← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 34886

مجالس التذكير من حديث البشير النذير

عبد الحميد بن باديس

Полный текст (329 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الحكم: التخلي في طرقات الناس وأماكن جلوسهم متعد عليهم مؤذ ظالم لهم فهو داخل في لعن الله للظالمين، وشأن الناس عندما يجدون القذر في طرقاتهم وأماكن جلوسهم أن يلعنوا من آذاهم بذلك، وهم مظلومون منه، فيكون لعنهم من دعوة المظلوم، ودعوة المظلوم مستجابة، فصار المتخلي قد أوقع نفسه في لعنة الله ولعنة الناس المظلومين، والذنب الذي يؤدي إلى هذا اللعن لا يكون إلا من الكبائر، فالتخلي في طربق الناس أو في ظلهم كبيرة من الكبائر. تعميم: تشمل الطرق الطرق إلى البيوت، والأسواق، والقرى، وموارد الماء، والطرقات كلها. ومثل المكان الذي اتخذه الناس للجلوس في ظله. كل مكان اتخذوه للجلوس فيه لمنفعة من منافعهم فيدخل في ذلك الأسواق والمنتزهات وغيرها، فكل ذلك مما يحرم التخلي فيه، ويلحق بالتخلي وضع القذر، والوسخ، والزبل، والشوك، وكل ما فيه مضرة، لما في الجميع من التعدي والإذاية. تتميم: كما انتظم الحديث الصحيح المتقدم النهي عن تقذير الطرقات والأماكن العامة بذلك الترهيب الشديد، كذلك جاء الترغيب في تنقيتها وإزالة الأذى عنها شاملا ذلك، ما كان من المستقذرات وغيرها من كل ما فيه أذى، فقد ثبت في الصحيح اأن أبا برزة الأسلمي ﵁ قال للنبي ﵌: يا نبي الله علمني شيئا انتفع به؟ فقال -صلى

стр. 142

الله عليه وآله وسلم-: «أَعْزِلِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ» وثبت قول ﷺ : «بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له» وإذا كانت إزالة الأذى عن الطريق - ومثلها كل مجتمع عام- فيها الأجر والمثوبة فوضع الأذى فيه الإثم والعقوبة. تطبيق: من أحسن المصالح التي يقوم عليها اجتماع الناس في التمدن الحاضر وألزمها - مصلحة التنظيف في الإدارات البلدية وأنت ترى أن الأحاديث النبوية المتقدمة قد انتظمت ذلك التنظيف بالترهيب من التقذير وكل مؤذ، والترغيب في إزالتهما. فوضع الإسلام بذلك أصل هذه المصلحة قبل أن يعرفها تمدن اليوم. فعلى المسلم أن يلتزم ذلك كأمر ديني يثاب عليه عند ربه، ليكون دافعه إلى القيام به من نفسه، ورقيبه في تنفيذه ضميره الديني وإيمانه، وقد شهد التاريخ لمدن الإسلام أيام مدنيته الزاهرة بانفرادها بين مدن عصرها النظافة وحسن المظهر، وما ذلك إلا من تطبيق مثل ما تقدم مما وضعه الإسلام من أصول المصالح التي تقوم عليها الحياة، ويترقى بها المجتمع. فعلينا -معشر المسلمين- أن نعني بما دعتنا إليه هذه الأحاديث النبوية الشريفة لنكون بين الناس مثلا حسنا راقيا في النظافة البلدية، لنفع أنفسنا ومجتمعنا ونرفع اسم ديننا، ونفوز بالأجر والرضى من ربنا. وفقنا الله لإحياء معالم الدين، ورفع اسم الإسلام والمسلمين (١).

стр. 143

بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ مَنْ فِعْلِ شِرَارِ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . - ١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ﵄ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْه ِوَآلِهِ وَسَلَّمَ- فقال: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»، رواه الشيخان رحمة الله عليهما. ... ــ هذا الحديث أحد الأحاديت الكثيرة المستفيضة التي جاءت في التحذير من بناء المساجد على القبور، والتنبيه على أن ذلك يؤدي إلى عبادتها، والتأكيد لذلك بذكر ما كان ممن قبلنا من ذلك وما أداهم إليه، فأخبر النبي ﵌ في هذا الحديث أن أصحاب تلك الكنيسة كانوا يبنون المساجد على قبور صلحائهم، ويصورون صورهم وإنما يفعلون ذلك تعظيما لهم واستئناسا بصورهم، وليعبدوا الله تعالى عند قبورهم تبركا بهم، فكانوا بسبب فعلهم من بناء المساجد على القبور، ونحتهم للصور شرار الخلق عند الله يوم القيامة،

стр. 144

لأن تعريف المسند إليه بالإشارة- وهو أولئك- يفيد أن المشار إليه الموصوف بصفات- وهي بناء المساجد على القبور، وتصوير الصور- حقيق وجدير بما يذكر بعد اسم الإشارة، وهو قوله: شرار الخلق - من أجل اتصافه بتلك الصفات. وذلك لأن القبر المعظم ببناء المسجد عليه، والصورة المعظمة لتمثيلها ذلك الصالح يصيران مما يعبد ويعتقد فيه النفع والض، ر والعطاء والمنع، فيدعى ويسأل، وتطلب منه الحوائج وتخشع عنده القلوب، وتنذر له النذور، وهذه من العبادة التي لا تكون إلا لله، وقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: أن وُداًّ وسُوَاعًا ويَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْراً التي كانت أصناما لقوم نوح، وعبدتها العرب من بعدهم - كانت أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك - الذين نصبوها - وتنسخ - تغير - العلم عبدت، فعلم من هذا أن ما يكون موضوعا في أصله بقصد حسن يمنع وينهى عنه إذا كان يؤدي بعد ذلك إلى مفسدة. الأحكام: هذا الحديث نص صريح في المنع من بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صورهم، وفيه الوعيد الشديد على ذلك، ونظيره حديث جندب- ﵁ عند مسلم- ﵁ سمع رسول الله- ﵌ يقول- قبل أن يموت ﵇ بخمسة أيام-: «ألا وأن من كان قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك».

