← История

История · id 34

الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التوريخ ت الظفيري

السخاوي

Полный текст (574 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَتَبِعَهُ فِي جَوَابِهِ شَيْخُنَا الزَّيْنُ رِضْوَانُ (١) حِينَ قِيلَ لَهُ: أَأَنْتَ أَكْبَرُ أَمْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ؟ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى. وَكَوْنُ التَّارِيخِ أَحَدَ الْأَدِلَّةِ لِضَبْطِ الرَّاوِي، حَيْثُ يَقُولُ فِي الْمَرْوِيِّ: وَهُوَ أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْهُ. أَوْ: كَانَ فُلَانٌ آخِرَ مَنْ رَوَى عَنْ فُلَانٍ. أَوْ: رَأَيْتُهُ [فِي] (٢) يَوْمِ الْخَمِيسِ يَفْعَل كَذَا. أَوْ: سَمِعْتُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ مَا أَحْدَثَ. أَوْ: قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِطَ. وَفِي المُتُونِ مِنْ ذَلِكَ الكَثِيرُ: كَـ "أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرُّؤيَا الصَّادِقَةُ" (٣). وَ"أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ كَذَا". وَ"أَوَّلُ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلَ؟ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، ثُمَّ الْأَقْصَى" وَحَدَّدَ الْمُدَّةَ الَّتِي بَيْنَهُمَا (٤). وَ"أَوَّلُ مَوْلُودٍ فِي الْإسْلَامِ -أَي بِالمَدِينَةِ- عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبِيرِ". وَ"آخِرُ مَا كَانَ كَذَا" كَمَا تَقَدَّمَ. وَكَقَوْلِهِ عَنْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ: "وَذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ" (٥) الْحَدِيثِ.

стр. 107

وَ"كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا حَتَّى قَدِمْنَا الْحَبَشَةَ". وَ"نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ كَذَا" (١) وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: "قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ". بِحَيْثُ أَفْرَدَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُدَمَاءِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ "الْأوَائِلُ" وَأَبُو زَكَرِيَّا ابْنُ مَنْدَهْ "آخِرُ الصَّحَابَةِ مَوْتًا" (٢) وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ "الْأَوَاخِرُ" مُطْلَقًا (٣). وَلِكَثْرَةِ مَا وَقَعَ فِي الْمُتُونِ مِنْ ذَلِكَ أَفْرَدَهُ (٤) البُلْقِينِيُّ (٥) بِنَوْعٍ مُسْتَقَلٍّ، وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ التَّارِيخَ عَلَى قِسْمَيْنِ: سَنَدِيٌّ وَمَتْنِيٌّ (٦) مِمَّا قَدْ يَشْتَرِكَانِ فِيهِ، كَمَا فَعَلَ فِي المُضْطَرِبِ وَالْمَقْلُوبِ وَغَيْرِهِمَا. وَمَمَّا وَقَعَ فِي المُتُونِ: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا (٧) عَشَرَ شَهْرًا" (٨).

стр. 108

وَ"مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ" (١). وَ"أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ [شَهْرُ اللهِ] (٢) المُحَرَّمُ". وَصَوْمُ تَاسُوعَاءَ (٣) وَعَاشُورَاءَ (٤). وَكَوْنُ ابنِ عَبَّاسٍ كَانَ تَاسُوعَاءُ عِنْدَهُ العَاشِرَ (٥). وَ"الشَّهْرُ ثَلَاثُونَ، وَتِسْعٌ وَعِشْرُونَ" (٦). وَ"الأَمْرُ بِصِيَامِ الأَيَّامِ البَيْضِ" (٧). وَ"النَّهْيُ عَنْ صَوْمِ يَوْمَيِ (٨) الْعِيدِ" (٩). وَ"السَّبْتِ إِلَّا مَعَ يَوْمٍ مَعَهُ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ" (١٠). وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْحَصِرُ.

стр. 109

كَـ "الْحَجُّ عَرَفَةُ" (١). وَ"خَلَقَ اللهُ الْأَرْضَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَالِجبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَالشَّجَرَ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ، وَالظُّلْمَةَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَالنُّورَ يَوْمَ الْأرْبِعَاءِ، وَالدَّوَابَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَآدَمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ" (٢). وَقَوْلِهِ ﷺ فِي أَوَاخِرِ عُمْرِهِ: "إِنَّ [عَلَى] (٣) رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ" (٤). * * *

стр. 110

[فَوَائِدُ الْتَّارِيخِ] (١) فَكُلُّ هَذَا مُرْشِدٌ إِلَى الإِفْتِقَارِ لِلتَّارِيخِ، أَوْ هُوَ مِنْ فَوَائِدِهِ. وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ، كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ اللهَ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فَقَالَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]. وَعَنْ قَتَادَةَ: "جَعَلَهَا اللهُ مَوَاقِيتَ لِصَوْمِ الْمُسْلِمِينَ وَإِفْطَارِهِمْ، وَحَجِّهِمْ، وَعِدَدِ نِسَائِهِمْ" (٢). وَأَمَّا مَا لَعَلَّهُ يُذْكَرُ فِيهِ مِنْ أَخْبَارِ الأَنْبِيَاءِ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَسُنَّتِهِمْ، فَهُوَ -مَعَ أَخْبَارِ الْعُلَمَاءِ وَمَذَاهِبِهِمْ، وَالْحُكَمَاءِ وَكَلَامِهِمْ، وَالزُّهَّادِ وَالنُّسَّاكِ وَمَوَاعِظِهِمْ- عَظِيمُ الْغَنَاءِ، ظَاهِرُ الْمَنْفَعَةِ فِيمَا (٣) يُصْلِحُ الْإِنْسَانُ بهِ أَمْرَ مِعَادِهِ، وَدِينَهُ، وَسَرِيرَتَهُ فِي اعْتِقَادَاتِهِ، وَسِيرَتَهُ فِي أُمُورِ الدِّينِ، وَمَا يُصْلِحُ (٤) بِهِ أَمْرَ مُعَامَلَاتِهِ وَمَعَاشِهِ الدُّنْيَوِيِّ. وَكَذَا مَا يُذْكَرُ فِيهِ مِنْ أَخْبَارِ الْمُلُوكِ وَسِيَاسَاتِهِمْ، وَأَسْبَابِ مَبَادِئِ الدُّوَلِ وَإِقْبَالِهَا، ثُمَّ سَبَبِ انْقِرَاضِهَا، وَتَدْبِيرِ أَصْحَابِ الْجُيُوشِ وَالْوُزَرَاءِ، وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ الَّتِي يَتَكَرَّرُ مِثْلُهَا وَأَشْبَاهُهَا أَبَدًا فِي الْعَالَمِ، غَزِيرُ النَّفْعِ، كَثِيرُ الْفَائِدَةِ، بِحَيْثُ يَكُونُ مَنْ عَرَفَهُ كَمَنْ عَاشَ الدَّهْرَ كُلَّهُ، وَجَرَّبَ الْأُمُورَ بِأَسْرِهَا، وَبَاشَرَ تِلْكَ الْأَحْوَالَ بِنَفْسِهِ؛ فَيَغْزُرُ عَقْلُهُ، وَيَصِيرُ مُجَرِّبًا غَيْرَ غِرٍّ وَلَا غُمْرٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي نَظْمِ بَعْضِهِمْ.

стр. 111

وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ بَعْضِ السَّادَاتِ (١): [الْعَقْلُ عَقْلَانِ … مَطْبُوعٌ وَمَسْمُوعُ وَلَا يَنْفَعُ مَسْمُوعٌ … مَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَطْبُوعُ وَنَحْوُ هَذَا مَا يَقَعُ فِيهِ مِنْ ذِكْرِ ذَوِي الْمَرُوآتِ وَالْأَجْوَادِ، وَالْمُتَّصِفِينَ بِالوَفَاءِ وَمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ، وَالْمَعْرُوفِينَ بِالشَّجَاعَةِ وَالْفُرُوسِيَّةِ. وَإِنَّهُ (٢) أَيْضًا جَمُّ الفَوَائِدِ، كَثِيرُ النَّفْعِ لِذَوِي الْهِمَمِ الْعَالِيَةِ، وَالْقَرَائِحِ [الصَّافِيَةِ] (٣) لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ طِبَاعُهُمْ مِنَ الاِرْتِيَاحِ عِنْدَ سَمَاعِهِمْ (٤) هَذِهِ الْأَخْبَارَ إِلَى التَّشَبُّهِ وَالإِقْتِدَاءِ بِأَرْبَابِهَا؛ لِيَصِيرَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ حُسْنِ الثَّنَاءِ، وَطِيبِ الذِكْرِ الَّذِي حَرَّضَ (٥) عَلَيْهِ خُلَاصَةُ البَشَرِ. وَأَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنْ إِمِامِ الْحُنَفَاءِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، ﵊، أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ [الشعراء: ٨٤]. وَامْتَنَّ عَلَى غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ رُسُلِهِ، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾ [الصافات: ٧٨]. وَعَلَى خِيرَتِهِ مِنْ خَلْقِهِ -عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ-[بِقَوْلِهِ] (٦): ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ٤]، ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤].

стр. 112

وَلِمَزِيدِ رَغْبَةِ ذَوِي الْأَنْفُسِ الزَّكِيَّةِ فِي التَّارِيخِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْبَنَّاءِ الْقُرَشِيُّ الْحَنْبَلِيُّ (١) صَاحِبُ "رِسَالَةُ السُّكُوتِ" (٢) وَغَيْرِهَا: "لَيْتَ الْخَطِيبَ البَغْدَادِيَّ ذَكَرَنِي فِي "تَارِيخِهِ" وَلَو فِي الْكَذَّابِينَ" (٣). وَنَحْوُهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ مِمَّنْ تَوَهَّمَ اقْتِصَارِي (٤) عَلَى تَرَاجِمِ الأَمْوَاتِ: "لَيْتَنِي أَمُوتُ فِي حَيَاةِ السَّخَاوِيِّ حَتَّى يُتَرْجِمَنِي" (٥). وَلِجُمْلَةٍ مِمَّا نَشَرْنَا مِنْ مَتِينِ فَوَائِدِهِ وَفَضْلِهِ، مِمَّا طَوَيْنَا مِنْ كَمِينِ (٦) زَوَائِدِهِ، أَشَارَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الأَئِمَّةِ الأَعْلَامِ، وَاخْتَارَهُ (٧) بِإِرْشَادِهِ إِلَيْهَا التَّنْوِيهُ بِهِ بَيْنَ الأَنَامِ؛ لَيَنْدَفِعَ مَنْ لَعَلَّهُ يُنْكِرُهُ مِنَ الْجُهَّالِ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ الْفُحُولِ مِنَ الأَبْطَالِ. وَقَالَ (٨) الْإمَامُ الأعْظَمُ وَالْمُجْتَهِدُ الْمُقَدَّمُ، إِمَامُنَا الشَّافِعِيُّ [﵁] (٩) حَسْبَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الإِمَامُ الشَّمْسُ (١٠) مُحَمَّدُ بْنُ الشِّهَابِ الْبَاعُونِيُّ، مِمَّا سَيَأْتِي وَحَكَمَ بِصِحَّتِهِ: "أَنَّ مَنْ حَفِظَهُ زَادَ عَقْلُهُ وَأَيَّدَهُ".

