← Фикх общий

Фикх общий · id 3485

حسن الأسوة بما ثبت من الله ورسوله في النسوة

صديق حسن خان

Полный текст (575 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بِلَفْظِهِ وَقيل هُوَ الْعود إِلَيْهِ بِالنَّقْضِ وَالرَّفْع والإزالة وَإِلَى هَذَا الِاحْتِمَال ذهب أَكثر الْمُجْتَهدين وَقيل هُوَ السُّكُوت عَن الطَّلَاق بعد الظِّهَار وَقيل النَّدَم فيرجعون إِلَى الألفة ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة من قبل أَن يتماسا﴾ التمَاس هُنَا الْجِمَاع فَلَا يجوز لَهُ الْوَطْء حَتَّى يكفر قَالَ ابْن عَبَّاس أَتَى رجل النَّبِي ﷺ فَقَالَ إِنِّي ظَاهَرت من امْرَأَتي ثمَّ رَأَيْت بَيَاض خلْخَالهَا فِي ضوء الْقَمَر فَوَقَعت عَلَيْهَا قبل أَن أكفر فَقَالَ النَّبِي ﷺ ألم يقل الله من قبل أَن يتماسا قَالَ قد فعلت يَا رَسُول الله قَالَ أمسك عَنْهَا حَتَّى تكفر وَأخرج نَحوه أهل السّنَن وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَنهُ ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿فَمن لم يجد﴾ الرَّقَبَة فِي ملكه وَلَا تمكن من قيمتهَا ﴿فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين﴾ لَا يفْطر فيهمَا فَإِن أفطر اسْتَأْنف إِن كَانَ لغير عذر وَإِن كَانَ لعذر مرض أَو سفر فيبني وَلَا يسْتَأْنف ﴿من قبل أَن يتماسا﴾ فَلَو وطأ لَيْلًا وَنَهَارًا عمدا أَو خطأ اسْتَأْنف ﴿فَمن لم يسْتَطع فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا﴾ لكل مِسْكين مدان وهما نصف صَاع وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَقيل مد وَاحِد وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَالظَّاهِر من الْآيَة أَن يُطعمهُمْ حَتَّى يشبعوا مرّة وَاحِدَة أَو يدْفع إِلَيْهِم مَا يشبعهم وَلَا يلْزمه أَن يجمعهُمْ مرّة وَاحِدَة بل يجوز لَهُ أَن يطعم بعض السِّتين فِي يَوْم وَبَعْضهمْ فِي يَوْم آخر وَأخرج أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَغَيرهم عَن سَلمَة بن صَخْر الْأنْصَارِيّ قَالَ كنت رجلا قد أُوتيت من جماع النِّسَاء مَا لم يُؤْت غَيْرِي فَلَمَّا دخل رَمَضَان ظَاهَرت من امْرَأَتي حَتَّى يَنْسَلِخ رَمَضَان فرقا من أَن أُصِيب مِنْهَا فِي ليلِي فأتتابع فِي ذَلِك وَلَا

стр. 212

أَسْتَطِيع أَن أنزع حَتَّى يدركني الصُّبْح فَبَيْنَمَا هِيَ تخدمني ذَات لَيْلَة إِذْ انْكَشَفَ لي مِنْهَا شَيْء فَوَثَبت عَلَيْهَا فَلَمَّا أَصبَحت غَدَوْت على قومِي فَأَخْبَرتهمْ خبري فَقلت انْطَلقُوا معي إِلَى رَسُول الله ﷺ فأخبروه بأَمْري فَقَالُوا لَا وَالله لَا نَفْعل نتخوف أَن ينزل فِينَا الْقُرْآن أَو يَقُول فِينَا رَسُول الله ﷺ مقَالَة يبْقى علينا عارا وَلَكِن اذْهَبْ أَنْت فَاصْنَعْ مَا بدا لَك قَالَ فَخرجت فَأتيت رَسُول الله ﷺ فَأَخْبَرته خبري فَقَالَ أَنْت بِذَاكَ قلت أَنا بِذَاكَ قَالَ أَنْت بِذَاكَ قلت أَنا بِذَاكَ قَالَ أَنْت بِذَاكَ قلت أَنا بِذَاكَ وَهَا أَنا ذَا فَامْضِ فِي حكم الله فَإِنِّي صابر لذَلِك قَالَ أعتق رَقَبَة فَضربت عنقِي بيَدي وَقلت لَا وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا أَصبَحت أملك غَيرهَا قَالَ فَصم شَهْرَيْن مُتَتَابعين فَقلت هَل أصابني مَا أصابني إِلَّا فِي الصّيام قَالَ فاطعم سِتِّينَ مِسْكينا قلت وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لقد بتنا ليلتنا هَذِه وحشا مَا لنا عشَاء قَالَ اذْهَبْ إِلَى صَاحب صَدَقَة بني زُرَيْق فَقل لَهُ فليدفعها إِلَيْك فاطعم عَنْك مِنْهَا وسْقا سِتِّينَ مِسْكينا ثمَّ اسْتَعِنْ بسائرها عَلَيْك وعَلى عِيَالك فَرَجَعت إِلَى قومِي فَقلت وجدت عنْدكُمْ الضّيق وَسُوء الرَّأْي وَوجدت عِنْد رَسُول الله ﷺ السعَة وَالْبركَة أَمر لي بصدقتكم فادفعوها إِلَيّ فدفعوها إِلَيْهِ

стр. 213

١٧٣ - بَاب مَا نزل فِي امتحان الْمُهَاجِرَات الْمُؤْمِنَات ونكاحهن ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فَإِن علمتموهن مؤمنات فَلَا ترجعوهن إِلَى الْكفَّار لَا هن حل لَهُم وَلَا هم يحلونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفقُوا وَلَا جنَاح عَلَيْكُم أَن تنكحوهن إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورهنَّ وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا مَا أنفقتم وليسألوا مَا أَنْفقُوا ذَلِكُم حكم الله يحكم بَيْنكُم وَالله عليم حَكِيم وَإِن فاتكم شَيْء من أزواجكم إِلَى الْكفَّار فعاقبتم فآتوا الَّذين ذهبت أَزوَاجهم مثل مَا أَنْفقُوا﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الممتحنة ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات مهاجرات﴾ من بَين الْكفَّار وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ لما صَالح قُريْشًا يَوْم الْحُدَيْبِيَة على أَن يرد عَلَيْهِم من جَاءَهُم من الْمُسلمين فَلَمَّا هَاجر إِلَيْهِ النِّسَاء أَبى الله أَن يردهن إِلَى الْمُشْركين وَأمر بامتحانهن فَقَالَ ﴿فامتحنوهن﴾ بِالْحلف هَل هن مسلمات حَقِيقَة أم لَا وَفِي سَبَب النُّزُول رِوَايَات فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا وَكَانَت أم كُلْثُوم بنت عقبَة بن أبي معيط مِمَّن خرج إِلَى رَسُول الله ﷺ وَهِي عاتق فجَاء أَهلهَا يسْأَلُون رَسُول الله ﷺ أَن يرجعها إِلَيْهِم حَتَّى أنزل الله فِي الْمُؤْمِنَات مَا أنزل رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن الْمسور بن مخرمَة قيل الامتحان أَن تَقول بِالْحلف مَا خرجت إِلَّا حبا لله وَرَسُوله

стр. 214

مَا خرجت لالتماس دنيا وَمن بغض زوج وَقيل أَن تشهد بِالْكَلِمَةِ الطّيبَة وَالْأَكْثَر على دُخُول النِّسَاء فِي الْهُدْنَة فَتكون الْآيَة مخصصة لذَلِك الْعَهْد وعَلى القَوْل بِعَدَمِ الدُّخُول لَا نسخ وَلَا تَخْصِيص ﴿الله أعلم بإيمانهن فَإِن علمتموهن مؤمنات﴾ بِحَسب الظَّاهِر بعد الامتحان ﴿فَلَا ترجعوهن إِلَى الْكفَّار﴾ أَي إِلَى أَزوَاجهنَّ الْكَافرين ﴿لَا هن حل لَهُم وَلَا هم يحلونَ لَهُنَّ﴾ فِيهِ دَلِيل على أَن المؤمنة لَا تحل لكَافِر وَأَن إِسْلَام الْمَرْأَة يُوجب فرقتها من زَوجهَا لَا مُجَرّد هجرتهَا ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفقُوا﴾ أَي عَلَيْهِنَّ من المهور ﴿وَلَا جنَاح عَلَيْكُم أَن تنكحوهن﴾ بعد انْقِضَاء الْعدة ﴿إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ قَالَ أَبُو حنيفَة الْمهْر أجر الْبضْع فَلَا عدَّة على المهاجرة وَالْأول أولى ﴿وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ جمع عصمَة وَالْمرَاد هُنَا عصمَة عقد النِّكَاح والكوافر جمع كَافِرَة وَهِي الَّتِي بقيت فِي دَار الْحَرْب أَو لحقت بهَا مرتدة أَي لَا يكن بَيْنكُم وبينهن عصمَة وَلَا علقَة زوجية وَهَذَا خَاص بالكوافر المشركات دون الكوافر من أهل الْكتاب وَقيل عَامَّة ﴿واسألوا مَا أنفقتم﴾ أَي اطْلُبُوا مُهُور نِسَائِكُم اللاحقات بالكفار مِمَّن تزَوجهَا ﴿وليسألوا مَا أَنْفقُوا﴾ من مُهُور نِسَائِهِم الْمُهَاجِرَات مِمَّن تزَوجهَا إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن فاتكم شَيْء من أزواجكم إِلَى الْكفَّار﴾ مِمَّا دفعتم إِلَيْهِ من مُهُور النِّسَاء المسلمات ﴿فعاقبتم﴾ أَي أصبتموهم فِي الْقِتَال بعقوبة وَقيل غَنِمْتُم ﴿فآتوا الَّذين ذهبت أَزوَاجهم مثل مَا أَنْفقُوا﴾ من مهر المهاجرة الَّتِي تزوجوها ودفعوه إِلَى الْكفَّار وَلَا تؤتوه زَوجهَا الْكَافِر سَوَاء كَانَت الرِّدَّة قبل الدُّخُول أَو بعده قيل هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بعد الْفَتْح وَقيل غير مَنْسُوخَة

стр. 215

١٧٤ - بَاب مَا نزل فِي مبايعة النِّسَاء وأركانها ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يبايعنك على أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا وَلَا يَسْرِقن وَلَا يَزْنِين وَلَا يقتلن أَوْلَادهنَّ وَلَا يَأْتِين بِبُهْتَان يَفْتَرِينَهُ بَين أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلهنَّ وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف فبايعهن﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يبايعنك﴾ على الْإِسْلَام أخرج البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا عَن عَائِشَة أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يمْتَحن من هَاجر إِلَيْهِ من الْمُؤْمِنَات بِهَذِهِ الْآيَة إِلَى قَوْله غَفُور رَحِيم فَمن أقرّ بِهَذَا الشَّرْط من الْمُؤْمِنَات قَالَ لَهَا رَسُول الله ﷺ قد بَايَعْتُك كلَاما وَلَا وَالله مَا مست يَده يَد امْرَأَة قطّ من المبايعات مَا بايعهن إِلَّا بقوله قد بَايَعْتُك على ذَلِك ﴿على أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا﴾ هَذَا كَانَ يَوْم فتح مَكَّة أتين يبايعنه ﴿وَلَا يَسْرِقن وَلَا يَزْنِين وَلَا يقتلن أَوْلَادهنَّ﴾ كَمَا كَانَت تَفْعَلهُ الْجَاهِلِيَّة من وأد الْبَنَات ﴿وَلَا يَأْتِين بِبُهْتَان يَفْتَرِينَهُ بَين أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلهنَّ﴾ أَي لَا يلحقن بأزواجهن ولدا لَيْسَ مِنْهُم قَالَ ابْن عَبَّاس كَانَت الْحرَّة تولد لَهَا الْجَارِيَة فتجعل مَكَانهَا غُلَاما ﴿وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف﴾ أَي فِي كل مَا هُوَ طَاعَة لله وإحسان إِلَى النَّاس وكل مَا نهى عَنهُ الشَّرْع قَالَ المقاتلان عني بِالْمَعْرُوفِ النَّهْي عَن النوح وتمزيق الثِّيَاب وجز الشّعْر وشق الْجُيُوب وخمش الْوُجُوه وَالدُّعَاء بِالْوَيْلِ وَمعنى الْقُرْآن أوسع مِمَّا قَالَاه

