قولية أو فعلية وما كان عليه السابقون مما رواه الأئمة في كتب الإسلام المشهورة، فعليك إذا نقلت أن تبين الكتاب وتعين المحل المنقول منه ليكون لقولك قيمة في مقام البحث والنظر، والله يتولى إرشادك وتسديد خطاك في سنن العلم والدين (١).
عبد الحميد بن باديس
стр. 247
تبليغ الرسالة
ملخص المحاضرة التي ألقاها الأستاذ عبد الحميد بن باديس بنادي الترقي بالعاصمة
في حفلة المولد الشريف.
ــ
مقدمة:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. [سورة الأحزاب، الآيات ٤٦ - ٤٧ - ٤٨]
...
أيها السادة الحياة ماض ومستقبل وحال، وما أقل حظنا من الحياة لو حظنا منها هو الحال خاصة. ذلك الجزء اليسير من الزمن الذي ما يجيىء حتى يذهب ولا يثبت حتى يزول ولكن حظنا من الحياة عظيم بالماضي المديد والمستقبل البعيد. بالماضي إذا كانت لنا ذكريات نشعر بها، وبالمستقبل إذا كانت لنا آمال نتوق إلى تحقيقها، وإنه لتتسع حياة الشخص الماضية بقدر ما تمتد ذكرياته في سوالف الأزمان وتمتد آماله في غابرها. حتى يكون كأنه -وهو شخص واحد- قد عاش أعمار الأجيال والأمم من السابقين واللاحقين. فالذكريات والآمال- أيها السادة- هي مقياس الأعمار.
стр. 248
ذكريات الشخص وآماله في حياته الخاصة لا تجعله يتجاوز نطاق ما قدر له أن يعيش من أمد محدود قصير جداً بالنسبة إلى عمر التاريخ الطويل.
ولكن الذكريات والآمال الخارجة عن حياته الشخصية هي التي تجعله كأنه قد عاش الدهور الطوال.
فنحن في حفلنا هذا بذكرى المولد النبوي الكريم التي هي الثانية بعد الأربعمائة والألف من ولادة محمد بن عبد الله- ﵌ نشعر بالحياة الإسلامية في هذه القرون كلها حتى كأننا عشناها فعلا.
ونريد أن نحلي شعورنا بهذه الذكرى بذكر ناحية من نواحي حياة هذا النبي الكريم- ﵌ ليبعث فينا العلم بتلك الناحية آمالا عظيمة في المستقبل الإسلامي القريب والبعيد، ويدفعنا إلى تحقيق تلك الآمال بما استطعنا. فنكون كأننا نعيش مع الأجيال الآتية من أبناء الإسلام.
المقصد:
الرسول- ﵌ جاء بالرسالة من الحق، لهداية الخلق. فكيف بلغ هاته الرسالة؟ هاته هي الناحية التي نريد الكلام عليها.
فصل علمي:
قد بلغ- ﵌، رسالة ربه بالقول والعمل إلى آخر رمق من حياته، وكان تبليغه كما أمره ربه على درجات حسب التدريج الذي هو من سنة الله في خلقه وفي شرعه.
стр. 249
الدرجة الأولى - الأمر بالتبليغ المطلق:
بدأ رسول الله- ﵌ من الوحي بالرؤيا الصادقة التي هي تلقي الروح من عالم الملائكة عند تخليها بعض التخلي عن الجسد في حالة النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم جاءه الملك بالوحي فكان أول ما أنزل من القرآن قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ولم يكن في هذا أمر بالتبليغ لغيره. فرجع إلى بيته فأعلم زوجته خديجة رضوان الله عليها فصدقته. وقوته بذكر صفاته العالية وأخلاقه الكريمة الطيبة التي لا يجازي الله صاحبها إلا بالكريم الطيب وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، فقالت له: فوالله لا يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فكانت هي أول مصدق له. ثم فتر الوحي، ثم رأى الملك المرة الثانية ولم يكن قد اعتادت بشريته رؤية الملائكة، فرجع إلى أهله يقول لهم: دثروني دثروني فدثروه أي غطوه بثياب فأنزل عليه قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾.
فكان هذا أول أمر بالتبليغ والإنذار فكان تبليغه لزوجته وهي مصدقة له، وكان يبلغ الفرد والفردين، وكان أبو بكر الصديق أول من آمن من الناس، وكان علي كرم الله وجهه في كفالته مستمسكا بأذياله ما عرف باتباعه، فكان من أول من آمن به.
الدرجة الثانية - الأمر بتبليغ العشيرة:
ثم أمر بإنذار قومه قريش بقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ فخرج حتى صعد إلى الصفا ثم نادى يا صباحاه وكانت
стр. 250
العرب إذا دعا الرجل بياصباحاه اجتمحت إليه عشيرته. فاجتمعت إليه عشيرته فاجتمعت إليه قريش عن بكرة أبيها فقال لهم: أرايتكم لو أخبرتهم أن خيلا تخرج من سفح الجبل وأن العدو مصبحكم أو ممسيكم. أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ثم قال: يا آل كعب بن لؤي يا آل مرة ابن لؤي يا آل قصي يا آل عبد شمس يا آل عبد مناف، يا آل هشم، يا آل عبد المطلب، يا صفية أم الزبير- وهي عمته- يا فاطمة بنت محمد أنقذوا أنفسهم من النار إني لا أملك لكم من الله شيئا. فكانت هذه دعوته العامة لقومه من قريش.
الدرجة الثالثة - الأمر بتبليغ العرب حوالي مكة:
ثم كان أمره بأن ينذر العرب خارج مكة بمثل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ فكان يعرض نفسه على قبائل العرب في مواسم الحج إلى أن كانت بيعة العقبة وإيمان الأنصار.
الدرجة الرابعة - الأمر بالتبليغ العام لمن في عصره ولمن بعدهم:
ثم أمر بالتبليغ العام بمثل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. فكاتب الملوك خارج جزيرة العرب كسرى وقيصر والقوقس وغيرهم.
وقد بلغ من جاء بعده من الأمم بما ترك لهم من كتاب الله لقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، أي لأنذركم بالقرآن وأنذر من بلغ القرآن فعم ذلك كله من بلغه.
فصل عملي:
كل من آمن بمحمد ﵌ فهو مأمور بتبليغ رسالته على الخصوص والعموم لمقتضى ما نطالب به من
стр. 251
التأسي والاقتداء به ﵌ ولقوله تعالى:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾.
