ومنه صلاة المؤمنين على النبي- ﵌ وعلى الأنبياء وعلى الملائكة وعلى عامة المؤمنين بطريق التبع فهي سؤالهم من الله تعالى ودعاؤهم إياه أن يصلي على نبيه ومن ذكر قبل معه فهذه كلها من القسم الأول وهو صلاة المخلوق على المخلوق وكلها لم تخرج عن معنى الدعاء.
وأما القسم الثاني وهو صلاة الخالق على المخلوق فمنها صلاته على المؤمنين في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾. وصلاته على الصابرين في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. وعلى نبيه محمد- ﵌ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
قد تنوعت عبارات العلماء سلفاً وخلفاً في تفسير صلاته تعالى على من ذكر من خلقه ففسرت بالرحمة- والجمع في قوله ﴿صَلَوَاتٌ﴾ باعتبار أنواع آثارها ومواقعها، وقوله بعدها ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ نوع منها خاص- وفسرت بالمغفرة، وفسرت بثنائه عند ملائكته على المصلي عليه- من باب ذكرته في ملاء خير منه- وفسرت بإعطائه وإحسانه، وفسرت بتعظيمه، ولا خلاف في الحقيقة بين هذه التفاسير فإن مغفرته من رحمته وأن ثناءه من رحمته وأن إعطاءه وإحسانه من رحمته وأن تعظيمه من رحمته، فرجعت كلها إلى تفسيرها بالرحمة.
لو قلنا بعد هذا أن الصلاة لها معنيان الدعاء والرحمة لكانت من باب المشترك، والاشتراك خلاف الأصل، فلذا نقول- كما قال جماعة من المحققين- إن الصلاة معناها واحدة وهو الدعاء فأما من المخلوق فبدعائه الخالق وهو ظاهر، وأما من الخالق
стр. 212
فبدعائه ذاته لإيصال الخير والنعمة للمصلي عليه على تفاوت المراتب، ومن لازم هذا رحمته له بالمغفرة والثناء والتعظيم وأنواع العطاء والإحسان. فالذين فسروا الصلاة من الله بالرحمة فسروها باللازم والذين فسروا بغير الرحمة، فسروا بمقتضيات ذلك اللازم فلها إذن معنى واحد وهو الدعاء ولكنه يحمل في كل واحد من الجانبين على ما يليق به (١).
стр. 213
الصلاة على النبي
﵌
- ٢ -
تاريخ مشروعيتها - آية مشروعيتها - شيء من تفسير الآية.
ــ
الصلاة على النبي- ﵌ من أذكار الصلاة ولكنها لم تشرع يوم شرعت الصلاة بمكة بل كانت مشروعيتها بعد بضع سنوات من الهجرة، وذلك يوم نزلت آية الأمر بها من سورة الأحزاب وهي سورة مدنية، ففي الترمذي وغيره- عن كعب بن عجرة-: لما نزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾ الآية قلنا يا رسول الله قد علمنا السلام فكيف الصلاة، فعلمهم حينئذ كيفيتها كما يأتي بيانه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ - هو آية الأمر بالصلاة على أبلغ أسلوب في التأكيد وأكمل وجه في الترغيب فمن التأكد للأمر التوطئة له بجملتين: الجملة الإسمية المصدرة بحرف التأكيد، والجملة الفعلية الندائية، ومن أعظم الترغيب في امتثال هذا الأمر جعل امتثاله اقتداء بالله وملائكته.
стр. 214
وفي عطف الملائكة عليه تعالى تنبيه على ثمرة الامتثال والاقتداء وهي نيل أشرف المنازل العليا - فإن الملائكة ﵈ بإمتثالهم أمر ربهم واقتدائهم به- جل اسمه في الصلاة على أكرم خلقه ﵌ نالوا شرف اقتران اسمهم باسمه، وفي هذا ووراءه من الشرف والسعادة ما فيه.
وقوله- تعالى-: ﴿يُصَلُّونَ﴾ على معناه اللغوي والأصلي وهو الدعاء. غير أن الملائكة يدعون ربهم له ﵌ والله تعالى يدعو نفسه، والمراد- وتذكر ما قدمنا- لازم ذلك وهو إنعامه الخاص الذي يرضاه لأكرم خلقه، وتقصر عقولنا عن الإحاطة به، وقد عبر الناس عنه بعبارات نقلنا بعضها في القسم الأول.
وفي صيغة الفعل المضارع دليل على تجدد هذه الصلاة، فالملائكة- ﵈ لا يفتؤون يصلون ويدعون، والله - تعالى- لا تنقطع إنعاماته على هذا النبي الكريم وهو- ﵌ بتلك الإنعامات الربانية لا يزال أبدا مترقيا في درجات الكمال، ويؤيد هذا عموم قوله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾. وفي هذا ترغيب للمؤمنين في مداومة الصلاة عليه حسب الجهد والطاقة في الصلاة وغيرها.
وقيل هنا ﴿عَلَى النَّبِيِّ﴾ ولم يقل على الرسول وهو- ﵌ نبي ورسول، ذلك لأن الرسول هو المبعوث لأداء الرسالة من الخالق إلى الخلق، فالجانب الأول الأساسي لمعناه يرجع إلى معنى التلقي والأخذ عن الذي أرسله، والنبي هو المخبر المبلغ للرسالة إلى الخلق من الخالق، والجانب الأول الأساسي لمعناه يرجع إلى معنى إعلام الخلق وإرشادهم وهدايتهم بما جاء به من عند خالقهم. فاختير اسم النبي هنا على اسم الرسول لوجهين:
стр. 215
الأول: - التنبيه على أنه قام بأعباء الرسالة وبلغ الأمانة ونصح الخلق ونفعهم فجازاه الله على هذا العمل العظيم بهذا الجزاء العظيم، وكما كان هو- ﵌ معلنا بتوحيد الله وتسبيحه وتقديسه وحمده أمام العالم بأسره، كذلك أعلن الله فضله ومكانته بصلاته عليه أمام جميع خلقه، وفي هذا تنييه للمؤمنن على عظم الجزاء عند عظم العمل، وعلى إعلائه- تعالى- شأن العاملين على إعلاء كلمته على قدر جهادهم في سبيله وإخلاصهم في ابتغاء مرضاته.
الثاني: - أنه بذلك التبليغ قد جلب للمؤمنين أعظم النفع وأكمل الخير وهو سعادة الإيمان في العاجل والآجل. فمن بعض حقه عليهم أن يقوموا- لتعظيمه وتكريمه- بالصلاة عليه. فتكون صلاتم عليه- وهي سبب أجر عظيم ونفع كبير لهم- كالجزاء لعظيم إحسانه، والاعتراف بجزيل جميله.
فاسم ﴿النَّبِيِّ﴾ بهذين الوجهين، أنسب بالمقام، وأدخل في التأكيد والترغيب ولهذا اختير.
وقوله- تعالى-: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أمر ثان معطوف على الأمر الأول، فيفيد النَّسق طلب الجمع بين مدلوليهما في الامتثال، ولذاكره العلماءُ إفراد الصلاة عن السلام.
