ الدُّنْيَا وَمن هُنَا قَالَ عَليّ الْقَارِي فِي معرض الذَّم لأهل مَكَّة لَهُم عمائم كالأبراج وكمائم كالأخراج وَمَا ذكره من أَن زِيّ الْعلمَاء والأشراف فِي هَذَا الزَّمَان سنة رده ابْن الْحَاج فِي الْمدْخل بِأَنَّهُ مُخَالف لزيهم فِي زمن النَّبِي ﷺ وزمن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَمن بعدهمْ من خير الْقُرُون فَإِن قيل إِنَّهُم بِهِ يعْرفُونَ قيل إِنَّهُم لَو بقوا على الزي الأول لعرفوا بِهِ أَيْضا لمُخَالفَته لما عَلَيْهِ غَيرهم الْآن وَأطَال فِي إِنْكَار مَا قَالُوهُ واختاروه فِي الزي
وَفِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة رِوَايَات فِيهَا ذكر خُرُوج سَوْدَة وَغَيرهَا للْحَاجة بِاللَّيْلِ وإيذاء الْمُنَافِقين لَهُنَّ
١٤٩ - بَاب مَا نزل فِي تَعْذِيب المنافقات وَالتَّوْبَة على الْمُؤْمِنَات
﴿ليعذب الله الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْمُشْرِكين والمشركات وَيَتُوب الله على الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾
стр. 194
قَالَ تَعَالَى ﴿ليعذب الله الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْمُشْرِكين والمشركات وَيَتُوب الله على الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ فِيهِ تَوْفِيَة لكل من مقَامي الْوَعيد والوعد حَقه
وَهَذِه الْآيَة بعد ذكر ﴿إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة﴾ إِلَى قَوْله ﴿إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا﴾ قَالَ ابْن قُتَيْبَة أَي عرضنَا ذَلِك ليظْهر نفاق الْمُنَافِق وشرك الْمُشرك فيعذبهما الله وَيظْهر إِيمَان الْمُؤمن فَيَعُود عَلَيْهِ بالمغفرة وَالرَّحْمَة إِن حصل مِنْهُ تَقْصِير فِي بعض الطَّاعَات وَلذَلِك ذكر بِلَفْظ التَّوْبَة فَدلَّ على أَن الْمُؤمن العَاصِي خَارج عَن الْعَذَاب اللَّهُمَّ اغْفِر لنا وَتب علينا
١٥٠ - بَاب مَا نزل فِي جعل الله الْإِنْسَان أَزْوَاجًا من جنسه
﴿وَالله خَلقكُم من تُرَاب ثمَّ من نُطْفَة ثمَّ جعلكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تحمل من أُنْثَى وَلَا تضع إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة فاطر ﴿وَالله خَلقكُم من تُرَاب ثمَّ من نُطْفَة ثمَّ جعلكُمْ أَزْوَاجًا﴾ فالذكر زوج الْأُنْثَى وَبِالْعَكْسِ أَو جعلكُمْ أصنافا ذكرانا وأناثا ﴿وَمَا تحمل من أُنْثَى وَلَا تضع إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ أَي لَا يكون حمل وَلَا وضع إِلَّا وَالله عَالم بِهِ فَلَا يخرج شَيْء عَن علمه وتدبيره وَالْآيَة حجَّة على من يَنْفِي علمه سُبْحَانَهُ بالجزئيات ورد عَلَيْهِ
١٥١ - بَاب مَا نزل فِي حشر الزَّوْجَات مَعَ الْأزْوَاج
﴿احشروا الَّذين ظلمُوا وأزواجهم﴾
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الصِّفَات ﴿احشروا الَّذين ظلمُوا﴾ أَمر من الله
стр. 195
للْمَلَائكَة بِأَن يحْشرُوا الْمُشْركين ﴿وأزواجهم﴾ أَي أمثالهم فِي الشّرك والتابعون لَهُم فِي الْكفْر وَقَالَ الْحسن وَمُجاهد المُرَاد بأزواجهم نِسَاؤُهُم المشركات الموافقات لَهُم على الْكفْر وَالظُّلم وَقَالَ عمر بن الْخطاب أمثالهم أَي يحْشر أَصْحَاب الرِّبَا مَعَ أَصْحَاب الرِّبَا وَأَصْحَاب الزِّنَى مَعَ أَصْحَاب الزِّنَى إِلَى غير ذَلِك وَفِي الْآيَة أَقْوَال أَحدهمَا مَا تقدم من أَن المُرَاد بهم نِسَاؤُهُم
١٥٢ - بَاب مَا نزل فِي جعل حَوَّاء زَوْجَة لآدَم ﵉
﴿خَلقكُم من نفس وَاحِدَة﴾ وَهِي نفس آدم ﴿ثمَّ جعل مِنْهَا زَوجهَا﴾
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الزمر ﴿خَلقكُم من نفس وَاحِدَة ثمَّ جعل مِنْهَا زَوجهَا﴾ حَوَّاء أَي خلقهَا من ضلع آدم وَتقدم تَفْسِير هَذِه الْآيَة فِي سُورَة الْأَعْرَاف
١٥٣ - بَاب مَا نزل فِي ظلمات بطن الْأُمَّهَات
﴿يخلقكم فِي بطُون أُمَّهَاتكُم خلقا من بعد خلق فِي ظلمات ثَلَاث ذَلِكُم الله ربكُم لَهُ الْملك لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَأنى تصرفون﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿يخلقكم فِي بطُون أُمَّهَاتكُم خلقا من بعد خلق﴾ قَالَ قَتَادَة وَالسُّديّ نُطْفَة ثمَّ علقَة ثمَّ مُضْغَة ثمَّ عظما ثمَّ لَحْمًا وَقَالَ ابْن زيد من بعد خَلقكُم فِي ظهر آدم
стр. 196
﴿فِي ظلمات ثَلَاث﴾ هِيَ ظلمَة الْبَطن وظلمة الرَّحِم وظلمة المشيمة وَقيل ظلمَة اللَّيْل بدل ظلمَة الْبَطن وَقيل ظلمَة صلب الرجل وظلمة بطن الْمَرْأَة وظلمة الرَّحِم وَالرحم دَاخل الْبدن والمشيمة دَاخل الرَّحِم ﴿ذَلِكُم الله ربكُم لَهُ الْملك لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَأنى تصرفون﴾ عَن عِبَادَته إِلَى عبَادَة غَيره أَو عَن طَرِيق الْحق بعد الْبَيَان
١٥٤ - بَاب مَا نزل فِي خسران الأهلين
