← История

История · id 34

الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التوريخ ت الظفيري

السخاوي

Полный текст (574 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

لِمُبَالَغَتِهِمْ فِي الْقَصْدِ الَّذِي صَنَّفُوهُ، جَمَاعَةٌ: كَـ: الْحَاكِمِ، فَإِنَّهُ تَسَاهَلَ فِي"مُسْتَدْرَكِهِ" (الَّذِي شَرَطَ فِيهِ الْمَشْيَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، حَتَّى أَدْرَجَ فِيهِ الْمَوْضُوعَ فَضْلًا) (١) عَنْ الضَّعِيفِ (٢). وَكَـ: ابْنِ الْجَوْزِيِّ، فَإِنَّهُ تَوَسَّعَ فِي "مَوْضُوعَاتِهِ" حَتَّى أَدْرَجَ فِيهَا الصَّحِيحَ، فَضْلًا عَنِ الضَّعِيفِ (٣). فَهُمَا طَرَفَا نَقِيضٍ، رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى وَإِيَّانَا وَنَفَعَنَا بِبَرَكَاتِهِمْ (٤). وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُؤَرِّخُونَ كَغَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ الْمُصَنِّفِينَ، فِي كَلَامِهِمُ الْخَمِيرُ وَالْعَفِينُ، وَالسَّعِيدُ مَنْ عُدَّتْ غَلَطَاتُهُ وَمَا اشْتَدَّتْ سَقَطَاتُهُ، فَكُلُّ إِنْسَانٍ -سِوَى مَا اسْتَدْرَكُوا - يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ وَيُتْرَكُ، وَهِيَ الدُّنْيَا لَا يَكْمُلُ فِيهَا شَيْءٌ، وَلَا يَخْلُو مُصَنَّفٌ مِنْ نَشْرٍ وَطَيٍّ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "حَقٌّ عَلَى اللهِ أَلَّا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ" (٥) لَيْسَ المَعْنَى بِوَضْعِهِ إِعْدَامَهُ وَإِتْلَافَهُ، إِنَّمَا هُوَ نَقْصٌ فِيهِ. نَعَمْ، قَدْ ظَهَرَ الكَثِيرُ مِنَ الْخَلَلِ، وَانْتَشَرَ مِنَ الْمَنَاكِيرِ مَا اشْتَملَ عَلَى أَقْبَحِ الْعِلَلِ، حَيْثُ انْتَدَبَ لِهَذَا الْفَنِّ الشَّرِيفِ مَنِ اشْتَمَلَ عَلَى التَّحْرِيفِ وَالتَّصْحِيفِ؛ لِعَدَمِ إِتْقَانِهِمْ شُرُوطَ الرِّوَايَةِ وَالنَّقْلِ، وَائْتِمَانِهِمْ مَنْ لَا يُوصَفُ بِأَمَانَةٍ وَلَا عَقْلٍ، بَلْ

стр. 212

صَارُوا يَكْتُبُونَ السَّمِينَ مَعَ الْهَزِيلِ، وَالْمَكِينَ مَعَ الْمُزَلْزَلِ الْعَلِيلِ. وَلَوْ سَرَدْتُ (١) لَكَ مَا وَقَعَ لِشَيْخِ الْمُؤَرِّخِينَ التَّقِيِّ الْمَقْرِيزِيِّ لَقَضَيْتَ الْعَجَبَ وَتَجَنَّبْتَ لِتَصَانِيفِهِ الطَّلَبَ، وَكَذَا لِغَيْرِهِ مِنْ شُيُوخِنَا أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَخُلَاصَةِ الْأَنَامِ، مِمَّا أَشَارَ أُسْتَاذُنَا فِي خُطْبَةِ "إِنْبَائِهِ" (٢) لِبَعْضِهِ اكتِفَاءً بِإِيمَائِهِ. وَيَا أَسَفَى عَلَيْهِمْ! فَقَدْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مَنْ لَا يَصِلُ وَلَو بَالَغَ إِلَيْهِمْ، خُصُوصًا مَنْ نَدَبَ نَفْسَهُ فِي هَذَا العَصْرِ لِذَلِكَ، وَتَجَاسَرَ إِلَى الْخَوْضِ فِي غَمْرَةِ هَذِهِ الْمَسَالِكِ (٣) وَرَأَى مَنْ يَمُدُّهُ بِسَبَبِهِ غَايَةَ الْإِمْدَادِ مِنَ النُّقُودِ وَالْأَقْمِشَةِ وَجُلِّ مَا يُرَادُ، مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَصِلْ وَلَا كَادَ، وَلَكِنْ لِكَوْنِهِ مِنْ نَمَطِهِمْ وَعَلَى شَرِيطَتِهِمْ، سِيَّمَا فِي الْعِبَارَاتِ، وَتِلْكَ الْإِشَارَاتِ الَّتِي لَا يَرْتَضِيهَا عَاقِلٌ، وَلَا يُمْضِيهَا إِلَّا مَنْ هُوَ غِمْرٌ عَاطِلٌ بِحَيْثُ يُمَيِّزُوا (٤) كِتَابَتَهُ عَلَى كِتَابَةِ أُسْتَاذِنَا وَمَنْ عَلَيْهِ اعْتِمَادُنَا! وَمَعَ ذَلِكَ فَكُنْتُ، لِكَثْرَةِ اخْتِصَاصِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِأَعْيَانِ الْمُلُوكِ وَالأُمَرَاءِ وَعُظَمَاءِ الدُّوَلِ وَالْوُزَرَاءِ، أَتَوَهَّمُ إِتْيَانَهُ بِأَخْبَارِهِمْ عَلَى الوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ، مَعَ عِلْمِي بِتَقْصِيرِهِ فِيمَنْ عَدَاهُمْ وَإِتْيَانِهِ (٥) بِالْعُجَرِ وَالْبُجَرِ، مِمَّا يَفُوقُ فِيهِ الْخُبْرُ الْخبَرَ، فَأَقْتَصِرُ عَلَى ضَبْطِ مَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْوَفَيَاتِ، وَأَخْتَصِرُ الْحَوَادِثَ وَالْمَاجَرَيَاتِ، إِلَى أَنْ

стр. 213

رَأَيْتُ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا الْعَجَائِبَ (١) وَسَمِعْتُ مَنْ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِيهِ يَصِفُهُ بِمَزِيدِ الْمَعَائِبِ، فَنَدِمْتُ -وَمَاذَا يُفِيدُ النَّدَمُ! - حَيْثُ لَمْ أَتَفَحَّصْ عَنِ الْأَخْبَارِ فِي حَيَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ مَا بِالْعَهْدِ (٢) مِنْ قِدَمٍ. وَلَعَلَّ الْخِيَرَةَ كَانَتْ فِي ذَلِكَ لِلتَّفَرُّغِ لِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ، مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ الْمُتَشَعِّبِ الْمَسَالِكِ؛ إِذْ هُوَ بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ، وَأَمْرٌ لَا يَتَهَيَّأُ اسْتِيفَاءُ مَقَاصِدِهِ الْمُجْمَلَةِ فَضْلًا عَنِ الْمُفَصَّلَةِ. وَلَيْتَ هَذَا أَيْضًا دَامَ! وَإِنْ كَانَ فِي الْفَنِّ مَا اسْتَقَامَ، فَقَدْ خَلَفَهُ بَعْضُ الْعَوَامِّ مِمَّنْ لَا يُذْكَرُ بغَيْرِ الْجَهْلِ وَالْإِقْدَامِ، فَيَصِفُ النَّاسَ بِمَا لَا يَلِيقُ بِالْأَلْفَاظِ الْمَكْذُوبَةِ (٣) الْمُسْتَحَقَّةِ لِلتَّمْزِيقِ، وَيَحْكِي مِنَ الْحَوَادِثِ مَا يُلَعِّبُ النُّفُوسَ وَتَجِبُ إِزَالَتُهُ بِالْفُؤُوسِ. وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ [بَعْضِ] (٤) الْوَرِعِينَ، وَقَدْ وُصِفَ لَهُ بِأَنَّهُ لِلتَّارِيخِ مِنَ الْمُعْتَنِينَ: هُوَ وَاللهِ تَارِيخٌ مُبِينٌ، يُشِيرُ لِقُرْبِ مَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الفُسَّاقِ وَالْمُتَلَوِّثِينَ، وَلَكِنْ قَدْ حَصَلَ الاسْتِقْرَاءُ بِأَنَّ مَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ لَا يَرْتَقِي مَعَ [المُتْقِنِينَ] (٥) المُتَّقِينَ لِشَيءٍ مِنْ المَسَالِكِ، وَيَزُولُ سَرِيعًا (مَا) (٦) عَمِلَهُ، وَلَا يَطُولُ لِلابْتِلَاءِ بِكَلِمَاتِهِ (المُهْمَلَةِ حَتَّى) (٧) وَلَوْ كَانَتْ فِيهِ كَثْرَةٌ مِنْ فَضِيلَةٍ، فَضْلًا عَنْ شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ.