стр. 113

وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ ابْنُ جَرِيرِ الطَّبَرِيُّ (١) مَا حَاصِلُهُ: "إِنَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢] الْإِرْشَادَ لِلتَّوَصُّلِ بهِ إِلَى الْعِلْمِ بِأَوْقَاتِ فُرُوضِهِمْ الَّتِي فَرَضَهَا عَلَيْهِمْ فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالشُّهُورِ وَالسِّنِينَ، مِنَ الصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ وَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فُرُوضِهِمْ، وَحِينَ حَلِّ دُيُونِهِمْ وَحُقُوقِهِمْ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] وَقَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ [يونس: ٥ - ٦] إِنْعَامًا مِنْهُ سُبْحَانَهُ بِكُلِّ ذَلِكَ عَلَى خَلْقِهِ، وَتَفَضُّلًا مِنْهُ بِهِ عَلَيْهِمْ وَتَطَوُّلًا … " إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ الْمُتَضَمِّنِ اسْتِنْبَاطَهُ وَفَائِدَتَهُ. بَلْ يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ (٢): "ذَكَرَ اللهُ التَّارِيخَ فِي كِتَابِهِ؛ لِأَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلِ ﵁ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا بَالَ الْهِلَالِ يَبْدُو دَقِيقًا مِثْلَ الْخَطِّ، ثُمَّ يَزِيدُ حَتَّى يَعظُمَ وَيَسْتَوِيَ وَيَسْتَدِيرَ، ثُمَّ لَا يَزَالُ يَنْقُصُ وَيَدِقُّ حَتَّى يَعُودَ كَمَا كَانَ عَلَى حَالِهِ الْأَوَّلِ؟ فَنَزَلَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩]، وَهِيَ جَمْعُ هِلَالٍ ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] أَي: فِي دِينِهِمْ، وَصَوْمِهِمْ، وَفِطْرِهِمْ، وَعِدَّةِ نِسَائِهِمْ، وَمُدَدِ حَوَامِلِهِمْ، وَمَحَلِّ دُيُونِهِمْ، وَأُجُورِ أُجَرَائِهِمْ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ وَنِعَمٌ ظَاهِرَةٌ.

стр. 114

وَعَنْ قَتَادَةَ فِي تَفْسِيرِهَا: "جَعَلَهَا اللهُ مَوَاقِيتَ لِصَوْمِ المُسْلِمِينَ وَإِفْطَارِهِمْ، وَحَجِّهِمْ وَمَنَاسِكِهِمْ، وَعِدَدِ نِسَائِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُصْلِحُ خَلْقَهُ" (١). بَلْ ثَبَتَ فِي"الْصَحِيحَيْنِ" (٢) عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: ذُكِرَ الهِلَالُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "لَا تَصُومُوا حَتَّى ترَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ صُومُوا". وَرَوَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ المُحَقِّقِين، مِمَّا حَكَاهُ الجَنَدِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ "تَارِيخِهِ" (٣): "إِنَّ اللهُ تَعَالَى أَنْزَلَ فِي التَّوْرَاةِ سِفْرًا مِنْ أَسْفَارِهَا مُتَضَمِّنًا أَحْوَالَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ وَمُدَدَ أَعْمَارِهَا (٤) ". قَالَ الجَنَدِيُّ (٥): "بَلْ قَصَّ (٦) اللهُّ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ المُبِينِ كَثِيرًا مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ الْمَاضِينَ، كَقَوْمِ نُوحٍ وَهُودٍ، وَكَمَدْيَنَ وَثَمُودَ، وَمَا حَكَاهُ عَنْ مُوسَى وهَارُونَ، وَفِرْعَونَ وَقَارُونَ، وَعَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ، وَعَنِ النُّمْرُوذِ وَإِبْرَاهِيمَ. وَقَالَ تَعَالَى وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ [هود: ١٢٠] وَنُسِبَ لِبَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ اسْتَنْبَطَهُ

стр. 115

مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] فَيُنْظَرُ (١). وَكَفَى بِهَذَا دَلِيلًا عَلَى جَلَالَةِ عِلْمِ التَّارِيخِ وَفَضْلِهِ، وَفَخَامَةِ قَدْرِ صَاحِبِهِ وَنُبْلِهِ". وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ (٢) فِي الْحِكْمَةِ فِي قَصِّ اللهِ تَعَالَى عَلَى المُصْطَفَى ﷺ أَخْبَارَ الْأَنْبِيَاءِ الْمَاضِينَ وَالْأُمَمِ السَّالِفِينَ أُمُورٌ: مِنْهَا: إِظْهَارُ نُبُوَّتِهِ، وَالإِسْتِدْلَالُ بِذِكْرِهَا عَلَى رِسَالَتِهِ. لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ أُمِّيًّا، لم يَخْتَلِفْ إِلَى مُؤَدِّبٍ وَلَا مُعَلِّمٍ، وَلَا فَارَقَ وَطَنَهُ مُدَّةً يُمْكِنُهُ الإِنْقِطَاعُ فِيهَا إِلَى عَالِمٍ يَأْخُذُ ذَلِكَ عَنْهُ، فَإِذَا أَعْلَمَ بِهَا وَتَدَبَّرَ الْعَاقِلُ مِنْ قَوْمِهِ ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّهُ بِوَحْي مِنْ اللهِ فَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الدَّالَةِ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وَقَدْ يُنْكِرُ وَيَجْحَدُ حَسَدًا وَعِنَادًا. وَمِنْهَا: التَّأَسِّي بِهِمْ فِيمَا أَثْنَى اللهُ عَلَيْهِمْ بِهِ، وَالإِنْتِهَاءِ عَنْ ضِدِّهِ. وَمِنْهَا: التَّثْبِيتُ لَهُ وَالإِعْلَامُ بِشَرَفِهِ وَشَرَفِ أُمَّتِهِ. حَيْثُ عُوفِيَ وَأُمَّتُهُ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا امْتَحَنَ اللهُ بِهِ مَنْ قَبْلَهُمْ، وَخَفَّفَ عَنْهُمْ فِي الشَّرَائِعِ، وَخَصَّهُمْ بِكَرَامَاتٍ انْفَرَدُوا بِهَا عَنْهُمْ. وَقَد قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]، إِنَّ (الظَّاهِرَةَ) تَخْفِيفُ الشَّرَائِعِ، وَ (الْبَاطِنَةَ) هُنَا: تَضْعِيفُ الصَّنَائِعِ. وَمِنْهَا: التَّهْذِيبُ وَالتَّأْدِيبُ لِأُمَّتِهِ. كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ تَعَالَى فِي قَوْله: ﴿آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ [يوسف: ٧] وَ ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] ﴿وَمَوْعِظَةً

стр. 116

لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾ [البقرة: ٦٦]. وَلِذَا كَانَ الشِّبْليُّ (١) يَقُولُ [فِي هَذ الآيَاتِ] (٢): "فِيهَا اشَتَغَلَ الْعَامَّةُ بِذِكْرِ الْقَصَصِ، وَالْخَاصَّةُ بِاعْتِبَارٍ مِنَ الْقَصَصِ". وَمِنْهَا: الإِحْيَاءُ لِذِكْرِهِمْ (وَآثَارِهِمْ) (٣) لِيَكُونَ لِلْمُحْسِنِ سَبَبًا لِلإِجْتِهَادِ فِي الْعَمَلِ رَجَاءَ تَعْجِيلِ ثَوَابِهِ، وَبَقَاءً لِذِكْرِهِ وَآثَارِهِ الْحَسَنَةِ، كَمَا رَغِبَ خَلِيلُ اللهِ إِبْرَاهِيمُ ﵊ إِذْ قَالَ: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ [الشعراء: ٨٤]. وَالنَّاسُ أَحَادِيثُ، يُقَالُ: " [مَا] (٤) مَاتَ مَيِّتٌ، وَالذِّكْرُ يُحْيِيهِ". وَقِيلَ: "مَا أَنْفَقَ الْمُلُوكُ وَالْأَغْنِيَاءُ الْأَمْوَالَ عَلَى الْمَصَانِعِ وَالْحُصُونِ وَالْقُصُورِ إِلَّا لِبَقَاءِ الذِّكْرِ". وَإِنَّمَا المَرْءُ حَدِيثٌ بَعْدَهُ … فكُنْ حَدِيثًا حَسَنًا لِمَنْ وَعَى (٥) قُلْتُ: وَانْظُرْ إِلَى الْأَحَادِيثِ تَرَى فِيهَا الْكَثِيرَ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا أُشِيرَ إِلَيْهِ: كَـ "رَحِمَ اللهُ مُوسَى؛ لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا [فَصَبَرَ] " (٦). وَفِي التَّسَلِّي وَنَحْوِهِ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كسِنِيِّ يُوسُفَ" (٧).

стр. 117

"اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدَكَ وَخَلِيلَكَ دَعَاكَ (١) لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ" (٢). فِي الاقْتِفَاءِ وَالتَّأَسِّي: "وَلَوْلَا دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ" (٣). فِي التَّأَدُّبِ مَعَ عُلُوِّ الْمَقَامِ، بَل قَالَ: "يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى؛ لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا" (٤). وَكَذَا تَأَسَّتْ عَائِشَةُ ﵂ حَيْثُ قَالَتْ (٥): مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [يوسف: ١٨]. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَسْعُودِيُّ الشَّافِعِيُّ (٦): "إِنَّهُ عِلْمٌ يَسْتَمْتِعُ (٧) بِهِ الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ، وَيَسْتَعْذِبُ مَوْقِعَهُ الْأَحْمَقُ وَالْعَاقِلُ، فَكُلُّ غَرِيبَةٍ مِنْهُ تُعْرَفُ، وَكُلُّ أُعْجُوبَةٍ مِنْهُ تُسْتَظْرَفُ، وَمَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ وَمَعَالِيهَا مِنْهُ تُقْتَبَسُ، وَآدَابُ سِيَاسَةِ الْمُلُوكِ وَغَيْرِهَا مِنْهُ تُلْتَمَسُ، يَجْمَعُ لَكَ الْأَوَّلَ وَالْآخِرَ، وَالنَّاقِصَ وَالْوَافِرَ، وَالْبَادِئَ وَالْحَاضِرَ، وَالْمَوْجُودَ وَالْغَابِرَ، وَعَلَيْهِ مَدَارُ كَثِيرٍ مِنَ

стр. 118

الْأَحْكَامِ، وَبِهِ يُتَزَيَّنُ فِي كُلِّ مَحْفَلٍ وَمَقَامٍ، وَأَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى التَّصْنِيفِ فِيهِ وَفِي أَخْبَارِ الْعَالَمِ مَحَبَّةُ احْتِذَاءِ الْمُشَاكَلَةِ الَّتِي قَصَدَهَا الْعُلَمَاءُ وَقَفَاهَا (١) الْحُكَمَاءُ، وَأَنْ يَبْقَى فِي العَالَمِ ذِكْرًا مَحْمُودًا وَعِلْمًا مَنْظُومًا عَتِيدًا". وَقَالَ أَبُو الفَرَجِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَصْبَهَانِيُّ الْكَاتِبُ، فِي مُقَدِّمَةِ "الأَغَانِي" (٢): "إِنَّ الْقَارِئَ إِذَا تَأَمَّلَ مَا فِيهِ مِنَ الْفِقَرِ وَنَحْوِهَا لَمْ يَزَلْ مُنْتَقِلًا بِهَا مِنْ فَائِدَةٍ إِلَى فَائِدَةٍ، وَمُتَصَرِّفًا مِنْهَا بَيْنَ جِدٍّ وَهَزْلٍ، وَآثَارٍ وَأَخْبَارٍ، وَسِيَرٍ وَأَشْعَارٍ مُتَّصِلَةٍ بِأَيَّامِ الْعَرَبِ الْمَشْهُورَةِ، وَأَخْبَارِهَا الْمَأْثُورَةِ، وَقَصَصِ الْمُلُوكِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْخُلَفَاءِ فِي الْإِسْلَامِ، يَجْمُلُ بِالْمُتَأَدِّبِينَ مَعْرِفَتُهَا، وَيَحْتَاجُ الْأَحْدَاثُ إِلَى دِرَاسَتِهَا، وَلَا يَرْتَفِعُ مَنْ فَوْقَهُمْ مِنَ الْكُهُولِ عَنِ الِاقْتِبَاسِ مِنْهَا؛ إِذْ كَانَتْ مُنْتَخَلَةً (٣) مِنْ غُرَرِ الْأَخْبَارِ، وَمُنْتَقَاةً مِنْ عُيُونِهَا، وَمَأْخُوذَةً مِنْ مَظَانِّهَا، وَمَنْقُولَةً عَنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهَا". * * *