فجعل من اتبعه داعيا معه إلى الله على بصيرة ولقد عرف السلف هذا فكانوا دعاة إلى الله بأقوالهم وأعمالهم المطابقة لها، حتى انتشر الإسلام في أقل من ربع قرن في المعمور، أما نحن فقد قصرنا في هذا الواجب غاية التقصير. فتركنا تبليغ الدين إلى الأمم حتى لنخشى أن يكون من أوزارنا بقاء الأمم الضالة على ضلالها لتقصيرنا في التبليغ إليها وأكبر من هذا تقصيرنا في تبليغ الدين إلى أنفسنا بإهمالنا جانب التعليم الديني والوعظ والإرشاد.
واليوم وقد عرفنا كيف بلغ النبي- ﵌ رسالة ربه فلنعقد العزم على الاجتهاد في التبليغ ولنبدأ بأهلينا ومن إلينا ولنفكر ثم لنعمل في تبليغ الدين كما جاء به النبي- ﵌ إلى أمة الإجابة وأمة الدعوة، وليكن تفكيرنا في هذا واهتمامنا به ثمرة إحيائنا لهذه الذكرى الكريمة وعلمنا بهذا النزر من حياة ذلك النبي الكريم ولنا- بعد عون الله تعالى- من الإيمان والمحبة فيه ما يعيننا على ذلك ويقوي أملنا فيه ويبلغنا إليه.
خاتمة:
أيها السادة قد عدنا من هذه الذكرى بمسألة تبليغ الرسالة وعدنا بأمل تبليغ الهداية وقد انبثق من هذه الذكرى في صدورنا نور وجددت مننها في قلوبنا قوة ولن تستطيع ظلمات ظلم الحياة وإن كثفت أن تطفيء ذلك النور ولن تستطيع نكبات الزمان وإن جلت أن تبطل تلك القوى. أبداننا للأيام فلا بد لها من تصرفاتها، أما قلوبنا فهي لنا، لنا مؤمنة مطمئنة
стр. 252
بدين الله ومحبة محمد- ﵌ وأن قلوبا وضعنا فيها اسم الله واسم محمد لهي بمأمن من عمل الظالمين وكيد الخائنين. فجددوا نورها وقوتها بمثل هذه الذكرى واعملوا لتحقيق ما تحييه فيكم الذكريات من أمل ورجاء، وأقصروا أعمالكم وجملوها بالإحسان والتقوى. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (١).
стр. 253
الراعي
من هذا الغلام العربي في عباءته؟ من هذا الراعي الصغير في غنيمته؟ من هذا الصبي الناشيء على الحمل والرعاية من طفولته؟ من هذا اليافع الذي يأبى إلا أن يعيش من كد يمينه، ويأكل خبزه إلا بعرق جبينه؟.
هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يتيم الأبوين مكفول عمه أبي طالب، الذي كان يرعى غنما لأهل مكة لقومه وأهل بلده بالقراريط حتى لا يكون كلا على عمه. هذا هو المهيأ برعايته الغنم، لرعاية الأمم، هذا هو المنشأ على الكد في العمل الصغير، إعدادا له للنهوض بأعباء العمل الكبير، هذا هو المربي على العمل بالفلس، ليشب على خلق الاعتماد على النفس، هذا هو المعد لختم النبوة والرسالة وإظهار أكمل مثال للبشربة، يحمل أعظم آية من وحي الله، ويدعو إلى السعادة الدنيوية والأخروية وأقصى ما يمكن أن يصل إليه الناس من كمال.
شب محمد- ﵌ يتيما في كفالة عمه، وكان عمه مقتراً في شظف من العيش، فأخذ محمد- ﵌ يعمل بأجرة ليخفف على عمه ولما شب ضرب في الأرض تاجراً كعادة قومه، فلما ولد لأبي طالب علي كفله. وهو في الثلاثين، جزاء على كفالته. فكان في
стр. 254
طفولته وشبابه وكهولته كواحد من قومه في عيشته وكسبه وأميته. وإن كان ممتازا بينهم لخلقه وفضله حتى بعثه الله نبيا ورسولا بما يستحيل- وقد عرفوا طفولته وشبابه وكهولته- أن يكون شيء منه من عنده، ولذا أمره الله أن يحتج عليهم بقوله:
﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
كان محمد- ﵌ ميسرا من طفولته لما كان عليه اخوانه من الأنبياء والمرسلين- صلوات الله عليهم- قبله محفوظا مما حفظوا ملهما ما ألهموا وقد ألهم الله الأنبياء قبله لرعي الغنم وهي حيوان ضعيف تمرينا على القيام على الضعاف بالحلم والرفق والشفقة وحسن الرعاية باختيار مسارحها ودفع العوادي عنها ودوام تعهدها وذلك كله تهيئة لم إلى ما يوكل إليهم من سياسة أمتهم.
وقد ذكر هو- ﵌ هذا العهد من طفولته وهذه العادة الربانية في مثله من إخوانه اعترافا بنعمة الله وتنبيها على ما في ذلك من الحكمة وما فيه من حسن القدوة فقال يوما لأصحابه: «ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» رواه البخاري من طريق أبي هريرة- ﵃ (١).
стр. 255
أعظم قائد
يرجع إلى رأي جندي (١)
ــ
ارتحل النبي- ﵌ من مبيته صبيحة يوم بدر حتى نزل على أدنى ماء إليه وبقي الماء أمامه لو جاء العدو لنزل عليه فيكون الجيشان على ماء. وكان الصحابة يعلمون أن رسول الله- ﵌ يتصرف بالوحي فيكون تصرفه حتما ويتصرف بالنظر في السياسة والحرب فيشاور ويراجع وهو المعصوم فلا يقر على الخطأ فانبرى الحباب بن المنذر بين الجموع يبدي رأيه وما يعتقده صوابا في مكان النزول فقال: (يا رسول الله أرأيت المنزل هذا أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم أو نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟).
فقال رسول الله- ﵌: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة» فقال الحباب: "إن هذا ليس بالنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نعور ما وراءه من القلب (٢) ثم نبني عليه حوضا نملؤه ماء ثم
стр. 256
نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون". أراد أن يستولي الجيش على الماء ويمنع منه العدو فيكون ذلك أنكى فيه وأعون عليه وهذا هو الرأي الموافق لما تقتضيه الحرب من تضعيف العدو ومكايدته بالأسباب التي تسرع بقهره.
وظهر هذا للنبي- ﵌ فقال له: «لقد أشرت بالرأي» ونهض بالناس حتى نزل المنزل الذي أشار به الحباب وفعل ما أشار به ورجع أعظم قائد إلى رأي جندي من جنوده لما ظهر له صواب إشارته.
قد عصم الله نبيه- ﵌ فلا يستقر أمره في جميع سياسته وتدبيره إلا على أحسن الوجوه بما يهدي إليه من نفسه- وهو الكثير- وما يرجع إليه مما يشير به أصحابه- وهو القليل- والحكمة في هذا القليل أن يسن لأمته حرية إبداء الرأي في الشؤون العامة من الكبير والصغير، والرجوع للصواب إذا ظهر من أي أحد كان.
