← Язык

Язык · id 35073

البلغة الى أصول اللغة

صديق حسن خان

Полный текст (258 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وعن عطية بن بشر قال: علَّمه في تلك الأسماء ألْفَ حِرْفةٍ (٩/)، وقال ابن زيد علَّمه أسماء ذُرِّيِّته أجمعين، وقال الربيع بن أنس: علَّمه أسماء الملائكة، وقال حميد الشامي: علَّمه أسماء النجوم (١)، وقال القاضي ثناء الله الفاني: فتى علَّمه أسماءه الحسنى فقط. قال ابن فارس: والذي نذهب إليه ما قاله ابن عباس ... انتهى، فالأسماء كلها معلمة من عند الله بالنص، وقال: فلما عَرَضَهم، ولم يقل عَرضَهُنَّ أو عرضَها لأنه غلّبَ ما يعقل وهي سنة من سنن العرب، والدليل على صحته إجْماعُ العلماء على الاحتجاج بلُغَة القوم فيما يخْتلفون فيه، أو يَتَّفقون عليه، ثم احتِجاجُهم بأشعارهم؛ ولو كانت اللغة مُوَاضَعة واصْطلاحاً، لم يكن أولئك في الاحتجاج بهم بأَوْلَى منَّا في الاحتجاج بنا لو اصْطَلحنا على لغة اليَومْ ولا فَرْق، ولم يبلغنا أن قوماً من العرب في زمان يُقاربُ زماننا، أجْمعوا على تَسْميَة شيءٍ من الأشياء مُصْطلِحين عليه، فكنّا نستدل بذلك على اصطلاح قد كان قَبْلَهم، وقد كان في الصحابة – وهم البُلَغاء والفُصَحاء – من النظر في العلوم الشريفة ما لا خفاءَ به، وما عَلِمناهم اصطلحوا على إختراع لغة واحدة أو إحْدَاث لفظة لم تَتَقدَّمهْم، ومعلوم أنَّ حوادثَ العالم لا تَنْقَضي إلاّ بانْقِضائه ولا تزول إلاّ بزواله، وفي كل ذلك دليل على أنّ أصل اللغة. وحي وتوقيف لا تواضع واصطلاح (٢). وأن الله سبحانه ذَمَّ قوماً على تسميتهم بعض الأشياء من دون توقيف بقوله: ﴿إنْ هي إلاّ أسماءٌ سَمَيْتُمُوها أنتُم وآباؤُكم ما أَنْزَلَ الله بها من سُلْطان﴾ (٣) فلو لَمْ تكن اللغة توقيفية لما صح هذا الذم، وأيضاً قال تعالى: ﴿ومِنْ آياتِهِ خَلْقُ السّماوات والأرْض واخْتِلافُ ألسِنَتِكُم وألوانِكُم﴾ (٤) والمراد اختلاف اللغات لا اختلاف تأليفات الألسن، لعدم اختلافها؛ ولأن بدائعَ الصُّنْع في غيرها أكثر، فالمراد هي اللغات، دون الألْسنة اللُّحْمانية (٥). قال ابن جني: إنني تأمّلت حال هذه اللغة الشريفة، الكريمة اللطيفة، فوجدت فيها من الحكمة، والدِّقَّة، والإرهاف (٦)، والرّقة، ما يملك علىَّ جانب الفكر، حتى يكاد يطمحُ به أمام غَلْوَة السِّحْر، فعرفت بتَتَابُعه وانقياده على (٧) بُعْد مَراميه وآماده صحّة ما وُفِّقوا لتقديمه منه، ولُطْف ما أسعِدوا به، وفُرِق لهم عنه، وانضاف الى ذلك وارد الأخبار