﴿قل إِن الخاسرين الَّذين خسروا أنفسهم وأهليهم يَوْم الْقِيَامَة أَلا ذَلِك هُوَ الخسران الْمُبين﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿قل إِن الخاسرين﴾ أَي الكاملين فِي الخسران ﴿الَّذين خسروا أنفسهم وأهليهم يَوْم الْقِيَامَة﴾ بتخليد الْأَنْفس فِي النَّار بِعَدَمِ وصولهم إِلَى الْحور الْمعدة لَهُم فِي الْجنَّة لَو آمنُوا لِأَن من دخل النَّار فقد خسر نَفسه وَأَهله قيل المُرَاد بأهليهم أَزوَاجهم وخدمهم وَقيل أَهْليهمْ فِي الدُّنْيَا ﴿أَلا ذَلِك هُوَ الخسران الْمُبين﴾ الَّذِي بلغ من الْعظم إِلَى غَايَة لَيْسَ فَوْقهَا غَايَة
١٥٥ - بَاب مَا نزل فِي الدُّعَاء لِلزَّوْجَاتِ
﴿رَبنَا وأدخلهم جنَّات عدن الَّتِي وعدتهم وَمن صلح من آبَائِهِم وأزواجهم وذرياتهم إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم﴾
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْمُؤمن ﴿رَبنَا وأدخلهم جنَّات عدن الَّتِي وعدتهم﴾
стр. 197
إِيَّاهَا وأَدخل ﴿وَمن صلح من آبَائِهِم وأزواجهم وذرياتهم﴾ الصّلاح هُنَا الْإِيمَان بِاللَّه وَالْعَمَل بِمَا شَرعه الله فَمن فعل ذَلِك فقد صلح لدُخُول الْجنَّة ﴿إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ وَهَذَا الدُّعَاء من حَملَة الْعَرْش للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات
١٥٦ - بَاب مَا نزل فِي دُخُول الْأُنْثَى الْجنَّة إِذا عملت صَالحا
﴿وَمن عمل صَالحا من ذكر أَو أُنْثَى وَهُوَ مُؤمن فَأُولَئِك يدْخلُونَ الْجنَّة يرْزقُونَ فِيهَا بِغَيْر حِسَاب﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن عمل صَالحا من ذكر أَو أُنْثَى وَهُوَ مُؤمن﴾ بِمَا جَاءَت بِهِ رسل الله ﴿فَأُولَئِك﴾ الَّذين جمعُوا بَين الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح ﴿يدْخلُونَ الْجنَّة يرْزقُونَ فِيهَا بِغَيْر حِسَاب﴾ أَي بِغَيْر تَقْدِير ومحاسبة دلّت إِشَارَة النَّص على أَن الْعَمَل دَاخل فِي مَفْهُوم الْإِيمَان الْكَامِل وَلَا ينفع الصَّالح مِنْهُ إِلَّا مَا كَانَ مَعَه
١٥٧ - بَاب مَا نزل فِي علم الله سُبْحَانَهُ بِحمْل الْأُنْثَى ووضعها
﴿وَمَا تحمل من أُنْثَى وَلَا تضع إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة فصلت ﴿وَمَا تحمل من أُنْثَى﴾ حملا فِي بَطنهَا ﴿وَلَا تضع﴾ ذَلِك الْحمل ﴿إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ شَأْنه
وَفِيه دَلِيل على أَن أَصْحَاب الْكَشْف والكهان وَأهل التنجيم لَا يُمكنهُم
стр. 198
الْقطع والجزم بِشَيْء مِمَّا يَقُولُونَهُ الْبَتَّةَ وَإِنَّمَا غَايَته ادِّعَاء ظن ضَعِيف أَو وهم خَفِيف وَعلم الله هُوَ الْعلم الْيَقِين الْمَقْطُوع بِهِ الَّذِي لَا يشركهُ فِيهِ أحد
١٥٨ - بَاب مَا نزل فِي أَن الزَّوْجَة من جنس الزَّوْج
﴿جعل لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا وَمن الْأَنْعَام أَزْوَاجًا يذرؤكم فِيهِ﴾
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الشورى ﴿جعل لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا وَمن الْأَنْعَام أَزْوَاجًا يذرؤكم فِيهِ﴾ أَي يبثكم وَهِي الْأَصْنَاف الثَّمَانِية الَّتِي ذكرهَا فِي سُورَة الْأَنْعَام
١٥٩ - بَاب مَا نزل فِي شَأْن ولادَة النسْوَة ذُكُورا وإناثا وَجعل من يَشَاء الله عقيما
﴿يهب لمن يَشَاء إِنَاثًا ويهب لمن يَشَاء الذُّكُور أَو يزوجهم ذكرانا وإناثا وَيجْعَل من يَشَاء عقيما إِنَّه عليم قدير﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿يهب لمن يَشَاء إِنَاثًا﴾ لَا ذُكُور مَعَهُنَّ وَقَالَ ابْن عَبَّاس يُرِيد لوطا وشعيبا لِأَنَّهُمَا لم يكن لَهما إِلَّا الْبَنَات والعموم أولى ﴿ويهب لمن يَشَاء الذُّكُور﴾ لَا إناث مَعَهم قيل يُرِيد إِبْرَاهِيم ﵇ لِأَنَّهُ لم يكن لَهُ إِلَّا الذُّكُور والعموم أولى وتعريف الذُّكُور للدلالة على شرفهم على الْإِنَاث وَقيل لَا دلَالَة فِيهَا على هَذَا وَهِي مسوقة لِمَعْنى
стр. 199
آخر وتقديمهن فِي الذّكر لكثرتهن بِالنِّسْبَةِ إِلَى الذُّكُور وَقيل لتطييب قُلُوب آبائهن وَقيل غير ذَلِك مِمَّا لَا فَائِدَة فِي ذكره
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه وَابْن عَسَاكِر عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من بركَة الْمَرْأَة ابتكارها بِالْأُنْثَى لِأَن الله قَالَ يهب لمن يَشَاء إِنَاثًا ﴿أَو يزوجهم ذكرانا وإناثا﴾ أَي يقرن بَين النَّوْعَيْنِ فيهمَا جَمِيعًا لبَعض خلقه يُرِيد مُحَمَّدًا ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ من الْبَنِينَ ثَلَاثَة على الصَّحِيح الْقَاسِم وَعبد الله وَإِبْرَاهِيم وَمن الْبَنَات أَربع زَيْنَب ورقية وَفَاطِمَة وَأم كُلْثُوم قَالَه ابْن عَبَّاس والعموم أولى لِأَن الْعبْرَة بِهِ لَا بِخُصُوص السَّبَب قَالَ مُجَاهِد الْمَعْنى أَن تَلد الْمَرْأَة غُلَاما ثمَّ تَلد جَارِيَة وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة هُوَ أَن تَلد توأما غُلَاما وَجَارِيَة وَمعنى الْآيَة أوضح من أَن يخْتَلف فِي مثله ﴿وَيجْعَل من يَشَاء عقيما﴾ لَا يُولد لَهُ ذكر وَلَا أُنْثَى يُرِيد يحيى وَعِيسَى ﵉ قَالَ أَكثر الْمُفَسّرين هَذَا على وَجه التَّمْثِيل وَإِنَّمَا الحكم عَام فِي كل النَّاس لِأَن الْمَقْصُود بَيَان نَفاذ قدرَة الله تَعَالَى فِي تكوين الْأَشْيَاء كَيفَ يَشَاء فَلَا معنى للتخصيص ﴿إِنَّه عليم قدير﴾ بليغ الْعلم عَظِيم الْقُدْرَة