وسلم: يأتي بمعنى الانقياد ويتعدى باللام ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. ويأتي بمعنى قال له السلام عليكم، ويتعدى بعلى ومنه قوله- تعالى-: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾، ومنه هنا ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي حيوه بتحية الإسلام. وقد ثبت عن الصحابة- ﵃ أنهم لما
стр. 216
سألوه عن كيفية الصلاة قالوا له: السلام قد علمنا فبين لهم كيفيتها، وقال لهم والسلام كما قد علمتم، وقد كان علمهم كيفية السلام في التشهد وهي: ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)) كما في حديث ابن مسعود الثابت في الصحيح. وبعد هذا لا يبقى وجه لتجويز حمل التسليم هنا على معنى الانقياد كما زعمه الجصاص وغيره، ويالله من الجري وراء الاحتمالات، والغفلة عن التفسير النبوي الصحيح الثابت المأثور.
وقوله تعالى: ﴿تَسْلِيمًا﴾، مصدر مؤكد والتأكيد بالصدر يكون لرفع احتمال المجاز كما في "قتلته قتلا" دفعا لتوهم المجاز عن الضرب الشديد، ويكون لتثبيت معنى الفعل من جهة الحدث ببيان أنه فرد كامل من نوعه لا نقص فيه كما في "أكرمت زيدا إكراماً" بمعنى أن الذي كان منك له هو إكرام لا شبهة فيه، والتأكيد هنا من هذا النوع، فإن المسلِّم على النبي- ﵌ لا يكمل سلامه إلا إذا طابق قلبه ولسانه وجرى على مقتضاهما عمله، فلم تكن منه للنبي- ﵌ إلا السلامة في دينه وكتابه وأمته، وهذا هو الذي يقال فيه أنه سلم تسليما.
ونظير هذا ما في الآية الأخرى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فيكون منهم الإنقياد التام لحكمه في الظاهر والباطن بلا أدنى شبهة في العقل ولا أدنى حزازة في القلب ولا أدنى توقف في العمل.
فقد أمرنا بالآيتين بالتسليم الكامل بمعنييه، ليكون هو الغاية التي نرمي إليها، ونسعى في تحصيلها، وحتى إذا أخطانا مرة أصبنا مرات، وإذا انحرفنا رجعنا إلى الجادة من قريب، ومن داوم على القصد أعين على الوصول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
стр. 217
ومن لازم التوبة أتحف بالقبول، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، وفي قول المربي الأكبر -عليه- وآله الصلاة والسلام: «استقيموا ولن تحصوا»، وقوله «سددوا وقاربوا»، جماع السلوك الإسلامي كله إلى غايات الكمال، والله المستعان (١).
стр. 218
الصلاة على النبي
﵌
- ٣ -
توقف الصحابة ﵃ -وجوه توقفهم -سؤالهم -أولا من سأل منهم -مما يستفاد من هديهم في هذا المقام -لزوم الاقتداء بهم -حديث بيان الكيفية -رواته -ألفاظه -الجمع بينها -الإقتصار على الصحيح من الروايات -كلام الحافظ ابن العربي.
ــ
لما سمع الصحابة ﵃ الأمر بالصلاة على النبي ﵌ من الآية المتقدمة فهموا أنهم أمروا بالدعاء له لأن الدعاء هو معنى الصلاة لغة كما قدمنا.
وإنما الذي أشكل عليهم هو كيفية هذا الدعاء، ووجه هذا الإشكال أمور:
الأول: علمهم بكمال النبي- ﵌ ورفعة مقامه عند ربه وجزيل إنعامه لديه، فلم يدروا ما هو النوع الأكمل من الإنعام اللائق بمنصبه الرفيع ليدعوا له به.
الثاني: إن ألفاظ الدعاء كثيرة، وصفاتها مختلفة فما هو أنسبها بمقامه الشريف؟
стр. 219
الثالث: إن الصلاة عليه- ﵌ أمر تعبدي، والعبادات لا سبيل إليها إلا التوقيف، وأكد لهم هذا أن الصلاة قد قرنت بالسلام وقد تقدم لهم التوقيف في السلام فترقعوا مثله في الصلاة.
فلما أشكل عليهم الأمر طلبوا منه- ﵌ البيان. ففي الترمذي عن كعب بن عجرة لما نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾ الآية، قلنا يارسول الله قد علمنا السلام فكيف الصلاة، وقوله: "لما" يفيد أن سؤالهم كان عند النزول، وقوله "قلنا" يفيد أن السؤال كان من جميعهم ولو كان السائل المتكلم واحد فإنه يتكلم بلسان الجميع لأنهم له موافقون، ومثل هذا قول أبي حميد "إنهم قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك" وقول أبي سعيد "قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك فكيف نصلي" وأول من سأله فيما أرى، بشير بن سعد الأنصاري لأنه لما سأله ﵌ كيف نصلي عليك" سكت ثم أجابه بالبيان. والظاهر أن سكوته كان لانتظار الوحي إليه. فلما أوحى إليه بالبيان بين. وجاء البيان متأخرا عن نزول الآية واقعا بعد سؤالهم لأنه من البيان التفسيري وجائز تأخره على الصحيح وهذا من أمثلته.
وهنا نكت من هدى الصحابة -رضوان الله عليهم- في هذا المقام ينبغي التنبه لها والتدبر فيها. فمنها شدة تعظيمهم للنبي- ﵌ وتمام تحريهم في إجلال ذكره واحترام كل ما يتصل بجنابه. ومنها حرصهم على الإتيان بعين ما يختاره الله لهم ويرضاه منهم عن اللفط الأكمل الأفضل الذي يتقربون به إليه في تعظيم حبيبه ومصطفاه- ﵌. ومنها شدة تحريهم لدينهم بتوقفهم فيما كان عندهم محتملا، ولم يقطعوا فيه بشيء. ومنها شدة عنايتهم بالعلم
стр. 220
فبادروا إلى طلب البيان. ومنها وقوفهم في باب العبادة عند حد التوقيف، لأنه لا مجال فيها للرأي ولا مدخل فيها للقياس.
كل هذا من هديهم -رضوان الله عليهم- حق على المسلمين أن يتدبروه ويتبعوهم فيه وينظروا في أمورهم ما هو منها موافق لهديهم أو قريب منه وما هو مباين له بعيد عنه، فلا وربك لا يكون الخير إلا في موافقتهم ولا غيره إلا في مخالفتهم. وكل امرئ -بعد هذا- بنفسه بصير.
عدنا إلى حديث بيان كيفية الصلاة. ونقتصر من متونه على الصحيح الثابت المتفق عليه مما في الوطأ والصحيحين.
وقد جاء فيها عن أربعة من الصحابة -رضوان الله عليهم-.
الأول: أبو حميد الساعدي عند الثلاثة، والشيخان خرجاه عنه من طريق مالك. قال- ﵁ "إنهم قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك فقال قولوا: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" وفي رواية مسلم "وعلى أزواجه" بزيادة "على" في الموضعين.
الثاني: أبو مسعود الأنصاري في الموطأ وصحيح مسلم، ومن طريق مالك رواه مسلم قال ﵁: "أتانا رسول الله- ﵌ في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد "ابن ثعلبة" أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك؟ قال فسكت رسول الله- ﵌ حتى تمنينا أنه لم يسأله (لأنهم كانوا يكرهون كل ما يرونه أنه يكرهه أو يشق عليه) ثم قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام
стр. 221
كما قد علمتم". وفي بعض روايات الموطأ "كما صليت على إبراهيم" و"كما باركت على إبراهيم" بدون لفظة "آل" في الموضعين وفي بعضها بدونها في الأول.