стр. 119

[غَرِيبَةٌ لَطِيفَةٌ] (١) وَمِنْ غَرَائِبِهِ أَنَّ شَخْصًا جُهَنِيًّا كَانَ مِنْ نُدَمَاءِ الْمُهَلَّبِيِّ (٢) فَكَانَ يَأْتِي بِالطَّامَّاتِ، فَجَرَى مَرَّةً حَدِيثُ النُّعْنُعِ فَقَالَ: [إِنَّ] (٣) فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ نُعْنُعًا يَطُولُ حَتَّى يَصِيرَ شَجَرًا، وَيُعْمَلُ مِنْ خَشَبِهِ سَلَالِمُ! فَثَارَ مِنْهُ أَبُو الْفَرَجِ هَذَا فَقَالَ (٤): نَعَمْ، عَجَائِبُ الدُّنْيَا كَثِيرَةٌ، وَلَا يُنْكَرُ هَذَا، وَالْقُدْرَةُ صَالِحَةٌ، وَأَنَا عِنْدِي مَا هُوَ أَغْرَبُ مِنْ هَذَا؛ أَنَّ زَوْجَ حَمَامٍ يَبِيضُ بَيْضَتَيْنِ، فَآخُذُهَمَا وَأَضَعُ تَحْتَهُمَا سَنْجَةً (٥) مِائَةً وَسَنْجَةً خَمْسِينَ، فَإِذَا فَرَغَ زَمَنُ (٦) الْحِضَانِ انْفَقَسَتِ السَّنْجَتَانِ عَنْ طَسْتٍ (٧) وَإِبْرِيقٍ! فَضَحِكَ أَهْلُ الْمَجْلِسِ، وَفَطِنَ الْجُهَنِيُّ لِمَا قَصَدَ بِهِ أَبُو الْفَرَجِ مِنَ الطَّنْزِ (٨) وَانْقَبَضَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ حِكَايَاتِهِ". قُلْتُ: وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا أَنَّ بَعْضَ مَنِ اتَّهَمْنَاهُ بِالْمُجَازَفَةِ حَكَى، وَنَحْنُ بِحَضْرَةِ

стр. 120

شَيْخِنَا، أَنَّ عِنْدَهُمْ (بِحَلَبَ مَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ) (١) وَلَدًا ذَكَرًا، فَهُمْ يَرْكَبُونَ مَعَهُ فِي مُهِمَّاتِهِ وَنَحْوُهَا، وَكَانَ فِي الْمَجْلِسِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَقَالَ: وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا! فَتَبَسَّمَ شَيْخُنَا وَقَطَعَ الْمَجْلِسَ وَشَرَعَ فِي الصَّلَاةِ. وَمِنَ الْعَجِيبِ (٢) أَنَّهُ كَثُرَ اجْتِمَاعِي بِالرَّجُلِ الثَّانِي، وَأَسْتَخْبِرُهُ عَنِ الَّذِي رَامَ يَقُولُهُ وَيَشْرَعُ فِي حِكَايَتِهِ، فَيَقْطَعُهُ عَارِضٌ! تَكَرَّرَ لِي ذَلِكَ مِنْهُ مِرَارًا. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ جَعْفَرٍ القُضَاعِيُّ الشَّافِعِيُّ، قَاضِي مِصْرَ إِنَّهُ (٣): "جَمَعَ جُمَلًا مِنْ أَنْبَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، وَتَوَارِيخِ الْخُلَفَاءِ، وَوِلَايَاتِ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ، إِلَى سَنَةِ اثْنَتَيْنِ (٤) وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ (٥)، عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ؛ لِيَقْرُبَ حِفْظُهُ عَلَى مَنْ أَرَادَهُ، فَفِيهِ -يَعْنِي مِنْ فَائِدَتِهِ مَعَ حِفْظِهِ- كِفَايَةُ الْمُحَاضَرَةِ، وَبُلْغَةٌ مُقْنِعَةٌ (٦) لِلِمُذَاكَرَةِ". [(٧) وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْهَمَذَانِيُّ الْفَرَضِيُّ الشَّافِعِيُّ، فِي "ذَيْلِهِ" (٨) لِتَارِيخِ ابْنِ جَرِيرٍ، أَنَّهُ: "رَغِبَ فِي الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ سَادَةُ الْأُمَمِ وَالْقَبَائِلِ، وَأَهْلُ الْمَحَامِدِ وَالْفَضَائِلِ، كَالْأَئِمَّةِ مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ وَغَيْرِهِمْ بِدُونِ إِلْبَاسٍ" إِلَى أَنْ قَالَ: "فَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ مِنَ

стр. 121

اسْتِقَامَةٍ فِي الْأَحْوَالِ، كَانَ بِالنِّعَمِ مُذَكِّرًا، وَمَا شَاهَدُوا فِيهِ مِنَ الإِخْتِلَالِ كَانَ مُنَبِّهًا وَمُنْذِرًا. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ﵀ (١): إِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَنَامِي. فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا، إِنَّ اللهَ تَعَالَى بَعَثَ نَبِيَّهُ ﷺ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَمَنْ كَانَ عَلَى خَيْرٍ بَشَّرَهُ وَأَمَرَهُ بِالزِّيَادَةِ، وَمَنْ كَانَ عَلَى شَرٍّ حَذَّرَهُ وَأَمَرَهُ بِالتَّوْبَةِ. وَالاِطِّلَاعُ فِي أَخْبَارِ النَّاسِ مِرْآةُ النَّاظِرِ، يَصْدُقُ، فَيُرَغِّبُ فِي الْمَحَاسِنِ، وَيُرَهِّبُ مِنَ الْقَبَائِحِ، وَيُهَذِّبُ (٢) ذَوِي الْبَصَائِرِ وَالْقَرَائِحِ، وَبِهَا يُذَكِّرُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ مَنْ يَرَاهُ أَهْلًا لِذِكْرِهِ، وَمُسْتَوْجِبًا لِكَرِيمِ ثَوَابِهِ وَأَجْرِهِ"] (٣). وَقَالَ أَبُو القَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ المَدِينِيُّ (٤) (الْحَنَفِيُّ) (٥) نَزِيلُ بَلْخَ، وَمُؤَلِّفُ "النَّافِعُ" (٦) فِي فِقْهِهِمْ، فِي"تَارِيخُ بَلْخَ" (٧) الَّذِي أَلَّفَهُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ (٨) وَخَمْسِ مِائَةٍ، وَجَعَلَهُ مُتَوَسِّطًا لِقِلِّةِ رَغْبَةِ النَّاسِ وَضَعْفِ هِمَّتِهِمْ إِنْزَالًا لَهُمْ مَنَازِلَهُمْ، وَتَكْلِيمًا مَعَهُمْ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ، وَخَتَمَهُ بِأَحْوَالِهِ وَتَصَانِيفِهِ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ مَنَافِعِهِ، بِزِيَادَةِ بَعْضِ أَلْفَاظٍ فِي غَيْرِ مَحلٍّ مِنْ مَوَاضِعِهِ: "فِيهِ إِحْيَاءُ ذِكْرِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مِنْ عُلَمَائِهَا وَالطَّارِئِينَ عَلَيْهَا، فَإِنَّ ذِكْرَهُمْ (٩)

стр. 122

حَيَاةٌ جَدِيدَةٌ، وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا، وَتَصَوُّرُهُمْ فِي الْقُلُوبِ، وَمَعْرِفَةُ أَفْعَالِهِمْ، وَزُهْدِهِمْ وَوَرَعِهِمْ وَدِيَانَتِهِمْ، وَانْصِرَافِهِمْ عَنِ الدُّنْيَا وَاحْتِقَارِهِمْ لَهَا وَصَبْرِهِمْ عَلَى شَدَائِدِ الطَّاعَاتِ وَالْمَصَائِبِ فِي اللهِ، فَيَتَخَلَّقُ النَّاظِرُ بِأَخْلَاقِهِمْ، وَيَتَعَطَّرُ السَّامِعُ بِأَحْوَالِهِمْ، فَالطَّبْعُ مُنْقَادٌ، وَالْإنْسَانُ مُعْتَادٌ، وَالْأُذُنُ تَعْشَقُ قَبْلَ الْعَيْنِ أَحْيَانًا. وَلَمَّا كَانَ سَبَبُ النَّجَاةِ الِاسْتِقَامَةَ فِي الْأَحْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا بِسَائِقٍ (١) وَقَائِدٍ، كَصُحْبَةِ الصَّالِحِينَ، أَوْ سَمَاعِ أَحْوَالِهِمْ وَالنَّظَرِ فِي آثَارِهِمْ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْصُّحْبَةِ، حَيْثُ تَتَصَوَّرُ (٢) النَّفْسُ أَعْيَانَهُمْ، وَتَتَخَيَّلُ مَذَاهِبَهُمْ؛ لِأَنَّكَ لَوْ أَبْصَرْتَ لَمْ يَبْقَ عِنْدَكَ إِلَّا التَّذَكُّرُ وَالتَّخَيُّلُ، وَكَانَ السَّمْعُ كَالْبَصَرِ، وَالْعَيَانُ كَالْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا بَوْنٌ، وَلَكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ وَابِلٌ فَطَلٌّ، سِيَّمَا وَعِنْدَ ذِكْرِ الصَّالِحِينَ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ. وَذِكْرٌ لِلَآخِرِينَ وَاعْتِبَارُهُمْ، فَلَوْلَا الْكُتُبُ لَنُسِيَ أَكْثَرُ الْأَخْبَارِ وَالْأَحْوَالِ، وَكَانَ بَعْدَ قُرْبٍ (٣) لَمْ يُذْكَرِ الصَّادِرُ وَلَا الْوَارِدُ، وَلَا الطَّرِيفُ وَلَا التَّالِدُ. وَالدُّرَّةُ الْمَكْنُونَةُ وَالْجَوْهَرَةُ الْمَخْزُونَةُ، عِلْمُ الْحَدِيثِ، الَّذِي هُوَ أَسَاسُ الْإِسْلَامِ، وَأَصْلُ الْأَحْكَامِ، وَمُبَيِّنُ الْحَلَالِ وَالحَرَامِ، وَمُقْتَدَى الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَبَيَانُ مُجْمَلِ الْكِتَابِ، وَمَرْكَزُ الْحَقِيقَةِ وَالصَّوَابِ. يَعْنِي: وَهَذَا الْفَنُّ طَرِيقٌ إِلَيْهِ، وَتَحْقِيقٌ لِلْمُعَوَّلِ مِنْهُ عَلَيْهِ. وَبَيَّنَ أَنَّ سَبَبَ تَصْنِيفِهِ لَهُ الاسْتِرْوَاحُ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ تَصْنِيفِ كِتَابِ "التَّحْقِيقُ" الْجَامِعِ أُصُولَ مَسَائِلِ الْفِقْهِ الْجَلِيلِ مِنْهُ وَالدَّقِيقِ إِلَى هَذَا الْعِلْمِ اللَّطِيفِ،

