← История

История · id 34

الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التوريخ ت الظفيري

السخاوي

Полный текст (574 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

تَتِمَّةٌ فِيهَا فَائِدَتَانِ: [الفَرْقُ بَيْنَ التَّارِيخِ وَالطَّبَقَاتِ] (١) الأولَى: قَالَ الْعِزُّ ابْنُ جَمَاعَةَ (٢): "وَمِمَّا يُشْكِلُ وَيُحْتَاجُ إِلَيْهِ، مَعْرِفَةُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ عِلْمِ التَّارِيخِ وَعِلْمِ الطَّبَقَاتِ، وَمَعْرِفَةُ الِافْتِرَاقِ بَيْنَ مَوْضُوعِهِمَا وَغَايَتِهِمَا". قَالَ: "وَالحَقُّ عِنْدِي أَنَّهُمَا بِحَسَبِ الذَّاتِ يَرْجِعَانِ إِلَى شَيءٍ وَاحِدٍ، وَبِحَسَبِ الاعْتِبَارِ يَتَحَقَّقُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّغَايُرِ". قُلْتُ: بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ (٣)، فَيَجْتَمِعَانِ فِي التَّعْرِيفِ بِالرُّوَاةِ، وَيَنْفَرِدُ التَّارِيخُ بِالحَوَادِثِ، وَالطَّبَقَاتُ بِمَا إِذَا كَانَ فِي البَدْرِيِّينَ -مَثَلًا- مَنْ تَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُ عَمَّنْ لَمْ يَشْهَدْهَا؛ لاسْتِلْزَامِهِ تَقْدِيمَ مُتَأَخِّرِ (٤) الْوَفَاةِ. هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَإِنْ خَرَجَ غَالِبُ مَنْ صَنَّفَ بَعْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ "طَبَقَاتُ الشَّافِعِيَّةِ" مَثَلًا عَنْهُ، لِمُرَاعَاتِهِمْ فِي الطَّبَقَةِ قُرْبَ الْوَفَيَاتِ. وَرُبَّمَا يَكُونُ الوَاحِدُ مِنْ طَبَقَةٍ تَلِي الْمَذْكُورَ فِيهَا لِقِدَمِ مَوْتِهِ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُمْ فِي الْأَخْذِ.

стр. 177

وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ التَّارِيخَ يُنْظَرُ فِيهِ بِالذَّاتِ إِلَى الْمَوَالِيدِ وَالْوَفَيَاتِ، وَبِالْعَرَضِ إِلَى الأَحْوَالِ، وَالطَّبَقَاتِ يُنْظَرُ فِيهَا بِالذَّاتِ إِلَى الْأَحْوَالِ، وَبِالْعَرَضِ إِلَى الْمَوَالِيدِ وَالْوَفَيَاتِ. وَلَكِنَّ الأَوَّلَ (١) أَشْبَهُ. الثَّانِيَةُ: يَقَعُ فِي كَلَامِهِمْ: "فُلَانٌ الْمُتَوَفَّى" وَأَنْتَ (٢) فِي فَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا بِالْخِيَارِ، وَالْكَسْرُ مُوَجَّهٌ بِالْمُسْتَوفِي لِمُدَّةِ حَيَاتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] عَلَى قِرَاءَةِ عَلِيٍّ ﵁ فِي فَتْحِ اليَاءِ (٣)؛ أَيْ: يَسْتَوْفُونَ آجَالَهُمْ. وَإِنْ حُكِيَ أَنَّ أَبَا الْأَسْودِ الدُّؤَلِيَّ كَانَ مَعَ جَنَازَةٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَنْ الْمُتَوَفِّي؟ بِكَسْرِ الْفَاءِ، فَقَالَ: اللهُ. وَأَنَّهَا كَانَتْ أَحَدَ الْأَسْبَابِ الْبَاعِثَةِ لِأَمْرِ عَلِيٍّ لَهُ بِالنَّحْوِ، فَقَدْ قِيلَ، يَعْنِي عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الْحِكَايَةِ: إِنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ فَهْمُهُ وَيَتَعَقَّلُهُ (٤) خُصُوصًا وَهُوَ الْقَائِلُ: "حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ" (٥). وَأَمَّا غَايَتُهُ فَالتَّرَجِّي لِرِضَا اللهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، وَالأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ. * * *

стр. 178

[تَمْشِي الأَحْكَامُ الخَمْسَةُ فِي التَّارِيخِ] (١) وَأَمَّا حُكْمُهُ فَلَيْسَ بِمُطَّرِدٍ فِي وَاحِدٍ، بَلْ مِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ إِذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلْوُقُوفِ عَلَى اتِّصَالِ الْخَبَرِ وَشِبْهِهِ، وَلِمَعْرِفَةِ النَّسْخِ، وَلِلْأَنْسَابِ الَّتِي يَنْشَأُ عَنْهَا التَّوَارُثُ وَالْكَفَاءَةُ. وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ: بِأَنَّ عَلَيْهِ مَدَارَ الأَحْكَامِ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: إِنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَبَعْضُهُمْ: إِنَّهُ مِمَّا يَنْبَغِي، وَلَكِنَّهَا غَيْرُ مُتَمَحِّضَةٍ لِلْوُجُوبِ (٢) بَلْ يَنْدَرِجُ تَحْتَهَا الْمُسْتَحَبُّ بِحَسَبِ الْمَقَامِ وَالسِّيَاقِ (٣) وَرُبَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُبَاحِ. وَعَقَدَ (٤) الْخَطِيبُ بَابًا لِوُجُوبِ بَيَانِ أَحْوَالِ الْكَذَّابِينَ، وَالنَّكِيرِ عَلَيْهِمْ، وَإِنْهَاءِ أَمْرِهِمْ إِلَى السَّلَاطِينَ (٥) وَأَوْرَدَ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لِشَدِّةِ اعْتِنَائِهِ بِهِ لَمَّا وَدَّعَ أَبَا عَلِيٍّ الْحَسَنَ بْنَ الرَّبِيعِ (٦) قَعَدَ مَعَهُ، وَأَخْرَجَ أَلْوَاحَهُ، وَسَأَلَهُ أَنْ يُمْلِيَ عَلَيْهِ وَفَاةَ ابْنِ الْمُبَارَكِ، فَفَعَلَ، وَأَنَّهَا فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ [وَمِائَةٍ] (٧) وَأَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَقْصِدِهِ بِهِ فَقَالَ: "أُرِيدُ أَتَعَرَّفُ بِهِ الْكَذَّابِينَ" أَوْ كَمَا قَالَ (٨).

стр. 179

وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ ابْنُ فَارِسٍ كَمَا مَضَى: إِنَّ السِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ بِخُصُوصِهَا مِنْهُ "مِمَّا يَحِقُّ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ حِفْظُهَا، وَيَجِبُ عَلَى ذِي الدِّينِ مَعْرِفَتُهَا" (١). وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: "إِنَّهُ يَخْشَى لِمَنْ جَهِلَهَا إِذَا قِيلَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ أَنْ يَقُولَ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُوُلونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ! أَعَاذَنَا اللهُ مِنْ ذَلِكَ". وَنَحْوُهُ الْقَوْلُ بِعَدَمِ صِحَّةِ إِيمَانِ الْمُقَلِّدِ (٢). وَقَدْ يُتَمَسَّكُ بِقَوْلِ أَبِي مُحَمَّدِ ابْنِ حَزْمٍ فِي كِتَابِهِ "مَرَاتِبُ الْعُلُومِ" (٣): "العُلُومُ الْقَائِمَةُ اليَوْمَ سَبْعَةُ أَقْسَامٍ عِنْدَ كُلِّ أُمَّةٍ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ: عِلْمُ الشَّرِيعَةِ، وَعِلْمُ أَخْبَارِهَا -يَعْنِي الْمُتَضَمِّنَ لِفَنِّ التَّارِيخِ- وَعِلْمُ لُغَاتِهَا" وَذَكَرَ بَاقِيَهَا لِلْوُجُوبِ. وَذَكرَ الْعِزُّ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي "قَوَاعِدِهِ" (٤) مِنْ أَمْثِلَةِ الْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ: "الْكَلَامُ فِي الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ؛ لِيَتَمَيَّزَ الصَّحِيحُ مِنَ السَّقِيمِ، وَقَدْ دَلَّتْ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنَّ حِفْظَ الشَّرِيعَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِيمَا (٥) زَادَ عَلَى الْقَدْرِ الْمُتَعَيِّنِ، وَلَا يَتَأَتَّى حِفْظُ الشَّرِيعَةِ إِلَّا بِمَا ذَكَرْنَاهُ" انْتَهَى. وَإِدْرَاجُهُ لِذَلِكَ فِي الْبِدَعِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، فَقَدْ قَالَ ﷺ : "نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ" (٦) وَ"بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ" (٧) فِي أَشْبَاهٍ لِذَلِكَ فِي الطَّرَفَيْنِ.

стр. 180

(مِنْهَا مِمَّا أَوْرَدَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "الْعِلَلُ" (١) مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ المُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: "إِذَا عَلِمَ أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيهِ خَيْرًا فَلْيُخْبِرْهُ بِهِ، فَإِنَّهُ تَزْدَادُ رَغْبَتُهُ فِي الْخَيْرِ" (٢) وَقَالَ: "إِنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ مُرْسَلًا". وَمِنْهَا مَا لِلطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَفَعَهُ: "إِذَا مُدِحَ المُؤْمِنُ رَبَا الإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ") (٣) (٤). وَمِنْهُ مَا هُوَ حَرَامٌ كالْمَذْكُورِ مِمَّا وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنْ جُهَّالِ الْمُؤَرِّخِينَ الَّذِينَ مُعَوَّلُهُمْ غَالِبًا عَلَى النَّاقِلِينَ عَنْ كُتُبِ الأوَّلِينَ كَـ "مُبْتَدَأُ" (٥) وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، الْقَائِلِ مُصَنِّفُهُ: "قَرَأْتُ ثَلَاثِينَ كِتَابًا نَزَلَتْ عَلَى ثَلَاثِينَ نَبِيًّا" (٦) وَأَنْ كُلًّا مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ ثُمَّ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَعْلَمُ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَأَنَّهُ جَمَعَ عِلْمَهُمَا. وَكَذَا غَيْرُهُ مِنَ الأَخْبَارِ الَّتِي تَجْرِي مَجْرَى الْخُرَافَاتِ، حَيْثُ أَوْرَدَهُ (٧) بِالْجَزْمِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِبُطْلَانِهِ، وَلَا أَنَّهُ مِمَّا نُقِلَ عَنْ كُتُبِ الْأَوَائِلِ، سِيَّمَا الْمُضَافُ لِسِيَرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْمَحْكِيُّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ مِنَ الْأَخْبَارِيِّينَ (٨) [إِذْ] (٩) الْغَالِبُ