стр. 72

المأثورة، بأنها من عند الله، فَقَويَ في نفسي اعتقادْ كونها من الله تعالى وأنها وحي ... انتهى. وقد قيل: إنه تعالى علَّم آدم أسماء جميع المخلوقات بجميع اللغات: العربية (١٠/) والفارسية، والسريانية، والعبرانية، والرومية، وغير ذلك؛ فكان آدمُ وولده يتكلمون بها ثم إنّ ولده تفرقوا في الدنيا، وعلق كل واحد منهم بلغة من تلك اللغات، فَغَلبتْ عليه واضمحلَّ عنه ما سواها، لبُعْد عهدهم بها، وإذا كان الخبرُ الصحيح قد ورد بها وجب تَلَّقيه باعتقاده، والإنطواء على القول به (١)، وإذا ثبت التوقيف في الأسماء ثبت أيضاً في الأفعال والحروف إذ لا قائل بالفرق، وأيضاً الاسم إنما سميّ اسماً لكونه علامة على مسماه، والأفعال والحروف كذلك [فهي أسماء] (٢) وتخصيص الإسم ببعض أنواع الكلام اصطلاح للنحاة ولأن التكلم بالأسماء وحدها متعذر (٣). القول الثاني: إن الواضع هو البشر وإليه ذهب أبو هاشم (٤) ومن تابعه من المعتزلة وعلى ذلك ايضاً اختلفت أقلام ذوي اللغات كما اختلفت ألسن الأصوات المرتبة على مذاهبهم في المواضعات، والدليل على ذلك قوله سبحانه: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسولِ إلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ (٥) أي بلغتهم، وهذا يقتضي تقدم اللغة على بعثة الرسل فلو كانت اللغة توقيفية لم يتصور ذلك إلاّ بالإرسال فيلزم الدور، وفيه إنَّ ذلك إنما يوجب سبق الإرسال على التوقيف، لا سبق الإرسال على اللغات، حتى يلزم الدور، وأيضاً إنَّ آدم عُلَّمها لا قوم رسول فلا دور (٦)، وقال بعضهم إنَّ أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدَوِيّ الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيج (٧) الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب الظبي ونحو ذلك، ثم وُلِّدت اللغات عن ذلك فيما بعد. القول الثالث: إنَّ إبتداء اللغة وقع بالتعليم من الله سبحانه والباقي بالاصطلاح.

стр. 73

القول الرابع: إنَّ إبتداء اللغة وقع بالاصطلاح والتتمة من الله وبه قال الأستاذ الإسفرائيني (١)، و قيل إنه قال بالذي قبله. القول الخامس: إن نفس الألفاظ دلتّ على معانيها بذاتها، وهو مذهب عباد بن سليمان الصيمري، واحتجَّ بأنه لولا الدّلالة الذاتية لكان وضعُ لفظ من بين الألفاظ بآزاء معنىً من بين المعاني ترجيحاً بلا مُرَجِّح، وهو محال. وجوابه: إنّ الواضع إن كان هو الله فتخصيصه الألفاظ بالمعاني كتخصيص العالم بالإيجاد في وقت من بين سائر الأوقات، وإن كان هو الناس فلعلَّة لتعيّن الخطران بالبال؛ ودليلُ فساده إن اللفظ (١١/ ... ) لو دلَّ بالذات لَفهِم كل واحد كلَّ اللغات، لعدم إختلاف الدلالات الذاتية واللازم باطل فالملزوم كذلك (٢). القول السادس: انه يجوز كل واحد من هذه الأقوال من غير جزم بأحدها، وبه قال الجمهور، كما حكى الرازي في المحصول (٣)، وتبعه تاج الدين الأرموي في الحاصل (٤)، وسراج الدين الأرموي في التحصيل (٥)، وإليه ذهب المحققون من أهل الأصول واللغات وعلم الألسن، واحتجوا بان هذه الأدلة التي استدل بها القائلون لا يفيد شيء منها القطع بل لم ينهض شيء منها لمطلق الأدلة، فوجب عند ذلك الوقف لأن ما عداه هو من التقول على الله بما لم يقل، وإنه باطل، قال الشوكاني: وهذا هو الحق. قال السيوطي: ودليل إمكان التوقف احتمال خَلْق الله تعالى الألفاظ وَوَضْعها بأزاء المعاني، ودليل إمكان الاصطلاح أن يتولّى واحد أو جمعٌ وضعَ الألفاظ لمعان، ثم يُفْهموها لغيرهم بالإشارة، كحال الوالدات مع أطفالهن، وهذان الدليلان هما دليلا إمكان التوزيع ... انتهى.