هذا الأصلان: حرية إبداء الرأي من جميع أفراد الرعية والرجوع إلى الصواب من رعاتها، عليهما تبنى سعادة الأمة وعظمتها، وبهما تشعر الأمة والوحدة بين الرعية ورعاتها، ومنهما تستمد الأمة النظم اللازمة لها في حياتها، وقد قررهما الإسلام وبينهما النبي- ﵌ تبيينا عمليا في هذه القصة (١).
стр. 257
خلوا بيني وبين ناقتي
كان الأعراب يجيئون للنبي- صلى الله عيه وآله وسلم- يسألونه ويستجدونه في غلظة وجفوة من القول فكان يعطيهم ويتجاوز عن جفائهم ويعذرهم ببداوتهم. فجاءه أعرابي يطلب منه شيئا فأعطاه إياه ثم قال له النبي- ﵌ «أأحسنت إليك؟» ليعرف ما عنده من الاعتراف بالإحسان أو ليعرف اكتفاءه بما أعطاه فقال له الأعرابي: (لا ولا أجملت) أي ما أتيت لا بحسن ولا بجميل.
فغضب المسلمون وقاموا إليه ليوقعوا به جزاء سوء أدبه فأشار إليهم النبي- ﵌ أن كفوا ثم قام النبي- ﵌ ودخل منزله وأرسل إلى الأعرابي وزاده شيئا ثم قال له: «أأحسنت إليك؟» فقال الأعرابي: "نعم. فجازاك الله به من أهل وعشيرة خيرا".
هكذا توسل النبي- ﵌ إلى تأديبه واستخراج الاعتراف بالجميل منه ليتربى عليه وحمله على النطق بالكلام الطيب بزيادة الإحسان إليه. فاعترف بالإحسان ودعا الله بالجزاء للنبي- ﵌ بسبب إحسانه وشعر بأن النبي- ﵌ كان له أهلا وعشيرة، وهذه كلها معارف وآداب وشعور طيب جاء بها هذا
стр. 258
الأعرابي الجافي بسبب تربيته بزيادة الإحسان إليه. وأراد النبي- ﵌ أن لا يتركه يرى بين الصحابة- ﵃ بالعين التي كانوا يرونه بها لجفائه وسوء أدبه وأن لا يترك في قلوبهم شيئا عليه، فقال له: «إنك قلت ما قلت وفي أنفس أصحابي شيء فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم عليك»، دعاه بألطف القول وألينه دون أمر ولا إلزام فقال الأعرابي: "نعم" فلما كان الغد أو العشي جاء الأعرابي لمجلس النبي- ﵌ فقال النبي- ﵌ لأصحابه: «إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه فزعم أنه رضي. أكذلك، فقال نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا».
ثم أراد النبي- ﵌ أن يضرب مثلا لأصحابه- ﵃ يبين لهم به كيف يكون رد الشارد وجذب النفور وتأليف الجافي، وأن المتصدي لتربية الناس أعرف من غيره بما يصلحهم وأن الرئيس المتبوع أعرف بطباع أتباعه وأحق بتأليفهم وتربيتهم من الاتباع بعضهم في بعض، فقال لهم- ﵌: «مثلي ومثل هذا مثل رجل له ناقة شردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفوراً فناداهم صاحبها: خلوا بيني وبين ناقتي فإني أوفق بها منكم وأعلم. فتوجه لها بين يديها فأخذ لها من قمام الأرض فردها حتى جاءت واستناخت (بركت) وشد عليها رحلها واستوى عليها» ثم قال لهم: «وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار» فقد استحق النار لو مات على تلك الحال فأشفق عليه النبي- ﵌ فعالجه بما
стр. 259
أنقذه منها وهكذا تكون رعاية الأفراد والأمم باللين والإحسان والإنقاذ من مصارع السوء والحمل بالرفق والعلم على السير في أحسن السبل فصلى الله عليه وسلم من نبي حريص على الخير رفيق بالخلق عليم بطبهم، ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١، ٢).
стр. 260
كن خير آخد
قام قائم الظهيرة وأصهرت الأرض شمس الصحراء، فنزل الجيش ليقيل، وتفرق الصحابة تحت أشجار البادية يستظلون بها، وانتبذ النبي- ﵌ عن أصحابه تحت ظل شجرة وانفرد بها فنزع سلاحه وعلق سيفه في غصن من أغصانها ونام. كان غورث بن الحرث أحد شجعان العرب وفتاكهم يتتبع الجيش متخفيا، يتحين فرصة انفراد النبي ﵌ للفتك به، وقد واتته تلك الفرصة الآن، فجاء حيث النبي- ﵌ نائم وسيفه معلق بالشجرة، فاخترط السيف فانتبه النبي- ﵌ وغورث قائم على رأسه والسيف صلتا بيده. فصاح الفاتك بالنبي- ﵌: "أتخافني؟ " فقال له النبي- ﵌: «لا» قال: "ومن يمنعك مني؟ " فقال: «الله».
الاسم الأعظم ينطق به الرسول الأعظم، وهو أعزل من سلاحه إلا سلاح الإيمان، وقد شهر الباطل سيفه بيد ضال مغرور، يريد أن يصيبه في سيد أنصاره وأعظم أبطاله. فلو كان هذا الفاتك جبلا وقد صدعت كلمة الله سمعه لخشع وتصدع، ولو كان قلبه من حديد لذاب وسال.
стр. 261
انخلع قاب الفاتك واضطربت يده وسقط السيف منها، فتناول النبي- ﵌ السيف ورفعه على رأسه وقال لغورث: من يمنعك مني؟ فقال له غورث: كن خير آخذ.
إلتجأ الفاتك إلى حلم الني- ﵌ وعفوه وكرمه ودعاه إلى أن يكون خير آخذ لعدوه، وخير الآخذين هو الذي يعفو بعد القدرة، ويسمح بعد الغلب، وما دعى النبي- ﵌ إلى خير إلا أجاب ولا وقع بين أمرين إلا اختار أفضلهما، وما انتقم لنفسه قط، فترك غورثا وعفا عنه فرجع إلى قومه يقول لهم: جئتكم من عند خير الناس.
في هذه القصة تجلت الثقة بالله في أجلى مظاهرها واندحرت قوة السيف أمام قوة الإيمان، إيمان من لا يخاف إلا الله ولا يخاف غيره، ولو كان السيف مصلتا على رأسه وضرب النبي- ﵌ المثل الكامل في العفو والتجاوز وحسن التآلف للناس وجلبهم إلى الإيمان فلهذا العفو ولقول غورث لقومه: جئتكم من عند خير الناس، من الأثر في القلوب ما لا تفعله الجيوش من فتحها للإسلام أو كفها عن أذى المسلمين (١).
