← История

История · id 34

الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التوريخ ت الظفيري

السخاوي

Полный текст (574 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

حِكَايَةِ كَلَامِ ابْنِ جَرِيرٍ الْمَاضِي (١). وَقَالَ العَلَمُ أَبُو مُحَمَّدٍ القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ البِرْزَالِيُّ (٢): "هُوَ مِنْ أَحْسَنِ الْعُلُومِ وَأَشْهَاهَا، وَأَجَلِّ الْفَوَائِدِ وَأَبْهَاهَا، وَأَكْمَلِ الْمُحَاضَرَاتِ وَأَزْهَاهَا؛ لِأَنَّهُ سَبِيلٌ إِلَى الاِعْتِبَارِ، وَمِنْهَاجٌ يُعِينُ عَلَى الاِسْتِبْصَارِ، وَتُحْفَةٌ تُرِيكَ مَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ عَيَانًا، وَنُزْهَةٌ تَشْرَحُ لِلْمُطَالِعِ فِيهِ قَلْبًا، وَتَبْسُطُ لَهُ لِسَانًا". وَقَالَ الْكَمَالُ جَعْفَر الأُدْفُوِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ "الطَّالِعُ السَّعِيدُ" (٣): "هُوَ فَنٌّ يُحْتَاجُ (٤) إِلَيْهِ، وَتُشَدُّ يَدُ (٥) الضَّنَانَةِ عَلَيْهِ؛ إِذْ بِهِ يَعْرِفُ (٦) الخَلَفُ أَحْوَالَ السَّلَفِ، وَيَتَمَيَّزُ (٧) مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ وَالتَّبْجِيلَ مِمَّنْ هُوَ أَهْوَنُ مِنَ النَّقِيرِ وَأَحْقَرُ مِنَ الْفَتِيلِ، وَمَنْ وُسِمَ مِنْهُمْ بِالْجَرْحِ أَوْ بِالتَّعْدِيلِ، وَمَا سَلَكُوهُ (٨) مِنَ الطَّرَائِقِ، وَاتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الْخَلَائِقِ، وَأَبْرَزُوهُ (٩) مِنَ الْحَقَائِقِ لِلْخَلَائِقِ. وَهُوَ أَيْضًا مِنْ أَقْوَى الْأَسْبَابِ فِي حِفْظِ الْأَنْسَابِ أَنْ تَنْسَابَ، وَقَدْ وَضَعَ فِيهِ السَّادَةُ الْحُفَّاظُ، وَالْأَئِمَّةُ الْعُلَمَاءُ الْأَيْقَاظُ، كُتُبًا تُكَاثِرُ نُجُومَ السَّمَاءِ، ثُمَّ مِنْهُمْ بِيَقِينٍ مَنْ رَتَّبَ عَلَى السِّنِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَتَّبَ عَلَى الْأَسْمَاءِ؛ لِيَكُونَ أَسْنَى وَأَسْمَى، ثُمَّ

стр. 142

مِنْهُمْ مَنْ خَصَّ بَعْضَ الْبِلَادِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَمَّ كُلَّ قُطْرٍ وَنَادٍ (١) ". وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَاعِدٍ ابْنُ الأكْفَانِيِّ، فِي "إِرْشَادُ الْقَاصِدِ إِلَى أَسْنَى الْمَقَاصِدِ" (٢) وَهُوَ كِتَابٌ نَفِيسٌ، مَا نَصُّهُ: "وَكُتُبُ التَّوَارِيخِ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي الاطِّلَاعِ عَلَى أَخْبَارِ الْمُلُوكِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْأَعْيَانِ، وَحَوَادِثِ الْحَدَثَانِ فِي الْمَاضِي مِنَ الزَّمَانِ، وَفِي ذَلِكَ تَرْوِيحٌ لِلْخَاطِرِ، وَعِبَرٌ لِأُولِي الْبَصَائِرِ. وَأَضْبَطُ التَّوَارِيخِ فِي زَمَانِنَا الَّذِي جَمَعَهُ ابْنُ الأَثِيرِ الْجَزَرِيُّ. وَقَد جُمِعَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ بَيْنَ عُيُونِ الْأَخْبَارِ، وَمُسْتَحْسَنَاتِ الْأَشْعَارِ، فَجَاءَتْ حَسَنَةَ التَّأْلِيفِ كـ "التَّذْكِرَةُ الْحَمْدُونِيَّةُ" (٣) وَ"رَيْحَانَةُ الْأَدَبِ" لِابْنِ سَعِيدٍ، وَ"العِقْدُ" لِابْنِ عَبْدِ رَبِّهِ، وَ"فَصْلُ الْخِطَابِ" لِلتِّيفَاشِيِّ (٤) [وَ"نَثْرُ الدُّرَرِ" لِلآبِيِّ (٥)] وَنَحْوِهَا". بَلْ رَأَيْتُ مَنْ نَقَلَ (٦) عَنْ ابْنِ الأَكْفَانِيِّ فِي كِتَابِهِ "الدُّرُّ النَّظِيمُ فِي العِلْمِ وَالتَّعْلِيمِ" مَا نَصُّهُ:

стр. 143

"وَكُتُبُ التَّوَارِيخِ يُنْتَفَعُ بِهَا لِلاِطِّلَاعِ عَلَى أَخْبَارِ الْعُلَمَاءِ وَالْعُقَلَاءِ وَوَقَائِعِهِمْ، وَحَوَادِثِ الْحَدَثَانِ، وَسِيَرِ النَّاسِ، وَمَا أَبْقَى الدَّهْرُ مِنْ فَضَائِلِهِمْ وَرَذَائِلِهِمْ، بَعْدَ أَنْ أَبَادَهُمْ". وسَمَّى (١) الْوَلِيُّ الشَّهِيرُ بِالْعَفِيفِ اليَافِعِيِّ تَارِيخَهُ الْمُرَتَّبِ عَلَى سِنِيِّ الْهِجْرَةِ: "مِرْآةُ الْجِنَانِ وَعِبْرَةُ (٢) اليَقْظَانِ فِي مَعْرِفَةِ (مَا يُعْتَبَرُ بِهِ مِنْ) (٣) حَوَادِثِ الزَّمَانِ وَتَقَلُّبِ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ، وَتَارِيخِ مَوْتِ بَعْضِ الْمَشْهُورِينَ الْأَعْيَانِ". وَأَنْشَدَ فِي أَوَّلِهِ (٤): أَيَا طَالبًا عِلْمَ التَوَارِيخِ لَمْ يُشَنْ (٥) … بِإِخْلَالِ تَفْرِيطِ وِإِمْلَالِ إِفْرَاطِ تَلَقَّ كِتَابًا قَدْ أَتَى مُتَوَسِّطًا … وَخَيْرُ أُمُورٍ حَلَّ مِنْهَا بَأَوْسَاطِ مُحَلَّى (٦) بأشعارٍ زَهَتْ ونَوادِرَ … وما لاقَ من إثباتِ ذِكرٍ وإِسْقَاطِ وَمِنْ دُرَرِ الأَلْفَاظِ غُرُّ مَعَانيَ … وَمِخْبَاتُ جَوْدَاتٍ (٧) نَقَاوَةِ لَقَّاطِ بِذَاكَ اعْتِبَارٌ وَاطِّلَاعُ مَطَالِعٍ … عَلَى عِلْمِ دَهْرٍ رَافِعِ الدَّهْرِ حَطَّاطِ وَتَصْرِيفِ أَيَّامٍ حَكِيمٍ مُدَاوِلٍ … لَهَا مُقْسِطٌ فِي خَلْقِهِ غَيْرُ قَسَّاطِ فَكَمْ فِي تَوَارِيخِ الوَقَائِعِ عِبْرةٌ … لِمُعتْبَرٍ خَاشِي العَوَاقِبِ مُحْتَاطِ فَتًى مِنْ صُرُوفِ الدَّهْرِ حَزْمٌ مُجَانِبٌ … تَعَاطِي أُمَورٍ مُعْطَيَاتٍ لِمُعْتَاطِ

стр. 144

قَنُوعٌ بِمَا فِيهِ الخَبِيرُ أَقَامَهُ … وَقدَّرَهُ رَاضِي القَضَا غَيْرُ مِسْخَاطِ أَجِرْ رَبِّ مِنْ كُلِّ البَلَايَا وَفِتْنَةٍ … بِدُنْيَا بِهَا كَمْ ذِي افْتِنَانٍ وَكَمْ خَاطِي وَكَمْ غَارِقٍ فِي بَحْرِهَا جَا لِشَطِّهِ … فَكَيْفَ بِمَنْ لِلْبَحْرِ قَدْ جَاوَزَ الشَّاطِي وَقَالَ الْبَدْرُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ فَرْحُونَ المَدَنِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي: "نَصِيحَةُ الْمُشَاوِرِ وَتَعْزِيَةُ الْمُجَاوِرِ" (١) الَّذِي رَدَّ فِيهِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وَضْعَ حَجَرٍ أَوْ نَحْوَهُ بِالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، عَلَمًا لِمَجْلِسِ حَاكِمٍ أَوْ مُفْتٍ أَوْ عَالِمٍ، وَاسْتَطْرَدَ فِيهِ لِذِكْرِ جَمَاعَةٍ مِنْ مُعَاصِرِيهِ وَشَيْءٍ مِنْ كَرَامَاتِهِمْ؛ لِيَحْيَى بِهَا ذِكْرُهُمْ، وَيَنْتَشِرَ (٢) بِسَبَبِهَا عِلْمِهُمْ، وَأَلْحَقَ بِذَلِكَ أَشْيَاءَ حَسَنَةً مِنْ تَوَارِيخَ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الثِّقَاتِ، وَقَالَ: "إِنَّهُ يَرْتَاحُ إِلَيْهَا مَنْ سَمِعَ بِهَا، وَلَم يَقِفْ عَلَى صِحَّةِ نَقْلِهَا فَيَجِدَهَا هُنَا، وَعَسَى أَنْ يَقِفَ عَلَى ذَلِكَ مُنْصِفٌ فَيَتَّصِفَ بِأَخْلَاقِهِمُ السَّنِيَّةِ، وَيَتَأَدَّبَ بِآدَابِهِمُ الْعَلِيَّةِ". وَقَالَ: " (إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ عَظَّمَ لِلْعُلَمَاءِ الأَجْرَ (٣) بِمَنْ تَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ مِنْ جَهَلَةِ النَّاسِ، سِيَّمَا مَنْ يَزْعُمُ فِي نَفْسِهِ الارْتِقَاءَ فِي دَفْعِ الإِلْبَاسِ مَعَ تَخَلُّفِهِ عَنْ هَذِهِ المَرْتَبَةِ) (٤) وَللهِ دَرُّ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ قَالَ: لَا خَيْرَ فِيمَنْ يَرَى نَفْسَهُ بِحَالَةٍ لَا يَرَاهُ (٥) النَّاسُ لَهَا أَهْلًا، وَمَا جَلَسْتُ بِالْمَسْجِدِ حَتَّى شَهِدَ لِي سَبْعُونَ شَيْخًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّأَهُّلِ. ﵀ وَإِيَّانَا".