١٦٠ - بَاب مَا نزل فِي عجز الْمَرْأَة عَن إِقَامَة الْحجَّة
﴿وَإِذا بشر أحدهم بِمَا ضرب للرحمن مثلا ظلّ وَجهه مسودا وَهُوَ كظيم أَو من ينشأ فِي الْحِلْية وَهُوَ فِي الْخِصَام غير مُبين﴾
стр. 200
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الزخرف ﴿وَإِذا بشر أحدهم بِمَا ضرب للرحمن مثلا﴾ من كَونه سُبْحَانَهُ جعل لنَفسِهِ الْبَنَات وَالْمعْنَى إِذا بشر أحدهم بِأَنَّهَا ولدت لَهُ بنت أغتم لذَلِك وَظهر عَلَيْهِ أَثَره وَهُوَ معنى قَوْله ﴿ظلّ﴾ أَي صَار ﴿وَجهه مسودا﴾ بِسَبَب حُدُوث الْأُنْثَى لَهُ حَيْثُ لم يكن الْحَادِث لَهُ ذكرا مَكَانهَا ﴿وَهُوَ كظيم﴾ شَدِيد الْحزن كثير الكرب مَمْلُوء مِنْهُ ﴿أَو من ينشأ فِي الْحِلْية﴾ النشوء التربي والحلية الزِّينَة وَهِي للْأُنْثَى أَي أيجعلون لله الْأُنْثَى الَّتِي تتربى فِي الزِّينَة لنقصها إِذْ لَو كملت فِي نَفسهَا لما تكملت بالزينة ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَام غير مُبين﴾ أَي عَاجز عَن أَن يقوم بِأَمْر نَفسه وَإِذا خوصم لَا يقدر على إِقَامَة حجَّته وَتَقْرِير دَعْوَاهُ وَدفع مَا يُجَادِل بِهِ خَصمه لنُقْصَان عقله وَضعف رَأْيه
وَفِيه أَنه جعل النشأة فِي الزِّينَة من المعايب فعلى الأولى أَن يجسب ذَلِك قَالَ قَتَادَة قَلما تَكَلَّمت امْرَأَة بحجتها إِلَّا تَكَلَّمت بِالْحجَّةِ عَلَيْهَا قَالَ ابْن عَبَّاس فِي الْآيَة هُوَ النِّسَاء فرق بَين زيهن وزي الرِّجَال ونقصهن من الْمِيرَاث وبالشهادة وأمرهن بالقعدة وسماهن الْخَوَالِف
١٦١ - بَاب مَا نزل فِي دُخُول الْأزْوَاج الْجنَّة مَعَ بعولتهن
﴿الَّذين آمنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسلمين ادخُلُوا الْجنَّة أَنْتُم وأزواجكم تحبرون﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين آمنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسلمين ادخُلُوا الْجنَّة﴾ أَي يُقَال لَهُم ذَلِك ﴿أَنْتُم وأزواجكم﴾ أَي نِسَاؤُكُمْ الْمُؤْمِنَات وَقيل قرناؤهم من الْمُؤمنِينَ
стр. 201
وَقيل زوجاتهم من الْحور الْعين وَلَا مَانع من إِرَادَة الْجَمِيع ﴿تحبرون﴾ تكرمون وتنعمون أَو تفرحون وتسرون أَو تعْجبُونَ وَالْأولَى تَفْسِير ذَلِك بالفرح وَالسُّرُور
١٦٢ - بَاب مَا نزل فِي مُدَّة الرَّضَاع
﴿وَوَصينَا الْإِنْسَان بِوَالِديهِ إحسانا حَملته أمه كرها وَوَضَعته كرها وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا﴾
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْأَحْقَاف ﴿وَوَصينَا الْإِنْسَان بِوَالِديهِ إحسانا﴾ تقدم تَفْسِيرهَا فِي مَحَله ﴿حَملته أمه كرها وَوَضَعته كرها﴾ اقْتصر على الْأُم لِأَن حَقّهَا أعظم وَلذَلِك كَانَ لَهَا ثلثا الْبر قَالَه الْخَطِيب وَإِنَّمَا ذكر حمل الْأُم ووضعها تَأْكِيدًا بِوُجُوب الْإِحْسَان إِلَيْهَا الَّذِي وصّى الله بِهِ أَي إِنَّهَا حَملته ذَات كره وَوَضعه ذَات كره ﴿وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا﴾ أَي عدتهما هَذِه الْمدَّة من عِنْد ابْتِدَاء حمله إِلَى أَن يفصل من الرَّضَاع أَي يفطم عَنهُ
وَقد اسْتدلَّ بِهَذِهِ الْآيَة على أَن أقل مُدَّة الْحمل سِتَّة أشهر لِأَن مُدَّة الرَّضَاع سنتَانِ فَذكر فِي هَذِه الْآيَة أقل مُدَّة الْحمل وَأكْثر مُدَّة الرَّضَاع وَفِي الْآيَة إِشَارَة إِلَى أَن حق الْأُم آكِد من حق الْأَب لِأَنَّهَا حَملته بِمَشَقَّة وَوَضَعته بِمَشَقَّة وأرضعته هَذِه الْمدَّة بتعب وَنصب وَلم يشاركها الْأَب فِي شَيْء من ذَلِك
وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يَقُول إِذا ولدت الْمَرْأَة لتسعة أشهر كفاها من الرَّضَاع وَاحِد وَعِشْرُونَ شهرا وَإِذا ولدت لسبعة أشهر كفاها من الرَّضَاع
стр. 202
ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ شهرا وَإِذا وضعت لسِتَّة أشهر فحولان كاملان لِأَن الله يَقُول ﴿وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا﴾ قلت لَا دَلِيل فِي الْآيَة على هَذَا التَّفْصِيل فِي مُدَّة الرَّضَاع فَلَعَلَّ الدَّال عَلَيْهِ التجريب وَلَا حجَّة فِيهِ
١٦٣ - بَاب مَا نزل فِي إساءة الْوَلَد إِلَى وَالِديهِ