رزقنا الله الاقتداء بهذا النبي الكريم ذي القلب الرحيم والخلق العظيم (٢).
стр. 262
رقية الله
كان ضماد- وهو رجل من أزد شنؤة- من أطباء العرب في الجاهلية وكان يعالج بالطب والرقية. قدم مرة مكة، وقد بلغه نبأ الدعوة الجديدة فلما قدمها سمع من سفهائها ما كانوا يرمون به صاحب هذه الدعوة من الجنون فود لو رآه فرقاه لعل الله يشفيه على يديه، فعمل لذلك حتى لقيه، فقال: يا محمد، إني أرقي من هذه الريح - ريح الجنون- وإن الله يشفي على يدي من شاء فهل لك؟ فما أجابه النبي- ﵌ بكلمة ترد عليه وما زاد على أن قال: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد» فما تركه ضماد يشرع فيما بعد أما بعد، فقد عملت هذه الكلمات الجوامع عملها من نفسه وأثرت أثرها في قلبه فبادره بقوله: أعد علي كلماتك هؤلاء، فأعادها عليه رسول الله- ﵌ ثلاث مرات فتجلى لضماد من توحيد الله وتنزيهه والثقة به والاعتماد عليه والحمد له ما بهره منه المعنى الكبير الكثير، في اللفط البين القليل، وعرفه أن هذا لا يخرج من قلب مجنون. وكيف؟ وهو لم يطرق سمعه مثلهن فيما سمع من كلام الناس فقال، معلنا لإيمانه
стр. 263
مبينا لدليله وبرهانه: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن قاعوس البحر (كقاموس عمق البحر ولجته) ثم قال: هات يدك أبايعك على الإسلام فبايعه، فقال له رسول الله- ﵌: وعلى قومك؟ فقال: وعلى قومي (١).
العبرة:
جاء الضماد لا يحمل في قلبه على محمد- ﵌ حقداً ولا بغضا، بل كان ينظر إليه بعين الشفقة نظر الطبيب إلى المريض. فلما سمع الحق بلغ من قلبه ذلك المبلغ. فأعظم ما يحول بين الحق وبين الناس وما تنطوي عليه قلوبهم من بغض أو حقد على من دعاهم إليه. فعلى من يريد أن يعرف الحق أن يخلي قلبه- ما استطاع- من كل إحنة على من يريد أن يعرف ما عنده من الحق عندما يريد أن يعرف، وعلى كل داع إلى الحق أن يبذل كل جهده أن لا يظهر بمظهر العدو أو البغض لمن يدعوه. فإنه إذا سلم القلب، وحصل الفهم أثرت كلمة الحق أثرها لا محالة.
الأسوة:
كتاب الله ومثل هذا الكلام النبوي الوارد في هذه القصة المأخوذة، من كتاب الله، هو الدواء الناجع من أدواء النفوس وأمراض القلوب، وهو الرقية الشافية، - رقية الله- من وساوس الأهواء وهواجس الضلال، فإن النبي -صلى الله عليه
стр. 264
وآله وسلم- لم يزد في استشفاء ضماد على أسماعه ذلك الكلام الجامع المختصر. فعلى الدعاة إلى الحق أن تكون دعوتهم بكلام الله ومثل هذه الكلمات من حديث رسول الله- ﵌ فإن في ذلك الاتباع والانتفاع، وحصول الهداية إن شاء الله آمين (١).
стр. 265
الْفَنُّ الْأَدَبِيُّ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ .
كَانَ لِلنَّبِيِّ ﵌ حَادٍ يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ، وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ. وكَانَ النَّبِيُّ ﵌ فِي مَسِيرٍ لَهُ، فَحَدَا الحَادِي وَكَانَ يَحْدُو بِهِنَّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵌: «وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ سَوْقًا بِالْقَوَارِيرِ». قَالَ أَبُو قِلاَبَةَ: فَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﵌ بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ، قَوْلُهُ: «سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ». رواه البخاري في باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه وفي باب المعاريض وغيرهما من طريق أبي قلابة وثابت البناني وقتادة ثلاثتهم عن أنس - رضي الله تعالى عنهم- وسقناه من مجموع ألفاظهم.
...
ــ
الأشخاص:
أنجشة غلام حبشي كان يحدو في السفر بالنساء كما كان البراء بن مالك يحدو بالرجال. أبو قلابة: إمام شهير من فقهاء التابعين نزل الشام ومات بها.
стр. 266
المفردات:
الحدو والحداء: سوق الإبل والغناء لها لتنشط وتسرع في السير. ويح: كلمة تقال لمن وقع في بلية أو توقعت له رحمة له، بخلاف ويل، فإنها تقال لمن وقع في عذاب أو توقع له وهو يستحقه ولا يرحم فيه، وانجشة هنا شارف أن يقع في بلية كسر القوارير، فخوطب خطاب رحمة من الوقوع في ذلك. رويدك: مصدر مصغر
بمعنى امهال، القوارير: جمع قارورة، وهي الزجاجة، سميت بذلك لاستقرار الشراب فيها. القوارير: النساء.
التراكيب:
ويحك منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف لم يستعمل، وتقدير الكلام هلكت هلاكك الذي تستحق عليه الرحمة. رويدك مثله وتقديره أمهل امهالك. ونصب سوقك على التوسع بإسقاط الخافض أي في سوقك، ولما كان يدعوه إلى الرفق اقتضى الحال أن يعبر عن المطلوب الرفق به وهن النساء بالقوارير على طريق الاستعارة التصريحية، حيث شبهن بها بجامع الرقة واللطف والضعف، وحذف لفظ المشبه وذكر لفظ المشبه به. فكانت اللفظة المجازية بالغة غاية البيان عن حالة النساء وكان التركيب بها بالغا غاية البلاغة باشتماله على ما اقتضاه حال الدعاء إلى الرفق مما صورهن بصورة تدعو إلى الرفق وتستوجبه.
المعنى:
لما غنى انشجة للإبل وعلى ظهورها النساء نشطت واعنقت في السير فاتعبتهن، فأشفق النبي- ﵌ عليهن
стр. 267
فأمر أنجشة بالرفق بهن لأنهن ضعيفات عن تحمل شدة الاضطراب فوق ظهور الإبل المسرعة.