الثالث: كعب بن عجرة في الصحيحين قال- ﵁ "سألنا رسول الله- ﵌ فقلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت فإن الله قد علمنا كيف نسلم، قال قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد"، هكذا أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء من كتاب بدئ الخلق. وخرجه في سورة الأحزاب من كتاب التفسير وفي كتاب الدعوات هكذا: "كما صليت على آل إبراهيم" و "كما باركت على آل إبراهيم" بدون "على إبراهيم" في الموضعين وعلى هذا الوجه خرجه مسلم.
الرابع: - أبو سعيد الخدري عند البخاري في أحاديث الأنبياء والتفسير قال- ﵁: "قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك فكيف نصلي قال قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم" وفي رواية أخرى للبخاري "كما صليت على آل إبراهيم" بزيادة لفظة "آل" وليس في آخرها وعلى آل إبراهيم.
وهذه المتون الصحيحة كلها قد اتفقت، واختلفت، اتفقت في عمود الكلام وصلب المعنى ومعظم الكلمات، واختلفت في كلمات قليلة. فمنها لفظة "على" كما في حديث أبو حميد وهي كلمة ذكرها كحذفها من جهة المعنى لأن حرف العطف مغن عنها، فقد تكون في الأصل وأسقطها الراوي نسيانا أو اختصارا وقد
стр. 222
لا تكون وزادها من زادها نسيانا أو بيانا، ومنها لفظة "الآل" في حديث أبي مسعود فهي ثابتة في رواية من أثبتها وتحتمل السقوط على وجه النسيان في رواية من أسقطها، ويحتمل أنه كذلك سمع بدونها، وأن النبي- ﵌ مرة ذكرها ومرة حذفها. ومنها زيادة عبدك ورسولك في حديث أبي سعيد وزيادة في العالمين في حديث ابن مسعود وذكر الأزواج والذرية بدون الآل في حديث أبي حميد، والظاهر في هذه أن النبي- ﵌ تنوع بيانه في المقامات فاختلفت الروايات وهي مختلفة غير متناقضة فتفيد المعاني المتغايرة غير المتضاربة وهي بهذا نظير اختلاف القراءات في صحيح الروايات.
هذا الذي ذكرناه من الروايات هو الصحيح المتفق على صحته وثبوته، ووراءها روايات ليست في درجتها رأينا الاكتفاء بالصحيح عنها. وقد قال الإمام الحافظ ابن العربي في تفسير سورة الأحزاب من أحكامه بعد ما ذكر ثماني روايات-: (من هذه الروايات صحيح ومنها سقيم، وأصحها ما روى مالك "حديث أبي حميد وحديث أبي مسعود فاعتمدوه". ورواية من روى غير مالك من زيادة الرحمة مع الصلاة وغيرها "غير الرحمة" لا يقوى. وإنما على الناس أن ينظروا في أديانهم نظرهم في أموالهم وهم لا يأخذون في البيع دينارا معينا وإنما يختارون السالم الطيب، كذلك في الدين لا يؤخذ من الروايات عن النبي- ﵌ إلا ما صح سنده لئلا يدخل في خبر الكذب على النبي- ﵌. فبينما هو يطلب الفضل إذا به قد أصاب النقص، بل ربما أصاب الخسران المبين) (١).
стр. 223
الصلاة على النبي
﵌
-٤ -
صيغ الصلاة الثانية - تفسير الصيغ: لفظ البركة - الأزواج - الذرية - الآل - معناه - اشتقاقه - موارد استعماله - توجيه الخلاف في تفسيره - الراجح منها - آل إبراهيم، تفسيره - دخول إبراهيم فيه - توجيه في ذلك.
ــ
قد حصل لنا مما تقدم في روايات حديث بيان الصلاة أربع صيغ لها:
الأولى:
"اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد".
стр. 224
الثانية:
"اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين. إنك حميد مجيد".
الثالثة:
"اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد".
الرابعة:
"اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم".
فأما الصلاة المطلوبة من الله تعالى في جميع هذه الصيغ فهي مغفرته وثناؤه وتعظيمه وإحسانه وإعطاؤه وكلها ترجع إلى رحته- كما تقدم.
وأما البركة المطلوبة في جميعها أيضا فهي- لغة- النماء والزيادة. والمقصود هنا زيادة الخير والكرامة وتكثير الأجر والمثوبة. وفسرت بدوام ذلك وثباته لأن أصل مادة - ب ر ك - يدل على الثبوت ومنها بروك الإبل وثبوتها على الأرض وقد يعتبر في الشيء الثابت قوته وزكاوة أصله فيستلزم ذلك كثرته ونماؤه وعلى هذا الاعتبار جاء لفظ البرك (كحبل) اسما للإبل الكثيرة، في قول متمم بن نويرة:
стр. 225
إِذَا شَارِفٌ مِنْهُنَّ قَامَتْ وَرَجَّعَتْ ... حَنِيناً فَأَبْكَى شَجْوُهَا الْبَرْكَ أَجْمَعَا
فتفسيرها بالنماء والزيادة مأخوذة فيه ثباتها ورسوخها فلا يكون خارجا عن المعنى الأصلي للمادة.
وأما أزواجه في الصيغة الأولى فهن أمهات المؤمنين الطيبات، الطاهرات، عليهن الرضوان، وأما ذريته فيها أيضا فهم من كان للنبي- ﵌ ولادة عليه من ولده وولد ولده ممن آمن به.
وأما الآل في جميعها فهو- لغة- أهل الرجل وعياله، وهو أيضا الاتباع، ومن الأول قوله ﵌ "إن الصدقة لا تحل لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس"، ولا خلاف أن المراد بالآل هنا ذوو قرابته من بني هاشم والمطلب أو من بني هاشم فقط أو من بني قصي أو قريش كلها على اختلاف بين الفقهاء في تحديد القرابة المرادة. ومن الثاني قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، والمراد هنا اتباعه في ملته وملكه وسلطانه.
ومنه قول الأعشي:
فَكَذَّبُوهَا بِمَا قَالَتْ فَصَبَّحَهُمْ ... ذُو آلِ حَسَّانَ يُزْجِي السَّمَّ والسَّلَعَا
قال في "اللسان" يعنى جيش تبع.
وفسر هنا بجميع أمته ممن آمن به، وإليه ذهب مالك. قال النووي: وهو اختيار الأزهري وغيره من المحققين.
وفسر بقرابته، وفسر بأهل بيته ﵌ أزواجه وذريته، وتحقيق هذه المسألة أن لفظة "آل" أصله
стр. 226
أول من مادة - ا- و-ل- وقد ثبت تصغيره على أويل فرد التصغير ألفه إلى الواو أصلها فعرفت بذلك مادته المذكورة.
وزعم بعضهم أن أصله أهل وادعوا أنه صغر على أهيل ولا حجة لهم في ذلك لأننا نسلم مجيء أهيل عن العرب وتمنع أن يكون تصغيرا لآل بل هو تصغير لأهل. وكونه تصغيرا لأهل ظاهر ملفوظ وكونه تصغيرا لآل دعوى لا دليل عليها، وما كان في نفسه دعوى بلا دليل لا يصلح أن يكون دليلا لدعوى أخرى فلم يقم حينئذ دليل على أن آل أصله أهل يعارض الدليل الذي قام على أن أصله أول.
