بإلغاء الشيطان دون قصد منهما لا شيء هو واقع منهما وبين لهما ما يعرفهما بإمكان ذلك وسهولته بما فعل للشيطان من التمكن من إلقاء الوسواس للإنسان وبلوغه منه في الإحاطة والتمكن مبلغ الدم.
الْأُسْوَةُ - وَلَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
حماية الأعراض من التهم:
كما على المسلم أن يقي عرضه من طعنات الألسن بالسوء، عليه أن يقيه من هواجس النفوس به فإن الهواجس مبادي الظنون، والظنون مطايا الأقوال، والأقوال سهام نافذة، وقلما يثبت غرض على كثرة الرمي، ومن خسر عرضه خسر قيمته وخسر كل شيء، فلخطر هذه النهاية لزم الاحتفاظ على العرض من تلك البداية.
فلا ينبغي للمسلم أن يرى حيث تقع في أمره شبهة وتتوجه عليه تهمة ولو كان عند نفسه بريئا، وعما يرمي به بعيدا، فليس الإنسان يعيش في هذه الدنيا لنفسه بل يعيش لنفسه ولإخوانه، وإذا تعرض للتهم خسر نفسه وخسره إخوانه، وأدخل على نفسه البلاء منهم وأدخل البلاء عليهم به فكانت مصيبته على الجميع وضرره عائدا على الإسلام وجماعة المسلمين خصوصا إذا كان المؤمن يقتدى به ويرجع إليه فإن زوال الثقة به خسارة كبرى وهدم لأركان الدين وتعطيل لانتفاع الناس بالعلم وانتفاعه هو بعلمه، وإذ وقف الإنسان موقفا مشروعا وخاف أن تتطرق إليه في خواطر الناس شبهة كان عليه أن يبادر للتصريح بحقيقة حاله والتعريف بمشروعية موقفه.
وليس لأحد، بعد رسول الله- ﵌، أن يغتر بمنزلته عند الناس فلا يبالي بما قد يخطر لهم. بل ذو المنزلة أحق
стр. 177
بالتبيين والتصريح لعظيم حاجة الناس إلى بقاء ثقتهم به وتوقف استفادتهم منه وقيامه بما ينفعهم على تلك الثقة.
قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: (في الحديث دليل على التحرز مما يقع في الوهم نسبة الإنسان إليه مما لا ينبغي. وهذا متأكد في حق العلماء ومن يقتدي بهم، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلا يوجب ظن السوء بهم وإن كان لهم فيه مخلص، لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم).
مدافعة الشيطان عن القلوب:
علينا - وقد علمنا أن الشيطان متمكن من الوسوسة لنا من جميع نواحينا متصلا بنا اتصالا وقريبا منا قربا مثل اتصال وقرب الدم لا يمكننا الانفصال عنه كما لا يمكننا الانفصال عن الدم - أن نأخذ جميع الحيطة لرد كيده وإبطال تدبيره وإحباط وسوسته وذلك بالمبادرة إلى الاستعاذة بالله منه بالاستعاذة الثانية عن النبي- ﵌ في الأحوال المختلفة وبمقابلة كل نوع من وسوسته بما يبطله من ذكر الله، فإذا جاء من ناحية الإيمان بادرنا إلى لا إله إلا الله، وإذا جاء من ناحية التنزيه بادرنا إلى سبحان الله، وإذا جاء من ناحية الإنعام: بادرنا إلى الحمد لله وإذا جاء من ناحية التخويف من الخلق بادرنا إلى الله أكبر، وهكذا نبادر إلى رد ما يوسوس به من كلمات الباطل إلى ضدها من كلمات الحق، وكما على المؤمن أن يدفع ذلك عن قلبه عليه أن يدفعه عن قلب أخيه بمصارحته بما يزيل إساءة الظن به أو حمل شيء عليه أو نفرة من ناحيته أو إشغال لأمره، وأن يبين له ما يقصد بذلك من مدافعة الشيطان ورده عن نفسه
стр. 178
وعن أخيه ليكون عينا له على قصده، فيرجع الشيطان عنهما مذموما مدحورا.
وهذه المدافعة للشيطان وحماية القلوب منه من أعظم الجهاد وأوجبه وألزمه بل هي أصل الجهاد كله فإنه هو أصل البلاء كله فالسلامة منه هي السلامة من كل سوء، والتمكن من نيل كل خير والفوز بكل سعادة في الدنيا والآخرة (١).
стр. 179
أحاديث في أغراض مختلفة
стр. 180
١) العلم وفضله .
١ - عن سفيان بن عينية قال سمعت جعفر ابن محمد يقول: "وجدنا علم الناس كله في أربع أولها أن تعرف ربك، والثاني أن تعرف ما صنع بك .. والثالث أن تعرف ما أراد منك، والرابع أن تعرف ما تخرج به من ذنبك".
ذكره الحافظ أبو عمر عبد البر (١: ٣). وكل ما ننقله عنه من غير عزو إلى كتاب فمن كتابه ((جامع بيان العلم وفضله)).
٢ - عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "فضل المؤمن العالم على المؤمن العابد سبعون درجة". رواه ابن عبد البر (١. ٢٢).
٣ - من جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يبعث الله العالم والعابد، فيقال للعابد ادخل الجنة، ويقال للعالم اشفع للناس كما أحسنت أدبهم" رواه ابن عبد البر (١. ٢٢) (١).
٤ - قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: لموت ألف عابد قائم الليل صائم النهار أهون من موت العاقل البصير بحلال الله وحرامه. ذكره ابن عبد البر (١. ٢٦).
стр. 181
٥ - قال عمر بن عبد العزيز ﵁ من عمل في غير علم كان
ما يفسد أكثر مما يصلح. رواه ابن عبد البر بسنده (١. ٢٧).
٢) السنة والبدعة .
١ - عن العرباض بن سارية ﵁ قال: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: أُوصيكُم بتقوَى الله والسَّمعِ والطاعةِ وإِن تأَمَّر عليكم عبد حبشيٌّ. وإنه من يعش منكم فسَيَرى اختلافاً كثيراً. فعليكُم بسنَّتي وسنَّةِ الخُلفَاءِ الرَّاشِدِين المهدِيِّينَ. عَضُّوا عليهَا بالنوَاجِذِ، وإياكم ومُحدَثاتِ الأمورِ فإن كل بدْعَة ضَلاَلة ". رواه أبو داود والترمذى وقال حسن صحيح.
٢ - عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "خطب رسول الله ﷺ الناسَ فحمِد الله وأَثنَى علَيهِ ثم قال: إن أفضلَ الهديِ هديُ محمد ﷺ . وشرَّ الأمورِ محدثَاتُها، وكل بدعة ضلالةٌ" رواه مسلم مطولا، ورواه مختصرا بهذا اللفظ الحافظ محمد بن وضاح المالكى المتوفى سنة ٢٨٦ في كتابه "البدع والنهى عنها" (ص ٢٣) وكل ما ننقله عنه من غير وعز إلى كتاب فمنه.
٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "سيكون في أمتِي دجَالون كذابونَ يأتوُنَكم بِبِدَع من الحَديثِ لم تسمعوا أَنتُم ولَا آبَاؤكم، فإياكم وإياهُم لاَ يَفتنوُنَكُم" رواه ابن وضاح (٢٧) وأخرجه مسلم في صحيحه (١).
стр. 182
٣) من أسد إلى أسد
روى ابن وضاح عن غير واحد أن أسد بن موسى كتب إلى أسد بن الفرات: إعلم أي أخي إنما حملني على الكتاب إليك ما ذكر أهل بلادك من صالح ما أعطاك الله من إنصافك الناس وحسن حالك مما أظهرت من السنة، وعيبك لأهل البدعة وكثرة ذكرك لهم، وطعنك عليهم، فقمعهم الله بك وشد بك ظهر أهل السنة وقواك عليهم بإظهار عيبهم والطعن عليهم فأذلهم الله بذلك وصاروا ببدعتهم مستترين.