стр. 145

وَقَالَ الحَافِظُ (الْمُحْيَوِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ) (١) عَبْدُ الْقَادِرِ الْقُرَشِيُّ الْحَنَفِيُّ فِي "طَبَقَاتِهِمْ" (٢): "إِنَّ فِي ذِكْرِ تَرَاجِمِ الْعُلَمَاءِ، مِنْ أَحَوْالِهِمْ وَمَنَاقِبِهِمْ، وَأَعْصَارِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ، فَوَائِدَ نَفِيسَةً وَمُهَمَّاتٍ جَلِيلَةً، مِنْهَا: طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ. فَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ (٣) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]: هُوَ ذِكْرُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ . وَكَيْفَ لَا وَهُمْ مُشَرَّفُونَ بِأُمُورٍ أَعْظَمُهَا رُؤْيَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَحُسْنُ اتِّبَاعِهِمْ لَهُ وَاكْتِسَابُهُمُ الْعِلْمِ. وَمِنْهَا: التَّأَدُّبُ بِآدَابِهِمْ وَالاِقْتِبَاسِ مِنْ مَحَاسِنِ آثَارِهِمْ. وَمِنْهَا: إِنْزَالُ كُلٍّ مِنْهُمْ مَنْزِلَتَهُ، فَلَا يُقَصَّرُ بِالْعَالِي فِي الْجَلَالَةِ عَنْ دَرَجَتِهِ، وَلَا يُرْفَعُ غَيْرُهُ عَنْ مَرْتَبَتِهِ، فَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ. وَأَشَارَ ﷺ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى" (٤). وَمِنْهَا: التَّرْجِيحُ عِنْدَ المُعَارَضَةِ بِالأَعْلَمِ (٥) والأَوْرَعِ. وَمِنْهَا: بَيَانُ مَا لَهُمْ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ وَتَمْيِيزُ الْمُنْتَفَعِ بِهِ مِنْهَا. وَمِنْهَا: زَوَالُ الْوَسْمِ لَهُ بِجِهَالَتِهِمْ، وَالتَّعَرُّضُ مِنْ غَيْرِهِ لاِسْتِجْهَالِهِمْ" انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَدْ قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: "عِنْدَ ذِكْرِ الصَّالِحِينَ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ" (٦). * * *

стр. 146

[مَطْلَبٌ في الحِكَايَاتِ] (١) وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ [رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى] (٢): "الحِكَايَاتُ عَنِ العُلَمَاءِ وَمَحَاسِنِهِمْ أَحَبُّ إِليَّ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الفِقْهِ؛ لِأَنَّهَا آدَابُ القَوْمِ" (٣). وَأَمَّا (مَا) (٤) لَعَلَّهُ يُذْكَرُ مِنْ مِحَنِ مُمْتَحَنِهِمْ، فَفِيهِ مَسْلَاةٌ لِلْمُمْتَحَنِينَ، وَأَدِلَّةٌ عَلَى ثَبَاتِ قَدَمِهِمْ فِي الصَّالِحِينِ، وَكَذَا مَا يُذْكَرُ مِنْ بُلْدَانِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ. وَقَالَ الْبُرْهَانُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ فَرْحُونَ -ابْنُ أَخِي الْمَاضِي- فِي خُطْبَةِ "طَبَقَاتُ الْمَالِكِيَّةِ" (٥) لَهُ: "شَرَفُ العِلْمِ لِهَذَا العِلْمِ (٦) مَعْلُومٌ، وَالْجَهْلُ بهِ مَذْمُومٌ، وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا قِيلَ فِيهِ: (عِلْمٌ لَا يَنْفَعُ، وَجَهَالَةٌ لَا تَضُرُّ) فَإِنَّ ذَلِكَ مَقُوَلٌ فِي عِلْمِ الْأَنْسَابِ، وَهُوَ فَنٌّ غَيْرُ هَذَا" انْتَهَى. بَلْ الأنْسَابُ مِمَّا يَجِبُ الِاهْتِمَامُ بِهِ، وَفَوَائِدُهُ كَثِيرَةٌ قَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (٧) وَأَوْدَعَ الشِّهَابُ الْقَلْقَشَنْدِيُّ فِي كِتَابِهِ فِيهِ مِنْهَا الْكَثِيرَ (٨).

стр. 147

وَقَالَ الوَلَّوِيُّ (١) ابْنُ خَلْدُونَ المَالِكِيُّ فِي "تَارِيخِهِ": .... (٢). وَقَالَ الْمُوفَّقُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْخَزْرَجِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ "تَارِيخُ اليَمَنِ" (٣) مَا نَصُّهُ: "حَدَانِي عَلَى جَمْعِهِ مَا رَأَيْتُ مِنْ إِهْمَالِ (٤) النَّاسِ لِفَنِّ التَّارِيخِ، مَعَ شِدَّةِ احْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ، وَتَعْوِيلِهِمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ عَلَيْهِ، وَلِمَا يَنْدَرِجُ فِي ضِمْنِهِ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالْآدَابِ، وَتَفْصِيلِ شَوَابِكِ (٥) الْأَرْحَامِ وَالْأَنْسَابِ". قَالَ: "وَلَوْلَا مَعْرِفَةُ التَّارِيخِ مَا اتَّصَلَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَفِ بِشَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِ السَّلَفِ، وَلَا عُرِفَ فَاضِلٌ مِنْ مَفْضُولٍ، وَلَا امْتَازَ مَعْرُوفٌ عَنْ مَجْهُولٍ". وَقَالَ الشَّمْسُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ الْمِصْرِيُّ (٦) المَالِكِيُّ: "لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ فَوَائِدِهِ إِلَّا رُؤْيَةُ الْحِكَايَاتِ السَّالِفَةِ، وَالرِّوَايَاتِ الْمُتَرَادِفَةِ؛ فَإِنَّ فِيهَا مَا يُسَلِّي الْوَجْدَ مِنْ سُوءِ هَذَا الزَّمَنِ الْأَلِيمِ، وَيُعْلَمُ مِنْهَا أَنَّ مِصْرَاعَ الْهَمِّ قَدِيمٌ" (٧).

стр. 148

[حِكَايَةٌ مُفِيدَةٌ] (١) فَحَكَى الأُسْتَاذُ أَبُو عَبْدِ اللهِ ابْنُ الأَبَّارِ -أَدِيبُ الْأَنْدَلُسِ- فِي "التُّحْفَةُ" (٢): "أَنَّ الْأَمِيرَ تَمِيمَ بْنَ يُوسُفَ بْنِ تَاشِفِينَ (٣) خَرَجَ غَازِيًا فِي جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ مَيْمُونٌ الْهَوَّارِيُّ أَحَدُ فُقَهَاءِ قُرْطُبَةَ وَنُبَهَائِهَا، وَالْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ابْنُ رُشْدٍ (٤) -وَكَانَ مَدَارُ أَمْرِهِمْ عَلَيْهِ، وَمَصْرَفُ حُكْمِهِمْ إِلَيْهِ- فَنَزَلُوا بِظَاهِرِ مُرْسِيَةَ (٥) فَلَقِيَهُمْ أَبُو مُحَمَّدِ ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ هُنَالِكَ، وَدَارَ بَيْنَهُمْ فِي مُجْتَمَعِهِمْ مَا أَفْضَى إِلَى التَّفْضِيلِ بَيْنَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وَ (الْحَمْدُ لِلهِ) فَغَلَّبَ أَبُو الْوَلِيدِ (الهَيْلَلَةَ) وَأَبُو مُحَمَّدٍ (الْحَمْدَلَةَ) (٦) فَقَالَ مَيْمُونٌ يُخَاطِبُهُ زَارِيًا عَلَيْهِ وَكَتَبَ بِهِ إِلَيْهِ: أَعِدْ نَظَرًا فِيمَا كَتَبْتَ وَلَا تَكُنْ … بِغَيْر سِهَامٍ لِلنِّضَالِ مُسَارِعَا فَدُونَكَ تَسْلِيمَ العُلُومِ لِأَهْلِهَا … وَحَسْبُكَ مِنْهَا أَنْ تَكُونَ مُتَابِعَا أَخِلْتَ ابْنَ رُشْدٍ كَالذِينَ عَهِدْتَهُمْ … وَمَنْ دُونَهُ تَلْقَى الهِزَبْرَ المُدَافِعَا (٧)

стр. 149

فَأَجَابَهُ أَبُو جَعْفَرِ ابْنُ وَضَّاحٍ (١) مُنْتَصِرًا لِأَبِي مُحَمَّدٍ وَعَلَى لِسَانِهِ: رُوَيْدَكَ (٢) ما نَبَّهْتَ مِنِّي نائمًا … وَدُونَكَ فَاسْمَعْهَا إِذَا كُنْتَ سَامِعَا فَلَو سَلِمَتْ تِلْكَ العُلُومُ لِأَهْلِهَا … لَمَا كُنْتَ فِيمَا تَدَّعِيهِ مُنَازِعَا وَلَوْ ضَمَّنَا عِنْدَ التّنَاظُرِ (٣) مَجْلِسٌ … سَقَيْنَاكَ فِيهِ السُّمَّ لَكِنَّ (٤) نَاقِعَا وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَمَّارٍ هَذَا أَيْضًا فِي مَحَلٍّ غَيْرِ مَا نَحْنُ فِيهِ (وَلَكِنَّنِي أَرَدْتُ بِحِكَايَتِهِ تَمَامَ الاِسْتِشْهَادِ بِهِ لِلتَّسَلِّي، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ) (٥): "وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعِلْمَ قَدْ شَرَكَ فِيهِ غَيْرُ أَهْلِهِ قَدِيمًا، وَلَا أُرِيدُ بِالشَّرِكَةِ أَنَّهُمْ دَاخَلُوا الْعُلَمَاءَ بِالْحِرْصِ عَلَى الْجِدِّ فِي الطَّلَبِ لِلعِلْمِ حَتَّى يَنَالُوا مَرْتَبَتَهُمُ الْعَلِيَّةَ، وَإِنَّمَا شَرَكُوهُمْ بِسَيْفِ الْجَاهِ وَحَيْفِ الْمَالِ فِي مَرَاتِبِهِمُ الْمُسْتَحَقَّةِ لَهُمْ شَرْعًا وَقَهْرًا وَغَلَبَةً، وَالتَّلَبُّسِ بِخِرْقَةِ طَيْلَسَانِهِمْ وَعَذَبَتِهِمْ، وَإِذَا كُشِفَ الْغِطَاءُ عَنْهُمْ بِعَيْنِ الْحَقِّ وَالنُّورِ تَجِدُهُمْ تَشَبَّعُوا (٦) بِمَا لَمْ يُعْطَوا، وَلَبِسُوا ثَوْبَيْ بُهْتَانٍ وَزُورٍ، وَانْقَلَبُوا هُزْأَةً لِلسَّاخِرِينَ وَضُحْكَةً لِلنَّاظِرِينَ (٧) بَلْ صَارُوا تَارِيخًا يُعَادُ بِذِكْرِهِ وَيُبْدَأُ، وَيُرَادُ التَّنْوِيهُ بِهِ فِي دَفْعِ الْأَعْدَاءِ".

стр. 150

[قِصَّةُ سِيبَوَيْهِ مَعَ الكِسَائِيِّ] (١) قَالَ (٢): "وَقَدْ غُبِنَ النَّاسُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَمَاتُوا حَقِيقَةً، وَإِنْ كَانُوا بِالعِلْمِ أَحْيَاءً تَصْنِيفًا وَتَحْدِيثًا (٣). فَسِيْبَوَيْهِ الَّذِي هُوَ إِمَامُ النَّحْوِ، وَأَخَذَهُ عَنِ الْعَرَبِ شِفَاهًا، وَالْفَائِقُ فِي تَعْبِيرِهِ عَنِ العُلُومِ الَّتِي حَقَّقَهَا وَاصْطَفَاهَا، قَدْ قَتَلَهُ الْغَبْنُ، وَخَصَمَهُ الْمُنَاظِرُ لَهُ الْكِسَائِيُّ لَمَّا أَحْضَرَهُ الْبَرَامِكَةُ مَعَهُ، وَسَأْلَهُ عَنْ مَسْأَلَةِ الزُّنْبُورِ (٤) وَأَجَابَ سِيبَوَيْهِ بِالصَّوَابِ فِيهَا وَمَا تَقْتَضِيهِ طَبِيعَةُ الْعَرَبِ وَأَلْسِنَتُهُمْ، وَالْكِسَائِيُّ يَأْبَاهُ مُغَالَبَةً بِسَيْفِ التَّجَوُّهِ وَالْمَنْزِلَةِ عِنْدَ الرَّشِيدِ، حَتَّى أَحْضَرُوا الْعَرَبَ لِتُصَوِّبَ (٥) أَحْدَهُمَا، فَوَافَقَتِ الكِسَائِيَّ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ قَوْلُ الكِسَائِيِّ؛ لِمَنْزِلِهِ، أَوْ لِكَوْنِهِمْ فِيمَا قِيلَ أُرْشُوا عَلَى ذَلِكَ، مَعَ كَوْنِهِمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ النُّطْقَ بِهِ، وَسِيبَوَيْهِ يَقُولُ لِيَحْيَى بْنِ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيِّ: مُرْهُمْ أَنْ يَنْطِقُوا بِذَلِكَ؛ فَإِنَّ أَلْسِنَتَهُمْ لَا تَنْهَضُ بِهِ. فَمَا وَسِعَ سِيبَوَيْهِ إِلَّا أَنْ خَرَجَ مِنَ البَصْرَةِ قَهْرًا وَغَبْنًا [إِلَى فَارِسَ] (٦) وَأَقَامَ بِهَا حَتَّى مَات.