стр. 145

تطبيق: هذه هي حالتنا اليوم معشر مسلمي الجزائر وأحسب غيرنا مثلنا. تجد أكثر أو كثيرا من مساجدنا مبنية على القبور المنسوب أصحابها إلى الصلاح، ومنهم من كانوا معروفين بذلك ومنهم المجهولون. فإن قيل: إنما بنيت المساجد على تلك القبور للتبرك بأصحابها لا لعبادتهم. قلنا: إن النهي جاء عاما لبناء المسجد على القبر، بقطع النظر على قصد صاحبه به، ولو كانت صورة البناء للتبرك مرادة بالنهي لاستثناها الشرع، فلما لم يستثنيها علمنا أن النهي على العموم، وذلك لأنها وإن لم تؤد إلى عبادة المخلوق في الحال فإنها في مظنة أن تودي إلى ذلك في المآل. وذرائع الفساد تسد، لا سيما ذريعة الشرك ودعاء غير الله التي تهدم صروح التوحيد. وانظر إلى ما جاء في حديث ابن عباس في أصنام قوم نوح وكيف كان أصل وضعها، وكيف كان مآلها، وتعال إلى الواقع المشاهد نتحاكم إليه، فإننا نشاهد جماهير العوام يتوجهون لأصحاب القبور ويسألونهم، وينذرون لهم، ويتمسحون بتوابيتهم، وقد يطوفون بها، ويحصل لهم من الخشوع والابتهال والتضرع ما لا يشاهد منهم إذا كانوا في بيوت الله التي لا مقابر فيها. فهذا هو الذي حذر منه الشرع قد أدت إليه كله، وهبها لم تؤد إلى شيء منه أصلا، فكفانا عموم النهي وصراحته، والعاقل من نظر بإنصاف ولم يغتر بكل قول قيل. إيمان وامتثال: علينا أن نصدق بهذا الحديث بقلوبنا، فنعلم أن بناء المساجد على القبور من عمل شرار الخلق كما وصفهم النبي- صلى الله عليه وآله وسام- وأن تنطق بذلك ألسنتنا كما

стр. 146

نطق به هذا الحديث الشريف، وأن نبني عليه أعمالنا، فلا نبني مسجداً على قبور ولا نعين عليه، وأن ننكره كما ننكر سائر المنكرات حسب جهدنا، ومن أعظم الإنكار تبليغ هذا الحديث بنصه، وتذكير الناس به، والعمل على نشره حتى يصير معروفا عند عامة الناس وخاصتهم، إذ لا دواء للبدع الشيطانية إلا نشر السنة النبوية، ولا نستعظم انتشار هذه البدعة وكثرة ناصريها فإنها ما انتشرت وكثر أهلها إلا بالسكوت عن مثل هذا الحديث والجهل به. ولنكن في إرشادنا مقتصرين على إيراد لفط الحديث وشرحه -على أنه واضح مفهوم بنفسه- دون أن نمس شيئا من شؤون أولئك المقبورين، فإنهم إخواننا سبقونا بالإيمان، فلهم علينا حق الدعاء والاستغفار، فإذا عملنا كلنا على هذا من حسن قصد ومحبة في الخير للمسلمين، رجونا أن يؤيدنا الله تعالى، ويجعل النفع بأيدينا، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١). لَعْنُ مَنِ اتَّخَذَ الْمَسَاجِدَ عَلَى الْقُبُورِ . - ٢ - «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌. ... لما أخبر عليه وآله الصلاة والسلام أن الله لعن اليهود والنصارى بين علة وسبب لعنهم، وهي اتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد. وذلك بأن بنوا عليها المساجد أي أماكن العبادة كما هو صريح في حديث آخر هكذا: «بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا»

стр. 147

وسنذكره في الجزء الآتي إن شاء الله، فالمتخذ للمساجد على القبور ملعون بنص هذا الحديث الصحيح الصريح. فيا أيها المؤمنون بمحمد- ﵌ المصدقون لحديثه، إياكم والبناء على القبور، إياكم واتخاذ المساجد عليها إن كنتم مؤمنين، وعليكم بتبليغ هذا الحديث والتذكير به والتكرير لذكره يكن لكم أجر المجاهدين في سبيل رب العالمين، وثواب العاملين لإحياء سنة سيد المرسلين، عليه وعليهم الصلاة والسلام أجمعين (١). النَّهْيُ عَنِ الْبِنَاءِ عَلَى الْقُبُورِ . - ٣ - «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﵌ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ». مسلم من طريق جابر بن عبد الله ﵁. ... هذا حديث صحيح صريح في النهي عن البناء على القبر، ومعضداته من السنة كثيرة، وهو من الظهور والصراحة بحيث لا يحتاج إلى تفسير، وإنما نسأل كل مؤمن بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾، نسأل كل مؤمن بهذه الآيات أن يعمل بنهي النبي- ﵌ عن البناء على القبر، فلا يبن على قبر، ولا يعن بانيا، ويعلن هذا الحديث

стр. 148

في الناس ويذكرهم به ولا يفتأ يقرع به أسماع الغافلين، ويفتح به أعين الجاهلين ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) بُنَاة الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُوْرِ مِنْ شِرَارِ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . - ٤ - (إِنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ، فِيهَا تَصَاوِيرُ، لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْه ِوَآلِهِ وَسَلَّمَ- فقال رسول الله ﷺ : «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»). البخاري ومسلم عن عائشة ﵂. ... كانوا شرار الخلق بسبب بنائهم المساجد على قبور صالحيهم واتخاذ الصور لهم، وكلاهما ذريعة الشرك والوثنية، وإن كان النصارى يقصدون التبرك بآثار الصالحين. ولا يقال أن هذا فيمن جمع بين البناء والتصوير، لأنه قد جاء لعنهم على البناء وحده، كما في الحديث المتقدم في جزء مضى، ولا يقال أن هذا لأنهم نصارى، لأن المقصود النهي عن مثل فعلهم هذا، والتحذير منه ببيان العقاب المترتب عليه، حتى لا يفعل المسلمون هذا الفعل فيترتب عليه عقابه. فحذار أيها المسلم من فعل أهل الضلال ومشاكلة الأشرار ولا تغتر بكثرة الهالكين (٢).

стр. 149

تَأْكِيدُ النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ القُبُورَ مَسَاجِدَ . - ٥ - عَنْ جُنْدَبِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللهِ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا. أَلَا وَإِنَّ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصُلَحَائِهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ». رواه مسلم ... ــ هذا الحديث كالأحاديث الماضية، صريح في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وذلك ببناء المساجد عليها كما تقدم في حديث أم حبيبة وأم سلمة- ﵄ في الجزء الماضي وبالصلاة إليها كما فيما سننقله في الجزء الآتي. وفي هذا الحديث تأكيد النهي بكلمة "ألا" مرتين، وبتكرير النهي المستفاد أولا من "لا" وثانيا من الجملة الأخيرة المصرح فيها بمادة النهي مع التأكيد بأن. وبعد هذا التأكيد في هذه الصراحة لا يبقى من يشك أو يشكك في معناه إلا من أعمى الله بصيرته واستولى الغرض والهوى على لبه. وان كسبه على قلبه عياذا بالله. هذا وإننا بعد أن نفرغ من نقل متون هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة، نأتي بكلام الأئمة من شراحها عليها، ثم بكلام الأئمة من فقهائنا المالكية، رحم الله الجميع، ونفعنا بمحبتهم، وحشرنا في زمرتهم، لا مبدلين ولا مغيرين، آمين (١).

