هو أبغض الأشياء إليهم من بعض أهل الكتاب وهم الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ليكون ذلك أشد في الزجر وأعظم في التوبيخ، فذكرت الرؤيا للنبي- ﵌ وكانوا يقصون عليه رؤاهم فنفى علمه بصدور تلك العبارة منهم، وأظهر إنكاره وتعجبه من صدور تلك العبارة الشركية التي ما كان ليظن صدورها منهم، وفي هذا ما فيه من اللوم والتعنيف، فقام خطيبا فيهم فنهاهم عن العبارة الشركية الباطلة، وبين عبارة التوحيد والحق الصحيحة، وهي أن يقولوا ما شاء الله وحده ثم ما شاء محمد أو ما شاء الله ثم ماشاء محمد.
الأحكام:
أفاد الحديث النهي عن القرن بين مشيئة الخالق ومشيئة المخلوق بالواو وجواز القرن بينهما بثم وأثبت للمخلوق مشيئة ولكنها مقيدة ومتأخرة بخلاف مشيئة الخالق فإنها سابقة ومطلقة مستقلة ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وأفاد أن القرن بين مشيئة الخالق ومشيئة المخلوق شرك، وأن من فعل ذلك يقال له قد أشركت لأنه لما قصت عليه الرؤيا وفيها قوله لولا أنكم تشركون أقر ذلك ولم ينكره. وأن كلمة الشرك لا يجوز أن تقال ولو كان قائلها لا يعتقد المساواة بين الخالق والمخلوق، كما هو حال الصحابة الذين لا يشك في عملهم بذلك، وأن قائل كلمة الشرك هذه وإن كان يقال له أشركت كما تقدم لا يخرج بذلك من الإيمان حيث كان لا يعتقد التسوية فإنه لم يحكم بردتهم بتلك الكلمة وإنما نهاهم عن قولها.
стр. 107
تأييد:
روى ابن ماجة في هذا الباب بسند حسن عن ابن عباس قال: قال رسول الله- ﵌: «إذا حلف أحدكم فلا يقل ما شاء الله وشئت ولكن ليقل ما شاء الله ثم شئت». وهذا الحديث في معنى الحديث الذي تكلمنا عليه.
تفصيل أول: الشرك يكون بالاعتقاد وهذا مخرج عن الإيمان ويكون بالقول مثل الكلمة المتقدمة وهذا لا يخرج صاحبه من الإيمان وإنما يحرم عليه النطق به.
تفصيل ثان: من الصفات ما يثبت لله على ما يليق بجلاله ويثبت للمخلوق على ما يليق بحدوثه وافتقاره كالمشيئة وكالعطاء، عندما تكون للمخلوق أسباب فيها، فهذا يسند إليهما ويحرم أن يسوى بينهما في العبارة، ويجب الإتيان بعبارة صريحة في عدم التسوية، فأما المشيئة فقد تقدمت وأما العطاء فكأن تقول لمن أعطاك شيئا هذا من فضل الله ثم من فضلك، ومنها ما لا يجوز أن يجمع فيه بين الإسناد للمخلوق والخالق أبدا كالعطاء الذي لا دخل للمخلوق فيه لخروجه عن الأسباب الممكن هو منها فلا يجوز أن تقول في غيث نزل مثلا هذا من الله ومن فلان ولا ثم من فلان لأنه لا دخل لأحد فيما وراء الأسباب.
تطبيق:
إذا نظرنا في حالة السواد الأعظم منا معشر المسلمين الجزائريين فإننا نجهد هذه الكلمات شائعة بينهم فاشية على ألسنتهم وهي (بربي والشيخ) وهم يعنون أن ما يفعلونه هو بالله وبتصرف الشيخ (بربي والصالحين) (بربي والناس الملاح) (إذا حب ربي والشيخ) (شوف ربي والشيخ). وهي كلها من
стр. 108
كلمات الشرك كما ترى، فأما قولهم: (بربي والشيخ) ونحوه فمما لا يجوز أن يذكر فيه المخلوق مع الخالق قطعا لأن ما تفعله هو بالله وحده أي بتقديره وتيسيره ولا دخل للمخلوق فيه، وأما قوله: (إذا حب الله والشيخ) فمما لا يجوز إلا بلفظة ثم. فيكون بمعنى إذا شاء الله ثم شاء الشيخ إذا كان هذا الشيخ حيا وكان الأمر مما يكن أن تدخل مشيئته فيه. ولقد شب على هذه الكلمات ونحوها الصغير، وشاب عليها الكبير، وانقطع عنها النهي والتغيير، حتى صارت كأنها من الكلمات المشروعة، وصار قلعها من الألسنة من أصعب الأمور، وأصبحت كلمة بالله وحده ونحوها مهجورة لديهم منسية عندهم ثقيلة على أسماعهم ثقل من يدعوهم إليها ويلهج بها على قلوبهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
العلاج:
على من عرف هذا الحديث النبوي أن يعمل به في نفسه وأن ينشره بين الناس وأن يعالجهم به بتفهيمهم فيه وتحذيرهم من مغبة مخالفته والإصرار على معاندته. ولأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم. فإلى التوحيد أيها المسلمون، وإلى الإرشاد أيها العالمون، والله مع الصابرين (١).
стр. 109
الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ
أَيْنَ يَهْدِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .
((قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ. وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ. وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا»، رواه البخاري ومسلم في صحيحهما واللفظ لمسلم.
...
ــ
المفردات:
عليكم: اسم فعل بمعنى تمسكوا. وإياكم منصوب على التحذير في معنى احذروا. والصدق: مطابقة الخبر للواقع وتصويره على ما هو عليه. والكذب: عدم مطابقة الخبر للواقع وتصويره على خلاف مما هو عليه. يهدي إلى كذا: يعني يوصل إليه، بتحري الشيء: يقصده ويتعمده ولا ينحرف عنه، البر: اسم جامع للخير كله، والفجور: الانبعاث في الشر، الصدّيق: الكثير الصدق، والكذّاب: الكثير الكذب.
стр. 110
التراكيب:
عبر بالمضارع في يصدق ويكذب ويتحرى ليفيد التجدد وأن ذلك هو شأنه الذي يتكرر منه.
المعنى:
تمسكوا بالصدق والزموه فإن الصدق يوصل إلى العمل الصالح الخالص من كل مذموم، وإن العمل الصالح يوصل إلى الجنة، وإن الرجل ليتكرر منه الصدق ويتكرر منه تعمد الصدق والقصد إليه والتزامه حتى يكتب عند الله كتابة خاصة صديقا فيثاب ثواب الصديقين ويرضى عليه رضاهم. واحذروا الكذب واجتنبوه فإن الكذب يوصل إلى الشر والانبعاث فيه وأن الشر يوصل إلى النار. وأن الرجل ليتكرر منه الكذب ويتكرر منه تعمده والقصد إليه حتى يكتب عند الله كتابة خاصة كذابا فيؤثم إثم الكذابين ويسخط عليه سخطهم.
تفصيل وتقسيم:
الصدق والكذب يكونان باللسان على ما تقدم من التفسير وهو الأصل في إطلاقهما. وعليه محمل الحديث، ويكونان - في القلب من حيث الاعتقاد، فالعقد الحق الجازم صدق، والعقد الباطل كذب، ويكونان في الجوارح من حيث الأفعال فالفعل الموفر حقه الواقع على وجهه صدق، والفعل الناقص الواقع على غير وجهه كذب، وجماعها كلها الحق والكمال في الصدق والباطل والنقص في الكذب فأقسام كل منهما مرتبط بعضها ببعض ارتباطا يكاد لا ينفصل ويكاد من التزم بعضها أن لا يفارق الآخر. ولا يكمل العبد في مقام الصديقة إلا بكماله في أقسام الصدق كلها وبعده عن أقسام الكذب كلها.