стр. 214

وَآخِرُ مَنْ (١) عَلِمْنَا (٢) مِنْهُمْ بِيَقِينٍ بَعْضُ العَصْرِيِّينَ، فَإِنَّهُ أَكْثَرَ الوَقِيعَةَ فِي النَّاسِ بِدُونِ تَدَبُّرٍ وَلَا قِيَاسٍ، فَأُبْعِدَ عَنْ البَلَدِ، وَتَزَايَدَ (٣) بِهِ الْأَلَمُ وَالنَّكَدُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَمَا كَفَّ، حَتَّى ثَقُلَ عَلَى الْكَافَةِ وَمَا خَفَّ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ، وَمَا اشْتَفَى مِنْ تِلْكَ النِّكِّايَاتِ، فِي آخَرِينَ مِنَ الْمُؤَرِّخِينَ، كَـ: بَعْضِ الْمَقَادِسَةِ مِمَّنْ عُرِفَ بِالْمُدَارَسَةِ وَمُشَارَكَةِ الْأَبَالِسَةِ! وَاللهُ تَعَالَى يَقِينَا شُرُورَ أَنْفُسِنَا، وَحَصَائِدَ أَلْسِنَتِنَا. * * *

стр. 215

[شَرْطُ المُعْتَنِي بِالتَّارِيخِ] (١) وَأَمَّا شَرْطُ المُعْتَنِى بِهِ: فَالعَدَالَةُ مَعَ الضَّبْطِ التَّامِ النَاشِئِ عَنْهُ مَزِيدُ الإِتْقَانِ وَالتَّحَرِّي، سِيَّمَا فِيمَا يَرَاهُ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ جُمْلَةِ (٢) الْمُعْتَنِينِ بِسِيَرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. * * *

стр. 216

[الْمَلَاحِمُ] (١) وَقَدْ قَالَ الْخَطِيبُ فِي "جَامِعِهِ" (٢): "وَيَجْمَعُونَ -أَيْ أَهْلَ الْحَدِيثِ- أَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْ سَلَفِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَأَقَاصِيصِ الْأَنْبِيَاءِ وَسِيَرِهِمْ. وَالَّذِي نَسْتَحِبُّهُ أَلَّا يَتَعَرَّضَ لِجَمْعِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ". ثُمَّ سَاقَ عَنِ [ابْنِ] (٣) عَيَّاشٍ القَطَّانِ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: أَشْتَهِي أَنْ أَجْمَعَ حَدِيثَ (٤) الْأَنْبِيَاءِ. فَقَالَ لِي: حَتَّى تَفْرُغَ مِنْ حَدِيثِ نَبِيِّنَا ﷺ . (وَ) (٥) كَذَا صَرَّحَ هُوَ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي التَّحَرُّزُ فِيمَا يُكْتَبُ مِنْ أَخْبَارِ الْأَوَائِلِ وَالْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ، وَمَا يَكُونُ مِنَ الْحَوَادِثِ وَالْمَلَاحِمِ؛ لِتَرَدُّدِ الْأَمْرِ (٦) فِيهَا بَيْنَ تَجْوِيزِ الْإبْطَالِ أَوِ الْجَزْمِ (بِهِ) (٧) كَالْكِتَابِ الْمَنْسُوبِ لِدَانْيَالَ (٨).

стр. 217

بَلْ لَيْسَ يَصِحُّ فِي ذِكْرِ الْمَلَاحِمِ الْمُرْتَقَبَةِ (١) وَالفِتَنِ المُنْتَظَرَةِ (٢) إِلَّا اليَسِيرُ مِمَّا اتَّصَلَ بِنَا أَسَانِيدُهُ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ . وَسَأَلَ رَجُلٌ الْإِمَامَ مَالِكًا عَنْ زَبُورِ دَاوُدَ، فَقَالَ لَهُ: "مَا أَجْهَلَكَ! مَا أَفْرَغَكَ! أَمَا لَنَا فِي نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ نَبِيِّنَا ﷺ مَا يَشْغَلُنَا بِصَحِيحِهِ عَمَّا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دَاوُدَ! ". كَمَا بَسَطْتُ ذَلِكَ فِي كِتَابِي "الْأَصْلُ الْأَصِيلُ" (٣). وَبِالْجُمْلَةِ فَأَكْثَرُ ذَلِكَ إِلَى الْوَهَاءِ أَقْرَبُ. بَلْ فِي كِتَابِ "التَّوَّابِينَ" (٤) لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ الْمُوَفَّقِ ابْنِ قُدَامَةَ أَشْيَاءُ مَا كُنْتُ أَحِبُّ لَهُ إِيرَادَهَا، خُصُوصًا وَأَسَانِيدُهَا مُخْتَلَّةٌ. وَكَذَا فِيمَا يَرَاهُ مِنَ الْوَقَائِعِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ أَعْيَانِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ أُمِرْنَا بِهِ مِنَ الْإِمْسَاكِ عَمَّا كَانَ بَيْنَهُمْ، وَالتَّأْوِيلِ لَهُ بِمَا لَا يَحُطُّ مِنْ مِقْدَارِهِمْ. وَرَحِمَ اللهُ مُنَقِّحَ الْمَذْهَبِ الْمَحْيَوِيَّ النَّوَوِيَّ، فَإِنَّهُ لَمَّا أَثْنَى عَلَى فَوَائِدِ "الْاسْتِيعَابُ" لِلْحَافِظِ الْحُجَّةِ أَبِي عُمَرَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ (٥): "لَوْلَا مَا شَانَهُ مِنْ ذِكْرِ

стр. 218

كَثِيرٍ مِمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَحِكَايَتِهِ عَنِ الْأَخْبَارِيِّينَ، وَالْغَالِبُ عَلَيْهِمُ الْإِكْثَارُ وَالتَّخْلِيطُ" انْتَهَى. وَيَتَأَكَّدُ تَجَنُّبُهُ إِلَّا مَعَ تَأْوِيلِهِ بِحَضْرَةِ مَنْ لَا يَفْهَمُ، كَمَا قَالُوهُ (١) فِي أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَشِبْهِهَا. وَأَقُولُهُ (٢) فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ أَيْضًا، وَأَنَّ قَوْلَ عَلِيٍّ ﵁ فِي ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَيَّنُ [تَأْوِيلُهُ، كَمَا قَرَّرْتُهُ فِي بَعْضِ الْأَجْوِبَةِ. وَكَذَا يَتَعَيَّنُ] (٣) تَأْوِيلُ قَوْلِ القَائِلِ، كَمَا وَقَعَ قُبَيْلَ [كِتَابِ] (٤) الْإِكْرَاهِ مِنْ "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ": "لَقَدْ عَلِمْتُ الَّذِي جَرَّأَ (٥) صَاحِبَكَ -يَعْنِي عَلِيًّا ﵁ عَلَى الدِّمَاءِ" (٦) مُشِيرًا لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ الْمَغْفُورِ لَهُمْ، لِعُلُوِّ مَقَامِهِ عَنْ حَمْلِ الْكَلَامِ عَلَى ظَاهِرِهِ. وَكَذَا قَوْلُ الْعَبَّاسِ لِعَلِيٍّ ﵁ حِينَ مَجِيئِهِمَا لِعُمَرَ ﵁ فِي أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ، مَعَ أَشْيَاءَ وَقَعَتْ فِي الْقِصَّةِ (٧) وَاجِبَةَ التَّأْوِيلِ إِلَّا مَقْرُونَةً بِالْبَيَانِ.

стр. 219

كُلُّ ذَلِكَ عَمَلًا بِـ: "حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرَفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ" (١) "مَا مِنْ رَجُلٍ يُحَدِّثُ قَوْمًا بِحَدِيثٍ لا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً" (٢). وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْإِمَامِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ: إِنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَ حَدِيثَ "لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا" (٣) أَنْ يَقُولَ: أَعَاذَهَا اللهُ مِنْ ذَلِكَ! * * *

стр. 220

[الكَلَامُ فِي أَبَوَيْهِ ﷺ ] (١) وَكَذَا مَا أَحْسَنَ صَنِيعَ أَبِي دَاوُدَ، حَيْثُ كَنَّى حِينَ إِيرَادِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ لِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ: "لَوْ فَعَلْتِ كَذَا مَا دَخَلْتِ الْجَنَّةَ حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ" (٢) بِقَوْلِهِ: فَذَكَرَ تَشْدِيدًا عَظِيمًا. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: "لَيْسَ لَنَا أَنْ نَقُولَ نَحْنُ فِي أَبَوَيْهِ ﷺ ذَلِكَ" وَعَلَّلَ ذَلِكَ (٣). وَعِنْدِي أَنَّ الصَّوَابَ عَدَمُ التَّكَلُّمِ فِيهِمَا إِثْبَاتًا وَنَفْيًا، إِلَّا عِنْدَ الِاضْطِرَارِ إِلَيْهِ مَعَ ثَابِتِي الإِيمَانِ (٤). وَانْظُرْ قَوْلَ عَائِشَةَ ﵂: "لَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ" (٥) تَتَسَلَّطُ بِهِ عَلَى تَأْوِيلِ مَا تَرَاهُ فِي الهَجْرِ مِنْ بَعْضِهِمْ (لِبَعْضِ) (٦).

стр. 221

وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مَا يَقُعُ (١) بَيْنَ الأَئِمَّةِ، سِيَّمَا الْمُتَخَالِفِينَ فِي الْمُنَاظَرَاتِ وَالْمُبَاحَثَاتِ. وَأَمَّا مَا أَسْنَدَهُ الحَافِظُ أَبُو الشَّيْخِ ابْنُ حَيَّانَ (٢) فِي كِتَاب "السُّنَّةُ" (٣) لَهُ مِنَ الْكَلَامِ فِي حَقِّ بَعْضِ الْأئِمَّةِ الْمُقَلَّدِينَ، وَكَذَا الحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي "كَامِلِهِ" وَالْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ فِي "تَارِيخِهِ" وَآخَرُونَ مِمَّنْ قَبْلَهُمْ، كَـ: ابْنِ أَبِي شَيْبَةِ فِي "مُصَنِّفِهِ" وَالبُخَارِيِّ وَالنَّسَائِيِّ، مِمَّا كُنْتُ أُنَزِّهُهُمْ عَنْ إِيرَادِهِ، مَعَ كَوْنِهِمْ مُجْتَهِدِينَ، وَمَقَاصِدُهُمْ جَمِيلَةٌ، فَيَنْبَغِي تَجَنُّبُ (٤) اقْتِفَائِهِمْ فِيهِ. وِلِذَا عَزَّرَ (٥) بَعْضُ الْقُضَاةِ الْأَعْلَامَ مِنْ شُيُوخِنَا مَنْ نُسِبَ إِلَيْهِ التَّحَدُّثُ بِبَعْضِهِ، بَلْ مَنَعَنَا شَيْخُنَا حِينَ سَمِعْنَا عَلَيْهِ كِتَابَ "ذَمُّ الْكَلَامِ" (٦) لِلْهَرَوِيِّ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ. وَلَمّا سَمِعَ بَعْضُ المُعْتَبَرِينَ قِصَّةَ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ (٧) حَمَلَتْهُ الْغَيْرَةُ غَيْرَ مُلَاحِظٍ جَانِبَ الصَّحَابِيِّ ﵁ إِلَى التَّكَلُّمَ بِمَا لَمْ يَتَدَبَّرْهُ، فَبَادَرَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ لِتَقْبِيحِهِ، بِحَيْثُ كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاخْتِفَائِهِ شَهْرًا، وَكَانَ فِي هَذَا تَأْدِيبٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى لَهُ، فَإِنَّهُ أَنْكَرَ -فِيمَا سَبقَ- عَلَى بَعْضِ طَلَبَةِ شَيْخِنَا تَرْجَمَتَهُ لِقَرِيبٍ لَهُ، وَوَثَبَ عَلَيْهِ وَثْبَةً كَادَ يُهْلِكُهُ (٨) فِيهَا، فَمَا وَسِعَهُ إِلَّا الإِخْتِفَاءُ بَجَامِعِ عَمْرٍو شَهْرًا كَامِلًا حَتَّى سَكَنَ الْأَمْرُ.