стр. 123

الْحُلْوِ النَّافِعِ الْمُنِيفِ، الَّذِي قِدَمًا اعْتَدْتُهُ فِي رَيْعَانِ الشَّبَابِ، وَاعْتَمَدْتُهُ فِي التَّوَصُّلِ إِلَى الصَّوَابِ، وَمُكَافَأَةً لِأَهْلِ بَلْخَ حَسْبَ الطَّاقَةِ، وَجُهْدُ الْمُقِلِّ لِإحْسَانِهِمْ عِنْدَ نُزُولِي عَلَيْهِمْ، وَتَعَصُّبًا لِعُلَمَاءِ الْمِلَّةِ (١) وَأُمَنَاءِ الأُمَّةِ، حَيْثُ يَدْرُسُ جُلُّ أَخْبَارِهِمْ، بَلْ تُعْدَمُ أَسْمَاؤُهُمْ وَشَرِيفُ آثَارِهِمْ. وَأَنَّهُ اسْتَمَدَّ فِيهِ مِنْ كُتُبٍ ذَكَرَهَا، وَمِنْ مَشَايِخِ عَصْرِهِ وَفُضَلَائِهِمْ وَأَقْطَابِهِمْ مِمَّنْ عَلِمَهَا وَخَبَرَهَا، وَعَيَّنَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، وَأَنَّهُ ذِكْرُ الْفُتْيَانِ وَالشُبَّانِ؛ لِأَنَّهُمْ إِنْ كَانُوا صِغَارَ قَوْمٍ فَعَسَى أَنْ يَكُونُوا كِبَارَ قَوْمٍ آخَرِينَ. وَبَادَرَ إِلَى تَأْلِيفِهِ خَوْفًا مِنْ طُرُوءِ الْمَوَانِعِ (٢) وَشَفَقًا عَلَى العِلْمِ مِنَ الدُّرُوسِ وَالدُّثُورِ بِوَفَاةِ الحَمَلَةِ المُتَوَجِّهِينَ لِجَمْعِ (٣) الجَوَامِعِ. وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ: "انْظُرُوا مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاكْتُبُوهُ؛ فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ" (٤). فِإِذَا خَافُوا هُمْ (٥) ذَلِكَ، وَالإِسْلَامُ غَضٌّ رَطِيبٌ (٦)، وَالْجِدُّ فِيهِ عَجِيبٌ، وَالزَّمَانُ مُنْجِبٌ وَنَجِيبٌ، أَفَلَا يُخَافُ فِي زَمَانِنَا! وَقَدْ تَقَهْقَرَ (٧) في جِدِّنا وَأَنْبَائِنَا! (٨)

стр. 124

وَكَذَا ذَكَرَ مَقَابِرَ الْأَئِمَّةِ وَمَوَاضِعَهُمْ وَمَضَاجِعَهُمْ؛ لِأَنَّ أَجْسَامَهُمْ وَقَوَالِبَهُمْ سَبَبُ دَفْعِ البَلَايَا وَالْأَوْصَابِ الْمُسَتَعَاذِ (١) مِنْهَا بِالتَّوَجُّهِ لِرَبِّ الْأَرْبَابِ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ الْجَسَدِ مِنَ الْخَاصِيَّةِ مَا تُدْفَعُ بِهِ البَلَايَا، وَشَارَكَ فِي الْعَالَمِ بِسَبَبِهِ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَذَلِكَ جَزِيلُ الْفَضْلِ وَالْعَطَايَا (٢). وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ: "مَنْ مَاتَ مِنْ أَصْحَابِي بِبَلْدَةٍ فَهُوَ قَائِدُهُمْ وَنُورُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٣). وَاللهَ نَسْأَلُ أَنْ يَحْفَظْنَا بِالْإِسْلَامِ وَقُوَّةِ الْيَقِينِ، وَأَنْ يُبْقِيَ لَنَا لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ، إِنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ" (٤). وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُقَدِّمَةِ "الْمُنْتَظِمُ" (٥): "وَللسِّيَرِ وَالتَّوَارِيخِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ، أَهَمُّهَا فَائِدَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ إِنْ ذُكِرَتْ سِيرَةُ حَازِمٍ، وَوُصِفَتْ عَاقِبَةُ حَالِهِ، أَفَادَتْ حُسْنَ التَّدْبِيرِ، وَاسْتِعْمَالَ الْحَزْمِ، أَوْ [إِنْ ذُكِرَتْ] (٦) سِيرَةُ مُفَرِّطٍ، وَوُصِفَتْ عَاقِبَتُهُ، أَفَادَتْ الْخَوْفَ مِنَ التَّفْرِيطِ؛ فَيَتَأَدَّبُ الْمُتَسَلِّطُ، وَيَعْتَبِرُ الْمُتَذَكِّرُ، وَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ شَحْذَ صَوَارِمِ الْعُقُولِ، وَيَكُونُ رَوْضَةً لِلْمُتَنَزِّهِ فِي الْمَنْقُولِ.

стр. 125

وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَطَّلِعَ بِذَلِكَ عَلَى عَجَائِبِ الْأُمُورِ، وَتَقَلُّبَاتِ الزَّمَنِ، وَتَصَارِيفِ الْقَدَرِ، وَسَمَاعِ الْأَخْبَارِ. قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ لِرَجُلٍ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ كَبِرَ حَتَّى ذَهَبَتْ مِنْهُ لَذَّةُ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَالنِّكَاحِ: "أَتُحِبُّ أَنْ تَمُوتَ؟ قَالَ: لَا. قِيلَ: فَمَا بَقِيَ مِنْ لَذَّتِكَ فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: أَسْمَعُ الْعَجَائِبَ" (١). وَقَالَ أَيْضًا فِي أَوَّلِ "شُذُورُ الْعُقُودِ فِي تَارِيخِ الْعُهُودِ" (٢) الَّذِي اخْتَصَرَهُ مِنْهُ: "إِنَّ التَّوَارِيخَ وَذِكْرَ السِّيَرِ رَاحَةُ الْقَلْبِ، وَجَلَاءُ الْهَمِّ، وَتَنْبِيهُ الْعَقْلِ، فَإِنَّهُ إِنْ ذُكِرَتْ عَجَائِبُ الْمَخْلُوقَاتِ دَلَّتْ عَلَى عَظَمَةِ الصَّانِعِ، وَإِنْ شُرِحَتْ سِيرَةُ حَازِمٍ عَلَّمَتْ حُسْنَ التَّدْبِيرِ، وَإِنْ قُصَّتْ قِصَّةُ مُفَرِّطٍ خَوَّفَتْ مِنْ إِهْمَالِ الْحَزْمِ، وَإِنْ وُصِفَتْ أَحْوَالٌ ظَرِيفَةٌ (٣) أَوْجَبَتِ التَّعَجُّبَ مِنَ الْأَقْدَارِ، وَالتَّنَزُّهَ فِيمَا يُشْبِهُ الْأَسْمَارَ". وَقَالَ العِمَادُ (مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَامِدٍ) (٤) الْأَصْبَهَانِيُّ الشَّافِعِيُّ الْكَاتِبُ فِي "الْفَتْحُ الْقُدْسِيُّ" (٥) عَلَى يَدِ الصَّلَاحِ أَبِي المُظَفَّرِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ، الَّذِي ابْتَدَأَهُ بِسَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِ مِائَةٍ: وَقَالَ: "إِنَّ عَادَةَ التَّوَارِيخ الِابْتِدَاءُ بِبَدْءِ الْخَلْقِ، أَوْ بِدَوْلَةٍ مِنَ الدُّوَلِ، فَلَيْسَتْ أُمَّةٌ أَوْ دَوْلَةٌ إِلَّا وَلَهَا تَارِيخٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ وَيُعَوِّلُونَ عَلَيْهِ، يَنْقُلُهُ خَلَفُهَا عَنْ سَلَفِهَا، وَحَاضِرُهَا عَنْ غَابِرِهَا تُقَيَّدُ بِهِ شَوَارِدُ الْأَيَّامِ، وتُنْصَبُ بِهِ مَعَالِمُ الْأَعْلَامِ؛

стр. 126

وَلَوْلَا ذَلِكَ لِانْقَطَعَتِ الْوُصَلُ، وَجُهِلَتِ الدُّوَلُ، وَمَاتَ فِي أَيَّام [الآخِرِ] (١) ذِكْرُ الأُوَلِ (٢)، وَلَمْ يَعْلَمِ النَّاسُ أَنَّهُمْ لِعِرْقِ الثَّرَى، وَأَنَّهُم نُطَفٌ فِي ظُلُمَاتِ الْأَصْلَابِ طَوِيلَةُ السُّرَى، وَأَنَّ أَعْمَارَهُمْ مُبْتَدَأَةٌ مِنَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ لِآدَمَ، وَقَدْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَاتِهِمْ لِمَا أَرَادَهُ مِنْ ظُهُورِهِمْ وَتَقَادُمٍ. فَيَعْلَمُ الْمَرْءُ أَنَّهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ عُمْرِهِ، وَقَبْلَ نُزُولِ قَبْرِهِ، مَا اسْتَبْعَدَهُ أَهْلُ الطَّيِّ مِنْ حَقِيقَةِ النَّشْرِ (٣)، وَلِيَقْبَلَ فِي وَاحِدَةٍ مِنَ الْأَطْوَارِ شَهَادَةَ (عَشْرٍ) (٤) فَقَدْ قَطَعَ عُمْرًا بَعْدَ عُمْرٍ، وَسَارَ (٥) دَهْرًا بَعْدَ دَهْرٍ [وَثَوَى وَأُنْشِرَ فِي أَلْفِ قَبْرٍ] (٦) وَإِنَّمَا كَانَ مِنَ الظُّهُورِ فِي لَيْلٍ إِلَى أَنْ وَصَلَ مِنَ الْعُيُونِ إِلَى فَجْرٍ. وَلَوْلَا التَّارِيخُ لَضَاعَتْ مَسَاعِي أَهْل السَّيَاسَاتِ الْفَاضِلَةِ، وَلَمْ تَكُنِ الْمَدَائِحُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَذَامِّ هِيَ الْفَاصِلَةُ، وَتَعَذَّرَ (٧) الِاعْتِبَارُ بِمُسَالَمَةِ الأَيَّامِ (٨) وَعُقُوبَتِهَا، وَجُهِلَ مَا وَرَاءِ صُعُوبَةِ الأَيَّامِ مِنْ سُهُولَتِهَا، وَمَا وَرَاءَ سُهُولَتِهَا مِنْ صُعُوبَتِهَا. ثُمَّ ذَكَرَ مَا كَانَ يُؤَرِّخُ كَثِيرُونَ مِمَّنْ مَضَى بِهِ، كَالطُّوفَانِ وَالسَّيْلِ، وَالْأَرْصَادِ الْقَصِيرِ (٩) الذَّيْلِ، وَأَنَّ التَّارِيخَ بِالْهِجْرَةِ نَسَخَ كُلَّ تارِيخٍ مُتَقَدِّمٍ (١٠) وهَدَمَ كُلَّ مَا لَمْ