стр. 151

وَقَدْ ضَمَّنَ (ابْنُ) حَازِمٍ الْأَنْدَلُسِيُّ (١) الْوَاقِعَةَ، مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى المَسْأَلَةِ، مَنْظُومَتَهُ النَّحْوَيَّةَ، فَقَالَ. وَسَاقَ الْأَبْيَاتَ (٢). وَمِمَّنْ مَاتَ بأَخَرَةٍ غَبْنًا (الإِمَامُ) (٣) الْجَمَالُ ابْنُ مَالِكٍ، رَاوِيَةُ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ نَحْوًا وَلُغَةً، فَإِنَّه مَعَ أَوْصَافِهِ الْجَلِيلَةِ، وَكَوْنِهِ كَانَ عَلَى جَانِبٍ عَظِيمٍ مِنَ الاحْتِيَاجِ وَضِيقِ الْوَقْتِ، عُورِضَ فِيمَا اسْتَقَرَّ فِيهِ مِنْ خَطَابَةٍ بِبَعْضِ قُرَى دِمَشْقَ مِنْ بَعْضِ جَهَلَتِهَا، وَانْتُزِعَتُ مِنْهُ لَهُ، فَكَادَ أَنْ يَمُوتَ، سِيَّمَا وَقَدْ حَضَرَ الْجُمْعَةَ وَسَأَلَ الْجَاهِلَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ عَنْ مَخْرَجِ الْأَلِفِ، فَتَحَيَّرَ وَظَنَّ أَنَّهُ كَلَّمَهُ بِالْعَجَمِيَّةِ، ثُمَّ عَدَّدَ لَهُ حُرُوفَ الهِجَاءِ مُبْتَدِئًا بِالْأَلِفِ وَسَرَدَهَا، فَصَاحَ الْعَامَّةُ الَّذِينَ تَعَصَّبُوا لِهَذَا الْجَاهِلِ سُرُورًا؛ لِكَوْنِهِ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَ بِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ! وَمَا وَجَدَ الْجَمَالُ نَاصِرًا، بَلِ اسْتَكَانَ، وَمَاتَ بَعْدَ أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ". وَأَطَالَ ابْنُ عَمَّارٍ فِي حِكَايَةِ (٤) هَذَا وَأَشْبَاهِهِ وَقَالَ: " (إِنَّ) (٥) ابْنَ الرِّفْعَةِ (٦) مَعَ جَلَالَتِهِ لَمْ يَصِلْ لِمَنْصِبِ الْإِعَادَةِ، فَضْلًا عَنِ التَّدْرِيسِ

стр. 152

الَّذِي ارْتَقَى إِلَيْهِ الْجُهَّالُ بِالْمَالِ، أَوْ بِالاخْتِلَاطِ بِالْمُتَجَوِّهِينَ (١) الْأَنْذَالِ، وَكَانَ غَايَةُ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ (٢) بِالْقَاهِرَةِ وَالإِسْكِنْدِرِيَّةِ عِنْدَ عَوْدِهِ مِنْ دِمَشْقَ أَنْ عَمَلُوهُ شَاهِدًا، مَعَ قَوْلِ ابْنِ خَلِّكَانَ فِي "تَارِيخِهِ" (٣) أَنَّهُ: "جَاءَنِي مِرَارًا بِسَبَبِ أَدَاءِ شَهَادَاتٍ، وَسأَلْتُهُ عَنْ أَمَاكِنَ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ مُشْكِلَةٍ، فَأَجَابَ عَنْهَا وَأَبْلَغَ، مَعَ سُكُونٍ كَثِيرٍ وَتَثَبُّتٍ تَامٍّ". وَسَرَدَ (٤) شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِمَّا كُلُّهُ لَيْسَ مِنْ غَرَضِنَا هُنَا، وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ شُجُونٌ، سِيَّمَا وَقَدْ بَسَطْتُهُ مَعَ أَشْبَاهِهِ فِي مُؤَلَّفٍ آخَرَ سَمَّيتُهُ "الفُرْجَةُ" (٥). وَقَالَ التَّقِيُّ المَقْرِيزِيُّ (٦): "الْعِلْمُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى قِسْمَيْنِ: عَقْلِيٌّ وَنَقْلِيٌّ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَفَرَّغَ [المَرْءُ] (٧) بَعْدَ إِتْقَانِ مَا تَجِبُ مَعْرِفَتُهُ مِنْهُمَا (٨) لِمُطَالَعَةِ التَّارِيخِ وَتَدَبُّرِ مَوَاعِظِهِ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِتَدَبُّرِهِ (٩) لِمَنْ أَزَالَ اللهُ تَعَالَى أَكِنَّةَ قَلْبِهِ وَغِشَاوَةَ بَصَرِهِ، نَتِيجَةَ الْعِلْمِ بِمَا صَارَ إِلَيْهِ

стр. 153

أَبْنَاءُ جِنْسِهِ مِنَ الْفَنَاءِ وَالبُيُودِ، بَعْدَ التَّخَوُّلِ (١) فِي الْأَمْوَالِ وَالْجُنُودِ؛ فَيَحْظَى (٢) بِالْعُزُوفِ عَنِ الدُّنْيَا، وَالرَّغَبْةِ فِي الآخِرَةِ". ثُمَّ قَالَ (٣): "فَمَا أَقْبَحَ مَنْ اتَّسَمَ (٤) بِالعِلْمِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ مِنْ ذَوِي الدِّرَايَةِ وَالْفَهْمِ، إِذَا سُئِلَ عَنْ رُسُلِ اللهِ تَعَالَى الَّذِينَ أُمِرَ بِالإِيمَانِ بِهِمْ، فَلَمْ يُجِبْ بِغَيْرِ سَرْدِ أَسْمَاءٍ يَجْهَلُ مُسَمَّيَاتِهَا (٥)! وَمَا أَسْوَأَ مَنْ تَصَدَّى لِلتَّدْرِيسِ وَالْإِفْتَاءِ، وَتَصَدَّى لِلحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ وَفَصْلِ القَضَايَا، إِذَا جَهِلَ مِنْ أَحْوَالِ المُصْطَفَى ﷺ وَنَسَبِهِ وَجَمِيلِ سِيرَتِهِ وَرَفِيعِ (٦) مَنْصِبِهِ، وَمَا كَانَ لَهُ مِنَ الْفَضَائِلِ الذَّاتِيَّةِ وَالْعَرَضِيَّةِ مَا لَا غَنَاءَ لِمَنْ آمَنَ بِهِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَلَا بُدَّ لِكُلِّ مَنِ اتَّسَمَ بِالعِلْمِ مِنْ دِرَايَتِهِ (فَمَا أَجْدَرَ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ [أَنْ يُجِيبَ] (٧) فَتَّانَيْ القَبْرِ إِذَا سَأَلَاهُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ بِأَنْ يَقُولَ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ فَقُلْتُ (٨)! أَعَاذَنَا الله مِنْ ذَلِكَ") (٩).

стр. 154

وَلِذَا قَالَ أَبُو الْحُسَينِ ابْنُ فَارِسٍ (١) أَحَدُ أَئِمَّةِ النُّحَاةِ وَاللُّغَوِيِّينَ: "إِنَّ هَذَا بِخُصُوصِهِ مِمَّا تَحِقُّ (٢) مَعْرِفَتُهُ عَلَى المُسْلِمِينَ، (وَ) (٣) أُفٍّ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ عَالِمٌ وَلَا يَدْرِي مَنْ هُمُ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَنْ أَنْفَقَ (٤) مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ، وَبَيْنَ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ، وَلَا يَعْرِفُ مَنْ أَهْلُ بَدْرٍ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِم: "اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" (٥) وَلَا مَنْ أَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضَوَانِ الَّذِينَ لَا تَمَسُّهُمُ النَّارُ (٦) وَلَا يَعْرِفُ مَنِ الأَنْصَارُ الَّذِينَ أُمِرْنَا أَنْ نُحْسِنَ لِمُحْسِنِهِمْ وَنَتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَحُبُّهُمْ إِيمَانٌ" (٧). وَقَالَ المَقْرِيزِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ النَّجْمُ ابْنُ فَهْدٍ عَنْ خَطِّهِ (٨): "مَنْ أَرَّخَ فَقَدْ حَاسَبَ الْأَيَّامَ عَلَى عُمْرِهِ، وَمَنْ كَتَبَ حَوَادِثَ دَهْرِهِ (فَقَدْ كَتَبَ كِتَابًا إِلَى مَنْ بَعْدَهُ بِحَدِيثِ دَهْرِهِ، وَمَنْ قَيَّدَ مَا شَهِدَ) (٩) فَقَدْ أَشْهَدَ عَصْرَهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ، فَهُوَ يُهْدِي إِلَى الْفُضَلَاءِ أَعْمَارًا، وَيُبَوِّئُ أَسْمَاعَهُمْ

стр. 155

وَأَبْصَارَهُمْ دِيَارًا مَا كَانَتْ دِيَارًا. عَزَّنِي أَنْ أَرَى الدِّيَارَ بِعَيْنِي … وَلَعَلِّي أَرَى الدِّيَارَ بِسَمْعِي (١) فَسُبْحَانَ مَنْ هُوَ كُلَّ يَوْمٍ فِي شَأْنٍ". وَقَالَ فِي خُطْبَةِ كِتَابِهِ "الْعُقُودُ الْفَرِيدَةُ" (٢): "إِنَّ اللهَ أَقَامَ الْخَلَائِقَ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، وَاسْتَعْمَرَهُمْ قَبِيلًا فِي أَثَرِ قَبِيلَ (٣) لَيُبْقِيَ الْأَوَّلَ لِلثَّانِي [مِنْ] (٤) قَصَصِهِ مَوَاعِظَ وَعِبَرًا، وَيُحْيِيَ الْآخِرُ لِلْمُتَقَدِّمِ ذِكْرًا وَيَنْشُرَ (٥) خَبَرًا؛ كَي يَرْعَوِيَ الْفَطِنُ عَنْ فِعْلِ مَا يُذَمُّ وَيُسْتَقْبَحُ، وَيَقْتَدِيَ الأَرِيبُ (٦) بِمَا هُوَ الْأَحْسَنُ مِنَ الأَخْلَاقِ وَالْأَصْلَحُ … " إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ (٧). وَقَالَ التَّقِيُّ ابْنُ قَاضِي شُهْبَةَ (٨): "إِنَّ ذِكْرَهُ لِمَنْ يَكُونُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ لِيَتَشَرَّفَ بِسَمَاعِ أَخْبَارِهِمْ مَعَ عِزَّةِ وُجُودِ