فأبشر أي أخي بثواب ذلك وأعتد به أفضل حسناتك من الصلاة والصيام والحج والجهاد وأين تقع هذه الأعمال من إقامة كتاب الله وإحياء سنة رسوله، وقد قال رسول الله ﷺ : "من أحيا شيئا من سنتي كنت أنا وهو في الجنة كهاتين" وضم بين أصبعيه.
وقال: "أيما داع دعا إلى هذا فاتبع عليه كان له مثل أجر من تبعه إلى يوم القيامة" فمن يدرك أجر هذا بشيء من عمله؟
وذكر أيضا أن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليا لله يذب عنها وينطق بعلاماتها.
فاغتمنم يا أخي هذا الفضل وكن من أهله فإن النبي ﷺ ، قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن وأوصاه وقال: لأن يهدي الله بك رجلا خيرٌ لكَ من كذا وكذا- واعظم القول فيه- فاغتنم ذلك وادع إلى السنة حتى يكون لك في ذلك ألفة وجماعة يقومون مقامك إن حدث بك حادث، فيكونون أئمة بعدك فيكون ذلك ثواب لك إلى يوم القيامة كما جاء الأثر.
فاعمل على بصيرة ونية وحسبة فرد الله لك المبتدع المفتون الزائغ الحائر فتكون خلفا من نبيك ﷺ فإنك
стр. 183
لن تلقى الله بعمل يشبهه وإياك أن يكون لك من أهل البدع أخ أو جليس أو صاحب فإنه جاء الأثر (من جالس صاحب بدعة نزعت منه العصمة ووكل إلى نفسه ومن مشى إلى صاحب بدعة مشى في هدم الإسلام). وجاء "ما من إله يعبد من دون الله أبغض إلى الله من صاحب هوى". وقد وقعت اللعنة من رسول الله ﷺ على أهل البدع وأن الله لا يقبل منهم صرفا ولا عدلا ولا فريضة ولا تطوعا وكلما ازدادوا اجتهادا وصوما وصلاة ازدادوا من الله بعدا، فارفض مجالسهم وأذلهم وأبعدهم كما أبعدهم الله وأذلهم رسول الله ﷺ وأئمة الهدى بعده".
هذا مثال من رسائل الأوائل يريك عناية السلف بالسنة والذب عنها، وبغضهم للبدعة ومحاربتهم لأهلها، ومن عرف مقام الأسدين المخاطِب والمخاطَب عرف مكانة تلك الرسالة.
فالمخاطِب (بالكسر) هو أسد بن موسى بن إبراهيم ابن الخليفة الوليد بن عبد المالك بن مروان. كان ثقة حافظا يلقب بأسد السنة. استشهد به البخاري واحتج به أبو داود والنسائى.
وذكر الحافظ الذهبي في الميزان أنه لا يعلم به بأسا وأن ابن حزم الظاهري ضعفه وتضعيفه مردود- وكانت وفاته سنة ٢١٢.
والمخاطَب (بالفتح) هو أسد بن الفرات بن سنان، تفقه بأصحاب مالك، ثم ارتحل فسمع من مالك موطأه وغيره وأخذ عن أصحاب أبي حنيفة. قال في الديباج: "وكان ثقة لم يزن ببدعة" وتوفى غازيا بصقلية سنة ٣١٢ (١).
стр. 184
٤) العلم وتعلمه:
١ - عن أبي الأحوص قال قال عبد الله: "إن الرجل لا يولد عالما. وإنما العلم بالتعلم" رواه ابن عبد البر (١٠٠١).
٢ - عن عبد الله بن عباس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «من جاءه أجله وهو يطلب علما ليحيى به الإسلام لم تفضله النبيون إلا بدَرَجَة». رواه ا بن عبد البر (١: ٩٠) وروى نحوه من مرسل الحسن وسعيد بن السيب (١. ٤٦).
٣ - عن ابن عباس ﵁ قال: "لما قبض رسول الله ﷺ وأنا شاب قلت لشاب من الانصار يا فلان هلم فلنسأل أصحاب رسوله الله ﷺ ولنتعلم منهم فإنهم كثير. قال العجب لك يا ابن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك وفي الأرض من ترى من أصحاب رسول الله ﷺ ، قال فتركت ذلك وأقبلت على المسألة، وتتبع أصحاب رسول الله ﷺ فإن كنت لآتي الرجل في الحديث يبلغنى أنه سمعه من رسول الله ﷺ فأجده قائلا، فأتوَسَّد ردائي على بابه، تسفى الريح على وجهي حتى يخرج فإذا خرج قال: يا ا بن عم رسول الله ﷺ ما لك؟ فأقول بلغني حديث عنك أنك تحدثه عن رسول الله ﷺ فأحببت أن أسمعه منك. قال فيقول فهل بعثت إلي حتى آتيك فأقول أنا أحق أن آتيك؟ فكان الرجل بعد ذلك يراني وقد ذهب أصحاب رسول الله ﷺ ، واحتاج الناس إلي فيقول كنت أعقل مني. رواه ابن عبد البر (١: ٨٥ - ٨٦).
(السنة): إن هذا الحبر الجليل وإنه ليشتمل على فوائد تنبه القاريء إلى اثنتين منها خشية أن يتنبه لهما.
стр. 185
أولاهما حسن أدب آل رسولا الله صلى الله عليه وعليهم وسلم مع العلم وأهله وعدم اعتزازهم بشرفهم واغترارهم بقرابتهم القريبة المحققة.
ثانيهما سعى ابن عباس في العلم ذلك السعي وهو الذي روى عنه البخارى في صحيحه أنه قال: "ضمني النبى (ص) إلى صدره وقال اللهم علمه الحكمة" فلم يتكل على دعاء رسول الله (ص) وهو يؤمن بقبوله لأنه يفهم أن الدعاء بالشيء دعاء بتيسير أسبابه فالدعاء لا ينافى تعاطي الأسباب. بل من الداعي أو المدعو له أن لا يهمل الأسباب اكتفاء بالدعاء.
٥) العلم وتعليمه:
١ - عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: "بلغني أنه إذا كان يوم القيامة توضع حسنات الرجل في كفة وسيآته في الكفة الأخرى. فتشيل حسناته. فإذا أيس وظنَّ أنها النار جاء شيء مثل السحاب حتى يقع في حسناته. فتشيل سيآته. قال فيقال له أتعرف هذا من عملك؟ فيقول لا. فيقال هذا ما علَّمت الناس من الخير فعمل به من بعدك".
رواه ابن عبد البر (١: ٤٦) وحماد هو ابن أبي سليمان وإبراهيم هو النخعي.
٢ - عن معاذ بن جبل (ض) مرفوعا وموقوفا: " تعلموا العلم فإن تعليمه لله خشية. وطلبَه عبادة. ومذاكرتَه تسبيح.
والبحث عنه جهاد. وتعليمَه لمن لا يعلمه صدقة وبذلَه لأهله قربة. لأنه معالم الحلال والحرام. ومنار سبل أهل الجنة، وهو الأنس في الوحشة والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة.
والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والزين
стр. 186
عند الاخلاء يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة وأيمة تقص آثارهم ويقتدى بأفعالهم وينتهي إلى رأيهم ترغب الملائكة في خلتهم وبأجنحتها تمسحهم يستغفر لهم كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه.
"لأن العلم حياة القلوب من الجهل ومصابيح الابصار من الظلم يبلغ العبد بالعلم منازل الاخيار والدرجات العلا في الدنيا والآخرة.
"التفكر فيه يعدل الصيام ومدارسته تعدل القيام به توصل الأرحام. وبه يعرف الحلال من الحرام.
"هو إمام العمل. والعمل تابعه، ويلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء". رواه ابن عبد البر (١. ٥٤. ٥٥).