стр. 74

والجواب عن القول الأول: إن المراد من تعليم الأسماء الإلهام إلى وضعها وأيضاً لا حجّة فيه من جهة القطع؛ فإنه عموم؛ والعموم ظاهر في الاستغراق، وليس بنص وذمهم لأنهم سموا الأصنام آلهة واعتقدوها كذلك (١). قال القاضي (٢): وأما الجواز فثابت من جهة القطع وأما كيفية الوقوع فأنا متوقف، فإن دلَّ دليل من السَّمْع على ذلك ثبت به. وقال الغزالي: قوله ﴿وعَلَمَ آدم الأَسْماء كَلَّها﴾ (٣) ظاهر في كونه توقيفاً، وليس بقاطع، ويُحْتَمل كونُها مصطلحاً عليها من خَلْق الله تعالى قبل آدم ... انتهى (٤). وقال ابن الحاجب: الظاهر من هذه الأقوال قول الأشعري، قال التاج السبكي (٥) معناه: القول بالوقْف عن القَطْع بواحد من هذه الاحتمالات وترجيح مذهب الأشعري بغلبة الظن ثم قال: والانصاف أن الأدلة ظاهرة فيما قاله الأشعري فالمتوقف إن توقف لعدم القطع فهو مصيب، وان ادعى عدم الظهور فغير مصيب، هذا هو الحق الذي فاه به جماعة من المتأخرين، ومنهم ابن دقيق العيد (٦) في شرح العنوان. وقال في رفع الحاجب: اعلم أنَّ للمسألة مقامين أحدهما الجواز فمن قائل لا يجوز أن تكون اللغة إلاّ توقيفاً، ومن قائل لا يجوز أن تكون إلاّ اصطلاحاً، والثاني إنه ما الذي وقع على تقدير جواز كل من الأمرين (٧) (١٢/ ... ). والقول بتجويز كل من الأمرين هو رأي المحققين، ولم أرَ من صَرحّ عن الأشعري بخلافه والذي أراه إنه إنما تكلَّم في الوقوع، وإنه يجوّز صدور اللغة اصطلاحاً، ولو منع الجواز لنَقَله عنه القاضي، وامام الحرمين، وابن القُشَيري، والاشعري (٨) في مسألة مبدأ

стр. 75

اللغات البتّة، وذكر امام الحرمين الإختلاف في الجواز، ثم قال: إن الوقوع لم يَثْبُتْ وتَبِعه القُشَيري وغيره (١). قال في رفع الحاجب: عندي انه لا فائدة لهذه المسألة، وهو ما صحَّحه ابن الأنباري (٢) وغيره، ولذلك قيل ذكرها في الأصول فضول، وقيل: فائدتها النظر في جواز قَلْب اللغة فحُكي عن بعض القائلين بالتَّوقيف منع القَلْب مطلقاً فلا يجوز تسمية الثَّوْب فرساً والفرس ثوباً، وعن القائلين بالاصطلاح تجويزه. وأما المتوقِّفون قال المازري (٣): فاختلُّفوا، فذهب بعضهم الى التجويز كمذهب قائل الاصطلاح، وأشار الصّابوني الى المَنْع، وجوز كون التوقيف وارداً على انه ما وجب أن يقع النطق الا بهذه الألفاظ، قال ابن السبكي: واليه يشير كلام المازري أنه لا تعلق لهذا بالأصل السابق فان التوقيف لو تمَّ ليس فيه حجر علينا حتى لا ينطق بسواه، فإن فرض حجر فهو أمر خارجي، والفرع حكمه حكم الأشياء قبل ورود الشرائع فأنا لا نعلم في الشرع ما يدل عليه ما ذكره الصابوني من الإحتمال مدفوع. قال المازري: وقد علم أن الفقهاء المحققين لا يحرمون الشيء بمجرد احتمال ورود الشرع بتحريمه، وانما يحرِّمونه عند انْتهاض دليل تحريمه، قال: وإن اسْتُند في التحريم الى الاحتياط فهو نظر في المسألة من جهة أخرى؛ وهذا كلّه فيما يؤدي قلبه الى فساد النظام، وتغييره الى اختلاط الأحكام؛ فإن أدَّى الى ذلك قال المازري: فلا تختلف في تحريم قلبه، لا لأجل نفسه، بل لأجل ما يُؤدِّى اليه (٤). وقال في شرح المنهاج: إنّ بناء المسألة على هذا الأصل غير صحيح؛ فإن هذا الأصل في أن هذه اللغات الواقعة بين أظْهُرنا، هل هي بالاصطلاح أو التوقيف؟ لا في شخص خاصٍ اصطلح مع صاحبه على اطلاق لفظ الثوب على الفرس مثلاً (٥).