стр. 150

مِنِ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ الصَّلَاةُ إِلَيْهَا . - ٦ - (عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ- ﵌ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». قَالَتْ: وَلَوْ ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا). رواه الشيخان واللفظ للبخاري. ... ــ أفادت عائشة- ﵂ أنهم لم يبرزوا قبره- ﵌ للناس خوفا من أن يتخذ مسجدا بالصلاة إليه، فاتخاذ القبور مساجد، الذي تكرر النهي عليه، ولعن مرتكبه، يكون بالبناء عليها كما في الأحاديث الماضية، وبالصلاة أيها كما في هذا الحديث (١).

стр. 151

حَقُّ النِّسَاءِ فِي التَّعْلِيمِ . عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ- ﵁: قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ ﵌: غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ. فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ. فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: «مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلاَثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ» فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ، فَقَالَ: «وَاثْنَتَيْنِ». رواه البخاري. ... ــ الشرح: كان الرجال يلازمون النبي- ﵌ فيحيطون به للتعلم فلا يستطيع النساء مزاحمتهم عليه، وكنّ يجلسن في آخر صفوف المسجد، فإذا تحدث النبي- ﵌ بالعلم بعد الصلاة لا يتمكنَّ من كمال السماع، وكانت لهن رغبة في العلم مثل الرجال، إذ كلهن يعلمن أنهن مكلفات بأحكام الشريعة مثلهم. فلذا سألن رسول الله- ﵌ أن يعين لهن يوما باختياره هو يخصصهن به. فأجابهن إلى ما طلبن ووعدهن يوما يعينه ووفى لهن بوعده فلقيهن في ذلك اليوم وحدهن فوعظهن وأمرهن بأشياء مما عليهن من أمر الدين. وأخبرهن بأن كل واحدة منهن يموت لها ثلاثة من ولدها فتقدمهم قبلها فإن ذلك التقديم يكون لها حجابا ووقاية من النار لعظم الأجر بعظم المصيبة، فطمعت إحداهن في فضل الله وخافت أن يكون هذا الفضل محصورا فيمن قدمت ثلاثة

стр. 152

فسألت عمن قدمت اثنتين فأخبرها رسول الله- ﵌ بأنه لمن قدمت اثنتين أيضا. الأحكام والفوائد: النساء شقائق الرجال في التكليف فمن الواجب تعليمهن وتعلمهن، وقد علمهن- ﵌ وأقرهن على طلب التعلم، واعتز بهن، وتفقدهن كما في حديث ابن عباس: أن رسول الله ﵌ خرج ومعه بلال فظن أنه لم يسمع النساء فوعظهن وأمرهن بالصدقة فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم وبلال يأخذ في طرف ثوبه. لا يجوز اختلاط النساء بالرجال في التعلم، فأما أن يفردن بيوم كما في هذا الحديث، وإما أن يتأخرن عن صفوف الرجال كما مر في حديث ابن عباس- ﵁. يجعل لتعليم النساء يوم خاص بهن ويتكرر هذا اليوم بقدر الحاجة. ولما كانت الحاجة دائمة فاليوم مثلها. فيه عظيم أجر من أصيب في أفلاذ كبده إذا حزن ولم يقل قبيحا، وجاء التنصيص على الرجال فهم مثل النساء في هذه المثابة. وفيه البداية في التعليم بما تشتد إليه حاجة المتعلم. فإن حنان النساء وضعفهن يحملانهن على الجزع الشديد وقد يخرج بهن إلى القبيح، فذكر لهن ما يكون عدة لهن ووقاية عند نزول المصيبة. وفيه ما ينبغي من تهيئة القلوب وتحضير النفوس لتلقي التكاليف الشرعية لتنشرح لها الصدور وتنشط فيها الجوارح ولذا قدم الوعظ على الأمر (١).

стр. 153

تَعْلِيمُ النِّسَاءِ الْكِتَابَةَ . عَنِ الشِّفَاءِ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ- ﵌ وَأَنَا عِنْدَ حَفْصَةَ فَقَالَ لِي: «أَلَا تُعَلِّمِينَ هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ كَمَا عَلَّمْتِهَا الْكِتَابَةَ». رواه ابو داوود. ... ــ السند: رجاله رجال الصحيح إلا إبراهيم بن مهدي البغدادي فلم يخرج له فيهما، لكنه ثقة. وثقه أبو حاتم وابن نافع وابن حيان وقد تابعه غيره وخرج الحديث أيضا النسائي والبيهقي في السنن الكبرى والإمام أحمد. المتن: ـ[الأشخاص]ـ: الشفاء هي بنت عبد الله القرشية العدوية من السابقات والمهاجرات الأول- ﵂ وحفصة هي بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين ﵄. الألفاظ: النمِلة: قروح تخرج في الجنب. ورقيتها: كلام كانوا يقولونه عليها مما لا محظور فيه، فأقره النبي- ﵌. ولم يذكر الرواة نصه.

стр. 154

المعنى: عرف ﵌ أن الشفاء كانت علمت حفصة الكتابة وكانت الشفاء من عاقلات النساء وعارفاتهن، فدعاها إلى تعليم حفصة رقية النمِلة وحثها عليها، ونشطها لذلك بتذكيرها بتعليمها لها الكتابة فمن كان من شأنه عمل من الأعمال خف عليه القيام به. مبينا لها بذلك أن تعليم هذه مثل تعليم تلك في النافع وفعل الخير. الأحكام والفوائد: فيه مشروعية الرقية وذلك بشرط أن تكون بالكلام المفهوم الذي لا محظور فيه كما دلت عليه الآثار. وإذا كانت الأدوية سببا للشفاء بخواصها فبعض الأقوال تكون في ذلك مثلها، تلك من ناحية البدن وهذه من ناحية الروح، وقد دلت على هذا وذاك التجربة وأقرت الجميع الشريعة. وفيه تعلم الرقية وتعليمها مثل كل ما يمكن أن ينتفع به على الوجه المشروع، وفيه حث العارف بشيء مما يحتاج إليه الناس أن ينشره بينهم ويعلمهم إياه. وفيه تعليم النساء الكتابة، واستدل به على ذلك جماعة من الأئمة منهم الخطابي في شارح السنن، وصاحب المنتقى. توسع في الاستدلال: وأقوى منه في الاستدلال العمومات القرآنية المتكاثرة الشاملة للرجال والنساء، فإن مذهب الجماهير وهو المذهب الحق أن الخطاب بصيغة التذكير شامل للنساء إلا بمخصص يخرجهن من نص إو إجماع أو بضرورة طبيعية. لأن النساء شقائق