стр. 181

عَلَيْهِمُ الْإِكْثَارُ وَالتَّخْلِيطُ. وَكَذَا مَا يُسْتَهْجَنُ ذِكْرُهُ عِنْدَ أَرْبَابِ الْعُقُولِ (١) مِنْ حَوَادِثَ لا مَعْنَى لَهَا وَلَا فَائِدَةَ، وَذِكْرُ أُنَاسٍ مِنَ الْمُلُوكِ وَالْأَكَابِرِ يُضَافُ إِلَيْهِمْ شُرْبُ الْخَمْرِ وَفِعْلُ الْفَوَاحِشِ (٢) مِمَّا تَصْحِيحُهُ عَنْهُمْ عَزِيزٌ، وَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ إِشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ إِنْ صَحَّ، أَوِ الْقَذْفِ إِنْ لَمْ يَصِحَّ، سِيَّمَا وَقَدْ يَتَضَمَّنُ التَّهْوِينَ عَلَى أَبْنَاءِ جِنْسِهِمْ فِيمَا هُمْ (فِيهِ) (٣) مِنَ الزَّلَلِ. عَلَى أَنَّ الْأَخْبَارَ لَا تَسْلَمُ مِنْ بَعْضِ هَذَا. * * *

стр. 182

﴿[السِّيَاسَةُ] (١)﴾ (وَمِنْ أَعْظَمِ خَطَأِ السَّلَاطِينِ وَالأُمَرَاءِ نَظَرُهُمْ فِي سِيَاسَاتِ مُتَقَدِّمِيهِمْ، وَعَمَلُهُمْ بِمُقْتَضَاهَا، مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِيمَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، ثُمَّ تَسْمِيَةُ أَفْعَالِهِمُ الْخَارِجَةِ عَنِ الشَّرْعِ سِيَاسَةً! فَإِنَّ الشَّرْعَ هُوَ السِّيَاسَةُ، لَا عَمَلُ السُّلْطَانِ بِهَوَاهُ وَرَأْيهِ. وَوَجْهُ خَطَئِهِمْ (٢) فِي هَذَا أَنَّ مَضْمُونَ قَوْلِهِمْ يَقْتَضِي أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِمَا يَكْفِي فِي السِّيَاسَةِ، فَاحْتَجْنَا إِلَى تَتِمَّةٍ فِيمَا رَأَيْنَا! (٣) فَهُمْ يَقْتُلُونَ مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ، وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ سِيَاسَةً! ). وَهَذَا تَعَاطٍ عَلَى الشَّرِيعَةِ يُشْبِهُ الْمُرَاغَمَةَ (٤) وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ [الزخرف: ٢٣]. وَمِنْهُ ذِكْرُ الْمَسَاوِئِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوحِ، مَنْ يُخْرِجُ مَسَاوِئَ الْكَبِيرِ وَهَنَّاتِهِ فِي هَيْئَةِ الْمَدْحِ وَالْمَكَارِمِ وَالْعَظَمَةِ غَيْرُ مُلْتَفِتٍ لِلتَّحْرِيمِ. وَكَذَا مِنْ أَسْبَابِ [التَّحْرِيمِ] (٥) الزِّيَادَةُ فِي الجَرْحِ عَلَى مَا يَحْصُلُ الْغَرَضُ وَالنَّقْصُ مِنَ المَدْحِ. وَمِنْهُ مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ، حَيْثُ كَانَ طَرِيقًا لِلاِقْتِفَاءِ فِي الْمَحَاسِنِ، وَتَرْكِ مَا لَا يُنَاسِبُ مِنَ الْمَشَائِنِ، وَإِعْمَالِ الْفِكْرِ فِي تَدَبُّرِ الْعَوَاقِبِ، وَعَدَمِ الْوُثُوقِ بِدَوَامٍ قَرِيبٍ أَوْ صَاحِبٍ،

стр. 183

وَغَيْرِهَا (١) مِمَّا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي فَوَائِدِهِ. وَمِنْهُ مَا هُوَ مَكْرُوهٌ لِكَثِيرِينَ مِنْ تَسْوِيدِ كثِيرٍ مِنْهُمْ لِلأَوْرَاقِ -حَسْبَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ (٢) - بِصَغَائِرِ الْأُمُورِ الَّتِي الْإِعْرَاضُ عَنْهَا أَوْلَى، وَتَرْكُ تَسْطِيرِهَا أَحْرَى وَأَعْلَى، كَقَوْلِهِمْ: خُلِعَ عَلَى فُلَانٍ الذِّمِّيِّ، وَزِيدَ فِي السِّعْرِ الْيَوْمِيِّ، وَأُكْرِمَ فُلَانٌ، وَهُوَ مِنَ الْمُجْرِمِينَ، وَأُهِينَ فُلَانٌ، وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ (وَ) (٣) أَصْحَابِ الْهَيْئَاتِ الْمُعْتَبَرِينَ، لاِقْتِضَاءِ هَذَا التَّجَرِّيَ (٤) عَلَى غَيْرِهِمْ، كَمَا سَيَأْتِي. وَمِنْهُ مَا هُوَ مُبَاحٌ حَيْثُ لَا نَفْعَ فِيهِ، لَا دُنْيَوِيٌّ وَلَا أُخْرَوِيٌّ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ حُجَّةُ الإِسْلَامِ الغَزَالِيُّ فِي "الْإِحْيَاءُ" (٥) فَإِنَّهُ قَالَ: "وَأَمَّا الْمُبَاحُ مِنَ الْعِلْمِ فَالْعِلْمُ بِالْأَشْعَارِ الَّتِي لَا سُخْفَ فِيهَا، وَتَوَارِيخِ الأَخْبَارِ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ". بَل قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (٦) وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ فِي قِسْمِ الصَّدَقَاتِ مِنَ "الرَّوْضَةُ" (٧): "الْكِتَابُ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِثَلَاثَةِ أَغْرَاضٍ: التَّعْلِيمِ، وَالتَّفَرُّجِ بِالْمُطَالَعَةِ، وَالاِسْتِفَادَة. فَالتَّفَرُّجُ لَا يُعَدُّ حَاجَةً، كَاقْتِنَاءِ كُتُبِ الشِّعْرِ وَالتَّوَارِيخِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يَنْفَعُ فِي الآخِرَةِ وَلَا فِي الدُّنْيَا، فَهَذَا يُبَاعُ فِي الكَفَّارَةِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ، وَيُمْنَعُ اسْمُ الْمَسْكَنَةِ".

стр. 184

وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِهِ "فَضَائِحُ الْبَاطِنِيَّةِ" (١): "إِنَّهُ طَالَعَ الكُتُبَ المُصَنَّفَةَ فِي هَذَا الفَنِّ فَصَادَفَهَا مَشْحُونَةً بِفَنَّيْنِ مِنَ الْكَلَامِ: فَنٌّ فِي تَوَارِيخِ أَخْبَارِهِمْ وَحِكَايةِ أَحْوَالِهِمْ، مِنْ مَبْدَأِ أَمْرِهِمْ إِلَى ظُهُورِ ضَلَالَتِهِمْ، وَتَسْمِيَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ دُعَاتِهِمْ فِي كُلِّ قُطْرٍ مِنَ الْأَقْطَارِ، وَبَيَانِ وَقَائِعِهِمْ فِيمَا انْقَرَضَ مِنَ الأَعْصَارِ. فَهَذَا فَنٌّ أَرَى التَّشَاغُلَ بِهِ اشْتِغَالًا بِالْأَسْمَارِ، وَذَلِكَ أَلْيَقُ بِأَصْحَابِ التَّوَارِيخِ وَالأَخْبَارِ … " إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ، وَذَكَرَ الْفَنَّ الثَّانِيَ (٢) وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ "لَا يَرَى التَّشَاغُلَ بِهِ، فَاقْتَضَى إِبَاحَةَ الْأَوَّلِ مَعَ قَبُولِهِ لِلنِّزَاعِ". وَأَمَّا مَا اسْتُنْبِطَ لَهُ مِنَ الأَدِلَّةِ فَيُؤْخَذُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي فَوَائِدِهِ وَمِمَّا سَيَأْتِي قَرِيبًا. وَأَمَّا الذَّامُّونَ لَهُ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّصَ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَمَّمَ. فَالْمُخَصِّصُونَ اقْتَصَرُوا عَلَى مَنْ مَلَأَ مِنْهُمْ كُتُبَهُ بِمَا يُرْغَبُ عَنْ ذِكْرِهِ مِمَّا أَدْرَجْنَاهُ فِي التَّحْرِيمِ، وَمِنْهُمْ (٣) مَنْ يَدَّعِي الْمَعْرِفَةَ وَالرَّزَانَةَ، وَيَظُنُّ بِنَفْسِهِ التَّبَحُّرَ فِي الْعِلْمِ وَالْأَمَانَةِ (٤) يُعَمِّمُ فَيَحْتَقِرُ (٥) التَّوَارِيخَ وَيَزْدَرِيهَا، وَيُعْرِضُ عَنْهَا وَيُلْغِيهَا؛ لِظَّنِّهِ أَنَّ غَايَةَ فَائِدَتِهَا إِنَّمَا هُوَ القَصَصُ وَالْأَخْبَارُ، وَنِهَايَةُ مَعْرِفَتِهَا الْأَحَادِيثُ وَالْأَسْمَارُ! وَنَحْوُه (٦) مَنْ نَسَبَ بَعْضَهُمْ إِلَى الْقُصُورِ حَيْثُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْجَرْحِ وَضِدِّهِ، مَعَ كَوْنِهِ أَعْظَمَ فَوَائِدِهِ، وَلَا عَلَى أَخْبَارِ الْأَئِمَّةِ وَالزُّهَّادِ وَالعُلَمَاءِ الَّذِينَ بِذِكْرِهِمْ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ، وَلَا عَلَى شَرْحِ مَذَاهِبِ النَّاسِ مَعَ عُمُومِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى

стр. 185

الْحُرُوبِ وَالْفُتُوحَاتِ وَنَحْوِهَا، مَعَ أَنَّ مَنْ أَنْصَفَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْعِلْمِ فَتْحُ الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ فِي سَنَةِ كَذَا، وَلَا أَنَّ عَدَدَ الْجَيْشِ كَانَ كَذَا. * * *