الفن:
إدراك صفات الشيء على ما هي عليه من حسن وقبح إدراكا صحيحا، والشعور بها كذلك شعورا صادقا. والتصوير لها تصويرا مطابقا، بالتعبير عنها بعبارات بليغة في الإبانة والمطابقة للحال، ذلك هو الفن الأدبي. والنفوس تميل إلى الحسن وتنشرح له، وتنفر من القبيح وتنقبض عنه، ولذا كان أكثر الفن الأدبي في تصوير الحسن وعرضه على الناس ليشاركوا الفنان في إدراك ذلك الحسن والشعور به والتذوق للذة، ذلك الإدراك والشعور، وفي ذلك تربية لملكة الذوق الحسن في النفوس. وأن النفوس لفي أشد الحاجة إلى تلك الملكة لتنعم بصور هذا الكون العظيم وما فيها من حسن فتقاوم بذلك ما تعانيه من متاعب الحياة وأوصابها وتدفع بلذة ذلك الشعور بالحسن ما تجده من آلامها، وإذا رجعت إلى القرآن العظيم فإنك تجد العدد العديد من آياته الكريمة يعرض علينا أنواعا من مخلوفات الله تعالى في صورها الحسنة الجذابة. واقرأ في ذلك- مثلا- سورة الرحمن فإنك واجد ما قلناه. وكذلك في الأحاديث النبوية عدد كثير من مثل ذلك، ومنها هذا الحديث الشريف الذي بين أيدينا، فقد صور النساء في صورة حسنة جذابة بما في القوارير من بياض ولمعان ودقة ولطف، مع التصوير لحقيقة حالهن في الضعف الخلقي وفي الضعف القلبي وسرعة انكسار قلوبهن وعسر انجبارها، فكانت هذه العبارة آية من آيات الفن الأدبي، التي تدخل على النفوس بهجة وانشراحا وتثير فيها حاسة الذوق للحسن والجمال. وقد القى كعب بن زهير قصيدته المشهورة في حضرة النبي- صلى الله عليه
стр. 268
وآله وسلم- فوصف المرأة والماء الذي مزجت به الخمرة، والناقة وصورها تصويرا فنيا ولم ينكر عليها (١) لأنه لم يكن يصف شخصا معينا يؤدي وصفه إلى اثارة الشهوة البهيمية نحوه وإنما كان يعرض صوراً من محاسن تلك الأشياء التي تلذ للنفوس البشرية صورها الجمالية وتنمي فيها قوة الشعور والذوق.
الرد على المتشددين:
علم أبو قلابة -رضي الله تعالى عنه- تشددا وتنطعا مما كان حدثهم بهذا الحديث يحملانهم على الامتناع من الكلمات التي فيها بعض وصف النساء، فرد عليهم بتكلم النبي- ﵌ بهذه الكلمة التي لو تكلم بها أحدهم لعابوها عليه وبين لهم أن لا عيب فيها وفي مثلها مما لا فحش في لفظه، ولا قبح في معناه ولا غاية سوء من ذكره.
فقه:
في الحديث سماع النساء لصوت الحادي وفيه للعناية بهن في السفر والرفق بهن فيه، وفيه التنبيه على المحافظة على قلوبهن وعواطفهن ليدوم ودهن وسلامتهن ويدوم الهناء معهن والاستمتاع بهن لأنهن ضعيفات القلوب رقيقات العواطف شديدات الإحسان (٢) يصبرن على كل شيء من الرجل إلا على كسر قلوبهن ومس عواطفهن، فهذا الحديث الشريف من الأحاديث
стр. 269
الكثيرة التي جاءت في الوصاية بالنساء والمحافظة عليهن ومراعاة جانبهن ويمتاز هذا الحديث بما فيه من ذكر السبب الذي يوجب ذلك ويقتضيه، على أبين تصوير وأبلغه فليكن دائما على بالنا، في معاملتنا للنساء وحياتنا معهن والله المستعان (٣).
стр. 270
رسول الله يُشتَم بين أيدينا ويُهان
لقد تحملنا كل أنواع العذاب، وصبرنا على كل مكروه نالنا في ديننا ودنيانا، وعشنا عيشة الذل والهوان التى لا نعتقد أن غيرنا من الأمم تحمل مثلها وصبر عليها، فقلنا تجاه كل ذلك: حسبنا الله ونعم الوكيل، هذا ما قدره الله ولا مرد لقدر الله.
لكننا ان تحملنا عيشة الذل بصبر، وتحملنا الفتنة في الدين بصبر، فإننا لا نتحمل ولن نتحمل، ولو رأينا أمامنا الموت الزؤام، والبلاء الأعظم، أن تمتد يد الإهانة والسوء إلى الشخصية المقدسة التي هي أعز على كل مسلم، منذ انبثق فجر الإسلام إلى قيام الساعة، شخصية محمد رسول الله، ﵌.
لقد أنصف الكثير من المؤرخين هذا الرسول الذي هو سيد الوجود، ودرسوا سيرته الطاهرة فإذا بهم يرونها المثل الأعلى للأخلاق الفاضلة والنبل، والشمم، والهمة، والوفاء.
والإخلاص، والتضحية، ولبعض الغربيين في ذلك تآليف جمة، وكتب قيمة.
لكن بعض المؤرخين الذين سفلت أخلاقهم، وخربت ذممهم، وأعمى التعصب المسيحي الممقوت بصيرتهم، قد عمدوا للحقائق
стр. 271
فطمسوها، وافتروا الأكاذيب حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، فقالوا فى محمد بن عبد الله ما سولت لهم أنفسهم الخبيثة أن يتقولوه. والله من ورائهم محيط.
لكننا رغم علمنا بوجود كمية من هذه الحشرات السامة التي لا علم لها ولا فضل ولا شرف في النفس، لم نك نعلم أن منها من يتجرأ خبثا وشناَنا على مقام الرسول الأعظم، وهو في بلاد عربية إسلامية، متينة الإسلام، رغم كل سعي، ورغم كل محاولة، محتقرا بذلك دين خمسة ملايين ونيف من البشر الذين تعهدت لهم دولته باحترام دينهم، وكف يد العدوان عنه، دائسا بذلك، وهو في أرض هي أرضهم -وأنفه راغم- وهو بين ظهرانيهم، كرامتهم وعواطفهم ومقدساتهم كلها.
سحقا ودفرا للنفس الخبيثة السافلة، تسير مع الأغراض والهوى فتعمى عن الحقائق، وتنكر المحسوس، وتصادم العلم والتاريخ.
لجريدة "الايكو دالجى" اليومية في الجزائر، عبد من عبيد الأقلام المأجورة، يدعى "روبير راندو" يحرر كل جمعة فصلا أدبيا فيه نقد الكتب الجديدة.
ففي عدد الجمعة ٢٣ أوت ١٩٣٥م. أخذ ينقد كتابا ألفه إثنان من كبار الكتاب الفرنسيين، هما الأخوان: " طاروا " واسم ذلك الكتاب: " فرسان الله" وقد حاول فيه مؤلفاه أن يسطرا تاريخ الإسلام بصفة روائية مستمدة من الحقائق التاريخية ووفقا في ذلك بعض التوفيق.