٣ - عن كعب قال: " أوحى الله إلى موسى (ص) تعلم الخير، و علمه الناس، فانى منور لمعلم العلم ومتعلمه قبورهم حتى لا يستوحشوا لمكانهم". رواه ابن عبد البر (١ - ٦١).
٦) العلم وتعليمه بالمساجد:
١ - أواخر كتاب العلم:
"باب ذكر العلم والفتيا في المسجد".
٢ - عن علي الأزدي، قال: "ساْلت ابن عباس عن الجهاد، فقال ألا أدلك على ما هو خير لك من الجهاد؟ تبنى مسجدا تعلم فيه القرآن وسنن النبى (ص) والفقه في الدين". رواه ابن عبد البر (١: ٦٢) وروى نحوه (١: ٣١).
٣ - عن أبي بكر بن عبد الرحمن أنه كان يقول: " من غدا أو راح إلى المسجد لا يريد غيره ليتعلم خبرا أو ليعلمه، ثم رجع
стр. 187
إلى بيته كان كالمجاهد في سبيل الله رجع غانما ". رواه مالك في الموطأ (١: ٣٤، ط مصر ١٢٤٨).
٧) العلم واحترام أهله:
١ - عن أبي الحسن المدائني قال: "خطب زياد ذات يوم على منبر الكوفة، فقال: أيها الناس، إني بت ليلتي هذه مهتما بخلال ثلاث، رأيت أن أتقدم إليكم فيهن بالنصيحة: (رأيت أعظام ذوى الشرف واجلال ذوى العلم وتوقير ذوى الاسنان، والله لا أوتى برجل رد على ذى شرف ليضع بذلك منه الا عاقبته ولا أوتى برجل رد على ذى شيبة ليضعه بذلك إلا عاقبته، انما الناس بأعلامهم وعلمائهم وذوى أسنانهم". رواه ابن عبد البر (١: ٥٣).
٢ - عن الشعبي قال: " صلى زيد بن ثابت (ض) على جنازة، ثم قربت له بغلة ليركبها، فجاء ابن عباس (ض) فأخذ بركابه، فقال له زيد خل عنه يا ابن عم رسول الله (ص) فقال ابن عباس هكذا يفعل بالعلماء والكبراء". رواه ابن عبد البر (١: ١٢٨).
٣ - روى عن النبي (ص) أنه قال: "ارحموا من الناس ثلاثة. عزيز قوم ذل، وغني قوم افتقر، وعالما بين جهال". ذكره ابن عبد البر (١٣١:١) (١).
٨) شكوى علماء الدين من الأرذال المفسدين
روى ابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله) عن الحسن البصري أحد كَبار علماء التابعين أنه قال: (اللهم إليك نشكو
стр. 188
هذا الغثاء الذي كنا نحدث عنه. إن أجبناهم لم يفقهوا، وإن سكتنا عنهم وكلناهم إلى عيى شديد. والله لولا ما أخذ الله على العلماء في علمهم ما أنبأناهم بشيء أبدا) (١: ٦).
تعليق:
الغثاء في الأصل ما يخالط زبد السيل من أعشاب وأوراق، والمراد به هنا أراذل الناس وسقطهم.
وقد أفاد الأثر أولا: أن علماء الدين المرشدين كانوا من قديم الزمان يعانون متاعب في الإرشاد، ويتحملون إذايات المفسدين، ويتلقون اعتراضات من أدعياء العلم المفتونين.
وثانيا: أن تلك المتاعب والإذايات والاعتراضات لا تسقط عن العالم فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تنجيه من تبعة الكتمان الثابتة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ وبقوله ﵌: «من سُئل علماً عَلِمَه فكتمَهُ جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار» رواه ابن عبد الله في الجامع وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم البيهقى وغيرهم بروايات متحدة المعنى متقاربة الألفاظ.
وثالثا: أن العلم أمانة عند العلماء، وهم مكلفون بأدائها لمستحقيها، وليس العلم ملكا لهم يستغلونه فيكتمونه إن رأوا الكتمان أوفق بمصالحهم الشخصية وينشرون منه ما لا يصادم أهواء العامة، بل يزيدهم جاها لديهم. ولا أبخس صفقة ممن اشترى الحياة الدنيا بالآخرة.
стр. 189
٩) حكم طلب العلم:
روى ابن عبد البر في جامعة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله- ﵌: (أطلبوا العلمَ ولو بِالصين، فإن طلبَ العلم فَريضة على كل مُسلم) (١: ٧).
تعليق:
أفاد الحديث أمرين: أحدهما وجوب طلب العلم، وثانيهما عدم اعتبار المشقة في طلبه مانعا من وجوبه، بلغت المشقة ما بلغت. والحديث رواه ابن عبد البر من طرق متعددة ثم قال: ( ... في أسانيده مقال لأهل العلم بالنقل، ولكن معناه صحيح عندهم وإن كانوا قد اختلفوا فيه اختلافا متقاربا).
ومثار الخلاف الذي أشار إليه ابن عبد البر ما في لفظة العلم من الإجمال، فإن المراد من العلم العلم الديني قطعا، لكن مسائل الدين منها ما هو فرض ومنها ما هو غير فرض، ومنها ما هو فرض عيني ومنها ما هو فرض كفائي.
وقد أورد ابن عبد البر أقوال الأئمة في معنى الحديث، فروى عن إسحاق بن راهويه أنه قال: (معناه أنه يلزمه طلب علم ما يحتاج إليه من وضوئه وصلاته وزكاته إن كان له مال وكذلك الحج وغيره، وما وجب عليه من ذلك لم يستأذن أبويه في الخروج إليه وما كان فضيلة لم يخرج إليه حتى يستأذن أبويه).
وروى عن مالك أنه سئل عن طلب العلم أهو فريضة على الناس؟ فقال: لا، ولكن يطلب من المرء ما ينتفع به في دينه. وروى عن ابن المبارك أنه سئل عن معنى هذا الحديث فقال: فريضة على من وقع في شيء من أمر دينه أن يسأل عنه حتى
стр. 190
يعلمه. وروى عن ابن عيينة أنه قال: فريضة على جماعتهم ويجزيء فيه بعضهم عن بعض وتلا هذه الآية: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾. ثم أورد ابن عبد البر جملة من المسائل الواجبة وجوبا عينيا، وجملة من الواجبات الكفائية ونحن لا نرى لزوما للتفصيل فإنه يلوح من كلام الأئمة المتقدم أن طلب العلم على وجهين: أحدهما الاشتغال بتحصيل مسائله والانقطاع إلى تعلم قواعده. وهذا هو الواجب كغاية. وثانيهما السؤال عن حكم ما نزل به من أمر دينه واستفتاء أهل العلم فيه، وهذا واحب عينا فاحفظ هذا الضابط واعتبر به مسائل دينك يسهل عليك الفرق بين ما هو واجب على عموم المسلمين يسقط عنهم بوجود عالم بينهم، وما هو واجب عليك في خاصة نفسك لا تبرأ منه ذمتك إلا بمعرفته (١).
١٠) براءة رسول الله ﵌ ممن غير دينه:
روى مالك في الموطأ، وروى غيره أيضا عن أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله ﵌ خرج إلى المقبرة فقال: «السلام عليكُم دارَ قوم مُؤمنِينَ، وإِنَا إن شاء اللهُ بكمُ لاحقُونَ، وددتُ أني قد رأيت إخوانَنا». فقالوا: يا رسول الله ألسنا بإخوانك؟ قال «كلا، أنتُم أصحابى، وإخوانُنا الذينَ لم يأتوا بَعْدُ، وأنا فرطهم على الحوض». فقالوا: يا رسول الله، كيف تعرف من يأتى بعدك من أمتك؟ قال: «أرأيتَ لو كان لرجل خيل غرٌ محجلة في خيل دهم بهم ألا يعرف خيلَه؟» قالوا بلى يا رسول الله. قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غُراَ محجلين من أثَرِ الوضوء، وأنا
стр. 191
فرطهم على الحوض. فليذادن رجال عن حوضي كلما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم، ألا هلم، ألا هلم. فيقال: إنهم قد بدَّلوا بعدك. فأقول: فسحقا، فسحقا، فسحقا».