стр. 186

﴿[مَطْلَبٌ في جَرْحِ بَعْضِ المُتَأَخِّرِيَنَ؛ أَجَائِزٌ أَمْ لَا ؟ ] (١)﴾ وَمِنْهُمْ مَنْ نَسَبَ الْمُتَعَرِّضَ مِنْهُمْ لِلتَّجْرِيحِ فِي الأَزْمَانِ الْمُتَأَخِّرَةِ إِلَى ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ لِكَوْنِهِ غِيبَةً، وَأَنَّ الأَخْبَارَ الْمُرَخَّصَ لَهُ مِنْ أَجْلِهَا قَدْ دُوِّنَتْ وَمَا بَقَى لَهُ فَائِدَةٌ. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهَذَا أَبُو عَمْرِو بْنُ الْمُرَابِطِ (٢) وَقَالَ: "إِنَّ فَائِدَتَهُ انْقَطَعَتْ مِنْ رَأْسِ الْأَرْبَعِ مِائَةٍ". وَدَنْدَنَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ لَمْ يَتَدَبَّرْ مَقَالَهُ بِعَيْبِ الْمُحَدِّثِينَ بِذَلِكَ، وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ: بِأَنَّ مَا يَقَعَ فِي كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ الْقَائِمِينَ بِالتَّارِيخِ وَمَا أَشْبَهَهُ، كَالذَّهَبِيِّ ثُمَّ شَيْخِنَا، مِنْ ذِكْرِ الْمَعَايبِ وَلَوْ كَانَ الْمُعَابُ مِنْ أَهْلِ الرِّوَايَةِ، غِيبَةٌ مَحْضَةٌ. وَنَحْوُهُ تَعَقُّبُ التَّقِيِّ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ ابْنَ السَّمْعَانِيِّ فِي ذِكْرِهِ بَعْضَ الشُّعَرَاءِ وَقَدَحَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: "إِذَا لَمْ يُضْطَرَّ إِلَى الْقَدْحِ فِيهِ لِلرِّوَايَةِ لَمْ يَجُزْ" (٣). وَمِنْهُمْ مَنْ نَسَبَ بَعْضَهُمْ إِلَى التَّقْصِيرِ وَالتَّعَصُّبِ، حَيْثُ لَمْ يَسْتَوْعِبِ الْقَوْلَ فِيمَنْ هُوَ مُنْحَرِفٌ عَنْهُمْ، بَلْ يَحْذِفُ كَثِيرًا مِمَّا يَرَاهُ مِنْ ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَيْهِمْ، وَيَسْتَوْفِي الْكَلَامَ فِيمَنْ عَدَاهُمْ، غَيْرَ مُقْتَصِرٍ عَلَيْهِمْ. وَمِنْهُمْ مَنِ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى الذَّمِ مُجَرَّدُ الْجَهْلِ. فَأَمَّا الأَوَّلُ: فَلَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِ الاقْتِصَارِ عَلَيْهِ، حَسْبَمَا قَرَّرْنَاهُ.

стр. 187

وَأَمَّا الثَّانِي: فَقَدْ رَدَّهُّ (١) ابْنُ الأَثِيرِ (٢) بِمَا حَاصِلُهُ: "أَنَّهُ ظَنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْقِشْرِ دُونَ اللُّبِّ، وَاخْتَصَرَ فَلَمْ يَنْظُرْ مَا فِيهَا مِنَ الْجَوَاهِرِ لِمَا عِنْدَهُ مِنَ التَّعَصُّبِ. وَمَنْ رَزَقَهُ اللهُ تَعَالَى طَبْعًا سَلِيمًا، وَهَدَاهُ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، عَلِمَ أَنَّ فَوَائِدَهُ كَثِيرَةٌ، وَمَنَافِعَهُ الدُّنْيَوِيَّةَ وَالْأُخْرَوِيَّةَ -يَعْنِي كَمَا قَدَّمْنَا- جَمَّةٌ غَزِيرَةٌ". وَأَمَّا الثَّالِثُ: "فَلَيْسَ مُجَرَّدُ الاِقْتِصَارِ عَلَى مَا ذُكِرَ نَقْصًا؛ فَالْمُؤَرِّخُونَ مَقَاصِدُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنْهُمْ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الاِبْتِدَاءِ، أَوْ عَلَى الْمُلُوكِ وَالْخُلَفَاءِ، وَأَهْلُ الأَثَرِ يُؤْثِرُونَ ذِكْرَ الْعُلَمَاءِ، وَالزُّهَّادُ يُحِبُّونَ أَحَادِيثَ الصُّلَحَاءِ وَأَرْبَابُ الأَدَبِ يَمِيلُونَ إِلَى أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَالشُّعَرَاءِ" (٣). وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكُلَّ مَطْلُوبٌ، وَالْجَمِيعَ مَحْبُوبٌ وَفِيهِ مَرْغُوبٌ، وَكُلُّ مَنِ الْتَزَمَ شَيْئًا فَالْغَالِبُ عَدَمُ خُرُوجِهِ عَنْ مَوْضُوعِهِ (٤) وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الِاسْتِيفَاءُ لِمَجْمُوعِهِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ جَمَعَهُ فِي دِيوَانٍ، وَأَوْدَعَهُ مِنْ غَيْرِ كَبِيرِ خَلَلٍ وَلَا نُقْصَانٍ، وَالكَمَالُ للهِ. وَأَمَّا الرَّابِعُ: فَقَدْ أَجَبْنَاهُمْ بِأَنَّ الْمَلْحُوظَ فِي تَسْوِيغِ ذَلِكَ كَوْنُهُ نَصِيحَةً، وَلَا انْحِصَارَ لَهَا فِي الرِّوَايَةِ، فَقَدْ ذَكَرُوا مِنَ الأَمَاكِنِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا ذِكْرُ الْمَرْءِ بمَا يَكْرَهُ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ غِيبَةً، بَلْ [هُوَ] (٥) نَصِيحَةٌ وَاجِبَةٌ -أَنْ تَكُونَ لِلْمَذْكُورِ وِلَايَةٌ لَا يَقُومُ بِهَا عَلَى وَجْهِهَا؛ إِمَّا بِأَلَّا يَكُونَ صَالِحًا لَهَا، وَإِمَّا بِأَنْ يَكُونَ فَاسِقًا أَوْ مُغَفَّلًا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَيُذْكَرَ لِيُزَالَ بِغَيْرِهِ مِمَّنْ يَصْلُحُ، أَوْ يَكُونَ مُبْتَدِعًا مِنَ الْمُتَصَوِّفَةِ وَغَيْرِهِمْ، أَوْ

стр. 188

فَاسِقًا وَيُرَى مَنْ يَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ لِلْعِلْمِ أَوِ لِلإِرْشَادِ، وَيُخَافُ عَلَيْهِ عَوْدُ الضَّرَرِ مِنْ قِبَلِهِ؛ فَيُعْلِمَهُ بِبَيَانِ حَالِهِ. وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ الْمُتَسَاهِلُ فِي الفَتْوَى، أَوِ التَّصْنِيفِ، أَوِ الْأَحْكَامِ، أَوِ الشَّهَادَاتِ، أَوِ النَّقْلِ، أَوِ الْوَعْظِ؛ حَيْثُ يَذْكُرُ الأَكَاذِيبَ وَمَا (لَا) (١) أَصْلَ لَهُ عَلَى رُؤُوسِ الْعَوَامِّ. أَوِ الْمُتَسَاهِلُ فِي ذِكْرِ الْعُلَمَاءِ، أَوْ فِي الرِّشَا أَوِ الِارْتِشَاءِ، إِمَّا بِتَعَاطِيهِ لَهُ، أَوْ بِإِقْرَارِهِ عَلَيْهِ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى مَنْعِهِ، وَأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْحِيَلِ وَالافْتِرَاءِ. أَوِ الْغَاصِبُ لِكُتُبِ الْعِلْمِ مِنْ أَرْبَابِهَا أَوِ الْمَسَاجِدِ، بِحَيْثُ تَصِيرُ مِلْكًا، فَضْلًا عَنِ الْأَوْقَافِ الَّتِي لَا حَقِيقَةَ لِلْمُسَوِّغِ فِيهَا، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، فَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ أَوْ وَاجِبٌ ذِكْرُهُ لِيُحْذَرَ ضَرَرَهُ. * * *

стр. 189

﴿[الْجَرْحُ نَصِيحَةٌ] (١)﴾ وَبِهذَا ظَهَرَ أَنَّ الجَرْحَ لَمْ يَنْقَطِعْ، وَأَنَّهُ وَالحَالَةُ هَذِهِ مِنْ النَّصِيحَةِ الوَاجِبَةِ المُثَابِ فَاعِلُهَا. وَقَد قَالَ مَنْ لَمْ يُشَكَّ فِي وَرَعِهِ، الْإمَامُ أَحْمَدُ [﵁] (٢) لِأَبِي تُرَابٍ النَّخْشَبِيِّ (٣) حِينَ عَذَلَهُ عَنِ الجَرْحِ بِقَوْلِهِ: (لَا تَغْتَبِ النَّاسَ): "وَيْحَكَ! هَذِهِ نَصِيحَةٌ وَلَيْسَتْ غِيبَةً" (٤) بَل قَالَ: "إِنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ" (٥). وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الكهف: ٢٩]. وَأَوْجَبَ اللهُ الْكَشْفَ وَالتَّبْيِينَ عِنْدَ خَبَرِ الْفَاسِقِ بِقَوْيهِ: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الجَرْحِ: "بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ" (٦). وَفِي التَّعْدِيلِ: "إِنَّ عَبْدَ اللهِ رَجُلٌ صَالِحٌ" (٧).