стр. 216

أخرج أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن أُمَيْمَة بنت رقيقَة قَالَت أتيت النَّبِي ﷺ فِي نسَاء لنبايعة فَأخذ علينا مَا فِي الْقُرْآن أَن لَا نشْرك بِاللَّه شَيْئا حَتَّى بلغ وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف فَقَالَ فِيمَا استطتعن وأطقتن فَقُلْنَا الله وَرَسُوله أرْحم بِنَا من أَنْفُسنَا يَا رَسُول الله أَلا تصافحنا قَالَ إِنِّي لَا أُصَافح النِّسَاء إِنَّمَا قولي لمِائَة امْرَأَة كَقَوْلي لامْرَأَة وَاحِدَة وَفِي الْبَاب أَحَادِيث ﴿فبايعهن﴾ أَي الْتزم لَهُنَّ مَا وعدناهن بِهِ على ذَلِك من إِعْطَاء الثَّوَاب فِي نَظِير مَا ألزمن أَنْفسهنَّ من الطَّاعَات فَهِيَ مبايعة لغوية قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَجُمْلَة من أحصي من المبايعات إِذْ ذَاك أَرْبَعمِائَة وَسبع وَخَمْسُونَ امْرَأَة وَلم يُصَافح فِي الْبيعَة امْرَأَة وَإِنَّمَا بايعهن بالْكلَام بِهَذِهِ الْآيَة وَهَذِه الْبيعَة الثَّابِتَة بِالسنةِ فِي دين الْإِسْلَام فَمن أنكرها فقد أنكر الْقُرْآن وَالْأَمر للْوُجُوب عِنْد الطّلب مِنْهُنَّ وَهَكَذَا ثَبت ذَلِك فِي الرِّجَال وَهِي على أَنْوَاع بيعَة الْجِهَاد وبيعة ترك السُّؤَال وبيعة قبُول الْإِسْلَام وبيعة عدم الْفِرَار من الزَّحْف وَحج رَسُول الله ﷺ وَمَعَهُ مائَة ألف وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ نفسا كلهم من الْمُبَايِعين وبيعة الصُّوفِيَّة الْيَوْم إِذا وَافَقت إِحْدَى صور الْبيعَة المأثورة فَهِيَ السّنة وَإِذا خَالَفت فَأَيْنَ هَذَا من ذَاك ١٧٥ - بَاب مَا نزل فِي عَدَاوَة الزَّوْجَات وَالْأَوْلَاد للأزواج ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن من أزواجكم وَأَوْلَادكُمْ عدوا لكم فاحذروهم وَإِن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فَإِن الله غَفُور رَحِيم إِنَّمَا أَمْوَالكُم وَأَوْلَادكُمْ فتْنَة﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة التغابن ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن من أزواجكم﴾

стр. 217

يدْخل فِيهِ الذّكر وَالْأُنْثَى ﴿وَأَوْلَادكُمْ عدوا لكم﴾ يَعْنِي أَنهم يعادونكم ويشغلونكم عَن الْخَيْر وَعَن طَاعَة الله أَو يخاصمونكم فِي أَمر الدَّين وَالدُّنْيَا ﴿فاحذروهم﴾ أَن تطيعوهم فِي التَّخَلُّف عَن الْخَيْر قَالَ مُجَاهِد مَا عادوهم فِي الدُّنْيَا وَلَكِن حملتهم مَوَدَّتهمْ على أَن اتَّخذُوا لَهُم الْحَرَام فأعطوهم إِيَّاه ﴿وَإِن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ عَن إِبْنِ عَبَّاس قَالَ هَؤُلَاءِ رجال أَسْلمُوا من أهل مَكَّة وَأَرَادُوا أَن يَأْتُوا النَّبِي ﷺ فَأبى أَزوَاجهم وَأَوْلَادهمْ أَن يَأْتُوا النَّبِي ﷺ فَلَمَّا أَتَوا رَسُول الله ﷺ رَأَوْا النَّاس قد فقهوا فِي الدَّين فَهموا بِأَن يعاقبوهم فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة أخرجه التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح ﴿أَنما أَمْوَالكُم وَأَوْلَادكُمْ فتْنَة﴾ أَي بلَاء واختبار وشغل عَن الْآخِرَة ومحنة يحملونكم على كسب الْحَرَام وتناوله وَمنع حق الله والوقوع فِي العظائم وغصب مَال الْغَيْر وَأكل الْبَاطِل وَنَحْو ذَلِك فَلَا تطيعوهم فِي مَعْصِيّة الله وَعَن بُرَيْدَة قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ يخْطب فَأقبل الْحسن وَالْحُسَيْن وَعَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ يمشيان ويعثران فَنزل رَسُول الله ﷺ من الْمِنْبَر فحملهما وَاحِدًا من ذَا الشق وواحدا من ذَا الشق ثمَّ صعد الْمِنْبَر فَقَالَ صدق الله الْعَظِيم ﴿أَنما أَمْوَالكُم وَأَوْلَادكُمْ فتْنَة﴾ إِنِّي لما نظرت إِلَى هذَيْن الغلامين يمشيان ويعثران لم أَصْبِر أَن قطعت كَلَامي وَنزلت إِلَيْهِمَا أخرجه أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه وَابْن أبي شيبَة

стр. 218

١٧٦ - بَاب مَا نزل فِي طَلَاق النسْوَة لعدتهن ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا الْعدة وَاتَّقوا الله ربكُم لَا تخرجوهن من بُيُوتهنَّ وَلَا يخْرجن إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة وَتلك حُدُود الله وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظلم نَفسه لَا تَدْرِي لَعَلَّ الله يحدث بعد ذَلِك أمرا فَإِذا بلغن أَجلهنَّ فأمسكوهن بِمَعْرُوف أَو فارقوهن بِمَعْرُوف وَأشْهدُوا ذَوي عدل مِنْكُم وَأقِيمُوا الشَّهَادَة لله﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الطَّلَاق ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء﴾ خطاب لرَسُول الله ﷺ بِلَفْظ الْجمع تَعْظِيمًا لَهُ أَو خطاب لَهُ ولأمته ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ المُرَاد بِالنسَاء الْمَدْخُول بِهن ذَوَات الْأَقْرَاء وَأما غير الْمَدْخُول بِهن فَلَا عدَّة عَلَيْهِنَّ بِالْكُلِّيَّةِ وَأما ذَوَات الْأَشْهر فَسَيَأْتِي ذكرهن فِي قَوْله ﴿واللائي يئسن﴾ وَالْمعْنَى مستقبلات لعدتهن أَو فِي قبل عدتهن أَو لقبل عدتهن أَو لزمان عدتهن وَهُوَ الطُّهْر وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ من أَرَادَ أَن يُطلق للسّنة كَمَا أمره الله فَلْيُطَلِّقهَا طَاهِرا فِي غير جماع وَعَن ابْن عمر أَنه طلق امْرَأَته وَهِي حَائِض فَذكر ذَلِك عمر لرَسُول الله ﷺ فتغيظ ثمَّ قَالَ ليراجعها ثمَّ يمْسِكهَا حَتَّى تطهر ثمَّ تحيض فَإِن بدا لَهُ أَن يطلقهَا فَلْيُطَلِّقهَا طَاهِرا قبل أَن يَمَسهَا فَتلك الْعدة الَّتِي أَمر الله أَن تطلق لَهَا النِّسَاء وَقَرَأَ النَّبِي ﷺ هَذِه الْآيَة أخرجه الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا وَفِي الْبَاب أَحَادِيث ﴿وأحصوا الْعدة﴾ أَي احفظوها واحفظوا الْوَقْت الَّذِي وَقع فِيهِ الطَّلَاق حَتَّى تتمّ الْعدة وَهِي ثَلَاثَة قُرُوء مستقبلات كوامل لَا نُقْصَان فِيهِنَّ وَالْخطاب

стр. 219

للأزواج لغفلة النِّسَاء وَقيل لِلزَّوْجَاتِ وَقيل للْمُسلمين عَامَّة وَالْأول أولى لِأَن الضمائر كلهَا لَهُم وَلَكِن الزَّوْجَات داخلات فِي هَذَا الْخطاب بالإلحاق بالأزواج لِأَن الزَّوْج يحصي الْعدة ليراجع وَينْفق أَو يقطع ويسكن أَو يخرج وَيلْحق نسبه أَو يقطع وَهَذِه كلهَا أُمُور مُشْتَركَة بَينه وَبَين الْمَرْأَة وَقيل أَمر بإحصاء الْعدة لتفريق الطَّلَاق على الْأَقْرَاء إِذا أَرَادَ أَن يُطلق ثَلَاثًا وَقيل للْعلم بِبَقَاء زمَان الرّجْعَة ومراعاة أَمر النَّفَقَة وَالسُّكْنَى ﴿وَاتَّقوا الله ربكُم﴾ فِي تَطْوِيل الْعدة عَلَيْهِنَّ والإضرار بِهن ﴿لَا تخرجوهن من بُيُوتهنَّ﴾ أَي الَّتِي كُنَّا فِيهَا عِنْد الطَّلَاق مَا دمن فِي الْعدة ﴿وَلَا يخْرجن﴾ من تِلْكَ الْبيُوت مَا دمن فِي الْعدة إِلَّا لأمر ضَرُورِيّ قَالَ أَبُو السُّعُود وَلَو بِإِذن من الْأزْوَاج فَإِن الْإِذْن بِالْخرُوجِ فِي حكم الْإِخْرَاج وَقَالَ الْخَطِيب لِأَن فِي الْعدة حَقًا لله تَعَالَى فَلَا يسْقط بتراضيهما وَهَذَا كُله عِنْد عدم الْعذر أما إِذا كَانَ لعذر كَشِرَاء من لَيْسَ لَهَا على المفارق نَفَقَة فَيجوز لَهَا الْخُرُوج نَهَارا وَإِذا خرجت من غير عذر فَإِنَّهَا تَعْصِي وَلَا تنْتَقض عدتهَا ﴿إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة﴾ هِيَ الزِّنَى وَذَلِكَ أَن تَزني فَتخرج لإِقَامَة الْحَد عَلَيْهَا ثمَّ ترد إِلَى منزلهَا وَقيل هِيَ الْبذاء فِي اللِّسَان والاستطالة بهَا على من هُوَ سَاكن مَعهَا فِي ذَلِك الْبَيْت قَالَ ابْن عَبَّاس فَإِذا بذأت عَلَيْهِم بلسانها فقد حل لَهُم إخْرَاجهَا لسوء خلقهَا ﴿وَتلك حُدُود الله وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظلم نَفسه لَا تَدْرِي لَعَلَّ الله يحدث بعد ذَلِك أمرا﴾ خلاف مَا فعله الْمُتَعَدِّي قَالَ أهل التَّفْسِير أَرَادَ بِالْأَمر هُنَا الرَّغْبَة فِي الرّجْعَة وَالْمعْنَى التحريض على الطَّلَاق الْوَاحِد أَو الْمَرَّتَيْنِ وَالنَّهْي عَن الثَّلَاث فَلَا يجد إِلَى الْمُرَاجَعَة سَبِيلا وَعَن محَارب بن دثار أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا أحل الله شَيْئا أبْغض إِلَيْهِ من الطَّلَاق أخرجه أَبُو دَاوُد مُرْسلا