стр. 156

تَرَاجِمِهِمْ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ فَوَائِدِهِ". وَقَالَ الْبَدْرُ حُسَيْنٌ الأَهْدَلُ فِي أَوَّلِ "تُحْفَةُ الزَّمَنِ فِي تَارِيخِ سَادَاتِ اليَمَنِ" (١): "إِنَّهُ مِنَ العُلُومِ الْمُفِيدَةِ؛ إِذْ بِهِ يَحْصُلُ لِلخَلَفِ عِلْمُ أَحْوَالِ السَّلَفِ، وَيَتَمَيَّزُ بِهِ أَهْلُ الِاسْتِقَامَةِ عَنْ أَهْلِ الصَّلَفِ، وَيَسْتَفِيدُ بِهِ النَّاظِرُ الإِعْتِبَارَ وَمَعْرِفَةَ عُقُولِ الْأَوَائِلِ، وَيَتَبَيَّنُ بِهِ كَثِيرًا مِنَ الدَّلَائِلِ، وَلَوْلَاهُ لَجُهِلَتِ الْأَحْوَالُ وَالدُّوَلُ، وَالْأَنْسَابُ وَالْأَسْبَابُ، وَلَمَا عُرِفَ الفَرْقُ بَيْنَ الْجَهَلَةِ وَذَوِي الأَلْبَابِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ سِفْرًا مِنَ التَّوْرَاةِ مُفْرَدًا مُضَمَّنًا أَحْوَالَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ وَمُدَدَ أَعْمَارِهَا وَبَيَانَ أَنْسَابِهَا". وَلَقَدْ أَرْسَلَ إِلَيَّ العَالِمُ الْمُحْيَوِيُّ الْكَافِيَجِيُّ الْحَنَفِيُّ المُجَمِّلُ لِي بِقَوْلِهِ: "أَنْتَ أَعْلَمُ أَهْلِ عَصْرِكَ بِالْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ [بِالِاتِّفَاقِ الْمُقَدَّمِ عَلَى الْكُلِّ، بِالِاسْتِحْقَاقِ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ وَالْآفَاقِ، أَحْسَنَ اللهُ تَعَالَى إِلَيْهِ وَنَفَعَنَا بِهِ وَبِبَرَكَاتِ عُلُومِهِ وَالمُسْلِمِينَ، آمِينَ آمِينَ، أَلْفُ آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ] (٢) بِمُؤَلَّفٍ لَهُ فِي ذَلِكَ انْتَهَى مِنْهُ فِي رَجَبٍ سَنَةِ سَبْعٍ وَسِتِّينَ [وَثَمَانِ مِائَةٍ] افْتَتَحَهُ بِأَنَّهُ (٣): "مِنْ جُمْلَةِ العُلُومِ النَّافِعَةِ فِي الْمَبْدَإِ وَالْمَعَادِ وَمَا بَيْنَهُمَا". قَالَ: "وَفَوَائِدُهُ وَغَرَائِبُهُ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، وَهُوَ بَحْرُ الدُّرَرِ وَ (٤) الْمَرْجَانِ، لَا يُحِيطُ بِمَنَافِعِهِ نِطَاقُ التَّحْدِيدِ وَالتِّبْيَانِ (٥) وَفِيهِ عَجَائِبُ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ، وَإِيصَالٌ إِلَى

стр. 157

جِنَابِ الْحَقِّ ذِي الْعَظَمَةِ وَالْجَبَرُوتِ. وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ دُرَرًا مَنْثُورَةً فِي عَجَاجِ بَحْرِ الْعُمَانِ، غَيْرَ مُنْتَظِمٍ فِي سِلْكِ الْقَوَاعِدِ وَالبَيَانِ، دَعَانِي الْحَدَبُ عَلَى أَهْلِ الْأَرَبِ وَالأَدَبِ إِلَى جَمْعِهِ فِي قَوَانِينِ الضَّبْطِ وَالبَيَانِ، بِقَدْرِ الْوُسْعِ وَالْإِمْكَانِ، وَإِنْ كُنْتُ بِمَرَاحِلَ مِنْ جَانِبِ التَّصَدِّي لِهَذَا الْخَطْبِ الْعَظِيمِ الشَّانِ، وَلَكِنِّي (١) دَوَّنْتُ هَذَا الْمُخْتَصَرَ فِي عِلْمِ التَّارِيخِ تُحْفَةً مِنِّي إِلَى الْإِخْوَانِ تُحْفَةَ النَّمْلَةِ إِلَى سُلَيْمَانَ". ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلتَّدْوِينِ أَيَّ اسْتِحْقَاقٍ، يَعْنِي لإِنْتِشَارِ كُتُبِهِ فِي سَائِر الآفَاقِ، وَلِذَا (٢) دَوَّنَهُ -كَمَا قَالَ- تَدْوِينًا حَسَنًا مَقْبُولًا قَبُولًا بَيِّنًا؛ لِيَكُونَ مَنْقُولًا إِلَى الصُّدُورِ وَالْأَقْوَامِ، بَاقِيًا عَلَى مَمَرِّ (٣) الأَيَّامِ (٤) وَالْأَعْوَامِ، مَذْكُورًا بِاللِّسَانِ، مَحْفُوظًا بِالْجَنَانِ، وَتَذْكِرَةً وَتَشْوِيقًا إِلَى الإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ، وَإِتْيَانًا (٥) بِمُوجَبِ الْقَوْلِ الَّذِي قَدْ شَاعَ وَذَاعَ: كُلُّ خَطٍّ لَيْسَ فِي الْقِرْطَاسِ ضَاعَ … كُلُّ شَيْءٍ (٦) جَاوَزَ الاثْنَيْنَ شَاعَ فَالتَّارِيخُ مِنَ المُهِمَّاتِ الْعِظَامِ، مَقْبُولٌ عِنْدَ الْأَنَامِ، مُشْتَمِلٌ عَلَى فِكَرٍ وَعِبَرٍ، وَمَنْطَوٍ عَلَى مَصَالِحَ وَمَحَاسِنَ عَلَى وَجْهٍ مُعْتَبَرٍ، وَلَوْلَاهُ لَمْ يَصِلْ إِلَيْنَا لَا خَبَرٌ وَلَا أَثَرٌ، وَهُوَ غِذَاءُ الْأَرْوَاحِ وَالْأَشْبَاحِ (٧)، خِزَانَةُ أَخْبَارِ النَّاسِ وَالرِّجَالِ، مَعْدِنُ

стр. 158

الْعَجَائِبِ وَالْغَرَائِبِ وَالرِّوَايَاتِ وَالْأَمْثَالِ، زَيْنُ (١) الأَدِيبِ وَعُمْدَةُ اللَّبِيبِ، وَعَوْنُ الْمُحَدِّثِ وَذُخْرُ الْأَرِيبِ (٢)، يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمَلِكُ وَالْوَزِيرُ، وَالْقَائِدُ الْبَصِيرُ، وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ عَزَّ (٣) أَمْرُهُمْ؛ أَمَّا الْمَلِكُ فَيَعْتَبِرُ بِمَا مَضَى مِنَ الدُّوَلِ وَمَنْ سَلَفَ مِنَ الْأُمَمِ، وَأَمَّا الْوَزِيرُ فَيَعْتَبِرُ بِفِعَالِ مَنْ تَقَدَّمَ مِمَّنْ حَازَ فَضْلَيْ السَّيْفِ وَالْقَلَمِ، وَأَمَّا قَائِدُ الْجُيُوشِ فَيَطَّلِعُ بِهِ عَلَى مَكَائِدِ الْحَرْبِ وَمَوَاقِفِ الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَيَسْتَمِعُونَهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُسَامَرَةِ، فَيَحْصُلُ لَهُمْ بِذَلِكَ الْمُبَادَرَةُ إِلَى أَنْوَاعِ الْخَيْرَاتِ، وَالِاجْتِنَابُ عَنِ الْمُنْكَرَاتِ. وَلِأَجْلِ هَذَا قَالُوا: يَجِبُ عَلَى المَلِكِ أَنْ يَسْلُكَ طَرِيقَ الْمُلُوكِ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا، وَيَعْمَلَ عَمَلَهُمْ فِي الْخَيْرِ - (يَعْنِي) (٤) لَا فِيمَا عَلَيْهِ تَنَدَّمُوا- وَأَنْ يَقْرَأَ كُتُبَ مَوَاعِظِهِمْ وَوَصَايَاهُمْ، وَيَنْظُرَ أَحْكَامَهُمْ وَقَضَايَاهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَكْثَرُ تَجْرِبَةً وَاعْتِبَارًا، وَأَبْصَرُ غَالِبًا مِمَّنْ بَعْدَهُمْ سِرًّا وَجِهَارًا (٥) لِأَنَّهُمْ مِمَّنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ، وَعَرَفَ الْجَلِيَّ مِنَ الْخَفِيِّ. وَقَدْ كَانَ أَنُوشِرْوَانَ، مَعَ حُسْنِ سِيرَتِهِ، يَقْرَأَ كُتُبَ الْأَوَّلِينَ، وَيَطَلُبُ اسْتِمَاعَ حِكَايَاتِهِمْ، وَيَمْضِي عَلَى طَرِيقَتِهِمْ. فَإِذًا لَا غَنَاءَ عَنِ التَّارِيخِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَنَى بِشَأْنِهِ، وَيُكْتَبَ وَيُنْقَلَ مَعَ الِاحْتِرَازِ عَنِ الْمُجَازَفَةِ وَالرَّجْمِ بِالْغَيْبِ، بَلْ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ.

стр. 159

وَانْظُرْ لِمَا نُقِلَ عَنْ (١) صُحُفِ بَعْضِ الأَنْبِيَاءِ (٢) عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ، عَارِفًا بِأَهْلِ زَمَانِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ". وَلِمِثْلِ هَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا" (٣). وَإِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ [يوسف: ١١١]. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ [يوسف: ٣]. وَقَوْلِهِ: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]. وقَوْلِهِ: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]. انْتَهَى بِمدَرَّجَاتٍ يَسِيرَةٍ. وَقَالَ صَاحِبُنَا وَمُفِيدُنَا الْحَافِظُ العُمْدَةُ النَّجْمُ عُمَرُ بْنُ فَهْدٍ الْهَاشِمِيُّ الْمَكِّيُّ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ: "الدُّرُّ الْكَمِينُ بِذَيْلِ الْعِقْدِ الثَّمِينِ فِي تَارِيخِ البَلَدِ الأَمِينِ" (٤) الَّذِي ذَيَّلَ بِهِ عَلَى كِتَابِ (٥) شَيْخِهِ الحَافِظِ التَّقِيِّ الفَاسِيِّ، رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى، مَا نَصُّهُ:

стр. 160

"إنَّهُ مِنَ العُلُومِ الْحَسَنَةِ الْمُفِيدَةِ، والتَّنْبِيهَاتِ الْمُتَعَيِّنَةِ الْأَكِيدَةِ؛ إذْ بِهِ يحْصُلُ لِلْمُتَأَخِّرِينَ عِلْمُ أَحْوَالِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَلَوْلَاهُ لَجُهِلَتِ الْأَحْوَالُ، وَلِمَا عُرِفَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَالْجُهَّالِ، وَقَدِ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَصَنَّفُوا فِيهِ (كُلَّ) (١) أَنْوَاعٍ وَأَفْنَانٍ. وَقِيلَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ سِفْرًا مِنَ التَّوْرَاةِ مُفْرَدًا مُضَمَّنًا لِأَحْوَالِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَمُدَدِ أَعْمَارِهَا، وَبَيَانِ أَنْسَابِهَا". ثُمَّ نَقَلَ كَلَامَ [ابْنِ] (٢) الأَكْفَانِيِّ فِي "الدُّرُّ النَّظِيمِ" (٣) وَكَلَامَ العِزِّ الحَنْبَلِيِّ فِي فَتْوَاهُ (٤). وَقَالَ النَّجْمُ أَيْضًا فِي خُطْبَةِ كِتَابِهِ "حَوَادِثُ مَكَّةَ" الْمُسَمَّى "إِتْحَافُ الْوَرَى بِأَخْبَارِ أُمِّ الْقُرَى" (٥): "إِنَّهُ لَا شَكَّ فِي جَلَالَةِ قَدْرِهِ، وَعِظَمِ مَوْقِعِهِ، يُنْتَفَعُ بِهِ لِلاِطِّلَاعِ عَلَى حَوَادِثِ الزَّمَانِ، وَسِيَرِ النَّاسِ، وَمَا أَبْقَى الدَّهْرُ مِنْ أَخْبَارِهِمْ بَعْدَ أَنْ أَبَادَهُمْ، مَعَ أَنَّهُ عِبْرَةٌ لِمَنِ اعْتَبَرَ، وَتَنْبِيهٌ لِمَنِ افْتَكَرَ، وَإِخْبَارُ (٦) حَالِ مَنْ مَضَى وَغَبَرَ، وَإِعْلَامٌ بِأَنَّ سَاكِنَ الدُّنْيَا عَلَى سَفَرٍ. وَفِي ضَبْطِهِ بِالسِّنِينَ أُمُورٌ مُهِمَّةٌ، وَفَوَائِدُ جَمَّةٌ، لَحَظَهَا الْفَارُوقُ وَالصَّحَابَةُ ﵃ عِنْدَ وَضْعِ التَّارِيخِ". ثُمَّ نَقَلَ عَنْ شَيْخِهِ الْمَقْرِيزِيِّ الْكَلَامَ الْمُخْتَصَرَ الَّذِي حَكَيْنَاهُ تِلْوَ كَلَامِهِ

стр. 161

المَبْسُوطِ (١) فِي آخَرِينَ مِمَّنْ فِي غُضُونِ ذَلِكَ. كأَبِي عَلِيٍّ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الرَّازِيِّ، مِسْكَوَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ لَمَّا تَصَفَّحَ أَخْبَارَ الْأُمَمِ وَسِيَرَ الْمُلُوكِ، وَقَرَأَ أَخْبَارَ الْبُلْدَانِ وَكُتُبَ التَّوَارِيخِ، وَجَدَ مِنْهَا مَا يُسْتَفَادُ تَجْرِبَةً (٢) فِي أُمُورٍ لَا يَزَالُ التَّكَرُّرُ لِمِثْلِهَا (٣) وَيُنْتَظَرُ حُدُوثُ أَشْبَاهِهَا وَشَكْلِهَا؛ بِحَيْثُ صَنَّفَ كِتَابَهُ "تَجَارِبُ الْأُمَمِ وَعَوَاقِبُ الْهِمَمِ" (٤) فِي أَرْبَعِ مُجَلَّدَاتٍ، وَ [ذَيَّلَ] (٥) عَلَيْهِ وَزِيرُ الْحَضْرَتَيْنِ (٦) أَبُو شُجَاعٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَغْدَادِيُّ. وَكأَبِي الْفَتْحِ أَحْمَدَ بْنِ مُطَرِّفٍ الْكِنَانِيِّ (٧) فَإِنَّهُ قَالَ: " (إِنَّهُ) (٨) اقْتَنَصَ مِنْ تَصَانِيفِهِ كِتَابًا مُجَرَّدًا فِي التَّوَارِيخِ الْمُعَيَّنَةِ عَلَى الطُّرُقَاتِ الْمُبَيَّنَةِ، مِمَّا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَعْلَمُوهُ، وَيَسْتَيْقِنُوهُ وَلَا يَجْهَلُوهُ، وَمِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْأَدْيَانِ وَالسِّيَرِ، وَأَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالأَيَّامِ وَالْغِيَرِ".

стр. 162

((١) وَكَأَبِي الْحُسَيْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ السَّلَامِيِّ (٢)، فَقَرَأَتُ بِخَطِّ الْحَافِظِ الْجَمَالِ أَبِي المَحَاسِنِ اليَغْمُورِيِّ (٣) فِيمَا لَخَّصَهُ مِنْ "أَخْبَارُ وُلَاةِ خُرَاسَانَ" (٤) لَهُ: "إِنَّ صُنُوفَ الْمَعَارِفِ كَثِيرَةٌ، وَطُرُقَهَا مُتَشَعِّبَةٌ، وَأَنْوَاعَهَا مُتَفَنِّنَةٌ، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُتَّسِمٍ بِالْأَدَبِ وَمُنْتَسِبٍ إِلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِيَ مِنْ أَجْنَاسِهَا نَصِيبًا، وَأَنْ يَضْرِبَ (٥) مَعَ الْمُتَنَازِعِينَ فِيهَا بِسَهْمٍ، وَيَفُوزَ مِنْ زِينَتِهَا بِقِسْمٍ. وَأَحَدُ رُؤُوسِ (٦) الْمَعَارِفِ عِلْمُ التَّارِيخِ؛ لِأنَّهُ بَابٌ يَدُلُّ عَلَى أَعْلَامِ أَهْلِ كُلِّ زَمَنٍ، وَيُبَيِّنُ عَمَّا حَدَثَ فِيهِ مِنْ حَدَثٍ، وَتَجَدَّدَ مِنْ خَبَرٍ، وَعَرَضَ مِنْ سَبَبٍ، مُسْتَفِيدًا صَاحِبُهُ الْمَعْرِفَةَ بِأَوْقَاتِ الْأَكْوَانِ، وَأَحْوَالِ أَيَّامِ الْأَعْيَانِ، فِي كُلِّ حِينٍ وَزَمَانٍ، فَيَأْمَنُ عَيْبَ الْغَلَطِ وَالتَّغْلِيطِ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِمْ، وَيُورِدُهُ فِيمَا يُخْبِرُ

стр. 163

عَنْهُمْ، فَإِنَّا نَرَى قَوْمًا يَحْكُونَ أَشْيَاءَ لَا يَعْرِفُونَ عُهُودَ حُدُوثِهَا وَوُقُوعِهَا، فَيُقَدِّمُونَ مَا تَأَخَّرَ، وَيُؤَخِّرُونَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ مِنْهَا، سِيَّمَا مَنْ كَانَ مِنْ أَرْضِ خُرَاسَانَ، فَقَدْ جَرَى عَلَى أَيْدِي أَهْلِهَا مَا لَمْ يَجْرِ عَلَى أَيْدِي غَيْرِهِمْ مِنَ [الْحَوَادِثِ] (١) الْعِظَامِ. وَالْوَاجِبُ عَلَى صَاحِبِ الْمَعْرِفَةِ مِنْ أَهْلِهَا أَنْ يَعْلَمَ جُمَلَ أَنْبَائِهَا، وَيَحْفَظَ أَيَّامَ أُمَرَائِهَا، لَا شَيْءَ أَزْرَى عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَجْهَلَ أَخْبَارَ أَرْضِهِ، وَلَعَلَّهُ يَتَطَلَّبُ أَخْبَارَ غَيْرِهَا فَيَكُونَ كَمَنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ وَتَبِعَ النَّوَافِلَ. كَمَا قَالَ الْقَائِلُ فِي رَجُلٍ كَانَ يَتَوَلَّى عَمَلَ الْبَرِيدِ، فَذَهَبَتْ جَارِيتُهُ بِعِلَّةِ الْحَمَّامِ إِلَى خِدْنٍ (٢) لَهَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَقِيلَ فِيهِ: دَهَتْكَ بِعِلَّةِ الحَمَّامِ نُعْمُ … وَمَالَ بِهَا الطَّرِيقُ إِلَى سَعِيدِ أَرَى أَخْبَارَ دَارِكَ عَنْكَ تَخْفَى … فَكَيْفَ وُلِّيتَ أَخْبَارَ البَرِيدِ وَكَمَا قَالَ ابْنُ هَرْمَةَ (٣): وَإِنِّي وَتَرْكِي نَدَى الأكْرَمينَ … وقَدْحِي بِكَفَّيَّ زَنْدًا شَحَاحَا كتارِكَةٍ بَيْضَهَا بِالعَرَاءِ … ومُلْبِسَةٍ بِيضَ أُخْرَى جَنَاحَا وَهَذَا مَا وَصَفُوا بِهِ النَّعَامَةَ فِي شِدَّةِ حُمْقِهَا، حَتَى قَالُوا: "إِنَّهُ لِأَمْوَقُ (٤) مِنْ نَعَامَةٍ" لِأَنَّهَا رُبَّمَا قَامَتْ عَنْ بَيْضِهَا تَطْلُبُ لِنَفْسِهَا مَرْعًى، فَتَنْتَهِي إِلَى بَيْضِ نَعَامَةٍ أُخْرَى، فَتَحَتَضِنُهَا وَتُهْمِلُ بَيْضَهَا حَتَّى يَفْسَدَ، وَإِيَّاهَا عَنُوا بِقَوْلِهِمْ: بَيْضَةُ الْبَلَدِ.

стр. 164

وَالْبَلَدُ الْمَفَازَةُ. قَالَ الرَّاعِي (١): تَأْبَى قُضَاعَةُ أَنْ تَعْرِفَ لَكُمْ نَسَبًا … وَابْنَا نِزَارٍ فأنتُمْ بَيْضَةُ البَلَدِ فَقَوْلُهُ: فَأَنْتُمْ بَيْضَةُ الْبَلَدِ. أَي: أَنَّهُمْ لَا يُعْرَفُونَ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ وَالِدٌ، كَمَا لَا يُعْرَفُ بَيْضُ النَّعَامَةِ الَّتِي أَهْمَلَتْ فِي الْمَفَازَةِ. وَهَذِهِ الْبَيْضَةُ تُسَمَّى "التَّرِيكَةُ" وَالتَّرِيكَةُ هِيَ الْمَتْرُوكَةُ، وَجَمْعُهَا تَرَائِكُ. قَالَ الْأَعْشَى (٢): وَيَهْمَاءَ قَفْرٍ تَائِهِ العِيرِ وَسْطَهَا … وَيُلْقَى بِهَا البَيْضُ الحِسَانُ تَرَائِكَا) (٣) وَكَالمِصْرِيِّ (٤) صَاحِبِ كتَابِ "الدَّوْلَتَيْنِ" الْمُسَمَّى "زَهْرَةُ الْعُيُونِ وَجَلَاءُ الْقُلُوبِ" (٥) فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: "إِنَّهُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ دَالٌّ عَلَى مَعَالِي الْأُمُورِ، وَمُرْشِدٌ لِكَرَائِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَفْعَالِ، وَزَاجِرٌ عَنِ الدَّنَاءَةِ وَالْقُبْحِ، وَبَاعِثٌ عَلَى صَوَابِ التَّدْبِيرِ، وَحُسْنِ التَّقْدِيرِ، وَرِفْقِ السِّيَاسَةِ، يَكُونُ لِلَأَدِيبِ تَبْصِرَةً، وَلِلْعَالِمِ الْأَرِيبِ (٦) تَذْكِرَةً، وَلِسَائِرِ النَّاسِ مُؤَدِّبًا، وَلِلْمُلُوكِ اسْتِرَاحَةً، تُعْمَرُ بِهِ الْمَجَالِسُ فِي الْجَدِّ وَالْهَزْلِ، وَتَتَّضِحُ (٧) بِأَمْثَالِهِ