стр. 76

الخامسة: في مبدأ اللغة العربية حكى الاستاذ أبو منصور (١) قولاً: إن التوقيف وقعَ في الابتداء على لُغَة واحدة، وما سواها من اللغات وقعَ التوقيف عليها، بعد الطوفان من الله تعالى في أولاد نوح حين تفرقوا في أقطار الأرض قال: وقد روى (١٣/ ... ) عن ابن عباس: أنَّ أول من تكلم بالعربية المحضة اسماعيل، وأراد به عربية قريش التي نزل بها القرآن، وأما عربية قَحْطان وحِمْير فكانت قبل اسماعيل ﵇. وقال في شرح الأسماء: قال الجمهور الأعظم من الصحابة والتابعين من المفسرين: إنها كلها توقيفٌ من الله تعالى، وقال أهل التحقيق من أصحابنا: لابدّ من التوقيف في أصل اللغة الواحدة، لاسْتِحالة وقوع الاصطلاح على أوَّل اللغات من غير معرفة من المصطلحين بعين (٢) ما اصطلحوا عليه، وإذا حصل التوقيف على لغة واحدة جاز أن يكون ما بعدها من اللغات اصطلاحاً، وان يكون توقيفاً، ولا يّقْطع بأحدهما إلا بدلالةٍ، قال: واختلفوا في لغة العرب؛ فمن زعم: أنّ اللغات كلّها اصطلاح، فكذا قوله في لغة العرب، ومن قال بالتّوقيف على اللغة الأولى، وأجاز الاصطلاح فيما سواها من اللغات، اختلفوا في لغة العرب، فمنهم من قال: هي أول اللغات، وكلُ لغةٍ سواها حدثَتْ بعدها؛ إما توقيفاً أو اصطلاحاً؛ واستدلوا بأن القرآن كلامُ الله، وهو عربيّ، وهو دليل على أن لغة العرب أسبق اللغات وجوداً. ومنهم من قال: لغة العرب نوعان: أحدهما عربية حِمْير، وهي التي تكلموا بها من عَهْد هود ومَنْ قبله، وبقى بعضها إلى وقتنا. والثانية: العربية المحْضَة التي نزل بها القرآن، وأولُ من أطلق لسانه بها إسماعيل فعلى هذا القول يكون توقيف إسماعيل على العربية المحْضَة يَحْتَمل أمرين: إما ان يكون اصطلاحاً بينه وبين جُرْهم النازلين عليه بمكة، وأما ان يكون توقيفاًٍ من الله تعالى، وهو الصواب ... انتهى (٣). قلت ولا دليل في كون القرآن (كلام الله) على أن لغة العرب أول اللغات وأسبقها لأن صحف إبراهيم، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، نزلت قبل القرآن، وكلها كلام الله، فما أبرد هذا الدليل، نعم فيه دلالة على أنّ لغة العرب أفضل اللغات وأحسنها، لأن سيد

стр. 77

المرسلين نطق بها ونزل القرآن بلسانه، وسينطقون (١) أهل الجنة بهذه اللغة الشريفة كما ورد به الخبر المأثور، نعم روي عن ابن عباس: إن آدم كانت لغته في الجّنة العربية، فلما عَصَى سَلبه الله العربية فتكلّم بالسريانية، فلما تاب ردَّ الله عليه العربية (٢). قال عبد الملك بن حبيب (٣): كان اللسان الأول الذي نزل به آدم من الجنة عربياً، إلى أن بَعُد العهد وطال، فَحُرِف وصار سُريْانياً، وهو منسوب (١٤/ ... ) الى أرض سورنه (٤)، وهي أرض الجزيرة، بها كان نوح ﵇ وقومه قبل الغرق، قال: وكان يُشاكِل اللسان العربي، إلا أنه مُحرّف، وهو كان لسان جميع مَنْ في السفينة إلاّ رجلاً واحداً يقال له جُرهم، فكان لسانه العربي الأول فلما خرجوا من السفينة تزوّج أرمَ بن سام، بعض بناته، فمنهم صار اللسان العربي في ولده عَوْص أبي عاد وعَبيل، وجائر أبي ثمود وجديس، وسُمِّيَت عاد باسم جرهم، لأنه كان جدّهم من الأم، وبقي اللسان السرياني في ولد ارْفَخَشْد ابن سام، الى أن وصل الى يشجب بن قحطان من ذريته، وكان باليمن فنزل هناك بنو اسماعيل؛ فتعلّم منهم بنو قحطان اللسان العربي (٥). وقال ابن دِحْية (٦): العرب أقسام الأول: عاربة وعرباؤهم الخلص، وهم تسع قبائل من ولد ارم بن سام بن نوح، وهي: عاد، وثمود، وأمَيم، وعبيل، وطَسْم، وجَديس، وعِمْلِيق، وجُرهم، ووبار، ومنهم تعلّم إسماعيل ﵇ العربية. الثاني: المتعربة: قال في الصحاح وهم الذين ليسوا بخُلَّص وهم بنو قحطان. الثالث: المستعربة: وهم الذين ليسوا بخلص أيضاً، كما في الصحاح قال ابن دِحية: وهم بنو اسماعيل، وهم ولد مِعدّ بن عدنان بن أدد.