стр. 111
توجيه وتعليل:
كان الصدق يوصل إلى البر والكذب يوصل إلى الفجور لوجوه، الأول: ما بيناه في الفصل السابق من الارتباط بين أقسام كل منهما ورجوعهما إلى أصل واحد. الثاني: أن إلتزام الصدق يحمل على الوفاء بالعقود والعهود والوعود في معاملة الناس فتجري أعمال المرء مع غيره على سداد واستقامة، والكذب بضد ذلك. الثالث: أن الملتزم للصدق يمسك نفسه عن أعمال السوء مخافة أن يسئل عنها فيصدق فيجر على نفسه سوءا أو يكذب وهو لا يرضى مواقعة الكذب فتجري أعماله على البر سالمة من الفجور، والملتزم للكذب الضاري عليه يرتكب العظائم ولا يبالي أن ينفي عن نفسه كاذبا. أما البر فوصل إلى الجنة لأنها دار المتقين، وأما الفجور فوصل إلى النار لأنها دار الفاسقين، وأما كتابة الملازم للصدق صدّيقا فجزاء له من جنس عمله، فإنه داوم على الصدق وثبت عليه حتى رسخ فيه وتمكن خلقا من أخلاقه فأثبت اسمه كذلك في الصديقين، ومثاله ملازم الكذب.
إستفادتان:
الأولى: أن بين الخصال خصال البر وخصال الشر تناسبا وتوالدا أو هذا أصل يحتاج إليها في تهذيب الأخلاق وتزكية النفوس وعلاج أدوائها فإن من عرف المرض الأصلي الذي نشأت منه أمراض أخرى سهل عليه إذا عالجه أن يقتلع- بإذن الله- الباقي، ومن عرف أصل الخير سهل عليه إذا تمسك به أن يحصل على فروعه.
الثانية: إن تكرر العمل بمقتضى خلق من الأخلاق يقويه ويثبته وأن العمل على مقتضى ضده يضعه ويزيله، وهذا أصل عظيم أيضا في التربية يعلمنا أن التساهل في الأعمال
стр. 112
السيئة ولو كانت في نظرنا طفيفة يفضي بنا إلى استعصاء داء الرذيلة، وأن القيام بالأعمال الحسنة ولو كانت طفيفة يبلغ بنا إلى رسوخ الفضيلة.
إستنتاج:
قد كتب الله مقادير الأشياء قبل أن يخلق السموات والأرض وجفت الأقلام وجرت المقادير كما في الصحيح، فهذه الكتابة كناية أخرى من باب الجزاء للعامل على عمله يستحق بها صاحبها وصف الصديقين وثوابهم أو وصف الكذابين وعقابهم ويظهر بذلك في الملا الأعلى عند ملائكة الرحمن ويكسي حلته بين الناس ويعرف به ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
ترهيب:
إن من داوم على الكذب حتى كتب من الكذابين يخشى عليه أن يحرم من التوفيق إلى التوبة وتلك هي أكبر مصيبة، فإن الله من فضله على هذه الأمة أن فتح أمامها أبواب التوبة، وإذا داوم العبد على الإعراض عن باب سيده متهاونا بمخالفة أمره حتى كتب عنده في سىجل الشريرين كان ذلك خطرا عظيما عليه في أن يسد في وجهه الباب ويضرب بسوط الحرمان، ففي هذا الحديث الشريف ترهيب شديد من سوء عاقبة هذه الحال.
تحذير:
مواطن الهزل ومجالس البسط مما يتساهل فيها الناس فيلقون فيها الكلام بلا ضبط وتجري ألسنتهم بالكذب من غير مبالاة ولا احتياط فيقعون في الإثم على الكذب والإثم على التهاون بالمعصية ويتعودون ذلك التساهل حتى يقعوا في الوعيد المذكور
стр. 113
في هذا الحديث، فليحذر المسلم من مثل هذه الحال وليتفطن لنفسه في مثل هذه المقامات.
تحذير أوكد:
من قلة الاحتياط في الدين وعدم الاحترام للعلم ما يجري على ألسنة كثير من الناس قولهم (قال رسول الله) ﵌. دون معرفة برتبة الحديث عند أهله، ومصيبة بعض المتسمين بالعلم والقائمين بالخطب الجمعية في هذا أشد وأضر لتعديها منهم إلى غيرهم ونشرهم الموضوعات الكثيرة في الناس، ولا يكفيهم أنهم سمعوا أو وجدوا فقالوا، فقد قال النبي- ﵌: «كفى بالمرء كذبا أن يُحدِّث بكلِّ ما سمع» رواه مسلم في مقدمة صحيحه، والكذب عليه- ﵌ عظيم والتحري فيما دونه واجب فكيف به، خصوصا وقد قال هو عليه وآله الصلاة والسلام: «يكون في آخر الزمان دجَّالُون كذَّابون يأتونَكُم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤُكم فإِيَّاكم وإِياهم لا يُضلُّونَكم ولا يُفتنُونَكُم»، رواه مسلم في مقدمة صحيحه. وقال الإمام سيدي محمد السنوسي- رحمة الله عليه- في شرحه لهذا الموضع: (وعلماء السوء والرهبان على غير أصل سنة كلهم داخلون في هذا المعنى وما أكثرهم في زماننا (القرن التاسع) نسأل الله ﵎ السلامة من شر هذا الزمان وشر أهله) انتهى كلامه.
سلوك:
على العاقل أن يضبط لسانه في الجد والهزل، وأن يحترس من الكذب في الجليل والحقير، وأن يتثبت فيما ينقل ويروي من حديث الناس، وأن يتثبت أكثر وأبلغ فيما يروي في الدين
стр. 114
والعلم، وأن يتحرى الصدق وتصوير الحقائق وأن يجعل ذلك من همه وأعظم قصده، وأن يبادر بالتوبة فيما يزل به لسانه إلى ربه، ويعمل دائما على أن يطابق بين عقدهِ بقلبه ونطقه بلسانه وعمله بجوارحه حتى يكون متحريا للصدق بجميع أقسامه ويكتب به بفضل الله ورحمته في الصديقين. وفقنا لهذا ويسرنا له نحن والمسلمين أجمعين يا رب العالمين يا أرحم الراحمين (١)
стр. 115
الرَّاعِي الْغَاشُّ لِرَعِيَّتِهِ .
((عَادَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْمُزَنِيَّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﵌. لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ بِهِ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»)). رواه مسلم.
...
ــ
الصحابي الجليل والأمير الظالم:
معقل بن يسار ﵁:
أسلم قبل الحديبية، وشهد بيعة الرضوان. سكن البصرة، وبها مات في خلافة معاوية ﵁، وحفر نهرا بالبصرة بأمر عمر- ﵁ وإليه ينسب، وفيه جاء المثل: (إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل).
عبيد الله بن زياد:
أبوه زياد بن سمية، ألحقه معاوية بأبي سفيان فنسب إليه. ولاه (عبيد الله) معاوية البصرة وأقره عليها يزيد، وعبيد الله هذا هو الذي جهز الجيوش لقتال الحسين بن علي- رضي
стр. 116
الله عنهما- وهو ألزمهم بقتاله- قتله الله- وقد قتله إبراههيم بن الأشعث بعد، وخبره مذكور ومعروف.