﴿وَالَّذِي قَالَ لوَالِديهِ أُفٍّ لَكمَا أتعدانني أَن أخرج وَقد خلت الْقُرُون من قبلي وهما يستغيثان الله وَيلك آمن إِن وعد الله حق فَيَقُول مَا هَذَا إِلَّا أساطير الْأَوَّلين﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِي قَالَ لوَالِديهِ أُفٍّ لَكمَا﴾ الصَّحِيح أَنه لَيْسَ المُرَاد من الْآيَة شخص معِين بل المُرَاد كل شخص كَانَ مَوْصُوفا بِهَذِهِ الصّفة وَهُوَ كل من دَعَاهُ أَبَوَاهُ إِلَى الدَّين الصَّحِيح وَالْإِيمَان بِالْبَعْثِ فَأبى وَأنكر وَقيل نزلت فِي كل كَافِر عَاق لوَالِديهِ ﴿أتعدانني أَن أخرج﴾ أَي أبْعث بعد الْمَوْت وَهَذَا هُوَ الْمَوْعُود بِهِ ﴿وَقد خلت الْقُرُون من قبلي﴾ وَلم يبْعَث أحد مِنْهُم ﴿وهما يستغيثان الله﴾ لَهُ ويطلبان مِنْهُ التَّوْفِيق إِلَى الْإِيمَان ﴿وَيلك آمن﴾ لَيْسَ المُرَاد بِهِ الدُّعَاء عَلَيْهِ بل الْحَث لَهُ على الْإِيمَان أَي اعْترف بِالْبَعْثِ وَصدقه ﴿إِن وعد الله حق فَيَقُول مَا هَذَا إِلَّا أساطير الْأَوَّلين﴾ أَي أَحَادِيثهم وأباطيلهم الَّتِي يسطرونها فِي الْكتب من غير أَن تكون لَهَا حَقِيقَة إِلَى آخر الْآيَة وفيهَا الْوَعيد عَلَيْهِ
стр. 203
١٦٤ - بَاب مَا نزل فِي اسْتِغْفَار النَّبِي ﷺ للمؤمنات
﴿واستغفر لذنبك وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة مُحَمَّد ﷺ ﴿واستغفر لذنبك﴾ أَن يَقع مِنْك قيل المُرَاد بِهِ الفترات والغفلات عَن الذّكر الَّذِي كَانَ شَأْنه الدَّوَام عَلَيْهِ فَإِذا فتر وغفل عد ذَلِك ذَنبا واستغفر مِنْهُ وَقيل كَانَ استغفاره الدَّوَام عَلَيْهِ فَإِذا فتر وغفل عد ذَلِك ذَنبا واستغفر مِنْهُ وَقيل كَانَ استغفاره شكرا ويأباه قَوْله لذنبك وَقيل الْخطاب لَهُ وَالْمرَاد الْأمة ويأبى هَذَا قَوْله ﴿وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ فَإِن المُرَاد بِهِ استغفاره لذنوب أمته بِالدُّعَاءِ لَهُم بالمغفرة عَمَّا فرط من ذنوبهم وَهَذَا إكرام مِنْهُ سُبْحَانَهُ لهَذِهِ الْأمة حَيْثُ أَمر نبيه ﷺ أَن يسْتَغْفر لذنوبهم وَهُوَ الشَّفِيع المجاب فيهم إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقد وَردت أَحَادِيث فِي استغفاره ﷺ لنَفسِهِ ولأمته وترغيبه فِيهِ جمعتها كتب السّنة من الْأَذْكَار والدعوات وَغَيرهَا
١٦٥ - بَاب مَا نزل فِي تَكْفِير سيئات الْمُؤْمِنَات وتعذيب المنافقات
﴿ليدْخل الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَيكفر عَنْهُم سيئاتهم وَكَانَ ذَلِك عِنْد الله فوزا عَظِيما ويعذب الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْمُشْرِكين والمشركات﴾
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْفَتْح ﴿ليدْخل الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَيكفر عَنْهُم سيئاتهم﴾ أَي يغطيها وَلَا يظهرها وَلَا يعذبهم بهَا
стр. 204
﴿وَكَانَ ذَلِك عِنْد الله فوزا عَظِيما﴾ أَي ظفرا بِكُل مَطْلُوب وَنَجَاة من كل غم وجلبا لكل نفع ودفعا لكل ضرّ ﴿ويعذب الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْمُشْرِكين والمشركات﴾ فِي الدُّنْيَا بإيصال الهموم والغموم إِلَيْهِم بِسَبَب علو كلمة الْإِسْلَام وَظُهُور الْمُسلمين وقهر الْمُخَالفين لَهُ وَفِي الْآخِرَة بِعَذَاب جَهَنَّم والنفاق أَشد على الْمُؤمنِينَ من الْكفْر فَلذَلِك قدم الْمُنَافِقين على الْمُشْركين
١٦٦ - بَاب مَا نزل فِي ذمّ سخرية النِّسَاء بَينهُنَّ
﴿وَلَا نسَاء من نسَاء عَسى أَن يكن خيرا مِنْهُنَّ﴾
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الحجرات ﴿وَلَا نسَاء من نسَاء عَسى أَن يكن﴾ المسخور بِهن ﴿خيرا مِنْهُنَّ﴾ يَعْنِي من الساخرات بِهن أفرد النِّسَاء بِالذكر لِأَن السخرية مِنْهُنَّ أَكثر قَالَ ابْن عَبَّاس نزلت فِي صَفِيَّة بنت حييّ قَالَ لَهَا بعض نسَاء النَّبِي ﷺ يَهُودِيَّة بنت يَهُودِيّ وَالِاعْتِبَار بِعُمُوم اللَّفْظ لَا بِخُصُوص السَّبَب
١٦٧ - بَاب مَا نزل فِي كَرَامَة التَّقْوَى فِي الذّكر وَالْأُنْثَى
﴿يَا أَيهَا النَّاس إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ من ذكر وَأُنْثَى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ من ذكر وَأُنْثَى﴾ هما آدم وحواء
стр. 205
الْمَقْصُود أَنهم متساوون لاتصالهم بِنسَب وَاحِد وكونهم يجمعهُمْ أَب وَاحِد وَأم وَاحِدَة وَأَنه لَا مَوضِع للتفاخر بَينهم بالأنساب فَالْكل سَوَاء
وَعَن الزُّهْرِيّ قَالَ أَمر رَسُول الله ﷺ بني بياضة أَن يزوجوا أَبَا هِنْد امْرَأَة مِنْهُم فَقَالُوا يَا رَسُول الله أنزوج بناتنا موالينا فَنزلت هَذِه الْآيَة أخرجه أَبُو دَاوُد فِي مراسيله وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ﴿وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا﴾ أَي ليعرف بَعْضكُم بَعْضًا وينتسب كل وَاحِد مِنْكُم إِلَى نسبه وَلَا يعتزي إِلَى غَيره ويصل رَحمَه لَا للتفاخر بأنسابهم وَأَن هَذَا الشّعب أفضل من هَذَا الشّعب وَهَذِه الْقَبِيلَة أكْرم من هَذِه الْقَبِيلَة وَهَذَا الْبَطن أشرف من هَذَا الْبَطن وَإِنَّمَا الْفَخر بالتقوى كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم﴾ فَمن تلبس بهَا فَهُوَ الْمُسْتَحق لِأَن يكون أكْرم مِمَّن لم يتلبس بهَا وأشرف وَأفضل فدعوا مَا أَنْتُم فِيهِ من التفاخر فِي الْأَنْسَاب فَإِن ذَلِك لَا يُوجب كرما وَلَا يثبت شرفا وَلَا يَقْتَضِي فضلا