стр. 190

إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي الطَّرَفَيْنِ. وَلِذَا (١) كَانَ (هَذَا) (٢) مُسْتَثْنًى مِنَ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ، بَلْ أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِهِ، بَلْ عُدَّ مِنَ الوَاجِبَاتِ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ النَّوَوِيُّ (٣) وَالْعِزُّ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ كَمَا سَيَأْتِي كَلَامُهُ، بَلْ وَسَبَقَ أيْضًا. وَتَكَلَّمَ فِيهِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ كَانَ فِي الْوَرَعِ بِمَكَانٍ، كَالْحَافِظِ عَبْدِ الغَنِيِّ المَقْدِسِيِّ، وَمنَ الْمُتَقَدِّمِينَ أَحْمَدُ، كَمَا سَلَفَ قَرِيبًا. وَابْنُ الْمُبَارَكِ، فَإِنَّهُ قَالَ: "لَوْ خُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَبَيْنَ أَنْ أَلْقَى عَبْدَ اللهِ ابْنَ الْمُحَرَّرِ (٤) لَاخْتَرْتُ أَنْ أَلْقَاهُ ثُمَّ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ كَانَتْ بَعْرَةٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ! " (٥). وَابْنُ مَعِينٍ مَعَ تَصْرِيحِهِ بِقَوْلِه: "إِنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي أُنَاسٍ قَدْ حَطُّوا رِحَالَهُمْ فِي الْجَنَّةِ". (٦)

стр. 191

وَالبُخَارِيُّ الْقَائِلُ (كَمَا سَمِعَهُ مِنْهُ وَرَّاقُهُ) (١): "مَا اغْتَبْتُ أَحَدًا (قَطُّ) (٢) مُنْذُ عَلِمْتُ (٣) أنَّ الْغِيبَةَ حَرَامٌ) (٤) ". ((٥) وَرَوَى الخَطِيبُ فِي "تَارِيخِهِ" (٦) مِنْ جِهَةِ بَكْرِ بْنِ مُنِيرٍ: "سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ وَلَا يُحَاسِبَنِي أَنِّي (٧) اغْتَبْتُ أَحَدًا" (٨). وَلَمَّا قَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَرَّاقُهُ، حِينَ سَمِعَهُ يَقُولُ: "لَا يَكُونُ لِي خَصْمٌ فِي الآخِرَةِ! " مَا نَصُّهُ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَنْقِمُونَ عَلَيْكَ "التَّارِيخَ" يَقُولُونَ: فِيهِ اغْتِيَابُ النَّاسِ! [فَقَالَ] (٩): إِنَّمَا رَوَيْنَا ذَلِكَ وَلَمْ نَقُلْهُ مِنْ عِنْدَ أَنْفُسِنَا، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ" (١٠) انْتَهَى (١١). وَسَيَأْتِي أَنَّهُ ﵁ زَائِدُ التَّوَقِّي بَلِيغُ التَّحَرِّي فِي ذَلِكَ، أَكْثَرُ مَا يَقُولُ: "سَكَتُوا عَنْهُ، فِيهِ نَظَرٌ، تَرَكُوهُ" وَنَحْوَ هَذَا، وقَلَّ أَنْ يَقُولَ: "كَذَّابٌ، أَوْ وَضَّاعٌ" وَإِنَّمَا يَقُولُ: "كَذَّبَهُ فُلَانٌ، رَمَاهُ فُلَانٌ" يَعْنِي بِالْكَذِبِ (١٢).

стр. 192

قُلْتُ: وَلِذَا قَالَ: "إِنَّمَا رَوَيْنَا ذَلِكَ وَلَم نَقُلْهُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا") (١). وَحُجَّتُهُمُ التَّوَصُّلُ بِذَلِكَ لِصَوْنِ الشَّرِيعَةِ، وَأَنَّ حَقَّ اللهِ وَرَسُولِهِ هُوَ الْمُقَدَّمُ. وَمِمِّنَ صَرَّحَ بِذَلِكَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ (٢) حَيْثُ قَالَ لِمَنْ قَالَ لَهُ: أَمَا تَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ خُصَمَاءَكَ عِنْدَ اللهِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (٣)؛ : "لَأَنْ يَكُونُوا خُصَمَائِي (٤) أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ (أَنْ يَكُونَ) (٥) خَصْمِيَ النَّبِيُّ ﷺ حَيْثُ لَمْ أَذُبَّ عَنْ حَدِيثِهِ" (٦). وَرَأَى رَجُلٌ، عِنْدَ مَوْتِ ابْنِ مَعِينٍ، النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ مُجْتَمِعِينَ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ سَبَبِ اجْتِمَاعِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : جِئْتُ لِأُصَلِّي عَلَى هَذَا الرَّجُلِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَذُبُّ الْكَذِبَ عَنْ حَدِيثِي (٧). وَنُودِيَ بَيْنَ يَدَيْ نَعْشِهِ: "هَذَا الَّذِي كَانَ يَنْفِي [الْكَذِبَ] (٨) عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ " (٩). ثُمَّ رُؤِيَ فِي النَّوْمِ، فَقِيل لَهُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ فَقَالَ: "غَفَرَ لِي، وَأَعْطَانِي

стр. 193

وَحَبَانِي، وَزَوَّجَنِي ثَلَاثَ مِائَةِ حَوْرَاءَ، وَأَدْخَلَنِي عَلَيْهِ مَرْتَيْنِ" (١). وَقِيلَ فِيهِ (٢): ذَهَبَ العَلِيمُ بِعَيْبِ كُلِّ مُحَدِّثٍ … وَبِكُلِّ مُخْتَلَفٍ مِنَ الإِسْنَادِ وَبِكُلِّ وَهْمٍ فِي الحَدِيثِ وَمُشْكِلٍ … (يَعْنَى) (٣) بِهِ عُلمَاءُ كُلِّ بِلَادِ * * *

стр. 194

[مَحَلُّ جَوَازِ غِيبَةِ الفَاسِقِ] (١) وَكَذَا يَجِبُ ذِكْرُ الْمُتَجَاهِرِ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَنَحْوِهِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى؛ لِمَا يُرْوَى حَسْبَمَا بَيَّنَاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ: "أَتَرِعُونَ عَنْ ذِكْرِ الْفَاجِرِ! اذْكُرُوهُ بِمَا فِيهِ يَحْذَرْهُ النَّاسُ" (٢) وَ"لا غِيبَةَ لِفَاسِقٍ" (٣) مَعَ شَوَاهِدِهِمَا. وَلَكِنْ مَحَلُّهُ مَا إِذَا ظُنَّ انْكِفَافُهُ، أَوِ انْكِفَافُ مَنْ هُوَ نَظِيرُهُ، أَوْ نَحْوُهُ. وَقَدِ اسْتَفْتَى بَعْضُ الأَئِمَّةِ مِنْ أَصْحَابِنَا غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِنَا ﵏ فِيمَنْ عَابَ الْمُحَدِّثَ بِذَلِكَ؛ فَقَالَ شَيْخُنَا وَمُرْشِدُنَا: "المُحَدِّثُ أَصْلُ وَضْعِ فَنِّهِ (بَيَانُ) (٤) الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، فَمَنْ عَابَهُ بِذِكْرِهِ لِعَيْبِ الْمُجَاهِرِ بِالفِسْقِ (٥) أَوْ المُتَّصِفِ (٦) بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ، فَهُوَ جَاهِلٌ، أَوْ مُلَبِّسٌ، أَوْ مُشَارِكٌ لِلْمُجَاهِرِ فِي صِفَتِهِ، فَيُخْشَى أَنْ يَسْرِيَ إِلَيْهِ الوَصْفُ" (٧).

стр. 195

قُلْتُ: وَهَذَا مُشَاهَدٌ، فَغَالِبُ مَنْ يُنْكِرُ هَذَا وَشِبْهَهُ يَكُونُ مُتَلَوِّثًا بِالْقَاذُورَاتِ، أَوْ مُشْتَمِلًا عَلَى الضَّغِينَةِ وَالْحَسَدِ وَشِبْهِهِمَا مِنْ الْبَلِيَّاتِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ غَافِلًا عَمَّا لِلْعُلَمَاءِ مِنَ الْمَقَالَاتِ، أَوْ عَنْ إِدْرَاجِهِ فِي النَّصَائِحِ الْعَامَّاتِ. وَقَدْ رَدَّ شَيْخُنَا ﵀ عَلَى مَنْ نَسَبَهُ إِلَى الْغِيبَةِ، حَيْثُ قَالَ فِي الصَّدْرِ ابْنِ الْأَدَمِيِّ (١) أَحَدِ خَوَاصِّهِ وَأَصْحَابِهِ مَا نَصُّهُ: "وَكَانَ مُسْرِفًا عَلَى نَفْسِهِ، مُتَجَاهِرًا بِمَا لَا يَلِيقُ بِالْفُقَهَاءِ، وَقَدْ أُصِيبَ مِرَارًا، وَامْتُحِنَ، وَلَمَّا مَدَّ اللهُ تَعَالَى لَهُ العَطَاءَ وَأَسْبَغَ عَلَيْهِ النَّعْمَاءَ، لَمْ يُقَابِلْهَا بِالشُّكْرِ بِقَوْلِهِ: لَيْسَ ذِكْرُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مِنَ الغِيبَة! بَلْ قَالَ مَرَّةً: (إِنَّ الزَّاعِمَ أَنَّ هَذَا غِيبَةٌ) (٢) إِنْ كَانَ جَاهِلًا فَلْيُعَلَّمْ، فَإِنْ أَصرَّ فَلْيُؤَدَّبْ بِمَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الزَّجْرِ، حَتَّى يَرْجِعَ عَنِ الطَّعْنِ فِي الْبَرِيءِ، وَالذَّبِّ عَنِ الْمُجْتَرِئِ، وَيُثَابُ وَلِيُّ الْأَمْرِ -أَيَّدَهُ اللهُ تَعَالَى- عَلَى ذَلِكَ" انْتَهَى. وَهُوَ كَلَامٌ مُعْتَمَدٌ. وَتَبِعَهُ فِي فَتْوَاهِ القَايَاتِيُّ، وَأَنَّهُ مِنَ النَّصِيحَةِ الَّتِي يُثَابُ مُرْتَكِبُهَا، وَيَكُونُ آتِيًا بِفَرْضِ كِفَايَةٍ، وَقَدْ قَامَ بِوَاجِبٍ أُسْقِطَ بِهِ الْحَرَجُ عَنْ غَيْرِهِ، قَالَ: "وَمِنْ هُنَا قِيلَ: إِنَّ الْقِيَامَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ يَفْضُلُ القِيَامَ بِفَرْضِ الْعَيْنِ". وَقَالَ ابْنُ الدَّيْرِيِّ الْحَنَفِيُّ: "مِنْهُمْ لَا يُنْكِرُ عَلَى مَنْ سلَكَ فِي ذَلِكَ مَسْلَكَ أَهْلِ الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ، وَتَجَنَّبَ