وإذا ثبت أن آل من مادة- ا- و-ل-، وهي بمعنى الرجوع، تقول آل إلى خير بمعنى رجع إلى خير- فآل الشيء هو ما يرجع إلى ذلك الشيء وينتهي إليه بوجه من الوجوه.
وعلى هذا جاء استعماله في كلام العرب.
قال الفرزدق:
نَجَوْتَ وَلَمْ يَمْنُنْ عَلَيْكَ طَلَاقَةً ... سِوَى رَبَّةُ التَّقْرِيبِ مِنْ آلِ أَعْوَجَا
عني فرسا من نسل اعوج وهو فحل مشهور في خيل العرب تنسب إليه الأعوجيات فناله نسله لأنه يرجع إليه بالنسب.
وقال عبد المطلب بن هاشم - في قصة أبرهة الحبشي لما جاء لهدم البيت داعيا ومستنصرا الله على أبرهة وجنده:
لا هم ان العبد يمـ ... ـنع رحله فامنع رحالك
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غذوا محالك
وانصر على آل الصليب ... وعابديه اليوم آلك
стр. 227
فآل الصليب هم الحبشة النصارى عباد الصليب فرجعوا إليه بوجه العبادة والتعظيم.
وآل الله هم قريش سدنة بيته وقطان حرمه، وأواة حجيجه فرجعوا إلى الله تعالى بهذه الأسباب.
فاتباعه- ﵌ وأقاربه وأزواجه وذريته- كل يصدق عليه آل لأنهم كلهم يرجعون إليه.
وإنما الخلاف في ترجيح المعنى الذي ينبغي حمل اللفط عليه.
في أحاديث الصلاة، فمن فسره بالأزواج والذرية قال لأنهم هم المصرح بهم في الرواية الأولى فحمل إحدى الروايتين على الأخرى.
ومن فسره بالأقارب حمل حديث الصلاة على حديث تحريم الصدقة. والآل هنالك بمعنى الأقارب فلا خلاف. فرجع بالمخنلف فيه إلى المتفق عليه.
ومن فسره بالاتباع رأى أن أتباعه بالإيمان به أمر لا بد منه في الدخول تحت لفط الآل هنا، فإن من كان من أقاربه غير متبع له -كأبي لهب- غير داخل في لفط الآل هنا قطعا. فحمل اللفظ على الاتباع لأنه المعنى المشتمل على الوصف الذي لا بد منه في هذا المقام. وروى أيضا أن هذا المعنى أعم فهو الأنسب بمقام الدعاء وكما أن مساق حديث الصدقة عين معنى الأقارب هنالك كذلك مقام الدعاء يرجح معاني الاتباع هنا.
ولا معارضة بين الروايات التي فيها لفط الآل مراد به الاتباع، والرواية التي فيها الأزواج والذرية، لأن تلك جاءت بالمعنى العام وهذه خصصت بالذكر نوعا من ذلك العام لمزية فيه.
стр. 228
فأزواجه وذريته -رضوان الله تعالى عليهم- مصلى عليهم في اللفظ العام على وجه العموم، وباللفظ الخاص على وجه الخصوص لما لهم من مزيد الاختصاص. ولهذه الأدلة نرى هذا التفسير ارجحها.
وأما آل إبراهيم فقد قال قوم هم ذريته، وقال ابن عباس- ﵁ هم اتباعه على ملته. ونزع بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ واقتصر على قوله ابن جرير الطبري في تفسير الآية من تفسيره الكبير.
فابن عباس في تفسيره الآل بالاتباع هو سلف مالك في تفسيره له بذلك. وابن جرير في ترجيحه لقوله هو سلفنا في الترجيح.
قال الإمام ابن عبد البر: "آل إبراهيم يدخل فيه إبراهيم وآل محمد يدخل فيه محمد". ومن هنا جاءت الآثارة مرة بإبراهيم ومرة بآل إبراهيم وربما جاء ذلك في حديث واحد. ومعلوم أن قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ أن فرعون داخل فيهم.
وهذا من طريق مفهوم الإضافة الأحروي لأن المضاف إذا تعلق به حكم بعلة الإضافة فالمضاف إليه أحرى بذلك الحكم وأولى كما تقول: - ما ثبت للتابع بعلة التابعية فالمتبوع أحرى به وأولى، فإذا كان آل إبراهيم مصطفين ومصلى عليهم لأنهم آله أي اتباعه- فهو مصطفى ومصلى عليه بطريق الأحرى للوجه الذي ذكرنا (١).
стр. 229
الصلاة على النبي
﵌
- ٥ -
معنى العبد في اللغة - استعماله فيها - ما أقره الإسلام وما أبطله - معنيا الملك - عموم العبودية - وجها إضافة العبد لله - معنى العبادة - لمن تكون؟ مقام العبودية - أكمل العباد - أصدق وصف المخلوق - تواضعه - معنى الرسول - توجيه الترتيب - حديث الإطراء ومعناه.
ــ
أما قوله "عبدك" في حديث أبي سعيد عند البخاري فالعبد قال الأئمة (خلاف الحر) والحر من لا ملك لأحد عليه. فالعبد هو المملوك والعبودية هي طاعته مع الخضوع والتذلل (١)، والملوكية التي هي أصل المعنى مستلزمة لها. وجاء في كلامهم مضافا إضافة ملك للبشر فقالوا عبد زيد أي مملوكه، وإلى الخالق تعالى مالك الجميع فقالوا عبد الله، وإلى معبوداتهم الباطلة فقالوا عبد العزى وعبد اللات بناء على شركهم وزعمهم أن
стр. 230
طواغيتهم تملك مع الله وإن كان هو مالك الجميع. كما كانوا يقولون في تلبيتهم (لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك).
جاء الإسلام فأقر إضافتين وأبطل واحدة، وذلك أن الملك إما ملك حقيقي ثابت بالخلق والحفظ والإنعام وهذا ليس إلا لله، فكل أحد فهو عبد الله. وأما ملك مجازى متنقل بسبب معاوضة أو عطية أو إرث وهذا هو ملك العباد وعلى هذا المعنى يقال عبد زيد أي مملوكه. وأما الطواغيت فلا ملك لها بالوجهين فلا تجوز إضافة العبد إليها. وقد جاء في إضافة الملك المجازي قوله- ﵌ فيما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ "لا يقولن أحدكم عبدي فكلكم عبيد الله ولكن ليقل فتاي، ولا يقل العبد ربي ولكن ليقل سيدي".
والنهي عن هذا لما فيه من التطاول والتعاظم والارتفاع، ولا بأس به إذا كان في النادر للبيان والتعريف.
العبودية لله وصف عام ثابت في كل مخلوق، فكل مخلوق هو عبد لله مملوك له، في دائرة خلقه وقبضة أمره، خاضع ذليل منقاد لتصرفات قدره.
والعبد يضاف لله تعالى بهذا المعنى إضافة عامة لا فرق فيها بين بر وفاجر، وقد قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾.
ويضاف إليه إضافة خاصة إذا كان العبد قد عرف عبوديته لربه علما، وقام بواجبها عملا، فأطاع مولاه طاعة المملوك لمالكه عن علم واختيار، بذل وخضوع وانكسار، بلا امتناع ولا اعتراض ولا استكبار، وقد جاء على هذا قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ
стр. 231
لَيْلًا﴾، ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾، ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾، ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾، ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾، ومنه قوله ﴿عَبْدُكَ﴾ هنا.