стр. 155

الرجال في التكليف، ولا خلاف في أنه إذا اجتمع النساء والرجال، ورد الخطاب أو الخبر مذكرا على طريقة التغليب. وتأمل قوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ كيف نص في الثانية على الرجال لما كان الحال مقتضيا لهم وأطلق في الأولى فدل على أنه لا فرق بين أن يكون الكاتب رجلا أو امرأة وهو من أدلته مشروعية تعلم النساء الكتابة. وكل آية دعت للعلم، قد دعت للكتابة لأن الله قد بين لنا أنه علم بالقلم ليبين لنا أن القلم هو طريق العلم وآلة حفظه وتدوينه، وأقسم بالقلم تنويها بشأنه وجاء ذلك كله على الخطاب العام الشامل للنساء شموله للرجال، والعمومات إذا تكاثرت أفادت القطع ولهذا جعلنا هذا الطريق من الاستدلال أقوى من الاستدلال بالحديث الذي هو خبر آحاد وخبر الآحاد- من حيث ذاته- يفيد الظن وإن كان صحيحا. وحيث تواردت تلك العمومات وثبت هذا الحديث فقد بلغ الدليل بنصه وقطعيته غاية القوة والبيان. الاقتداء: فاستنادا إلى هذه الأدلة، وسيراً على ما استفاض في تاريخ الأمة، من العالمات الكاتبات الكثيرات- علينا أن ننشر العلم بالقلم في أبنائنا وبناتنا، في رجالنا ونسائنا، على أساس ديننا وقوميتنا إلى أقصى ما يمكننا أن نصل إليه من العلم الذي هو تراث البشرية جمعاء، وثمار جهادها في أحقاب التاريخ المتطاولة. وبذلك نستحق أن نتبوأ منزلتنا اللائقة بنا والتي كانت لنا بين الأمم (١).

стр. 156

خَيْرُ النِّسَاءِ . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ خَطَبَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ: إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ وَلِي عِيَالٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ- ﵌: «خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ». رواه مسلم ... ــ السند: الحديث ثابت في الصحيحين، وإنما انفرد مسلم بهذه الرواية التي فيها ذكر سبب ورود الحديث وهو خطبة النبي- صلى الله وآله وسلم- أم هانيء- ﵂ وما أجابت به. الكلمات: حنا عليه يحنو حنوا: عطف. فالأحنى هو الأكثر عطفا. وحنت المرأة على ولدها حنوا فهي حانية إذ لم تتزوج بعد أبيه، فإذا تزوجت فلا يقال فيها حانية. رعى الشيء يرعاه رعاية: حفظه. فالأرعى هو: الأحفظ، وذات اليد هي: الأموال. لأنها صاحبة اليد تجعل فيها.

стр. 157

التراكيب: ركبن الإبل كناية عن نساء العرب، وقصد بها التعميم، أي خير نساء العرب كلهن. وجملة أحناه مستأنفه لبيان ما كن به خير النساء، وأفرد الضمير في أحناه باعتار الجنس. الأشخاص: أم هانيء بنت أبي طالب كانت تزوجت هبيرة بن عمر المخزومي، أسلمت عام الفتح، وهرب زوجها إلى نجران، فأولادها منه هم العيال الذين اعتذرت به، وأبت أن تتزوج عليهم، فقبل النبي- ﵌ عذرها. المعنى: خير نساء العرب نساء قريش، لجمعهن بين: الرأفة بالولد والشفقة عليه والعناية به في تربيته، حتى يتركن التزوج من أجل التفرغ للقيام به، وحفظهن للمال وحسن التدبير فيه والأمانة عليه، فيكفين الزوج أعز شيء لديه وهو ماله وولده اللذان بهما حسن حاله وبقاء أثره. تنبيه على استلزام: لا تستطيع ترك التزوج بعد تأيمها للتفرغ لتربية أولادها، إلا المرأة الكاملة العفاف، الشديدة الرأفة، التي أنساها حبها في أولادها والشفقة عليهن داعية النفس إلى الزواج، وما استطاعت ذلك إلا بما عندها من ملكة العفاف فوصفها بأنها حانية يستلزم أنها عفيفة.

стр. 158

توجيه: لا بقاء لأمة من الأمم إلا بانتظام أسرها وحفظ نسلها، وقد خصص الله المرأة للقيام بهذين الأمرين العظيمين. وزودها من الرحمة والشفقة ما يعينها عليهما، وإنما تقوم بهما إذا جمعت ما بين العفة في نفسها، والاقتصاد في نفقتها، والتفرغ للقيام بأولادها، ولهذا لما جمع نسوة قريش ذلك كله كن خير نساء العرب. إرشاد: يبين لنا هذا الحديث الشريف ما خلقت له المرأة من العمل العظيم في الحياة. ويرشدنا بذلك لوجوب القيام عليها وتهيئتها لذلك بالتربية والتعليم، فتكون تربيتنا وتعليمنا لها بما يقوي فيها هذه الصفات: العفة وحسن تدبير المنزل والنفقة فيه، والشفقة على الولد وحسن تربيته، وكل زيادة على هذه - بعد تهذيب أخلاقها، وتصحيح دينها، وتحبيبها في قومها- فهي ضارة بها، أو مخرجة لها عن مهمتها العظيمة، ملحقة الضرر بقومها، فلنجعل هذا الحديث الشريف دليلنا ومرشدنا في كل ما نسعى إليه من تعليم النساء والبنات. الأحكام: امتنعت أم هانيء من التزوج للقيام بأولادها، فأقرها النبي- ﵌ وأثنى على المتصفات به، فدل ذلك على استحسانه لمن ملكت عفتها وقدرت عليه. وثناء النبي- ﵌ على نساء قريش بوصفهن دليل على ما ينبغي من اختيار المرأة المتصفة بمثل هذا الوصف، ودليل ما ينبغي أن يتخير من معادن النساء في بيوتهن وأقوامهن فإن الأخلاق تتوارث، والبنات متأثرات بالأمهات في الغالب.

стр. 159

تصديق: إن نساء أنجبن من أنجبن من رجالات قريش في الجاهلية والإسلام، وولدن محمدا- ﵌ لهن خير نساء في كل ما توصف به النساء من خير. فصدق رسول الله- ﵌ وبر وشهدت بصدقه الأيام (١).