стр. 196

الْمُجَازَفَةَ وَاحْتَاطَ لِنَفْسِهِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ أَصْلَ ذَلِكَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ الَّتِي لَا يَسَعُ الْإِخْلَالُ بِهَا، وَالْقَوَاعِدِ الَّتِي يَتَعَيَّنُ حِفْظُهَا وَرِعَايَتُهَا، فَإِنَّ خَطَرَ الدِّينِ أَعْظَمُ مِنْ خَطَرِ الدُّنْيَا، وَقَدْ شُرِطَ فِي الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ رِعَايَةُ الْعَدَالَةِ وَثُبُوتُ الْأَهْلِيَّةِ، فَأَحْرَى أَنْ يَتَعَيَّنَ ذَلِكَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ صَوْنًا لَهَا مِنَ (١) التَّغْيِيرِ وَالتَّحْرِيفِ، خُصُوصًا مِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِ هَوَاهُ فَأَضَلَّهُ عَنْ هُدَاهُ، كَالْمُبْتَدِعَةِ وَالدُّعَاةِ إِلَى الضَّلَالِ. فَيَجِبُ الاحْتِيَاطُ بِكَشْفِ أَحْوَالِ نَقَلَةِ الأَخْبَارِ، وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ مَنْ يُوثَقُ بِقَوْلِهِ وَيُرْكَنُ إِلَى رِوَايَتِهِ، وَبَيْنَ مَنْ يَجِبُ الإِعْلَامُ بِحَالِهِ، فَلَا يُنْكَرُ عَلَى مَنِ اعْتَمَدَ فِي قَوْلِهِ عَلَى أَقْوَالِ الْمَعْرُوفِينَ بِذَلِكَ الْمُجَانِبِينَ لِلْأَهْوَاءِ، بَلْ يَكُونُ فَاعِلُ ذَلِكَ مَحْمُودًا مُثَابًا إِذَا صَدَقَتْ نِيَّتُهُ، وَاسْتَقَامَتْ طَرِيقَتَهُ" (٢). وَقَالَ الْعَيْنِيُّ، أَحَدُ الرُّؤُوسِ مِنَ الْمُؤَرِّخِينَ، بِوُجُوبِ التَّعْزِيزِ (٣) عَلَى الْمُنْكَرِ، قَالَ: "وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الْمُؤَرِّخِينَ الْمُتَأَخِّرِينِ الَّذِينَ كَتَبُوا التَّارِيخَ -مِثْلُ الْخَطِيبِ، وَابْنِ الْجَوْزِي وَسِبْطِهِ، وَابْنِ عَسَاكِرَ، وَأَمْثَالِهِمْ -فَإِنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا بِهَذَا إِلَّا وُقُوفَ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِيُمَيِّزُوا الْمُعَدَّلَ مِنَ الْمَجْرُوحِ. وَأَمَّا الَّذِي يَكْتُبُ التَّارِيخَ فِي زَمَانِنَا هَذَا، فَإِنْ كَانَ نَقْلُهُ عَنْ مُشَاهَدَةٍ وَعِيَانٍ أَوْ بِإِخْبَارِ ثِقَاتٍ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ فَوَائِدَ كَثِيرَةً لَا تَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ، وَتَحْتَاجُ إِلَى مُجَلَّدَاتٍ" (٤). وَقَالَ الْعِزُّ الْكِنَانِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، الْفَرِيدُ فِي زَمَانِهِ:

стр. 197

" (١) لَا شَكَّ فِي جَلَالَةِ عِلْمِ التَّارِيخِ، وَعِظَمِ مَوْقِعِهِ مِنَ الدِّينِ، وَشِدَّةِ الْحَاجَةِ الشَّرْعِيَّةِ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الاعْتِقَادِيَّةَ وَالمَسَائِلَ الْفِقْهِيَّةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ كَلَامِ الْهَادِي مِنَ الضَّلَالَةِ، وَالْمُبَصِّرِ مِنَ الْعَمَى وَالجَهَالَةِ، وَالنَّقَلَةُ لِذَلِكَ هُمُ الْوَاسِطَةُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَوَجَبَ الْبَحْثُ عَنْهُمْ وَالْفَحْصُ عَنْ أَحْوَالِهِمْ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وَالْعِلْمُ الْمُتَكَفِّلُ بِذَلِكَ هُوَ عِلْمُ التَّارِيخِ، وَلِهَذَا قِيلَ إِنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي فَرْضِ الكِفَايَةِ؛ هَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ فَرْضِ الْعَيْنِ لِسُقُوطِ التَّكْلِيفِ بِفِعْلِهِ عَنِ الْفَاعِلِ وَغَيْرِهِ، بِخِلَافِ الْعَيْنِ؟ ". ثُمَّ ذَكَرَ جُمْلَةً مِنْ فَوَائِدِهِ، وَمَنْ صَنَّفَ فِيهِ مِنْ نُجُومِ الْهُدَى وَمَصَابِيحِ الظُّلَمِ، مِمَّنْ لا مَطْعَنَ فِيهِمْ وَلا قَدْحٌ، وَسَرَدَ جَمَاعَةً، خَتَمَهُمْ بِالذَّهَبِيِّ وَشَيْخِنَا ابْنِ حَجَرٍ وَالْعَيْنِيِّ (٢). ثُمَّ رَدَّ عَلَى الْقَائِلِ بِأَنَّهُ غِيبَةٌ وَقَالَ: "وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ فَمَا كُلُّ غِيبَةٍ حَرَامٌ". ثُمَّ سَرَدَ الْأَمَاكِنَ الَّتِي جَوَّزَتْ فِيهِ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ فِي"رِيَاضِهِ" (٣) وَابْنِ مُفْلِحٍ (٤) وَغَيْرِهِمَا، مِمَّا أَصْلُهُ لِحُجَّةِ الْإسْلَامِ الْغَزَالِيِّ (٥) وَقَوْلِ الْعِزِّ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي "الْقَوَاعِدُ" (٦):

стр. 198

"القَدْحُ فِي الرُّوَاةِ (١) وَاجِبٌ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ [دَفْعِ] (٢) إِثْبَاتِ الشَّرْعِ [بِقَوْلِ مَنْ لَا يَجُوزُ إِثْبَاتُ الشَّرْعِ بِهِ] (٣) وَلِمَا عَلَى النَّاسِ فِي تَرْكِ ذَلِكَ مِنَ الضَّرَرِ فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَحْكَامِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ خَبَرٍ (٤) يُجَوِّزُ الشَّرْعُ الاعْتِمَادَ عَلَيْهِ وَالرُّجُوعَ إِلَيْهِ. وَجَرْحُ الشُّهُودِ وَاجِبٌ عِنْدَ الْحُكَّامِ عِنْدَ الْمَصْلَحَةِ؛ وَلِحِفْظِ الْحُقُوقِ مِنَ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَبْضَاعِ وَالْأَنْسَابِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ أَعَمُّ وَأَعْظَمُ (٥). وَالدِّلَالَةُ عَلَى النَّصِيحَةِ قَولهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الكهف: ٢٩]. وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ﵂ (٦) قَالَتْ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ أَبَا جَهْمٍ (٧) وَمُعَاوِيَةَ خَطَبَانِي! فَقَالَ: "أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو الْجَهْمِ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٨). وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (٩) "فَضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ".

стр. 199

قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: فَهَذَا حُجَّةٌ لِقَوْلِ الْحَسَنِ الْبَصْرِي: "أَتَرِعُونَ عَنْ ذِكْرِ الْفَاجِرِ! اذْكُرُوهُ بِمَا فِيهِ لِيَحْذَرَهُ النَّاسِ" (١) فَإِنَّ النُّصْحَ فِي الدِّينِ أَعْظَمُ مِنَ النُّصْحِ فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ نَصَحَ الْمَرْأَةَ فِي دُنْيَاهَا، فَالنَّصِيحَةُ فِي الدِّينِ أَعْظَمُ. ثُمَّ ذَكَرَ أَمَاكِنَ كثِيرَةً تَجُوزُ الْغِيبَةُ عِنْدَهَا، وَخَتَمَ مَا نَقَلَهُ عَنِ النَّوَوِيِّ بِقَوْلِهِ: "فَيُحْمَلُ حَالُ هَذَا الْمُؤَرِّخِ عَلَى مَحْمَلٍ مِنَ الْمَحَامِلِ الْحَسَنَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ غَيْرُهُ فَيَجِبَ، وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِ مُتَعَيِّنٌ، وَهُوَ أَخْبَرُ بِنِيَّتِهِ (٢) إِذْ لَا سَبِيلَ لَنَا إِلَى الإِطِّلَاعِ عَلَيْهَا إِلَّا مِنْ قِبَلِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ؛ إِذْ أَدْنَى حَالَاتِهِ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَبًّا وَلَا وَاجِبًا، وَهُوَ مُثَابٌ مَأْجُورٌ إِذَا كَانَ قَصْدُهُ النَّصِيحَةَ، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ. بَلْ [لَا] (٣) يُلَائِمُ المُنَفِّرَ عَنْ هَذَا الْعِلْمِ وَالْعَائِبَ لَهُ، وَكَيْفَ يَلِيقُ عَيْبُ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ! كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ، أَمْ كَيْفَ تُعَابُ أَئِمَّةُ الْهُدَى الْمُتَّفَقُ عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَالإِقْتِدَاءِ بِهِمْ! " انْتَهَى. * * *

стр. 200

﴿[اعْتَرَاضُ السُّبْكِيِّ عَلَى الذَّهَبيِّ] (١)﴾ وَأَمَّا الخَامِسُ: فَالَّذِي نَسَبَ الذَّهَبِيِّ لِذَلِكَ هُوَ تِلْمِيذُهُ التَّاجُ السُّبْكِيُّ، وَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ إِنَّمَا هُوَ فِي أَفْرَادٍ مِمَّا وَقَعَ التَّاجُ فِي أَقْبَحَ مِنْهُ، حَيْثُ قَالَ فِيمَا قَرَأْتُهُ بِخَطِّهِ تِجَاهَ تَرْجَمَةِ "سَلَامَةُ الصَّيَّادُ الْمَنْبِجِيُّ الزَّاهِدُ" مَا نَصُّهُ (٢): "يَا مُسْلِمُ، اسْتَحِ مِنَ اللهِ! كَمْ تُجَازِفُ! وَكَمْ تَضَعُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِينَ هُمُ الْأَشْعَرِيَّةُ! (٣) وَمَتَى كَانَتْ الْحَنَابِلَةُ! وَهَلِ ارْتَفَعَ لِلْحَنَابِلَةِ قَطُّ (٤) رَأْسٌ! ". وَهَذَا مِنْ أَعْجَبِ الْعُجَابِ وَأَصْحَبُ لِلتَّعَصُّبِ، بَلْ أَبْلَغُ فِي خَطَأِ الْخِطَابِ. وَلِذَا (٥) كَتَبَ تَحْتَ خَطِّهِ بَعْدَ مُدَّةٍ قَاضِي عَصْرِنَا وَشَيْخُ الْمَذْهَبِ (الْحَنْبَلِيِّ) (٦) الْعِزُّ الْكِنَانِيُّ مَا نَصُّهُ (٧): "وَكَذَا، وَاللهِ، مَا ارْتَفَعَ لِلْمُعَطِّلَةِ (٨) رَأْسٌ! ".