ترك الموعظة خوف المفسدة:
كان معقل بن يسار يرى من ظلم عبيد الله بن زياد وغشه للرعية
ولم يستطع ان يواجهه بما في هذا الحديث من الموعظة، خوف أن يبطش به، فتثور من أجل قتله أو إذايته ثائرة بالبصرة تؤدي إلى سفك دماء المسلمين دون ان تكف ابن زياد عن ظلمه، فاتقاء لهذا لم يواجهه بالموعظة، حتى جاء عبيد الله لعيادته، وقد علم معقل أنه في مرض موته فاغتنم الفرصة وجابهه بالموعظة لما خلصت للمصلحة وأمن المفسدة.
ما الراعي وما الرعية ؟:
الرعاية حفظ الشيء، وتفقد أحواله، وإعطاؤه ما يحتاج إليه، وصرفه عما يؤذيه، وما لا فائدة له فيه، ووقايته مما يعدو عليه، وكل من جعل الله تحت يده شيئا من مخلوقاته فقد استرعاه ذلك الشيء أي: جعله في رعايته، وطالبه وكلفه بأن يرعاه فصار مسؤولا عنه عند الله، وما من بالغ عافل ذكرا أو انثى إلا وقد جعل الله شيئا في رعايته، ولو لم يكن من ذلك إلا نفسه وعقله وبدنه وأعظم بهما من شيء تجب رعايته. وهذا معنى التعميم في الحديث.
الواجب على الراعي في رعيته:
يجب على كل راع - بالتعميم المتقدم المستفاد من الحديث السابق- أن ينصح لما استرعاه الله من رعية في القول والعمل، وأن لا يدخر شيئا من جهده في حفظه وتفقد أحواله، وإعطائه ما يحتاج إليه، وصرفه عما يؤذيه وما لا فائدة له فيه، ووقايته
стр. 117
من كل ما يعدو عليه، وان يستصفي له من الآراء والأعمال والأقوال أبلغ ما يقدر عليه، فإذا قصر في شيء من هذا فقد غش رعيته بما يدخله عليها من الضرر في ولايته عليها، وارتكب بذلك الكبيرة التي توعد عليها بالنار.
توجيه:
لما كانت أعظم الرعايات رعاية أمر العامة بالأمرة والولاية، حدث
معقل بن يسار بهذا الحديث عبيد الله بن زياد لأنه كان أميرا لمصر عظيم، فيكون من أول من يشمله عموم لفظ: «ما من أحد». وهذا هو وجه تخريج مسلم لهذا الحديث في كتاب الامارة، وأما اللفط فهو على عمومه.
الوعيد: معناه، وشرطه، وعمومه:
توعد الله على لسان نبيه- ﵌ الراعي الغاش بتحريم الجنة عليه، والتحريم هو المنع، ويكون موقتا موقوتا ويكون مؤبدا، فإن مات الغاش مستحلا للغش أو عوقب على إصراره بسوء الخاتمة -عياذا بالله- فتحريمها عليه مؤبد، وإن مات مسلما مصرا فتحريمها عليه مؤقت، يدخل النار بغشه ثم يخرج منها بما في قلبه من إيمان: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
وهذا المعنى -على تفصيله- عام بحسب صريح لفظه، لكل راع غاش واقتضى قوله ﵌ في الحديث: «يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته» أن هذا الوعيد فيمن مات مصراً ولم يتب، فأما من تاب ولم يمت يوم مات على غشه فليس داخلا في هذا الوعيد.
стр. 118
نعم، ينجو التائب من عقوبة الغش بتوبته، ولكنه تبقى عليه تبعات العباد وما ألحق بهم من ضرر، وهي حقوق أخرى جنى عليها زيادة على أصل الغش، فلهما عقوباتها والقصاص عليها.
تطبيق:
كل من تولى أمراً من أمور الأمة فهو من رعاتها المسؤولين عنها، المتوعدين بهذا الوعيد الشديد إذا غشوها على أي وجه كانت تلك الولاية من الوجوه التي تختلف باختلاف الأمم وأوضاعها، ومما هو من أعظم الولاية على الأمة اليوم بحسب وضعها -النيابة عنها، والتكلم بلسانها من أدنى درجات تلك النيابة إلى أعلاها، فليعلم هذا من يتقدم لهذه الولاية، وليراقب الله فيها، كما على كل راع أن يعلم هذا الوعيد ويحذر ان يقتحمه.
نسأل الله لنا وللمسلمين أن يوفقنا إلى القيام بأحسن الرعاية، في كل ما استرعانا من أنفسنا وغير أنفسنا (١).
стр. 119
التَّسَتُّرُ بِالنَّقَائِصِ .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ- ﵌ يَقُولُ: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ المُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ -وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ- فَيَقُولَ: يَا فُلاَنُ عَمِلْتُ البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ».
رواه البخاري في الأدب ومسلم في الزهد والرقائق.
...
ــ
الكلمات:
المعافى من العافية وهي السلامة، فالمعافى هو السالم، ويحتمل أن يكون المراد هنا سلامة العرض من القدح، أو سلامة البدن من الحد، أو سلامة العاقبة من المؤاخذة بالذنب، والمجاهر هو المعلن بفسقه.
المعنى:
قد يرتكب المذنب المعصية مع شعوره بقبح ما أتى، وخجله به من ربه، وانكسار قلبه من أجل معصيته، فهو لذلك يتستر بذنبه فلا يطلع عليه غيره لا بقول ولا بفعل، فهذا قد سلم منه الناس فلم يؤذهم بشره ولم يدعهم إلى الاقتداء به، وسلم
стр. 120
منه الشرع فلم يكسر من هيبته، ولم ينقص عند الناس من حرمته، فسلم له هو عرضه من القدح، وبدنه من الحد، وسلم له أصل إيمانه، وهو حياؤه من الله، وخوفه منه، واحترامه لدينه، وبعضه لما يأتي من معصيته، فيوشك بهذه الحياة التي في قلبه أن يقلع عن ذنبه ويتوب فيسلم عن المؤاخذة بسبب التوبة، وقد يترجح ما في قلبه من خوف وخجل، واحترام وبغض للمعصية وتألم بها- على نفس المعصية فيسلم من المؤاخذة بها عند الموازنة يوم القيامة. فصدق فيه هذا الوعد بأنه معافى من ذنبه، وسالم من المؤاخذة به.
أما الذي يجاهر بمعصيته ويعلن بها، فهذا قد تعدَّى على مجتمع الناس بما أظهر من فساد، وما أوجد من قدوة سيئة، وما عمل لمجاهرته على شيوع الفاحشة فيهم.
وقد تعدى على الشرع بما انتهك من حرمته، وجرأ من السفهاء عليه. وهو بمجاهرته قد دل على استخفافه بحق الله وحق عباده وعلى عناده للدين، وخلو قلبه من الخوف والحياء، وأي إيمان يبقى بعدهما.
ولما كانت المجاهرة بالمعصية تطلق في الغالب على من يعلن أمره للجماعات، بين النبي- ﵌ أن مجاهرة الفرد كمجاهرة الجماعة من باب التنبيه على الجزئي الخفي من جزئيات المنهي عنه، لأنه هو الذي شأنه أن لا يتنبه له فيتساهل فيه، ومن تساهل في الجزئي الخفي أداه ذلك إلى التساهل في غيره. وهذا الجزئي الخفي هو أن يعمل عملا يستره الله فيه ثم يحدث به رفيقه فيكشف ستر الله عنه.