стр. 78

وقال ابن دريد في الجمهرة: العرب العاربة سبع قبائل: عاد، وثمود، وعِمْلِيق، وطُسْم وجَديس، وأمَيم، وجاسم، وقد انْقرض أكثرهم إلاّ بقايا متفرقين في القبائل قال: وسُمي يعرب بن قحطان، لأنه أول من انعدل لسانه عن السُّريانية الى العربية. وهذا معنى قول الجوهري في الصحاح أول من تكلم بالعربية يعرب بن قحطان (١). وعن بريدة في قوله: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين﴾ (٢) قال بلسان جرهم (٣). وقال يونس بن حبيب: أوّل من تكلم بالعربية إسماعيل بن إبراهيم. وقال ابن سلام: أول من تكلَّم بالعربية ونَسِي لسَانَ أبيه، إسماعيل (٤). وعن جابر: أن رسول الله (صللم) تلا ﴿قُرآناً عَرَبياً لقومٍ يعلَمون﴾ (٥) ثم قال: " أُلهِمَ إسماعيل هذا اللسان العربيّ الهاماً " اخرجه الحاكم في المستدرك وصححه البيهقي في شعب الايمان (٦). عن أبي عمرو بن العلاء قال: العربُ كلُّها وَلَدُ إسماعيل، إلا حِمْير وبقايا جُرهم وكذلك يُرْوى أن إسماعيل جاوَرهم، وأصهر إليهم، ولكنَّ العربيَّة، التي عَني محمد بن علي، اللسانُ الذي نزل به القرآن؛ وما تكلّمت به العرب على عَهْد النبي (صللم)، وتلك عربية أخرى غير كلامنا هذا (٧). وقال الحافظ ابن كثير (٨) في تاريخه (١٥/ ... ) قيل إنَّ جميع العرب ينسبون الى اسماعيل والصحيح، المشهور أن العرب العاربة قبل إسماعيل، وهم: عاد، وثمود، وطَسم، وجديس، وأَمَيم، وجُرهم، والعماليق، وأمم آخرون لا يعلمَهم إلا الله، كانوا قبل الخليل، وفي زمانه أيضاً، فأما العرب المستعربة وهم عربُ الحجاز، فمن ذرِّية إسماعيل، وأما عرب اليمن وحمْير فالمشهورُ أنهم من قحطان واسمه مهَّزم (٩).

стр. 79

قاله ابن ماكولا (١)، وأنهم كانوا أربعة أخوة: قحطان، وقاحط، ومقحط، وفالغ. وقَحْطان بن هود وقيل هود، وقيل أخوه، وقيل من ذريته، وقيل إن قحطان من سُلالة اسماعيل، والجمهور على ان العرب القحطانية من عرب اليمن وغيرهم ليسوا من سلالة اسماعيل (٢). وعن النبي (صللم) قال: أول مَنْ فتق لسانه العربية المبينة اسماعيل، وهو ابن أربع عشرة سنة (٣). رواه الشيرازي (٤) في الألقاب. وعن عمر بن الخطاب انه قال: يا رسول الله، مَالَكَ أفصحنا، ولم تَخْرج من بين أَظْهُرِنا؟، قال: " كانت لغة إسماعيل قد دَرَست فجاء بها جبريل ﵇ فحفَّظَنيها فحفظتُها " (٥)، أخرجه ابن عساكر في تاريخه وأبو أحمد الغطريف (٦) في جزئه. وعن أبي رافع قال: قال رسول الله (صللم): " عُلِّمْت الأسماء كلها كما عُلِّم آدمُ الأسماء كلها " (٧). اخرجه الديلمي في الفردوس. السادسة: في بيان الحكمة الداعية إلى وضع اللغة وذلك أن الإنسان لمّا لم يكن مكتفياً بنفسه في معايشه ومقيماته لم يكن له بدُّ من أن يسترفد المعاون من غيره، فوضعوا الكلام دلالةً، ووجدوا اللسان أسرع الأعضاء حركة، وقبولاً للتّرداد فقطّعوه على حركات أعضاء الانسان التي يخرج منها الصوت، فوجدوه تسعة وعشرين حرفاً لا تزيد على ذلك ثم رَأوْا أن الكفاية لا تقعُ بهذه الحروف، ولا يحصل له المقصود بإفرادها؛ فركّبوا منها الكلام، ودعت الحاجة الى وضع الأسماء المشتركة، فجعلوا عبارةً واحدةً لمسَمَّيات عدَّة، ثم وضعوا على نقيضه كلمات لمعنىً واحد؛ ولو كُرّرَ اللفظ لسَمُجَ ومُجَّ، وخالفوا بين الألفاظ والمعنى واحد ثم قسموها الى متواردة ومترادفة. فالمتواردة: كالخمر تسمَّى عُقاراً، وصَهْباء، وقهوة، وسلسالا والسبعُ ليثاً وأسداً، وضِرْغاماً.