تعليق:
قد أتينا هذه المرة بحديث فيه طول. ولكن ما فيه من الفوائد نعتقد أنه يكون حافزا للقارىء إلى حفظه. وليس حفظ الحديث الجليل بكثير على همة المستفيدين وفوائد هذا الحديث:
أولاها: جواز زيارة القبور، غير أن الجواز مقيد بكونها على الصفة التي وقعت من رسول الله ﵌ ومن أصحابه - رضوان الله عليهم-وصفة الزيارة في هذا الحديث مركبة من ثلاثة أشياء:
أحدها حق الدعاء للموتى.
ثانيها الإعتبار بحالهم.
ثالثها دعاء الزائر لنفسه بحسن الخاتمة.
الأول مستفاد من جملة السلام عليكم. والثانى مستفاد من جملة وإنا بكم لاحقون. والثالث مستفاد من جملة إن شاء الله. فقد قال أبو القاسم الجوهري: معناه (لا نبدل ولا نغير، نموت كل ما متم عليه إن شاء الله تعالى) نقله الباجي في شرح الموطأ.
الفائدة الثانية: تسميته- ﵌ لمن لم يره من أمته بإخوانه، فنحن من إخوانه- صلى الله عليه واله وسلم- وكفى بهذه النسبة شرفا، فما على المسلم إلا أن يعمل بسنة نبيه- ﵌ حتى تتحقق فيه هذه النسبة، وليس من الأدب ولا من الإيمان أن يستضعف المسلم
стр. 192
هذه النسبة ويحاول تقويتها بنسبة أخرى إلى شخص آخر ككونه خوني فلان أو حبيبه أو درويشه.
وعدم تسميته- صلى الله طيه واله وسلم- لأصحابه بالإخوان يدل على فضل الصحبة وأن لها مزية زائدة على مطلق الأخوة، وهذا لا خلاف فيه.
الفائدة الثالثة: عنايته- ﵌ بأمته في الآخرة، كما كان حريصا على هدايتهم في الدنيا، يدل على هذه العناية قوله: (وأنا فرطهم على الحوض) قال الباجى في شرحه: يريد أن يتقدمهم إليه ويجدونه عنده. رواه ابن حبيب عن مالك. يقال فرطت القوم إذا تقدمتهم لترتاد لهم الماء وتهيىء لهم الماء والرشاء.
الفائدة الرابعة: أن عنايته- ﵌ بأمته في الآخرة خاصة بالثابتين على سنته منهم، فأما المبتدعون الذين بدلوا سنته وأحلوا محلها بدعتهم فإنه- ﵌ يبعدهم عنه بقوله: (فسحقا، فسحقا، فسحقا).
ثم هذا الابعاد معناه الحرمان من ماء الحوض في وقت شدة الحاجة إليه، فإن كان الابتداع والتبديل بالمروق من الدين فالابعاد حرمان من الشفاعة أيضا، ويبقى ذلك المبتدع مخلدا في النار، وإن كان الابتداع لا يخرج من الدين، فالابعاد عن الحوض لا يمنع المبتدع أن تناله الشفاعة، غير أن في الابعاد عن الحوض عذابا بالظما وخزيا بالطرد. نسأل الله أن يحيينا على سنة رسوله الكريم، وأن لا يحرمنا من ماء حوضه العذب ولا من شفاعته المرجوة (١).
стр. 193
١١) الترغيب في الذكر:
قال الحسن البصري وأبو العالية والسدي والربيع بن أنس: "أن الله يذكر من ذكره، ويشكر من شكره، ويعذب من كفره". نقله الحافظ ابن كثير في تفسيره: (١: ٣٦٠).
تعليق:
الأحاديث والآثار في فضل الذكر والترغيب فيه كثيرة، وليس فيها- على كثرتها- ما يدل على احتياج الذاكر إلى إذن في ذكره من غيره، وليس فيها- على كثرتها- ما يدل على أن الله قد نصب بعض عباده لإعطاء الإذن في ذكره لمن يريده.
فاذكروا الله أيها المؤمنون، ولا تتخذوا وسطاء بينكم وبين الله في الإذن بالذكر ولا في قبوله، وما أصدق قول الناس: "باب الله ما عليه بواب".
١٢) ما هو الذكر؟ ومن هو الذاكر ؟
عن خالد بن أبي عمران قال: قال رسول الله ﵌: " من أطاع الله فقد ذكر الله وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن. ومن عصى الله فقد نسى الله وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن". أخرجه سعيد ابن منصور وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان، نقل ذلك السيوطى في الدر المنثور (١: ١٤٩).
وعن سعيد بن جبير أنه قال- في جواب مسائل سأله عنها عبد الملك ابن مروان-: "وتسأل عن الذكر، فالذكر طاعة الله، فمن أطاع الله فقد ذكر الله، ومن لم يطعه فليس بذاكر وإن أكثر
стр. 194
التسبيح وتلاوة القرآن". ونقله ابن غيلان في شرحه على حلية الأبرار للنووي (١: ١٥).
تعليق:
قد جمعنا بين الحديث المرفوع والأثر الموقوف على سعيد ابن جبير من كبار علماء التابعين لاتحادهما في المعنى وورودهما على غرض واحد، وقدمنا الحديث لأنه الأصل، وأخرنا الأثر لأنه الفرع الشاهد المقوى لسند ذلك الحديث ..
وقوله في الحديث: وإن قلت صلاته ... الخ. يريد صلاة ْالتطوع وصيام التطوع. أما من قلت صلاته الواجبة أو صيامه الفرض فإنه عاص لا يوصف بالطاعة.
وبهذا الحديث وذلك الأثر تعلم المراد من الآيات الآمرة بالذكر كقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ وقوله: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ فليس المراد من الذكر في أمثال هاتين الآيتين خصوصا الذكر اللسانى، بل المراد الطاعة بجميع أنواعها من صلاة وصيام وصدقة ونصيحة وتلاوة القرآن وتسبيح وتحميد وتهليل وغير ذلك، فإن المطيع إنما أطاع الله لكونه ذكره بقلبه أو بلسانه.
وغرضنا من تقديم هذين الحديث والأثر إلى القراء أن يعلموا أولا: أن معنى الذكر أوسع مما يتخيلون، وأن بعض من يعدونهم من العباد في غير الذاكرين هم في عرف الشرع من الذاكرين.
وأن يعلموا ثانيا: أن ما عليه كثير من العوام من الاعتماد
على السبح (١) دون الطاعة هو غرور في غرور، وان كثيرا
стр. 195
ممن يعد نفسه ويعده الناس من الذاكرين هو في عرف الشرع من الغافلين.
فيا أيها المسلمون تثبتوا في الحقائق الشرعية واطلبوا تفسيرها من صاحب الشريعة أو ممن قرب زمنه من زمنه، ولا تعتمدوا في فهم حقائق دينكم على عرفكم وعادتكم، فإن الجهل بالسنة وخروج أمر العامة من يد العاملين بها مما ابتليت به الأمة الإسلامية قديما.
١٣) هل ينفع الذكر مع تعدى حدود الله ؟
عن أبي هند الداري عن النبي ﵌ قال:
"قال الله: أذكرونى بطاعتي أذكركم بمغفرتي، فمن ذكرني وهو مطيع فحق علي أن أذكرَه بمغفرتى، ومن ذكرَنِي وهو لي عاص فحق علي أن أذكرَه بمقت". أخرجه الديلمي وابن عساكر ونقله السيوطى في الدر المنثور (١: ١٤٨).