١٦٨ - بَاب مَا نزل فِي تبشير الْمَلَائِكَة إِبْرَاهِيم بِولد حَال كَونه شَيخا كَبِيرا وَامْرَأَته عَجُوز عقيم
﴿وبشروه بِغُلَام عليم فَأَقْبَلت امْرَأَته فِي صرة فصكت وَجههَا وَقَالَت عَجُوز عقيم قَالُوا كَذَلِك قَالَ رَبك﴾
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الذاريات فِي قصَّة ضيف إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام
стр. 206
﴿وبشروه بِغُلَام﴾ وَهُوَ إِسْحَاق ﴿عليم﴾ يكمل علمه إِذا بلغ ﴿فَأَقْبَلت امْرَأَته﴾ أَي سارة ﵍ ﴿فِي صرة﴾ أَي جَاءَت صائحة لِأَنَّهَا لما بشرت بِالْوَلَدِ وجدت حرارة الدَّم أَي دم الْحيض وَقيل الصرة الْجَمَاعَة وَقيل الشدَّة من حَرْب أَو غَيرهَا وَقيل إِنَّه الرنة والتأوه ﴿فصكت وَجههَا﴾ أَي ضربت بِيَدِهَا مبسوطة على وَجههَا كَمَا جرت بذلك عَادَة النِّسَاء عِنْد التَّعَجُّب قَالَ مقَاتل وَغَيره جمعت أصابعها فَضربت جبينها تَعَجبا وَقَالَ ابْن عَبَّاس لطمت ﴿وَقَالَت عَجُوز عقيم﴾ استبعدت ذَلِك لكبر سنّهَا ولكونها عقيما لَا تَلد ﴿قَالُوا﴾ أَي الْمَلَائِكَة ﴿كَذَلِك﴾ أَي كَمَا قُلْنَا لَك وأخبرناك ﴿قَالَ رَبك﴾ فَلَا تشكي فِي ذَلِك وَلَا تعجبي مِنْهُ فَإِن مَا أَرَادَ الله كَائِن لَا محَالة وَقد كَانَت إِذْ ذَاك بنت تسع وَتِسْعين سنة وَإِبْرَاهِيم ابْن مائَة سنة وَكَانَ بَين التبشير والولادة سنة
١٦٩ - بَاب مَا نزل فِي أجنة الْبُطُون وَالنَّهْي عَن تَزْكِيَة النَّفس
﴿هُوَ أعلم بكم إِذْ أنشأكم من الأَرْض وَإِذ أَنْتُم أجنة فِي بطُون أُمَّهَاتكُم فَلَا تزكوا أَنفسكُم﴾
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة النَّجْم ﴿هُوَ أعلم بكم إِذْ أنشأكم من الأَرْض﴾ أَي حِين خَلقكُم مِنْهَا فِي ضمن خلق أبيكم وحينما صوركُمْ فِي الْأَرْحَام ﴿وَإِذ أَنْتُم أجنة﴾ جمع جَنِين وَهُوَ الْوَلَد مَا دَامَ فِي الْبَطن سمي بذلك لاجتنانه أَي استتاره فِي بطن أمه وَلذَا قَالَ ﴿فِي بطُون أُمَّهَاتكُم﴾ فَلَا يُسمى من خرج من الْبَطن جَنِينا
стр. 207
﴿فَلَا تزكوا أَنفسكُم﴾ أَي لَا تمدحوها وَلَا تثنوا عَلَيْهَا خيرا فَإِن ترك تَزْكِيَة النَّفس أبعد من الرِّيَاء وَأقرب إِلَى الْخُشُوع
١٧٠ - بَاب مَا نزل فِي النُّور السَّاعِي بَين يَدي الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات
﴿يَوْم ترى الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات يسْعَى نورهم بَين أَيْديهم وبأيمانهم بشراكم الْيَوْم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا ذَلِك هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم يَوْم يَقُول المُنَافِقُونَ والمنافقات للَّذين آمنُوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارْجعُوا وراءكم فالتمسوا نورا﴾
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْحَدِيد ﴿يَوْم ترى الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات يسْعَى نورهم﴾ أَي نور التَّوْحِيد والطاعات ﴿بَين أَيْديهم وبأيمانهم﴾ وَذَلِكَ على الصِّرَاط يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ دليلهم إِلَى الْجنَّة ﴿بشراكم الْيَوْم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا ذَلِك هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾ لَا يقدر قدره حَتَّى كَأَنَّهُ لَا فوز غَيره وَلَا اعْتِدَاد بِمَا سواهُ ﴿يَوْم يَقُول المُنَافِقُونَ والمنافقات للَّذين آمنُوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارْجعُوا وراءكم﴾ أَي الْموضع الَّذِي أَخذنَا مِنْهُ النُّور ﴿فالتمسوا نورا﴾ أَي اطْلُبُوا هُنَالك وَقيل مَعْنَاهُ إرجعوا إِلَى الدُّنْيَا فالتمسوه بِمَا التمسنا بِهِ من الْإِيمَان والأعمال الصَّالِحَة وَقيل أَرَادوا بِهِ الظلمَة تهكما بهم وَالله أعلم
стр. 208
١٧١ - بَاب مَا نزل فِي المصدقين والمصدقات
﴿إِن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يُضَاعف لَهُم وَلَهُم أجر كريم﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿إِن المصدقين والمصدقات﴾ قرىء بِالتَّاءِ وبعدمها فَالْأول من الصَّدَقَة وَالثَّانِي من الصدْق ﴿وأقرضوا الله قرضا حسنا﴾ وَهُوَ عبارَة عَن الْإِنْفَاق فِي سَبِيل الله مَعَ خلوص نِيَّة وَصِحَّة قصد واحتساب أجر ﴿يُضَاعف لَهُم﴾ أَي ثوابهم ﴿وَلَهُم أجر كريم﴾ وَهُوَ الْجنَّة