стр. 201

ثُمَّ وَصَفَ التَّاجَ بِقَوْلِهِ: "هُوَ رَجُلٌ قَلِيلُ الْأَدَبِ، عَدِيمُ الْإِنْصَافِ، جَاهِلٌ بِأَهْلِ السُّنَّةِ وَرُتَبِهِمْ، يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ كَلَامُهُ" انْتَهَى. وَأَمَّا السَّادِسُ: فَمَنْ جَهِلَ شَيْئًا عَادَاهُ، وَالْجَاهِلُونَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَعْدَاءٌ، عَلَى أنَّا رَأَيْنَا كَثِيرًا مِمَّنْ عَابَ ذَلِكَ لَمْ يَرْفَعِ اللهُ لَهُ رَأْسًا. [وَ] انْتَقَدَ بَعْضُ الْمُعَاصَرِينَ لِشَيْخِنَا كَثِيرًا مِنْ ترَاجِمِ "مُعْجَمِهِ" (١) بِانْتِقَادَاتٍ سَاقِطَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِمَانِعٍ مِنَ التَّنَافِسِ فِي تَحْصِيلِ "الْمُعْجَمِ" وَالتَّنَاقُلِ عَنْهُ إِلَى وَقْتِنَا بَيْنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ؛ بَلْ كَانَ -وَللهِ الْحَمْدُ- سَبَبًا لِإِخْمَادِ الْقَائِمِ بِإِظْهَارِهِ وَنَشْرِهِ وَعَدَمِ اسْتِتَارِهِ، مَعَ إِطْفَاءِ ذِكْرِهِ وَإِخْفَاءِ فَخْرِهِ، بِحَيْثُ إِنَّهُ مَا مَاتَ حَتَّى صَارَ عِبْرَةً، وَصَارَ مَحْفُوفًا بِالنَّدَامَةِ وَالْحَسْرَةِ. وَأَفْحَشَ أَبُو عَمْرِو ابْنُ الْمُرَابِطِ فِي حَقِّ الذَّهَبِيِّ بِسَبَبِ التَّارِيخِ وَنَحْوِهِ (٢) حَيْثُ رَدَّ عَلَيْهِ إِجْمَالًا، وَلَمْ يَتْرُكْ فِي الْقُبْحِ مَقَالًا؛ فَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ، بَل كَانَ سَبَبًا لِتَكْذِيبِهِ، وَالطَّعْنِ عَلَيْهِ، ونسْبَتِهِ إِلَى التَّحَامُلِ الْمُفْرِطِ الَّذِي هُوَ بِهِ لِلرَّبِّ مُسْخِطٌ، وَكَيْفَ لَا! وَيُقَالُ: إِنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى هَذَا كَوْنُهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ الدَّعْوَى لِأَمْرٍ نَسَبَهُ إِلَى أَنَّهُ فِيهِ هَذَى. وَنَحْوُهُ غَضَبُ الشَّمْسِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَصْخَانَ (٣) الدِّمِشْقِيِّ الْمُقْرِئِ مِنْ الذَّهَبِيِّ: "لِكَوْنِهِ تَرْجَمَهُ بِبَعْضِ مَا فِيهِ، وَكَتَبَ [بِخَطٍّ] (٤) غَلِيظٍ عَلَى الصَّفْحَةِ

стр. 202

الَّتِي بِخَطِّ الذَّهَبِيِّ كَلَامًا أَقْذَعَ فِيهِ فِي حَقِّ الذَّهَبِيِّ، بِحَيْثُ صَارَ خَطُّ الذَّهَبِيِّ لَا يُقْرَأُ غَالِبُهُ (١) فَلَمَّا رَأَى الذَّهَبِيُّ ذَلِكَ انْتَقَمَ مِنْهُ بِأَنْ تَرْجَمَهُ فِي "مُعْجَمِ شُيُوخِهِ" (٢) وَوَصَفَ مَا وَقَعَ، إِلَى أَنْ قَالَ: فَمَحَا اسْمَهُ مِنْ دِيوَانِ الْقُرَّاءِ" (٣). وَقَدْ قَالَ شَيْخُنَا فِي تَرْجَمَةِ ابْنِ الْمُرَابِطِ مِنَ "الدُّرَرُ" (٤) إِنَّهُ وَقَفَ لَهُ عَلَى تَخْرِيجٍ غَيْرِ مُعْتَبَرٍ؛ لِكَثْرَةِ مَا فِيهِ مِنَ الْخَبْطِ النَّاشِئِ عَنْ عَدَمِ الْفَهْمِ وَالضَّبْطِ. وَمَنْ يَكُونُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ كَيْفَ يَتَعَرَّضُ لِمَنْ هُوَ الغَايَةُ فِي الإِتْقَانِ وَالْإِصَابَةِ! بِحَيْثُ إِنَّ شَيْخَنَا قَدْ شَرِبَ مَاءَ زَمْزَمَ لِنَيْلِ مَرْتَبَتِهِ وَالْكَيْلِ بِمِعْيَارِ فِطْنَتِهِ (٥). وَتَقْسِيمُهُ تَارِيخَ الذَّهَبِيِّ لِأَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ مِنْهَا مَحْضُ غِيبَةٍ، تَعَقَّبَهُ فِيهَا (٦) الْعِزُّ الْكِنَانِيُّ فَقَالَ: "هَذِهِ الْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ لَا يَخْلُو عَنْهَا تَارِيخٌ غَالِبًا". وَأَمَّا قَوْلُهُ: "قِسْمٌ مَحْضُ غِيبَةٍ" فَلَيْسَ الْأَمْرُ فِيهِ كَذَلِكَ، بَلْ فِيهِ فَوَائِدُ عَدِيدَةٌ؛ مِنْهَا: الاعْتِبَارُ بِأَحْوَالِهِمْ، وَالْوُثُوقُ بِفَضَائِلِهِمْ، وَالتَّحْذِيرُ مِنْ رَذَائِلِهِمْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. [(٧) وَأَفْرَدَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ الرَّدَّ عَلَى إِمِامِ الْحُفَّاظِ أَبِي بَكْرٍ الْخَطِيبِ لِأَمَاكِنَ

стр. 203

مِنْ تَارِيخِهِ، فَلَمْ يَنْتَشِرْ، وَلَا رَأَى مَنْ يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْتَصِرْ، بَلْ كَانَ قَوْلًا مُطَّرَحًا، وَعَمَلًا مُسْتَقْبَحًا (١). * * *

стр. 204

﴿ذَمُّ أَبِي حَيَّانَ لابْنِ مَعِينٍ] (١)﴾ وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو حَيَّانَ (٢) مِمَّا لَمْ يَأْتِ فِيهِ بِبُرْهَانٍ، فِي النَّاقِدِ الْمَتِينِ يَحْيىَ بْنِ مَعِينٍ: وَيَحْيَى وَمَا يَحْيىَ وَمَا ذُو رِوَايَةٍ … وَمَا إِنْ لِيَحْيَى ذِكْرُ عِلْمٍ بِهِ يَحْيَا سِوَى ثَلْبِ أَقْوَامٍ مَضَوا لِسَبِيلِهِمْ … سَيُسْألُ عَنْهَا حِينَ يُسْأَلُ عَنْ أَشْيَا إِلَى غَيْرِ هَذَا مِمَّا يُمَلُّ إِيرَادُهُ وَيَقِلُّ مُفَادُهُ، مِمَّا لَمْ يَعْتَمِدْ أَحَدٌ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ قَدِيمًا وَلَا حَدِيثًا. وَرُبَّمَا قَالَ الْمُؤَيَّدُ لِلْحَقِّ: إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا (٣) وَالحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ، وَالدَّقُّ لِرَأْسِ المُبْطَلِ أَوْفَقُ إِنْ لَمْ يُقْطَعْ، وَالإِجْمَاعُ مُنْعَقَدٍ عَلَى الاعْتِنَاءِ بِهَذَا الْفَنِّ وَالانْثِنَاءِ عَمَّنْ فِي أَئِمَّتِهِ طَعَنَ"] (٤). * * *

стр. 205

﴿[عَيْبُ ابْنِ المُرَابِطِ] (١)﴾ وَلِذَا قَالَ الْعِزُّ تِلْوَ كَلَامِهِ السَّابِقِ فِي الرَّدِّ عَلَى ابْنِ الْمُرَابِطِ، وَقَدْ عَابَ ابْنُ الْمُرَابِطِ الذَّهَبِيَّ بِثَلْبِهِ النَّاسَ وَذِكْرِهِ لِمَسَاوِئِهِمْ، وَقَالَ: "إِنَّ ذَلِكَ غِيبَةٌ لَا تَجُوزُ، وَإِنَّ الجَرْحَ قَدِ انْقَطَعَتْ فَائِدَتُهُ مِنْ رَأْسِ الْأَرْبَعِ مِائَةٍ (٢) فَمَا الْحَامِلُ لَهُ عَلَى الْمُسَاوَاةِ فِي هَذِهِ الْكَبِيرَةِ الَّتِي عَابَهَا مِنْ غَيْرِهِ! فَإِنِ اعْتَذَرَ بِشَيْءٍ فَلَعَلَّ الذَّهَبِيَّ يَعْتَذِرُ بِمِثْلِهِ". وَنَحْوُهُ مِمَّا اعْتَمَدَهُ الْعِزُّ ﵀ فِي الرَّدِّ مَا حَكَاهُ أَيْضًا لَنَا، قَالَ: "كُنْتُ جَالِسًا مَعَ شَخْصٍ، فَجَرَى ذِكْرُ بَعْضِ مَنْ يُعَادِينِي، فَتَظَلَّمْتُ عِنْدَهُ مِنْهُ، وَذَكَرْتُ لَهُ شَيْئًا مِنْ أَوْصَافِهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ بِأَنَّ هَذَا غِيبَةٌ، فَمَا وَسِعَنِي إِلَّا السُّكُوتُ، وَجَارَيْتُهُ الْحَدِيثَ، إِلَى أَنْ جَاءَ ذِكْرُ بَعْضِ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ، فَأَخَذَ (٣) فِي تَنْقِيصِهِ، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ بِمَا رَدَّ بِهِ عَلَيَّ". وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الأَئِمَّةِ: قَدِمَ أُنَاسٌ الْمَدِينَةَ، وَلَيْسَتْ لَهُمْ عُيُوبٌ، فَتَكَلَّمُوا فِي عُيُوبِ النَّاسِ، فَاخْتَلَقَ النَّاسُ لَهُمْ عُيُوبًا، وَأُنَاسٌ لَهُمْ عُيُوبٌ، فَسَكَتُوا، فَسَكَتَ النَّاسُ عَنْ عُيُوبِهِمْ، بِحَيْثُ قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: (٤) كُفَّ عَنِ النَّاسِ إِذَا شِئْتَ أَنْ … تَسْلَمَ مِنْ قَوْلِ جَهُولٍ لسَفِيهِ مَنْ قَذَفَ النَّاسَ بَمِا فِيهِمْ … يَقْذِفُهُ النَّاسُ بِمَا لَيْسَ فَيهِ