стр. 222

ثُمَّ وَقَعَ الْمُنْكِرُ فِيمَا هُوَ أَشَدُّ، كُلُّ هَذَا مَعَ التَّحَرِي فِيمَنْ يُحِبُّهُ لِاقْتِفَائِهِ لَهُ، أَوْ لِصَدَاقَتِهِ مَعَهُ مِمَّا قَدْ تَكُونُ فِي اللهِ -تَعَالَى- أَوْ لإِحْسَانٍ وَنَحْوِهِ لِمَا جُبِلَتِ الْقُلُوبُ عَلَيْهِ مِنْ حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ، بِحَيْثُ قِيلَ: "اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلُ لِفَاجِرٍ عِنْدِي نِعْمَةً يَرْعَاهُ بِهَا قَلْبِي" (١). وَانْظُرْ لِشِدَّةِ تَحَرُّزِ ابْنِ مَعِينٍ، فَإِنَّه لَمَّا قَدِمَ حَرَّانَ طَمِعَ أَبُو سَعِيدٍ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الضَّحَّاكِ البَابْلُتِّيُّ (٢) أَنَّهُ يَجِيءُ إِلَيْهِ فَوَجَّهَ (إِلَيْهِ) (٣) بِصُرَّةٍ فِيهَا ذَهَبٌ وَطَعَامٌ طَيِّبٌ، فَقَبِلَ الطَّعَامَ وَرَدَّ الصُرَّةَ، فَلَمَّا رَحَلَ سَأَلُوهُ عَنْهُ، فَقَالَ: "وَاللهِ إِنَّ صِلَتَهُ لَحَسَنَةٌ، وَإِنَّ طَعَامَهُ لَطيِّبٌ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْأَوْزَاعِي شَيْئًا" (٤)! وَأَمَّا مَا يُرْوَى عَنِ الْأعْمَشِ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ (٥) وِلَايَةُ الحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ (٦) مَظَالِمَ الْكُوفَةِ قَالَ: "ظَالِمُنَا وَابْنُ ظَالِمِنَا، وُلِّيَ مَظَالِمَنَا" ثُمَّ قَالَ بَعْدَ يَسِيرٍ وَقَدْ جَهَّزَ المُشَارُ إِلَيْهِ شَيْئًا: "صَالِحُنَا وَابْنُ صَالِحُنَا، وُلِّيَ مَصَالِحَنَا" وَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ

стр. 223

فَرَوَى (١): "جُبِلَتِ القُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا" (٢). فَأَحْسَبَهُ غَيْرَ صَحِيحٍ، سِيَّمَا وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يُرَ السَّلَاطِينُ وَالْمُلُوكُ وَالْأَغْنِيَاءُ فِي مَجْلِسٍ أَحْقَرَ مِنْهُمْ فِي مَجْلِسِ الْأَعْمَشِ، مَعَ شِدَّةِ حَاجَتِهِ وَفَقْرِهِ. وَهَبْ أَنَّهُ رَأَى بِتَوَجُّهِهِ إِلَى إِكْرَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ تَغَيَّرَ وَصْفُهُ لَهُ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ تَغَيَّرَ وَصْفُ أَبِيهِ! (٣) [وَقَدْ يَكُونُ حُبُّهُ لَهُ قَرِيبًا لَهُ، كَأَبٍ أَوِ ابْنٍ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ المَدِينِيِّ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ أَبِيهِ: "سَلُوا عَنْهُ غَيْرِي" فَأَعَادُوا الَمَسْأَلةَ، فَأَطْرَقَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: "هُوَ الدِّينُ؛ إِنَّهُ ضَعِيفٌ" (٤). وَكَانَ وَكِيعُ بْنُ الجَرَّاحِ، لِكَوْنِ وَالِدِهِ كَانَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، يَقْرِنُ مَعَهُ آخَرَ إِذَا رَوَى عَنْهُ (٥). وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ صَاحِبُ "السُّنَنُ": "ابْنِي عَبْدُ اللهِ كَذَّابٌ" (٦). مَعَ تَأْوِيلِنَا لَهُ فِي "بَذْلُ المَجْهُودِ" (٧).

стр. 224

وَنَحْوُهُ قَوْلُ الذَّهَبِيِّ فِي وَلَدِهِ أَبِي هُرَيْرَةَ (١) إِنَّهُ: "حَفِظَ الْقُرْآنَ ثُمَّ تَشَاغَلَ عَنْهُ حَتَّى نَسِيَهُ". وَقَالَ زَيْدُ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ (٢) كَمَا فِي مَقَدِّمَةِ "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (٣): "لَا تَأْخُذُوا عَنْ أَخِي يَحْيَى الْمَذْكُورِ بِالْكَذِبِ". إِلَى غَيْرِ هَذَا مِمَّا يُنَافِيهِ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي "غَرَائِبِ مَالِكٍ" (٤) مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْجُوزْجَانِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عِيسَى بْنِ مَعْنٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: "مِمَّا يُصْفِي لَكَ وُدَّ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ أَنْ تَكُونَ لَهُ فِي غَيْبَتِهِ أَفْضَلَ مِمَّا تَكُونُ بِحَضْرَتِهِ (٥) " سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ: إِنَّهُ [حَدِيثٌ] (٦) بَاطِلٌ، وَمَنْ دُونَ مَالِكٍ ضُعَفَاءُ] (٧).

стр. 225

نَعَمْ، فِي الخُلَفَاءِ وَآبَائِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ، كَمَا قَالَهُ الذَّهَبِيُّ (١): "قَوْمٌ أَعْرَضَ أَهْلُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ عَنْ كَشْفِ حَالِهِمْ خَوْفًا مِنَ السَّيْفِ وَالضَّرْبِ" قَالَ: "وَمَا زَالَ هَذَا فِي كُلِّ دَوْلَةٍ قَائِمَةٍ يَصِفُ الْمُؤَرِّخُ مَحَاسِنَهَا وَيُغْضِي عَنْ مَسَاوِئِهَا، هَذَا إِذَا كَانَ الْمُؤَرِّخُ (٢) ذَا دِينٍ وَخَيْرٍ، فَإِنْ كَانَ مَدَّاحًا مُدَاهِنًا لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى الوَرَعِ، بَلْ [رُبَّمَا] (٣) أَخْرَجَ مَسَاوِئَ الكَبِيرِ (٤) وَهَنَّاتِهِ فِي هَيْئَةِ المَدْحِ وَالمَكَارِمِ وَالعَظَمَةِ". قُلْتُ: بَلْ رُبَّمَا يُخْفِي مِنْ تَرْجَمَتِهِ مَا يُظْهِرُ خِلَافَهُ، وَلا يَسْمَحُ بِتَرْجَمَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِمَا تَرْجَمَهُ بِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا التَّحَرِّي فِي الْعِبَارَاتِ، وَالتَّبَرِّي مِنَ الصَّرِيحِ دُونَ خَفِيِّ الإِشَارَاتِ. * * *

стр. 226

[لَا يُقْبَلُ كَلَامُ المُتَعَاصِرِينَ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ] (١) وَكَذَا مَعَ التَّحَرِّي فِيمَنْ يَبْغَضُهُ لِعَدَاوَةٍ سَبَبُهَا الْمُنَافَسَةُ فِي الْمَرَاتِبِ، مِمَّا كَثُرَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْمُتَعَاصِرِينَ وَالتَّبَايُنُ لَهَا، بِحَيْثُ عَقَدَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي "جَامِعُ بَيَانِ الْعِلْمِ" (٢) لَهُ بَابًا لِكَلَامِ الْأَقْرَانِ الْمُتَعَاصِرِينَ مِنَ العُلَمَاءِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ، وَأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ كَلَامُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِمُفْرَدِهِ ثِقَةً (وَ) (٣) حُجَّةً. وَرُبَّمَا يَكُونُ بَيْنَ الْمُتَعَاصِرِينَ الشَّيْءُ مِنْ غَيْرِ عَدَاوَةٍ، وَلِذَا (٤) فَصَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْهَا، وَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، فَإِنِ اجْتَمَعَا فَأَوْلَى بِعَدَمِ القَبُولِ. وَقَدْ يَكُونُ سَبَبَ تِلْكَ العَدَاوَةِ ظَنٌّ فَاسِدٌ؛ بِأَنْ يُخَالِفَهُ فِي الِاعْتِقَادِ الَّذِي يَظُنُّ فَسَادَهُ، وَذَلِكَ أَحَدُ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُدْخِلُ الْآفَةَ عَلَى الْمُجَرَّحِينَ مِنْهَا "لِأَنَّهَا أَوْجَبَتْ تَكْفِيرَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أَوْ تَبْدِيعَهُمْ، وَأَوْجَبَتْ عَصَبِيَّةً اعْتِقَدُوهَا دِينًا يَتَدَيَّنُونَ وَيَتَقَرَّبُونَ بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَنَشَأَ مِنْ ذَلِكَ الطَّعْنُ بِالتَّكْفِيرِ أَوِ التَّبْدِيعِ". أفَادَهُ التَّقِيُّ ابْنُ دَقيقِ العِيدِ (٥). (وَذَلِكَ مَوْجُودٌ كَثِيرًا قَدِيمًا وَحَدِيثًا) (٦).