وعن ابن عمر- ﵁ أنه قيل له: أرأيت قاتل النفس وشارب الخمر والزانى يذكر الله وقد قال الله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (اذا ذكر الله هذا ذكره الله بلعنته حتى يسكت). أخرجه عبد الله بن حميد وابن أبي حاتم نقله في الدر المنثور (١: ١٤٩).
تعليق:
إن في ذلك الحديث وهذا الأثر لذكرى لقوم يؤمنون، كثيرا ما يعظ المسلم أخاه وينكر عليه تكاسله في الواجبات ونشاطه في المنهيات فيجيبه بقوله: إن الله غفور رحيم، أو نحن أخذنا
стр. 196
الورد عن سيدى فلان، وقد ضمن لمن يذكر ورده الجنة، فليعلم المسلمون أن ذكر الله على هاته الصفة ونحوها مما يوجب مقت الله ولعنته. أيها المسلمون من وعظ منكم فليتعظ، ومن نهى عن منكر فلينته، ومن أمر بمعروف فليأتمر ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١).
١٤) الحث على تعلم القرآن:
عن عثمان بن عفان- ﵁ عن النبي- ﵌: (خَيركم مَن تَعَلمَ الْقُرْآنَ وعَلمَهُ). أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن.
تعليق:
قد تقاصرت همم المسلمين في هذه المدة الأخيرة عن تعليم القرآن وتعلمه، فقل الحافظون له، فعلى كل من نصب نفسه لإرشاد المسلمين في دينهم أن يحثهم على العناية بحفظ كتاب ربهم، وعلى الكتاب أن يطرقوا هذا الموضوع الكثير النواحي. هذا يأتيه من ناحية فضيلة القرآن، وذلك من ناحية اختيار المعلمين وما هي الصفات المطلوبة فيهم، والآخر من ناحية أسلوب التعليم وما هو الأقرب إلى التحصيل من أي الأساليب، ورابع من ناحية تحسين حال المعلمين وتوفير أجرتهم، وكل من هذه النواحى يلزم أن تتعدد فيها الكتابة حتى تحدث تأثيرا في المجتمع وتكون رأيا عاما في الموضوع. وحسبنا في هذا الباب باب الآثار والأخبار ما أرشدنا إليه. والحديث صريح في فضل من جمع بين تعلم القرآن وتعليمه لغيره وأنه خير من غيره، وإنما ثبتت له هذه المزية لأن المراد من متعلمه من حفظه وفهمه وعمل
стр. 197
به، والمراد من معلمه من يلقنه غيره ويفسره له ويرشده إلى العمل به. وإذا كان هذا النوع الممدوح في الحديث المفضل على غيره بشهادة الصادق المصدق مفقودا من بيننا أو كالمفقود فالواجب علينا السعي في تكوينه، ولهذا دعونا الكتاب إلى العناية بهذا الموضوع.
قال الحافط ابن حجر في بيان وجه خيرية معلم القرآن ومتعلمه: "ولا شك أن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه مكمل لنفسه ولغيره، جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدى، ولهذا كان أفضل، وهو من جملة من عنى بقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. والدعا إلى الله يقع بأمور شتى من جملتها تعليم القرآن، وهذا أشرف الجميع". هذا كلام ابن حجر، ثم أفاد أن ليس المراد بهذا الحديث من كان قارئا أو مقرئا محضا لا يفهم شيئا من معاني ما يقرأه أو يقرئه.
١٥) الإعتصام بكتاب الله:
عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- ﵁ قال: سمعت رسول الله- ﵌ يقول: "أتانى جبريل فقال يا محمد أمتك مختلفة بعدك، قال: فقلت له: فأين المخرج يا جبريل؟ قال: فقال: في كتاب الله، به يقصم الله كل جبار، من اعتصم به نجا، ومن تركه، هلك (مرتين) قول فصل، وليس بالهزل، لا تخلقه الألسن، ولا تفنى عجائبه، فيه نبأ من كان قبلكم، وفصل ما بينكم، وخبر ما هو كائن بعدكم". أخرجه الإمام أحمد، نقله الحافظ ابن كثير أوائل كتابه فضائل القرآن الذى ختم به تفسيره.
стр. 198
تعليق:
صدق رسول الله- ﵌ فقد وقع الاختلاف، وقد دعونا الناس إلى المخرج، وهو كتاب الله، وسنة رسوله المبينة له، فقال المعاندون ما قالوا، إلا من كان يؤمن بأن محمدا رسول الله فليمتثل إرشاده، وقد أرشدنا إلى المخرج من هذا الاختلاف، فلنعمل بإرشاده، وهدانا إلى طريق الحق عند الالتباس فلنهتد. وقد وصف الله كتابه بقوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. فهو هدى بين واضح، لا يلتبس على مريد الحق التماس الهدى منه. وإذا كانت طباعنا العربية وسلائقنا في فهم لسان العرب قد حالت وفسدت وصعب علينا أو تعذر فهم كلام ربنا، فإن في تعلم اللغة العربية وعلومها ما يجعل لنا سلائق مكتسبة، وأن فيما كتبه أئمة التفسير قبلنا ما يجبر نقص السليقة الكسبية عن السليقة الفطرية.
وقد أوصل الجهل بكتاب الله بعض أدعياء العلم إلى أن جعلوا الدعوة إلى توحيد الله ونبذ ضروب الشرك طريقة خاصة بابن تيمية على معنى أنها بدعة حصلت بعد انعقاد الاجماع، فمن سلك هذه الطريقة فقد عرض دينه للخطر، ولو نظروا في كتاب الله وتأملوه لوجدوا جل آياته دعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك.
وإذا ذكرت لهم هذا قالوا: تلك آيات نزلت في مشركي مكة، فكيف تطبقونها على من يشهد الشهادتين؟ وهذا نوع آخر من جهالاتهم وتلبيس إبليس عليهم، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وقد قال الله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾. قال المفسرون: معناه من بلغه القرآن، فتخصيص انذاره بمشركي مكة تعطيل للقرآن. قال الغزالى في الإحياء: "وينبغى للتالى أن يقدر أنه المقصود بكل خطاب في
стр. 199
القرآن، فإن سمع أمرا أو نهيا قدر أنه المنهي والمأمور، وكذا إن سمع وعدا أو وعيدا، وكذا ما يقف عليه من القصص فالمقصود به الاعتبار. قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾. وقال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقال: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، قال محمد بن كعب القرظي: "من كلمه القرآن فكأنما كلمه الله " ا ه كلام الغزالى (١).
١٦) مدح العامل بالقرآن
عن أبي موسى الأشعري- ﵁ عن النبي- ﵌: «المُؤْمِنُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ. وَالمُؤْمِنُ الَّذِي لاَ يَقْرَأُ القُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلاَ رِيحَ لَهَا. وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَالرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ. وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي لاَ يَقْرَأُ القُرْآنَ كَالحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَرِيحُهَا مُرٌّ».رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
تعليق:
جعل رسول الله- ﵌ طيب الطعم دائرا مع العمل، وجعل طيب الرائحة صفة للتلاوة. والمجدى على المرء هو عمله. أما التلاوة وحدها فإنها لا تجدى. فالمنافق يتلو القرآن ولكنه في الدرك الأسفل من النار.
وقد دل الحديث على أن العمل بالقرآن درجتين (١) أعلاهما الجمع بين التلاوة والعمل. ودل على أن لمخالفة أوامره ونواهيه
стр. 200
دركته أدناها الجمع بين الإمراض عن حفظه والإضراب عما دعا إليه.