لكن "روبير راندو" لم يكد يخط السطور الأولى من هجوه المقذع، ولا أقول من نقده الأدبي، حتى تورط في حملة طائشة خبيثة ضد الإسلام وضد التاريخ الإسلامي، فالفتوحات
стр. 272
الإسلامية عنده كانت " وافدة كالأوبئة الفتاكة، ماحقة مثل الطوفان" ولم تكن إلا سلسلة من الفتك والظلم والإرهاق وإزهاق النفوس بدعوى جلب الناس لدين الله، إلى غير ذلك من الترهات التي لا تهمنا، فإذا علم الناس أن شخصا مثل راندو يقول هذا، وأن عالما من أساطين البيان والتفكير والتاريخ يدعى "سيديو" يقول: "لم يعرف التاريخ فاتحا أرحم من العرب" وأن علما من أعلام البحث والفلسمفة هو: "قوستاف لوبون" يقول عن الإسلام ما يقوله في كتابه "المدنيات العربية" علم الناس أي قول يأخذون، وأي قول يرمون به محتقرين في سلة القاذورات.
إنما نفس "راندو" الخبيثة لم تقف به عند هذا الحد، بل زادت رسوبا في حمأة السقوط والدنس، فتجرأ على مقام رسولنا الأعظم، منقذ الإنسانية، وفخر السلالة البشرية، بعبارات بذيئة قذرة، تدل على نجاسة الإناء الخبيث الذي تدفقت منه.
لم يستح من العلم، ولم يستح من التاريخ، ولم يستح من جماعة المسلمين الذين يعيش عيشة الفاتح المتسيطر في أرضهم فقال- قبحه الله من ماكر أشر-:
"هو رجل مظلم النواحي (١) فوق الرجال، به ظاهر من الرحمة والبساطة، إنما له من التحيل والخداع (٢) ومن الخيانة والنفاق (٣) ما لا يدرك له غور".
ثم يقول: إن الأخوين "طارو" قد استطاعا أن يصورا محمدا- عليه صلاة الله وسلامه- بمثل هذه الصورة، ولهما بذلك أسوة بمن سبقهما من المؤرخين.
стр. 273
لقد دلس "راندو" على الأخوين تدليسا شنيعا. فهما على ما نعلم لم يستعملا في كتابهما ولا فيما كتبا من قبل مثل هذه العبارات البذيئة التي يتنزه عنها الكاتب الذي يحترم مهنته، ويحترم كرامته، ويحترم القلم الموضوع بين يديه، بل همافوق ذلك لم يحاولا الحط من قيمة الرسول العربي الأعظم، ولا من قيمة أصحابه. وإن كانا قد وقعا في أغلاط طالما وقع فيها قبلهم بعض المؤرخين، وذلك لابتعادهم عن البحث والتنقيب في كتب التاريخ الصحيحة، وإقدامهم على نقل ما يقع بين أيديهم من غث وسمين.
فكيف يتحمل من في قلبه ذرة من كرامة ومروءة وشرف، ولوكان غير مسلم، ولو كان غير متقيد بدين على الإطلاق مثل هذه الكلمات الجارحة الخارجة عن حدود الأدب واللياقة والمروءة والشرف.
إن مثل هذه الكلمات السافلة توشك أن تحدث فتنة نحن في غنى عنها، وشر الفتن ما كان مصدره الغضب للدين. وإننا لتمنعنا آدابنا الإسلامية، وتعاليمنا الراقية من أن ننحط لمثل هذا الميدان فنشتم دين الذي يشتم ديننا، ونحقر اعتقاد الذي يحقر اعتقادنا، ونصف رسل الأمم الأخرى- صلوات الله وسلامه عليهم- بمثل ما يصف رجال الأمم الأخرى رسولنا.
فنحن نستلفت بكل شدة أنظار ولاة الأمور، وخاصة السيد الوالي العام، والسيد مدير الأمور الأهلية، لمثل هذه الحادثة المزرية بالمروءة، والمخلة بالشرف، ونحتج بكل قوانا وبكل ما في أنفسنا من ألم وكدر وتقزز واشمئزاز على هؤلاء الذين يغتنمون فرصة ضعفنا ورضوخنا، وأن لا حول ولا قوة بأيدينا فيوغلون في احتقارنا وامتهان كرامتنا إلى درجة شتم رسولنا وسبه، ووصفه بأحقر الأوصاف-
стр. 274
اللهم إنك لتعلم كيف أمسينا وكيف أصبحنا، اللهم إنك لتعلم أن لا قدرة لنا على تغيير هذا المنكر بأكثر من هذا، اللهم انتقم لرسولك الذي بعثته هدى ورحمة للناس وأنت المهيمن الجبار (١).
стр. 275
موضوعات متصلة بصاحب السنة
ﷺ -
стр. 276
ذكرى المولد النبوي الكريم
في (نادي الترقي) بالعاصمة
ألقى الأستاذ الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس في هذه الذكرى خطابا ارتجله ارتجالا في ذلك المقام وقد نشرناه فيما يلي حسبما بقي في الذهن فكان طبق أصله إلا في القليل:
ــ
بسم الله الرحمن الرحيم، وعلى اسم الجزائر الراسخة في إسلامها، المتمسكة بأمجاد قوميتها وتاريخها- افتتح الذكرى (١) الأولى بعد الأربعمائة والألف من ذكريات مولد نبي الإنسانية ورسول الرحمة سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله- عليه وعلى آله الصلاة والسلام- في هذا النادي العظيم الذي هو وديعة الأمة الجزائرية عند فضلاء هذه العاصمة ووجهائها.
لسنا وحدنا في هذا الموقف الشريف لإحياء هذه الذكرى العظيمة، بل يشاركنا فيها نحو خمسمائة مليون من البشر في أقطار المعمور كلهم تخفق أفئدتهم فرحا وسرورا وتخضع أرواحهم إجلالا وتعظيما لمولد سيد العالمين.
стр. 277
قلوب خمسمائة مليون! هذه قوة كبيرة في هذا العالم مرتبطة بالحب متدرعة بالإيمان. فلو شعرت حقيقة الشعور ببعضها لأثمرت للإنسانية فوائد كبرى وعملتلها أعمالا عظيمة.
بل تشاركنا في موقفنا هذا الإنسانية كلها وإذا لم يكن بلسان مقالها فبلسان حالها. فمن الإسلام الذي جاء به صاحب هذه الذكرى عرفت الإنسانية وذاقت حرية العقول والرقاب، ومنه عرفت وذاقت العدل على أتم معناه، ومنه عرفت وذاقت المساواة بين العباد فيما هم متساوون فيه، وبهذه الأصول العظيمة أمكن اشتراك أمم كثيرة تحت راية الإسلام في خدمة العلم والمدنية حتى أزهرت رياضهما وسمت صروحهما في الشرق والغرب واغترفت من معينهما أبناء الإنسانية جمعاء.