стр. 227

"وَنَحْوُهُ الِاخْتِلَافُ الْوَاقِعُ بَيْنَ الْمُتَصَوِّفَة (وَأَصْحَابِ الفُرُوعِ) (١) فَقَدْ وَقَعَ بَيْنَهُمْ تَنَافُرٌ أَوْجَبَ كَلَامَ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ" (٢). (قُلْتُ: وَمِن هُنَا تَكَلَّمَ ابْنُ خِرَاشٍ فِي أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ الضَّبِّيِّ (٣)، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَلْتَفِتُوا لِذَلِكَ لِكَوْنِ ابْنِ خِرَاشٍ (٤) رَافِضِيًّا أَوَ خُرَّمِيًّا) (٥). وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَلَا يَرْفَعُ مَنْ يُحِبُّهُ فَوْقَ مَرْتَبَتِهِ، بَلْ يَقْتَدِي بِمَنْ أَسْلَفْتُ الْحِكَايَةَ عَنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ الغَالِبُ أَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لِلْمَرْءِ عَلَى تَجَنُّبِهِ، فَـ "حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ". وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ … كَمَا أَنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي المَسَاوِيَا (٦) وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ آفَاتِ الْمُبَالَغَةِ إِلَّا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ إِمَامُنَا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ (٧): "مَا رَفَعْتُ أَحَدًا فَوْقَ مِقْدَارِهِ إِلَّا وَاتَّضَعَ مِنْ قَدْرِي عِنْدَهُ بِقَدْرِ مَا رَفَعْتُهُ بِهِ أَوْ أَزْيَدَ".

стр. 228

وَنَحْوُهُ (١): "ثَلَاثَةٌ إِنْ أَكْرَمْتَهُمْ أَهَانُوكَ: الْمَرْأَةُ، وَالْفَلَّاحُ، وَالْعَبْدُ" قَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا (٢). وَبِهِ يُقَيَّدُ كَلَامُهُ الْأَوَّلُ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْأَنْذَالِ [وَ] (٣) اللِّئَامِ غَيْرِ الكِرَامِ. وَلْيُتَأَمَّلْ حَدِيثُ: "أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا" (٤). وَلَا يَحْمِلُهُ الْبُغْضُ عَلَى سُلُوكِ غَيْرِ الْإِنْصَافِ، وَإِن كَانَ أَيْضًا فِي الغَالِبِ غَيْرَ مَأْمُونٍ، وَمِنْ ثَمَّ حَصَلَ التَّوَقُّفُ فِي القَبُولِ مِمَّنْ هَذَا سَبِيلُهُ. وَرَحِمَ اللهُ التَّقِيَّ ابْنَ دَقيقِ الْعِيدِ، فَإِنَّهُ لَمَّا جِيءَ إِلَيْهِ بِالْمَحْضَرِ الْمُكْتَتَبِ فِي التَّقِيِّ ابْنِ بنْتِ الْأَعَزِّ (٥) لِيَكْتُبَ فِيهِ، امْتَنَعَ مِنْهَا أَشَدَّ امْتِنَاعٍ، مَعَ مَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْعَدَاوَةِ الشَّدِيدَةِ، بَلْ وَأَغْلَظَ عَلَيْهِمْ فِي الكَلَامِ وَقَالَ: "مَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَكْتُبَ فِيهِ" وَرَدَّهُ، فَتَزَايَدَتْ جَلَالَتُهُ بِذَلِكَ وَعُدَّ فِي وُفُورِ دِيَانِتِهِ وَأَمَانَتِهِ، وَكَيْفَ لَا وَهُوَ الْقَائِلُ: "مَا تَكَلَّمْتُ بِكَلِمَةٍ أَوْ فَعَلْتُ فِعْلًا إِلَّا وَأَعْدَدْتُ لِذَلِكَ جَوَابًا بَيْنَ يَدَيْ اللهِ سُبْحَانَهُ" (٦). وَلَمَّا تَرْجَمَ شَيْخُنَا لِلْقَايَاتِيِّ (٧) -بَعْدَ مَوْتِهِ- قَالَ: إِنَّهُ بَاشَرَ بِنَزَاهَةٍ وَعِفَّةٍ، وَلَمْ

стр. 229

يَأْذَنْ لِأَحَدٍ مِنَ النُّوَّابِ إِلَّا لِعَدَدٍ قَلِيلٍ، وَتَثَبَّتَ فِي الْأَحْكَامِ جِدًّا، وَفِي جَمِيعِ أُمُورِهِ. هَذَا مَعَ مَا أَسْلَفَهُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي جَانِبِهِ، وَعَدَمِ رِعَايَةِ مَشْيَخَتِهِ. فَنَسْأَلُ اللهَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي السُّخْطِ وَالرِّضَا. ثُمَّ إِنَّهُ لِلْخَوْفِ مِنْ عَدَمِ التَقَيُّدِ بِأَكْثَرَ مِمَّا تَقَدَّمَ (١) رَأَى (٢) ابْنُ عَبْدِ البَرِّ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ لَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ فِيهِمْ إِلَّا بِبَيَانٍ وَاضِحٍ، وَهُوَ وَاضِحٌ. وَانْظُرْ صَنِيعَ إِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ [﵁] (٣) فِي التَّحَرِّي حَيْثُ يَقُولُ: "ثَنَا إِسْمَاعِيلُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: ابْنُ عُلَيَّةَ" (٤) لِعِلْمِهِ بِكَرَاهَتِهِ لِلإِنْتِسَابِ لِذَلِكَ (٥)، مَعَ التَّرْخِيصِ فِيهِ إِذَا لَمْ يُعْرَفْ إِلَّا بِهِ. وَلَا تَكُنْ كَمَنْ يَخْتَلِقُ لِلنَّاسِ أَلْقَابًا أَوْ نَحْوَها، كَقَوْلِهِ: ابْنِ الطَّرَّاقِ، أَوِ ابْنِ غُفَيْرِ (٦) السَّمَاءِ، مِنْ غَيْرِ تَدَبُّرٍ لِقَوْلِهِ ﷺ : "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَلْقِي لَهَا بِالًا، يَهْوِي بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ سَبْعِينَ خَرِيفًا" (٧). وَإِذَا أَمْكَنَهُ الْجَرْحُ بِالإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ أَوْ بِأَدْنَى تَصْرِيحٍ لَا تَجُوزُ (٨) لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى

стр. 230

ذَلِكَ؛ فَالْأُمُورُ الْمُرَخَّصُ فِيهَا لِلْحَاجَةٍ لَا يَرْتَقِي فِيهَا إِلَى زَائِدٍ عَلَى مَا يَحْصُلُ الْغَرَضُ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: "سَمِعَنِي الشَّافِعِيُّ يَوْمًا وَأَنَا أَقُولُ: فُلَانٌ كَذَّابٌ. فَقَالَ لِي: يَا أَبَا إِبْرَاهِيمَ، اكْسُ أَلْفَاظَكَ أَحْسَنَهَا، لَا تَقُلْ: كَذَّابٌ، وَلَكِنْ قُلْ: حَدِيثُهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ" (١). وَنَحْوُهُ أَنَّ البُخَارِيَّ كَانَ لِمَزِيدِ وَرَعِهِ (وَتَحَرِّيهِ وَتَوَقِّيهِ) (٢) قَلَّ أَنْ يَقُولَ: "كَذَّابٌ أَوْ وَضَّاعٌ"، (أَكْثَرُ مَا يَقُولُ: "سَكَتُوا عَنْهُ، فِيهِ نَظْرٌ، تَرَكُوهُ" وَنَحْوُ هَذَا) (٣). نَعَمْ رُبَّمَا يَقُولُ: "كَذَّبَهُ [فُلَانٌ] (٤)، أَوْ رَمَاهُ فُلَانٌ بِالكَذِبِ" (٥). (وَحَكَى مُسْلِمٌ فِي مُقَدِّمَةِ "صَحِيحِهِ" (٦) أَنَّ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيَّ ذَكَرَ (٧) رَجُلًا فَقَالَ: "هُوَ يَزِيدُ فِي الرَّقْمِ" (٨) وَكَنَّى بِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ الكَذِبِ) (٩). وَإِذَا كَانَ الَّذِي بَلَغَهُ فِيهِ احْتِمَالٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ، لَا يَجْزِمُ بِأَحَدِهِمَا، بَلْ يَقِفُ وَيَحْتَاطُ فِيمَا يُمْكِنُ الْمَخْلَصُ عَنْهُ بِتَأْوِيلٍ صَحِيحٍ. وَقَدِ اتَّفَقَ أَنَّ قَاضِيًا تَوَقَّفَ فِي شَهَادَةِ بَعْضِهِمْ، فَحَضَرَ إِلَيْهِ سِرًّا وَسَأَلَهُ عَنْ

стр. 231

سَبَبِ تَوَقُّفِهِ، فَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ رَآهُ بِأَرْضِ الطَبَّالَة (١) -الَّتِي هِيَ مَحَلُّ كَثِيرٍ مِنَ الْقَاذُورَاتِ - فَقَالَ: يَا مَوْلَانَا، قَدْ كُنْتُ بِهَا فِي ضَرُورَةٍ غَيْرِ قَادِحَةٍ، فَمَا بَالُكُمْ كُنْتُمْ بِهَا! فَبَادَرَ إِلَى قَبُولِهِ وَالرَّقْمِ لِشَهَادَتِهِ. وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِطَرِيقِ النَّقْلِ؛ حَتَّى لَا يَجْزُمَ إِلَا بِمَا يَتَحَقَّقُهُ. فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مُسْتَنَدٌ مُعْتَمَدٌ فِي الرِّوَايَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ النَّقْلُ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : "كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ" (٢) وَلِيَكُونَ بِذَلِكَ مُتَحَرِّزًا عَنْ وُقُوعِ الْمُجَازَفَةِ وَالْبُهْتَانِ وَالِافْتِيَاتِ وَالْعُدْوَانِ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ وَلَا يُبْصِرُ، وَيَنْفِرُ عَنْ تَارِيخِهِ الْعُقَلاءُ وَالعُلَمَاءُ وَالنُّبَلَاءُ وَالْحُكَمَاءُ، وَلَا يَرْغَبُ فِيهِ إِلَّا مَنْ هُوَ مِثْلُهُ أَوْ أَفْحَشُ، بَلْ رُبَّمَا تَكُونُ مُجَازَفَتُهُ آيِلَةً مَعَهُ أَيْضًا إِلَى الْتَّرْكِ وَالسُّقُوطِ فِي الْحُشِّ. وَلَا يَكْتَفِي (٣) بِالنَّقْلِ الشَّائِعِ، خُصُوصًا إِنْ تَرَتَّبَتْ عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ مِنَ الطَّعْنِ فِي حَقِّ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالصَّلَاحِ. بَلْ إِنْ كَانَ فِي الوَاقِعَةِ أَمْرٌ قَادِحٌ فِي حَقِّ الْمَسْتُورِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَلَّا يُبَالِغَ فِي إِفْشَائِهِ، وَيَكْتَفِيَ بِالإِشَارَةِ لِئَلَّا يَكُونَ الْمَذْكُورُ وَقَعَتْ مِنْهُ فَلْتَةٌ، فَإِذَا ضُبِطَتْ عَلَيْهِ لَزِمَهُ عَارُهَا أَبَدًا، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ الشَّارِعِ: "أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ [إِلَّا فِي الحُدُودِ] " (٤). وَكَذَا يَتَجَنَّبُ التَّعَرُّضَ لِلْوَقَائِعِ الْمُنْقِصَةِ الصَّادِرَةِ فِي شُبُوبِيَّةِ مَنْ صَيَّرَهُ اللهُ