стр. 121
إستنباط:
قد تبين ما في المجاهرة من المفاسد والظلم، وقد دل الحديث على أن أهلها غير معافين فهم هالكون، فهي حرام ومعصية زائدة في أصل المعصية. فالمجاهر بمعصيته ارتكب معصيتين: المعصية والمجاهرة بها، وقد تجر عليه المجاهرة آثاما كثيرة بما يتسبب عن معصيته من شيوع الفاحشة وسوء القدوة، ويستمر ذلك يكتب عليه من آثاره ما بقي متسبب عن آثاره إلى يوم القيامة. فيا لفداحة الحمل يوم الفزع الأكبر.
وكما يحرم تحدث الشخص بمعصية نفسه لما فيه من المجاهرة كذلك يحرم عليه أن يتحدث بمعصية غيره ولو كان هو الذي حدثه، لما في ذلك من إذاعة الفاحشة ومن الغيبة.
تنبيه وتحذير:
المجاهر بفسقه الذي لا يستتر من أحد يجوز ذكره بفسقه الذي جاهر به، إذا كان في ذكره به مصلحة أو دفع مفسدة، ويجب أن يحذر من ذكره لغير ذلك فإنه من الغيبة وإذاعة الفاحشة.
إعتبار:
هذا في الأفراد، ومثلها الأمم، فالأمة التي تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتضرب على يد سفهائها وأهل الفساد منها، وتهجرهم وتنبذهم من مجتمعها تسلم من الشرور والبلايا، وتقل أو تنعدم منها المفاسد والمنكرات، والأمة التي تسكت عن سفهائها وأهل الشر من كبرائها، وتدعهم يتجاهرون فيها بالفواحش والقبائح - هي أمة هالكة، متحملة جريرة المجاهرة، بالمعاصي، بالهلاك في الدين والعذاب في الآخرة.
стр. 122
تربية:
روى الحاكم في مستدركه عن ابن عمر- ﵄ أن رسول الله- ﵌ قال: (اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله).
فليعمل المسلم على اجتناب المعاصي كلها. حتى إذا ألم بشيء منها فليجتهد في إخفائه وستره، وليضرع إلى الله تعالى في سجوده أن يتوب عليه من ذنبه، وليتوسل إليه -تعالى- بإيمانه به، وحيائه وخوفه منه، واحترامه لشرعه وعباده، فهو ﷻ يحب التوابين ويحب المتطهرين (١).
стр. 123
تَفَاوُتُ الصَّدَقَاتِ
بِنِسْبَتِهَا لَأَمْوَالِ الْمُتَصَدِّقِينَ .
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ». فَقَالَ رَجُلٌ: وَكَيْفَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «رَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ أَخَذَ مِنْ عُرْضِهِ مِائَةَ أَلْفٍ دِرْهَمٍ تَصَدَّقَ بِهَا وَرَجُلٌ لَيْسَ لَهُ إِلَّا دِرْهَمَانِ فَأَخَذَ أَحَدَهُمَا فَتَصَدَّقَ بِهِ»)، رواه النسائي وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحه واللفظ له والحاكم، وقال صحيح على شرط مسلم، المنذري.
...
ــ
الألفاظ:
السبق: الوصول للغاية قبل غيره. وأصله في الأبدان، ويكون للعقول في الوصول للفهم، وللأعمال في الوصول للأجر والفضيلة ومنه هذا. العرض- بضم العين- هو الجانب كعرض الحائط أي جانبه.
المعنى:
يقول- ﵌ إن درهما واحدا تصدق به صاحبه نال به من الأجر والفضل أعظم مما نال صاحب مائة ألف درهم تصدق بها، فبلغ درهمه إلى غاية من الأجر والفضل
стр. 124
ولم يبلغ إليها الآخر. ولما خفي وجه هذا على السائل لأن المعروف أن ثواب الكثير أكثر، بين له- ﵌ أن هذا حيث يكون الدرهم بالنسبة لمال صاحبه كثيرا، فإن درهم ذى درهين هو شطر ماله، وتكون المائة ألف بالنسبة لمال صاحبها قليلة، فإنها لم تكن إلا من جانبه، وسلم أصله ومعظمه.
توجيه:
الأجر على قدر المشقة، والثواب على قدر النصب وما يجده ذو الدرهمين من إنفاق أحدهما وهما كل ما يملك من المشقة والنصب أعظم مما يجده ذو المائة ألف وهي بعض ماله الكثير. وذو الدرهمين كان عنده من الإيمان واليقين ما أنفق به شطر ماله، فهو أعظم إيمانا ممن أنفق جزءا من مائة منه، وما عند ذى الدرهمين من خلق الإيثار والتضحية والبذل في سبيل الله أعظم بكثير مما عند ذى المائة ألف فهو أعظم منه أجرا وفضلا، فقد كان أعظم منه مشقة، وأقوى منه إيمانا، وأبلغ منه تضحية، وبذل جهد في سبيل الله وإيثارا. لا جرم كان أعظم منه فضلا واجرا.
تبصرة:
يقعد الشيطان للقليل المال في طريق الإنفاق فيزهده فيه، ومن مداخله عليه أنه يحقر له ما ينفقه من قليل بأنه لا غناء فيه، فيقبض يده عن الصدقة بذلك القليل الذي يستطيعه فيفوته أجر كبير، فبصرنا نبينا- ﵌ بالحقيقة وبين لنا أن ذلك القليل بالنسبة لمال صاحبه هو كثير، حتى أنه يسبق كثير غيره من أهل المال العظيم، ليشارك فقيرنا غنينا بقليله، فيكون من السابقين إلى الأجر الكثير.
стр. 125
تربية:
الأخلاق الفاضلة التي هي موجودة في فطرة الإنسان بأصولها وتنمو بحسن التربية، وتنطمس بالإهمال - قد حفظهما الله تعالى علينا بما وفقنا إليه من الإسلام، وما علمنا من آداب، وما شرعه لنا من أعمال، ومما ينمي تلك الأخلاق ويقويها المداومة على الأعمال التي تنشأ عنها، ومن أعظم تلك الأخلاق وأدخلها في باب النهوض بجلائل الأعمال، وحفظ سعادة الاجتماع خلق البذل، فجاء هذا الحديث الشريف وغيره يبين لنا عظيم أجر صدقة المقل، ليحثه على مشاركة الغني في العطاء بما استطاع، فيكون البذل من الجميع عاما. والسخاء بينهم مشتركا، وآثاره عليهم ظاهرة، فينمو خلقه بذللك في الأمة كلها، وترسخ أصوله في نفوسها، فتصبح وهي أمة سخية بما عندها في سبيل ما ينفعها، متعاونة بالبذل في مهماتها، مشتركة بجميع طبقاتها في كل مشروع خيري من مشاريعها، وإذا تربت الأمة على هذه الصفة، وتدرجت إلى الكمال فيها، فذلك عنوان نجحها وفوزها وبلوغها غاية آمالها، وسعادتها في الدارين.
وفقنا الله لبذل كل عزيز وغال في سبيله، والمسلمين أجمعين (١).
وإذا روى الصحابي ما هو من أقوال النبي- ﵌ وشؤونه عن غيره فلا يقدح في حديثه عدم تصريحه بمن روى عنه لأن غيره صحابي مثله والصحابة كلهم عدول. ورواة هذا الحديث - غير مالك- أقارب، فإن اسحاق ابن عم أنس وأم حرام خالة أنس.