نقلت المدنية الإسلامية أصول المدنيات السابقة نقل الأمين، ونخلتها نخل الناقد البصير، وزادت عليها من نتائج أفكارها وثمار أعمالها ما كان الأساس المتين لمدنية اليوم.
هذا الذي نقوله يعترف به العلماء المنصفون من الغربيين أنفسهم ويشهد به مثل قانون ابن سينا الذي لا زال يدرس إلى القرن الثامن عشر في جامعاتهم ومثل مقدمة ابن خلدون التونسي تلميذ مواطنينا شيوخ تلمسان، واضع علم الاجتماع المترجمة إلى جميع لغاتهم.
كنا نسمع هذا الاعتراف من الأفراد، ولكننا اليوم صرنا نسمعه من الأمم ففي العام الماضي كان احتفال إسبانيا أمتها وحكومتها بانقضاء ألف سنة على تأسيس الخلافة الإسلامية في قرطبة، ومعنى ذلك الاعتراف لهذه الخلافة الإسلامية العربية بفضلها على مدنية اليوم، ورفعها منار العلم والعمران أيام كانت أمم الغرب في همجية عمياء، وفي هذه السنة كان
стр. 278
الاحتفال في جامعة ألمانيا ببرلين بذكرى أبي القاسم الزهراوي الأندلسي الطبيب الجراح الذي لا تزال نظرياته واستنباطاته معتمدا عليها إلى اليوم. وكان الاحتفال في القاعة الكبرى التي لا يحتفل فيها إلا بأكابر العلماء الذين خدموا الإنسانية خدمة جليلة. ومعنى هذا الاعتراف لعلماء العرب بخدمة العلم والإنسانية في ظل الإسلام منذ قرن.
فالإسلام الذي جاء به صاحب هذه الذكرى هو أبو المدنية أمس واليوم - وأعني بمدنية اليوم المدنية من جهة العلم والعمران، لا من جهة الأخلاق والاجتماع فهنالك ما يتبرأ منه الإسلام.
لا عجب بعد هذا البيان أن نقول أن الإنسانية تشاركنا بالاحتفال في هذا المقام.
ما الداعي إلى إحياء هذه الذكرى ؟
المحبة في صاحبها.
إن الشيء يحب لحسنه أو لإحسانه وصاحب هذه الذكرى قد جمع - على أكمل وجه - بينهما. فله من الحسن ما كان به أكمل الناس حتى اضطلع بالقيام بأعباء ما جاء به ويعرف ذلك الكمال من درس أي خلق من أخلاقه وأي يوم من أيامه. وله من الإحسان ما أنقذ به البشرية وكان رحمة خاصة وعامة، وعم الإنسانية جمعاء على ما قدمنا في البيان.
فمن الحق والواجب أن يكون هذا النبي الكريم أحب إلينا من أنفسنا وأموالنا ومن الناس أجمعين ولو لم يقل لنا في حديثه الشريف: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» وكم فينا من يحبه هذه المحبة ولم يسمع بهذا الحديث؟
стр. 279
فهذه المحبة تدعونا إلى تجديد ذكرى مولده في كل عام.
ما الغاية من تجديد هذه الذكرى ؟
إستثمار هذه المحبة.
إن محبتنا فيه تجعلنا نحب كل خلق من أخلاقه وكل عمل من أعماله. ففي ذكريات مولده نذكر من أخلاقه ومن أعماله ما يزيدنا فيه محبة ويحملنا على الاقتداء به فنستثمر تلك المحبة بالهداية في أنفسنا، ونشرها في غيرنا، تلك الهداية التي لا يسعد العالم سعادة حقة إلا إذا تمسك بها.
ماذا نريد أن نذكر في مجلسنا هذا منها ؟
عندما أصل إلى هذا المقام وأقف أمام أخلاقه وأعماله- عليه وعلى آله الصلاة والسلام- أجدني أمام ما يتقاصر عنه علمي ويتضاءل أمامه شخصي وأنشد ما قاله شاعرنا العربي:
هو البحر من أي الجهات أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله
ومن أين لعاجز مثلي أن يفي خلقا من أخلاقه أو عملا من أعماله حقه من البيان؟
لكنني سأقول على كل حال حسب جهدي، وأقتصر على ذكر خلقين من أخلاقه أراهما ركنين أساسيين في حياته وفي شريعته وهما: الرحمة، والقوة.
إذا أراد الله تعالى شيئاً هيأ أسبابه. فمع علمنا بأن ما كان له ﵌ من الرحمة والقوة هو من العطاء الرباني والفيض الإلهي الذي تقصر عنه وسائل العباد - فإننا لا نمتنع من ذكر ما هيأ الله له من أسباب مناسبة لهذين الخلقين. فمن العبادة الفكرية النظر في صنع الحكيم العليم في ربط الأمور بعضها ببعض واقترانها في الوجود والتقدير. فلنبحث في هذين
стр. 280
الخلقين وما هيء لهما من حال مناسب، وما نشأ عنهما من أخلاق فاضلة، وما كان لهما من ثمار محمودة، ومظاهر في حياته وشريعته جليلة جلية - لنزداد بصيرة في العلم، وهداية في الاقتداء فنقول:
مبدأ رحمته:
كان ﵌ يتيما في صغره مات أبوه وهو حمل وماتت أمه وهو ابن بضع سنوات فأورثه ذلك اليتم رقة في قلبه. وما كانت كفالة جده ولا عمه، ولا حضانة نسائهم بمغنية عن عطف الأم وحنانها. ولا جابرة صدع القلب من فقدها. وهذه الرقة هي فيه أساس الرحمة.
مبدأ قوته:
وكان- ﵌ ابن بيت عظيم، يشهد مجالس جده عبد المطلب شيبة الحمد وأعمامه من حوله. ويرى هيبتهم ومكانتهم في قومهم فأورثه ذلك عظمة وعزة نفس: عزة أنفة وإباية، وعظمة وشرف وكرم وترفع عن الدنايا. ولا ينكر تأثير اسم العائلة وتاريخها ومشاهدة حال أفرادها - في أبنائها. وأنا أعرف شخصاً ما قرأ العلم ولا اجتهد فيه - في أول أمره - إلا لعلمه بأن أجداده كانوا علماء. وهذه العظمة هي أساس القوة.
مظاهر رحمته:
كانت رحمته بالمرسل إليهم: فأدمي ساقه، وشج وجهه، وكسرت رباعيته- وهو يقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». وقال تعالى في رحمته بمن أرسل إليهم: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ "قاتل" نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وكان كما قال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ورحمته للعالم كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
стр. 281
مظاهر قوته:
كانت قوته لتحمل أعباء الرسالة وتبليغها للخلق، قوة أدبية وقوة حربية. فمن الأولى ثباته في مواقف التبليغ. كقوله لعمه أبي طالب - وقد فهم منه أنه ضعف عن نصره وأنه مسلمه-: «يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته».