١٧٢ - بَاب مَا نزل فِي الظِّهَار وكفارته
﴿قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك فِي زَوجهَا وتشتكي إِلَى الله وَالله يسمع تحاوركما إِن الله سميع بَصِير الَّذين يظاهرون مِنْكُم من نِسَائِهِم مَا هن أمهاتهم إِن أمهاتهم إِلَّا اللائي ولدنهم وَإِنَّهُم ليقولون مُنْكرا من القَوْل وزورا وَإِن الله لعفو غَفُور وَالَّذين يظاهرون من نِسَائِهِم ثمَّ يعودون لما قَالُوا فَتَحْرِير رَقَبَة من قبل أَن يتماسا ذَلِكُم توعظون بِهِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير فَمن لم يجد فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين من قبل أَن يتماسا فَمن لم يسْتَطع فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا﴾
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة المجادلة ﴿قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك فِي زَوجهَا﴾
стр. 209
وتشتكي إِلَى الله وَالله يسمع تحاوركما) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ نزلت فِي خَوْلَة بنت ثَعْلَبَة وَزوجهَا أَوْس بن الصَّامِت وَكَانَ بِهِ لمَم فَاشْتَدَّ بِهِ لممه ذَات يَوْم فَظَاهر مِنْهَا ثمَّ نَدم على ذَلِك وَكَانَ الظِّهَار طَلَاقا فِي الْجَاهِلِيَّة وَقيل هِيَ خَوْلَة بنت حَكِيم وَاسْمهَا جميله وَالْأول أصح
رُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب مر بهَا فِي زمن خِلَافَته وَهُوَ على حمَار وَالنَّاس حوله فاستوقفته ووعظته فَقيل لَهُ أتقف لهَذِهِ الْعَجُوز هَذَا الْموقف فَقَالَ أَتَدْرُونَ من هَذِه الْعَجُوز هِيَ خوله بنت ثَعْلَبَة سمع الله قَوْلهَا من فَوق سبع سموات أيسمع رب الْعَالمين قَوْلهَا وَلَا يسمعهُ عمر
وَقد أخرج ابْن ماجة وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهم عَن عَائِشَة قَالَت تبَارك الَّذِي وسع سَمعه كل شَيْء إِنِّي لأسْمع كَلَام خَوْلَة بنت ثَعْلَبَة ويخفي عَليّ بعضه وَهِي تَشْتَكِي زَوجهَا إِلَى رَسُول الله ﷺ وَهِي تَقول يَا رَسُول الله أكل شَبَابِي وَنَثَرت لَهُ بَطْني حَتَّى إِذا كبر سني وَانْقطع وَلَدي ظَاهر مني اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْك قَالَت فَمَا بَرحت حَتَّى نزل جِبْرِيل ﵇ بهؤلاء الْآيَات
وَأخرج أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَابْن الْمُنْذر وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق يُوسُف ابْن عبد الله قَالَ حَدَّثتنِي خوله بنت ثَعْلَبه قَالَت فِي وَالله وَفِي أَوْس بن الصَّامِت أنزل الله صدر سُورَة المجادلة قَالَت كنت عِنْده وَكَانَ شَيخا كَبِيرا قد سَاءَ خلقه فَدخل عَليّ يَوْمًا فراجعته بِشَيْء فَغَضب فَقَالَ أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي ثمَّ رَجَعَ فَجَلَسَ فِي نَادِي قومه سَاعَة ثمَّ دخل عَليّ فَإِذا هُوَ يراودني عَن نَفسِي قلت كلا وَالَّذِي نفس خوله بِيَدِهِ لَا تصل إِلَيّ وَقد قلت مَا
стр. 210
قلت حَتَّى يحكم الله وَرَسُوله فِينَا ثمَّ جِئْت إِلَى رَسُول الله ﷺ فَذكرت ذَلِك لَهُ فَمَا بَرحت حَتَّى نزل الْقُرْآن فتغشى رَسُول الله ﷺ مَا كَانَ يتغشاه ثمَّ سري عَنهُ فَقَالَ لي يَا خَوْلَة قد أنزل الله فِيك وَفِي صَاحبك ثمَّ قَرَأَ عَليّ ﴿قد سمع﴾ إِلَى قَوْله ﴿عَذَاب أَلِيم﴾ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ مريه فليعتق رَقَبَة قلت يَا رَسُول الله مَا عِنْده مَا يعْتق قَالَ فليصم شَهْرَيْن مُتَتَابعين قلت وَالله أَنه لشيخ كَبِير مَا بِهِ من صِيَام قَالَ فليطعم سِتِّينَ مِسْكينا وسْقا من تمر قلت وَالله مَا ذَاك عِنْده قَالَ رَسُول الله ﷺ فَأَنا سأعينه بعرق من تمر فَقلت وَأَنا يَا رَسُول الله سأعينه بآخر قَالَ قد أصبت وأحسنت فاذهبي وتصدقي بِهِ ثمَّ استوصي بِابْن عمك خيرا قَالَت فَفعلت وَفِي الْبَاب أَحَادِيث ﴿الَّذين يظاهرون﴾ الظِّهَار شرعا أَن يَقُول الرجل لامْرَأَته أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي وَأَنت مني أَو معي أَو عِنْدِي كَظهر أُمِّي وَلَا خلاف فِي كَون هَذَا ظِهَارًا فَإِن قَالَ كَظهر ابْنَتي أَو أُخْتِي وَنَحْوهمَا من ذَوَات الْمَحَارِم فَذهب مَالك وَأَبُو حنيفَة إِلَى أَنه ظِهَار وَقَالَ قوم بل يخْتَص الظِّهَار بِالْأُمِّ وَحدهَا وَالظَّاهِر أَنه إِذا قصد بذلك وَبِقَوْلِهِ أَنْت عَليّ كرأس أُمِّي أَو يَدهَا أَو رجلهَا أَو نَحْو ذَلِك الظِّهَار كَانَ ظِهَارًا ﴿مِنْكُم من نِسَائِهِم مَا هن أمهاتهم إِن أمهاتهم إِلَّا اللائي ولدنهم﴾ والمرضعات ملحقات بِهن بِوَاسِطَة الرَّضَاع وَكَذَا أَزوَاج النَّبِي ﷺ لزِيَادَة حرمتهن وَأما الزَّوْجَات فأبعد شَيْء من الأمومة ﴿وَإِنَّهُم ليقولون مُنْكرا من القَوْل وزورا وَإِن الله لعفو غَفُور﴾ إِذْ جعل الْكَفَّارَة عَلَيْهِم مخلصة لَهُم من هَذَا الْكَذِب ﴿وَالَّذين يظاهرون من نِسَائِهِم ثمَّ يعودون لما قَالُوا﴾ اخْتلف فِي تَفْسِير الْعود على أَقْوَال فَقيل هُوَ الْعَزْم على الْوَطْء وَقيل هُوَ الْوَطْء نَفسه وَقيل هُوَ تَكْرِير الظِّهَار