стр. 160

النِّسَاءُ وَالْكَمَالُ . عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ- ﵌: «كَمُلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ غَيْرُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ. وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ». رواه البخاري ومسلم ... ــ تمهيد: إن الكمال الإنساني متوقف على قوة العلم وقوة الإرادة وقوة العمل، فهي أسس في الخلق الكريم، والسلوك الحميد، اللذين ينهض بهما بجلائل الأعمال، ويبلغ بهما إلى أسمى غايات الشرف والكمال، والمرأة لما خلقت لقسم الحياة الداخلي أعطيت من القوى الثلاث القدر الذي تحتاج إليه منها وهو دون ما يحتاج إليه الرجل الذي خلق للقيام بقسم الحياة الخارجي، فكانت بخلقتها أضعف منه في العلم والإرادة والعمل، فكانت لذلك دونه في الكمال. وتقسيم الحياة إلى قسميها ضروري لبقاء النسل وحفظه، وتقسيم وظيفة الحياة بين الرجل والمرأة، وإعطاء كل واحد منهما القدر الذي يحتاج إليه في وظيفته - من بديع صنع الحكيم الخبير. فلو لم يعط الرجل ما أعطى

стр. 161

من كمال القوى لما استطاع القيام بالأعمال الكبيرة في قسمه ولو أعطيت المرأة مثل ما أعطى لما صبرت على البقاء في قسمها فأخلته، فاختل النظام فحصل الفساد. ونحن نرى اليوم المرأة في المدنية الغربية ومقلديها لما خيل إليها أنها قوية مثل الرجل هجرت وظيفتها أو أهملتها، وخرجت تزاحم الرجل في وظيفته فأضرت بالقسم الداخلي من الحياة بإهماله واضطرابه، وأضرت بالقسم الخارجي بمزاحمة الرجل وزحزحة قسم كبير منه عن العمل، وتعريضه للفتن، والأمم الغربية اليوم تشكو مر الشكوى من تفكك نظام الاسرة وانحلال رباط الأخلاق الزوجية وبعضها عاجز عن تدارك أمره بما فيه من فوضى الآراء، وتشعب الأهواء، وتأصل الداء، وبعضها قد أخذ يعالج الحالة بما فرضه على العزابة من ضريبة مالية، وما جعله من مكافآت المتزوجين والمتزوجات. الإرشاد النبوي: فأراد النبي- ﵌ أن يعرفنا بهذا الضعف في جنس المرأة حتى لا نعدو بها ما خلقت له من وظيفة القسم الداخلي من الحياة، فنظلمها ونظلم الحياة، وأراد أن يدلنا على ضعفها بدليل تاريخي مشاهد للأجيال، فذكر لنا تخلفها عن الرجل في بلوغ ذروة الكمال، فأخبرنا أنه قد كمل في الأمم الماضية من الرجال كثير، وما كمل منهم من النساء غير امرأتين. وذكر فضل عائشة على نساء وقتها كفضل الثريد على الطعام من أطعمة العرب، ليجمع بين الحديث على الأمم الماضية وأمته، ويدل على استمرار الكمال في النساء مثل استمراره في الرجال كل بما قدر ويسر له.

стр. 162

إلى أي درجات الكمال بلغتا ؟: قد بينت درجات الكمال في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾. وقد ذهب بعض الناس إلى أن كمال مريم وآسية ببلوغهما درجة النبوة. وذهب الأكثرون إلى أنهما لم تبلغا إليها، وإنما بلغتا ما دونها من رتبة الصديقية، واستدلوا بما تقتضيه رتبة النبوة من الظهور لهداية الناس وإرشادهم وذلك غير ما خلقت له المرأة، وهذا الحديث ليس نصا في كمال النبوة فلا تقوم الحجة. وقد جاء في صحيح مسلم من طريق علي- ﵁ قال: سمعت رسول الله- ﵌ يقول: «خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة». فأخبر بخير نساء الدنيا في الأمم الماضية، وخير نساء الدنيا في هذه الأمة، فكما لم تكن هذه نبية، لم تكن تلك نبية. على ظاهر الفرق ما بينهما في الخيرية. وذهب قوم إلى نبوة مريم بدليل أن الملائكة خاطبتها باصطفاء الله لها وأمرها بالقنوت والسجود والركوع في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ وهذه هي النبوة: تبليغ الملائكة وحي الله بالاصطفاء والتكليف لمن يشاء من عباده. فهذا الدليل القوي دليل على خصوصية مريم البرة النقية ﵍ بهذه المزية بين بنات حواء كلهن.

стр. 163

الاقتداء: هؤلاء السيدات الكاملات كلهن قد كملن في الدين، فمنهن أمُّ نبي، ومنهن زوجة نبي، ومنهن منقذة نبي. فعلينا أن نكمل النساء تكميلا دينيا يهيئن للنهوض بالقسم الداخلي من الحياة وإعداد الكاملين ومساعدتهم للنهوض بالقسم الخارجي منها. وبذلك تنتظم الحياة انتظاما طبيعيا تبلغ به الإنسانية سعادتها وكمالها (١).

стр. 164

سِتْرُ وَجْهِ الْمَرْأَةِ مِنَ الدِّينِ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ تَفْصِيلٍ . (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄. ... ــ السند: هذا سند من بيت البركات على المسلمين، بيت الصديق ﵁، فعروة هو ابن الزبير وأمه أسماء. والمنذر أخوه شفيقه. وهشام وفاطمة زوجان وأبناء عم، وجدتهما أسماء ﵃. المتن: خمير الوجه تغطيته بغير النقاب وما في معناه مما يشد على الوجه، وذلك بأن تسدل الثوب على وجهها نازلا من رأسها، وجاء هذا مبينا في حديث عائشة الذي رواه أحمد وأبو داوود وابن ماجة وغيرهم، قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله- ﵌ محرمات فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه). الاحتجاج: أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ من أهل العلم والدين، فما كان يخفي عليها ما جاء من نهي المرأة