стр. 165

الْحُجَجُ، وَتُبْلَغُ بِهِ الْإِرَادَةُ بِأَخَفِّ مُؤْنَةٍ، وَيُسْتَوْلَى بِهِ عَلَى الْأُمُورِ كَأَنَّهَا مُشَاهَدَةٌ. وَقَد قَالَ عَلِيٌّ ﵁: "إِنَّ هَذِهِ القُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الْأَبْدَانِ، فَابْتَغُوا لَهَا مِنْ طَرَائِفِ الْحِكْمَةِ" (١). وَكَفَى بِالْكِتَابِ الْحَسَنِ أَنِيسًا وَمُحَدِّثًا وَجَلِيسًا، وَهُوَ عَوْنٌ لِلَّبِيبِ وَتَذْكِرَةٌ لِلْأَدِيبِ. وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَفَاضَ مَنْ عِنْدَهُ بِالْحَدِيثِ بَعْدَ الْقُرآنِ وَالتَّفْسِيرِ: "أَحْمِضُوا". أَي: خُوضُوا فِي الشِّعْرِ وَغَيْرِهِ (٢). وَعَنْ بَعْضِهِمْ: "الْقُلُوبُ تَصْدَأُ (٣) كَمَا يَصْدَأُ الْحَدِيدُ، فَنَقُّوهَا بِالذِّكْرِ" (٤). وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁[قَالَ]: "إِنِّي لَأَسْتَجِمُّ قَلْبِي بِالشَّيْءِ مِنَ اللَّهْوِ؛ لِأَقْوَى بِهِ عَلَى الْحَقِّ" (٥). انْتَهَى. فَكَيْفَ بِمَا يَنْضَمُّ إِلَيْهِ مِمَّا حَكَيْنَاهُ مِنْ فَوَائِدِهِ. وَكَبَعْضِ مَنْ يَثِقُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَيُورَقِيُّ بِدِينِهِ وَعِلْمِهِ أَنَّهُ قَالَ: "الاِشْتِغَالُ بِنَشْرِ أَخْبَارِ فُضَلَاءِ الْعَصْرِ (٦) وَلَوْ بِتَوَارِيخِهِمْ مِنْ عَلَامَاتِ سَعَادَاتِ

стр. 166

الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَهُمْ شُهُودُ اللهِ فِي أَرْضِهِ، فَإِنْ بَغُضُوا فَعَنْ (١) بُغْضِهِ، وَحُبُّ اللهِ حُبُّهُمْ، وَبُغْضُ الْمُسِيءِ عَلَامَةُ بُغْضِ اللهِ [لَهُ] (٢). فَرَحْمَةُ اللهِ وَرِضْوَانُهُ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ عَلَى الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْهُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ (٣) ". وَكَشُيُوخِنَا الْقَايَاتِيِّ (٤) وَأُسْتَاذِنَا، وَالْعَيْنِيِّ، وَابْنِ الدَّيْرِيِّ (٥)، وَالْعِزِّ الْحَنْبَلِيِّ (٦) مِمَّنْ سَأَحْكِي كَلَامَهُمْ، فِيمَا سَيَأْتِي بَعْدُ بِتَرْجَمَةٍ. بَلْ كُلُّ مَنْ صَنَّفَ فِيهِ، أَوْ تَكَلَّمَ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، مِمَّنْ سَأُلِمُّ بِجُمْلَةٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، لَوْ لَمْ يَعْلَمْ مَا فِيهِ مِنَ الفَوَائِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ مَا وَجَّهَ عَزْمَهُ لِذَلِكَ، بَلْ قَدْ بَانَ لَكَ أَنَّهُ سَبِيلٌ إِلَى مَعْرِفَةِ أَكْثَرِ مَا يَضُرُّ وَيَنْفَعُ. بَلْ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ الْجُنيْدُ (٧) ﵀ فِي الْحِكَايَاتِ: إِنَّهَا جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ اللهِ يُثَبِّتُ اللهُ بِهَا قُلُوبَ أَوْلِيَائِهِ. فَقِيلَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا يَا أُسْتَاذُ؟ فَقَالَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠].

стр. 167

وَأَيْضًا فَمَا كَانَ عَلَى السِّنِينَ مِنْهُ مِنْ فَوَائِدِهِ، بَيَانُ (١) آجَالِ (٢) الْحُقُوقِ، وَاخْتِلَافِ النُّقُودِ، وَوَقْفِ الأَوْقَافِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا الاِسْتِحْقَاقَاتُ. وَكَذَا مَعْرِفَةُ الْقُرُونِ الْفَاضِلَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ ﷺ : "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" (٣) لِيَتَمَيَّزَ الْمُقْتَدَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ تَخَلَّفَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ فِي أَفْرَادِ بِحَيْثُ تَكُونُ الْخَيْرِيَّةُ بِالنَّظَرِ لِلْمَجْمُوعِ عَلَى الْمَجْمُوعِ. وَمَعْرِفَةُ انْقِضَاءِ الزَّمَنِ الْمُحَدَّدِ لِلْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الَّذِينَ أُمِرْنَا بِاقْتِفَاءِ سُنَّتِهِمْ. وَبَيَانُ الْوَقْتِ الَّذِي ظَهَرَتْ فِيهِ الْبِدَعُ وَالْحَوَادِثُ. وَمَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ، بِحَيْثُ قَالَ الْعَيْنِي كَمَا سَيَأْتِي: "إِنَّ فَوَائِدَهُ تَحْتَاجُ لِمُجَلَّدَاتٍ". وَحِينَئِذٍ فَثَمَرَتُهُ التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ، وَالتَّنْشِيطُ وَالتَّثْبِيطُ (٤)، وَالإِنْذَارُ وَالاِعْتِبَارُ، وَالتَّسَلِّي وَالتَّأَسِّي، وَالنُّصْحُ وَالنُّجْحُ وَالتَّمْرِيضُ وَالتَّنْهِيضُ. وَلَا يَمْنَعُ هَذِهِ الثَّمَرَةَ قِلَّةُ الْمُعْتَبِرِينَ، وَإِنْشَادُ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ (٥): لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا … وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي

стр. 168

وَنَارٌ لَوْ (١) نَفَخْتَ بَهَا أَضَاءَتْ … وَلَكْنْ أَنْتَ تَنْفُخُ فِي الرَّمَادِ (٢) فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ رَاغِبٍ وَمُعْتَبَرٍ، وَمُتَأَمِّلٍ (٣) وَمُسْتَبْصِرٍ. فَنَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا قَلْبًا عَقُولًا، وَلِسَانًا صَادِقًا عَنِ الْمُشْكِلَاتِ سَؤُولًا، وَيُوَفِّقَنَا لِلْسَّدَادِ فِي القَوْلِ وَالعَمَلِ، وَيَخْتُمَ لَنَا بِالْمُرَادِ عِنْدَ انْتِهَاءِ الْأَجَلِ. إِذَا عُلِمَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّهُ لَمَّا كَانَتْ مَحَاسِنُهُ، مَعَ كَوْنِهَا لَيْسَتْ مُنْحَصِرَةً فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، غَيْرَ مُخْتَصَّةٍ بِالْعُلَمَاءِ، وَمَعَادِنُهُ (٤) يَشْتَرِكُ فِي اسْتِثَارَةِ (٥) جَوَاهِرِهَا مِنَ الصَّيَارِفِ الْعُلَمَاءُ وَالْفُهَمَاءُ، كَانَتِ الرَّغْبَةُ فِيهِ مِنْهُمْ، بَلْ وَمَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُلُوكِ وَالْمُبَاشِرِينَ، وَالصُّحْبَةُ لِأَهْلِهِ مَقْصُودَةً لِأَهْلِ السُّلُوكِ وَالْمُنَاظِرِينَ، فَتَوَجَّهُوا لِمُطَالَعَتِهِ أَوِ الْمُجَالَسَةُ لِأَهْلِهِ، وَنَوَّهُوا بِجُمْلَتِهِ بِالْمُرَاجَعَةِ حَتَّى فِي جَلِيِّ الْأَمْرِ وَسَهْلِهِ، بِحَيْثُ كَانَ الْعَلّامَةُ الْمُجْتَهِدُ التَّقِيُّ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ يَقُولُ لِتِلْمِيذِهِ الْحَافِظِ ابْنِ سَيِّدِ النَّاسِ، بَعْدَ تَعَبِهِ مِنْ إِلْقَاءِ الدَّرْسِ: "لَذِّذْنَا يَا شَيْخَ فَتْحِ الدِّينِ بِتَرَاجِمِ هَؤُلَاءِ السَّادَاتِ". (وَحُكِيَ -مَا اللهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ- إِنَّ الْقَاضِيَ أَبَا يُوسُفَ كَانَ مَعَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْعِلْمِ يَحْفَظُ (٦) الْمَغَازِيَ وَأَيَّامَ الْعَرَبِ وَنَحْوَهَا مِنَ التَّارِيخِ، فَمَضَّى وَقْتًا لِسَمَاعِ

стр. 169

المَغَازِي أَوْ لِاسْتِمَاعِهَا (١) وَأَخَلَّ بِمَجْلِسِ إِمَامِهِ (٢) أَيَّامًا، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ كَانَ صَاحِبَ رَايَةِ جَالُوتَ؟ فَفَهِمَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُدَاعَبَةِ أَوْ نَحْوِهَا، فَغَضِبَ وَقَالَ لَهُ: إِنْ لَمْ تُمْسِكْ عَنْ مِثْلِ هَذَا وَإِلَّا سَأَلْتُكَ عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ: أَيُّمَا كَانَ [أَوَّلَ] (٣) وَقْعَةُ بَدْرٍ أَوْ أُحُدٍ؟ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي ذَلِكَ، وَهِيَ (مِنْ) (٤) أَهْوَنِ مَسَائِلِ التَّارِيخِ! (فَأَمْسَكَ عَنْهُ) (٥) (٦). بَلِ اتَّفَقَ أَنَّ الأمِيرَ سَنْجَرَ الدَّوَادَارِيَّ (٧) سَأَلَ الْحَافِظَ الشَّرَفَ الدِّمْيَاطِيَّ -وَنَاهِيكَ بِجَلَالَتِهِ- عَنْ سَنَةِ وَفَاةِ البُخَارِيِّ (٨) فَلَمْ يَتَّفِقْ لَهُ الْمُبَادَرَةُ لاِسْتِحْضَارِهَا، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ، فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَبَادَرَ لِذِكْرِهَا، فَحَظِيَ عِنْده بِذَلِكَ جِدًّا، وَزَادَ فِي إِكْرَامِهِ وَتَقْرِيبِهِ. وَطَلَعَ الْقَاضِي جَلَالُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ يَوْمًا مِنْ بَيْتِهِ، فَأَمَرَ جِهَارًا بَعْضَ خَوَاصِّهِ بِالتَّوَجُّهِ لِلتَّقِيِّ الْمَقْرِيزِيِّ لِيَسْأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ تَعَلُّقَاتِ التَّارِيخِ، فَكَانَ فِي هَذَا

стр. 170

الْفَخْرِ لَهُ مِنْ مِثْلِهِ. وَأَعْظَمُ مِنْ هَذَا فِي الْفَخْرِ لَهُ كَوْنُ شَيْخِنَا كَانَ يَقْصِدُهُ فِي بَيْتِهِ لِلْمُذَاكَرَةِ مَعَهُ، مَعَ كَثْرَةِ تَرَدُّدِ التَّقِيِّ لَهُ، وَلَهُمَا فِي ذَلِكَ مَقَاصِدُ. وَحَكَى لَنَا شَيْخُنَا أَنَّ الظَّاهِرَ طَطَرْ (١) قَالَ لَهُ: إِنَّهُ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا الْمُؤَيَّدُ ضَاقَتْ يَدُهُ جِدًّا، حَتَّى أَنَّ شَخْصًا قَدَّمَ لَهُ مَأْكُولًا، فَلَمْ يَجِدْ فِي حَاصِلِهِ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ يُكَافِئُهُ بِهَا، وَلَا مَنْ يَقْرُضُهَا لَهُ، وَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَسْرَعِ مِنَ اسْتِيلَائِهِ عَلَى الْمَمْلَكَةِ وَذَخَائِرِهَا، ثُمَّ أَمَرَهُ (٢) بِكِتَابَتِهَا فِي تَارِيخِهِ، فَإِنَّهَا عَجِيبَةٌ (٣). وَكَانَ شَيْخُنَا الْبَدْرُ الْعَيْنِيُّ يَقْرَأُ عِنْدَ الأَشْرَفِ بَرْسْبَاي وَغَيْرِهِ التَّارِيخَ وَنَحْوَهُ، بِحَيْثُ يَقُولُ الْأَشْرَفُ مَا مَعْنَاهُ: "إِنَّهُ مَا عَرَفَ الْإِسْلَامَ إِلَّا مِنْهُ". وَجَمَعَ هُوَ وَغَيْرُهُ -كـ: ابْنِ نَاهِضٍ (٤) وَغَيْرِهِ- لِلْمُلُوكِ سِيَرًا؛ لِعِلْمِهِمْ بِرَغْبَتِهِمْ فِي ذَلِكَ. وَرَامَ مِنِّي الدَّوَادَارُ الْكَبِيرُ يَشْبَكُ الْمُؤَيِّدِيُّ الْفَقِيهُ -وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْأُمَرَاءِ وَأَجِلَّائِهِمْ (٥) وَمِمَّنْ يَقْرَأُ عَلِيَّ مِنْهُمْ بِقَصْدِهِ الْجَمِيلِ -أَنْ أَفْعَلَ مَعَ الظَّاهِرِ خُشْقَدَمَ (٦) نَظِيرَ الْعَيْنِيِّ، فَمَا وَافَقْتُهُ.