стр. 232

تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ مُقْتَدًى بِهِ، فَمَنْ ذَا سَلِمَ (١)! وَقَدْ: "عَجِبَ الرَّبُّ مِنْ شَابٍّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ" (٢) وَالشَّبَابُ شُعْبَةٌ مِنَ الْجُنُونِ، وَالاِعْتِبَارُ بِحَالِهِ الْآنَ. وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ سَعِيدِ بْنْ المُسَيَّبِ أَنَّهُ: "لَيْسَ مِنَ شَرِيفٍ وَلَا عَالِمٍ وَلَا ذِي فَضْلٍ (٣) -يَعْنِي مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- إِلَّا وَفِيهِ عَيْبٌ، وَلَكِنْ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُذْكَرَ عُيُوبُهُ، فَمَنْ كَانَ فَضْلُهُ أَكْثَرَ مِنْ نَقْصِهِ وُهِبَ نَقْصُهُ لِفَضْلِهِ" (٤). وَمِنْ هُنَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِمَقَادِيرِ النَّاسِ وَبِأَحْوَالِهِمْ وَبِمَنَازِلِهِمْ، فَلَا يَرْفَعُ الْوَضِيعَ، وَلَا يَضَعُ الرَّفِيعَ؛ لِيَكُونَ مُمْتَثِلًا لِقَوْلِهِ ﷺ : "أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ" (٥) يَعْنِي مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَلَا يَحْكِي مِمَّا لَعَلَّهُ يَتَّفِقُ لِذَوِي الْوَجَاهَاتِ وَالْوِلَايَاتِ مِنْ أَرْبَابِ الدَّوْلَةِ؛ مِنَ الضَّرْبِ وَالسَّجْنِ وَالْإِهَانَةِ وَنَحْوِهَا، إِلَّا مَا يُضْطَرُّ لِإِيَرَادِهِ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ الْإِشْعَارُ بِمَا يَقْتَضِي الْإِنْكَارَ فَعَلَ، حَتَّى لَا يَكُونَ ذَلِكَ تَطَرُّقًا لِمَنْ يَرُومُ فِعْلَ مِثْلِهِ، وَحُجَّةً يَحْتَجُّ بِهَا، كَمَا وَقَعَ لِلْحَجَّاجِ اللَّعِينِ فِي قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ.

стр. 233

فَقَدْ قَالَ سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ كَمَا فِي الطِّبِّ مِنْ "صَحِيحِ البُخَارِيِّ" (١): "بَلَغَنِي أَنَّ الْحَجَّاجَ -يَعْنِي ابْنَ يُوسُفَ الثَّقَفِيَّ- قَالَ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: حَدِّثْنِي بِأَشَدِّ عُقُوبَةٍ عَاقَبَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ . فَحَدَّثَهُ بِهَا، فَلَمَّا بَلَغَ الْحَسَنُ -يَعْنِي البَصْرِي- ذَلِكَ قَالَ: "وَدِدْتُ أَنَّهُ لَمْ يُحَدِّثْهُ". وَبِالْجُمْلَةِ فَالشَّرْطُ مَعَ الْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمَقْبُولِ وَالْمَرْدُودِ مِمَّا يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَبَيْنَ الرَّفِيعِ وَالْوَضِيعِ، وَعَدَمِ العَدَاوَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَالْمُحَابَاةِ الْمُفْضِيةِ لِلْعَصَبِيَّةِ الْمُعَبِّرِ بَعْضُهُمْ عَنْهُ بِتَجْنِيبِ الْغَرَضِ وَالْهَوَى الْفَهْمَ (٢) بِحَيْثُ لَا يَكُونُ جَاهِلًا بِمَرَاتِبِ الْعُلُومِ، سِيَّمَا الْفُرُوعُ وَالأُصُولُ، وَيَفْهَمُ الأَلْفَاظَ وَمَوَاقِعَهَا، خَوْفًا مِنْ إِطْلَاقِ أَلْفَاظٍ لَا تَلِيقُ بِالمُتَرْجِمِينَ، فَيَحْصُلُ التَّعَرُّضُ لَهُ بِالتَّنْقِيصِ وَالتَّعْزِيزِ (٣) الَّذِي يَشِينُ. كَمَا اتَّفَقَ لِمُغَلْطَايْ مَعَ جَلَالَتِهِ (٤) ثُمَّ لِابْنِ دُقْمَاقَ مَعَ وَجَاهَتِهِ، فَقَدْ كَانَ حَسَنَ الِاعْتِقَادِ غَيْرَ فَاحِشِ اللِّسَانِ وَلَا الْقَلَمِ (٥). وَكَذَا لِابْنِ أَبِي حَجَلَةَ (٦) مَعَ كَوْنِهِ بِخُصُوصِهِ مَعْذُورًا، بَلْ كُلُّهُمْ مِمَّنْ تَعَصَّبَ الْعَدُوُّ عَلَيْهِمْ، وَنَصَبَ حَبَائِلَ الْحَسَدِ إِلَيْهِمْ.

стр. 234

وَقَدْ كَانَ الحَافِظُ الزَّاهِدُ النُّورُ الْهَيْثَمِيُّ (١) يُبَالِغُ فِي الْغَضِّ مِنَ (الْوَلَّوِيِّ) (٢) ابْنِ خَلْدُونَ قَاضِي الْمَالِكِيَّةِ؛ لِكَوْنِهِ (٣) بَلَغَهُ أَنَّهُ ذَكَرَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵄ فِي "تَارِيخِهِ" وَقَالَ: "قُتِلَ بِسَيْفِ جَدِّهِ". قَالَ شَيْخُنَا: "وَلَمَّا نَطَقَ شَيْخُنَا -يَعْنِي الهَيْثَمِيَّ- بِهَذِهِ الكَلِمَةِ أَرْدَفَهَا بِلَعْنِ ابْنِ خَلْدُونَ، وَسَبَّهُ وَهُوَ يَبْكِي". قَالَ شَيْخُنَا: "وَلَمْ تُوجَدْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي التَّارِيخِ الْمَوْجُودِ الآنَ، وَكَأَنَّهُ كَانَ ذَكَرَهَا فِي النُّسْخَةِ الَّتِي رَجَعَ عَنْهَا" (٤). وَسَأَذْكُرُ عَنِ ابْنِ خَلْدُونَ فِي ذِكْرِ الْخُلَفَاءِ مَا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا لِصُدُورِ هَذَا مِنْهُ، نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ (٥).

стр. 235

(وَ) (١) مُصَاحَبَةُ الْوَرَعِ وَالتَّقْوَى؛ بِحَيْثُ لا يَأْخُذُ بِالتَّوَهُّمِ وَالْقَرَائِنِ الَّتِي قَدْ تَخْتَلِفُ، خَوْفًا مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ قَوْلِهِ ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ" (٢) وَمَتَّى لَمْ يَكُنْ وَرِعًا -مَعَ كَوْنِهِ مَعْرُوفًا بِالعِلْمِ- اشْتَدَّ البَلَاءُ [بِهِ] (٣) بِخِلَافِ العَكْسِ، فَالوَرَعُ وَالتَّقْوَى (٤) يَحْجُزُهُ، وَيُوجِبُ لَهُ الْفَحْصَ وَالِاجْتِهَادَ وَتَرْكَ الْمُجَازَفَةِ، كَمَا بَسَطْتُهُ فِي أَمَاكِنَ مِنْ تَصَانِيفِي. وَقَدْ أَشَارَ لِبَعْضِ هَذِهِ الشُّرُوطِ التَّاجُ السُّبْكِيُّ، فَقَالَ فِي كِتَابِهِ "مُعِيدُ النِّعَمِ" (٥) مِمَّا [هُوَ] (٦) مُؤَاخَذٌ فِي إِطْلَاقِهِ مَا نَصُّهُ: "وَهُمْ -أَي الْمُؤَرِّخُونَ- عَلَى شفَا جُرْفٍ هَارٍ؛ لأَنَّهُمْ يَتَسَلَّطُونَ عَلَى أَعْرَاضِ النَّاسِ، وَرُبَّمَا نَقَلُوا بِمُجَرَّدِ (٧) مَا يَبْلُغُهُمْ مِنْ كَاذِبٍ أَوْ صَادِقٍ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ المُؤَرِّخُ عَالِمًا عَدْلا (٨) عَارِفًا بِحَالِ مَنْ يُتَرْجِمُهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مِنَ الصَّدَاقَةِ مَا قَدْ يَحْمِلُهُ عَلَى التَّعَصُّبِ لَهُ، وَلَا مِنَ العَدَاوَةِ مَا قَدْ يَحْمِلُهُ عَلَى الْغَضِّ مِنْهُ، وَرُبَّمَا كَانَ الْبَاعِثُ لَهُ عَلَى الغَضِّ (٩) مِنْ قَوْلِهِ (١٠) مُخَالَفَةَ الْعَقِيدَةِ، وَاعْتِقَادَ أَنَّهُمْ

стр. 236

عَلَى ضَلَالٍ، فَيَقَعُ فِيهِمْ أَوْ يُقَصِّرُ فِي الثَّنَاءِ [عَلَيْهِمْ] (١) لِذَلِكَ". إِلَى أَنْ قَالَ: "وَمِنْهُمْ مَنْ (٢) تَأَخْذُهُ فِي الفُرُوعِ الْحَمِيَّةُ لِبَعْضِ الْمَذَاهِبِ، وَيَرْكَبُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ فِي الْعَصَبِيَّةِ، وَهَذَا مِنْ أَسْوَأِ (٣) أَخْلَاقِهِمْ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ فِي طَوَائِفِ الْمَذَاهِبِ مَنْ يُبَالِغُ فِي الْعَصَبِيةِ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ بَعْضُهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ خَلْفَ بَعْضٍ، إِلَى غَيْرِ هَذَا مِمَّا يُسْتَقْبَحُ ذِكْرُهُ، وَيَا وَيْحَ هَؤُلَاءِ! أَيْنَ هُمْ مِنَ اللهِ! وَلَوْ كَانَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ حَيَّيْنِ لَشَدَّدَا النَّكِيرَ عَلَى هَذِهِ الطَّائِفَةِ" إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ. * * *