وقد روى هذه القصة بلفظ أخصر عن أم حرام راوٍ آخر هو عمير بن الأسود العنسي خرجه البخاري.
المتن:
جاء عنه بألفاظ متقاربة كلها متفقة على أصل المعنى وخرجه البخاري بتلك الألفاظ في مواضع من صحيحه.
العربية:
فلي الرأس تفتيشه لإخراج الهوام أو للتنظيف من غبار ونحوه والمقصود هنا الثاني، لأن الأخبار متواترة تواتراً معنويا بنظافة جسمه- ﵌ وطيب ريحه وعرقه. وثبج البحر وسطه وهو معظمه ومحل هوله.
سؤال وجوابه: ما وجه دخوله- ﵌ عليها وتمكينها من فلي رأسه؟ كانت محرما له بالخؤولة أو بالرضاعة حكاه الأئمة.
تحقيق تاريخي:
أول ما ركب المسلمون البحر للغزو في خلافة عثمان- ﵁ استأذنه معاوية- ﵁ فأذن له فغزا قبرص سنة سبع وعشرين. ذكره ابن الأثير وغيره. وأول ما غزا المسلمون القسطنطينية وركبوا إليها البحر كان في خلافة معاوية، سنة ٢٨ وكان في ذلك الجيش أبو أيوب الأنصاري دفينها.
стр. 128
تطبيق على هذا التحقيق:
خرجت أم حرام مع زوجها وركبت البحر في زمان معاوية أي
في زمان إمارته وكان ذلك أول جيش ركب البحر وكانت هي معهم وتوفيت بعد خروجها من البحر ونزولها في أرض قبرص كما ذكره ابن عبد البر وغيره.
وأما الجيش الثاني فهو الجيش الذي غزا القسطنطينية ولم تكن أم حرام معهم، وما جاء في صحيح البخاري صريح فيما قلناه من تعين الجيش الأول والجيش الثاني. ونصه من طريق عمير بن الأسود عن أم حرام قالت سمعت رسول الله- ﵌ يقول: أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا، قالت أم حرام قلت: يا رسول الله أنا فيهم قال: أنت فيهم ثم قال النبي- ﵌: أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم. فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: لا.
فكانت مع أول جيش غزا البحر وهو جيش معاوية إلى قبرص لا غيره كما حققنا.
الأحكام:
فيه دخول الرجل على محرمة دون حضور الزوج، وفيه سنة إطعام الزائر، وفيه تصرف المرأة فيما تحت يدها من مال زوجها من الطعام بالمعروف، وفيه مباشرة محرم الرجل له في غير العورة. وفيه سنة القيلولة، وفيه سنة إظهار السرور بالنعم والطاعات، وفيه جواز سؤال من بدر منه ما لا يعرف سببه، وفيه الاهتمام بكل ما يصدر منه- ﵌، وفيه جواز ركوب البحر، وفيه جواز التوسع بالحلال، وفيه فضل الغزو
стр. 129
في البحر، وفيه سؤال الشهادة، وفيه سنة طلب الدعاء ممن ترجى إجابته، وفيه الدعاء ممن طلب منه، وفيه غزو النساء مع الرجال.
الفوائد:
منها أن رؤيا الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- وحي محفوظ، وقد كان الصحابة يعلمون هذا علما عاما، ولذلك سألت أم حرام أولا وثانيا سؤال المتيقن بوقوع الغزو على الوجه الذي ذكر- ﵌ ثم قد تكون رؤياهم بالمثال كما رأى النبي- ﵌ بقرا تنحر، فأولها بمن قتل من أصحابه في غزوة أُحُد، وقد تكون بالصريح الذي لا يحتاج إلى التأويل كما هنا. ومنها تحقيق استجابة دعائه إذا دعا، ولهذا قال لها في الثانية- جازما- أنت من الأولين. وهذا فيما لم يعلم بالمنع منه كما في حديث وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض. يعني أمته فمنعنيها. ومنها أن من معجزاته- ﵌ إخباره بأمور غيبية لم يكن شيء مما يدل عليها أو يقتضي وقوعها يوم أخبر فوقعت كما أخبر، فركب أصحابه البحر وغزوا الروم ومدينة قيصر من بعده، بينما كانوا يوم أخبر بهذا من أبعد الأمم عن ركوب البحر والبراعة فيه، وكانت أم حرام مع الطائفة الأولى كما أخبرها، وكانت منهم على أبلغ وجه حيث فازت بالثمرة المقصودة من الغزو وهي الشهادة وإن كان موتها في غير مباشرة القتال، لقوله ﵌: ومن قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد. رواه مسلم. ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
стр. 130
الموعظة:
علم الله أن السيادة في البر لمن ساد في البحر. وأن أقسام الأرض المتقاطعة وأصناف الأمم المتباينة - لا يقرب بينها. ويفتح الطريق لتواصلها وتعارفها، وينقل مدنياتها من بعض إلى بعض منها إلا ركوب البحر وملك ناصيتها، فجاءت الآيات القرآنية العديدة في ذكر البحر وصفاته ومنافعه وسفنه وبديع الصنعة فيه وعظيم النعمة به، وجاء هذا الحديث يبشر الأمة الإسلامية بما هيء لها من أسباب السيادة ويعرفها أنها أمة ملك وسلطان وقوة وأنها ستملك البحار، وتغزو الأمصار الكبار، يعرفها بهذا ويدعوها إليه لتعد له عدته وتأخذ له طريقه وتتوصل إليه بأسبابه. إذ لا يكون ملك إلا بأسباب الملك. ولا تكون قوة إلا بأسباب القوة ولا تكون السيادة إلا بأسباب السيادة، وقد علمت من دينها أن السيادة لا تكون إلا بالملك. وأن الملك لا يكون إلا بالقوة: قوة الأبدان وقوة العقول وقوة الأخلاق وقوة المال- وبهذه يكون العدل الذي هو أساس الملك وأن لا قوة إلا بالعلم والعمل والتهذب، فإذا دعاهم هذا الحديث إلى السيادة فقد دعاهم إلى هذا كله ونبههم على هذا التقدير المحكم الذي ارتبط بعضه ببعضه، وعلى أنه لا سبيل إلى غايته إلا بإتيانه من بدايته. وقد فهم المسلمون هذا دهرا فسلكوه فأنجز لهم الله وعده. وجهلوه أدهارا فتركوه فأذاقهم الله بأسَه، وما ربك بظلَّام للعبيد. ولئن عادوا إليه ليعودن إليهم، ولن يُخلف اللهُ الميعادَ (١).
стр. 131
الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ
إِسْتِغْلَالَهُمَا وَالاِسْتِفَادَةَ مِنْهُمَا .
قَالَ ﵌: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ». البخاري عن ابن عباس ﵃.
...
ــ
اللغة:
النعمة: ما يفعل على وجه الإحسان ضد النقمة، وهي ما يفعل على وجه العقوبة. المغبون: المنقوص في حقه أصله من غبن في البيع إذا نقص من حقه، ثم يستعمل في كل من نقص من حظه في كل شيء. الصحة: اعتدال المزاج، وقوة البنية ضد المرض. الفراغ: الخلاء ومصدر فرغ يفرغ إذا كان خاليا من الشغل. وهذا هو المراد هنا.
التراكيب:
مغبون خبر مقدم لكثير، والجملة نعمتان والصحة والفراغ خبر لهما مقدر، والجملة مستأنفة بيانيا.