стр. 220

وروى الثَّعْلَبِيّ من حَدِيث ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أبْغض الْحَلَال إِلَى الله الطَّلَاق وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن ماجة مَوْصُولا وَصَححهُ الْحَاكِم وَغَيره وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَالْبَيْهَقِيّ مُرْسلا عَن محَارب بن دثار وَرجح أَبُو حَاتِم وَالدَّارقطني إرْسَاله وَعَن عَليّ كرم الله وَجهه عَن النَّبِي ﷺ قَالَ تزوجوا وَلَا تطلقوا فَإِن الطَّلَاق يَهْتَز مِنْهُ الْعَرْش رَوَاهُ ابْن عدي فِي الْكَامِل بِإِسْنَاد ضَعِيف بل قيل مَوْضُوع وَرَوَاهُ الْخَطِيب أَيْضا مَرْفُوعا وَفِي سَنَده ضعف وَفِي الْبَاب أَحَادِيث غالبها ضَعِيف ﴿فَإِذا بلغن أَجلهنَّ﴾ أَي قاربن انْقِضَاء أجل الْعدة وشارفن آخرهَا ﴿فأمسكوهن بِمَعْرُوف﴾ أَي راجعوهن بِحسن معاشرة وإنفاق مُنَاسِب ورغبة فِيهِنَّ من غير قصد إِلَى مضارة لَهُنَّ بِطَلَاق آخر ﴿أَو فارقوهن﴾ أَي اتركوهن حَتَّى تَنْقَضِي عدتهن فيملكن نفوسهن مَعَ إيفائهن بِمَا هُوَ لَهُنَّ عَلَيْكُم من الْحُقُوق وَترك المضارة لَهُنَّ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْل ﴿وَأشْهدُوا ذَوي عدل مِنْكُم﴾ وَهَذِه شَهَادَة على الرّجْعَة وَقيل على الطَّلَاق وَقيل عَلَيْهِمَا قطعا للتنازع وحسما لمادة الْخُصُومَة وَالْأَمر للنَّدْب وَقيل للْوُجُوب وَبِه قَالَ الشَّافِعِي ﴿وَأقِيمُوا الشَّهَادَة لله﴾ بِأَن يَأْتُوا بِمَا شهدُوا بِهِ تقربا إِلَى الله ١٧٧ - بَاب مَا نزل فِي عدَّة الآيسات والحوامل ﴿واللائي يئسن من الْمَحِيض من نِسَائِكُم إِن ارتبتم فعدتهن ثَلَاثَة أشهر واللائي لم يحضن وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾

стр. 221

قَالَ تَعَالَى ﴿واللائي يئسن من الْمَحِيض من نِسَائِكُم﴾ وَهن الْكِبَار اللواتي قد انْقَطع حيضهن وأيسن مِنْهُ ﴿إِن ارتبتم﴾ أَي شَكَكْتُمْ وجهلتم كَيفَ عدتهن وَمَا قدرهَا ﴿فعدتهن ثَلَاثَة أشهر﴾ فَإِذا كَانَت هَذِه عدَّة المرتاب بهَا فَغير المرتاب بهَا أولى بذلك ﴿واللائي لم يحضن﴾ لصغرهن وَعدم بلوغهن سنّ الْمَحِيض أَو لِأَنَّهُنَّ لَا يحضن أصلا وَإِن كن بالغات فعدتهن ثَلَاثَة أشهر أَيْضا ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ أَي انْتِهَاء عدتهن بِوَضْع الْحمل وَظَاهر الْآيَة أَن عدَّة الْحَوَامِل بِالْوَضْعِ سَوَاء كن مطلقات أَو متوفي عَنْهُن أَزوَاجهنَّ وعمومها بَاقٍ فَهِيَ مخصصة لآيَة ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أَي مَا لم يكن حوامل وَعَن أبي بن كَعْب فِي الْآيَة قَالَ قلت للنَّبِي ﷺ أَهِي الْمُطلقَة ثَلَاثًا أَو الْمُتَوفَّى عَنْهَا قَالَ هِيَ الْمُطلقَة ثَلَاثًا والمتوفى عَنْهَا أخرجه عبد الله بن أَحْمد فِي زَوَائِد الْمسند وَأَبُو يعلى وَغَيرهمَا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أم سَلمَة أَن سبيعة توفّي عَنْهَا زَوجهَا وَهِي حُبْلَى فَوضعت بعد مَوته بِأَرْبَعِينَ لَيْلَة فَخطبت فَأَنْكحهَا رَسُول الله ﷺ وَفِي الْبَاب أَحَادِيث

стр. 222

١٧٨ - بَاب مَا نزل فِي سُكْنى المطلقات ونفقتهن وإرضاعهن الْوَلَد ﴿أسكنوهن من حَيْثُ سكنتم من وجدكم وَلَا تضاروهن لتضيقوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كن أولات حمل فأنفقوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضعن حَملهنَّ فَإِن أرضعن لكم فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ وأتمروا بَيْنكُم بِمَعْرُوف وَإِن تعاسرتم فسترضع لَهُ أُخْرَى لينفق ذُو سَعَة من سعته وَمن قدر عَلَيْهِ رزقه فلينفق مِمَّا آتَاهُ الله لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا مَا آتاها سَيجْعَلُ الله بعد عسر يسرا﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الطَّلَاق ﴿أسكنوهن من حَيْثُ سكنتم﴾ أَي يجب للنِّسَاء المطلقات وغيرهن من المفارقات من السُّكْنَى ﴿من وجدكم﴾ أَي من سعتكم وطاقتكم وَذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ إِلَى أَن للمطلقة ثَلَاثًا سُكْنى وَلَا نفقه لَهَا وَذهب نعْمَان وَأَصْحَابه إِلَى أَن لَهَا النَّفَقَة وَالسُّكْنَى وَذهب أَحْمد إِلَى أَنه لَا نَفَقَة وَلَا سُكْنى وَهَذَا هُوَ الْحق كَمَا قَرَّرَهُ فِي نيل الأوطار ﴿وَلَا تضاروهن لتضيقوا عَلَيْهِنَّ﴾ نَهَاهُم سُبْحَانَهُ عَن مضارتهن بالتضييق عَلَيْهِنَّ فِي الْمسكن وَالنَّفقَة وَقَالَ أَبُو الضُّحَى هُوَ أَن يطلقهَا فَإِذا بَقِي يَوْمَانِ من عدتهَا رَاجعهَا ثمَّ طَلقهَا ﴿وَإِن كن﴾ أَي المطلقات الرجعيات أَو البائنات دون الْحَوَامِل المتوفي عَنْهُن ﴿أولات حمل فأنفقوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضعن حَملهنَّ﴾ أَي إِلَى غَايَة هِيَ وضعهن للْحَمْل وَلَا خلاف بَين الْعلمَاء فِي وجوب النَّفَقَة وَالسُّكْنَى للحامل الْمُطلقَة فَأَما الْحَامِل الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا فَقيل ينْفق عَلَيْهَا من

стр. 223

جَمِيع المَال حَتَّى تضع وَقيل لَا ينْفق عَلَيْهَا إِلَّا من نصِيبهَا وَبِه قَالَ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة غير أَحْمد وَهُوَ الْحق للادلة الْوَارِدَة فِي ذَلِك من السّنة المطهرة ﴿فَإِن أرضعن لكم﴾ أَوْلَادكُم بعد ذَلِك ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ أَي أجور إرضاعهن ﴿وأتمروا بَيْنكُم بِمَعْرُوف﴾ خطاب للأزواج والزوجات أَي بِمَا هُوَ مُتَعَارَف بَين النَّاس غير مُنكر عِنْدهم ﴿وَإِن تعاسرتم﴾ فِي حق الْوَلَد وَأجر الرَّضَاع فَأبى الزَّوْج أَن يُعْطي الْأُم الْأجر وأبت الْأُم أَن ترْضِعه إِلَّا بِمَا تُرِيدُ من الْأجر ﴿فسترضع لَهُ أُخْرَى﴾ أَي يسْتَأْجر مُرْضِعَة أُخْرَى ترْضع وَلَده وَلَا يجب عَلَيْهِ أَن يسلم مَا تطلبه الزَّوْجَة وَلَا يجوز لَهُ أَن يكرهها على الْإِرْضَاع بِمَا يُرِيد من الْأجر ﴿لينفق ذُو سَعَة من سعته وَمن قدر عَلَيْهِ رزقه فلينفق مِمَّا آتَاهُ الله﴾ من الرزق لَيْسَ عَلَيْهِ غير ذَلِك وتقديرها بِحَسب حَال الزَّوْج وَحده من عسره ويسره وَلَا اعْتِبَار بِحَالِهَا فَيجب لابنَة الْخَلِيفَة مَا يحب لابنَة الحارس وَهُوَ ظَاهر هَذَا النّظم القرآني فَجعل الِاعْتِبَار بِالزَّوْجِ فِي الْعسر واليسر وَلِأَن الِاعْتِبَار بِحَالِهَا يودي إِلَى الْخُصُومَة لِأَن الزَّوْج يَدعِي أَنَّهَا تطلب فَوق كفايتها وَهِي تزْعم أَنَّهَا تطلب قدر كفايتها فقدرت قطعا للخصومة وَالتَّقْدِير الْمَذْكُور مُسلم فِي نَفَقَة الزَّوْجَة وَنَفَقَة الْمُطلقَة إِذا كَانَت رَجْعِيَّة مُطلقًا أَو بَائِنا حَامِلا ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا مَا آتاها﴾ من الرزق فَلَا يُكَلف الْفَقِير أَن ينْفق مَا لَيْسَ فِي وَسعه بل عَلَيْهِ مَا تبلغ إِلَيْهِ طاقته ﴿سَيجْعَلُ الله بعد عسر يسرا﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير وَقد صدق الله وعده فِيمَن كَانُوا موجودين عِنْد نزُول الْآيَة فَفتح عَلَيْهِم جَزِيرَة الْعَرَب ثمَّ فَارس وَالروم حَتَّى صَارُوا أغْنى النَّاس وَصدق الْآيَة دَائِم غير أَن فِي الصَّحَابَة أتم لِأَن إِيمَانهم أقوى من غَيرهم

стр. 224

١٧٩ - بَاب مَا نزل فِي تَحْرِيم الْمَرْأَة الْحَلَال ﴿يَا أَيهَا النَّبِي لم تحرم مَا أحل الله لَك تبتغي مرضات أَزوَاجك وَالله غَفُور رَحِيم﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة التَّحْرِيم ﴿يَا أَيهَا النَّبِي لم تحرم مَا أحل الله لَك تبتغي مرضات أَزوَاجك﴾ أَي لَا يَنْبَغِي لَك أَن تشتغل بِمَا يُرْضِي الْخلق بل اللَّائِق أَن أَزوَاجك وَسَائِر الْخلق تسْعَى فِي رضاك وتتفرغ أَنْت لما يُوحى إِلَيْك من رَبك قَالَ أَكثر الْمُفَسّرين كَانَ النَّبِي ﷺ فِي بَيت حَفْصَة فزارت أَبَاهَا فَلَمَّا رجعت أَبْصرت مَارِيَة الْقبْطِيَّة فِي بَيتهَا مَعَ النَّبِي ﷺ فَلم تدخل حَتَّى خرجت مَارِيَة ثمَّ دخلت فَلَمَّا رأى النَّبِي ﷺ فِي وَجه حَفْصَة الْغيرَة والكآبة قَالَ لَهَا لَا تُخْبِرِي عَائِشَة وَلَك عَليّ أَن لَا أقربها أبدا فَأخْبرت حَفْصَة عَائِشَة وكانتا متصافيتين فَغضِبت عَائِشَة وَلم تزل بِالنَّبِيِّ ﷺ حَتَّى حلف أَن لَا يقرب مَارِيَة فَأنْزل الله هَذِه السُّورَة وَقيل نزلت فِي تَحْرِيم الْعَسَل حِين قَالَت لَهُ عَائِشَة وَحَفْصَة إِنَّا نجد مِنْك ريح مَغَافِير وَقيل