стр. 80

والمترادفة: هي التي يُقام لفظ مقام لفظٍ؛ لمعانٍ مُتَقَاربة، يجمعها معنىً واحد، كما يقال: أصْلّح الفاسِدَ، ولُمّ الشَّعَثَ، ورتَقَ الفَتْقَ، وشعب الصَّدْع، ويقال خطيب مِصْقَع، وشاعر مُفْلِق ثم رأوْا أنه يضيق نِطاقُ النُّطقِ عن (١٦/ ... ) استعمال الحقيقة في كل اسم فعدلوا إلى المجاز والاستعارات (١). السابعة: في حد الوضع وما يفاد (٢) به وهو عبارة عن تخصيص الشيء بالشيء، بحيث إذا أُطلق الأوَّل فُهِمَ منه الثاني قال التاج السبكي: وهذا تعريف سديد، فإنك إذا أطلقت قولك، قام زيد فُهِمَ منه صُدُور القيام منه، والمفيد في الحقيقة إنما هو المتكلم، واللفظ كالآلة الموضوعة لذلك (٣). قال الرازي وابن الحاجب وابن مالك (٤) وغيرهم: ليس المركَّب بموضوع؛ وإلاّ لتوقَّف استعمال الجمل على النَّقْل عن العرب كالمفردات، ورَجَّحَ القَرَافي (٥) والتاج السبكي وغيرهما من أهل الأصول، أنه موضوع لأن العرب حَجَرت في التراكيب كما حَجَرت في المفردات، والأول أولى ولا يجب أن يكون لكلِّ معنى لفظ لأنَّ المعاني لا تَتََنَاهى، والألفاظ متناهية، لكن ما تكثُر الحاجة إليه من المعاني، لا يَخْلُو عن الألفاظ، التي تَنْدُر الحاجة إليها، يجوز أن يكون لها ألفاظ وأن لا يكون، وليس الغرضُ من الوَضْع افادة المعاني المفردة بل إفادة المركْبَات، والنسب بين المفردات كالفاعليّة والمفعولية وغيرهما وإلاّ لَزِم الدَّور (٦). قال أبو اسحاق الشيرازي: اللفظ موضوع بآزاء الماهيات الخارجية، وهو المختار، وقال الرازي وأتباعه: إنه موضوع بأزاء الصور الذهنية التي تصورها الواضع في ذهنه عند ارادة الوضع، وقال الأسنوي: هو موضوع بأزاء المعنى من حيث هو مع قطْع النظر عن كونه ذهنيّاً أو خارجيّاً، قال الزركشي (٧): والحقُّ ان العرب إنما وَضَعَت أنواع المركَّبات

стр. 81

إما جزئيات الأنواع فلا، والظاهر أن المثنى والمجموع موضوعان، لأنهما مفردان، وصَرَّح ابن مالك بأنهما غير موضوعين وقال [ابن الجويني] (١): الظاهر إن التثنية وضع لفظها بعد الجَمع لمسيس الحاجة إلى الجمع كثيراً، ولهذا لم يوجد في سائر اللغات تثنية، والجمع موجود في كل لغة، ومن ثم قال بعضهم: أقل الجمع اثنان، قال عضد الدين الايجّي (٢): الوضع كلي، والموضوع له مشخص، وقال عباد الصيمري: إن بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية حاملة للواضع على أن يضع، وأنكره الجمهور وكاد أهل اللغة والعربية يطبقون على ثبوت المناسبة بين الألفاظ، والمعاني، لكن الفرق بين مذهبهما أن عباداً يراها ذاتية موجبة بخلافهم (٣). وقد عقد ابن جني في الخصائص باباً لذلك، وقال: هذا موضوع شريف (١٧/ ... ) نبَّه عليه الخليل وسيبويه، وتلقته الجماعة بالقبول، قال الخليل، كأنهم توهمّوا في صوت الجُنْدُب استطالة فقالوا صَرَّ، وفي صوت البازي تقطيعاً فقالوا: صرصر (٤). وقال سيبويه: في المصادر التي جاءت على الفَعَلان: إنها تأتي للإضطراب والحركة؛ نحو الغليان، والغثيان (٥)، فقابلوا بتوالي حركات الأمثال توالي حركات الأفعال، قال: ابن جني وقد وجدت أشياء كثيرة من هذا النمط، ثم ذكر لها أمثلة يطول ذكرها، قال: فانظر الى بديع مناسبة الألفاظ لمعانيها، وكيف فاوتت العرب في هذه الألفاظ المقترنة المتقاربة في المعاني، فجعلت الحرف الأضعف فيها، والألين والأخفى والأسهل والأهمس لما هو أدنى، وأقل وأخف عملا أو صوتا، وجعلت الحرف الأقوى، والأشد والأظهر، والأجهر لما هو أقوى عملاً وأعظم حِسَّا، وذلك في اللغة كثير جداً (٦). الثامنة: في أن اللغة لم توضع كلها في وقت واحد