стр. 132
المعنى:
إن كثيرا من الناس يكونون في صحة من أبدانهم، وفراغ من أشغالهم، ولا يعمرون أوقاتهم الفارغة بطاعة الله تعالى، ولا يستعملون أبدانهم الصحيحة فيها، فتضيع عليهم تلك الأوقات وتلك الصحة باطلا، فيخسرونهما ولا يستفيدون منهما فيكون ما خسروه منهما نقصا في حظهم من حياتهم، وإذ كانت الحياة هي أغلى شيء عند الإنسان يحافظ عليه، ولا يبذل شيئا منه إلا بحقه، فهؤلاء الذين نقصوا حظهم في حياتهم هم أعظم المغبونين.
فقه الحديث ومقصوده:
عمر الإنسان أنفس كنز يملكه، ولحظاته محسوبة عليه، وكل لحظة ثمرة معمورة بعمل مفيد فقد أخذ حظه منها وربحها وكل لحظة تمر فارغة فقد غبن حظه منها وخسرها. وكذلك بدنه فهو أنفس آلة عنده، وإنما فائدة الآلة بالعمل، فإذا كانت الآلة، في عمل فهو ربح وزيادة، وإذا كانت في بطالة فهو في نقص وخسران. فالرشيد الرشيد هو من أحسن استعمال ذلك الكنز الثمين، وتلك الآلة العظيمة، فعمر وقته بالأعمال، وداوم على استعمال ذاته فيها فربحهما. والسفيه السفيه من أساء التصرف فيهما فأخلى وقته من العمل، وعطل ذاته عن الشغل فخسرها.
ولما كان الإنسان مضطرا إلى السعي في معاشه، فيشغله ذلك عن وجوه الطاعات من العلم ونوافل الصلاة والصوم والحج وغيرها، ومعرضا للأمراض فتمنعه منها. ولكنه لا يخلو من حالة يكون فيها فارغا من الشغل لمعاشه، ومعافى من المرض في بدنه - ذكره هذا الحديث الشريف بما عليه في هذه الحالة من
стр. 133
المحافظة عليها، وعمارتها بالطاعات حتى لا يخسرها، وتنقص من عمره بلا فائدة، فيكون مغبونا فيها.
تفريغ على الحديث:
فإذا عمر الإنسان وقت فراغه من الكد لعيشه، بطاعة من طاعات الله واستعمل بدنه مغتنما فرصة صحته فيها، ثم عرض شغل من اشغال عيشه فقطعه عنها، او طرأ عليه مرض فمنعه منها ونيته المداومة على تلك الطاعة لولا الشاغل والمانع، فإنه يكتب له في شغله وفي مرضه، ثواب ما كان يعمله في صحته وفراغه، ومن الدليل على ذلك حديث البخاري ﵁ عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ﵃ سمعت أبا موسى مرارا يقول: قال رسول الله- ﵌: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا، والسفر نوع من الشغل».
تفريغ آخر:
وإذا كان المؤمن عاملا في طاعة الله تعالى أيام صحته وفراغه ثم مرض فإن له أجرين: أجرا على ما كان يعمل في صحته بدليل ما تقدم، وأجرا على مرضه. لقوله ﵌: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَن حتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُها إِلاَّ كفَّر اللَّه بهَا مِنْ خطَايَاه». رواه البخاري- ﵁ وكذلك إذا شغل بالسعي على نفسه أو على العيال، فإن له أجرين أجر ما شغل عنه، وأجر سعيه على عياله، وأدلة ثواب الساعي على عياله كثيرة، منها حديث الرجل الذي رأى الصحابة- ﵃ من جلده ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله: لو كان في سبيل الله. فقال رسول الله ﵌: «إن خرج
стр. 134
يسعي على ولده صغارا فهو في سبييل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو فبي سبيل الله». رواه الطبراني بسند صحيح. ومثله من شغل بطاعة عن طاعة، كمن شغل بالرباط عن نافلة الحج مثلا، لأنه إذا كان المشغول بالسفر المأذون فيه يكتب له ما كان يعمله مقيما، لأن نيته المداومة لولا عأرض السفر- فالمشغول بالطاعة عن طاعة كان ينوي فعلها لولا عروض الطاعة الأخرى- أحرى وأولى.
سلوك العاملين بهذه الأحديث:
يعمرون أوقاتهم كلها بالأعمال، أعمال القلب، أو أعمال اللسان، وأعمال الجوارح، فلا يشتغلون عن طاعة إلا بطاعة. ولا يخرجون من عمل إلا إلى عمل، فإذا مرضوا صبروا واحتسبوا، وأتوا بما يستطيعون، فتتضاعف أجورهم بأعمالهم وبنيانهم، ويربحون جميع حياتهم، وأولئك هم الفائزون.
سلك الله بنا وبالمسلمين مسلكهم بمنه وكرمه. آمين (١).
стр. 135
نِظَامُ الْغِذَاءِ .
«مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ. بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ». رواه الترمذي وغيره وقال حسن صحيح
...
ــ
إن الإنسان بجزئه الترابي، وهو بدنه- مخلوق أرضي، وبجزئه النوراني- وهو روحه- مخلوق سماوي، فإذا جذبه جزؤه الترابي بزمام الشهوة إلى السفليات الأرضية، طار به جزؤه النوراني على بساط العقل إلى علويات السماء. وهو لن يزال دائما بين هذا وذاك في انحطاط واعتلاء.
لم يخلق الإنسان للأرض وإن خلق منها، وإنما خلق للسماء وللملإ الأعلى، وآخر كلمة قالها النبي- ﵌: «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى» وإنما ينتهي إلى هذا بصفاء روحه واستنارة عقله، وما البدن الترابي إلا آلة لهما، لاستكمال قوتهما، ومظر لتلك الاستنارة وذلك الصفاء.
وعيار على ما فيهما من قوة وضعف بما يكسبانه ويكتسبانه في طريق الاختبار والابتلاء. لينال الإنسان ما يستحقه على حسن تصرفه أو سوء تصرفه من عادل الجزاء، بعد خروجه من دار الفناء إلى دار البقاء.
стр. 136
فالجسد آلة بديعة للروح لازمة لها في الدنيا وملازمة لها في الأخرى. فمن العدل الإلهي أن يكون لها حظها هنالك كما كان لها حظها هنا، ومن العدل الواجب على الإنسان أن يعطيها -كما يعطي الروح- حقها من الاعتناء، فكما يغذي روحه بما ينير عقلها من العلوم والمعارف، وما يزكيها من الأخلاق والآداب، وما يقويها من صالح العمل، ومفيد السعي في وجوه الحياة. ويحفظها من كل ما يغشى العقل من جهالات وأوهام، وما يدسي النفس من رذائل، وما يضعفها من كسل وبطالة - كذلك عليه أن يغذي بدنه بما ينميه وما يصلحه وما يقويه، ويحفظه من كل ما يفسده أو ينهكه أو يؤذيه.
يتوقف هذا البدن وصلاحه على الغذاء، وقد جعل الله فيه وعاء وأي وعاء، وهو المعدة: مخزن الغذاء وبيت الداء وعلى حفط نظام هذا الوعاء تترتب الصحة والمرض والسقم والشفاء.
فإذا ملأ ابن آدم بطنه كان عليه شر وعاء، وانبعثت منه شر الأدواء: أسقام للبدن، وأثقال على الروح، وظلمات للعقل، فانقلب على الانسان مع انتفاع به إلى أصعب الشر وأقسى البلاء.