والعبد المضاف إلى الله تعالى بهذا الوجه هو المملوك المطيع، وطاعته بذل وخضوع هي عبادته. ولما كان ليس مملوكا إلا لله فلا تكون طاعته إلا لله فلا يجوز لأحد أن يطيع أحداً إلا في طاعة الله فتكون طاعته في الحقيقة لله. فطاعتنا للنبي- ﵌ هي- بالقطع- طاعة لله، وطاعتنا لغيره لا تجوز إلا إذا عرفنا أنها في مرضاة الله، وقد قال- ﵌: «لا طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف» رواه الشيخان وأبو داوود والنسائي عن علي ﵁ وقال ﵌: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» رواه أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه عن عمران والحكم بن عمر والغفاري ﵁.
ولما كانت الطاعة -التي هي العبادة- بها يحصل الكمال الإنساني للفرد في عقله وأخلاقه وأعماله، وللنوع في اجتماعه وعمرانه، وهذا الكمال هو سعادة الدنيا المفضية إلى السعادة الكبرى في الحياة الأخرى - كانت العبودية أشرف حال وأعظم مقام وأفضل وصف للإنسان وكان أفضل إنسان أرسخ الناس قدما في هذا المقام. ولما كان النبي- ﵌ كذلك كان أفضل الخلق، وكان -كما قال- ﵌: «سيد ولد آدم ولا فخر» - ولهذا ذكر بوصف العبودية في مقام التقريب والتكريم في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ وفي مقام الترفيع والتعظيم في آية الإسراء، وجاء على مقتضى ذلك وصفه به في ذكر الصلاة ومقام الثناء والدعاء.
ولفط العبد كما أنه أكمل وصف للإنسان على ما بينا - هو أصدق وصف له - وأشده بعدا عن الكبرياء والعظمة والترفع.
стр. 232
ولذا لما خير النبي- ﵌ بين أن يكون نبياً ملكاً وأن يكون نبياً عبداً اختار أن يكون نبيا عبدا، فإن الملك لا بد له من مظاهر السيادة والسلطان، وإن كان بعدل وحق كملك داوود وسليمان- عليهما الصلاة والسلام- فاختار ﵌ أن يكون نبيا بدون هذا المظهر وكان الذي اختار أفضل.
وكان- ﵌ في جميع حياته على أكمل حال في التواضع الذي هو من مظاهر كمال عبوديته لربه وكان يقول ﵌: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد».
وأما قوله "ورسولك" في الحديث المذكور فإن الرسول هو من بعثه الله تعالى- فضلا منه- ليبلغ شريعة. وقيامه بأعباء الرسالة هو من طاعته وعبوديته لربه. فقدم لفط العبد على لفط الرسول تقديم العام على الخاص وتقديم (١) الشرط على المشروط، فإن الرسالة لا يفضل بها الله تعالى إلا أكمل عباده، و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾، وتقديم الترتيب لأنه كان عبدا قبل أن كان رسولا ولأن العبودية للخالق، والرسالة فيها انصراف - بأمر الله - للخلق.
والعبودية والرسالة هما الوصفان اللذان أمرنا النبي- ﵌ أن لا نتجاوز حدهما في الثناء عليه، فقد قال- ﵌: «لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله»، فنهانا عن إطرائه في المدح وهو المبالغة والغلو
стр. 233
بوصفه بما لا يجوز كما غلت النصارى في عيسى- ﵊ فادعت فيه الألوهية ونسبت إليه ما لا يكون إلا لله. وبيّن لنا طريقة مدحه- ﵌ بذكر كل ما لا يخرج به عن كونه عبداً من كل كمال، وبذكر كل ما يليق برسالته من عظيم الخصال، عليه وآله الصلاة والسلام (٢).
стр. 234
الصلاة على النبي
﵌
-٦ -
مبلغ صلاة الله على محمد ﵌ وجهان في معنى التشبيه - نكتة التشبيه - سؤال على الوجه الثاني وجوابه - نكتة أخرى في التشبيه - معنى في العالمين - معنى حميد مجيد - نكتة الختم بهذه الجملة.
ــ
وقوله: (كما صليت على آل إبراهيم) و (كما باركت على آل إبراهيم) في حديث أبي حميد وابن مسعود. و (كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم) و (كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم) في حديث كعب بن عجرة - يفيد أن المصلي يسأل من الله تعالى صلاة وبركة لمحمد وآله في المستقبل مثل ما كان منه تعالى من صلاة وبركة على إبراهيم وآله في الماضي. هذا يسأله المصلي في كل مرة من صلاته ويستجاب سؤاله كلما سأل. فكم تكون صلوات الله تعالى وبركاته على محمد وآله في المستقبل، وهي أثر كل صلاة مصل تكون مثل ما حصل في الماضي منه تعالى لإبراهيم وآله. أن مقاديرها - على هذا - تبلغ إلى ما تعجز عن حصره العقول وهي لا تزال متزايدة بقدر صلاة المصلين تزايداً فوق متصور البشر.
стр. 235
والكاف في قوله (كما) تفيد التشبيه والإلحاق وهذا يحتمل وجهين:
الوجه الأول: أن يكون ذلك في أصل الصلاة بقطع النظر عن مقدارها فلكل ما يناسب مقامه في الفضل والأفضلية من المقدار، كما تقول لمن تقدمت منه عطية لبعض أقاربه: أعط هذا القريب الأقرب كما أعطيت ذاك القريب. تقصد أصل العطاء دون مقداره ضرورة أن ما يستحقه القريب الأقرب أكثر مما يستحقه القريب. وجاء على هذا الأسلوب قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾، فالمقصود أن يكون منه إحسان كما كان من الله تعالى إليه. ولا يمكن أن يكون ما يصدر منه من إحسان مماثلاً لما لله عليه منه.
وتكون نكتة التشبيه إلحاق المتأخر وهو الصلاة والبركة المسؤولتان لمحمد وآله بالسابق المشتهر وهو الصلاة والبركة المعطاتان لإبراهيم وآله. فالمقصود أن تكون هاته ظاهرة مشتهرة في الخلق كما كانت تلك فيهم.
الوجه الثاني: أن يكون التشبيه في مقدار الصلاة والبركة ويكون المطلوب هو المقدار المماثل، كما تقول لمن أعطى زيدا عشرة دراهم: أعط عمرا كما أعطيت زيدا. ونكتة التشبيه في هذا الوجه هي نكتته في الأول.
وعلى هذا الوجه يقال كيف يطلب له- ﵌ صلاة وبركة مثلما حصل لغيره وهو أفضل من غيره، وبمقتضى كونه أفضل لا يطلب له إلا ما هو أفضل. ويجاب بأن النبي- ﵌ كان شديد التعظيم لأبيه إبراهيم- ﵇ والتواضع في جانبه، فكان هذا الطلب على مقتضى ذلك التعظيم وذلك التواضع. وفي ذلك تعليم وتأديب لأمته.
стр. 236
ثم في هذا التشبيه إشادة بذكر إبراهيم- ﵇ وإبقاء له على ألسنة هذه الأمة. وفي هذا اعتراف بفضل هذا النبي القانت الحنيف الذي هو على ملته. واحتجاج على أهل الكتاب الذين يعظمونه مثلنا وقد حادوا عن ملته الحنيفية بذهابهم في أودية الشرك واتخاذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله. وجزاء له ﵇ في دعوته لنبينا فيما حكاه القرآن بقوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وقوله "في العالمين" أي في أجناس الخلق- يفيد أن صلاته تعالى وبركاته على إبراهيم وآله كانت ظاهرة مشتهرة -علما وأثرا- في أجناس المخلوقات. وقد سئل في صيغة الصلاة أن تكون صلاته وبركاته على محمد وآله مثل ذلك.