стр. 127

يَكُنْ مُرْتَكِبُهُ فِيهِ مُتَنَدِّمٌ، بِحَيْثُ آمَنَ (١) بِهِ بِيَقِينٍ، وَوُقُوعِ الْخُلْفِ الْوَاقِعِ فِي الْمَاضِينَ، وَاسْتَدَارَ الزَّمَانُ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَأَمَرَ اللهُ عِبَادَهُ بِبَذْلِ مَا عَيَّنَ لَهُمْ فِي الْأَمْوَالِ، بَلْ وَالْأَنْفُسِ، مِمَّا يُعِيدُهُ إِلَيْهِمْ مُضَاعَفًا مِنَ الْفَرْضِ" إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ الْحَسَنِ فِي انْتِظَامِهِ. [وَقَالَ الْجَمَالُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْمَنْصُورِ ظَافرِ بْنِ حُسَيْنٍ الأَزْدِيُّ الْمِصْرِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي "أَخْبَارُ الدُّوَلِ الْإِسْلَامِيَّةِ" (٢): "إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ فَوَائِدِهِ غَيْرُ وَعْظِهِ بَأَنَّ الدَّهْرَ لَا يَبْقَى عَلَى حَالِهِ، وَلَا يَلْزَمْ مِنْ أَخْلَافِهِ (غَيْرُ) (٣) الإِسْتِحَالَةِ، لَكَانَ كَافِيًا وَلِغَرَضِ الْمُتَأَمِّلِ شَافِيًا، فَكَيْفَ وَفَوَائِدُهُ لَا تُحْصَى، وَفَرَائِدُهُ لَا تُسْتَقْصَى! وَالنَّاظِرُ فِيهِ جَامِعٌ بَيْنَ عَبْرَةٍ تُسِيلُهَا (٤) عِبْرَةً، وَفَرْحَةٌ تُنِيلُهَا مِنْحَةً" ثُمَّ عَدَّ الدُّوَلَ وَأَطَالَ فِي الإِشَارَةِ إِلَيْهَا] (٥). وَقَالَ إِمَامُ الدِّينِ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ [بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ] (٦) الرَّافِعيُّ فِي "التَّدْوِينُ" (٧) ................................................... [٢٢]

стр. 128

وَقَالَ الْعِزُّ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، ابْنُ الأَثِيرِ، فِي "كَامِلِهِ" (١): "إِنَّ فَوَائِدَهُ كَثِيرَةٌ، وَمَنَافِعَهُ الدُّنْيَوِيَّةَ وَالْأُخْرَوِيَّةَ (جَمَّةٌ) (٢) غَزِيرَةٌ، وَهَا نَحْنُ نَذْكُرُ شَيْئًا مِمَّا ظَهَرَ (٣) لَنَا فِيهَا، وَنَكِلُ إِلَى قَرِيحَةِ النَّاظِرِ فِيهِ مَعْرِفَةُ بَاقِيهَا. فَأَمَّا الدُّنْيَوِيَّةُ فَمِنْهَا: أَنَّ الإِنْسَانَ لَا خَفَاءَ بِهِ (أَنَّهُ) (٤) يُحِبُّ الْبَقَاءَ، وَيُؤْثِرُ أَنْ يَكُونَ فِي زُمْرَةِ الْأَحْيَاءِ، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي؛ أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ مَا رَآهُ أَمْسِ أَوْ سَمِعَهُ، وَبَيْنَ مَا قَرَأَهُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَضَمِّنَةِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ وَحَوَادِثَ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَإِذَا طَالَعَهَا فَكَأَنَّهُ عَاصَرَهُمْ، وَإِذَا عَلِمَهَا فكَأَنَّهُ حَاضَرَهُمْ! وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُلُوكَ، وَمَنْ إِلَيْهِمِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، إِذَا وَقَفُوا عَلَى مَا فِيهَا مِنْ سِيرَةِ أَهْلِ الْجَوْرِ وَالْعُدْوَانِ، وَرَأَوْهَا مُدَوَّنَةً فِي الْكُتُبِ يَتَنَاقَلُهَا النَّاسُ، فَيَرْوِيهَا خَلَفٌ عَنْ سَلَفٍ، وَنَظَرُوا إِلَى مَا أَعْقَبَتْ مِنْ سُوءِ الذِّكْرِ، وَقُبْحِ الْأُحْدُوثَةِ، وَخَرَابِ الْبِلَادِ، وَهَلَاكِ الْعِبَادِ، وَذَهَابِ الْأَمْوَالِ، وَفَسَادِ الْأَحْوَالِ، اسْتَقْبَحُوهَا، وَأَعْرَضُوا عَنْهَا، وَاطَّرَحُوهَا. فَإِذَا رَأَوْا سِيرَةَ الْوُلَاةِ الْعَارِفِينَ (٥) وَحُسْنَهَا، وَمَا يَتْبَعُهُمْ مِنَ الذِّكْرِ الْجَمِيلِ بَعْدَ ذَهَابِهِمْ، وَأَنَّ بِلَادَهُمْ وَمَمَالِكَهُمْ عُمِّرَتْ، وَأَمْوَالَهَا دَرَّتِ، اسْتَحْسَنُوا ذَلِكَ وَرَغِبُوا فِيهِ، وَثَابَرُوا عَلَيْهِ وَتَرَكُوا مَا يُنَافِيهِ، هَذَا سِوَى مَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ مَعْرِفَةِ الْآرَاءِ الصَّائِبَةِ

стр. 129

الَّتِي دَفَعُوا بِهَا مَضَرَّاتِ الْأَعْدَاءِ، وَخَلَصُوا بِهَا مِنَ الْمَهَالِكِ، وَاسْتَضَافُوا (١) نَفَائِسَ الْمُدِنِ وَعَظِيمَ الْمَمَالِكِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا غَيْرُ هَذَا لَكَفَى بِهِ فَخْرًا. وَمِنْهَا: مَا يَحْصُلُ لِلإِنْسَانِ مِنَ التَّجَارِبِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِالْحَوَادِثِ، وَمَا تُصِيرُ إِلَيْهِ (٢) عَوَاقِبُهَا، وَإِنَّهُ لَا يَحْدُثُ أَمْرٌ إِلَّا وَقَدْ تَقَدَّمَ هُوَ أَوْ نَظِيرُهُ فَيَزْدَادُ (بِذَلِكَ) (٣) عَقْلًا، وَيُصْبِحُ لِأَنْ يُقْتَدَى بِهِ أَهْلًا. وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ حَيْثُ يَقُولُ (٤): وَجَدْتُ (٥) العَقْلَ عَقْلَيْنِ … فَمَطْبُوعٌ وَمَسْمُوعُ وَلَا يَنْفَعُ مَسْمُوعٌ … إِذَا لَمْ يَكُ (٦) مَطْبُوعُ يَعْنِي بِالْمَطْبُوعِ الْعَقْلَ الْغَرِيزِيَّ الَّذِي خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى لِلْإِنْسَانِ، وَبِالْمَسْمُوعِ مَا يَزْدَادُ بِهِ الْعَقْلُ الْغَرِيزِيُّ مِنَ التَّجْرِبَةِ، وَجَعَلَهُ عَقْلًا ثَانِيًا (٧) تَوَسُّعًا وَتَعْظِيمًا لَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ زِيَادَةٌ فِي عَقْلِهِ الْأَوَّلِ" انتَهَى. وَيُشِيرُ إِلَيْهِ الْمَرْوِيُّ فِي الْمَرْفُوعِ: "إِنْ حُدِّثْتَ (٨) أَنَّ رَجُلًا تَحَوَّلَ عَنْ طِبَاعِهِ فَلا

стр. 130

تُصَدِّقْ" (١). وَمِنْهَا: مَا يَتَجَمَّلُ بِهِ الإِنْسَانُ فِي الْمَجَالِسِ وَالْمَحَافِلِ، مِنْ ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ مَعَارِفِهَا، وَنَقْلِ طَرِيفَةٍ مِنْ طَرَائِفِهَا (٢) فَتَرَى الْأَسْمَاعَ مُصْغِيَةً إِلَيْهِ، وَالْوُجُوهَ مُقْبِلَةً عَلَيْهِ، وَالقُلُوبَ مُتَأَمِّلَةً مَا يُورِدُهُ ويُصْدِرُهُ، مُسْتَحْسِنَةً مَا يَذْكُرُهُ. وَأَمَّا الأُخْرَوِيَّةُ: فَمِنْهَا أَنَّ الْعَاقِلَ اللَّبِيبَ إِذَا تَفَكَّرَ فِيهَا، وَرَأَى تَقَلُّبَ الدُّنْيَا بِأَهَالِيهَا (٣) وَتَتَابُعَ نَكَبَاتِهَا إِلَى أَعْيَانِ قَاطِنِيهَا، وَأَنَّهَا سَلَبَتْ نُفُوسَهُمْ وَذَخَائِرَهُمْ، وَأَعْدَمَتْ أَصَاغِرَهُمْ وَأَكَابِرَهُمْ، فَلَمْ تُبْقِ عَلَى جَلِيلٍ وَلَا حَقِيرٍ، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْ نَكَدِهَا غَنِيٌّ وَلَا فَقِيرٌ، زَهِدَ فِيهَا، وَأَعْرَضَ عَنْهَا، وَأَقْبلَ عَلَى التَّزَوُّدِ لِلآخِرَةِ مِنْهَا، وَرَغِبَ فِي دَارٍ تَنَزَّهَتْ عَنْ هَذِهِ الْخَصَائِصِ، وَسَلِمَ أَهْلُهَا مِنْ هَذِهِ النَّقَائِصِ. وَلَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ: مَا نَرَى نَاظِرًا فِيهَا زَهِدَ فِي الدُّنْيَا وَأَقْبَلَ عَلَى الآخِرَةِ، وَرَغِبَ فِي دَرَجَاتِهَا العُلْيَا الْفَاخِرَةِ! فَيَا لَيْتَ شِعْرِي؛ كَمْ رَأَى هَذَا الْقَائِلُ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ الْعَزِيزِ، الَّذِي هُوَ سَيِّدُ الْمَوَاعِظِ وَأَفْصَحُ الْكَلَامِ، يُطْلَبُ بِهِ اليَسِيرُ مِنْ هَذَا الْحُطَامِ! فَإِنَّ الْقُلُوبَ مُولَعَةٌ بِحُبِّ الْعَاجِلِ. وَمِنْهَا: التَّخَلُّقُ بِالصَّبْرِ وَالتَّأَسِّي، وَهُمَا مِنْ مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ، فَإِنَّ العَاقِلَ إِذَا رَأَى أَنَّ شَرَّ الدُّنْيَا لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُ نَبِيٌّ مُكَرَّمٌ، وَلَا مَلِكٌ مُعَظَّمٌ، بَلْ وَلَا وَاحِدٌ مِنَ