стр. 82

بل وقعت متلاحقة متتابعة سواء قلنا: بالتوقيف أم بالاصطلاح وصوّبه ابن جني وهو رأي أبي الحسن الأخفش (١)، وأما أي الأجناس الثلاثة: الاسم، والفعل، والحرف وُضِع قبل؟ فلا يدرى ذلك، ويحتمل في كل من الثلاثة أنه وضع قبل، وبه صرّح أبو علي (٢). التاسعة: في الطريق الى معرفة اللغة قال الرازي وأتباعه: هي إما النقل المحض كأكثر اللغة أو استنباط العقل من النقل، وأما العقل الصرف فلا مجال له في ذلك، والنقل إما متواتر أو آحاد وسيأتي الكلام فيهما، ولم يذكر ابن الحاجب والآمدي (٣) سوى النقل المحض. وقال الرازي والآمدي: أكثر ألفاظ القرآن من المتواتر، وقال ابن جني: من قال: إنَّ اللغة لا تعرف إلاّ نقلاً محضاً فقد أخطأ فانها قد تعلم بالقرائن أيضاً، فإن الرجل إذا سمع قول الشاعر: طارُوا إليه زُرافات ووحْدانا (٤) يعلم أنَّ الزرافات بمعنى الجماعات (٥). وقال أبو الفضل بن عبدان (٦)، وتبعه الجيلي (٧): لا تلزم اللغة إلاَّ بخمس شرائط: أحدها: ثبوت ذلك عن العرب بسند صحيح يوجب العمل. والثاني: عدالة الناقلين كما تعتبر في الشرعيات. والثالث: أن يكون النقل عن من قوله حجة في أصل اللغة كالعرب العاربة مثل قحطان ومعدّ وعدنان، فأما إذا نقلوا عمن بعدهم بعد فساد لسانهم واختلاف المولدين فلا، قال الزركشي: ووقع في كلام الزمخشري، وغيره الاستشهاد بشعر أبي تمام بل في

стр. 83

الإيضاح (١٨/ ... ) للفارسي (١)، ووجه بأن الاستشهاد بتقرير النقلة كلامهم وأنه لم يخرج عن قوانين العرب. وقال ابن جني: يستشهد بشعر المولدين في المعاني كما يستشهد بشعر العرب في الألفاظ. والرابع: أن يكون الناقل قد سمع منهم حسا، وأما بغيره فلا. والخامس: أن يسمع من الناقل حساً ... انتهى. قال عبد اللطيف البغدادي (٢): إنَّ اللغوي شأنه أن ينقل ما نطقت به العرب ولا يتعداه، والنحوي شانه أن يتصرف فيما ينقله اللغوي ويقيس عليه، قال ابن جني: يجوز لنا أن نقيس منثورنا على منثورهم وشعرنا على شعرهم (٣). العاشرة: في أنّ اللغة هل تثبت بالقياس قال الكيا الهراسي (٤): الذي استقر عليه آراء المحققين من الأصوليين: إنّ اللغة لا تثبت قياساً، ولا يجري القياس فيها، وقال كثير من الفقهاء: يجري، وعُزي هذا الى الشافعي، ولم يدل عليه نصُّه وإنما دلّت عليه مسائلة، وقيل أسماء الأعلام الجامدة، والألقاب المحضة، لا يجري القياس فيها، لأنه لا يفيد وصفاً للمسمى وإنما وضعت لمجرد التعيين والتعريف، وكذا المصادر المشتقة من الأفعال نحو: ضرب يضرب ضرباً فهو ضارب، فهذا ليس بقياس بل هو معلوم ضرورة من لغتهم ونطقهم به على هذا الوجه، ولكنّ محل الخلاف الأسماء المشتقة من المعاني كما يقال في الخمر: إنه مشتق من المخامرة أو التخمير، وهذا باطل (٥). قال أبو الفتح ابن برهان (٦): لا يجوز اجراء القياس في الأسماء اللغوية المشتقة خلافاً للقاضي، وابن سُرَيْج (٧)، وطوائف من الفقهاء، فإنهم أثبتوا الأسامي بالقياس، وقالوا