ومن الثانية في ميادين القتال ومواقف البأس كما ولى عنه الناس يوم حنين - وهو يقول راكبا على البغلة التي لا يركبها إلا من لا يفر-:
«أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ...أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ»
معلنا مكانه مظهرا نفسه أمام الأعداء الآتين من كل صوب.
آثار القوة والرحمة في أخلاقه:
كان- ﵌ صادقا أمينا عادلا، معروفا بهذه الصفات بين قومه قبل نبوته.
الأمانة:
هي حفظ الشخص ما استودع، وأول ذلك حفظه نفسه فيثق به الناس في حفظ ما يستودعونه.
وقد كانت قريش- وهي كافرة به- تودع عنده أموالها. ولما خرج مهاجرا ومعه الصديق رضي الله تعالى عنه خلف ابن عمه حيدرة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لينام على فراشه معرضا نفسه لسيوف قريش المتآمرين على قتل النبي- ﵌ في تلك الليلة، وليرد أمانات الناس إليهم ويلحقه بأهله.
стр. 282
الصدق:
هو قول الحق في جميع المواطن. وقد شهد له أبو سفيان - وهو إذ ذاك أكبر عدو له- في مجلس قيصر بالصدق: سأله قيصر هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال (أبو سفيان): لا. قال قيصر: قد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله.
العدل:
وهو الإنصاف في الحكم. وقد رضيت به قريش حكما بين كبرائها لما تنازعوا في رفع الحجر الأسود إلى محله أيام جددوا بناء الكعبة. ذلك لما عرفوا من عدله.
والرحمة والقوة أساسان لهاته الأخلاق. فمن الرحمة بالنفس وبصاحب الشيء، ومن القوة على النفس وعلى النزعات والعواطف تكون الأمانة، ومن الرحمة بالمظلوم والقوة على الظالم يكون الحكم العادل. فإن القاسي العديم الرحمة لا يبالي بالمظلوم وأن الضعيف تكسره رهبة الظالم عن الصدع بالحكم ويقصر عن تنفيذه - وضعيف القلب تؤثر عليه المؤثرات حتى مرققات العواطف، ولهذا قال جمهور أئمة الإسلام: أن المرأة لا تصلح للحكم لرقة عواطفها وضعف قلبها. فقد تخدعها الدموع الكواذب، وقد تميل بها عاطفة الحب والقرابة. والصدق- وهو من مقتضيات الأمانة لأنه حفط اللسان- لا يقوم به إلا رحيم بالسامعين يشفق عليهم لا يخدعهم، قوي شجاع لا يبالي في قول الحق بهم.
إهتمامه بالخلق:
كان هذا العظيم النفس الرقيق القلب، الرجل القوي الرحيم - يرى انحطاط قومه في المعتقد والأخلاق والمجتمع
стр. 283
فتسمو به نفسه العظيمة عن البقاء في تلك البيئة المنحطة والوسط المريض. وتأبى عليه رحمته أن يتركهم فيما هم عليه فكان دائم الاهتمام بهم، دائم التفكير في الطريق الذي يسلكه لإنقاذهم.
إنقباضه عنهم:
كان ينعزل عنهم ويذهب إلى غار حراء الليالي العديدة حاملا عبء همه غارقا في تفكيره. ولم يكن اختلاؤه في غار حراء مثل اختلاء متصوفة الهند الذين ينعزل أحدهم عن الناس ويذهب في أودية الخيال لتحصيل حالة نفسية خاصة به يعدها نعيما روحيا. بل كان اختلاؤه وانعزاله للتفكير في طريق خلاص العالم من الضلال والقيام بخدمة عظيمة عامة للبشر. وشتان ما بين الحالتين.
نبوته:
جاءه جبريل بالوحي وهداه الله بالنبوة إلى طريق الخلاص وشرح صدره لما جاءه من الحق، ووضع عنه عبء ذلك الهم الثقيل وبعثه للعالمين بشيرا ونذيرا.
الرحمة والقوة في شريعته:
ولو تتبعت أصول شريعته وفروعها وآدابها لوجدتها كلها مبنية على أساسي الرحمة والقوة. فليس من الإسلام ذلك التماوت وذلك التمسكن الذي يتظاهر به بعض الناس. وقد قال عمر بن الخطاب- ﵁ وقد رأى قوما من هذا الصنف: "لا تميتوا علينا ديننا أماتكم الله"، وقالت عائشة- رضي الله تعالى عنها- وقد رأت قوما يتماوتون في مشيتهم
стр. 284
من هؤلاء؟ فقيل لها قوم من القراء، فقالت: (لقد كان عمر سيد القراء وكان إذا مشى أسرع، وإذا تكلم أسمع، وإذا ضرب أوجع).
ولو بحثت عن أسباب انتشار المملكة الإسلامية المبنية على الشريعة المحمدية لوجدت أصل تلك الأسباب هذين الأساسين: الرحمة والقوة. فإن الضعيف مغلوب، وإن القاسي مبغوض، ولا يسود ويحب -كما كان للإسلام- إلا القوي الرحيم.
رزقنا الله القوة في قلوبنا وعقولنا وأرواحنا وأبداننا. وأشعرنا الرحمة بأنفسنا وببعضنا وبغيرنا، إنه القوي المتين، الرحمن الرحيم (١).
стр. 285
على ذكرى المولد النبوي الشريف
التجدد في كل مولد
ــ
ما كانت هذه الدار الدنيا دار بقاء وإنما هي دار فناء. وما بقيت عناصرها المادية في الوجود إلا بما أجراه الله عليها من سنة التجديد في الخلق ليقوم الجديد مقام ما أتى عليه الفناء.
وهذا الإنسان المثال المصغر من العالم الأكبر قال فيه العلماء: إنه في كل سبع سنوات تفنى جميع أجزائه المادية وتخلفها أجزاء أخرى. فذاته على رأس السنوات السبع اللاحقة غير ذاته على رأس السنوات السبع السابقة، وهكذا حتى يستكمل ما قدر له من البقاء في الدنيا.
وتاريخ البشرية من أقدم عصورها يدل على أنها لم تفارقها هذه السنة: سنة التجديد إثر الفناء.
وقد كان الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام، هم أساس كل تجديد في تاريخ البشرية كلٌّ في الأمة التي أرسل إليها.
حتى إذا كان الفساد العام في شؤون الدنيا بطواغيت الملك، وفي شؤون الدين بطواغيت الكهنوتية، وفنيت معالم الحضارة