стр. 131

البَشَرِ، عَلِمَ أَنَّهُ يُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُمْ، وَيَنُوبُهُ مَا نَابَهُمْ. وَهَلْ أَنَا إِلَّا مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ … غَويْتُ وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدِ (١) وَلِهَذِهِ الْحِكْمَةِ وَرَدَتِ الْقَصَصُ فِي القُرْآنِ الْمَجِيدِ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق: ٣٧]. فَإِنْ ظَنَّ هَذَا الْقَائِلُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَرَادَ بِذِكْرِ الْحِكَايَاتِ الْإِسْمَارَ، فَقَدْ تَمَسَّكَ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الزَّيغِ الَّذِينَ عَلَى شَفَا جُرْفٍ هَارٍ بِمُحْكَمِ سَبَبِهَا، حَيْثُ قَالُوا: هَذِهِ ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان: ٥]. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ابْنُ خَمِيسٍ فِي مُقَدِّمَةِ "تَارِيخُ مَالَقَةَ" (٢): "إِنَّ أَحْسَنَ مَا يَجِبُ أَنْ يُعْتَنَى بِهِ، وَيُلَمَّ بِجَانِبِهِ، بَعْدَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مَعْرِفَةُ الْأَخْبَارِ، وَتَقْيِيدُ الْمَنَاقِبِ وَالآثَارِ؛ فَفِيهَا تَذْكِرَةٌ بِتَقَلُّبِ الدَّهْرِ بِأَبْنَائِهِ (٣) وَإِعْلَامٌ بِمَا طَرَأَ فِي سَالِفِ الْأَزْمَانِ مِنْ عَجَائِبِهِ وَأَنْبَائِهِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ (٤) يَجِبُ أَنْ تُتَّبَعَ آثَارُهُمْ، وَتُدَّونَ مَنَاقِبُهُمْ وَأَخْبَارُهُمْ؛ لِيَكُونُوا كَأَنَّهُمْ مَاثِلُونَ بَيْنَ عَيْنَيكَ مَعَ الرِّجَالِ، وَمُتَصَرِّفُونَ وَمُخَاطِبُونَ لَكَ فِي كُلِّ حَالٍ، وَمَعْرُوفُونَ بِمَا هُمْ بِهِ مُتَصِفُّونَ، فَيَتْلُو (٥) سُوَرَهُمْ مَنْ لَمْ يُعَايَنْ صُوَرَهُمْ، وَيُشَاهِدُ مَحَاسِنَهُمْ مَنْ لَمْ يَعْطِهِ السِّنُّ أَنْ يُعَايِنَهُمْ، فَيَعْرِفُ بِذَلِكَ مَرَاتِبَهُمْ وَمَنَاصِبَهُمْ، وَيَعْلَمُ الْمُتَصَرِّفَ مِنْهُمْ فِي الْمَنْقُولِ وَالْمَفْهُومِ،

стр. 132

وَالْمُتَمَيِّزَ فِي الْمَحْسُوسِ وَالْمَرْسُومِ (١) وَيَتَحَقَّقُ مِنْهُمْ مَنْ كَسَتْهُ الآدَابُ حُلِيَّهَا، وَأَرْضَعَتْهُ الرِّيَاسَةُ ثَدْيَهَا، فَيَجِدُّ فِي الطَّلَبِ لِيَلْحَقَ بِهِمْ وَيتَمَسَّكَ بِسَبَبِهِمْ". وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ (عَبْدِ) (٢) الْمُنْعِمِ، ابْنُ أَبِي الدَّمِ، الْفَقِيهُ الْقَاضِي الْحَمَويُّ الشَّافِعِيُّ: "إِنَّمَا الفَائِدَةُ فِي التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ، مَعَ قُرْبِهِ مِنَ الصِّحَّةِ، ذِكْرُهُ لِعُلَمَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَذِكْرُ مَحَاسِنِهِمْ، وَعُلُومِهِمْ، وَمَوَاعِظِهِمْ، وَحِكَمِهِمْ، وَسِيَرِهِمْ الَّتِي يَسْتَدِلُّ الْعَامِلُ بِهَا فِي أُمُورِهِ وَيَتَدَبَّرُهَا وَيَتَفَكَّرُ فِيهَا، فَيَنْتَفِعُ بِمَا قَالُوهُ وَعَانُوهُ (٣) وَمَا يُنْقَلُ عَنْهُمْ مِنَ الْمَحَاسِنِ دُنْيَا وَأَخْرَى" [إِلَى] (٤) أَنْ قَالَ: "وَإِنْ كَانَ هَذَا الْعِلْمُ كَالْعِلَاوَةِ عَلَى مَا نَعْتَمِدُهُ (٥) مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَنَتَوَخَّاهُ مِنَ الْفُنُونِ السَّمْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ" (٦). وَقَالَ الشَّمْسُ أَبُو الْمُظَفَّرِ يُوسُفُ بْنُ قُزْغُلِي (٧) الْحَنَفِيُّ، سِبْطُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ:

стр. 133

"إِنَّ الْفِطَرَ السَّلِيمَةَ، وَالْفِكَرَ الْمُسْتَقِيمَةَ، تَسْتَشْرِفُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْبِدَايَاتِ، وَتَشْرَئِبُّ إِلَى إِدْرَاكِ الْمُنْشَآتِ، وَمَنْ تَدَبَّرَ مَجَارِي الْأَقْدَارِ وَمَسَارِي (١) اللَّيْل وَالنَّهَارِ، صَارَ كَأَنَّهُ عَاصَرَ تِلْكَ العُصُورَ، وَبَاشَرَ تِلْكَ الأُمُورَ، وَإِلَيْهِ وَقَعَتِ الْإِشَارَةُ الإِلَهِيَّةُ وَالأَمَارَةُ الرَبَّانِيَّةُ إِلَى (سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ) (٢) بِقَوْلِهِ تَعَالَى، وَهُوَ أَصْدَقُ القَائِلِينَ: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ [هود: ١٢٠] وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ المَجِيدِ: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠)﴾ [هود: ١٠٠] فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَآيَاتٍ عَزِيزَةٍ (٣). فَاللهُ تَعَالَى مَنَّ عَلَى نَبِيِّهِ ﵊ بِمَا قَصَّ (عَلَيْهِ) (٤) مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ فِي سَالِفِ الدُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ. وَمَقَاصِدُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ تَخْتَلِفُ عَلَى مَا قَدْ أُلِفَ، مِنْهُمْ مَنْ يُؤْثِرُ مُطَالَعَةَ سِيَرِ الْقُدَمَاءِ وَالحُكَمَاءِ، أَوْ يَمِيلُ إِلَى سَمَاعِ أَنْبَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْخُلَفَاءِ، وَالْمُلُوكِ وَالْوُزَرَاءِ، وَالْأُدَبَاءِ وَالشُّعَرَاءِ، أَوْ يَخْتَارُ النَّظَرَ فِي سِيَرِ الْفُضَلَاءِ، وَالزُّهَّادِ، وَالصُّلَحَاءِ، وَالْعُبَّادِ، أَوْ مَقْصُودُهُ الوُقُوفُ عَلَى سِيرَةِ حَازِمٍ لِيَسْتَفِيدَ مِنْهَا حُسْنَ التَّدْبِيرِ، أَوْ عَلَى آثَارِ مُقَصِّرٍ لِيَحْذَرَ مِنْ مِثْلِهَا كُلُّ التَّحْذِيرِ. وَهَذَا حَرْفُ المَسْأَلَةِ فِي مَعْرِفَةِ السِّيَرِ لِمَنْ فَهِمَ (الْمَعْنَى) (٥) وخَبَرَ الْخَبَرَ". قَالَ: "وَلَمَّا كَانَ الغَالِبُ عَلَى التَّوَارِيخِ جَمْعَ الْغَثِّ وَالسَّمِينِ، وَالْوَاهِي

стр. 134

وَالْمَتِينِ، وَالتِّكرَارَ الْخَالِيَ عَنِ الفَوَائِدِ وَالْفَرَائِدِ الَّتِي يَعْجِزُ عَن جَمْعِهَا أَلْفُ رَائِدٍ، اسْتَخَرْتُ اللهَ … " إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ (١). وَقَالَ الْمُحْيَوِيُّ أَبُو زَكرِيَّا يَحْيَى بْنُ شَرَفٍ النَّوَوِيُّ فِي أَوَّلِ "طَبَقَاتُ الفُقَهَاءِ" (٢) الَّتِي بَيَّضَهَا مِنْ كِتَابِ ابْنِ الصَّلَاحِ، وَهِيَ عَلَى الْحُرُوفِ: "إِنَّ مَعْرِفَةَ الْإِنْسَانِ بِأَحْوَالِ الْعُلَمَاءِ رِفْعَةٌ وَزينٌ، وَإِنَّ جَهْلَ طَلَبَةِ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ بِهِمْ لَوَصْمَةٌ وَشَيْنٌ، وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْأَيْقَاظُ أَنَّ الْعِلْمَ بِذَلِكَ جَمُّ الْمَصَالِحِ وَالْمَرَاشِدِ، وَأَنَّ الْجَهْلَ بِهَا إِحْدَى جَوَالِبِ الْمَنَاقِصِ وَالمَفَاسِدِ؛ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُمْ حَفَظَةَ الدِّينِ الَّذِي هُوَ أُسُّ السَّعَادَةِ البَاقِيَةِ، وَنَقَلَةَ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ الْمِرْقَاةُ إِلَى الرُّتَبِ الْعَالِيةِ، فَكَمَالُ أَحَدِهِمْ (يُكْسِبُ مَؤَدَّاهُ) (٣) مِنَ الْعِلْمِ كَمَالًا، وَاخْتِلَالُهَا يُورِثُهُ خَلَلًا وَخَبَالًا، وَفِي الْمَعْرِفَةِ بِهِمْ مَعْرِفَةُ مَنْ هُوَ أَحْقُّ بِالاقْتِدَاءِ وَبِالاقْتِفَاءِ، وَالْجَاهِلُ بِهِمْ مِنْ مُقْتَبِسَةِ الْعِلْمِ مَسْؤُولٌ عَنْ حَالِهِمْ (٤) عِنْدَ اخْتِلَافِهِمْ مِنَ الغَثِّ وَالسَّمِينِ، غَيْرَ مُمَيَّزٍ بَيْنَ الرَّتَبِ وَالدَّرِينِ (٥).

стр. 135

وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ مُسْلِمٍ صَاحِبِ "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا يَجِبُ عَلَى مُبْتَغِي الْعِلْمِ وَطَالِبِيهِ أَنْ يَعْرِفَ مَقْدَارَ مَرَاتِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْعِلْمِ، وَرُجْحَانَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ بِالْخَوَاصِّ آصِرَةٌ ونَسَبٌ، وَهِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَصْلَةٌ إِلَى شَفَاعَتِهِمْ وَسَبَبٌ، وَلِأَنَّ الْعَالِمَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُقْتَبِسِ (١) عِلْمِهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ، بَلْ أَفْضَلُ، وَإِذَا كَانَ جَاهِلًا بِهِ فَهُوَ كَالْجَاهِلِ بِوَالِدِهِ (٢) بَلْ أَضَلُّ". وَلَعَمْرِي [إِنَّ] (٣) مَنْ يُسْأَلُ مِنَ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمُزَنِيِّ وَالْغَزَالِيِّ مَثَلًا، فَلَا يَهْتَدِي إِلَى بُعْدِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الزَّمَانِ وَالْمَنْزِلَةِ، لَمَنْسُوبٌ مِنَ الْقُصُورِ إِلَى مَا يَسُوؤُهُ، وَمِنَ النَّقْصِ إِلَى مَا يَهِيضُهُ. وَلَقَدْ قَامَ أَهْلُ الْحَدِيثِ فِي رُوَاتِهِ بِحَقِّ هَذَا الشَّأْنِ، فِيمَا أَوْدَعُوهُ فِي كُتُبِهِمْ فِي الْجَرْحِ (٤) وَالتَّعْدِيلِ، وَفِيمَا دَوَّنُوهُ (٥) فَي مُؤَلَّفَاتِهِم المَوْسُومَةِ بِالتَّوَارِيخِ (٦). وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَإِنَّهُمْ أَضَاعُوهُ، فَضَاعَ مَا اخْتُصُّوا (٧) بِإِدْرَاكِهِ مِنْ تَفَاوُتِ مَرَاتِبِ أَئِمَّتِهِمْ فِي التَّحْقِيقِ، وَاخْتِلَافِ خُصُوصِهِمْ (٨) مِنَ العِلْمِ بِتَوْفِيقٍ. وَلَمْ أَزَلْ مُنْذُ زَمَنِ الْحَدَاثَةِ ذَا عِنَايَةٍ بِهَذَا الشَّأْنِ، أَتَطَلَّبُهُ (٩) مِنْ مَظَانِّهِ وَغَيْرِ مَظَانِّهِ،