والعمل بالقرآن يقتضي فهم معانيه، وكذلك كان المخاطبون بهذا الحديث، فإن القرآن بلغتهم نزل. ولهذا لم يقل في الحديث: "المؤمن الذى يقرأ القرآن ويفهمه ويعمل به". لأن ذكر الفهم لأولئك المخاطبين حشو، تتحاشى عنه البلاعة النبوية فيا أيها القراء المؤمنون تطلبوا معاني ما تقرأون، واعملوا بما تفهمون، كي تكونوا أترجة، ويا أيها المؤمنون الأميون، اسألوا أهل الذكر والعلم بكتاب ربكم وتحروا العمل بما دعاكم إليه كي تكونوا تمرة. وقد دلت مقابلة القارىء العامل بالقارىء المنافق على تسمية من يخالف ما يقرأه منافقا، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار وهم أخس صنوف الكفار. ولكنا نجد من الناس من لا يختلف في إيمانه ثم هو يخالف ما يقرأه. وقد قال العلماء: إن هذا النوع من المؤمنين يسمى نفاقهم نفاق عمل لا نفاق كفر، ويسمون منافقين مجازا لأن فيهم خصلة من خصالهم وهي المخالفة للأوامر. فالقارىء إن لم يعمل بما يقرأه فهو منافق حقيقة أو مجازا. أعاذنا الله وإياكم من النفاق حقيقته ومجازه وجعلنا ممن يتلو كتابه عالما بمعانيه عاملا بما يفهمه منه.
١٧) ذم المباهي والمتعيش بالقرآن:
عن أبي سعيد الخدري- ﵁ عن النبي- ﵌: «تعلموا القرآن واسألوا الله به قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا. فإن القرآن يتعلمه ثلاثة نفر: رجل يباهى به، ورجل يستأكل به، ورجل يقرأه لله» رواه أبو عبيد في فضائل القرآن، وصححه الحاكم، نقله الحاكم في فتح الباريء (٩: ٨٢).
стр. 201
تعليق:
حدث أبي سعيد أخرجه الإمام أحمد بلفظ آخر، وفي آخره: "ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن ومنافق وفاجر". وفسر الراوي عن أبي سعيد الفاجر بمن يتأكل بالقرآن. فقوله في رواية أبي عبيد: (ورجل يستأكل به) بمعنى الفاجر في رواية الإمام أحمد. ويكون حينئذ قوله في رواية أبي عبيد (رجل يباهى به) بمعنى قوله في الرواية الأخرى: (ومنافق).
وقد دل الحديث على ذم المباهى بتلاوته. وكثيرا ما يقصد قراء زماننا المباهاة بأصواتهم والفخر بحفظهم، ولا سيما إذا كانوا يمكلون مجتمعين بصوت واحد، فليحذر من يجد هذا من نفسه وليعلم أن كتاب الله هداية تخشع لها القلوب، وتستسلم الجوارح. ودل أيضا على ذم المسترزق بالقرآن، وكثير من قراء زماننا لا يقصدون من حفظه إلا التوسل به للتلاوة على الموتى بأجرة ونحو ذلك من الأغراض الدنيوية المحضة.
ولا يتناول هذا الذم من يأخذ الأجرة على تعليم القرآن إذا كانت في مقابلة تعبه، وشغل وقته، ولم يتخذ تعليمه صناعة من الصناعات المادية المحضة، بل على هذا المعلم- إن أراد السلامة من ذلك الذم- أن يكون هو نفسه عاملا بكتاب الله، وأن يقصد من تعليمه الدعوة إلى العمل به.
١٨) الغاية من قراءة القرآن:
عن ابن مسعود- رضى الله عنه- أنه كان يقول:
(أنزل عليهم القرآن ليعملوا به، فاتخذوا درسه عملا. إن أحدهم ليتلو القرآن من فاتحته إلى خاتمته، ما يسقط منه حرفا وقد أسقط العمل به).
نقله الثعالبي في تفسيرة (١: ٩).
стр. 202
تعليق:
ذم ابن مسعود من اتخذ تلاوة القرآن عملا. فكيف حال من آجر نفسه لتلاوة، وباع عمله ذلك؟
وللفقهاء خلاف في حصول الأجر لمن يقرأ القرآن من غير فهم ولا تأمل. وهذا إذا قصد التالي بتلاوته وجه الله تعالى، لأن الإخلاص شرط شرعي لترتيب الثواب الأخروي، فهل هذا الذي يتلو القرآن من غير فهم بأجرة مخلص لله في تلاوته حتى يختلف في إثابته على التلاوة؟ وقد فتحنا بابا للبحث في موضوع "الفداوي" واللبيب يكفيه ما اقتصرنا عليه (١).
١٩) معنى ليلة القدر
قال الشوكلانى:
"قيل سميت ليلة القدر، لأن الله يقدر فيها ما شاء من أمره إلى السنة القابلة، وقيل: لعظيم قدرها وشرفها، وقيل: لأن للطاعات فيها قدرا عظيما وثوابا جزيلا. وقال الخليل: لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة كقوله تعالى:
﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أي ضيق.
تفسير الشوكانى (٥: ٥٩).
تعليق:
هذا كلام الشوكانى حذفنا منه كلمات قليلة لا تؤثر في فهم الرأي، والأقوال الثلاثة، الأول ذكره أيضا محيي السنة أبو محمد البغوى في تفسيره.
стр. 203
ولا أرى مانعا من صدق هذه الأقوال مجتمعة، فهي ليلة قدر بمعنى تقدير الأرزاق والآجال وغيرها، لوقوع هذا التقدير فيها وهي ليلة قدر وشرف لنزول القرآن فيها وللطاعات فيها قدر وفضل على الطاعات في غيرها، وهى ليلة تكثر فيها الملائكة بالأرض كثرة لا تكون في غيرها لقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾.
وعلى تفسير القدر بمعنى تقدير أمور الخلق يقال كيف يتجدد هذا التقدير كل سنة وقدر الله أزلى؟ وقد نقل البغوي جواب هذا السؤال في تفسيره فقال: "قيل للحسن بن الفضل: أليس قد قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: نعم. قيل فما معنى ليلة القدر؟ قال: سوق المقادير التي خلقها إلى المواقيت تنفيذا للقضاء المقدر". وقد استبان من هذا أن الليلة التي تقدر فيها أمور الخلق، هي الليلة التي قال الله فيها: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. وسماها في آية الدخان مباركة، إذ قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾. فليلة القدر والليلة المباركة إسمان لليلة واحدة، وهي ليلة إنزال القرآن. وهذه الليلة في رمضان، لقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. وليست في شعبان كما يظنه العوام الذين يفرقون بين ليلة القدر والليلة المباركة، ويعتقدون اعتقادا مخالفا للقرآن، أن الليلة المباركة ليلة النصف من شعبان، وبعض العوام يسمون ليلة النصف من شعبان "ليلة قسام الأرزاق" ولهم في هذه الليلة خرافات يبنونها على أساس الجهالات، وغرضنا من هذا التنبيه، إرشاد المسلمين إلى معرفة هذه الليلة معرفة صحيحة كما نطق الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وبهذه المعرفة على هذا الوجه، تتطهر عقولهم من خرافات وتزول عنهم جهالات.
стр. 204
٢٠) معنى خيرية ليلة القدر
عن أنس قال: "العمَل في ليلةِ القدْر والصَدقة والصلاةُ والزكاة أفضل من ألفِ شهْر". أخرجه عبد الله بن حميد، نقله في الدر المنثور (٦: ٣٧٠).
تعليق:
بين هذا الأثر- وفي معناه آثار كثيرة- أن خيرية ليلة القدر راجعة إلى تفضيل الطاعة فيها والعمل الصالح على غيرها من الليالى والأيام. وهذا يفيد أن المسلم الذي يتطلب ليلة القدر إنما يتطلبها ليعمل فيها صالحا ويجد في العبادة، فالمؤمن إنما يطلبها للدين لا للدنيا. وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله- ﵌ قال: "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".