стр. 225

هِيَ سَوْدَة شرب عِنْدهَا من الْعَسَل وَقيل هِيَ أم سَلمَة وَقيل هِيَ الْمَرْأَة الَّتِي وهبت نَفسهَا للنَّبِي ﷺ وَالْجمع مُمكن بِوُقُوع الْقصَّتَيْنِ قصَّة مَارِيَة وقصة الْعَسَل وَأَن الْقُرْآن نزل فيهمَا جَمِيعًا وَفِي كل وَاحِد مِنْهُمَا أَنه أسر الحَدِيث إِلَى بعض أَزوَاجه ﴿وَالله غَفُور رَحِيم﴾ لما فرط مِنْك من تَحْرِيم مَا أحل الله لَك وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه جَاءَهُ رجل فَقَالَ إِنِّي جعلت امْرَأَتي عَليّ حَرَامًا فَقَالَ كذبت لَيست عَلَيْك بِحرَام ثمَّ تَلا ﴿لم تحرم مَا أحل الله لَك﴾ وَقَالَ عَلَيْك أغْلظ الْكَفَّارَات عتق رَقَبَة ١٨٠ - بَاب مَا نزل فِي إفشاء بعض أَزوَاج النَّبِي ﷺ سره وإخبار الله تَعَالَى بِهِ ﴿وَإِذ أسر النَّبِي إِلَى بعض أَزوَاجه حَدِيثا فَلَمَّا نبأت بِهِ وأظهره الله عَلَيْهِ عرف بعضه وَأعْرض عَن بعض فَلَمَّا نبأها بِهِ قَالَت من أَنْبَأَك هَذَا قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيم الْخَبِير إِن تَتُوبَا إِلَى الله فقد صغت قُلُوبكُمَا وَإِن تظاهرا عَلَيْهِ فَإِن الله هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيل وَصَالح الْمُؤمنِينَ وَالْمَلَائِكَة بعد ذَلِك ظهير عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذ أسر النَّبِي إِلَى بعض أَزوَاجه حَدِيثا﴾ هِيَ حَفْصَة

стр. 226

والْحَدِيث هُوَ تَحْرِيم مَارِيَة أَو الْعَسَل وَقيل هُوَ فِي إِمَارَة أبي بكر وَعمر وَالْأول أولى وَأَصَح ﴿فَلَمَّا نبأت بِهِ﴾ أَي أخْبرت بِهِ غَيرهَا ظنا مِنْهَا أَن لَا حرج فِي ذَلِك فَهُوَ بِاجْتِهَاد مِنْهَا وَهِي مأجورة فِيهِ وَذَلِكَ لِأَن الِاجْتِهَاد جَائِز فِي عصره ﷺ على الصَّحِيح كَمَا فِي جمع الْجَوَامِع ﴿وأظهره الله عَلَيْهِ عرف بعضه﴾ وَهُوَ تَحْرِيم مَارِيَة أَو الْعَسَل ﴿وَأعْرض عَن بعض﴾ قَالَ الْحسن مَا استقصى كريم قطّ وَقَالَ سُفْيَان مَا زَالَ التغافل من فعل الْكِرَام قيل هُوَ حَدِيث مَارِيَة وَقيل هُوَ أَن أَبَا حَفْصَة وَأَبا بكر يكونَانِ خليفتين بعده وللمفسرين هَهُنَا خلط وخبط ﴿فَلَمَّا نبأها بِهِ﴾ أَي أخْبرهَا بِمَا أفشت من الحَدِيث ﴿قَالَت من أَنْبَأَك هَذَا قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيم الْخَبِير إِن تَتُوبَا﴾ خطاب لعَائِشَة وَحَفْصَة ﴿إِلَى الله﴾ فَهُوَ الْوَاجِب ﴿فقد صغت قُلُوبكُمَا﴾ أَي زاغت وأثمت ﴿وَإِن تظاهرا عَلَيْهِ﴾ أَي تعاضدا وتعاونا عَلَيْهِ بِمَا يسوؤه من الإفراط فِي الْغيرَة وإفشاء سره وَقيل كَانَ التظاهر بَين عَائِشَة وَحَفْصَة فِي التحكم على النَّبِي ﷺ فِي النَّفَقَة ﴿فَإِن الله هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيل وَصَالح الْمُؤمنِينَ﴾ قَالَ بُرَيْدَة أَي أَبُو بكر وَعمر وَقيل عَليّ ﴿وَالْمَلَائِكَة بعد ذَلِك ظهير عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن أَن يُبدلهُ أَزْوَاجًا خيرا مِنْكُن﴾ قيل كل عَسى فِي الْقُرْآن وَجب الْوُقُوع إِلَّا فِي هَذِه الْآيَة ثمَّ نعت الْأزْوَاج بقوله ﴿مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات﴾ أَي صائمات ﴿ثيبات وأبكارا﴾ أَي بَعضهنَّ كَذَا وبعضهن كَذَا وَالثَّيِّب تمدح من جِهَة أَنَّهَا أَكثر تجربة وعقلا وأسرع حبلا غَالِبا وَالْبكْر تمدح من جِهَة أَنَّهَا أطهر وَأطيب وَأكْثر مداعبة وملاعبة غَالِبا قَالَ بُرَيْدَة فِي الْآيَة وعد الله نبيه ﷺ أَن يُزَوجهُ بِالثَّيِّبِ آسِيَة وبالبكر مَرْيَم

стр. 227

١٨١ - بَاب مَا نزل فِي وقاية الزَّوْجَة من النَّار ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا قوا أَنفسكُم وأهليكم نَارا وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا قوا أَنفسكُم وأهليكم﴾ من النِّسَاء والولدان وكل من يدْخل فِي هَذَا الِاسْم ﴿نَارا وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة﴾ أَي اجْعَلُوهَا وقاية بالتأسي بِهِ ﷺ فِي ترك الْمعاصِي وَفعل الطَّاعَات ١٨٣ بَاب مَا نزل فِي امْرَأتَيْنِ كافرتين ﴿ضرب الله مثلا للَّذين كفرُوا امْرَأَة نوح وَامْرَأَة لوط كَانَتَا تَحت عَبْدَيْنِ من عبادنَا صالحين فَخَانَتَاهُمَا فَلم يغنيا عَنْهُمَا من الله شَيْئا وَقيل ادخلا النَّار مَعَ الداخلين﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿ضرب الله مثلا للَّذين كفرُوا امْرَأَة نوح﴾ اسْمهَا وَاهِلَة وَقيل والهة ﴿وَامْرَأَة لوط﴾ وَاسْمهَا واعلة وَقيل والعة ﴿كَانَتَا تَحت عَبْدَيْنِ من عبادنَا صالحين﴾ وهما نوح وَلُوط ﵉ أَي كَانَتَا فِي عصمَة نِكَاحهمَا ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ أَي وَقعت مِنْهُمَا الْخِيَانَة لَهما أما خِيَانَة امْرَأَة نوح فَكَانَت تَقول للنَّاس إِنَّه مَجْنُون وَأما خِيَانَة امْرَأَة لوط فَكَانَت بدلالتها على الضَّيْف وَقيل بالْكفْر وَقيل بالنفاق وَقيل بالنميمة وَقد وَقعت الْأَدِلَّة الإجماعية على أَنه مَا زنت امْرَأَة نَبِي قطّ ﴿فَلم يغنيا عَنْهُمَا من الله شَيْئا﴾ أَي لم ينفعهما نوح وَلُوط بِسَبَب كَونهمَا زَوْجَتَيْنِ لَهما شَيْئا من النَّفْع وَلَا دفعا عَنْهُمَا من عَذَاب الله مَعَ كرامتهما على

стр. 228

الله ونبوتهما شَيْئا من الدّفع وَفِيه تَنْبِيه على أَن الْعَذَاب يدْفع بِالطَّاعَةِ لَا بالوسيلة ﴿وَقيل﴾ أَي يُقَال لَهما فِي الْآخِرَة أَو عِنْد مَوْتهمَا ﴿ادخلا النَّار مَعَ الداخلين﴾ أَي من أهل الْكفْر والمعاصي قَالَ يحيى بن سَلام ضرب الله مثلا للَّذين كفرُوا يحذر بِهِ عَائِشَة وَحَفْصَة من الْمُخَالفَة لرَسُول الله ﷺ حِين تظاهرتا عَلَيْهِ وَمَا أحسن مَا قَالَ فَإِن ذكر امْرَأَتي النَّبِيين بعد ذكر قصتهما على رَسُول الله ﷺ يرشد أتم إرشاد ويلوح أبلغ تلويح إِلَى أَن المُرَاد تخويفهما مَعَ سَائِر أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَبَيَان أَنَّهُمَا وَإِن كَانَتَا تَحت عصمَة خير خلق الله وَخَاتم رسله فَإِن ذَلِك لَا يُغني عَنْهُمَا من الله شَيْئا وَقد عصمهما الله سُبْحَانَهُ من ذَنْب تِلْكَ المظاهرة بِمَا وَقع مِنْهُمَا من التَّوْبَة الصَّحِيحَة الْخَالِصَة ١٨٣ - بَاب مَا نزل فِي امْرَأتَيْنِ مؤمنتين ﴿وَضرب الله مثلا للَّذين آمنُوا امْرَأَة فِرْعَوْن إِذْ قَالَت رب ابْن لي عنْدك بَيْتا فِي الْجنَّة ونجني من فِرْعَوْن وَعَمله ونجني من الْقَوْم الظَّالِمين وَمَرْيَم ابْنة عمرَان الَّتِي أحصنت فرجهَا فنفخنا فِيهِ من رُوحنَا وصدقت بِكَلِمَات رَبهَا وَكتبه وَكَانَت من القانتين﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَضرب الله مثلا للَّذين آمنُوا امْرَأَة فِرْعَوْن﴾ هِيَ آسِيَة بنت مُزَاحم وَكَانَت ذَات فراسة صَادِقَة آمَنت بمُوسَى ﵇ فعذبها

стр. 229

فِرْعَوْن بالأوتاد الْأَرْبَعَة أَي جعل الله حَالهَا مثلا لحَال الْمُؤمنِينَ ترغيبا لَهُم فِي الثَّبَات على الطَّاعَة والتمسك بِالدّينِ وَالصَّبْر فِي الشدَّة وَأَن وصلَة الْكفْر لَا تَضُرهُمْ كَمَا لم تضر امْرَأَة فِرْعَوْن وَقد كَانَت تَحت أكفر الْكَافرين وَصَارَت بإيمانها بِاللَّه فِي جنَّات النَّعيم وَفِيه دَلِيل على أَن وصلَة الْكفْر لَا تضر مَعَ الْأَيْمَان ﴿إِذْ قَالَت رب ابْن لي عنْدك بَيْتا فِي الْجنَّة ونجني من فِرْعَوْن وَعَمله﴾ أَي من ذَاته الخبيثة وشركه وَمَا يصدر عَنهُ من أَعمال الشَّرّ وَقَالَ إِبْنِ عَبَّاس من عمله يَعْنِي جمَاعَة وَعَن سلمَان قَالَ كَانَت امْرَأَة فِرْعَوْن تعذب بالشمس فَإِذا انصرفوا عَنْهَا أظلتها الْمَلَائِكَة بأجنحتها وَكَانَت ترى بَيتهَا فِي الْجنَّة ﴿ونجني من الْقَوْم الظَّالِمين﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ هم أهل مصر وَقَالَ مقَاتل هم القبط فَفرج الله لَهَا عَن بَيتهَا فِي الْجنَّة فرأته وَقبض الله روحها قَالَ الْحسن وَابْن كيسَان نجاها الله أكْرم نجاة ورفعها إِلَى الْجنَّة فَهِيَ تَأْكُل وتشرب وَفِيه دَلِيل على أَن الِاسْتِعَاذَة بِاللَّه والالتجاء إِلَيْهِ وَمَسْأَلَة الْخَلَاص مِنْهُ عِنْد المحن والنوازل من سير الصَّالِحين والصالحات وديدن الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات بِيَوْم الدَّين وَعَن أبي هُرَيْرَة أَن فِرْعَوْن وتد لامْرَأَته أَرْبَعَة أوتاد وأضجعها وَجعل على صدرها رحى واستقبل بهَا عين الشَّمْس فَرفعت رَأسهَا إِلَى السَّمَاء وَقَالَت ﴿رب ابْن لي﴾ الْآيَة ﴿وَمَرْيَم ابْنة عمرَان﴾ مثل الْمُؤمنِينَ بامرأتين كَمَا مثل حَال الْكفَّار بامرأتين وَالْمَقْصُود من ذكرهَا أَن الله سُبْحَانَهُ جمع لَهَا بَين كَرَامَتِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة واصطفاها على نسَاء الْعَالمين مَعَ كَونهَا بَين قوم كَافِرين ﴿الَّتِي أحصنت﴾ أَي حفظت ﴿فرجهَا﴾ عَن الْفَوَاحِش وَالرِّجَال فَلم يصل إِلَيْهَا رجل لَا بِنِكَاح وَلَا بزنى قَالَ الْمُفَسِّرُونَ المُرَاد بالفرج هُنَا الجيب ﴿فنفخنا فِيهِ من رُوحنَا﴾ المخلوقة لنا وَذَلِكَ أَن جِبْرِيل ﵇ نفخ