стр. 171

نَعَمْ، سَأَلَنِي الدَّوَادَارُ بَعْدَهُ يَشْبَكُ من (١) مَهْدِيٍّ عَظِيمِ الدَّوْلَةِ (٢) -وَكَانَ فِي الذَّوْقِ سِيَّمَا لِهَذَا المَعْنَى بِمَكَانٍ- أَنْ أُذَيِّلَ لَهُ عَلَى تَارِيخِ المَقْرِيزِيِّ "السُّلُوكُ" فَأَجَبْتُهُ بَعْدَ الاِسْتِخَارَةِ وَالاِسْتِشَارَةِ وَجَمَعْتُ "التِّبْرُ الْمَسْبُوكُ" وَاغْتَبَطَ بِذَلِكَ، بِحَيْثُ كَانَ يَسْتَصْحِبُ مَا حَصَّلَهُ مِنْهُ فِي أَسْفَارِهِ، وَيُوقِفُ عَلَيْهِ مَنْ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِ، مُتَبَجِّحًا بِهِ إِلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُبَاشِرِينَ وَالرُّؤَسَاءِ، وَأَعْلَى مِنْهُمْ مِمَّنْ لَهُمْ تَلَفُّتٌ لِلثَّنَاءِ وَالذِّكْرِ الْجَمِيلِ، وَجَلْبٌ لِمَنْ يَتَوَهَّمُونَ ذِكْرَهُ لَهُمْ بِالتَّعْلِيلِ، وَلَكِنْ بَطَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَمَا بَقِيَ غَالِبًا سِوَى الْجَهْلِ وَقِلَّةِ الأَدَبِ وَالتَّلَفُّتِ لِلْحِطَامِ وَالسَّلَامِ. وَكَانَ مِمَّا قُلْتُهُ فِي مُقَدِّمَةِ "التِّبْرُ" (٣): "عِلْمُ التَّارِيخُ فَنٌّ مِنْ فُنُونِ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، وَزَيْنٌ تَقَرُّ بِهِ الْعُيُونُ، حَيْثُ سُلِكَ فِيهِ المَنْهَجُ الْقَوِيمُ الْمُسْتَوِي، بَلْ وَقْعُهُ مِنَ الدِّينِ عَظِيمٌ، وَنَفْعُهُ يَتَعَيَّنُ (٤) فِي الشَّرْعِ لِشُهْرَتِهِ، غَنَيٌّ عَنْ مَزِيدِ البَيَانِ وَالتَّفْهِيمِ. إِذْ بِهِ (يَعْلَمُ أَهْلُ الْجَلَالَةِ وَالرُّسُوخِ مَا يُفْهَمُ بِهِ النَّاسِخُ مِنَ الْمَنْسُوخِ) (٥) وَيَظْهَرُ تَزْيِيفُ مُدَّعِي اللِّقَاءِ، وَيُشْهَرُ مَا (٦) صَدَرَ مِنْهُ مِنَ التَّحْرِيفِ فِي الاِرْتِقَاءِ (لَمَّا تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّيْخَ الَّذِي جَعَلَ رِوَايَتَهُ عَنْهُ مِنْ مَقْصِدِهِ كَانَ قَدْ مَاتَ قَبْلَ مَوْلدِهِ أَوْ) (٧) كَانَ اخْتَلَّ عَقْلُهُ أَوْ اخْتَلَطَ، أَوْ لَمْ يُجَاوِزْ بَلْدَتَهُ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْهَا الطَّالِبُ قَطْ.

стр. 172

وَتُحْفَظُ بِهِ الأَنْسَابُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْهَا صِلَةُ الرَّحِمِ، وَالْمُتَسَبِّبُ عَنْهَا الْمِيرَاثُ وَالْكَفَاءَةُ (حَيْثُمَا قُرِّرَ فِي مَحَلِّهِ وَفُهِمَ. وَكَذَا تُعْلَمُ مِنْهُ آجَالُ الْحُقُوقِ (١) وَاخْتِلَافُ النُّقُودِ، وَالأَوْقَافِ) (٢) الَّتِي يَنْشَأُ عَنْهَا مِنَ الاِسْتِحْقَاقِ مَا هُوَ مَعْهُودٌ. وَيُنْتَفَعُ بهِ فِي الاِطِّلَاعِ عَلَى أَخْبَارِ الْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ وَالْفُضَلَاءِ، وَالْخُلَفَاءِ وَالْمُلُوكِ وَالأُمَرَاءِ وَالنُّبَلَاءِ، وَسِيَرِهِمْ وَمَآثِرِهِمْ فِي حَرْبِهِمْ وَسِلْمِهِمْ، وَمَا أَبْقَى الدَّهْرِ مِنْ فَضَائِلِهِمْ أَوْ رَذَائِلِهِمْ، بَعْدَ أَنْ أَبَادَهُمُ الْحَدَثَانِ (٣) وَأَبْلَى جَدِيدَهُمُ الْمَلْوَان (٤). حَيْثُ تُتَبَّعُ الأُمُورُ الْحَسَنَةُ مِنْ آثَارِهِمْ، وَلَا يَسْمَعُ مِنْهُمْ فِيمَا تَنْفِرُ عَنْهُ الْعُقُوُل المُسْتَحْسِنَةُ مِنْ أَخْبَارِهِمْ. وَيُعْتَبُرُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَوَاعِظِ النَّافِعَةِ وَاللَّطَائِفِ الْمُفِيدَةِ؛ لِتَرْوِيحِ النُّفُوسِ الطَّامِعَةِ، مَعَ مَا يَلْتَحِقُ بهِ مِنَ المَسَائِلَ الْعِلْمِيَّةِ، وَالْمَبَاحِثِ النَّظَرِيَّةِ، وَالأَشْعَارِ الَّتِي هِيَ جُلُّ مَوَادِّ العُلُومِ الأَدَبِيَّةِ، كـ: اللُّغَةِ وَالْمَعَانِي وَالْعَرَبِيَّةِ". * * *

стр. 173

[التَّارِيخُ فَرْضَ كِفَايَةٍ أَفْضَلُ مِن فَرْضِ عَيْنٍ] (١) وَلِهَذَا صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ (عُلَمَاءِ الْمَذَاهِبِ) (٢) أُولِي (٣) الْأَمَانَاتِ بِأَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ (الرَّاجِحُ ارْتِقَاؤُهُ عَلَى فَرْضِ العَيْنِ، لِلانْدِفَاعِ بِقِيَامِهِ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ التَّأْثِيمَاتُ، بَل رُبَّمَا انْحَصَرَ وَتَعَيَّنَ حَسْبَمَا يَعْلَمُهُ مَنِ اسْتَظْهَرَ وَتَبَيَّنَ. هَذَا مَعَ كَوْنِهِ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ عُلُومِهِ، وَعِقْدًا مِنْ مَعْلُومَاتِهِ وَرُسُومِهِ) (٤). وَمَا أَحْسَنَ مَا بَلَغَنِي مِنَ الشِّعْرِ فِي مَدْحِهِ، وَأَبْيَنَ مَا أَعْجَبَنِي، مِمَّا يُرَغِّبُ فِي الاعْتِنَاءِ بِهِ وَعَدَمِ طَرْحِهِ، قَوْلُ الْقَاضِي الْأَرْجَانِيِّ (٥) الْبَدِيعُ الأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي: إِذَا عَلِمَ الإِنْسَانُ أَخْبَارَ مَنْ مَضَى … تَوَهَّمْتَهُ قَدْ عَاشَ مِنْ أَوَّلِ الدَّهْرِ وَتَحْسَبُهُ قَدْ عَاشَ آخِرَ عُمْرِهِ … إِذَا كَانَ قَدْ أَبْقَى الجَمِيلَ مِنَ الذِّكْرِ فَقَدْ عَاشَ كُلَّ الدَّهْرِ مَنْ كَانَ عَالِمًا … حَلِيمًا كَرِيمًا فَاغْتَنِمْ أَطْوَلَ العُمْرِ (٦) (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَرَفِ هَذَا الْفَنِّ إِلَّا أَنَّ البُخَارِيَّ ﵀ صَنَّفَ "تَارِيخَهُ" (٧) فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ يَكْتُبُهُ فِي اللَّيَالِي الْمُقْمِرَةِ، وَسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ "صحِيحِهِ" حَيْثُ حَوَّلَ تَرَاجِمَهُ بَيْنَ الْقَبْرِ النَّبَوِيِّ وَالْمِنْبَرِ

стр. 174

الشَّرِيفِ، وَكَانَ يُصَلِّي لِكُلِّ تَرْجَمَةٍ رَكْعَتَيْنِ (١). قُلْتُ: وَاسْتِوَاؤُهُمَا ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ لِلْحُكْمِ عَلَى الحَدِيثِ إِلَّا بِهِ) (٢). وَيُسْتَفَادُ مِنْ أَثْنَاءِ (٣) هَذَا الْفَنِّ مَا لَعَلَّهُ مُنْدَرِجٌ فِي عُلُومِ أُخَرَ كَـ: السِّيَاسَةِ؛ الْعِلْمُ الَّذِي يُتَعَرَّفُ مِنْهُ أَنْوَاعُ الرِّيَاسَاتِ وَالسِّيَاسَاتِ، وَالاِجْتِمَاعَاتِ الْفَاضِلَةِ وَالْمُرْدِيَةِ، وَتَوَابِعُ ذَلِكَ. وَكَـ: عِلْمِ الْأَخْلَاقِ الَّذِي يُعْلَمُ مِنْهُ أَنْوَاعُ الْفَضَائِلِ وَكَيْفِيَّةُ اكْتِسَابِهَا، وَأَنْوَاعُ الرَّذَائِلِ وَكَيْفِيَّةُ اجْتِنَابِهَا. وَكَـ: عِلْمِ تَدْبِيرِ الْمَنْزِلِ الَّذِي يُعْلَمُ مِنْهُ الْأَحْوَالُ الْمُشْتَرِكَةُ بَيْنَ الْإِنْسَانِ، وَزَوْجِهِ، وَوَلَدِهِ، وَخَدَمِهِ، وَوَجْهُ الصَّوَابِ فِيهَا. وَمِمَّا بَلَغَنَا أَنَّ بَعْضَ نُدَمَاءِ الأَشْرَفِ بَرْسْبَاي مَدَحَهُ بِكَوْنِهِ (٤) أَغْنَى الْفُقَهَاءِ بِمَا انْفَرَدَ بِهِ عَنْ كَثِيرِينَ مِمَّنْ قَبْلِهِ -يَعْنِي فَإِنَّهُ (٥) بَنَى مَدْرَسَةً بِالْقَاهِرَةِ وَبِالصَّحْرَاءِ وَبِالْخَانِقَاهْ (٦) وَغَيْرِ ذَلِكَ- فَقَالَ: "إِنَّ مَنْ سَبَقَنَا كَانَ فُقَهَاؤُهُمْ غَيْرَ مُوَافِقِينَ لَهُمْ، فَقَصَّرُوا فِي جَانِبِهِمْ لِذَلِكَ، وَفُقَهَاؤُنَا لَا يُخَالِفُونَا، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ نَسْمَحَ لَهُمْ بِحِطَامِ الدُّنْيَا".