стр. 136

وَأَصِيدُ أَوَابِدَهُ، وَأُقَيِّدُ شَوَارِدَهُ، وَأُتْبِعُهُ بِمَا صَنَّفَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ فِي تَوَارِيخِ أُمَّهَاتِ الْأَمْصَارِ شَرْقًا وَغَرْبًا، الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى التَّعْرِيفِ بِخَوَاصِّ أَهْلِهَا وَوَارِدِيهَا، وَمِنْ مَعَاجِمَ كَثِيرَةٍ فِي أَسْمَاءِ شُيُوخِهِمْ، وَفَهَارِسَ وَتَوَارِيخَ (١) لَهُمْ قَلِيلَةٍ، وَمِنْ مُؤَلَّفَاتٍ فِي ذِكْرِ الفُقَهَاءِ [ألَّفَهَا] (٢) شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَهِيَ قَلِيلَةٌ، قَلِيلَةُ الْمَضْمُونِ وَالْمَحْصُولِ، غَيْرُ قَلِيلٍ مَا فِيهَا مِمَّا لَا يَصِحُّ أَوْ (لَا) (٣) يُوثَقُ بِهِ مِنَ الْمَنْقُولِ، وَمِمَّا عُنِيتُ بِهِ مِنْ مُصَنَّفَاتِ الْفِقْهِ الْمَبْسُوطَةِ، وَمِمَّا لَا أُحْصِيهِ مِنْ زَوَايَا وَخَبَايَا، وَبَقَايَا وَخَفَايَا" إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ. * * *

стр. 137

[زِيارَةُ الأَوْلِيَاءِ وتَرْجَمَتُهُمْ] (١) وَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْمَيُورَقِيُّ (٢) فِي "أَعْمَالُ الاحْتِمَالِ" (٣) وَأَظُنُّهُ اسْمَ كِتَابٍ مِنْ كُتُبٍ [فِي] (٤) التَّارِيخِ: " (وَلِيًّا لِلَّهِ) (٥) حُبًّا فِيهِ لِلَّه تَعَالَى كَانَ مَعَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي دَرَجَتِهِ، وَمَنْ طَالَعَ اسْمَهُ فِي التَّارِيخِ حُبًّا لَهُ كَانَ كَمَنْ زَارَهُ، وَمَنْ زَارَ وَلِيًّا لِلَّهِ غَفَرَ اللهُ لَهُ جَمِيعَ ذُنُوبِهِ، مَا لَمْ يُؤْذِهِ بِزِيَارَتِهِ، أَوْ يُؤْذِ بِسَبَبِ زِيَارَتِهِ لَهُ مُسْلِمًا فِي طَرِيقِ إِتْيَانِهِ، فَالْأَذَى مُبْطَلٌ". وَقَدْ قَالَ ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِهِ" (٦). وَ"المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" (٧). وَ"مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا حُشِرَ مَعَهُمْ" (٨).

стр. 138

وَرِّخْهُمْ تَحْظَ بَأَجْرٍ وَافِرٍ … إِذْ ذِكْرُهُمْ دِينٌ وَتَقْوَى وَاعْتِصَامُ الحُبُّ فِي المَوْلَى مُلَائِمُ سَعْدِنَا … وَالبُغْضُ فَيهِ مَحَكُّ أَحْكَامِ الأَنَامِ وَعَنْهُ أَيْضًا: "مَنْ وَرَّخَ مُؤْمِنًا فَكَأَنَّمَا أَحْيَاهُ، وَمَنْ قَرَأَ تَارِيخَهُ فَكَأَنَّمَا زَارَهُ، وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا، وَمَنْ زَارَ [وَلِيَّ] (١) اللهِ فَقَدِ اسْتَوْجَبَ رِضْوَانَ الله فِي خُرْفَةِ (٢) الجَنَّةِ، وَحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَهُ". وَعَنْهُ أَيْضًا: "ذِكْرُ الصَّالِحِينَ مِنَ الْأَمْوَاتِ رَحْمَةُ الْأَحْيَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمَوَدَّاتِ، وَيُرْجَى لِمَنْ وَرَّخَ جَمَاعَةً أَنْ يَشْفَعَ السَّعِيدُ مِنْهُمْ فِي الشَّقِيِّ". وَفِي الْخَبَرِ: "لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا نَوَى، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" (٣). وَفِي لَفْظٍ: "إِذَا ذُكِرَ اللهُ نَزَلَ الرِّضْوَانُ، وَإِذَا ذُكِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَزَلَتِ الْمَحَبَّةُ، (وَإِذَا ذُكِرَ الصَّالِحُونَ نَزَلَتِ الرَّحْمَةُ) (٤) وَهُمْ فِي السَّعَادَةِ جُلَسَاءُ مَنْ ذَكَرَهُمْ (وَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِهِ، وَالْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَلَهُ مَا نَوَى) (٥) " (٦).

стр. 139

وَقَالَ التَّاجُ أَبُو طَالِبٍ عَلِيُّ بْنُ أَنْجَبَ الْخَازِنُ (١): "أَرْوَحُ الْأَشْيَاءِ لِلْخَاطِرِ الْمَتْعُوبِ مُطَالَعَةً وَسَمَاعًا، وَأَنْفَى لِطَرْدِ الْهَمِّ الْمَجْلُوبِ فَائِدَةً وَانْتِفَاعًا، وَأَحْسَنُ الْأَسْمَارِ، وَأَطْيبُ (٢) الْأَخْبَارِ مَا حَصَلَ بِهِ مَوْعِظَةٌ وَاعْتِبَارٌ، وَهُوَ عِلْمُ التَّوَارِيخِ وَالأَخْبَارِ. وَمِنْهُ أَيْضًا يُعْلَمُ تَقَلُّبُ الدُّوَلِ وَسُرْعَةُ انْتِقَالِهَا، وَتَصَرُّمُ (٣) الْأَحْوَالِ بِانْقِضَائِهَا وَزَوَالِهَا". وَقَالَ فِي كِتَابِهِ "أَخْبَارُ الْوُزَرَاءِ فِي دُوَلِ (٤) الأَئِمَّةِ الخُلَفَاءِ" (٥): "أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ أَوْفَى مُصَنَّفَاتِ التَّوَارِيخِ فَائِدَةً، وَأَكْثَرَهَا عَائِدَةً، وَأَجَلَّهَا (٦) أَثَرًا، وَأَطْيَبَهَا خَبَرًا، وَأَحْسَنَهَا سَمَرًا، وَأَحْلَاهَا ثَمَرًا؛ لِأَنَّ فِيهَا مَا يَبْعَثُ عَلَى اجْتِلَابِ الْفَضَائِلِ، وَاجْتِنَابِ الرَّذَائِلِ (٧). وَفِي مَصَارِعِ الْأَعْيَانِ، وَمَنْ سَاعَدَهُ الزَّمَانُ وَمَلَكَ الْبَيَانَ (٨) اعْتِبَارًا لِمَنِ اعْتَبَرَ، وَتَجْرِبَةً لِمَنْ تَفَكَّرَ؛ إِذِ اللَّبِيبُ يَرَى مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ فَيَسْتَحْسِنُهَا، وَرَذَائِلَ الْأَفْعَالِ فَيَسْتَهْجِنُهَا، وَعَوَائِدَ الْخَيْرِ فَيَطْلُبُهَا، وَعَوَاقِبَ الشَّرِّ فَيَجْتَنِبُهَا.

стр. 140

وَمَازَالَ أَرْبَابُ الْهِمَمِ الْعَلِيَّةِ وَالنُّفُوسِ الْأَبِيَّةِ يَتَطَلَّعُونَ إِلَى مَحَاسِنِ الْأَخْبَارِ؛ لِيَجْعَلُوهَا لِقَاحًا لِأَفْهَامِهِمْ، وَصِقَالًا لِأَذْهَانِهِمْ، وَتَذْكِرَةً لِقُلُوبِهِمْ، وَرِيَاضَةً لِعُقُولِهِمْ. ثُمَّ إِنَّ تَأَمُّلَ ذَلِكَ يَبْعَثُ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالِاعْتِرَافِ بِوَحْدَانِيَّةِ الْبَارِئِ ﷻ إِذْ فِي تَدَبُّرِ مَجَارِي الْأَقْدَارِ، وَتَقَلُّبِ الْأَدْوَارِ، وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَتَوَالِي الْأُمَمِ وَتَعَاقُبِهَا، وَتَدَاوُلِ (١) الدُّوَلِ وَتَنَاوُبِهَا (٢) عِظَةٌ لِلْمُتَّعِظِينَ وَتَنْبِيهٌ لِلْغَافِلِينَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] وَلَو لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُعْتَبِرُ، مِنْ قِلَّةِ الثِّقَةِ بِالدُّنْيَا الْفَانِيَةِ، وَكَثْرَةِ الرَّغْبَةِ فِي الْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ، لَكَفَى مَا تَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ البَصِيرَةُ مِنْ جَمِيلِ الْأَفْعَالِ، وَتَحثُّ (٣) عَلِيهِ مِنْ مَصَالِحَ الأَعْمَالِ". وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الأَنْصَارِيُّ الْقَيْرَوَانِيُّ فِي "تَارِيخِهَا" (٤) "إِنَّهُ اقْتَصَرَ مِنْهُمْ عَلَى أَهْلِ العِلْمِ وَالدِّينِ وَعِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ؛ لِكَوْنِهِ (٥) أَلْيَقَ وَأَجْمَلَ، وَأَشْرَفَ وَأَكْمَلَ، وَأَسْبَقَ إِلَى الْأَجْرِ الْجَلِيلِ وَالثَّوَابِ الْحَفِيلِ؛ لِمَا فِي ذِكْرِهِمْ مِنَ اسْتِنْزَالِ الْبَرَكَاتِ الْجَمَّةِ، وَاسْتِجْلَابِ الْقُرَبِ الْمُلِمَّةِ (فَعِنْدَ ذِكْرِ الصَّالِحِينَ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ) (٦) ". وَقَالَ الْبَهَاءُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ الْجَنَدِيُّ مَا أَدْرَجْنَاهُ فِي

стр. 141

حِكَايَةِ كَلَامِ ابْنِ جَرِيرٍ الْمَاضِي (١). وَقَالَ العَلَمُ أَبُو مُحَمَّدٍ القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ البِرْزَالِيُّ (٢): "هُوَ مِنْ أَحْسَنِ الْعُلُومِ وَأَشْهَاهَا، وَأَجَلِّ الْفَوَائِدِ وَأَبْهَاهَا، وَأَكْمَلِ الْمُحَاضَرَاتِ وَأَزْهَاهَا؛ لِأَنَّهُ سَبِيلٌ إِلَى الاِعْتِبَارِ، وَمِنْهَاجٌ يُعِينُ عَلَى الاِسْتِبْصَارِ، وَتُحْفَةٌ تُرِيكَ مَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ عَيَانًا، وَنُزْهَةٌ تَشْرَحُ لِلْمُطَالِعِ فِيهِ قَلْبًا، وَتَبْسُطُ لَهُ لِسَانًا". وَقَالَ الْكَمَالُ جَعْفَر الأُدْفُوِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ "الطَّالِعُ السَّعِيدُ" (٣): "هُوَ فَنٌّ يُحْتَاجُ (٤) إِلَيْهِ، وَتُشَدُّ يَدُ (٥) الضَّنَانَةِ عَلَيْهِ؛ إِذْ بِهِ يَعْرِفُ (٦) الخَلَفُ أَحْوَالَ السَّلَفِ، وَيَتَمَيَّزُ (٧) مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ وَالتَّبْجِيلَ مِمَّنْ هُوَ أَهْوَنُ مِنَ النَّقِيرِ وَأَحْقَرُ مِنَ الْفَتِيلِ، وَمَنْ وُسِمَ مِنْهُمْ بِالْجَرْحِ أَوْ بِالتَّعْدِيلِ، وَمَا سَلَكُوهُ (٨) مِنَ الطَّرَائِقِ، وَاتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الْخَلَائِقِ، وَأَبْرَزُوهُ (٩) مِنَ الْحَقَائِقِ لِلْخَلَائِقِ. وَهُوَ أَيْضًا مِنْ أَقْوَى الْأَسْبَابِ فِي حِفْظِ الْأَنْسَابِ أَنْ تَنْسَابَ، وَقَدْ وَضَعَ فِيهِ السَّادَةُ الْحُفَّاظُ، وَالْأَئِمَّةُ الْعُلَمَاءُ الْأَيْقَاظُ، كُتُبًا تُكَاثِرُ نُجُومَ السَّمَاءِ، ثُمَّ مِنْهُمْ بِيَقِينٍ مَنْ رَتَّبَ عَلَى السِّنِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَتَّبَ عَلَى الْأَسْمَاءِ؛ لِيَكُونَ أَسْنَى وَأَسْمَى، ثُمَّ