стр. 165

عن النقاب - وهي محرمة فلو كان التخمير مثله لما أقرتهن عليه وما كانت لتفرق بينهما برأيها، وفي كليهما ستر وتغطية، لولا أنها على توقيف من النبي- ﵌ في التفريق ما بينهما، ولهذا احتج مالك ﵁ بتقريرها فخرجه في موطئه. التأييد: يؤيد هذا حديث عائشة المتقدم وفيه تقرير النبي- ﵌ لهن على ما فعلن. وهو حديث محتج به، والذي وقع فيه كلام من رواته- وهو يزيد بن أبي زياد- قد قبله مسلم وجعله ممن يشمله اسم الستر والصدق وتعاطي العلم. كما في مقدمة صحيحه. الأحكام والاستدلال: ستر وجه المرأة عن رؤية الأجنبي مشروع بالتقرير النبوي له في وقت الإحرام الذي هو وقت كشف وجه المرأة، ولذلك كن- كما في حديث عائشة- يكشفن وجوههن إذا جاوزهن الركبان. وما نهيت المرأة عن النقاب في الإحرام إلا وقد كان النقاب من شأنها وعادتها- والعادة التي يقرها النبي- ﵌ لمصلحة تصير من الدين باستنادها إلى التقرير النبوي الذي هو أصل من أصول التشريع. والمصلحة المراعاة هنا هي سد ذريعة افتتان الرجال بالنساء بسبب النظر، ودفع هذه الفتنة على اعتباره القول والفعل النبويان كما في حديث الخثعمية الآتي قريبا، ولما لم يكن وقوع الافتتان محققا دائما لم يكن ستر الوجه حتما لازما في كل حال، بل يجوز للمرأة الكشف عند عدم تحققها، كما في حديث الخثعمية أيضا على ما سيأتي من البيان.

стр. 166

حديث الخثعمية: عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول الله- ﵌ فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله- ﵌ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر. ا. ه. المقصود منه: رواه مالك والجماعة. وفي رواية الترمذي من طريق علي كرم الله وجهه قال: واستفتته جارية شابة من خثعم فقالت: أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة الله في الحج أفيجز لي أن أحج عنه، قال: حجي عن أبيك، قال- علي- ولوى عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك؟ قال: «رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما». ففي قوله- ﵌ لم آمن عليهما الشيطان أن الفتنة لم تقع وإنما خاف وقوعها فسد ذريعتها. وفي قوله هذا وفعله دليل على مراعاة الفتنة وسد ذريعتها. وفي عدم أمره للمرأة بستر وجهها دليل على جواز ذلك لها وهذا بناء على أنها كانت مكشوفة الوجه كما هو الظاهر من نظر الفضل إليها ومن خوف الفتنة، وهو الذي فهمه أكثر الناس، وإن احتمل أن تكون مستورة الوجه بما سدلته من رأسها كما قاله ابن العربي. تحصيل: ستر وجه المرأة مشروع راجح وكشفه عند أمن الفتنة جائز وعند تحققها واجب، وأمر الفتنة يختلف باختلاف الأعصار والأمصار والأشخاص والأحوال فيختلف الحكم باختلاف ذلك ويطبق في كل بحسبه.

стр. 167

تطبيق: من المسلمين اليوم أقوام- معظمهم من غير أهل المدن والقرى- ألفوا خروج نسائهم سافرات فلا يلفتن أنظارهم بذلك فهؤلاء لا يطالبن بستر الوجوه مع بقاء حكم غض البصر وحرمة تجديد النظر. ومن المسلمين أقوام- معظمهم من أهل المدن أو القرى- ألفوا ستر وجوه النساء فكشف المرأة بينهم وجهها يلفت الأنظار إليها. ويغري أهل الفساد بها ويفتح بابا للقال والقيل في شأنها وشأن أهلها وعشيرتها. فهؤلاء يجب عليهن ستر وجوههن اتقاء للشر والفتنة والوقيعة في الأعراض. هذه أحكام عامة لنساء المؤمنين، ولأمهات المؤمنين زوجات النبي ﵌ أحكام خاصة بهن (١) على أنهن خير القدوة للنساء أجمعين. تفرقة وتحذير: هنا سفور إسلامي وهو كشف المرأة وجهها -دون شعرها وعنقها- عند أمن الفتنة، مع عدم إظهار الزينة - غير الوجه والكفين، وعدم إثارة الفتنة بروائح الطيب وخشخشة الحلي ورنين الخلخال. وهنالك سفور إفرنجي فيه كشف الشعر والعنق والأطراف مع التبرج بالزينة وما إليها فعلينا- معشر المسلمين- أن نوجه قوتنا كلها إلى منع السفور الافرنجي الذي قد طغى حتى على نساء أمراء الشرق المسلمين ووزرائه، وأن نحذر كل ما يؤدي إليه وأن نحافظ على الوضعية الإسلامية العفيفة الطاهرة بسفورها

стр. 168

- إذا كان سفور على ما فصلناه- في دائرة محدودة ليس فيها إثارة ولا إغراء. توصية: على المربين لأبنائنا وبناتنا أن يعلموهم ويعلموهن هذه الحقائق الشرعية ليتزودوا وليتزودن بها وبما يطبعوهم ويطبعوهن عليه من التربية الإسلامية العالية لميادين الحياة فيكونوا ويكن - إن شاء الله تعالى- مثال الطهر والعفاف والصون للأجيال. حقق لله الآمال ويسّر الصالح من الأعمال، إنه عظيم الفضل كريم النوال (٢).

стр. 169

خُرُوجُ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ . (روى مسلم في صحيحه بسنده عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ عَبْدَ اللهَ بْنَ عُمَرَ- ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا». قَالَ: فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: وَاللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ. قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ. وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ وَتَقُولُ: وَاللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ). ... ــ الشرح: قد صح من السنة العملية والسنة القولية خروج النساء إلى المساجد وحضورهن مشاهد الخير، وثبت نهي الرجال عن منعهن من ذلك، ومنه ما في هذا الحديث. وعليهن قبل الخروج أن يستأذن الرجال كما هو مقتضى قوله: (إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا) كما ثبت أيضا نهيهن عن مس الطيب إذا أردن الخروج، وعليهن لا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وأن يضربن بخمرهن على جيوبهن، وأن يدنين عليهن من جلابيبهن، وهي ما يجعل فوق الثياب كلها كالملاءة ونحوها، وأن لا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن، فلا يسمع منها خشخشة الحلي،