стр. 206

(وَمِنَ الْعَجِيبِ إِيرَادُ الدَّيْلَمِيِّ بِسَنَدِهِ لَهُ فِي "مُسْنَدِهِ" عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: "كَانَ بِالمَدِينَةِ أَقْوَامٌ لَهُمْ عُيُوبٌ، فَسَكَتُوا عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ … " (١) الحَدِيثِ) (٢). وَقَالَ الآخَرُ: "كُفَّ عَنِ الشَّرِّ يُكَفَّ الشَّرُّ عَنْكَ" (٣). فَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الذِّكْرُ عَبَثًا، لا بِقَصْدٍ صَحِيحٍ مُرَخَّصٍ [لَهُ] (٤) أَوْ زِيدَ فِيهِ عَلَى مَا يَحْصُلُ الْقَصْدُ بِدُونِهِ. وَكَذَا قَوْلُهُمْ: "لُحُومُ الْعُلَمَاءِ مَسْمُومَةٌ، وَعَادَةُ اللهِ فِي هَتْكِ أَسْتَارِ مُنْتَقِصِيهِمْ مَعْلُومَةٌ" (٥) وَالمُتَعَرِّضُ (٦) لَهُمْ بِالسَّبِّ يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ مَوْتِ الْقَلْبِ! لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ. وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ ابْنِ عَسَاكِرَ (٧): "الوَقِيعَةُ فِيهِمْ بِمَا هُمْ مِنْهُ بَرَاءٌ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَالتَّنَاوُلُ (٨) لِأَعْرَاضِهِمْ بِالزُّورِ وَالافْتِرَاءِ مَرْتَعٌ وَخِيمٌ، وَالاِخْتِلَاقُ عَلَى مَنِ اخْتَارَهُ

стр. 207

اللهُ مِنْهُمْ لِنَعْشِ (١) الْعِلْمِ خُلُقٌ ذَمِيمٌ، وَالاِقْتِدَاءُ بِمَا مَدَحَ اللهُ بِهِ قَوْلَ الْمُتَّبِعِينَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ لِمَنْ سَبَقَهُمْ وَصْفٌ كَرِيمٌ؛ إِذْ قَالَ مُثْنِيًا عَلَيْهِمْ فِي كِتَابِهِ، وَهُوَ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَضِدِّهَا عَلِيمٌ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠] انْتَهَى. وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ (٢) الرُّويَانِيُّ -[شَيْخٌ] (٣) لَا وُجُودَ لَهُ [اخْتَلَقَ اسْمَهُ بَعْضُ الْكَذَّابِينَ] (٤) - عَنِ الأشَجِّ أَبِي الدُّنيَا (٥) عَنْ عَلِيٍّ رَفَعَهُ: "إِذَا أَلِفَ الْقَلْبُ الإِعْرَاضَ عَنِ اللهِ ابْتَلَاهُ بِالْوَقِيعَةِ فِي الصَّالِحِينَ" (٦) وَلَا يَصِحُّ، وَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قُلْنَاهُ. وَقَوْلُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ (٧): "أَعْرَاضُ الْمُسْلِمِينَ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ، وَقَفَ عَلَى شَفِيرِهَا طَائِفَتَانِ مِنَ النَّاسِ؛ الْمُحَدِّثُونَ وَالْحُكَّامُ". وَقَوْلُ غَيْرِهِ: "مَنْ أَرَادَ بِي سُوءًا جَعَلَهُ اللهُ مُحَدِّثًا أَوْ قَاضِيًا". مِمَّا يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُهُ، وَإِلَّا فَحَيْثُ صَدَرَ عَنِ اجْتِهَادٍ مُعْتَبَرٍ وَتَحَرٍّ فَهُوَ فِيهِ مَأْجُورٌ لا مَأْزُورٌ، كَمَا قَدَّمْنَا حِكَايَتَهُ عَنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ.

стр. 208

﴿إِطْلَاقُ لِسَانِ أَبِي شَامَةَ] (١)﴾ وَمِمَّنْ امْتُحِنَ بِسَبَبِ إِطْلَاقِ لِسَانِهِ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ وَلَا شُبْهَةٍ الإِمَامُ أَبُو شَامَةَ، أَحَدُ شُيُوخِ النَّوَوِيِّ رَحَمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ عَالِمًا رَاسِخًا فِي الْعِلْمِ، مُقْرِئًا، مُحَدِّثًا، نَحْوِيًّا، يَكْتُبُ الْخَطَّ الْمَلِيحَ الْمُتْقَنَ، مَعَ التَّوَاضُعِ وَالاِنْطِرَاحِ وَالتَّصَانِيفِ الْعِدَّةِ، كَانَ كَثِيرَ الوَقِيعَةِ فِي الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ وَأَكَابِرِ النَّاسِ، وَالطَّعْنِ عَلَيْهِمْ، وَالتَّنَقُّصِ لَهُمْ، وَذِكْرِ مَسَاوِئِهِمْ، وَكَوْنِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ عَظِيمًا، فَصَارَ سَاقِطًا مِنْ أَعْيُنِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ عَلِمَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَتَكَلَّمُوا فِيهِ، وَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى امْتِحَانِهِ بِدُخُولِ رَجُلَيْنِ جَلِيلَيْنِ (٢) عَلَيْهِ دَارَهُ فِي صُورَةِ مُسْتَفْتِيَيْنِ، فَضَرَبَاهُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا إِلَى أَنْ عِيلَ صَبْرُهُ وَلَمْ يُغِثْهُ أَحَدٌ، بِحَيْثُ أَنْشَدَ أَبْيَاتًا (٣) يَسْتَغِيثُ فِيهَا بِاللهِ . وَذُكِرَ فِي تَرْجَمَةِ الْحَافِظِ الشَّمْسِ أَبِي العَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ سَنَدٍ (٤) أَنَّهُ تَغَيَّرَ ذِهْنُهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَنَسِيَ غَالِبَ مَحْفُوظَاتِهِ، حَتَّى القُرْآنَ، وَأَنَّهُ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ عُقُوبَةً مِنَ اللهِ لَهُ؛ لِكِثْرَةِ وَقِيعَتِهِ فِي النَّاسِ. عَلَى أَنَّ ذَلِكَ قَدْ وَقَعَ لِلْبُرْهَانِ الْحَلَبِيِّ (٥) مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَعَرَّضُ لِأَحَدٍ، بَلْ كَانَ

стр. 209

وَرِعًا زَاهِدًا، وَلَكِنَّهُ تَرَاجَعَ قَبْلَ مَوْتِهِ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ: إِنَّمَا يَخْرَفُ الْكَذَّابُونَ! فَإِنَّهُ قَدْ يَخْرَفُ مَنْ لَمْ يُوصَفْ بِذَلِكَ. وَبَلَغَنِي عَنِ الْجَمَالِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ المِصْرِيِّ (١) أَنَّهُ شَاهَدَ الجَمَالَ أَبَا عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الرَّيْمِيِّ (٢) اليَمَانِيَّ الْقَاضِيَ الشَّافِعِيَّ عِنْدَ مَوْتِهِ (٣) وَقَدِ انْدَلَعَ لِسَانُهُ وَاسْوَدَّ (٤) فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ اعْتِرَاضِهِ وَكَثْرَةِ وَقِيعَتِهِ فِي النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَعْلَى مِنْ هَذَا مَا حَكَاهُ ابْنُ النَّجَّارِ فِي "ذَيْلِ تَارِيخِهِ" (٥) عَنِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ (٦) أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ الطَّبَرِيَّ يَقُولُ: "كُنَّا فِي حَلْقَةِ النَّظَرِ بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ، فَجَاءَ شَابٌّ خُرَاسَانِيٌّ حَنَفِيٌّ، فَطَالَبَ بِالدَّلِيلِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَرَّاةِ (٧) فَأَوْرَدَهُ الْمُدَرِّسُ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فَقَالَ الشَّابُّ: إِنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولِ الرِّوَايَةِ. قَالَ الْقَاضِي: فَمَا اسْتَتَمَّ كَلَامَهُ حَتَّى سَقَطَتْ عَلَيْهِ

стр. 210

حَيَّةٌ (١) عَظِيمَةٌ مِنْ سَقْفِ الْجَامِعِ، فَهَرَبَ مِنْهَا، فَتَبِعَتْهُ دُونَ غَيْرِهِ! فَقِيلَ لَهُ: تُبْ. فَقَالَ: تُبْتُ. فَغَابَتِ (الحَيَّةُ) (٢) وَلَمْ يُرَ لَهَا بَعْدُ أَثْرٌ! ". وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ اليَمَانِيُّ، فِيمَا أَسْنَدَهُ عَنْهُ ابْنُ بَشْكُوَالَ (٣): "كُنْتُ بِصَنْعَاءَ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا وَالنَّاسَ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: [هَذَا] (٤) رَجُلٌ كَانَ يَؤُمُّ بِنَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ، فَلَمَّا بَلَغَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] قَرَأَ (يُصَلُّونَ عَلَى عَلِيٍّ النَّبِيِّ)! فَخَرِسَ وَتَجَذَّمَ وَبَرِصَ وَعَمِيَ وَأُقْعِدَ، فَهَذَا مَكَانُهُ! " انْتَهَى. وَالْأَخْبَارُ فِي هَذَا المَعْنَى كَثِيرَةٌ. وَكَذَا مِمَّنْ حَصَلَ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ مِنْهُمْ نَفْرَةٌ وَتَحَامٍ عَنِ الانْتِفَاعِ بِعِلْمِهِمْ، مَعَ جَلَالَتِهِمْ عِلْمًا وَوَرَعًا وَزُهْدًا؛ لِإِطْلَاقِ لِسَانِهِمْ وَعَدَمِ مَدَارَاتِهِمْ، بِحَيْثُ يَتَكَلَّمُونَ وَيُجَرِّحُونَ (٥) بِمَا فِيهِ مُبَالَغَةٌ كَـ: ابْنِ حَزْمٍ (٦) وَابْنِ تَيْمَيَّةَ (٧) وَهُمَا مِمَّنْ امْتُحِنَ وَأُوذِيَ، وَكُلُّ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَّةِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا رَسُولَ اللهِ ﷺ . وَكَذَا مِمَّنْ تَعَطَّلَ لِغَيْرِ الْعَارِفِ الإِنْتِفَاعُ بِتَصَانِيفِهِمْ، لَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، بَلْ