ولفط "في العالمين" مذكور في القسم الثاني قسم البركة دون القسم الأول قسم الصلاة، وأرى ذلك من الإيجاز بالحذف من الأوائل لدلالة الأواخر.
وقوله "حميد" من الحمد إما بمعنى حامد، حول ليفيد التكثير وهو ﷻ يحمد فعل الخير من عباده ويثيبهم على القليل بالكثير.
ومناسبة اسم "حميد" لختم هذه الصلاة أن هؤلاء من عبادك المتقين الذين تتفضل عليهم بحمدك، فمن حمدك لهم أن تصلي وتبارك عليهم.
وإما بمعنى محمود ومناسبته حينئذ أنك ذو الكمال والإنعام اللذين تحمد عليهما، فمن إنعامك وإحسانك صلاتك وبركتك.
стр. 237
وقوله "مجيد" من المجد والشرف بمعنى ماجد يفيد عظمة مجده وشرفه في ذاته وصفاته وأفعاله.
ومناسبته للإسم السابق أن حمده لخلقه -وطاعتهم بفضله وتيسيره- من مجده وشرفه، أو أن كماله وإنعامه اللذين يحمد عليهما، هما فوق كل كمال وفوق كل إنعام على ما يليق بمجده وشرفه ومناسبة ختم الصلاة بهذا الإسم أن من مجده وشرفه- ﷻ هذه الإنعامات العظيمة والخيرات الجسيمة المتوالية على مخلوقاته ومنها هذه الصلاة والبركة المسؤولتان لأكرم خلقه وجميع آله.
وبهذا التقرير يظهر أن جملة "إنك حميد مجيد" هي تذييل للكلام السابق وتأكيد له بما هو عام ومشتمل على معناه -فإن الصلاة والبركة من مقتضى الحمد والمجد- نظير قوله تعالى: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (١).
стр. 238
الصلاة على النبي
﵌
-٧ -
القسم العملي: - حكمها - القصد بها - أفضلها - استعمال صيغها - المحافظة على الوارد منها - التحذير: من الغفلة - من اللحن - من تركها عند ذكره - من ذكرها للغضبان - من ذكرها للزغرته - من هجر الوارد - من كتاب التنبيه.
ــ
الصلاة عليه- ﵌ واجبة مرة في العمر- وذهب الشافعي إلى وجوبها في التشهد الثاني من الصلاة، وقيل بوجودها عند ذكره، وثبت الترغيب فيها أثر حكاية الأذان ويوم الجمعة وليلتها، وعند الدعاء ثم ما شاء حسب الطاقة.
ويقصد المصلي بصلاته امتثال أمر الله ورجاء ثوابه والتقرب إليه بذكر نبيه على وفق أمره وقضاء بعض حقه والمكافأة بقدر جهدنا لبعض إحسانه وإظهار تمام المحبة فيه والاحترام له وصحة العقيدة في دينه.
وصيغ الصلاة كثيرة والأمر فيها واسع وأرفعها قدراً وأعظمها نفعاً هي الصيغة التي قالها النبي- ﵌-
стр. 239
لأصحابه -وقد سألوه- في معرض البيان، وبيانه لهم بيان لجميع الأمة بعدهم، وهو أعلم الناس بما ينفع وأحرص الناس على جلبه لأمته فلا أنفع ولا أرفع مما جاء به من عند ربه، واختاره لأمته، والأكمل أن يحفط الصيغة النبوية بروايتها ويستعملها مرة برواية ومرة بغيرها حتى يكون قد استعملها كلها ولو اقتصر على بعضها لكان كافيا.
وعندما يأتي بالصلاة النبوية بإحدى رواياتها يحافظ على لفظها بدون زيادة شيء من عنده عليها ولا أن ينقص شيئا منها، لأن الصيغة الواردة توقيفية متعبد بها، والتوقفي في العبادات يؤتى بنص لفظه بلا زيادة ولا تنقيص ولا تبديل.
وأصل هذا حديثُ البراء بن عازب ﵁ في الصحيح لما قال: "وبرسولك الذي أرسلت" قال له النبي- ﵌: «لا وبنبيك الذي أرسلت» فلم يقره على تبديل لفظ النبي بلفظ الرسول على تقاربهما لأن الصيغة متعبد بها، والحديث في باب: "إذا بات طاهراً" من كتاب الدعوات من صحيح البخاري.
التحذير:
مظهر الصلاة على النبي- ﵌ كسائر الأذكار وهو اللسان، وثمرتها في الأعمال، ومنبتها هو القلب، فليحذر المصلي من الغفلة عند جريان الصلاة على لسانه.
والصلاة النبوية صيغة تعبدية فليحذر من اللحن فيها.
وجاء وعيد فيمن تركها عند ذكر النبي- ﵌ فليحذر من تركها عنده وخصوصاً من اعتياد تركها.
وقد اعتاد بعضهم أن يقول لصاحبه عند الغضب "صل على النبي" وهذا وضع لها في غير محلها وتعريض للإسم الشريف
стр. 240
إلى ما لا يليق، من قد يكون عند جنون الغضب من تقصير أو سوء أدب، فليحذر من هذا ومثله.
وقد جرت عادة بعض الناس في ليالي زرداتهم أن يرفعوا أصواتم مرة على مرة "الصلاة على النبي" فتجيبهم النساء من وراء الحجاب برفع أصواتهن بالزغرتة حتى يرتج المكان. ومن أبشع المنكر أن تستعمل عبادة من أشرف العبادات في إثارة هذه المعصية النسوانية، فليحذر من ذلك وليغيره بما قدر عليه.
وقد هجر الناس الصلاة النبوية التوقيفية واقتصروا على غيرها، وزاد بعضهم فقال أن غيرها أنفع منها، فليحذر من هذا الهجر ومن هذا القول، فمحمد- ﵌ أنفع الخلق وأرفعهم. وفعله أرفع الأفعال وأنفعها، وقولها أرفع الأقوال وأنفعها. فليجعل أصل صلاته الصلاة النبوية المروية وليجعل بعدها ما شاء.
ومن الكتب المشهورة بين الناس في الصلاة على النبي- ﵌ كتاب "تنبيه الأنام" وفيه موضوعات كثيرة لا أصل لها فبينما قارئه في عبادة الصلاة إذا هو في معصية الكذب فليكن منه على حذر.
والله يفتح علينا في العلم ويوفقنا في العمل.
له الحمد في الأولى والآخرة رب العالمين (١).
стр. 241
الدعاء
منه عادة ومنه عبادة
(الدعاء هو النداء لطلب شيء من المدعو، ولذلك لا يدعي إلا العاقل أو ما نزل منزلته مجازا من الجمادات، أو ما كان له فهم لبعض الأصوات من العجماوات، وإذا كان لشيء معظم ليطلب منه ما وراء الأسباب العادية وفوق الطاقة البشربة فهو عبادة ولا يكون إلا من المخلوق لخالقه وإذا لم يكن كذلك فهو عادة وهو دعاء المخلوقين بعضهم بعضا لغرض من الأغراض).