٢١) الدعاء ليلة القدر:
عن عائشة- ﵂ أنها قالت: يا رسول الله، إن وافقت ليلة القدر فما أدعو؟ قال: قولي: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني". رواه أحمد والترمذي والنساني وابن ماجه والحاكم، نقله ابن كثير في تفسيره (٩: ٢٦١).
تعليق:
ليلة القدر من أوقات الاستجابة، فينبغي للمؤمن أن يكثر فيها من الدعاء، ولهذا سألت عائشة- ﵂ عن صيغة تدعو بها تلك الليلة، وقد بين رسول الله ﵌ لزوجه الكريمة عليه صيغة الدعاء- فيتعين أن يكرر المسلم هذا الدعاء ليلة القدر، وأن يفضله على ما
стр. 205
سواه، لأنه لفظ أفضل الخلق الذي علمه لأحب زوجاته. ثم هذا يؤكد ما قدمناه من أن ليلة القدر تراد للدين لا للدنيا، وكثير من العوام يتمنى لو يعلم ليلة القدر ليطلب بها دنياه، فليتب إلى الله، من وقع له هذا الخاطر السيء. فإن الله يقول في كتابه العزيز: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾. وكثير من العوام يعتقدون في بعض البيوتات الغنية أن مؤسس ذلك البيت رأى ليلة القدر، فسأل الله ان يجعل ماله ونسله خيرا من مال الناس ونسلهم، فكان ذلك. ثم يجعلون هذه الميزة الدنيوية دليلا على ولاية ذلك الداعي وصلاح ذريته. وحديث عائشة- ﵂ وآية ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ وما في معنى ذلك من الآيات والآثار شاهدة بفساد ذلك الاعتقاد، وضلال تلك الأفكار، وأن الفرق بين التقي والفاجر هو الإقبال على الآخرة أو الإقبال على الدنيا. ولسنا ننكر على من يطلب الدنيا بأسبابها التي جعلها الله تعالى. وإنما ننكر على من يكون همه الدنيا دون الآخرة حتى أنه يترصد ليلة القدر ليطلب فيها الدنيا غافلا عن الآخرة. ثم يعتقد أن من نال ثروة دنيوية بغير أسباب ظاهرة لديه، فإنما ذلك لولايته ودعائه ليلة القدر.
٢٢) علامات ليلة القدر
عن ابن عباس: أن رسول الله- ﵌ قال في ليلة القدر: "ليلة سمحة طلقة، لا حارة ولا باردة، وتصبح شمس صبيحتها ضعيفة حمراء". أخرجه أبو داود الطياليسى. ونقله ابن كثير (٩: ٢٥٧).
стр. 206
تعليق:
الأحاديث في تعيين ليلة القدر كثيرة متضاربة، والصحيح أنها في رمضان. والراجح أنها في العشر الأواخر منه. وهذه العلامات التي ذكرها الرسول- ﵌ ليلة القدر ليس فيها أن السماء تنشق وأنه ظهر فيها ألوان من نور، كل نور له لون خاص، إلى غير ذلك من خرافات العوام. وأن مما يؤسف المؤمن أن الأوقات المفضلة في ديننا قد غمرناها بالخرافات، وصرفنا أنفسنا عما يراد فيها من الطاعات، فحرمنا من خير كثير، وقلما تجد وليا صالحا، أو وقتا فاضلا، إلا وهو محاط بخرافات تعين إبليس على إبراز قسمه في الإغراء، وتقف حجر عثرة أمام الداعي المرشد إلى الصراط المستقيم. وأن مما يؤسف المؤمن أن هذا الشهر، شهر رمضان الذي جمع الله لنا فيه بين الصيام والقيام، وأودع فيه أفضل ليال العام يقطعه أكثرنا في اللهو والقمار، والنوم والشجار.
أيها المسلمون: طهروا عقولكم من الخرافات، ونوروا قلوبكم بالطاعات، وانتهزوا فرصة الأوقات المفضلات، ولا تهملوها فتعود عليكم بالحسرات. اللهم صل وسلم على من أنزلت عليه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (١).
стр. 207
موضوعات متصلة بالسنة
стр. 208
الصلاة على النبي
﵌
- ١ -
مكانتها - ثمرتها - القسم العلمي - معناها لغة - معناما شرعا - مزية لفظها - من تكون منه - من تكون عليه - نفي الاشتراك عنها - تفسيرها باللازم.
ــ
تمهيد:
الصلاة على النبي- ﵌ من أصول الأذكار في الإسلام ومن أعظمها. فإن الله تعالى أمر بها المؤمنين على أبلغ أسلوب في التأكيد، وأكمل وجه في الترغيب، وجعلها من الأذكار اليومية المتكررة في الصلوات، وهي ذكر لساني بتلاوة لفضلها، وقلبي بتدبر معانيها، ومثمرة لرسوخ الإيمان وشدة المحبة وتمام التعظيم له ﵌ المثمرين لاتباعه، المحصل لمحبة الله عبده. وتلك غاية سعادة المخلوق ونهاية كماله.
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
стр. 209
فمما يتأكد على كل مسلم أن يكون على شيء من العلم بهذا الكنز العظيم، وسنأتي من ذلك بما يفتح الله تعالى به في هذا المقال.
القسم العلمي:
الصلاة في لسان العرب قبل الإسلام وردت بمعنى الدعاء، قال الأعشى:
وَصَهْبَاءَ (١) طَافَ يَهُودِيُّهَا ... وأَبْرَزَهَا وَعَلَيْهَا خَتَمْ
وَقَابَلَهَا الرِّيحُ فِي دَنِّهَا ... وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمْ
قال صاحب اللسان: دعا لها أن لا تحمض ولا تفسد.
وقال الأعشى أيضا:
عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي ... نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا
أي دعوت. فالدعاء هو معناها اللغوي الأصلي وعليه جاءت كلمات كثيرة في الكتاب والسنة فمنها "وصلوات الرسول" أي دعواته "وصل عليهم"، أي أدع لهم وحديث: «إذا دعي أحدكم لطعام فليجب فإن كان مفطرا فليطعم وإن كان صائما فليصل» أي فليدع لأرباب الطعام و (الصلوات لله) أي الأدعية التي يراد بها تعظيم الله هو مستحقها لا تليق بأحد سواه كما في (اللسان).
جاءت هذه الكلمات وأمثالها على المعنى اللغوي الأصلي، وجاء مثل قوله تعالى ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.
стр. 210
وقوله ﷺ «لا صلاة لجار المسجد في غير المسجد» مراداً به عبادة مخصوصة ذات أقوال وأفعال وتروك على هيئة خاصة من جملة أجزائها الدعاء. ولا شك أن إطلاقها على هذا المعنى إنما هو إطلاق شرعي ولكنه غير خارج عن أساليب كلام العرب، فإنه من باب تسمية الشيء باسم جزئه، فإطلاق هذا اللفظ على هذه العبادة المخصوصة حقيقة شرعية، مجاز لغوي، وليس هذا هو مرادنا هنا. وقد كان الظاهر لما كانت بمعنى الدعاء أن تتعدى بالكلام ولكنها تعدت بعلى لما فيها من معنى العطف، فصلى عليه يؤدي معنى قولنا: دعا له عاطفاً عليه وهذا هو السر في اختيار لفظها على لفظه لتؤدي المعنيين: الدعاء والعطف. وإن كان لفظ الدعاء يقتضي عطفاً فذلك بطريق الاستلزام، وهو دون دلالة التضمن.
تكون هذه الصلاة من المخلوق على المخلوق ومن الخالق على المخلوق. فمن الأول صلاة النبي- ﵌ على المؤمنين كما في آيتي سورة التوبة المتقدمتين ومنها قوله ﵌ «اللهم صل على آل أبي أوفى» فقد دعا لهم وسأل الله تعالى أن يصلي عليهم.