стр. 170

ولا رنين الخلخال، وأن يمشين في حافات الطريق، ولا يحاققن الطريق، أي لا يمشين في وسطه. وهذه كلها مأخوذة من الآيات والأحاديث في هذا الباب ولما سمع بلال بن عبد الله أباه يحدث بهذا الحديث عن رسول الله- ﵌ قابله بالرد وقال والله لنمنعهن، فغضب أبوه غضبا شديدا وسبه وشتمه سبا سيئا مقابلا لقوله السيء ومقابلته للحديث النبوي بالمعأرضة. نفي تعأرض: ثبت عن عائشة أنها قالت: لو أن رسول الله- صلى الله عليه وآله ولسلم- رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل، وهذا لا يعأرض ما تقدم لأن الذي أحدثته هو الطيب والزينة، وهو نهي عن منعهن ونهاهن عن مس الطيب عند إرادة الخروج، فلو رأى ما أحدثن لمنعهن لإخلالهن بالشرط حتى يلتزمنه، ولا يمنعهن منعا يكون إبطالا لنهيه الأول عن منعهن. قدوة: لما سمع عبد الله بن عمر ابنه بلالا يصارحه بمعأرضة السنة ومخالفتها لم يملك نفسه واستشاط غضبا حتى سبه سبا سيئا لم يكن من عادة ابن عمر صدور مثله منه. وهكذا كل مسلم غيور على الإسلام والكتاب والسنة يسمع من أهل الإسلام التكذيب بهما أو التعدي عليهما أو المعأرضة لهما بالرأي والهوى أو تحريفهما عن مواضعهما كذلك، فإنه لا يملك نفسه أن يدافع عنهما، وقد يملكه الغضب لله فيكون منه بعض ما ليس من عادته أن يصدر منه من قول.

стр. 171

تحذير وإرشاد: هذا الذي وقع من بلال كثيرا ما يقع مثله أو نحوه من أهل الجهل والبدعة الذين شبوا عليهما وشاخوا حتى صارت البدعة عندهم سنة والسنة بدعة، فإذا ذكرت لهم الحكم الشرعي بدليله من الكتاب والسنة صدوا ونفروا وأبوا واستكبروا وصارحوا بالمخالفة أو سكتوا وأضمروا الخلاف وما هذا شأن المؤمنين. فحذار إذا سمعت حكما شرعيا ونصا قرآنيا أو حديثا صحيحا نبويا أن تقابل بالخلاف أو تضمر الخلاف، بل انشرح بذلك صدرا، ولا يكن في صدرك من حرج مما قضى الله ورسوله وسلم تسليما (١).

стр. 172

تَحْرِيمُ الْخُلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ خُصُوصًا عَلَى الْأَقَارِبِ . (أخرج مسلم في صحيحه عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- ﵌ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: «الحَمْوُ المَوْتُ»). ... ــ المفردات: الحمو على وزن دلو، قال الليث بن سعد: هو أخ الزوج وما أشبهه من أقارب الزوج ابن العم ونحوه، فالأحماء أقارب الزوج، والأختان أقارب الزوجة، والأصهار يقال عليهما. التراكيب: نصب إياكم على التحذير. أفرأيت: معناه أخبرني. الحمو الموت: تشبيه بليغ كزيد أسد وفي الموت استعارة تصريحية، شبه فساد البيوت وخرابها وانحلال روابطها بالموت بجامع الهلاك والزوال في كل. فجاء عليه وآله الصلاة والسلام بهذا التركيب البليغ البالغ للمبالغة في التحذير والبلوغ إلى غاية التأثير.

стр. 173

المعنى: حذر عليه وآله الصلاة والسلام الرجال من الدخول على النساء - وكانوا يتساهلون في الدخول على نساء أقاربهم - فسأل هذا الأنصاري - رضي الله تعالى عنه- عن أقارب الزوج، فأجابه ﵌ بأن الخوف منه أكثر والشر منه أقرب والفتنة به أشد لأنه متمكن الدخول إلى بيت أخيه دون إنكار عليه فيتوصل إلى المرأة ويخلو بها دون كلفة ولا مراقبة، بخلاف الأجنبي فهو بعيد عن الدار ينكر عليه دخولها ويخشى من مراقبة أهلها، فإذا كان الأجنبي ممنوعا من الخلوة بالأجنبية فأحرى وأولى قريب زوجها وبين عليه وآله الصلاة والسلام أن الخلوة بالأحماء مؤدية إلى الهلاك والفتنة في الدين وإلى خراب البيت وفساد الأسرة واضمحلالها. الأحكام: حرم الحديث الخلوة بالأجنبية خصوصا على الأقارب أما المحرم كزوجة الإبن أو زوجة الأب فلا تحرم الخلوة بها للمحرمية، وأما الدخول دون خلوة فإذا انتفت الريبة فهو غير ممنوع. العمل بالحديث: الناس- إلا من شاء الله- بهذا الحديث جاهلون. وعن سوء العاقبة التي حذر منها غافلون. وفي الهلاك الديني والعرضي واقعون. فحق على من قرأ هذا الحديث أن يعلمه للناس وينشره فيهم ويحث نفسه وإياهم على العمل به والسير على أدبه، ولا يستعظمن ما يراه من جهل، فإنه ما جاء إلا من قلة نشر العلم فإذا نشر العلم -ولو كان في أوله قليلا- فإنه لا يلبث بإذن الله أن يصير كثيرا، ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).

стр. 174

عَلَى رِسْلِكُمَا، إنما هي صفية . عَنْ صَفِيَّةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي المَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﵌ يَقْلِبُهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ المَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلاَنِ مِنَ الأَنْصَارِ فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ﵌: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ»، فَقَالاَ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا». رواه البخاري ومسلم وغيرهما. ... ــ الألفاظ: تنقلب: ترجع إلى بيتها، يقلبها: يردها ويمشي معها. وما يزال هذا الفعل قلب بمعنى رد مستعملا في اللغة الدارجة بالقاف المعقودة، على رسلكما: على هينتكما أي مشيتكما، الهينة التي لا عجلة فيها أي لا تسرعا. كبر عليهما: عظم وشق، يبلغ مبلغ الدم: يصل حيث يصل. أن يقذف: أن يرمي.