الشهاب ج ١٢، م ٦، شعبان ١٣٤٩.
ــ
يجب أن نمهد لمناقشته: (الشيخ الدجوي) بيان معنى الاستغاثة وتقسيمها، فالاستغاثة هي طلب الغوث وهو تخليص من شدة أو إعانة على دفع مشقة فهي من أقسام النداء والدعاء، وتكون من المخلوق لخالقه عبادة وتكون من المخلوق لمثله عبادة فيدعو المخلوق ويستغيث به فيما هو مقدوره كقولك يا زيد أسقني ماء، ويا عمرو أدعوك لتنصحني، وإنني في عسر مالي فأغثني وفرج عني بما تقرضني.
وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ فقد طلب منه أن ينصره عليه بما عنده من
стр. 242
القوة البدنية، ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ ولم يطلب منه أن (يتصرف) له فيه بتصرف باطن وعليه جاء قوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ أي
طلبوا منكم النصرة بالقوة التي في يديكم من العدد والعدة لا أنهم طلبوا منكم أن تنصروهم بطريق الغيب و"التصرف".
ويدعو المخلوق خالقه ويستغيثه في تيسير الأسباب العادية وفيما هو وراء تلك الأسباب من الألطاف الخفية وما هو فوق الطاقة البشرية، وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ فتوجهوا إليه بالدعاء وطلب التخليص من المكروه بالنصر على الأعداء. وقد كان النبي- ﵌ بين ظهرانيهم فلم يستغيثوه لعلمهم أن الاستغاثة فيما وراء الأسباب لا تكون إلا لله.
فعلم من هذا أن الاستغاثة قسمان: إستغاثة بما هو في طوق البشر ودائرة الأسباب وهذه تكون للمخلوق لأنها عادة، واستغاثة فيما هو خارج عن طوق البشر ودائرة الأسباب وهذه لا تكون إلا للخالق لأنها عبادة، وعلى هذين القسمين نزلنا آيات التنريل.
أفخفي هذا على فضيلته حتى أخذ يستدل بآية الاستغاثة العادية التي تكون بين المخلوقين على الاستغاثة التعبدية التي لا تكون إلا لله. إن خفاء هذا على مثله لعجيب!
ثم هذا التقسيم الذي ذكرنا في الاستغاثة هو بنفسه يجري في الدعاء، وما الاستغاثة إلا نوع منه، فما كان منه لشيء معظم ليطلب منه ما هو وراء الأسباب العادية وفوق الطاقة البشرية فهو عبادة ولا يكون من المخلوق إلا لخالقه، وإذا لم يكن كذلك فهو عادة وهو دعاء المخلوقين بعضهم لبعض لغرض من الأغراض.
стр. 243
ومن الأول قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ فنصره الله تعالى بما ليس من صنع البشر، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، فدعا موسى قومه وطلب منهم ما هو في مكنتهم).
ج ٦، م ٧ صفر ١٣٥٠ه.
جهل هذا كله من كلامنا أو تجاهله بعض الطلبة فادعى علينا بالباطل وكتب في بعض الصحف يقول: (والملخص مما يدور عليه كلامكم هو كون الدعاء عبادة بإطلاق) ثم أخذ بناء على دعواه هذه المبنية على جهله أو تجاهله يندد ويشنع ويتعجب، وقد وجد مادة - د ع و - وأمامه واسعة فنقل معظمها فانتفخ بها بطن المقال دون أن تكون به حاجة إليها في المقام.
لا يجوز دعاء غير الله ولا أحد مع الله .
الدعاء عبادة، وكل عبادة فإنها لا تكون إلا لله: فالدعاء لا يكون إلا لله، هذا قياس من الضرب الأول من الشكل الأول مقدمته الصغرى دليلها من نفسها لأنها من لفظ الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي وغيره، ومقدمته الكبرى معلومة من الدين بالضرورة ومن أدلتها: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فإذا كان سيدي الطالب له إلمام بقواعد المنطق الأولية فهذا يكفيه، وإذا أراد التوسع فليتفهم ما نقلناه سابقا من المجلد السادس والسابع، وليراجع بقية ردنا على الشيخ الدجوي في المجلد السابع وبقية مجالس التذكير في المجلد السادس، وليجد الفهم فيما كتبناه في الدعاء، بالمجلد الثامن.
من دعا غير الله فقد عبده .
لما كان الدعاء عبادة فمن دعا فقد عبد ومن دعي فقد عبد، ولهذا تواردت نصوص الآيات والأحاديث على النهي عن دعاء
стр. 244
غير الله دون استثناء لشيء من مخلوقاته مثل قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾، ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾، ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. وقال عليه وآله الصلاة والسلام في وصيته لابن عباس- ﵄: «وإذا سألت فاسأل الله» رواه الترمذي وقال حسن صحيح. وهو في الأربعين النووية. فإذا أراد سيدي الطالب أن يزداد بصيرة فليطالع شراحها.
فإن قلت أن الداعي للمخلوقات لا يسمى دعاؤه عبادة. قلت أن من فعل ما يسميه الشرع عبادة كان فعله عبادة، لأن العبرة بتسمية الشرع لا بتسميته، ولأن العبرة في التسمية الشرعية بالعمل، لا بتسمية العامل كمن حلف بغير الله فقد أشرك بتسمية النبي- ﵌ ذلك منه شركا في قوله: «من حلف بغير الله فقد أشرك» رواه الترمذي وحسنه والحاكم وصححه. وإن لم يسم الحالف فعله ذلك شركا. وراجع ص ٢٠ - ٧٢١ من المجلد السادس من الشهاب تزدد علما.
التوسل بالنبي- ﵌ غير دعائه:
دعاؤه هو الطلب منه قضاء الحوائج وهذا ممنوع بالأدلة المتقدمة، والتوسل به أن تطلب من الله وتسأله به ﵌ مثل أن تقول: اللهم إنني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، مثل ما في حديث الأعمى الذي تكلمنا عليه في الجزء الثالث من المجلد الثامن، وذكرنا دلالته على جواز التوسل به ﵊، ومن التوسل به التشفع أو لاستشفاع به وكله بمعنى الطلب من الله به، فالله هو المدعو وهو المطلوب منه. وهذا كله جائز لا كلام لنا فيه،
стр. 245
غير أن سيدي الطالب لم يفرق بين دعائه والتوسل به، فذهب يستدل بالجائز على
الممنوع مسويا بينهما، وما ذكره عن البيهقي وفي العتبي- على تسليم صحته وعلى ما في سنده- لا يخرج عن التوسل والاستشفاع به ﵌، وهو غير دعائه وطلب الحوائج منه الذي قامت الأدلة على منعه من كل مخلوق لأنه من العبادة التي لا تكون إلا للخالق، وما نقله من كلام الشيخ ابن تيمية هو في بيان أن استجابة دعاء الداعي لا تكون دليلا على أن دعاءه مشروع كما هو صريح كلامه، ويكفي دليلا على مراده هذا هذه العبارة الأخيرة مما نقله من كلامه وهي قوله: (فهذا القدر إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر إما أنه يدل على حسن حال السائل فلا) وكون السؤال وقع من بعض الناس له مخالفين أمره، وقوله إذا سألت فاسأل الله - شيء، وكونه شرعه لنا ودعانا إليه شيء آخر - وقد خفي على سيدي الطالب هذا القدر من الفرق ما بينهما فجعل سؤال بعض الناس دليلا على المشروعية، ولو تأمل الفصل الطويل الذي نَقلَ بعضه من كلام الشيخ ابن تيمية لظهر له الفرق جليا.