стр. 211

لِمُبَالَغَتِهِمْ فِي الْقَصْدِ الَّذِي صَنَّفُوهُ، جَمَاعَةٌ: كَـ: الْحَاكِمِ، فَإِنَّهُ تَسَاهَلَ فِي"مُسْتَدْرَكِهِ" (الَّذِي شَرَطَ فِيهِ الْمَشْيَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، حَتَّى أَدْرَجَ فِيهِ الْمَوْضُوعَ فَضْلًا) (١) عَنْ الضَّعِيفِ (٢). وَكَـ: ابْنِ الْجَوْزِيِّ، فَإِنَّهُ تَوَسَّعَ فِي "مَوْضُوعَاتِهِ" حَتَّى أَدْرَجَ فِيهَا الصَّحِيحَ، فَضْلًا عَنِ الضَّعِيفِ (٣). فَهُمَا طَرَفَا نَقِيضٍ، رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى وَإِيَّانَا وَنَفَعَنَا بِبَرَكَاتِهِمْ (٤). وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُؤَرِّخُونَ كَغَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ الْمُصَنِّفِينَ، فِي كَلَامِهِمُ الْخَمِيرُ وَالْعَفِينُ، وَالسَّعِيدُ مَنْ عُدَّتْ غَلَطَاتُهُ وَمَا اشْتَدَّتْ سَقَطَاتُهُ، فَكُلُّ إِنْسَانٍ -سِوَى مَا اسْتَدْرَكُوا - يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ وَيُتْرَكُ، وَهِيَ الدُّنْيَا لَا يَكْمُلُ فِيهَا شَيْءٌ، وَلَا يَخْلُو مُصَنَّفٌ مِنْ نَشْرٍ وَطَيٍّ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "حَقٌّ عَلَى اللهِ أَلَّا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ" (٥) لَيْسَ المَعْنَى بِوَضْعِهِ إِعْدَامَهُ وَإِتْلَافَهُ، إِنَّمَا هُوَ نَقْصٌ فِيهِ. نَعَمْ، قَدْ ظَهَرَ الكَثِيرُ مِنَ الْخَلَلِ، وَانْتَشَرَ مِنَ الْمَنَاكِيرِ مَا اشْتَملَ عَلَى أَقْبَحِ الْعِلَلِ، حَيْثُ انْتَدَبَ لِهَذَا الْفَنِّ الشَّرِيفِ مَنِ اشْتَمَلَ عَلَى التَّحْرِيفِ وَالتَّصْحِيفِ؛ لِعَدَمِ إِتْقَانِهِمْ شُرُوطَ الرِّوَايَةِ وَالنَّقْلِ، وَائْتِمَانِهِمْ مَنْ لَا يُوصَفُ بِأَمَانَةٍ وَلَا عَقْلٍ، بَلْ

стр. 212

صَارُوا يَكْتُبُونَ السَّمِينَ مَعَ الْهَزِيلِ، وَالْمَكِينَ مَعَ الْمُزَلْزَلِ الْعَلِيلِ. وَلَوْ سَرَدْتُ (١) لَكَ مَا وَقَعَ لِشَيْخِ الْمُؤَرِّخِينَ التَّقِيِّ الْمَقْرِيزِيِّ لَقَضَيْتَ الْعَجَبَ وَتَجَنَّبْتَ لِتَصَانِيفِهِ الطَّلَبَ، وَكَذَا لِغَيْرِهِ مِنْ شُيُوخِنَا أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَخُلَاصَةِ الْأَنَامِ، مِمَّا أَشَارَ أُسْتَاذُنَا فِي خُطْبَةِ "إِنْبَائِهِ" (٢) لِبَعْضِهِ اكتِفَاءً بِإِيمَائِهِ. وَيَا أَسَفَى عَلَيْهِمْ! فَقَدْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مَنْ لَا يَصِلُ وَلَو بَالَغَ إِلَيْهِمْ، خُصُوصًا مَنْ نَدَبَ نَفْسَهُ فِي هَذَا العَصْرِ لِذَلِكَ، وَتَجَاسَرَ إِلَى الْخَوْضِ فِي غَمْرَةِ هَذِهِ الْمَسَالِكِ (٣) وَرَأَى مَنْ يَمُدُّهُ بِسَبَبِهِ غَايَةَ الْإِمْدَادِ مِنَ النُّقُودِ وَالْأَقْمِشَةِ وَجُلِّ مَا يُرَادُ، مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَصِلْ وَلَا كَادَ، وَلَكِنْ لِكَوْنِهِ مِنْ نَمَطِهِمْ وَعَلَى شَرِيطَتِهِمْ، سِيَّمَا فِي الْعِبَارَاتِ، وَتِلْكَ الْإِشَارَاتِ الَّتِي لَا يَرْتَضِيهَا عَاقِلٌ، وَلَا يُمْضِيهَا إِلَّا مَنْ هُوَ غِمْرٌ عَاطِلٌ بِحَيْثُ يُمَيِّزُوا (٤) كِتَابَتَهُ عَلَى كِتَابَةِ أُسْتَاذِنَا وَمَنْ عَلَيْهِ اعْتِمَادُنَا! وَمَعَ ذَلِكَ فَكُنْتُ، لِكَثْرَةِ اخْتِصَاصِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِأَعْيَانِ الْمُلُوكِ وَالأُمَرَاءِ وَعُظَمَاءِ الدُّوَلِ وَالْوُزَرَاءِ، أَتَوَهَّمُ إِتْيَانَهُ بِأَخْبَارِهِمْ عَلَى الوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ، مَعَ عِلْمِي بِتَقْصِيرِهِ فِيمَنْ عَدَاهُمْ وَإِتْيَانِهِ (٥) بِالْعُجَرِ وَالْبُجَرِ، مِمَّا يَفُوقُ فِيهِ الْخُبْرُ الْخبَرَ، فَأَقْتَصِرُ عَلَى ضَبْطِ مَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْوَفَيَاتِ، وَأَخْتَصِرُ الْحَوَادِثَ وَالْمَاجَرَيَاتِ، إِلَى أَنْ

стр. 213

رَأَيْتُ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا الْعَجَائِبَ (١) وَسَمِعْتُ مَنْ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِيهِ يَصِفُهُ بِمَزِيدِ الْمَعَائِبِ، فَنَدِمْتُ -وَمَاذَا يُفِيدُ النَّدَمُ! - حَيْثُ لَمْ أَتَفَحَّصْ عَنِ الْأَخْبَارِ فِي حَيَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ مَا بِالْعَهْدِ (٢) مِنْ قِدَمٍ. وَلَعَلَّ الْخِيَرَةَ كَانَتْ فِي ذَلِكَ لِلتَّفَرُّغِ لِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ، مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ الْمُتَشَعِّبِ الْمَسَالِكِ؛ إِذْ هُوَ بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ، وَأَمْرٌ لَا يَتَهَيَّأُ اسْتِيفَاءُ مَقَاصِدِهِ الْمُجْمَلَةِ فَضْلًا عَنِ الْمُفَصَّلَةِ. وَلَيْتَ هَذَا أَيْضًا دَامَ! وَإِنْ كَانَ فِي الْفَنِّ مَا اسْتَقَامَ، فَقَدْ خَلَفَهُ بَعْضُ الْعَوَامِّ مِمَّنْ لَا يُذْكَرُ بغَيْرِ الْجَهْلِ وَالْإِقْدَامِ، فَيَصِفُ النَّاسَ بِمَا لَا يَلِيقُ بِالْأَلْفَاظِ الْمَكْذُوبَةِ (٣) الْمُسْتَحَقَّةِ لِلتَّمْزِيقِ، وَيَحْكِي مِنَ الْحَوَادِثِ مَا يُلَعِّبُ النُّفُوسَ وَتَجِبُ إِزَالَتُهُ بِالْفُؤُوسِ. وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ [بَعْضِ] (٤) الْوَرِعِينَ، وَقَدْ وُصِفَ لَهُ بِأَنَّهُ لِلتَّارِيخِ مِنَ الْمُعْتَنِينَ: هُوَ وَاللهِ تَارِيخٌ مُبِينٌ، يُشِيرُ لِقُرْبِ مَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الفُسَّاقِ وَالْمُتَلَوِّثِينَ، وَلَكِنْ قَدْ حَصَلَ الاسْتِقْرَاءُ بِأَنَّ مَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ لَا يَرْتَقِي مَعَ [المُتْقِنِينَ] (٥) المُتَّقِينَ لِشَيءٍ مِنْ المَسَالِكِ، وَيَزُولُ سَرِيعًا (مَا) (٦) عَمِلَهُ، وَلَا يَطُولُ لِلابْتِلَاءِ بِكَلِمَاتِهِ (المُهْمَلَةِ حَتَّى) (٧) وَلَوْ كَانَتْ فِيهِ كَثْرَةٌ مِنْ فَضِيلَةٍ، فَضْلًا عَنْ شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ.

стр. 214

وَآخِرُ مَنْ (١) عَلِمْنَا (٢) مِنْهُمْ بِيَقِينٍ بَعْضُ العَصْرِيِّينَ، فَإِنَّهُ أَكْثَرَ الوَقِيعَةَ فِي النَّاسِ بِدُونِ تَدَبُّرٍ وَلَا قِيَاسٍ، فَأُبْعِدَ عَنْ البَلَدِ، وَتَزَايَدَ (٣) بِهِ الْأَلَمُ وَالنَّكَدُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَمَا كَفَّ، حَتَّى ثَقُلَ عَلَى الْكَافَةِ وَمَا خَفَّ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ، وَمَا اشْتَفَى مِنْ تِلْكَ النِّكِّايَاتِ، فِي آخَرِينَ مِنَ الْمُؤَرِّخِينَ، كَـ: بَعْضِ الْمَقَادِسَةِ مِمَّنْ عُرِفَ بِالْمُدَارَسَةِ وَمُشَارَكَةِ الْأَبَالِسَةِ! وَاللهُ تَعَالَى يَقِينَا شُرُورَ أَنْفُسِنَا، وَحَصَائِدَ أَلْسِنَتِنَا. * * *

стр. 215

[شَرْطُ المُعْتَنِي بِالتَّارِيخِ] (١) وَأَمَّا شَرْطُ المُعْتَنِى بِهِ: فَالعَدَالَةُ مَعَ الضَّبْطِ التَّامِ النَاشِئِ عَنْهُ مَزِيدُ الإِتْقَانِ وَالتَّحَرِّي، سِيَّمَا فِيمَا يَرَاهُ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ جُمْلَةِ (٢) الْمُعْتَنِينِ بِسِيَرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. * * *
следующие страницы →