стр. 230

فِي جيب درعها أَي طوق قميصها فَحملت بِعِيسَى عقب النفخ ﴿وصدقت بِكَلِمَات رَبهَا﴾ يَعْنِي بشرائعه الَّتِي شرعها الله لِعِبَادِهِ وَقيل بِعِيسَى لِأَنَّهُ كلمة الله وَقيل صحفه الَّتِي أنزلهَا على إِدْرِيس وَغَيره ﴿وَكتبه﴾ الْمنزلَة على الْأَنْبِيَاء كإبراهيم ومُوسَى وَابْنهَا عِيسَى ﴿وَكَانَت من القانتين﴾ أَي من الْقَوْم المطيعين لرَبهم وَقيل وَمن الْمُصَلِّين وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أفضل نسَاء أهل الْجنَّة خَدِيجَة بنت خويلد وَفَاطِمَة بنت مُحَمَّد وَمَرْيَم بنت عمرَان وآسية بنت مُزَاحم امْرَأَة فِرْعَوْن مَعَ مَا قصّ الله علينا من خَبَرهَا فِي الْقُرْآن أخرجه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ كمل من الرِّجَال كثير وَلم يكمل من النِّسَاء إِلَّا آسِيَة امْرَأَة فِرْعَوْن وَمَرْيَم بنت عمرَان وَخَدِيجَة بنت خويلد وَإِن فضل عَائِشَة على النِّسَاء كفضل الثَّرِيد على سَائِر الطَّعَام ١٨٤ - بَاب مَا نزل فِي تفدية الْمَرْأَة عَن نفس الرجل ﴿يود المجرم لَو يفتدي من عَذَاب يَوْمئِذٍ ببنيه وصاحبته وأخيه﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة المعارج ﴿يود المجرم﴾ أَي الْكَافِر أَو كل من يُذنب ذَنبا يسْتَحق بِهِ النَّار ﴿لَو يفتدي من عَذَاب يَوْمئِذٍ﴾ أَي الْعَذَاب الَّذِي ابتلوا بِهِ ﴿ببنيه وصاحبته﴾ أَي زَوجته ﴿وأخيه﴾ فَإِن هَؤُلَاءِ أعز النَّاس عَلَيْهِ وَأكْرمهمْ لَدَيْهِ فَلَو قبل مِنْهُ الْفِدَاء لفدى بهم نَفسه وخلص مِمَّا نزل بِهِ من الْعَذَاب

стр. 231

١٨٥ - بَاب مَا نزل فِي التجاوز عَن الزَّوْجَات إِلَى غَيْرهنَّ ﴿وَالَّذين هم لفروجهم حافظون إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم فَإِنَّهُم غير ملومين فَمن ابْتغى وَرَاء ذَلِك فَأُولَئِك هم العادون﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين هم لفروجهم حافظون إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم﴾ من الْإِمَاء ﴿فَإِنَّهُم غير ملومين﴾ على ترك الْحِفْظ ﴿فَمن ابْتغى﴾ أَي طلب منكحا ﴿وَرَاء ذَلِك﴾ أَي غير الزَّوْجَات والمملوكات ﴿فَأُولَئِك هم العادون﴾ أَي المتجاوزون عَن الْحَلَال إِلَى الْحَرَام وَهَذِه الْآيَة تدل على تَحْرِيم الْمُتْعَة واللواط والزنى وَوَطْء الْبَهَائِم والاستمناء بالكف وَقد تقدم تَفْسِير مثل هَذِه الْآيَة فِي سُورَة الْمُؤمنِينَ ١٨٦ - بَاب مَا نزل فِي الدُّعَاء للْوَالِدين وَالْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ﴿رب اغْفِر لي ولوالدي وَلمن دخل بَيْتِي مُؤمنا وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات وَلَا تزد الظَّالِمين إِلَّا تبارا﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة نوح ﵇ ﴿رب اغْفِر لي ولوالدي﴾ وَكَانَا مُؤمنين وَأَبوهُ لامك أَو لمك بِفتْحَتَيْنِ وَأمه شمخا بِوَزْن سكرى بنت أنوش وَقَالَ سعيد بن جُبَير أَرَادَ بِوَالِديهِ أَبَاهُ وجده ﴿وَلمن دخل بَيْتِي مُؤمنا﴾ يَعْنِي مَسْجده وَقيل منزله الَّذِي هُوَ سَاكن فِيهِ وَقيل سفينته وَقيل دينه ﴿وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ أَي واغفر لكل

стр. 232

متصف بِالْإِيمَان من الذُّكُور ولإناث ﴿وَلَا تزد الظَّالِمين إِلَّا تبارا﴾ أَي هَلَاكًا وخسرانا ودمارا ١٨٧ - بَاب مَا نزل فِي خلق الْمَرْأَة من الْمَنِيّ ﴿فَجعل مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذّكر وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِك بِقَادِر على أَن يحيي الْمَوْتَى﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْقِيَامَة ﴿فَجعل مِنْهُ﴾ أَي من الْإِنْسَان وَقيل من الْمَنِيّ ﴿الزَّوْجَيْنِ﴾ أَي الصِّنْفَيْنِ قَالَ الْكَرْخِي أَي لَا خُصُوص الفردين وَإِلَّا فقد تحمل الْمَرْأَة بذكرين وَأُنْثَى وَبِالْعَكْسِ ثمَّ بَين ذَلِك فَقَالَ ﴿الذّكر وَالْأُنْثَى﴾ أَي الرجل وَالْمَرْأَة فَتَارَة يَجْتَمِعَانِ وَتارَة أُخْرَى ينْفَرد كل مِنْهُمَا عَن الآخر ﴿أَلَيْسَ ذَلِك بِقَادِر على أَن يحيي الْمَوْتَى﴾ أَي يُعِيد الْأَجْسَام بِالْبَعْثِ كَمَا كَانَت عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا فَإِن الْإِعَادَة أَهْون من الِابْتِدَاء وأيسر مؤونة مِنْهُ ١٨٨ - بَاب مَا نزل فِي الْفِرَار من الصاحبة وَغَيرهَا يَوْم الْقِيَامَة ﴿يَوْم يفر الْمَرْء من أَخِيه وَأمه وَأَبِيهِ وصاحبته وبنيه لكل امْرِئ مِنْهُم يَوْمئِذٍ شَأْن يُغْنِيه﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة عبس ﴿يَوْم يفر الْمَرْء من أَخِيه وَأمه وَأَبِيهِ وصاحبته وبنيه﴾ أَي لَا يلْتَفت إِلَى وَاحِد من هَؤُلَاءِ لشغله بِنَفسِهِ قيل أول من يفر من أَخِيه قابيل وَمن أَبَوَيْهِ إِبْرَاهِيم وَمن صاحبته لوط وَمن أبنه نوح والعموم أولى

стр. 233

لكل امريء مِنْهُم يَوْمئِذٍ شَأْن يُغْنِيه) أَي لكل إِنْسَان يَوْم الْقِيَامَة شان يشْغلهُ عَن الأقرباء ويصرفه عَنْهُم ١٨٩ - بَاب مَا نزل فِي سُؤال الموءودة ﴿وَإِذا الموؤودة سُئِلت بِأَيّ ذَنْب قتلت﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة التكوير ﴿وَإِذا الموؤودة سُئِلت﴾ أَي المدفونة حَيَّة ﴿سُئِلت بِأَيّ ذَنْب قتلت﴾ كَانَت الْعَرَب إِذا ولدت لأَحَدهم بنت دَفنهَا حَيَّة مَخَافَة الْعَار وَالْحَاجة والإملاق وخشية الإسترقاق وتوجيه السُّؤَال إِلَيْهَا لإِظْهَار كَمَال الغيظ على قاتلها حَتَّى كَأَنَّهُ لَا يسْتَحق أَن يُخَاطب وَيسْأل عَن ذَلِك وَفِيه تبكيت لقاتلها وتوبيخ لَهُ شَدِيد بِصَرْف الْخطاب وَهَذِه الطَّرِيقَة أفظع فِي ظُهُور جِنَايَة الْقَاتِل وإلزام الْحجَّة عَلَيْهِ وَقيل لتقول بِلَا ذَنْب قتلت وعَلى هَذَا فَهُوَ سُؤال تلطف وَفِي الْآيَة دَلِيل على أَن أَطْفَال الْمُشْركين لَا يُعَذبُونَ وعَلى أَن التعذيب لَا يكون بِلَا ذَنْب وَعَن عمر بن الْخطاب قَالَ جَاءَ قيس بن عَاصِم التَّمِيمِي إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إِنِّي وَأَدت ثَمَانِي بَنَات لي فِي الْجَاهِلِيَّة فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ أعتق عَن كل وَاحِدَة رَقَبَة قَالَ إِنِّي صَاحب إبل قَالَ فأهد عَن كل وَاحِدَة بَدَنَة أخرجه الْبَزَّار وَالْحَاكِم فِي الكنى وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه

стр. 234

١٩٠ - بَاب مَا نزل فِي فتْنَة الْمُؤْمِنَات ﴿إِن الَّذين فتنُوا الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ثمَّ لم يتوبوا فَلهم عَذَاب جَهَنَّم وَلَهُم عَذَاب الْحَرِيق﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة البروج ﴿إِن الَّذين فتنُوا الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ أَي حرقوهم بالنَّار فِي الْأُخْدُود وَقَالَ الرَّازِيّ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد كل من فعل ذَلِك قَالَ وَهَذَا أولى لِأَن اللَّفْظ عَام وَالْحكم بالتخصيص ترك الظَّاهِر من غير دَلِيل ﴿ثمَّ لم يتوبوا﴾ من قبح صنعهم وَلم يرجِعوا عَن كفرهم وفتنتهم ﴿فَلهم﴾ فِي الْآخِرَة ﴿عَذَاب جَهَنَّم﴾ بِسَبَب كفرهم ﴿وَلَهُم﴾ عَذَاب آخر وَهُوَ ﴿عَذَاب الْحَرِيق﴾ قَالَ مقَاتل وَمَفْهُوم الْآيَة أَنهم لَو تَابُوا لخرجوا من هَذَا الْوَعيد ١٩١ - بَاب مَا نزل فِي خلق الْوَلَد من مني الْوَالِد والوالدة ﴿فَلْينْظر الْإِنْسَان مِم خلق خلق من مَاء دافق يخرج من بَين الصلب والترائب إِنَّه على رجعه لقادر﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الطارق ﴿فَلْينْظر الْإِنْسَان مِم خلق خلق من مَاء دافق﴾ وَهُوَ الْمَنِيّ والدفق الصب أَرَادَ سُبْحَانَهُ مَاء الرجل وَالْمَرْأَة لِأَن الْإِنْسَان مَخْلُوق مِنْهُمَا لَكِن جَعلهمَا مَاء وَاحِدًا لامتزاجهما ثمَّ وصف هَذَا المَاء فَقَالَ ﴿يخرج من بَين الصلب والترائب﴾ أَي صلب الرجل وترائب الْمَرْأَة والترائب جمع تريبة وَهِي مَوضِع القلادة من الصَّدْر وَالْولد لَا يكون