стр. 211
بِلَفْظِهِ وَقيل هُوَ الْعود إِلَيْهِ بِالنَّقْضِ وَالرَّفْع والإزالة وَإِلَى هَذَا الِاحْتِمَال ذهب أَكثر الْمُجْتَهدين وَقيل هُوَ السُّكُوت عَن الطَّلَاق بعد الظِّهَار وَقيل النَّدَم فيرجعون إِلَى الألفة ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة من قبل أَن يتماسا﴾ التمَاس هُنَا الْجِمَاع فَلَا يجوز لَهُ الْوَطْء حَتَّى يكفر قَالَ ابْن عَبَّاس أَتَى رجل النَّبِي ﷺ فَقَالَ إِنِّي ظَاهَرت من امْرَأَتي ثمَّ رَأَيْت بَيَاض خلْخَالهَا فِي ضوء الْقَمَر فَوَقَعت عَلَيْهَا قبل أَن أكفر فَقَالَ النَّبِي ﷺ ألم يقل الله من قبل أَن يتماسا قَالَ قد فعلت يَا رَسُول الله قَالَ أمسك عَنْهَا حَتَّى تكفر وَأخرج نَحوه أهل السّنَن وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَنهُ
ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿فَمن لم يجد﴾ الرَّقَبَة فِي ملكه وَلَا تمكن من قيمتهَا ﴿فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين﴾ لَا يفْطر فيهمَا فَإِن أفطر اسْتَأْنف إِن كَانَ لغير عذر وَإِن كَانَ لعذر مرض أَو سفر فيبني وَلَا يسْتَأْنف ﴿من قبل أَن يتماسا﴾ فَلَو وطأ لَيْلًا وَنَهَارًا عمدا أَو خطأ اسْتَأْنف ﴿فَمن لم يسْتَطع فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا﴾ لكل مِسْكين مدان وهما نصف صَاع وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَقيل مد وَاحِد وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَالظَّاهِر من الْآيَة أَن يُطعمهُمْ حَتَّى يشبعوا مرّة وَاحِدَة أَو يدْفع إِلَيْهِم مَا يشبعهم وَلَا يلْزمه أَن يجمعهُمْ مرّة وَاحِدَة بل يجوز لَهُ أَن يطعم بعض السِّتين فِي يَوْم وَبَعْضهمْ فِي يَوْم آخر
وَأخرج أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَغَيرهم عَن سَلمَة بن صَخْر الْأنْصَارِيّ قَالَ كنت رجلا قد أُوتيت من جماع النِّسَاء مَا لم يُؤْت غَيْرِي فَلَمَّا دخل رَمَضَان ظَاهَرت من امْرَأَتي حَتَّى يَنْسَلِخ رَمَضَان فرقا من أَن أُصِيب مِنْهَا فِي ليلِي فأتتابع فِي ذَلِك وَلَا
стр. 212
أَسْتَطِيع أَن أنزع حَتَّى يدركني الصُّبْح فَبَيْنَمَا هِيَ تخدمني ذَات لَيْلَة إِذْ انْكَشَفَ لي مِنْهَا شَيْء فَوَثَبت عَلَيْهَا فَلَمَّا أَصبَحت غَدَوْت على قومِي فَأَخْبَرتهمْ خبري فَقلت انْطَلقُوا معي إِلَى رَسُول الله ﷺ فأخبروه بأَمْري فَقَالُوا لَا وَالله لَا نَفْعل نتخوف أَن ينزل فِينَا الْقُرْآن أَو يَقُول فِينَا رَسُول الله ﷺ مقَالَة يبْقى علينا عارا وَلَكِن اذْهَبْ أَنْت فَاصْنَعْ مَا بدا لَك قَالَ فَخرجت فَأتيت رَسُول الله ﷺ فَأَخْبَرته خبري فَقَالَ أَنْت بِذَاكَ قلت أَنا بِذَاكَ قَالَ أَنْت بِذَاكَ قلت أَنا بِذَاكَ قَالَ أَنْت بِذَاكَ قلت أَنا بِذَاكَ وَهَا أَنا ذَا فَامْضِ فِي حكم الله فَإِنِّي صابر لذَلِك قَالَ أعتق رَقَبَة فَضربت عنقِي بيَدي وَقلت لَا وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا أَصبَحت أملك غَيرهَا قَالَ فَصم شَهْرَيْن مُتَتَابعين فَقلت هَل أصابني مَا أصابني إِلَّا فِي الصّيام قَالَ فاطعم سِتِّينَ مِسْكينا قلت وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لقد بتنا ليلتنا هَذِه وحشا مَا لنا عشَاء قَالَ اذْهَبْ إِلَى صَاحب صَدَقَة بني زُرَيْق فَقل لَهُ فليدفعها إِلَيْك فاطعم عَنْك مِنْهَا وسْقا سِتِّينَ مِسْكينا ثمَّ اسْتَعِنْ بسائرها عَلَيْك وعَلى عِيَالك فَرَجَعت إِلَى قومِي فَقلت وجدت عنْدكُمْ الضّيق وَسُوء الرَّأْي وَوجدت عِنْد رَسُول الله ﷺ السعَة وَالْبركَة أَمر لي بصدقتكم فادفعوها إِلَيّ فدفعوها إِلَيْهِ
стр. 213
١٧٣ - بَاب مَا نزل فِي امتحان الْمُهَاجِرَات الْمُؤْمِنَات ونكاحهن
﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فَإِن علمتموهن مؤمنات فَلَا ترجعوهن إِلَى الْكفَّار لَا هن حل لَهُم وَلَا هم يحلونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفقُوا وَلَا جنَاح عَلَيْكُم أَن تنكحوهن إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورهنَّ وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا مَا أنفقتم وليسألوا مَا أَنْفقُوا ذَلِكُم حكم الله يحكم بَيْنكُم وَالله عليم حَكِيم وَإِن فاتكم شَيْء من أزواجكم إِلَى الْكفَّار فعاقبتم فآتوا الَّذين ذهبت أَزوَاجهم مثل مَا أَنْفقُوا﴾
قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الممتحنة ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات مهاجرات﴾ من بَين الْكفَّار وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ لما صَالح قُريْشًا يَوْم الْحُدَيْبِيَة على أَن يرد عَلَيْهِم من جَاءَهُم من الْمُسلمين فَلَمَّا هَاجر إِلَيْهِ النِّسَاء أَبى الله أَن يردهن إِلَى الْمُشْركين وَأمر بامتحانهن فَقَالَ ﴿فامتحنوهن﴾ بِالْحلف هَل هن مسلمات حَقِيقَة أم لَا وَفِي سَبَب النُّزُول رِوَايَات فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا
وَكَانَت أم كُلْثُوم بنت عقبَة بن أبي معيط مِمَّن خرج إِلَى رَسُول الله ﷺ وَهِي عاتق فجَاء أَهلهَا يسْأَلُون رَسُول الله ﷺ أَن يرجعها إِلَيْهِم حَتَّى أنزل الله فِي الْمُؤْمِنَات مَا أنزل رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن الْمسور بن مخرمَة قيل الامتحان أَن تَقول بِالْحلف مَا خرجت إِلَّا حبا لله وَرَسُوله
стр. 214
مَا خرجت لالتماس دنيا وَمن بغض زوج وَقيل أَن تشهد بِالْكَلِمَةِ الطّيبَة وَالْأَكْثَر على دُخُول النِّسَاء فِي الْهُدْنَة فَتكون الْآيَة مخصصة لذَلِك الْعَهْد وعَلى القَوْل بِعَدَمِ الدُّخُول لَا نسخ وَلَا تَخْصِيص ﴿الله أعلم بإيمانهن فَإِن علمتموهن مؤمنات﴾ بِحَسب الظَّاهِر بعد الامتحان ﴿فَلَا ترجعوهن إِلَى الْكفَّار﴾ أَي إِلَى أَزوَاجهنَّ الْكَافرين ﴿لَا هن حل لَهُم وَلَا هم يحلونَ لَهُنَّ﴾ فِيهِ دَلِيل على أَن المؤمنة لَا تحل لكَافِر وَأَن إِسْلَام الْمَرْأَة يُوجب فرقتها من زَوجهَا لَا مُجَرّد هجرتهَا ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفقُوا﴾ أَي عَلَيْهِنَّ من المهور ﴿وَلَا جنَاح عَلَيْكُم أَن تنكحوهن﴾ بعد انْقِضَاء الْعدة ﴿إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ قَالَ أَبُو حنيفَة الْمهْر أجر الْبضْع فَلَا عدَّة على المهاجرة وَالْأول أولى ﴿وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ جمع عصمَة وَالْمرَاد هُنَا عصمَة عقد النِّكَاح والكوافر جمع كَافِرَة وَهِي الَّتِي بقيت فِي دَار الْحَرْب أَو لحقت بهَا مرتدة أَي لَا يكن بَيْنكُم وبينهن عصمَة وَلَا علقَة زوجية وَهَذَا خَاص بالكوافر المشركات دون الكوافر من أهل الْكتاب وَقيل عَامَّة ﴿واسألوا مَا أنفقتم﴾ أَي اطْلُبُوا مُهُور نِسَائِكُم اللاحقات بالكفار مِمَّن تزَوجهَا ﴿وليسألوا مَا أَنْفقُوا﴾ من مُهُور نِسَائِهِم الْمُهَاجِرَات مِمَّن تزَوجهَا إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن فاتكم شَيْء من أزواجكم إِلَى الْكفَّار﴾ مِمَّا دفعتم إِلَيْهِ من مُهُور النِّسَاء المسلمات ﴿فعاقبتم﴾ أَي أصبتموهم فِي الْقِتَال بعقوبة وَقيل غَنِمْتُم ﴿فآتوا الَّذين ذهبت أَزوَاجهم مثل مَا أَنْفقُوا﴾ من مهر المهاجرة الَّتِي تزوجوها ودفعوه إِلَى الْكفَّار وَلَا تؤتوه زَوجهَا الْكَافِر سَوَاء كَانَت الرِّدَّة قبل الدُّخُول أَو بعده قيل هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بعد الْفَتْح وَقيل غير مَنْسُوخَة
стр. 215
١٧٤ - بَاب مَا نزل فِي مبايعة النِّسَاء وأركانها
﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يبايعنك على أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا وَلَا يَسْرِقن وَلَا يَزْنِين وَلَا يقتلن أَوْلَادهنَّ وَلَا يَأْتِين بِبُهْتَان يَفْتَرِينَهُ بَين أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلهنَّ وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف فبايعهن﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يبايعنك﴾ على الْإِسْلَام
أخرج البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا عَن عَائِشَة أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يمْتَحن من هَاجر إِلَيْهِ من الْمُؤْمِنَات بِهَذِهِ الْآيَة إِلَى قَوْله غَفُور رَحِيم فَمن أقرّ بِهَذَا الشَّرْط من الْمُؤْمِنَات قَالَ لَهَا رَسُول الله ﷺ قد بَايَعْتُك كلَاما وَلَا وَالله مَا مست يَده يَد امْرَأَة قطّ من المبايعات مَا بايعهن إِلَّا بقوله قد بَايَعْتُك على ذَلِك ﴿على أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا﴾ هَذَا كَانَ يَوْم فتح مَكَّة أتين يبايعنه ﴿وَلَا يَسْرِقن وَلَا يَزْنِين وَلَا يقتلن أَوْلَادهنَّ﴾ كَمَا كَانَت تَفْعَلهُ الْجَاهِلِيَّة من وأد الْبَنَات ﴿وَلَا يَأْتِين بِبُهْتَان يَفْتَرِينَهُ بَين أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلهنَّ﴾ أَي لَا يلحقن بأزواجهن ولدا لَيْسَ مِنْهُم قَالَ ابْن عَبَّاس كَانَت الْحرَّة تولد لَهَا الْجَارِيَة فتجعل مَكَانهَا غُلَاما ﴿وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف﴾ أَي فِي كل مَا هُوَ طَاعَة لله وإحسان إِلَى النَّاس وكل مَا نهى عَنهُ الشَّرْع قَالَ المقاتلان عني بِالْمَعْرُوفِ النَّهْي عَن النوح وتمزيق الثِّيَاب وجز الشّعْر وشق الْجُيُوب وخمش الْوُجُوه وَالدُّعَاء بِالْوَيْلِ وَمعنى الْقُرْآن أوسع مِمَّا قَالَاه
следующие страницы →