стр. 175

الأشخاص: صفية بنت حيي بن أخطب تزوجها النبي- ﵌ سنة سبع من الهجرة سبيت في فتح خيبر فأعتقا النبي- ﵌ وتزوجها، توفيت في شهر رمضان سنة (٥٠ه). المعنى: كان النبي- ﵌ يواظب على الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، فجاءته زوجته صفية ليلة تؤنسه وتحادثه، فلما أرادت الانصراف إلى بيتها قام معها النبي- ﵌ يؤنسها إلى بيتها، كما جاءت هي إليه، وبلغ معها باب المسجد، فمر بهما رجلان من الأنصار فأسرعا في مشيهما واستحييا لما رأيا رسول الله- ﵌، فخشي النبي- ﵌ عليهما من وسوسة الشيطان المسلط على الإنسان بأن يلقي في قلوبهما شيئا من وجود امرأة مع النبي- ﵌، والشيطان يقنع بالخطرة يلقيها في قلب المؤمن يؤلمه بها ولو كان صدق إيمانه يرد عنه كيد الشيطان ويدفعه، ويقنع بإذاية المؤمن ولو بخطرة السوء تمر بالقلوب تمسه في دينه أو عرضه، فأراد النبي- ﵌ أن يسد في وجه الشيطان باب الكيد لذينك الرجلين الصحابيين- ﵄ ويقطع عليه طريق إذايتهما وإذايته معهما، فقال لهما تمهلا ولا تسرعا في مشيكما وأعلمهما بأنها زوجته صفية، وكان الصحابيان الجليلان لم يقع في قلوبهما شيء ولم يخطر أدنى خاطر منه في بالهما، فاستعظما وكبر عليهما واشتد عليهما أن يظن النبي- ﵌ فيهما خطور مثل هذا ببالهما، حتى يحتاج إلى تعريفهما، وهما كانا يريان أنفسهما بصدق إيمانهما أبعد ما يكون عن هذا، فبين لهما النبي- ﵌ الداعي الذي دعاه إلى تعريفهما بالواقع وهو الخوف عليهما مما قد يكون

стр. 176

بإلغاء الشيطان دون قصد منهما لا شيء هو واقع منهما وبين لهما ما يعرفهما بإمكان ذلك وسهولته بما فعل للشيطان من التمكن من إلقاء الوسواس للإنسان وبلوغه منه في الإحاطة والتمكن مبلغ الدم. الْأُسْوَةُ - وَلَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ حماية الأعراض من التهم: كما على المسلم أن يقي عرضه من طعنات الألسن بالسوء، عليه أن يقيه من هواجس النفوس به فإن الهواجس مبادي الظنون، والظنون مطايا الأقوال، والأقوال سهام نافذة، وقلما يثبت غرض على كثرة الرمي، ومن خسر عرضه خسر قيمته وخسر كل شيء، فلخطر هذه النهاية لزم الاحتفاظ على العرض من تلك البداية. فلا ينبغي للمسلم أن يرى حيث تقع في أمره شبهة وتتوجه عليه تهمة ولو كان عند نفسه بريئا، وعما يرمي به بعيدا، فليس الإنسان يعيش في هذه الدنيا لنفسه بل يعيش لنفسه ولإخوانه، وإذا تعرض للتهم خسر نفسه وخسره إخوانه، وأدخل على نفسه البلاء منهم وأدخل البلاء عليهم به فكانت مصيبته على الجميع وضرره عائدا على الإسلام وجماعة المسلمين خصوصا إذا كان المؤمن يقتدى به ويرجع إليه فإن زوال الثقة به خسارة كبرى وهدم لأركان الدين وتعطيل لانتفاع الناس بالعلم وانتفاعه هو بعلمه، وإذ وقف الإنسان موقفا مشروعا وخاف أن تتطرق إليه في خواطر الناس شبهة كان عليه أن يبادر للتصريح بحقيقة حاله والتعريف بمشروعية موقفه. وليس لأحد، بعد رسول الله- ﵌، أن يغتر بمنزلته عند الناس فلا يبالي بما قد يخطر لهم. بل ذو المنزلة أحق

стр. 177

بالتبيين والتصريح لعظيم حاجة الناس إلى بقاء ثقتهم به وتوقف استفادتهم منه وقيامه بما ينفعهم على تلك الثقة. قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: (في الحديث دليل على التحرز مما يقع في الوهم نسبة الإنسان إليه مما لا ينبغي. وهذا متأكد في حق العلماء ومن يقتدي بهم، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلا يوجب ظن السوء بهم وإن كان لهم فيه مخلص، لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم). مدافعة الشيطان عن القلوب: علينا - وقد علمنا أن الشيطان متمكن من الوسوسة لنا من جميع نواحينا متصلا بنا اتصالا وقريبا منا قربا مثل اتصال وقرب الدم لا يمكننا الانفصال عنه كما لا يمكننا الانفصال عن الدم - أن نأخذ جميع الحيطة لرد كيده وإبطال تدبيره وإحباط وسوسته وذلك بالمبادرة إلى الاستعاذة بالله منه بالاستعاذة الثانية عن النبي- ﵌ في الأحوال المختلفة وبمقابلة كل نوع من وسوسته بما يبطله من ذكر الله، فإذا جاء من ناحية الإيمان بادرنا إلى لا إله إلا الله، وإذا جاء من ناحية التنزيه بادرنا إلى سبحان الله، وإذا جاء من ناحية الإنعام: بادرنا إلى الحمد لله وإذا جاء من ناحية التخويف من الخلق بادرنا إلى الله أكبر، وهكذا نبادر إلى رد ما يوسوس به من كلمات الباطل إلى ضدها من كلمات الحق، وكما على المؤمن أن يدفع ذلك عن قلبه عليه أن يدفعه عن قلب أخيه بمصارحته بما يزيل إساءة الظن به أو حمل شيء عليه أو نفرة من ناحيته أو إشغال لأمره، وأن يبين له ما يقصد بذلك من مدافعة الشيطان ورده عن نفسه

стр. 178

وعن أخيه ليكون عينا له على قصده، فيرجع الشيطان عنهما مذموما مدحورا. وهذه المدافعة للشيطان وحماية القلوب منه من أعظم الجهاد وأوجبه وألزمه بل هي أصل الجهاد كله فإنه هو أصل البلاء كله فالسلامة منه هي السلامة من كل سوء، والتمكن من نيل كل خير والفوز بكل سعادة في الدنيا والآخرة (١).

стр. 179

أحاديث في أغراض مختلفة

стр. 180

١) العلم وفضله . ١ - عن سفيان بن عينية قال سمعت جعفر ابن محمد يقول: "وجدنا علم الناس كله في أربع أولها أن تعرف ربك، والثاني أن تعرف ما صنع بك .. والثالث أن تعرف ما أراد منك، والرابع أن تعرف ما تخرج به من ذنبك". ذكره الحافظ أبو عمر عبد البر (١: ٣). وكل ما ننقله عنه من غير عزو إلى كتاب فمن كتابه ((جامع بيان العلم وفضله)). ٢ - عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "فضل المؤمن العالم على المؤمن العابد سبعون درجة". رواه ابن عبد البر (١. ٢٢). ٣ - من جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يبعث الله العالم والعابد، فيقال للعابد ادخل الجنة، ويقال للعالم اشفع للناس كما أحسنت أدبهم" رواه ابن عبد البر (١. ٢٢) (١). ٤ - قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: لموت ألف عابد قائم الليل صائم النهار أهون من موت العاقل البصير بحلال الله وحرامه. ذكره ابن عبد البر (١. ٢٦).
следующие страницы →