стр. 237

[اعْتِرَاضُ السُّبْكِيِّ عَلَى الذَّهَبِيِّ] (١) وَقَالَ فِي تَرْجَمَةِ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ الْمِصْرِيِّ مِنْ "طَبَقَاتِهِ الْكُبْرَى" (٢): "أَهْلُ التَّارِيخِ رُبَّمَا وَضَعُوا مِنْ أُنَاسٍ أَوْ رَفَعُوا أُنَاسًا؛ إِمَّا لِتَعَصُّبٍ، أَوْ جَهْلٍ، أَوْ لِمُجَرَّدِ اعْتِمَادٍ عَلَى نَقْلِ مَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ". قَالَ: "وَالْجَهْلُ فِي الْمُؤَرِّخِينَ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي أَهْلِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَكَذَلِكَ التَّعَصُّبُ قَلَّ أَنْ رَأَيْتَ تَارِيخًا خَالِيًا مِنْهُ. وَأَمَّا تَارِيخُ شَيْخِنَا الذَّهَبِيِّ -غَفَرَ اللهُ لَهُ (وَلَا وَاخَذَهُ) (٣) - فَإِنَّهُ عَلَى حُسْنِهِ وَجَمْعِهِ مَشْحُونٌ بِالتَّعَصُّبِ الْمُفْرِطِ [لَا وَاخَذَهُ اللهُ] (٤) فَلَقَدْ أَكْثَرَ الْوَقِيعَةَ فِي أَهْلِ الدِّينِ، أَعْنِي الْفُقَرَاءَ الَّذِينَ هُمْ صَفْوَةُ الْخَلْقِ، وَاسْتَطَالَ بِلِسَانِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيِّينَ (٥) وَالحَنَفِيِّينَ (٦) ". [وَقَالَ] (٧): " (وَمَالَ) (٨) فَأَفْرَطَ عَلَى الْأَشَاعِرَةِ وَمَدَحَ فَزَادَ (٩) فِي الْمُجَسِّمَةِ. هَذَا وَهُوَ الحَافِظُ القُدْوَةُ (١٠) وَالإِمَامُ الْمُبَجَّلُ، فَمَا ظَنُّكَ بِعَوَامِّ الْمُؤَرِّخِينَ! فَالرَّأْيُ

стр. 238

عِنْدَنَا أَلَّا يُقْبَلَ مَدْحٌ وَلَا ذَمٌّ مِنْهُمْ إِلَّا بمَا اشْتَرَطَهُ -يَعْنِي وَالِدُهُ- فَإِنَّهُ قَالَ: يُشْترَطُ فِي الْمُؤَرِّخِ الصِّدْقُ، وَإِذَا نَقَلَ يَعْتَمِدُ اللَّفْظَ دُونَ الْمَعْنَى، وَأَلَّا يَكُونَ مَا نَقَلَهُ مِمَّا أَخَذَهُ فِي الْمُذَاكَرَةِ ثُمَّ كَتَبَهُ بَعْدَ [ذَلِكَ] (١) وَأَنْ يُسَمِّيَ الْمَنْقُولَ عَنْهُ، فَهَذِهِ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ فِيمَا يَنْقُلُهُ. (وَ) (٢) أَمَّا مَا يَقُولُهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وَمَا عَسَاهُ يُطَوِّلُ فِيهِ مِنَ الْمَنْقُولِ بَعْضَ التَّرَاجِمِ دُونَ بَعْضٍ، فَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِحَالِ الْمُتَرْجَمِ عِلْمًا وَدِينًا وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصِّفَاتِ، وَهَذَا عَزِيزٌ جِدًّا، وَأَنْ يَكُونَ حَسَنَ الْعِبَارَةِ، عَارِفًا بِمَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ، حَسَنَ التَّصَوُّرِ، بِحَيْثُ يَتَصَوَّرُ حِينَ تَرْجَمَةِ (٣) الشَّخْصِ جَمِيعَ حَالِهِ، وَيُعَبِّرُ عَنْهُ بِعِبَارَةٍ لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ (٤) وَلَا تَنْقُصُ [عَنْهُ] (٥)، وَأَلَّا يَغْلِبَهُ الْهَوَى فَيُخَيِّلَ إِلَيْهِ هَوَاهُ الْإِطْنَابَ فِي مَدْحِ (٦) مَنْ يُحِبُّهُ وَالتَّقْصِيرَ فِي غَيْرِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مِنَ الْعَدْلِ مَا يَقْهَرُ بِهِ هَوَاهُ، وَيَسَلُكُ مَعَهُ طَرِيقَ الْإِنْصَافِ، وَإِلَّا فَالتَّجَرُّدُ عَنْ الْهَوَى عَزِيزٌ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ أُخْرَى. وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَهَا خَمْسَةً؛ لِأَنَّ حُسْنَ تَصَوُّرِهِ وَعِلْمَهُ قَدْ لَا يَحْصُلُ مَعَهُمَا الِاسْتِحْضَارُ حِينَ التَّصْنِيفِ، فَيُجْعَلُ حُضُورُ التَّصَوُّرِ زَائِدًا عَلَى حُسْنِ التَّصَوُّرِ وَالْعِلْمِ، فَتَصِيرُ تِسْعَةَ شُرُوطٍ فِي الْمُؤَرِّخِ، وَأَصْعَبُهَا الِاطِّلَاعُ عَلَى حَالِ الشَّخْصِ فِي الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْمُشَارَكَةِ فِي الْعِلْمِ وَالْقُرْبِ مِنْهُ حَتَّى يَعْرِفَ مَرْتَبَتَهُ"

стр. 239

انْتَهَى مَا حَكَاهُ عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: "وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَهُ: وَمَا عَسَاهُ [يُطَوِّلُ فِي التَّرَاجِمِ مِنَ النُّقُولِ وَيُقَصِّرُ] (١) فَإِنَّهُ أَشَارَ بِهِ لِفَائِدَةٍ جَلِيلَةٍ يَغْفُلُ عَنْهَا كَثِيرُونَ، وَيَحْتَرِزُ مِنْهَا الْمُوَفَّقُونَ، وَهِيَ تَطْوِيلُ التَّرَاجِمِ وَتَقْصِيرُهَا، فَرُبَّ مُحْتَاطٍ (٢) لِنَفْسِهِ لَا يَذْكُرُ إِلَّا مَا وَجَدَهُ مَنْقُولًا، وَلَكِنَّهُ يَأْتِي إِلَى مَنْ يُبْغِضُهُ فَيَنْقُلُ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ مِنْ مَذَامِّهِ، وَيَحْذِفُ كَثِيرًا مِمَّا يَرَاهُ (٣) مِنْ مَمَادِحِهِ، وَيَعْكِسُ الْحَالَ فِيمَنْ يُحِبُّهُ، وَيَظُنُّ الْمِسْكِينُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِذَنْبٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَطْوِيلُ تَرْجَمَةِ أَحَدٍ، وَلَا اسْتِيفَاءُ مَا ذُكِرَ مِنْ مَمَادِحِهِ، وَلَا يَظُنُّ الْمُغْتَرُّ أَنَّ تَقْصِيرَهُ لِتَرْجَمَتِهِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ اسْتِزْرَاءٌ بِهِ وَخِيَانَةٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ وَلِلْمُؤْمِنِينَ فِي تَأْدِيَةِ (٤) مَا قِيلَ فِي حَقِّهِ مِنْ حَمْدٍ وَذَمٍّ". قُلْتُ: وَهَذَا كَمَنْ يَسْمَعُ الْحِكْمَةَ وَغَيْرَهَا فَلَا يُحَدِّثُ إِلَّا بِشَرِّ مَا سَمِعَهُ (٥) وَمَثَّلَهُ الشَّارِعُ كَـ: "مَنْ (٦) يَأْتِي إِلَى رَاعٍ فَيَقُولُ لَهُ: اجْزُرْنَا مِنْ غَنَمِكَ. فَيَقُولُ لَهُ: خُذْ أَيَّهَا شِئْتَ. فَيَعْمِدُ إِلَى كَلْبِ الْغَنَمِ فَيَأَخُذُهُ" (٧) انْتَهَى. * * *

стр. 240

[مَا يَحْصُلُ بِهِ الغِيبِةُ] (١) ثُمَ قَالَ التَّاجُ: "إِنَّ مَنْ يَرْتَكِبُ مَا تَقَدَّمَ كَمَنْ يُذْكَرُ بَيْنَ يَدَيْهِ شَخْصٌ فَيَقُولُ: دَعُونَا مِنْهُ (أَوْ) (٢) إِنَّهُ عَجِيبٌ، أَوْ اللهُ يُصْلِحُهُ، فَيَظُنُّ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَبْهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَقْبَحِ الْغِيبَةِ". قَالَ: "وَكَذَلِكَ مَا أَحْسَنَ قَوْلَهُ: وَأَلَّا يَغْلِبَهُ الهَوَى؛ فَإِنَّ الْهَوَى غَلَّابٌ إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللهُ، وَلَكِنْ قَدْ لَا يَتَجَرَّدُ عَنِ الْهَوَى بِأَنْ (٣) لَا يَظُنَّهُ هَوًى، بَلْ يَظُنَّهُ لِجَهْلِهِ (٤) أَوْ بِدْعَتِهِ حَقًّا، فَلَا يَتَطَلَّبُ حِينَئِذٍ مَا يَقْهَرُ بِهِ هَوَاهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَقِرَّ فِي ذِهْنِهِ أَنَّهُ مُحِقٌّ، وَهَذَا كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَخَالِفِينَ فِي الْعَقَائِدِ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُ مُخَالِفٍ فِي الْعَقِيدَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ثِقَةً، وَقَدْ رَوَى شَيْئًا مَضْبُوطًا عَايَنَهُ أَوْ حَقَّقَهُ. فَقَوْلُنَا: مَضْبُوطًا؛ احْتَرَزْنَا بِهِ عَنْ رِوَايَةِ مَا لَا يَضْبِطُ مِنَ التُرَّهَاتِ الَّتِي لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا عِنْدَ (٥) التَّأَمُّلِ وَالتَّحَقُّقِ شَيْءٌ. وَقَوْلُنَا: عَايَنَهُ أَوْ حَقَّقَهُ؛ لِيَخْرُجَ مَا يَرْوِيهِ عَمَّنْ غَلَا أَوْ رَخَّصَ تَرْوِيجًا لِعَقِيدَتِهِ. وَمَا أَحْسَنَ اشْتِرَاطَهُ الْعِلْمَ وَمَعْرِفَةَ مَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ، فَلَقَدْ وَقَعَ كَثِيرُونَ فِيمَا لَا يَقْتَضِي جَرْحًا لِجَهْلِهِمْ، بَلْ فِي كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ الْجَرْحُ لِأَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ

стр. 241

الْمِصْرِيِّ (١) وَأَبِي حَاتِمٍ (الرَّازِيِّ) (٢) وَغَيْرِهِمَا بِالْفَلْسَفَةِ؛ لِظَنِّهِمْ أَنَّ عِلْمَ الْكَلَامِ فَلْسَفَةٌ، بِحَيْثُ رُدَّ عَلَى الْمُجَرِّحِينَ بِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمَا (٣). وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُ الذَّهَبِيِّ فِي الْمِزِّيِّ: "إِنَّهُ يَعْرِفُ مَضَايِقَ الْمَعْقُولِ" (٤) مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا لَا يَدْرِي شَيْئًا مِنَ الْعَقْلِيَّاتِ. ثُمَّ قَالَ: "إِنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى شَيْخِهِ الذَّهَبِيِّ فِي ذَمِّ أَشْعَرِيٍّ وَلَا شُكْرِ حَنْبَلِيٍّ. بَلْ لَمَّا حَكَى عَنِ الْعَلَائِيِّ كَوْنَهُ بَعْدَ وَصْفِهِ لَهُ بِأَنَّهُ لَا يَشُكُّ فِي دِينِهِ وَوَرَعِهِ وَتَحَرِّيهِ فِيمَا يَقُولُهُ [فِي] (٥) النَّاسِ، قَالَ: إِنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ مَذْهَبُ الْإِثْبَاتِ وَمُنَافَرَةِ التَّأْوِيلِ وَالْغَفْلَةِ عَنِ التَّنْزِيهِ، حَتَّى أَثَّرَ ذَلِكَ فِي طَبْعِهِ انْحِرَافًا شَدِيدًا عَنْ أَهْلِ التَّنْزِيهِ، وَمَيْلًا قَوِيًّا إِلَى أَهْلِ الْإِثْبَاتِ، فَإِذَا تَرْجَمَ وَاحِدًا مِنْهُمْ يُطْنِبُ فِي وَصْفِهِ بِجَمِيعِ مَا قِيلَ فِيهِ مِنَ الْمَحَاسِنِ، وَيُبَالِغُ فِي وَصْفِهِ، وَيَتَغَافَلُ عَنْ غَلَطَاتِهِ، وَيَتَأَوَّلُ لَهُ مَا أَمْكَنَ، وَإِذَا ذَكَرَ أَحَدًا مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ، كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ وَنَحْوِهِمَا، لَا يُبَالِغُ فِي وَصْفِهِ،

стр. 242

وَيُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ مَنْ طَعَنَ فِيهِ، وَيُعِيدُ ذَلِكَ (١) وَيُبْدِيهِ، وَيَعْتَقِدُهُ دِينًا وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، وَيُعْرِضُ عَنْ مَحَاسِنِهِمْ الطَّافِحَةِ فَلَا يَسْتَوْعِبُهَا، وَإِذَا ظَفِرَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ بِغَلْطَةٍ ذَكَرَهَا، وَكَذَلِكَ فِعْلُهُ فِي (أَهْلِ) (٢) عَصْرِنَا إِذَا لَمْ يَقْدِرْ (٣) [عَلَى أَحَدٍ] (٤) مِنْهُمْ بِتَصْرِيحٍ يَقُولُ فِي تَرْجَمَتِهِ: "وَاللهُ يُصْلِحُهُ" (٥) وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا سَبَبُهُ الْمُخَالَفَةُ فِي الْعَقَائِدِ". فَقَالَ التَّاجُ: "إِنَّ الحَالَ فِي حَقِّهِ (٦) أَزْيَدُ مِمَّا وَصَفَ -يَعْنِي الْعَلَائِيَّ- وَهُوَ شَيْخُنَا وَمُعَلِّمُنَا، غَيْرَ أَنَّ الْحَقَّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ. وَقَدْ وَصَلَ مِنَ التَّعَصُّبِ الْمُفْرِطِ إِلَى حَدٍّ يُسْخَرُ مِنْهُ، وَأَنَا أَخْشَى عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ غَالَبِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ". إِلَى أَنْ قَالَ: "وَالَّذِي أَدْرَكْنَا عَلَيْهِ الْمَشَايِخَ النَّهْيُ (٧) عَنِ النَّظَرِ فِي كَلَامِهِ، وَعَدَمُ اعْتِبَارِ قَوْلِهِ، وَلَمْ يَكُنْ يَسْتَجْرِئُ أَنْ يُظْهِرَ كُتُبَهُ التَّارِيخِيَّةَ إِلَّا لِمَنْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَنْقُلُ عَنْهُ مَا يُعَابُ عَلَيْهِ" (٨). ثُمَّ شَاحَحَ الْعَلَائِيَّ (٩) فِي وَصْفِهِ لَهُ بِالْوَرَعِ وَالتَّحَرِّي: "وَأَنَّهُ كَانَ أَيْضًا يَعْتَقِدُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ رُبَّمَا اعْتَقَدَهَا دِينًا، ثُمَّ تَوَقَّفَ فِيهِ حِينَ يَرَاهُ يَحْكِي مَا يَقْطَعُ بِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّهُ

стр. 243

كَذِبٌ (١) وَأَنَّهُ لَا يَخْتَلِقُهُ، وَلَكِنَّهُ يُحِبُّ حِكَايَتَهُ، مَعَ قِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِمَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ وَعَدَمِ مُمَارَسَتِهِ لِعُلُومِ الشَّرِيعَةِ" (٢). * * *

стр. 244

[الانْتِصَارُ لِلْذَهَبِيِّ] (١) إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ الَّذِي بَالَغَ فِيهِ، مَعَ أَنَّهُ عُمْدَتُهُ فِي جُلِّ التَّرَاجِمِ، وَكَوْنُهُ هُوَ قَدْ زَادَ فِي التَّعَصُّبِ عَلَى الْحَنَابِلَةِ -كَمَا أَسْلَفْتُهُ- مَقْرُونًا بِإِنْكَارِهِ، فَشَارَكَهُ فِيمَا زَعَمَهُ مِنَ التَّعَصُّبِ وَدَعْوَى الْغِيبَةِ، مَعَ أَنِّي لَا أُنَزِّهُ الذَّهَبِيَّ عَنْ بَعْضِ مَا نَسَبَهُ إِلَيْهِ. (وَقَدْ نَسَبَ ابْنَ الْجَوْزِيِّ -إِلَى أَنَّهُ- فِي كِتَابِهِ "الضُّعَفَاءُ" (٢) يَذْكُرُ مَنْ طَعَنَ فِي الرَّاوِي وَلَا يَذْكُرُ مَنْ وَثَّقَهُ! قَالَهُ شَيْخُنَا فِي أَبَانَ بْنِ يَزِيدَ الْعَطَّارِ مِنْ "تَهْذِيبِهِ" (٣). وَعِنْدِي تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى التَّوْثِيقِ) (٤) وَالْكَمَالُ لِلَّهِ. وَيَكْفِينَا فِي جَلَالَتِهِ شُرْبُ شَيْخِنَا مَاءَ زَمْزَمَ لِنَيْلِ مَرْتَبَتِهِ -كَمَا سَبَقَ- وَهَلْ انْتَفَعَ النَّاسُ فِي هَذَا الْفَنِّ بَعْدَهُ وَإِلَى الْآنِ بِغَيْرِ تَصَانِيفِهِ! وَالسَّعِيدُ مَنْ عُدَّتْ غَلَطَاتُهُ! ((٥) وعلَى كُلِّ حَالٍ فَطَالَمَا نَالَ غَيْرُ الْمُوَفَّقِينَ مِنَ الذَّهَبِيِّ، قِيَامًا مَعَ حُظُوظِ أَنْفُسِهِمْ؛ إِمَّا لِكَوْنِهِ تَرْجَمَهُمْ بِمَا هُوَ دُونَ مَرْتَبَتِهِمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُقَارِبُهُ. وَمِنْ هُنَا لَمَّا ذَكَرَ الشَّمْسَ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ بَصْخَانَ الْمُقْرِئَ فِي "طَبَقَاتُ