стр. 235

إِلَّا من الماءين وَقيل الترائب مَا بَين الثديين قَالَ الضَّحَّاك ترائب الْمَرْأَة اليدان وَالرجلَانِ والعينان وَقيل هِيَ الْجيد وَقيل هِيَ مَا بَين الْمَنْكِبَيْنِ والصدر وَقيل الصَّدْر وَقيل التراقي وَقيل عصارة الْقلب وَالْمَشْهُور فِي اللُّغَة أَنَّهَا عِظَام الصَّدْر والنحر وَقيل إِن مَاء الرجل ينزل من الدِّمَاغ وَلَا يُخَالف مَا فِي الْآيَة لِأَنَّهُ إِذا نزل من الدِّمَاغ نزل من بَين الصلب والترائب وَقيل إِن الْمَنِيّ يخرج من جَمِيع أَجزَاء الْبدن وَلَا يُخَالف الْآيَة كَذَلِك لِأَن نِسْبَة خُرُوجه إِلَى مَا بَين الصلب والترائب بِاعْتِبَار أَن أَكثر أَجزَاء الْبدن هِيَ الصلب والترائب وَمَا يجاورها وَمَا فَوْقهَا مِمَّا يكون تنزله مِنْهَا قَالَ ابْن عَادل إِن الْوَلَد يخلق من مَاء الرجل فَيخرج من صلبه الْعظم والعصب وَمن مَاء الْمَرْأَة فَيخرج من ترائبها اللَّحْم وَالدَّم ﴿إِنَّه على رجعه لقادر﴾ أَي على إِعَادَته بعد الْمَوْت بِالْبَعْثِ ١٩٢ - بَاب مَا نزل فِي خلق الْأُنْثَى وَمَسْأَلَة الْخُنْثَى ﴿وَاللَّيْل إِذا يغشى وَالنَّهَار إِذا تجلى وَمَا خلق الذّكر وَالْأُنْثَى﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة اللَّيْل ﴿وَاللَّيْل إِذا يغشى وَالنَّهَار إِذا تجلى وَمَا خلق الذّكر وَالْأُنْثَى﴾ قيل آدم وحواء وَالظَّاهِر الْعُمُوم قَالَ الْمحلي وَالْخُنْثَى الْمُشكل عندنَا مَعْلُوم عِنْد الله تَعَالَى ذكرا أَو أُنْثَى فَيحنث بتكليمه من حلف لَا يكلم ذكرا وَلَا أُنْثَى انْتهى وَعبارَة الْخَطِيب وَإِن أشكل أمره عندنَا فَهُوَ عِنْد الله غير مُشكل مَعْلُوم بالذكورة أَو الْأُنُوثَة انْتَهَت وَقَالَ الْكَرْخِي يَحْنَث بتكليمه لِأَن الله لم يخلق من ذَوي الْأَرْوَاح من لَيْسَ ذكرا وَلَا أُنْثَى وَالْخُنْثَى إِنَّمَا هُوَ مُشكل بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا خلافًا لأبي

стр. 236

الْفضل الهمذاني فِيمَا حَكَاهُ وَجها أَنه نوع ثَالِث ويدفعه قَوْله تَعَالَى ﴿يهب لمن يَشَاء إِنَاثًا ويهب لمن يَشَاء الذُّكُور﴾ وَنَحْو ذَلِك قَالَه الْإِسْنَوِيّ ١٩٣ - بَاب مَا نزل فِي الْمَرْأَة النمامة وَهِي زَوْجَة أبي لَهب ﴿سيصلى نَارا ذَات لَهب وَامْرَأَته حمالَة الْحَطب فِي جيدها حَبل من مسد﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة تبت ﴿سيصلى نَارا﴾ أَي أَبُو لَهب بِنَفسِهِ النَّار ويحترق بهَا ﴿ذَات لَهب﴾ اشتعال وتوقد وَهِي نَار جَهَنَّم ﴿وَامْرَأَته حمالَة الْحَطب﴾ أَي وتصلى امْرَأَته أَيْضا وَهِي أم جميل بنت حَرْب أُخْت أبي سُفْيَان وَكَانَت عوراء تحمل الغضا والشوك والسعدان فتطرحها بِاللَّيْلِ على طَرِيق النَّبِي ﷺ كَذَا قَالَ جمَاعَة وَقَالَ قوم إِنَّهَا تمشي بالنميمة بَين النَّاس وَالْعرب تَقول فلَان يحطب على فلَان إِذا نم بِهِ وَقيل مَعْنَاهُ أَنَّهَا حمالَة الْخَطَايَا والذنُوب كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وهم يحملون أوزارهم على ظُهُورهمْ﴾ وَقيل حمالَة الْحَطب فِي النَّار وَقيل حمالَة الْحَطب نقالة الحَدِيث ﴿فِي جيدها حَبل من مسد﴾ الْجيد الْعُنُق والمسد الليف الَّذِي تفتل مِنْهُ الحبال قَالَ الضَّحَّاك وَغَيره هَذَا فِي الدُّنْيَا كَانَت تعير النَّبِي ﷺ بالفقر وَهِي تحتطب فِي حَبل تَجْعَلهُ فِي عُنُقهَا فخنقها الله بِهِ فأهلكها وَهُوَ فِي الْآخِرَة حَبل من النَّار وَقيل غير ذَلِك

стр. 237

١٩٤ - بَاب مَا نزل فِي الِاسْتِعَاذَة من النِّسَاء النفاثات ﴿وَمن شَرّ النفاثات فِي العقد﴾ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الفلق ﴿وَمن شَرّ النفاثات فِي العقد﴾ هن السواحر أَي وَأَعُوذ بِرَبّ الفلق من شَرّ النُّفُوس النفاثات أَو النِّسَاء النفاثات والنفث النفخ كَانَ يفعل ذَلِك من يرقي ويسحر قيل مَعَ ريق وَهُوَ دَلِيل على بطلَان قَول الْمُعْتَزلَة فِي إِنْكَار تحقق السحر وَظُهُور أَثَره وَالْعقد جمع عقدَة وَذَلِكَ أَنَّهُنَّ كن ينفثن فِي عقد الخيوط حِين يسحرون بهَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة النفاثات هن بَنَات لبيد بن الأعصم الْيَهُودِيّ سحرن النَّبِي ﷺ وَأخرج النَّسَائِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من عقد عقدَة ثمَّ نفث فِيهَا فقد سحر وَمن سحر فقد أشرك وَمن تعلق بِشَيْء وكل إِلَيْهِ هَذَا آخر آيَات الْكتاب الْعَزِيز الْوَارِدَة فِي النِّسَاء الْمُتَعَلّقَة بِهن فِي أَمر دينهن ودنياهن مِمَّا لَهُ أيسر مُنَاسبَة بِهن والاضافة تصح بِأَدْنَى مُلَابسَة وَقد اقتصرت فِي بَيَان مَعَانِيهَا وَشرح مبانيها على أوجز كَلَام وَأحلت بسطها لمن يُرِيد الْوُقُوف عَلَيْهَا على تَفْسِير فتح الْبَيَان فَإِنَّهُ تكفل بِبَيَان مَقَاصِد الْقُرْآن وَمَا ذكرته هُنَا هُوَ نخبة مَا فِيهِ من تَفْسِير هَذِه الْآيَات وَالْحَمْد لله الَّذِي بنعمته تتمّ الصَّالِحَات أنْتَهى الْكتاب الأول من حسن الأسوة فِيمَا يتَعَلَّق من آيَات الْكتاب الْعَزِيز بالنسوة ويليه الْكتاب الثَّانِي فِيمَا ورد بِهن من أَحَادِيث السّنة المطهرة

стр. 238

الْكتاب الثَّانِي فِيمَا ورد بالنسوة من أَحَادِيث السّنة المطهرة

стр. 239

إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ رُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امريء مَا نوى فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله وَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة يَتَزَوَّجهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ مُتَّفق عَلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي اتّفق عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ أَعنِي البُخَارِيّ وَمُسلمًا من صَحَابِيّ وَاحِد وَهَذَا النَّوْع أَعلَى أَنْوَاع الحَدِيث فِي الصِّحَّة وَالْقَبُول وَكَانُوا يستحبون الْبدَاءَة بِهِ فِي الْكتب تَنْبِيها للطَّالِب على تَصْحِيح النِّيَّة وَهُوَ أصل عَظِيم من أصُول الدَّين وَقَاعِدَة كَبِيرَة من قَوَاعِد الشَّرْع الْمُبين أنظر شرح هَذَا الحَدِيث فِي شُرُوح الصَّحِيحَيْنِ ثمَّ فِي عون الْبَارِي شرح تَجْرِيد البُخَارِيّ والسراج الْوَهَّاج تَلْخِيص صَحِيح مُسلم بن الْحجَّاج وَمن لطائف هَذَا الْمقَام أَن هَذَا الحَدِيث فِيهِ ذكر الْمَرْأَة فَبَدَأت بِهِ أُسْوَة بِأَهْل الحَدِيث ثمَّ سردت سَائِر الْأَحَادِيث على تَرْتِيب الْأَبْوَاب وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

стр. 240

١ - بَاب مَا جَاءَ فِي فضل الْإِيمَان وَالْإِسْلَام عَن عبَادَة بن الصَّامِت الْأنْصَارِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَأَن عِيسَى عبد الله وَرَسُوله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ وَالْجنَّة حق وَالنَّار حق أدخلهُ الله الْجنَّة على مَا كَانَ مِنْهُ من الْعَمَل أخرجه الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيّ وَفِي أُخْرَى لمُسلم من شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله حرم الله تَعَالَى عَلَيْهِ النَّار وَعَن الشريد بن سُوَيْد الثَّقَفِيّ قَالَ قلت يَا رَسُول الله إِن أُمِّي أوصت أَن أعتق رَقَبَة مُؤمنَة وَعِنْدِي جَارِيَة سَوْدَاء نوبية أفأعتقها قَالَ أدعها فدعوتها فَجَاءَت فَقَالَ من رَبك قَالَت الله قَالَ فَمن أَنا قَالَت رَسُول الله قَالَ أعْتقهَا فَإِنَّهَا مُؤمنَة أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَعَن مُعَاوِيَة بن الحكم السّلمِيّ قَالَ أتيت رَسُول الله ﷺ فَقلت إِن جَارِيَة كَانَت ترعى غنما لي فجئتها وَقد فقدت شَاة فسألتها عَنْهَا فَقَالَت أكلهَا الذِّئْب فأسفت عَلَيْهَا وَكنت من بني آدم فلطمت وَجههَا وَعلي

стр. 241

رَقَبَة أفأعتقها فَقَالَ لَهَا النَّبِي أَيْن الله قَالَت فِي السَّمَاء قَالَ فَمن أَنا قَالَت أَنْت رَسُول الله فَقَالَ أعْتقهَا فَإِنَّهَا مُؤمنَة أخرجه مُسلم وَمَالك وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ والْحَدِيث على ظَاهره لَا يجْرِي فِيهِ التَّأْوِيل وَبِه قَالَ السّلف الصَّالح وَذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور ٢ - بَاب مَا ورد فِي بيعَة النِّسَاء وَقدم تقدم فِي الْكتاب الأول فِي تَفْسِير الْآيَات عَن أُمَيْمَة بنت رقيقَة ﵂ قَالَت أتيت رَسُول الله ﷺ فِي نسْوَة من الْأَنْصَار فَقُلْنَا نُبَايِعك على أَن لَا نشْرك بِاللَّه شَيْئا وَلَا نَسْرِق وَلَا نزني وَلَا نقْتل أَوْلَادنَا وَلَا نأتي بِبُهْتَان نفتريه بَين أَيْدِينَا وأرجلنا وَلَا نَعْصِيك فِي مَعْرُوف فَقَالَ فِيمَا استطعتن وأطقتن فَقُلْنَا الله وَرَسُوله أرْحم بِنَا منا بِأَنْفُسِنَا هَلُمَّ نُبَايِعك قَالَ سُفْيَان يعنين صافحنا فَقَالَ إِنِّي لَا أُصَافح النِّسَاء إِنَّمَا قولي لمِائَة امْرَأَة كَقَوْلي لامْرَأَة وَاحِدَة أخرجه مَالك وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وللشيخين وَأبي دَاوُد عَن عَائِشَة ﵂ مَا مس رَسُول الله ﷺ يَد امْرَأَة قطّ إِلَّا أَن يَأْخُذ عَلَيْهَا فَإِذا أَخذ عَلَيْهَا فَأَعْطَتْهُ قَالَ اذهبي فقد بَايَعْتُك ٣ - بَاب مَا ورد فِي الاستيصاء بِالنسَاء وَهَذَا أَيْضا تقدم هُنَالك عَن عَمْرو بن الْأَحْوَص فِي حَدِيث طَوِيل فِي ذكر حجَّة الْوَدَاع عَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَلا وَاسْتَوْصُوا بِالنسَاء خيرا فَإِنَّهُنَّ عوان عنْدكُمْ لَيْسَ