وإذا اقتصر على أكلات تقيم الصلب وتمسك البدن حصل من البدن على العمل، وسلم من آلام المرض، ونعم بالعافية، وكان انتفاعه بالآلة البدنية خالصا من شوائب الضرر.
وإذا غلبته الشهوة، وكان- لا محالة- منقادا للذة، فليقف دون الشبع ولا يملأ كل الملأ المعدة حتى لا تثقل حركتها في الهضم، وحتى لا تنتفخ في البطن فتسد مجاري النفس، وبذلك
стр. 137
يكون قد عدل بين أصول الحياة البدنية الثلاث طعامه وشرابه ونفسه، فأعطى لكل واحد الثلث من بطنه.
غير أن الإنسان إذا كان هكذا تغلبه الشهوة، وتقوده اللذة، فإنه بمظنة أن يتجاوز- ولو في بعض الأحيان- العدل إلى الامتلاء. فشرع له الصوم ليقاوم شر ذلك بما فيه من راحة للمعدة ونقاء، وتربية على امتلاك زمام نفسه عن الشهوات والملذات، وعلى استطاعة حملها على الجوع والعطش عند الاقتضاء. هذا للمعتدل وللمالئي للبطن الملوك للشهوة بالأحرى والأولى. أما ذاك المقتصر على الأكلات فهو له
زيادة في القوة ورسوخ لما تمكن منه من العادة المشروعة الحسنة.
فالصوم ضرورة لنظام الغذاء وحفظ الصحة البدنية وعون للإنسان على حسن استعماله لآلته الترابية الأرضية للترقي إلى آفاقه الروحية النورانية وكمالاته العلوية.
فالحمد لله الذي شرع لنا الصيام وفرض علينا رمضان ووفقنا إلى القيام به في كل عام.
نسئله المزيد إنه الحميد المجيد.
ليس الخبز كل ما نريد:
نحن- المسلمين- ربينا تربية إسلامية على إلفة الجوع، والتقلل من الأكل والاقتصار على قدر الحاجة، والمواساة في المطعم والمشرب. فطعام الواحد عندنا يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الثلاثة يكفي الستة وطعام الأربعة يكفي الثمانية ونعتقد عن تجربة أن الرجل لا يهلك عن نصف قوته.
стр. 138
بهذه التربية استطعنا أن نبقى ونعيش في مثل ما عليه حالة معظم الأمة الجزائرية من الفاقة والعوز والجوع والمسغبة، بينما هي تنظر إلى ما ينعم فيه غيرها من النعمة والرخاء، مما لو أصاب أمة أخرى لاجتاحها وأفناها، أو لأثارها ودفعها إلى موارد العذاب والردى.
وكما ربانا الإسلام هذه التربية من ناحية الغذاء فقد ربانا تربية أخرى من نواحي أخرى. ربانا على محبة العلم والمعرفة والرغبة فيهما والتلهف على ما فات منهما والاحترام لمن كان له حظ فيهما.
وبهذه التربية استطعنا - رغم الفاقة ورغم الجوع ورغم التثبيط والمعاكسة أن نحافظ على قرآننا وخطنا وبقايا علوم لغتنا وديانتنا وجملة معارفنا، واندفعنا إلى تأسيس المكاتب العربية رغم ما يحول بينها وبيننا واندفعنا إلى المكاتب الحكومية فضاقت عنا وبقيت مئات الآلاف في أنياب الجهل والفقر من أبنائنا.
ولولا تلك التربية الإسلامية التي زرعتها القرون فاستقرت في قرارات النفوس، وصارت من الخلق الموروث، لكان ما نحن فيه من ظلم وتعاسة وتقديم كل أحد علينا في وطننا والترك لمعامل التجويع والتجهيل تخرج آلاتها الفتاكة المتنوعة للقضاء علينا - شاغلا لنا عن العلم وعن الشعور به وعن طلبه وعن المزاحمة عليه.
جهل قوم من ذوي السلطة هذا الخلق منا فحسبوا- وهم جد عالمين بما فيه الأمة من جوع وفاقة- أننا قوم لا نريد إلا الخبز، وأن الخبز عندنا هو كل شيء، وأننا إذا ملئت بطوننا مهدنا ظهونا، وأنهم إذا أعطونا الخبز فقد أعطونا كل ما نطلب
стр. 139
اذ الخبز- في زعمهم- هو كل ما نريد، فإذا حادثناهم في حالنا سكتوا عن كل شيء إلا عن الجوع والخبز، وإذا رفعنا أصواتنا بمطالبتهم بحقوقنا لديهم، أو بإنجاز مواعيدهم خرجت المراسيم بتوزيع قناطير القمح أو الفرينة أو الدقيق أو سلفات البذر التي لا ينال المحتاج الحقيقي منها ما يسد حاجته، وتذهب في أثناء توزيعها في تعاريج والتواءات أخرى ... فإذا صدرت تلك المراسم طبل المطبلون وزمر المزمرون، وحسب المغرورون أننا قد رضينا وفرحنا وانتهى أمرنا.
يا قوم، إنتا أحياء، وإننا نريد الحياة وللحياة خلقنا. وأن الحياة لا تكون بالخبز وحده، فهنالك ما علمتم من مطالبنا العلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وكلها ضروريات في الحياة. ونحن نفهم جيدا ضروريتها للحياة، وقد بذلنا فيها لكم ما كان -يوما- سببا قويا في حياتكم فلا تبخلوا علينا اليوم بما فيه حياتنا إن كنتم منصفين، وللأيام والأمم مقدرين.
وإلا فالله يحكم بيننا وبينكم وهو خير الحاكمين (١).
стр. 140
نَظَافَةُ الطُّرُقِ وَالْمَجَالِسِ
أَوْ مَصْلَحَةٌ مِنْ مَصَالِحِ الْبَلَدِيَّةِ .
" قَالَ رَسُولُ اللهِ- ﵌: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ» قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ». رواه مسلم عن أبي هريرة ﵄.
...
ــ
المفردات:
اتقوا: اجتنبوا، اللعانين: الكثيرو اللعن، واللعن الابعاد من رحمة الله، واللعان في الحقيقة من يصدر منه اللعن بكثرة، وقيل في التخلي في الطريق، والتخلي في الظل، لعانان لأنهما سبب في صدور اللعن بكثرة من الناس لفاعلهما، فأسند ما في معنى الفعل إلى سببه مجازا. التخلي أصل معناه الذهاب إلى الخلاء، والمراد به هنا قضاء الحاجة البشرية من بول أو غائط. وأطلق التخلي عليها لأن الشأن أن تكون في الخلاء. ففي اسمه أدب من آدابه.
المعنى:
إذا أردتم قضاء الحاجة، فاجتنبوا الطرقات، وانجتنبوا الأماكن التي اتخذها الناس للجلوس في ظلها، ومن تخلى في واحد من هذين فإنه يجلب على نفسه لعنا كثيرا.
стр. 141
الحكم:
التخلي في طرقات الناس وأماكن جلوسهم متعد عليهم مؤذ ظالم لهم فهو داخل في لعن الله للظالمين، وشأن الناس عندما يجدون القذر
في طرقاتهم وأماكن جلوسهم أن يلعنوا من آذاهم بذلك، وهم مظلومون منه، فيكون لعنهم من دعوة المظلوم، ودعوة المظلوم مستجابة، فصار المتخلي قد أوقع نفسه في لعنة الله ولعنة الناس المظلومين، والذنب الذي يؤدي إلى هذا اللعن لا يكون إلا من الكبائر، فالتخلي في طربق الناس أو في ظلهم كبيرة من الكبائر.