وصلاته على نفسه في تشهده في الصلاة. ومنه صلاة الملائكة على النبي- ﵌ كما في آية الصلاة من سورة الأحزاب، وصلاتهم على المؤمنين كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾، ويفسر هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، وهذا منهم دعاء عام. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾.
وهذا دعاء خاص. وكما في حديث: «من صلى علي صلاة صلت عليه الملائكة عشرا»، وحديث «إذا صلى أحدكم ثم جلس في مصلاه لم تزل الملائكة تصلي عليه اللهم اغفر له اللهم ارحمه».
стр. 211
ومنه صلاة المؤمنين على النبي- ﵌ وعلى الأنبياء وعلى الملائكة وعلى عامة المؤمنين بطريق التبع فهي سؤالهم من الله تعالى ودعاؤهم إياه أن يصلي على نبيه ومن ذكر قبل معه فهذه كلها من القسم الأول وهو صلاة المخلوق على المخلوق وكلها لم تخرج عن معنى الدعاء.
وأما القسم الثاني وهو صلاة الخالق على المخلوق فمنها صلاته على المؤمنين في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾. وصلاته على الصابرين في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. وعلى نبيه محمد- ﵌ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
قد تنوعت عبارات العلماء سلفاً وخلفاً في تفسير صلاته تعالى على من ذكر من خلقه ففسرت بالرحمة- والجمع في قوله ﴿صَلَوَاتٌ﴾ باعتبار أنواع آثارها ومواقعها، وقوله بعدها ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ نوع منها خاص- وفسرت بالمغفرة، وفسرت بثنائه عند ملائكته على المصلي عليه- من باب ذكرته في ملاء خير منه- وفسرت بإعطائه وإحسانه، وفسرت بتعظيمه، ولا خلاف في الحقيقة بين هذه التفاسير فإن مغفرته من رحمته وأن ثناءه من رحمته وأن إعطاءه وإحسانه من رحمته وأن تعظيمه من رحمته، فرجعت كلها إلى تفسيرها بالرحمة.
لو قلنا بعد هذا أن الصلاة لها معنيان الدعاء والرحمة لكانت من باب المشترك، والاشتراك خلاف الأصل، فلذا نقول- كما قال جماعة من المحققين- إن الصلاة معناها واحدة وهو الدعاء فأما من المخلوق فبدعائه الخالق وهو ظاهر، وأما من الخالق
стр. 212
فبدعائه ذاته لإيصال الخير والنعمة للمصلي عليه على تفاوت المراتب، ومن لازم هذا رحمته له بالمغفرة والثناء والتعظيم وأنواع العطاء والإحسان. فالذين فسروا الصلاة من الله بالرحمة فسروها باللازم والذين فسروا بغير الرحمة، فسروا بمقتضيات ذلك اللازم فلها إذن معنى واحد وهو الدعاء ولكنه يحمل في كل واحد من الجانبين على ما يليق به (١).
стр. 213
الصلاة على النبي
﵌
- ٢ -
تاريخ مشروعيتها - آية مشروعيتها - شيء من تفسير الآية.
ــ
الصلاة على النبي- ﵌ من أذكار الصلاة ولكنها لم تشرع يوم شرعت الصلاة بمكة بل كانت مشروعيتها بعد بضع سنوات من الهجرة، وذلك يوم نزلت آية الأمر بها من سورة الأحزاب وهي سورة مدنية، ففي الترمذي وغيره- عن كعب بن عجرة-: لما نزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾ الآية قلنا يا رسول الله قد علمنا السلام فكيف الصلاة، فعلمهم حينئذ كيفيتها كما يأتي بيانه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ - هو آية الأمر بالصلاة على أبلغ أسلوب في التأكيد وأكمل وجه في الترغيب فمن التأكد للأمر التوطئة له بجملتين: الجملة الإسمية المصدرة بحرف التأكيد، والجملة الفعلية الندائية، ومن أعظم الترغيب في امتثال هذا الأمر جعل امتثاله اقتداء بالله وملائكته.
стр. 214
وفي عطف الملائكة عليه تعالى تنبيه على ثمرة الامتثال والاقتداء وهي نيل أشرف المنازل العليا - فإن الملائكة ﵈ بإمتثالهم أمر ربهم واقتدائهم به- جل اسمه في الصلاة على أكرم خلقه ﵌ نالوا شرف اقتران اسمهم باسمه، وفي هذا ووراءه من الشرف والسعادة ما فيه.
وقوله- تعالى-: ﴿يُصَلُّونَ﴾ على معناه اللغوي والأصلي وهو الدعاء. غير أن الملائكة يدعون ربهم له ﵌ والله تعالى يدعو نفسه، والمراد- وتذكر ما قدمنا- لازم ذلك وهو إنعامه الخاص الذي يرضاه لأكرم خلقه، وتقصر عقولنا عن الإحاطة به، وقد عبر الناس عنه بعبارات نقلنا بعضها في القسم الأول.
وفي صيغة الفعل المضارع دليل على تجدد هذه الصلاة، فالملائكة- ﵈ لا يفتؤون يصلون ويدعون، والله - تعالى- لا تنقطع إنعاماته على هذا النبي الكريم وهو- ﵌ بتلك الإنعامات الربانية لا يزال أبدا مترقيا في درجات الكمال، ويؤيد هذا عموم قوله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾. وفي هذا ترغيب للمؤمنين في مداومة الصلاة عليه حسب الجهد والطاقة في الصلاة وغيرها.
وقيل هنا ﴿عَلَى النَّبِيِّ﴾ ولم يقل على الرسول وهو- ﵌ نبي ورسول، ذلك لأن الرسول هو المبعوث لأداء الرسالة من الخالق إلى الخلق، فالجانب الأول الأساسي لمعناه يرجع إلى معنى التلقي والأخذ عن الذي أرسله، والنبي هو المخبر المبلغ للرسالة إلى الخلق من الخالق، والجانب الأول الأساسي لمعناه يرجع إلى معنى إعلام الخلق وإرشادهم وهدايتهم بما جاء به من عند خالقهم. فاختير اسم النبي هنا على اسم الرسول لوجهين:
стр. 215
الأول: - التنبيه على أنه قام بأعباء الرسالة وبلغ الأمانة ونصح الخلق ونفعهم فجازاه الله على هذا العمل العظيم بهذا الجزاء العظيم، وكما كان هو- ﵌ معلنا بتوحيد الله وتسبيحه وتقديسه وحمده أمام العالم بأسره، كذلك أعلن الله فضله ومكانته بصلاته عليه أمام جميع خلقه، وفي هذا تنييه للمؤمنن على عظم الجزاء عند عظم العمل، وعلى إعلائه- تعالى- شأن العاملين على إعلاء كلمته على قدر جهادهم في سبيله وإخلاصهم في ابتغاء مرضاته.
الثاني: - أنه بذلك التبليغ قد جلب للمؤمنين أعظم النفع وأكمل الخير وهو سعادة الإيمان في العاجل والآجل. فمن بعض حقه عليهم أن يقوموا- لتعظيمه وتكريمه- بالصلاة عليه. فتكون صلاتم عليه- وهي سبب أجر عظيم ونفع كبير لهم- كالجزاء لعظيم إحسانه، والاعتراف بجزيل جميله.
فاسم ﴿النَّبِيِّ﴾ بهذين الوجهين، أنسب بالمقام، وأدخل في التأكيد والترغيب ولهذا اختير.
وقوله- تعالى-: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أمر ثان معطوف على الأمر الأول، فيفيد النَّسق طلب الجمع بين مدلوليهما في الامتثال، ولذاكره العلماءُ إفراد الصلاة عن السلام.
وسلم: يأتي بمعنى الانقياد ويتعدى باللام ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. ويأتي بمعنى قال له السلام عليكم، ويتعدى بعلى ومنه قوله- تعالى-: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾، ومنه هنا ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي حيوه بتحية الإسلام. وقد ثبت عن الصحابة- ﵃ أنهم لما