стр. 242

تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئا غير ذَلِك إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة فَإِن فعلن فاهجروهن فِي الْمضَاجِع واضربوهن ضربا غير مبرح فَإِن أطعنكم فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا أَلا وَإِن لكم على نِسَائِكُم حَقًا ولنسائكم عَلَيْكُم حَقًا فَأَما حقكم على نِسَائِكُم فَلَا يوطئن فرشكم من تَكْرَهُونَ وَلَا يَأْذَن فِي بُيُوتكُمْ لمن تَكْرَهُونَ أَلا وَإِن حقهن عَلَيْكُم أَن تحسنوا إلَيْهِنَّ فِي كسوتهن وطعامهن الحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَمعنى عوان أسيرات ٤ - بَاب مَا ورد فِي الأقتصاد فِي الْعَمَل وَفِي تزوج النِّسَاء عَن أنس ﵁ قَالَ جَاءَ ثَلَاثَة رَهْط إِلَى بَيت أَزوَاج النَّبِي ﷺ يسْأَلُون عَن عِبَادَته فَلَمَّا أخبروا كَأَنَّهُمْ تقالوها قَالُوا أَيْن نَحن من رَسُول الله ﷺ وَقد غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر قَالَ أحدهم أما أَنا فأصلي اللَّيْل أبدا وَقَالَ الآخر وَأَنا أعتزل النِّسَاء وَلَا أَتزوّج أبدا وَقَالَ الآخر وَأَنا أَصوم الدَّهْر وَلَا أفطر فجَاء رَسُول لله ﷺ إِلَيْهِم فَقَالَ أَنْتُم الَّذين قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أما وَالله إِنِّي لأخشاكم لله وأتقاكم لَهُ وَلَكِنِّي أَصوم وَأفْطر وأصلي وأرقد وأتزوج النِّسَاء فَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني أخرجه الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيّ وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت بعث رَسُول الله ﷺ إِلَى عُثْمَان ابْن مَظْعُون يَقُول أرغبت عَن سنتي فَقَالَ لَا وَالله يَا رَسُول الله وَلَكِن سنتك أطلب فَقَالَ النَّبِي ﷺ فَإِنِّي أَنَام وأصلي وَأَصُوم وَأفْطر وأنكح النِّسَاء فَاتق الله يَا عُثْمَان فَإِن لأهْلك عَلَيْك حَقًا وَإِن لضيفك عَلَيْك حَقًا وَإِن لنَفسك عَلَيْك حَقًا فَصم وَأفْطر وصل ونم أخرجه أَبُو دَاوُد وَزَاد رزين وَكَانَ حلف أَن يقوم اللَّيْل كُله ويصوم النَّهَار وَلَا ينْكح النِّسَاء فَسَأَلَ عَن يَمِينه فَنزل ﴿لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم﴾ ويروى أَنه نوى ذَلِك وَلم يعزم وَهُوَ أصح

стр. 243

وَعَن أنس قَالَ دخل رَسُول الله ﷺ الْمَسْجِد فَإِذا حَبل مَمْدُود بَين الساريتين فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا حَبل لِزَيْنَب فَإِذا فترت تعلّقت بِهِ فَقَالَ لَا حلوه ليصل أحدكُم نشاطه فَإِذا فتر فليقعد أخرجه البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَعَن عَائِشَة قَالَت دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ وَعِنْدِي امْرَأَة من بني أَسد فَقَالَ من هَذِه قلت فُلَانَة لَا تنام اللَّيْل فَقَالَ مَه عَلَيْكُم من الْأَعْمَال مَا تطيقون فَإِن الله لَا يمل حَتَّى تملوا وَكَانَ أحب الدَّين إِلَيْهِ مَا داوم عَلَيْهِ صَاحبه أخرجه الشَّيْخَانِ وَمَالك وَالنَّسَائِيّ وَعَن أبي جُحَيْفَة قَالَ آخى رَسُول الله ﷺ بَين سلمَان وَأبي الدَّرْدَاء فزار سلمَان أَبَا الدَّرْدَاء فَرَأى أم الدَّرْدَاء متبذلة فَقَالَ مَا شَأْنك قَالَت أَخُوك أَبُو الدَّرْدَاء لَيْسَ لَهُ حَاجَة فِي الدُّنْيَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ وَفِي آخِره فَقَالَ سلمَان إِن لِرَبِّك عَلَيْك حَقًا وَإِن لأهْلك عَلَيْك حَقًا فأعط كل ذِي حق حَقه فَذكر ذَلِك لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ صدق سلمَان وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَزَاد ولضيفك عَلَيْك حَقًا وَعَن مَالك أَنه بلغه أَن عَائِشَة كَانَت ترسل إِلَى أَهلهَا بعد الْعَتَمَة تَقول أَلا تريحون الْكتاب وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ أخبر النَّبِي ﷺ عَن مولاة لَهُ تقوم اللَّيْل وتصوم النَّهَار فَقَالَ لكل عَامل شَره وَلكُل شرة فَتْرَة فَمن صَارَت فترته إِلَى سنتي فقد اهْتَدَى وَمن أَخطَأ فقد ضل ٥ - بَاب مَا ورد فِي اعْتِكَاف النِّسَاء عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت كَانَ رَسُول الله ﷺ يعْتَكف الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان ثمَّ اعْتكف أَزوَاجه من بعده أخرجه السِّتَّة

стр. 244

وَفِي رِوَايَة قَالَ فاستأذنته عَائِشَة أَن تعتكف فَأذن لَهَا فَضربت فِيهِ قبَّة فَسمِعت بهَا حَفْصَة فَضربت قبَّة وَضربت زينت أُخْرَى فَلَمَّا انْصَرف من الْغَدَاة أبْصر أَربع قباب فَقَالَ مَا هَذِه فَأخْبر بذلك فَقَالَ مَا حَملهنَّ على هَذَا الْبر إنزعوها فَلَا أَرَاهَا فنزعت فَلم يعْتَكف فِي رَمَضَان حَتَّى اعْتكف فِي آخر الْعشْر من شَوَّال وَهَذَا الحَدِيث فِي تيسير الْوُصُول فِي كتاب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَعَن عَائِشَة أَنَّهَا كَانَت ترجل النَّبِي ﷺ وَهِي حَائِض وَهُوَ معتكف فِي الْمَسْجِد وَهِي فِي حُجْرَتهَا يدني إِلَيْهَا رَأسه الحَدِيث أخرجه السِّتَّة وَزَاد أَبُو دَاوُد وَقَالَت السّنة للمعتكف أَن لَا يعود مَرِيضا وَلَا يشْهد جَنَازَة وَلَا يمس امْرَأَة وَلَا يُبَاشِرهَا وَلَا يخرج إِلَّا لما لَا بُد لَهُ مِنْهُ والترجيل تَسْرِيح الشّعْر وتنظيفه وتحسينه وعنها قَالَت اعْتكف مَعَ رَسُول الله ﷺ امْرَأَة من أَزوَاجه مُسْتَحَاضَة فَكَانَت ترى الدَّم والصفرة وَهِي تصلي وَرُبمَا وضعت الطست تحتهَا من الدَّم أخرجه البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَعَن عَليّ بن الْحُسَيْن ﵄ قَالَ قَالَت صَفِيَّة ﵂ كَانَ رَسُول الله ﷺ معتكفا فَأَتَيْته أَزورهُ لَيْلًا فَحَدَّثته ثمَّ قُمْت لأنقلب فَقَامَ معي حَتَّى إِذا بلغ بَاب الْمَسْجِد مر رجلَانِ من الْأَنْصَار فَلَمَّا رَأيا رَسُول الله ﷺ أَسْرعَا فَقَالَ على رِسْلكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّة بنت حييّ فَقَالَا سُبْحَانَ الله يَا رَسُول الله فَقَالَ إِن الشَّيْطَان يجْرِي من ابْن آدم مجْرى الدَّم وَإِنِّي خشيت أَن يقذف فِي قُلُوبكُمَا شرا أَو قَالَ شَيْئا أخرجه الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد والانقلاب الرُّجُوع وَهَذِه الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة أَيْضا فِي التَّيْسِير فِي الْكتاب الْمَذْكُور

стр. 245

٦ - بَاب مَا ورد فِي أَن امْرَأَة المؤلي تطلق بِمُضِيِّ أَرْبَعَة أشهر عَن ابْن عمر إِذا مَضَت أَرْبَعَة أشهر يُوقف حَتَّى يُطلق وَلَا يَقع عَلَيْهِ الطَّلَاق حَتَّى يُطلق يَعْنِي المؤلي وَيذكر ذَلِك عَن عُثْمَان وَعلي وَأبي الدَّرْدَاء وَعَائِشَة واثني عشر رجلا من الصَّحَابَة أخرجه البُخَارِيّ وَمَالك وَفِي أُخْرَى للْبُخَارِيّ قَالَ يَعْنِي ابْن عمر الْإِيلَاء الَّذِي سَمَّاهُ الله تَعَالَى لَا يحل لأحد بعد الْأَجَل إِلَّا أَن يمسك بِالْمَعْرُوفِ أَو يعزم الطَّلَاق كَمَا أَمر الله تَعَالَى وَعَن عَليّ ﵁ قَالَ إِذا آلى الرجل من امْرَأَته لم يَقع عَلَيْهِ طَلَاق وَإِن مَضَت الْأَرْبَعَة أشهر حَتَّى يُوقف فإمَّا أَن يُطلق وَإِمَّا أَن يفِيء أخرجه مَالك وَقَالَ مَالك من حلف على امْرَأَته أَن لَا يَطَأهَا حَتَّى تفطم وَلَدهَا لم يكن مؤليا وَبَلغنِي عَن عَليّ أَنه سُئِلَ عَن ذَلِك فَلم يره إِيلَاء وَعَن عَائِشَة قَالَت آلى رَسُول الله ﷺ من نِسَائِهِ وَحرم فَجعل الْحَرَام حَلَالا وَجعل فِي الْيَمين كَفَّارَة أخرجه التِّرْمِذِيّ قلت الْإِيلَاء هُوَ أَن يحلف الزَّوْج بِأَن لَا يقرب جَمِيع نِسَائِهِ أَو بَعضهنَّ وَهُوَ ظَاهر فَإِن وَقت بِدُونِ أَرْبَعَة أشهر اعتزل حَتَّى يَنْقَضِي مَا وَقت بِهِ لما ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَن النَّبِي ﷺ آلى من نِسَائِهِ شهرا ثمَّ دخل بِهن بعد ذَلِك وَإِن وَقت بِأَكْثَرَ مِنْهَا خير بعد مضيها بَين أَن يفِيء أَو يُطلق لقَوْله تَعَالَى ﴿تربص أَرْبَعَة أشهر﴾ وَأخرج الدَّارقطني عَن سُلَيْمَان بن يسَار قَالَ أدْركْت بضعَة عشر رجلا من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ كلهم يوقفون المؤلي وَقد ذهب إِلَى جَوَاز الْإِيلَاء دون أَرْبَعَة أشهر جمَاعَة من أهل الْعلم وَهُوَ الْحق بِدَلِيل مَا وَقع مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 246