تعميم:
تشمل الطرق الطرق إلى البيوت، والأسواق، والقرى، وموارد الماء، والطرقات كلها. ومثل المكان الذي اتخذه الناس للجلوس في ظله. كل مكان اتخذوه للجلوس فيه لمنفعة من منافعهم فيدخل في ذلك الأسواق والمنتزهات وغيرها، فكل ذلك مما يحرم التخلي فيه، ويلحق بالتخلي وضع القذر، والوسخ، والزبل، والشوك، وكل ما فيه مضرة، لما في الجميع من التعدي والإذاية.
تتميم:
كما انتظم الحديث الصحيح المتقدم النهي عن تقذير الطرقات والأماكن العامة بذلك الترهيب الشديد، كذلك جاء الترغيب في تنقيتها وإزالة الأذى عنها شاملا ذلك، ما كان من المستقذرات وغيرها من كل ما فيه أذى، فقد ثبت في الصحيح اأن أبا برزة الأسلمي ﵁ قال للنبي ﵌: يا نبي الله علمني شيئا انتفع به؟ فقال -صلى
стр. 142
الله عليه وآله وسلم-:
«أَعْزِلِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ» وثبت قول ﷺ : «بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له» وإذا كانت إزالة الأذى عن الطريق - ومثلها كل مجتمع عام- فيها الأجر والمثوبة فوضع الأذى فيه الإثم والعقوبة.
تطبيق:
من أحسن المصالح التي يقوم عليها اجتماع الناس في التمدن الحاضر وألزمها - مصلحة التنظيف في الإدارات البلدية وأنت ترى أن الأحاديث النبوية المتقدمة قد انتظمت ذلك التنظيف بالترهيب من التقذير وكل مؤذ، والترغيب في إزالتهما. فوضع الإسلام بذلك أصل هذه المصلحة قبل أن يعرفها تمدن اليوم. فعلى المسلم أن يلتزم ذلك كأمر ديني يثاب عليه عند ربه، ليكون دافعه إلى القيام به من نفسه، ورقيبه في تنفيذه ضميره الديني وإيمانه، وقد شهد التاريخ لمدن الإسلام أيام مدنيته الزاهرة بانفرادها بين مدن عصرها النظافة وحسن المظهر، وما ذلك إلا من تطبيق مثل ما تقدم مما وضعه الإسلام من أصول المصالح التي تقوم عليها الحياة، ويترقى بها المجتمع. فعلينا -معشر المسلمين- أن نعني بما دعتنا إليه هذه الأحاديث النبوية الشريفة لنكون بين الناس مثلا حسنا راقيا في النظافة البلدية، لنفع أنفسنا ومجتمعنا ونرفع اسم ديننا، ونفوز بالأجر والرضى من ربنا.
وفقنا الله لإحياء معالم الدين، ورفع اسم الإسلام والمسلمين (١).
стр. 143
بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ
مَنْ فِعْلِ شِرَارِ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
- ١ -
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ﵄ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْه ِوَآلِهِ وَسَلَّمَ- فقال: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»، رواه الشيخان رحمة الله عليهما.
...
ــ
هذا الحديث أحد الأحاديت الكثيرة المستفيضة التي جاءت في التحذير من بناء المساجد على القبور، والتنبيه على أن ذلك يؤدي إلى عبادتها، والتأكيد لذلك بذكر ما كان ممن قبلنا من ذلك وما أداهم إليه، فأخبر النبي ﵌ في هذا الحديث أن أصحاب تلك الكنيسة كانوا يبنون المساجد على قبور صلحائهم، ويصورون صورهم وإنما يفعلون ذلك تعظيما لهم واستئناسا بصورهم، وليعبدوا الله تعالى عند قبورهم تبركا بهم، فكانوا بسبب فعلهم من بناء المساجد على القبور، ونحتهم للصور شرار الخلق عند الله يوم القيامة،
стр. 144
لأن تعريف المسند إليه بالإشارة- وهو أولئك- يفيد أن المشار إليه الموصوف بصفات- وهي بناء المساجد على القبور، وتصوير الصور- حقيق وجدير بما يذكر بعد اسم الإشارة، وهو قوله: شرار الخلق - من أجل اتصافه بتلك الصفات. وذلك لأن القبر المعظم ببناء المسجد عليه، والصورة المعظمة لتمثيلها ذلك الصالح يصيران مما يعبد ويعتقد فيه النفع والض، ر والعطاء والمنع، فيدعى ويسأل، وتطلب منه الحوائج وتخشع عنده القلوب، وتنذر له النذور، وهذه من العبادة التي لا تكون إلا لله، وقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: أن وُداًّ وسُوَاعًا ويَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْراً التي كانت أصناما لقوم نوح، وعبدتها العرب من بعدهم - كانت أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك - الذين نصبوها - وتنسخ - تغير - العلم عبدت، فعلم من هذا أن ما يكون موضوعا في أصله بقصد حسن يمنع وينهى عنه إذا كان يؤدي بعد ذلك إلى مفسدة.
الأحكام:
هذا الحديث نص صريح في المنع من بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صورهم، وفيه الوعيد الشديد على ذلك، ونظيره حديث جندب- ﵁ عند مسلم- ﵁ سمع رسول الله- ﵌ يقول- قبل أن يموت ﵇ بخمسة أيام-: «ألا وأن من كان قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك».
стр. 145
تطبيق:
هذه هي حالتنا اليوم معشر مسلمي الجزائر وأحسب غيرنا مثلنا. تجد أكثر أو كثيرا من مساجدنا مبنية على القبور المنسوب أصحابها إلى الصلاح، ومنهم من كانوا معروفين بذلك ومنهم المجهولون. فإن قيل: إنما بنيت المساجد على تلك القبور للتبرك بأصحابها لا لعبادتهم. قلنا: إن النهي جاء عاما لبناء المسجد على القبر، بقطع النظر على قصد صاحبه به، ولو كانت صورة البناء للتبرك مرادة بالنهي لاستثناها الشرع، فلما لم يستثنيها علمنا أن النهي على العموم، وذلك لأنها وإن لم تؤد إلى عبادة المخلوق في الحال فإنها في مظنة أن تودي إلى ذلك في المآل. وذرائع الفساد تسد، لا سيما ذريعة الشرك ودعاء غير الله التي تهدم صروح التوحيد. وانظر إلى ما جاء في حديث ابن عباس في أصنام قوم نوح وكيف كان أصل وضعها، وكيف كان مآلها، وتعال إلى الواقع المشاهد نتحاكم إليه، فإننا نشاهد جماهير العوام يتوجهون لأصحاب القبور ويسألونهم، وينذرون لهم، ويتمسحون بتوابيتهم، وقد يطوفون بها، ويحصل لهم من الخشوع والابتهال والتضرع ما لا يشاهد منهم إذا كانوا في بيوت الله التي لا مقابر فيها. فهذا هو الذي حذر منه الشرع قد أدت إليه كله، وهبها لم تؤد إلى شيء منه أصلا، فكفانا عموم النهي وصراحته، والعاقل من نظر بإنصاف ولم يغتر بكل قول قيل.
إيمان وامتثال:
علينا أن نصدق بهذا الحديث بقلوبنا، فنعلم أن بناء المساجد على القبور من عمل شرار الخلق كما وصفهم النبي- صلى الله عليه وآله وسام- وأن تنطق بذلك ألسنتنا كما