نصيحة بنصيحة:
نصحني سيدي الطالب إذا يسر الله لي زيارة القبر الشريف أن أسأله عليه وآله الصلاة والسلام الشفاعة، وقد يسر الله لي ذلك وله الحمد والمنة منذ عشرين سنة، وقد دعوت الله وحده، وتوسلت له بنبيه، وتوجهت إليه به أن يميتني على ملته ويجعلني من أنصار سنته وأهل شفاعته إلى أشياء أخرى قد استجاب الله تعالى بعضه وأنا أرجو الاستجابة في الباقي. وجزاء نصيحتك أيها الأخ أنني أنصحك بالتأمل الجيد فيما تقرأ وتكتب، والتثبت التام فيما تعزو وتنقل، فإننا لا ندين إلا بما ثبت عن رسول الله- ﵌ من آية قرآنية أو سنة نبوية
стр. 246
قولية أو فعلية وما كان عليه السابقون مما رواه الأئمة في كتب الإسلام المشهورة، فعليك إذا نقلت أن تبين الكتاب وتعين المحل المنقول منه ليكون لقولك قيمة في مقام البحث والنظر، والله يتولى إرشادك وتسديد خطاك في سنن العلم والدين (١).
عبد الحميد بن باديس
стр. 247
تبليغ الرسالة
ملخص المحاضرة التي ألقاها الأستاذ عبد الحميد بن باديس بنادي الترقي بالعاصمة
في حفلة المولد الشريف.
ــ
مقدمة:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. [سورة الأحزاب، الآيات ٤٦ - ٤٧ - ٤٨]
...
أيها السادة الحياة ماض ومستقبل وحال، وما أقل حظنا من الحياة لو حظنا منها هو الحال خاصة. ذلك الجزء اليسير من الزمن الذي ما يجيىء حتى يذهب ولا يثبت حتى يزول ولكن حظنا من الحياة عظيم بالماضي المديد والمستقبل البعيد. بالماضي إذا كانت لنا ذكريات نشعر بها، وبالمستقبل إذا كانت لنا آمال نتوق إلى تحقيقها، وإنه لتتسع حياة الشخص الماضية بقدر ما تمتد ذكرياته في سوالف الأزمان وتمتد آماله في غابرها. حتى يكون كأنه -وهو شخص واحد- قد عاش أعمار الأجيال والأمم من السابقين واللاحقين. فالذكريات والآمال- أيها السادة- هي مقياس الأعمار.
стр. 248
ذكريات الشخص وآماله في حياته الخاصة لا تجعله يتجاوز نطاق ما قدر له أن يعيش من أمد محدود قصير جداً بالنسبة إلى عمر التاريخ الطويل.
ولكن الذكريات والآمال الخارجة عن حياته الشخصية هي التي تجعله كأنه قد عاش الدهور الطوال.
فنحن في حفلنا هذا بذكرى المولد النبوي الكريم التي هي الثانية بعد الأربعمائة والألف من ولادة محمد بن عبد الله- ﵌ نشعر بالحياة الإسلامية في هذه القرون كلها حتى كأننا عشناها فعلا.
ونريد أن نحلي شعورنا بهذه الذكرى بذكر ناحية من نواحي حياة هذا النبي الكريم- ﵌ ليبعث فينا العلم بتلك الناحية آمالا عظيمة في المستقبل الإسلامي القريب والبعيد، ويدفعنا إلى تحقيق تلك الآمال بما استطعنا. فنكون كأننا نعيش مع الأجيال الآتية من أبناء الإسلام.
المقصد:
الرسول- ﵌ جاء بالرسالة من الحق، لهداية الخلق. فكيف بلغ هاته الرسالة؟ هاته هي الناحية التي نريد الكلام عليها.
فصل علمي:
قد بلغ- ﵌، رسالة ربه بالقول والعمل إلى آخر رمق من حياته، وكان تبليغه كما أمره ربه على درجات حسب التدريج الذي هو من سنة الله في خلقه وفي شرعه.
стр. 249
الدرجة الأولى - الأمر بالتبليغ المطلق:
بدأ رسول الله- ﵌ من الوحي بالرؤيا الصادقة التي هي تلقي الروح من عالم الملائكة عند تخليها بعض التخلي عن الجسد في حالة النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم جاءه الملك بالوحي فكان أول ما أنزل من القرآن قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ولم يكن في هذا أمر بالتبليغ لغيره. فرجع إلى بيته فأعلم زوجته خديجة رضوان الله عليها فصدقته. وقوته بذكر صفاته العالية وأخلاقه الكريمة الطيبة التي لا يجازي الله صاحبها إلا بالكريم الطيب وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، فقالت له: فوالله لا يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فكانت هي أول مصدق له. ثم فتر الوحي، ثم رأى الملك المرة الثانية ولم يكن قد اعتادت بشريته رؤية الملائكة، فرجع إلى أهله يقول لهم: دثروني دثروني فدثروه أي غطوه بثياب فأنزل عليه قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾.
فكان هذا أول أمر بالتبليغ والإنذار فكان تبليغه لزوجته وهي مصدقة له، وكان يبلغ الفرد والفردين، وكان أبو بكر الصديق أول من آمن من الناس، وكان علي كرم الله وجهه في كفالته مستمسكا بأذياله ما عرف باتباعه، فكان من أول من آمن به.
الدرجة الثانية - الأمر بتبليغ العشيرة:
ثم أمر بإنذار قومه قريش بقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ فخرج حتى صعد إلى الصفا ثم نادى يا صباحاه وكانت
стр. 250
العرب إذا دعا الرجل بياصباحاه اجتمحت إليه عشيرته. فاجتمعت إليه عشيرته فاجتمعت إليه قريش عن بكرة أبيها فقال لهم: أرايتكم لو أخبرتهم أن خيلا تخرج من سفح الجبل وأن العدو مصبحكم أو ممسيكم. أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ثم قال: يا آل كعب بن لؤي يا آل مرة ابن لؤي يا آل قصي يا آل عبد شمس يا آل عبد مناف، يا آل هشم، يا آل عبد المطلب، يا صفية أم الزبير- وهي عمته- يا فاطمة بنت محمد أنقذوا أنفسهم من النار إني لا أملك لكم من الله شيئا. فكانت هذه دعوته العامة لقومه من قريش.
الدرجة الثالثة - الأمر بتبليغ العرب حوالي مكة:
ثم كان أمره بأن ينذر العرب خارج مكة بمثل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ فكان يعرض نفسه على قبائل العرب في مواسم الحج إلى أن كانت بيعة العقبة وإيمان الأنصار.
الدرجة الرابعة - الأمر بالتبليغ العام لمن في عصره ولمن بعدهم:
ثم أمر بالتبليغ العام بمثل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. فكاتب الملوك خارج جزيرة العرب كسرى وقيصر والقوقس وغيرهم.
وقد بلغ من جاء بعده من الأمم بما ترك لهم من كتاب الله لقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، أي لأنذركم بالقرآن وأنذر من بلغ القرآن فعم ذلك كله من بلغه.
فصل عملي:
كل من آمن بمحمد ﵌ فهو مأمور بتبليغ رسالته على الخصوص والعموم لمقتضى ما نطالب به من