стр. 245

الْقُرَّاءِ" وَوَقَفَ الْمُتَرْجَمُ عَلَى مَقَالِهِ، كَتَبَ بِخَطٍّ غَلِيظٍ (١) عَلَى الصَّفْحَةِ الَّتِي بِخَطِّ الذَّهَبِيِّ كَلَامًا أَقْذَعَ فِيهِ فِي حَقِّ الذَّهَبِيِّ، بِحَيْثُ صَارَ خَطُّ الذَّهَبِيِّ لَا يُقْرَأُ غَالِبُهُ، وَوَقَفَ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ تَرْجَمَهُ فِي "مُعْجَمِ شُيُوخِهِ" وَوَصَفَ مَا وَقَعَ مِنْهُ إِلَى أَنْ قَالَ: "فَمَحَا اسْمَهُ مِنْ دِيوَانِ الْقُرَّاءِ" انْتَهَى) (٢). وَقَدْ رَأَيْتُ لَهُ عَقِيدَةً مَجِيدَةً، وَرِسَالَةً كَتَبَهَا لِابْنِ تَيْمِيَّةَ هِيَ لِدَفْعِ نِسْبَتِهِ لِمَزِيدِ تَعَصُّبِهِ مُفِيدَةً (٣)، وَقَالَ مَرَّةً فِيهِ (٤) مَعَ حَلْفِهِ بِأَنَّهُ: "مَا رَمَقَتْ عَيْنُهُ أَوْسَعَ مِنْهُ عِلْمًا، وَلَا أَقْوَى ذَكَاءً، مَعَ الزُّهْدِ فِي الْمَأْكَلِ وَالْمَلْبَسِ وَالنِّسَاءِ، وَمَعَ الْقِيَامِ فِي الْحَقِّ [وَالْجِهَادِ] (٥) بِكُلِّ مُمْكِنٍ، وَأَنَّهُ تَعِبَ فِي وَزْنِهِ وَفَتْشِهِ سِنِينَ مُتَطَاوِلَةً، فَمَا وَجَدْ [تُ قَدْ] (٦) أَخَّرَهُ بَيْنَ الْمِصْرِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ، وَمَقَتَتْهُ نُفُوسُهُمْ بِسَبَبِهِ، وَازْدَرَوْا بِهِ وَكَذَّبُوهُ، بَلْ كَفَّرُوهُ، إِلَّا الْكِبْرَ وَالْعُجْبَ وَالدَّعَاوَى، وَفَرْطَ الْغَرَامِ فِي رِيَاسَةِ الْمَشْيَخَةِ، وَالِازْدِرَاءَ بِالْكِبَارِ، وَمَحَبَّةَ الظُّهُورِ، بِحَيْثُ قَامَ عَلَيْهِ نَاسٌ لَيْسُوا بِأَوْرَعَ مِنْهُ وَلَا أَعْلَمَ وَلَا أَزْهَدَ، بَلْ يَتَجَاوَزُونَ عَنْ ذُنُوبِ أَصْحَابِهِمْ وَآثَامِ أَصْدِقَائِهِمْ، وَلَكِنْ مَا سَلَّطَهُمْ اللهُ عَلَيْهِ بِتَقْوَاهُمْ وَجَلَالَتِهِمْ، بَلْ بِذُنُوبِهِ، وَمَا دَفَعَ اللهُ عَنْهُ وَعَنْ أَتْبَاعِهِ أَكْثَرُ، وَمَا جَرَى عَلَيْهِمْ إِلَّا بَعْضُ مَا يَسْتَحِقُّونَ".

стр. 246

وَقَالَ عَنْ الْحَنَابِلَةِ (١): "عِنْدَهُمْ عُلُومٌ نَافِعَةٌ، وَفِيهِمْ دِينٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَهُمْ قِلَّةُ حَظٍّ فِي الدُّنْيَا، وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ (٢) يَتَكَلَّمُونَ فِي عَقِيدَتِهِمْ، وَيَرْمُونَهُمْ بِالتَّجْسِيمِ، وَبِأَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ، وَهُمْ بَرِيئُونَ مِنْ ذَلِكَ [إِلَّا النَّادِرَ] (٣) وَاللهُ يَغْفِرُ لَهَمْ". وَقَالَ فِي أُصُولِ الدِّينِ (٤): "إِنَّهُ مُنْطَبِقٌ عَلَى حِفْظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَهُمَا أُصُولُ دِينِ الْإِسْلَامِ لَيْسَ إِلَّا، وَلَكِنَّ الْعُرْفَ فِي اسْمِهِ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ النِّحَلِ، فَالْأُصُولُ عِنْدَ (٥) السَّلَفِ: الْإِيمَانُ بِاللهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَبِصِفَاتِهِ، وَبِالْقَدْرِ، وَ (بِأَنَّ الْقُرْآنَ) (٦) الْمُنَزَّلَ كَلَامُ اللهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَالتَّرَضِّي عَنْ كُلِّ الصَّحَابَةِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِ السُّنَّةِ. [وَأُصُولُ الدِّينِ] (٧) عِنْدَ الْخَلَفِ هُوَ مَا صَنَّفُوا فِيهِ، وَبَنَوْهُ عَلَى الْعَقْلِ وَالْمَنْطِقِ مِمَّا (٨) كَانَ السَّلَفُ يَحُطُّونَ عَلَى سَالِكِهِ وَيُبَدِّعُونَهُ، وَبَيْنَهُمْ اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ فِي مَسَائِلَ [مُزْمِنَةٍ] (٩) تَرْكُهَا مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْعَبْدِ، وَأَنَّهُ يُورِثُ أَمْرَاضًا فِي النُّفُوسِ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ يُجَرِّبْ؛ فَإِنَّ الْأُصُولِيَّةَ بَيْنَهُمْ السَّيْفُ، يُكَفِّرُ هَذَا هَذَا، وَيُضَلِّلُ (هَذَا

стр. 247

هَذَا) (١) فَالْأصُولِيُّ الْوَاقِفُ مَعَ الظَّوَاهِرِ وَالْآثَارِ عِنْدَ خُصُومِهِ يَجْعَلُونَهُ مُجَسِّمًا (٢) وَحَشْوِيًّا (٣) وَمُبْتَدِعًا، وَالَّذِي طَرَدَ التَّأْوِيلَ عِنْدَ الْآخَرِينَ جَهْمِيًّا وَمُعْتَزَلِيًّا وَضَالًّا، وَالَّذِي أَثْبَتَ بَعْضَ الصِّفَاتِ وَنَفَى بَعْضَهَا وَتَأَوَّلَ فِي أَمَاكِنَ يَقُولُونَ: مُتَنَاقِضًا. وَالسَّلَامَةُ وَالْعَافِيَةُ أَوْلَى بِكَ. فَإِنْ بَرَعْتَ فِي الْأُصُولِ وَتَوَابِعِهَا مِنَ الْمَنْطِقِ وَالْحِكْمَةِ الْفَلْسَفِيَّةِ وَآرَاءِ الْأَوَائِلِ وَمَجَازَاتِ الْعُقُولِ، وَاعْتَصَمْتَ مَعَ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَصُولِ السَّلَفِ، وَلَفَّقْتَ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، فَمَا أَظُنُّكَ [فِي ذَلِكَ] (٤) تَبْلُغُ رُتْبَةَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَلَا وَاللهِ تُقَارِبُهَا، وَقَدْ رَأَيْتَ (٥) مَا آلَ أَمْرُهُ إِلَيْهِ مِنْ الحَطِّ عَلَيْهِ وَالهَجْرِ وَالتَّضْلِيلِ وَالتَّكْفِيرِ وَالتَّكْذِيبِ بِحَقٍّ وَبِبَاطِلٍ فَقَدْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ [فَي] (٦) هَذِهِ الصِّنَاعَةِ مُنَوَّرًا مُضِيئًا، عَلَى مُحَيَّاهُ سِيمَا السَّلَفِ، ثُمَّ صَارَ مُظْلِمًا مَكْسُوفًا (٧) عَلَيْهِ قُتْمَةٌ عِنْدَ خَلَائِقَ مِنَ النَّاسِ، وَدَجَّالًا أَفَّاكًا كَافِرًا عِنْدَ أَعْدَائِهِ وَمُبْتَدِعًا، فَاضِلًا مُحَقِّقًا بَارِعًا عِنْدَ طَوَائِفَ

стр. 248

مِنْ عُقَلَاءِ الْفُضَلَاءِ، وَحَامِلَ رَايَةِ الْإِسْلَامِ وَحَامِي حَوْزَةِ الدِّينِ وَمُحْيِي السُّنَّةِ عِنْدَ عُمُومِ عَوَامِّ أَصْحَابِهِ". * * *

стр. 249

[أَوَّلُ مَنْ أَرَّخَ التَّارِيخَ] (١) وَأَمَّا أَوَّلُ مَنْ أَرَّخَ التَّارِيخَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ: فَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ فِي "تَارِيخُ دِمَشْقَ" (٢) عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ التَّارِيخُ مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ". وَكَذَا قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: "إِنَّمَا أَرَّخُوا مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ شَهْرِ الْهِجْرَةِ". وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي "الْإِكْلِيلُ" (٣) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَمَرَ بِالتَّارِيخِ، فَكُتِبَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَلِ" (٤). وَهَذَا مُعْضَلٌ، وَالْمَحْفُوظُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: "إِنَّ الأَمْرَ بِهِ فِي زَمَنِ (٥) عُمَرَ". وَكَذَا صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ، بَلْ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁ (٦) وَأَنَّهُ ابْتَدَأَهُ بِالْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَبِالْمُحَرَّمِ مِنْهَا. وَإِنْ كَانَ الْبُخَارِيُّ رَوَى عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ

стр. 250

[أَبِيهِ] (١) عَنْ سَلَمَةَ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "مَا عَدُّوا مِنْ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا مِنْ وَفَاتِهِ، مَا عَدُّوا إِلَّا مِنْ مَقْدَمِهِ (٢) الْمَدِينَةَ" (٣). وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: "أَخْطَأَ النَّاسُ الْعَدَدَ، لَمْ يَعُدُّوا مِنْ مَبْعَثِهِ وَلَا مِنْ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ، وَإِنَّمَا عَدُّوا مِنْ وَفَاتِهِ". فَقَدْ قَالَ الْحَاكِمُ: "إِنَّهُ وَهَمٌ" ثُمَّ سَاقَهُ كَالْبُخَارِيِّ عَلَى الصَّوَابِ بِلَفْظِ: "وَلَا مِنْ وَفَاتِهِ، إِنَّمَا عَدُّوا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ" (٤). وَالْمُرَادُ بِقَوْلهِ: "أَخْطَأَ النَّاسُ الْعَدَدَ" أَيْ: أَغْفَلُوهُ وَتَرَكُوهُ ثُمَّ اسْتَدْرَكُوهُ. وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ الصَّوَابَ خِلَافَ مَا عَمِلُوا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَهُ، وَأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ الْبَدَاءَةَ بِالْمَبْعَثِ أَوْ الْوَفَاةِ أَوْلَى، وَلَهُ اتِّجَاهٌ، لَكِنَّ الرَّاجِحَ خِلَافُهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ التَّارِيخَ إِنَّمَا وَقَعَ مِنْ أَوَّلِ السَّنَةِ. وَقَدْ أَبْدَى بَعْضُهُمْ لِلْبَدَاءَةِ (٥) بِالْهِجْرَةِ مُنَاسَبَةً فَقَالَ: كَانَتِ الْقَضَايَا الَّتِي اتَّفَقَتْ لَهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤَرَّخَ بِهَا أَرْبَعٌ (٦): مَوْلِدُهُ، وَمَبْعَثُهُ، وَهِجْرَتُهُ، وَوَفَاتُهُ، فَرَجَحَ عِنْدَهُمْ
следующие страницы →