стр. 175

قُلْتُ: وَهَذَا قَدْ كَانَ، وَأَمَّا الْآنَ فَالْمُوَافَقَةُ حَاصِلَةٌ، وَالِانْقِيَادُ بِالْخِطَامِ (١) دُونَ الْحُطَامِ، بَلْ هُمْ مُزَاحَمُونَ فِي أَرْزَاقِهِمُ الْمُرْصَدَةِ لَهُمْ مِمَّنْ قَبْلَهُمْ! غَفَرَ اللهُ لَنَا وَلَهُمْ. * * *

стр. 176

تَتِمَّةٌ فِيهَا فَائِدَتَانِ: [الفَرْقُ بَيْنَ التَّارِيخِ وَالطَّبَقَاتِ] (١) الأولَى: قَالَ الْعِزُّ ابْنُ جَمَاعَةَ (٢): "وَمِمَّا يُشْكِلُ وَيُحْتَاجُ إِلَيْهِ، مَعْرِفَةُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ عِلْمِ التَّارِيخِ وَعِلْمِ الطَّبَقَاتِ، وَمَعْرِفَةُ الِافْتِرَاقِ بَيْنَ مَوْضُوعِهِمَا وَغَايَتِهِمَا". قَالَ: "وَالحَقُّ عِنْدِي أَنَّهُمَا بِحَسَبِ الذَّاتِ يَرْجِعَانِ إِلَى شَيءٍ وَاحِدٍ، وَبِحَسَبِ الاعْتِبَارِ يَتَحَقَّقُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّغَايُرِ". قُلْتُ: بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ (٣)، فَيَجْتَمِعَانِ فِي التَّعْرِيفِ بِالرُّوَاةِ، وَيَنْفَرِدُ التَّارِيخُ بِالحَوَادِثِ، وَالطَّبَقَاتُ بِمَا إِذَا كَانَ فِي البَدْرِيِّينَ -مَثَلًا- مَنْ تَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُ عَمَّنْ لَمْ يَشْهَدْهَا؛ لاسْتِلْزَامِهِ تَقْدِيمَ مُتَأَخِّرِ (٤) الْوَفَاةِ. هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَإِنْ خَرَجَ غَالِبُ مَنْ صَنَّفَ بَعْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ "طَبَقَاتُ الشَّافِعِيَّةِ" مَثَلًا عَنْهُ، لِمُرَاعَاتِهِمْ فِي الطَّبَقَةِ قُرْبَ الْوَفَيَاتِ. وَرُبَّمَا يَكُونُ الوَاحِدُ مِنْ طَبَقَةٍ تَلِي الْمَذْكُورَ فِيهَا لِقِدَمِ مَوْتِهِ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُمْ فِي الْأَخْذِ.

стр. 177

وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ التَّارِيخَ يُنْظَرُ فِيهِ بِالذَّاتِ إِلَى الْمَوَالِيدِ وَالْوَفَيَاتِ، وَبِالْعَرَضِ إِلَى الأَحْوَالِ، وَالطَّبَقَاتِ يُنْظَرُ فِيهَا بِالذَّاتِ إِلَى الْأَحْوَالِ، وَبِالْعَرَضِ إِلَى الْمَوَالِيدِ وَالْوَفَيَاتِ. وَلَكِنَّ الأَوَّلَ (١) أَشْبَهُ. الثَّانِيَةُ: يَقَعُ فِي كَلَامِهِمْ: "فُلَانٌ الْمُتَوَفَّى" وَأَنْتَ (٢) فِي فَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا بِالْخِيَارِ، وَالْكَسْرُ مُوَجَّهٌ بِالْمُسْتَوفِي لِمُدَّةِ حَيَاتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] عَلَى قِرَاءَةِ عَلِيٍّ ﵁ فِي فَتْحِ اليَاءِ (٣)؛ أَيْ: يَسْتَوْفُونَ آجَالَهُمْ. وَإِنْ حُكِيَ أَنَّ أَبَا الْأَسْودِ الدُّؤَلِيَّ كَانَ مَعَ جَنَازَةٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَنْ الْمُتَوَفِّي؟ بِكَسْرِ الْفَاءِ، فَقَالَ: اللهُ. وَأَنَّهَا كَانَتْ أَحَدَ الْأَسْبَابِ الْبَاعِثَةِ لِأَمْرِ عَلِيٍّ لَهُ بِالنَّحْوِ، فَقَدْ قِيلَ، يَعْنِي عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الْحِكَايَةِ: إِنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ فَهْمُهُ وَيَتَعَقَّلُهُ (٤) خُصُوصًا وَهُوَ الْقَائِلُ: "حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ" (٥). وَأَمَّا غَايَتُهُ فَالتَّرَجِّي لِرِضَا اللهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، وَالأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ. * * *

стр. 178

[تَمْشِي الأَحْكَامُ الخَمْسَةُ فِي التَّارِيخِ] (١) وَأَمَّا حُكْمُهُ فَلَيْسَ بِمُطَّرِدٍ فِي وَاحِدٍ، بَلْ مِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ إِذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلْوُقُوفِ عَلَى اتِّصَالِ الْخَبَرِ وَشِبْهِهِ، وَلِمَعْرِفَةِ النَّسْخِ، وَلِلْأَنْسَابِ الَّتِي يَنْشَأُ عَنْهَا التَّوَارُثُ وَالْكَفَاءَةُ. وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ: بِأَنَّ عَلَيْهِ مَدَارَ الأَحْكَامِ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: إِنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَبَعْضُهُمْ: إِنَّهُ مِمَّا يَنْبَغِي، وَلَكِنَّهَا غَيْرُ مُتَمَحِّضَةٍ لِلْوُجُوبِ (٢) بَلْ يَنْدَرِجُ تَحْتَهَا الْمُسْتَحَبُّ بِحَسَبِ الْمَقَامِ وَالسِّيَاقِ (٣) وَرُبَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُبَاحِ. وَعَقَدَ (٤) الْخَطِيبُ بَابًا لِوُجُوبِ بَيَانِ أَحْوَالِ الْكَذَّابِينَ، وَالنَّكِيرِ عَلَيْهِمْ، وَإِنْهَاءِ أَمْرِهِمْ إِلَى السَّلَاطِينَ (٥) وَأَوْرَدَ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لِشَدِّةِ اعْتِنَائِهِ بِهِ لَمَّا وَدَّعَ أَبَا عَلِيٍّ الْحَسَنَ بْنَ الرَّبِيعِ (٦) قَعَدَ مَعَهُ، وَأَخْرَجَ أَلْوَاحَهُ، وَسَأَلَهُ أَنْ يُمْلِيَ عَلَيْهِ وَفَاةَ ابْنِ الْمُبَارَكِ، فَفَعَلَ، وَأَنَّهَا فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ [وَمِائَةٍ] (٧) وَأَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَقْصِدِهِ بِهِ فَقَالَ: "أُرِيدُ أَتَعَرَّفُ بِهِ الْكَذَّابِينَ" أَوْ كَمَا قَالَ (٨).

стр. 179

وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ ابْنُ فَارِسٍ كَمَا مَضَى: إِنَّ السِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ بِخُصُوصِهَا مِنْهُ "مِمَّا يَحِقُّ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ حِفْظُهَا، وَيَجِبُ عَلَى ذِي الدِّينِ مَعْرِفَتُهَا" (١). وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: "إِنَّهُ يَخْشَى لِمَنْ جَهِلَهَا إِذَا قِيلَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ أَنْ يَقُولَ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُوُلونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ! أَعَاذَنَا اللهُ مِنْ ذَلِكَ". وَنَحْوُهُ الْقَوْلُ بِعَدَمِ صِحَّةِ إِيمَانِ الْمُقَلِّدِ (٢). وَقَدْ يُتَمَسَّكُ بِقَوْلِ أَبِي مُحَمَّدِ ابْنِ حَزْمٍ فِي كِتَابِهِ "مَرَاتِبُ الْعُلُومِ" (٣): "العُلُومُ الْقَائِمَةُ اليَوْمَ سَبْعَةُ أَقْسَامٍ عِنْدَ كُلِّ أُمَّةٍ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ: عِلْمُ الشَّرِيعَةِ، وَعِلْمُ أَخْبَارِهَا -يَعْنِي الْمُتَضَمِّنَ لِفَنِّ التَّارِيخِ- وَعِلْمُ لُغَاتِهَا" وَذَكَرَ بَاقِيَهَا لِلْوُجُوبِ. وَذَكرَ الْعِزُّ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي "قَوَاعِدِهِ" (٤) مِنْ أَمْثِلَةِ الْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ: "الْكَلَامُ فِي الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ؛ لِيَتَمَيَّزَ الصَّحِيحُ مِنَ السَّقِيمِ، وَقَدْ دَلَّتْ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنَّ حِفْظَ الشَّرِيعَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِيمَا (٥) زَادَ عَلَى الْقَدْرِ الْمُتَعَيِّنِ، وَلَا يَتَأَتَّى حِفْظُ الشَّرِيعَةِ إِلَّا بِمَا ذَكَرْنَاهُ" انْتَهَى. وَإِدْرَاجُهُ لِذَلِكَ فِي الْبِدَعِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، فَقَدْ قَالَ ﷺ : "نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ" (٦) وَ"بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ" (٧) فِي أَشْبَاهٍ لِذَلِكَ فِي الطَّرَفَيْنِ.

стр. 180

(مِنْهَا مِمَّا أَوْرَدَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "الْعِلَلُ" (١) مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ المُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: "إِذَا عَلِمَ أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيهِ خَيْرًا فَلْيُخْبِرْهُ بِهِ، فَإِنَّهُ تَزْدَادُ رَغْبَتُهُ فِي الْخَيْرِ" (٢) وَقَالَ: "إِنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ مُرْسَلًا". وَمِنْهَا مَا لِلطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَفَعَهُ: "إِذَا مُدِحَ المُؤْمِنُ رَبَا الإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ") (٣) (٤). وَمِنْهُ مَا هُوَ حَرَامٌ كالْمَذْكُورِ مِمَّا وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنْ جُهَّالِ الْمُؤَرِّخِينَ الَّذِينَ مُعَوَّلُهُمْ غَالِبًا عَلَى النَّاقِلِينَ عَنْ كُتُبِ الأوَّلِينَ كَـ "مُبْتَدَأُ" (٥) وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، الْقَائِلِ مُصَنِّفُهُ: "قَرَأْتُ ثَلَاثِينَ كِتَابًا نَزَلَتْ عَلَى ثَلَاثِينَ نَبِيًّا" (٦) وَأَنْ كُلًّا مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ ثُمَّ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَعْلَمُ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَأَنَّهُ جَمَعَ عِلْمَهُمَا. وَكَذَا غَيْرُهُ مِنَ الأَخْبَارِ الَّتِي تَجْرِي مَجْرَى الْخُرَافَاتِ، حَيْثُ أَوْرَدَهُ (٧) بِالْجَزْمِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِبُطْلَانِهِ، وَلَا أَنَّهُ مِمَّا نُقِلَ عَنْ كُتُبِ الْأَوَائِلِ، سِيَّمَا الْمُضَافُ لِسِيَرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْمَحْكِيُّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ مِنَ الْأَخْبَارِيِّينَ (٨) [إِذْ] (٩) الْغَالِبُ
следующие страницы →