من إِيلَاء شهر وَقد تقدم قَرِيبا فَلَو كَانَ لَا يَصح لم يَقع مِنْهُ ذَلِك فَالْحق جَوَازه أَرْبَعَة اشهر فَصَاعِدا أَو أقل مِنْهَا وَالله أعلم ٧ - بَاب مَا ورد فِيمَا يكون بَين الزَّوْج وَالزَّوْجَة عَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ قَالَ جَاءَ النَّبِي ﷺ إِلَى بَيت فَاطِمَة فَلم يجد عليا فَقَالَ أَيْن ابْن عمك فَقَالَت كَانَ بيني وَبَينه شَيْء فغاضبني فَخرج فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لإِنْسَان انْظُر أَيْن هُوَ فَقَالَ هُوَ فِي الْمَسْجِد رَاقِد فَجَاءَهُ وَهُوَ مُضْطَجع وَقد سقط رِدَاؤُهُ عَن شقَّه فَأَصَابَهُ تُرَاب فَجعل النَّبِي ﷺ يَقُول قُم يَا أَبَا تُرَاب قُم يَا أَبَا تُرَاب قَالَ سهل وَمَا كَانَ لَهُ اسْم أحب إِلَيْهِ مِنْهُ أخرجه الشَّيْخَانِ وَأوردهُ فِي التَّيْسِير فِي فصل من سَمَّاهُ رَسُول الله ﷺ ٨ بَاب مَا ورد فِي كنى النِّسَاء عَن عَائِشَة قَالَت قلت يَا رَسُول الله كل صواحبي لَهُنَّ كنى قَالَ فاكتني بابنك عبد الله بن الزبير فَكَانَت تكنى أم عبد الله أخرجه أَبُو دَاوُد وَزَاد رزين فَإِن الْخَالَة أم ٩ - بَاب مَا ورد فِي جَوَاز التَّسْمِيَة باسم النَّبِي ﷺ وكنيته عَن عَائِشَة أَن امْرَأَة قَالَت يَا رَسُول الله إِنِّي ولدت غُلَاما فسميته مُحَمَّدًا وكنيته أَبَا الْقَاسِم فَذكر لي أَنَّك تكره ذَلِك فَقَالَ مَا الَّذِي أحل اسْمِي وَحرم كنيتي أَو مَا الَّذِي حرم كنيتي وَأحل اسْمِي أخرجه أَبُو دَاوُد

стр. 247

١٠ - بَاب مَا ورد فِي التأذين فِي أذن الْمَوْلُود عَن أبي رَافع قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ قد أذن فِي أذن الْحسن بن عَليّ حِين وَلدته فَاطِمَة ﵂ أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَزَاد رزين وَقَرَأَ فِي أُذُنه سُورَة الْإِخْلَاص وحنكه بتمرة وَسَماهُ قلت وتستحب الْعَقِيقَة وَهِي شَاتَان عَن الذّكر وشَاة عَن الْأُنْثَى يَوْم سَابِع الْمَوْلُود وَفِيه يُسمى ويحلق رَأسه وَيُؤذن فِي أُذُنَيْهِ وَيتَصَدَّق بوزنه ذَهَبا أَو فضَّة لأَمره ﷺ لفاطمة الزهراء بذلك والْحَدِيث عِنْد أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ وَفِي إِسْنَاده ابْن عقيل ١١ - بَاب مَا ورد فِي آنِية الْمَرْأَة النَّصْرَانِيَّة عَن أبن عمر ﵄ قَالَ تَوَضَّأ عمر بالحميم فِي جر نَصْرَانِيَّة وَمن بَيتهَا أخرجه رزين قلت وَترْجم بِهِ البُخَارِيّ ١٢ - بَاب مَا ورد فِي بر الوالدة عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ جَاءَ رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله من أَحَق النَّاس بِحسن صَحَابَتِي قَالَ أمك قَالَ ثمَّ من قَالَ أمك قَالَ ثمَّ من قَالَ أمك قَالَ ثمَّ من قَالَ أَبوك أخرجه الشَّيْخَانِ وَفِي رِوَايَة أُخْرَى قَالَ أمك ثمَّ أمك ثمَّ أمك ثمَّ أدناك فأدناك هَذَا لَفْظهمَا وَزَاد مُسلم فَقَالَ نعم وَأَبِيك لتنبأن وَعَن كُلَيْب بن مَنْفَعَة عَن جده كُلَيْب الْحَنَفِيّ أَنه أَتَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 248

فَقَالَ يَا رَسُول الله من أبر قَالَ أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك الَّذِي يَلِي ذَلِك حَقًا وَاجِبا ورحما مَوْصُولَة أخرجه أَبُو دَاوُد وَعَن بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده مُعَاوِيَة بن حيدة الْقشيرِي قَالَ قلت يَا رَسُول الله من أبر قَالَ أمك قلت ثمَّ من قَالَ أمك قلت ثمَّ من قَالَ أمك قلت ثمَّ من قَالَ أَبَاك ثمَّ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ رغم أَنفه رغم أَنفه قيل من يَا رَسُول الله قَالَ من أدْرك وَالِديهِ عِنْد الْكبر أَو أَحدهمَا ثمَّ لم يدْخل الْجنَّة أخرجه مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لمُسلم وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ اسْتَأْذن رجل رَسُول الله ﷺ فِي الْجِهَاد فَقَالَ أَحَي والدك قَالَ نعم قَالَ ففيهما فَجَاهد أخرجه الْخَمْسَة وَفِي أُخْرَى لمُسلم أُبَايِعك على الْهِجْرَة وَالْجهَاد أَبْتَغِي الْأجر من الله تَعَالَى قَالَ فَهَل من والديك أحد قَالَ نعم بل كِلَاهُمَا حَيّ قَالَ فتبتغي الْأجر من الله تَعَالَى قَالَ نعم قَالَ فَارْجِع إِلَى والديك فَأحْسن صحبتهما وَفِي أُخْرَى لأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَتركت أَبَوي يَبْكِيَانِ قَالَ فَارْجِع إِلَيْهِمَا فأضحكهما كَمَا أبكيتهما وَلأبي دَاوُد فِي أُخْرَى عَن أبي سعيد أَن رجلا من أهل الْيمن هَاجر إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ هَل لَك أحد بِالْيمن قَالَ أبواي قَالَ أأذنا لَك قَالَ لَا قَالَ فَارْجِع إِلَيْهِمَا فاستأذنهما فَإِن أذنا لَك فَجَاهد وَإِلَّا فبرهما وَعَن مُعَاوِيَة بن جاهمة أَن جاهمة أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله أردْت أَن أغزو وَقد جِئْت أستشيرك فَقَالَ هَل لَك من أم قَالَ نعم قَالَ فالزمها فَإِن الْجنَّة عِنْد رجلهَا أخرجه النَّسَائِيّ

стр. 249

وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ كَانَت تحتي امْرَأَة أحبها وَكَانَ عمر يكرهها فَقَالَ لي طَلقهَا فأبيت فَأتى عمر إِلَى رَسُول الله ﷺ فَذكر ذَلِك لَهُ فَقَالَ لي رَسُول الله ﷺ طَلقهَا أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَعَن بُرَيْدَة ﵁ أَن امْرَأَة قَالَت يَا رَسُول الله إِنِّي تَصَدَّقت على أُمِّي بِجَارِيَة وَإِنَّهَا مَاتَت قَالَ وَجب أجرك وردهَا عَلَيْك الْمِيرَاث وَقَالَت إِنَّه كَانَ عَلَيْهَا صَوْم شهر أفأصوم عَنْهَا قَالَ صومي عَنْهَا قَالَت إِنَّهَا لم تحج أفأحج عَنْهَا قَالَ حجي عَنْهَا أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَفِيه دَلِيل على جَوَاز حج الْقَرِيب عَن الْقَرِيب وَعَن أَسمَاء بنت أبي بكر قَالَت قدمت على أُمِّي وَهِي مُشركَة فاستفتيت رَسُول الله ﷺ فَقلت قدمت عَليّ أُمِّي وَهِي راغبة أفأصل أُمِّي قَالَ نعم صلي أمك أخرجه الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد وَعَن ابْن عمر ﵄ قَالَ أَتَى رجل رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إِنِّي أصبت ذَنبا عَظِيما فَهَل لي من تَوْبَة قَالَ هَل لَك من أم قَالَ لَا قَالَ هَل لَك من خَالَة قَالَ نعم قَالَ فبرها أخرجه التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَزَاد فِي الْأُخْرَى عَن الْبَراء بن عَازِب الْخَالَة بِمَنْزِلَة الْأُم وَعَن أبي أسيد مَالك بن ربيعَة السَّاعِدِيّ أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله هَل بَقِي من بر أَبَوي شَيْء أبرهما بِهِ بعد مَوْتهمَا قَالَ نعم الصَّلَاة عَلَيْهِمَا وَالِاسْتِغْفَار لَهما وإنفاذ عهدهما من بعدهمَا وصلَة الرَّحِم الَّتِي لَا توصل إِلَّا بهما وإكرام صديقهما أخرجه أَبُو دَاوُد وَعَن عمر بن السَّائِب أَنه بلغه أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ جَالِسا فَأقبل أَبوهُ من الرضَاعَة فَوضع لَهُ بعض ثَوْبه فَقعدَ عَلَيْهِ ثمَّ أَقبلت أمه من الرضَاعَة فَوضع لَهَا شقّ ثَوْبه من جَانِبه الآخر فَجَلَست عَلَيْهِ ثمَّ أقبل إِلَيْهِ أَخُوهُ من الرضَاعَة

стр. 250

فَقَامَ رَسُول الله ﷺ فأجلسه بَين يَدَيْهِ أخرجه أَبُو دَاوُد وَعَن زيد بن أَرقم قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من حج عَن أحد أَبَوَيْهِ أَجْزَأَ ذَلِك عَنهُ وَبشر روحه بذلك فِي السَّمَاء وَكتب عِنْد الله بارا وَلَو كَانَ عاقا وَفِي أُخْرَى كتب لِأَبِيهِ بِحَجّ وَله بِسبع أخرجه رزين وَفِي الحَدِيث دلَالَة على جَوَاز حج الْوَلَد عَن وَالِديهِ وَلم يرد فِي حَدِيث صَحِيح إِلَّا حج الْقَرِيب عَن الْقَرِيب ١٣ - بَاب مَا ورد فِي بر الْأَوْلَاد والأقارب عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت دخلت عَليّ امْرَأَة وَمَعَهَا ابنتان لَهَا تسْأَل فَلم تَجِد عِنْدِي شَيْئا غير تَمْرَة فأعطيتها إِيَّاهَا فقسمتها بَين ابنتيها وَلم تَأْكُل مِنْهَا ثمَّ خرجت فَدخل عَليّ رَسُول الله ﷺ فَأَخْبَرته فَقَالَ من ابْتُلِيَ من هَذِه الْبَنَات بِشَيْء فَأحْسن إلَيْهِنَّ كن لَهُ سترا من النَّار أخرجه الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيّ وَعَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من عَال جاريتين حَتَّى تبلغا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وَكنت أَنا وَهُوَ وَضم أَصَابِعه أخرجه مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَعِنْده دخلت أَنا وَهُوَ الْجنَّة كهاتين وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ وَعَن أبي سعيد قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من عَال ثَلَاث بَنَات أَو ثَلَاث أَخَوَات أَو أُخْتَيْنِ أَو إبنتين فأدبهن وَأحسن إلَيْهِنَّ وزوجهن فَلهُ الْجنَّة أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَهَذَا لفظ أبي دَاوُد وَله فِي أُخْرَى وَلم يهنها وَلم يُؤثر وَلَده يَعْنِي الذُّكُور عَلَيْهَا أدخلهُ الله تَعَالَى الْجنَّة وَعَن عَوْف بن مَالك الْأَشْجَعِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَنا وَامْرَأَة سعفاء الْخَدين كهاتين يَوْم الْقِيَامَة وَأَوْمَأَ يزِيد بن زُرَيْع الرَّاوِي بالوسطى
следующие страницы →