стр. 142

مِنْهُمْ مَنْ خَصَّ بَعْضَ الْبِلَادِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَمَّ كُلَّ قُطْرٍ وَنَادٍ (١) ". وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَاعِدٍ ابْنُ الأكْفَانِيِّ، فِي "إِرْشَادُ الْقَاصِدِ إِلَى أَسْنَى الْمَقَاصِدِ" (٢) وَهُوَ كِتَابٌ نَفِيسٌ، مَا نَصُّهُ: "وَكُتُبُ التَّوَارِيخِ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي الاطِّلَاعِ عَلَى أَخْبَارِ الْمُلُوكِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْأَعْيَانِ، وَحَوَادِثِ الْحَدَثَانِ فِي الْمَاضِي مِنَ الزَّمَانِ، وَفِي ذَلِكَ تَرْوِيحٌ لِلْخَاطِرِ، وَعِبَرٌ لِأُولِي الْبَصَائِرِ. وَأَضْبَطُ التَّوَارِيخِ فِي زَمَانِنَا الَّذِي جَمَعَهُ ابْنُ الأَثِيرِ الْجَزَرِيُّ. وَقَد جُمِعَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ بَيْنَ عُيُونِ الْأَخْبَارِ، وَمُسْتَحْسَنَاتِ الْأَشْعَارِ، فَجَاءَتْ حَسَنَةَ التَّأْلِيفِ كـ "التَّذْكِرَةُ الْحَمْدُونِيَّةُ" (٣) وَ"رَيْحَانَةُ الْأَدَبِ" لِابْنِ سَعِيدٍ، وَ"العِقْدُ" لِابْنِ عَبْدِ رَبِّهِ، وَ"فَصْلُ الْخِطَابِ" لِلتِّيفَاشِيِّ (٤) [وَ"نَثْرُ الدُّرَرِ" لِلآبِيِّ (٥)] وَنَحْوِهَا". بَلْ رَأَيْتُ مَنْ نَقَلَ (٦) عَنْ ابْنِ الأَكْفَانِيِّ فِي كِتَابِهِ "الدُّرُّ النَّظِيمُ فِي العِلْمِ وَالتَّعْلِيمِ" مَا نَصُّهُ:

стр. 143

"وَكُتُبُ التَّوَارِيخِ يُنْتَفَعُ بِهَا لِلاِطِّلَاعِ عَلَى أَخْبَارِ الْعُلَمَاءِ وَالْعُقَلَاءِ وَوَقَائِعِهِمْ، وَحَوَادِثِ الْحَدَثَانِ، وَسِيَرِ النَّاسِ، وَمَا أَبْقَى الدَّهْرُ مِنْ فَضَائِلِهِمْ وَرَذَائِلِهِمْ، بَعْدَ أَنْ أَبَادَهُمْ". وسَمَّى (١) الْوَلِيُّ الشَّهِيرُ بِالْعَفِيفِ اليَافِعِيِّ تَارِيخَهُ الْمُرَتَّبِ عَلَى سِنِيِّ الْهِجْرَةِ: "مِرْآةُ الْجِنَانِ وَعِبْرَةُ (٢) اليَقْظَانِ فِي مَعْرِفَةِ (مَا يُعْتَبَرُ بِهِ مِنْ) (٣) حَوَادِثِ الزَّمَانِ وَتَقَلُّبِ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ، وَتَارِيخِ مَوْتِ بَعْضِ الْمَشْهُورِينَ الْأَعْيَانِ". وَأَنْشَدَ فِي أَوَّلِهِ (٤): أَيَا طَالبًا عِلْمَ التَوَارِيخِ لَمْ يُشَنْ (٥) … بِإِخْلَالِ تَفْرِيطِ وِإِمْلَالِ إِفْرَاطِ تَلَقَّ كِتَابًا قَدْ أَتَى مُتَوَسِّطًا … وَخَيْرُ أُمُورٍ حَلَّ مِنْهَا بَأَوْسَاطِ مُحَلَّى (٦) بأشعارٍ زَهَتْ ونَوادِرَ … وما لاقَ من إثباتِ ذِكرٍ وإِسْقَاطِ وَمِنْ دُرَرِ الأَلْفَاظِ غُرُّ مَعَانيَ … وَمِخْبَاتُ جَوْدَاتٍ (٧) نَقَاوَةِ لَقَّاطِ بِذَاكَ اعْتِبَارٌ وَاطِّلَاعُ مَطَالِعٍ … عَلَى عِلْمِ دَهْرٍ رَافِعِ الدَّهْرِ حَطَّاطِ وَتَصْرِيفِ أَيَّامٍ حَكِيمٍ مُدَاوِلٍ … لَهَا مُقْسِطٌ فِي خَلْقِهِ غَيْرُ قَسَّاطِ فَكَمْ فِي تَوَارِيخِ الوَقَائِعِ عِبْرةٌ … لِمُعتْبَرٍ خَاشِي العَوَاقِبِ مُحْتَاطِ فَتًى مِنْ صُرُوفِ الدَّهْرِ حَزْمٌ مُجَانِبٌ … تَعَاطِي أُمَورٍ مُعْطَيَاتٍ لِمُعْتَاطِ

стр. 144

قَنُوعٌ بِمَا فِيهِ الخَبِيرُ أَقَامَهُ … وَقدَّرَهُ رَاضِي القَضَا غَيْرُ مِسْخَاطِ أَجِرْ رَبِّ مِنْ كُلِّ البَلَايَا وَفِتْنَةٍ … بِدُنْيَا بِهَا كَمْ ذِي افْتِنَانٍ وَكَمْ خَاطِي وَكَمْ غَارِقٍ فِي بَحْرِهَا جَا لِشَطِّهِ … فَكَيْفَ بِمَنْ لِلْبَحْرِ قَدْ جَاوَزَ الشَّاطِي وَقَالَ الْبَدْرُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ فَرْحُونَ المَدَنِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي: "نَصِيحَةُ الْمُشَاوِرِ وَتَعْزِيَةُ الْمُجَاوِرِ" (١) الَّذِي رَدَّ فِيهِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وَضْعَ حَجَرٍ أَوْ نَحْوَهُ بِالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، عَلَمًا لِمَجْلِسِ حَاكِمٍ أَوْ مُفْتٍ أَوْ عَالِمٍ، وَاسْتَطْرَدَ فِيهِ لِذِكْرِ جَمَاعَةٍ مِنْ مُعَاصِرِيهِ وَشَيْءٍ مِنْ كَرَامَاتِهِمْ؛ لِيَحْيَى بِهَا ذِكْرُهُمْ، وَيَنْتَشِرَ (٢) بِسَبَبِهَا عِلْمِهُمْ، وَأَلْحَقَ بِذَلِكَ أَشْيَاءَ حَسَنَةً مِنْ تَوَارِيخَ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الثِّقَاتِ، وَقَالَ: "إِنَّهُ يَرْتَاحُ إِلَيْهَا مَنْ سَمِعَ بِهَا، وَلَم يَقِفْ عَلَى صِحَّةِ نَقْلِهَا فَيَجِدَهَا هُنَا، وَعَسَى أَنْ يَقِفَ عَلَى ذَلِكَ مُنْصِفٌ فَيَتَّصِفَ بِأَخْلَاقِهِمُ السَّنِيَّةِ، وَيَتَأَدَّبَ بِآدَابِهِمُ الْعَلِيَّةِ". وَقَالَ: " (إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ عَظَّمَ لِلْعُلَمَاءِ الأَجْرَ (٣) بِمَنْ تَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ مِنْ جَهَلَةِ النَّاسِ، سِيَّمَا مَنْ يَزْعُمُ فِي نَفْسِهِ الارْتِقَاءَ فِي دَفْعِ الإِلْبَاسِ مَعَ تَخَلُّفِهِ عَنْ هَذِهِ المَرْتَبَةِ) (٤) وَللهِ دَرُّ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ قَالَ: لَا خَيْرَ فِيمَنْ يَرَى نَفْسَهُ بِحَالَةٍ لَا يَرَاهُ (٥) النَّاسُ لَهَا أَهْلًا، وَمَا جَلَسْتُ بِالْمَسْجِدِ حَتَّى شَهِدَ لِي سَبْعُونَ شَيْخًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّأَهُّلِ. ﵀ وَإِيَّانَا".

стр. 145

وَقَالَ الحَافِظُ (الْمُحْيَوِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ) (١) عَبْدُ الْقَادِرِ الْقُرَشِيُّ الْحَنَفِيُّ فِي "طَبَقَاتِهِمْ" (٢): "إِنَّ فِي ذِكْرِ تَرَاجِمِ الْعُلَمَاءِ، مِنْ أَحَوْالِهِمْ وَمَنَاقِبِهِمْ، وَأَعْصَارِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ، فَوَائِدَ نَفِيسَةً وَمُهَمَّاتٍ جَلِيلَةً، مِنْهَا: طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ. فَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ (٣) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]: هُوَ ذِكْرُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ . وَكَيْفَ لَا وَهُمْ مُشَرَّفُونَ بِأُمُورٍ أَعْظَمُهَا رُؤْيَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَحُسْنُ اتِّبَاعِهِمْ لَهُ وَاكْتِسَابُهُمُ الْعِلْمِ. وَمِنْهَا: التَّأَدُّبُ بِآدَابِهِمْ وَالاِقْتِبَاسِ مِنْ مَحَاسِنِ آثَارِهِمْ. وَمِنْهَا: إِنْزَالُ كُلٍّ مِنْهُمْ مَنْزِلَتَهُ، فَلَا يُقَصَّرُ بِالْعَالِي فِي الْجَلَالَةِ عَنْ دَرَجَتِهِ، وَلَا يُرْفَعُ غَيْرُهُ عَنْ مَرْتَبَتِهِ، فَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ. وَأَشَارَ ﷺ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى" (٤). وَمِنْهَا: التَّرْجِيحُ عِنْدَ المُعَارَضَةِ بِالأَعْلَمِ (٥) والأَوْرَعِ. وَمِنْهَا: بَيَانُ مَا لَهُمْ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ وَتَمْيِيزُ الْمُنْتَفَعِ بِهِ مِنْهَا. وَمِنْهَا: زَوَالُ الْوَسْمِ لَهُ بِجِهَالَتِهِمْ، وَالتَّعَرُّضُ مِنْ غَيْرِهِ لاِسْتِجْهَالِهِمْ" انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَدْ قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: "عِنْدَ ذِكْرِ الصَّالِحِينَ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ" (٦). * * *
следующие страницы →