стр. 84

النبيذ يسمى خمراً، واللواط يسمى زناً، وذكر الدليل على رده، وقال امام الحرمين في البرهان: والذي نرتضيه إن ذلك باطل (١). الحادية عشرة: في سعة اللغة قال بعض الفقهاء كلام العرب لا يُحيط به إلا نبي، قال ابن فارس: وهذا كلام حَريُّ أن يكون صحيحاً، وما بلغنا أنّ أحداً ممَّن مضى ادّعى حِفْظ اللغة كلّها وأمّا قول الخليل في آخر الكتاب المنسوب إليه هذا آخر كلام العرب فمأول أو مفترى عليه (٢). وقال الشافعي: لسان العرب أوسع الألْسِنة مذهباً، وأكثرها ألفاظاً، ولا نعلم أن يحيط بجميع علمه إنسان غير نَبيّ، ولكنه شيء لا يذهب منه شيءٌ على عامَّتها، حتى لا يكون موجوداً فيها مَنْ يَعْرِفه، والعلم به عند العرب كالعلم بالسُنة (١٩/ ... ) عند أهل الفقه، لا يعلم رجل جميع السُّنن فلم يّذْهب منها عليه شيء فإذا جُمِع علمُ عامَّة أهل العلم بها أَتَى على السُّنن، وإذا فُرّقَ كل واحد منهم ذَهَبَ عليه الشيء منها، ثم كان ما ذَهَبَ عليه منها موجوداً عند غيره، وهم في العلم طبقات: منهم الجامعُ لأكثره، وإن ذَهَبَ عليه بعضُه، ومنهم الجامع لأقَلُّ مما جمع غيره، وليس قليل ما ذَهَبَ من السُّنن على مَنْ جمع أكثرها، دليلاً على أن يطلب علمه عند غير طبقته من أهل العلم، بل (٣) يطلب عند نُظرائه ما ذهب عليه حتى يُؤْتَى على جميع سنن رسول الله (صللم) بأبي هو وأمي. فتفرد جملة العلماء بجَمْعها (٤) وهم درجات فيما وَعَوْا منها، وهذا لسان العرب عند خاصَّتها وعامَّتها لا يَذهبُ منه شي عليها، ولا يُطلبُ عند غيرها، ولا يَعْلمه إلاَّ من قَبِلَه منها، ولا يَشْركها فيه إلاّ من اتّبعها وقَبِله منها، فهو من أهل لسانها وعِلْمُ أكثر اللسان في أكثر العرب أعَمُّ من علم أكثر السُنن في العلماء، هذا نص الإمام الشافعي بحروفه ... انتهى (٥). قال ابن فارس إنّ لغة العرب لم تنته إلينا بكلّيتها، وإن الذي جاءنا عن العرب قليل من كثير، وإنَّ كثيراً من الكلام ذهب بذهاب أهله، ولو جاءنا جميع ما قالوه لجاءنا شعر

стр. 85

كثير وكلام كثير، قال: وعلماء هذه الشّريعة وإن كانوا اقتصروا من عِلْم هذا على معرفة رَسْمه دون علم حقائقه، فقد اعتاضوا عنه دقيق الكلام في أصول الدين وفروعه من الفِقْه والفرائض، ومن دقيق النحو وجليله، ومن علم العروض الذي يربأ بحُسنْه ودقّته واستقامته على كل ما تَبْجَح به الناسبون أنْفُسَهم الى الفَلْسفة ولكلّ زمان علم، وأشرف العلوم علوم زماننا هذا ولله الحمد (١). واما عدة أبنية الكلام ففيها كلام لابن دريد في الجمهرة وللخليل في كتاب العين ومختصره للزبيدي ذكره في المزهر (٢)، قلت: عدة مستعمل الكلام كله ومهملة: ستة آلاف الف وستمائة الف وتسعة وخمسون ألفاً وأربعمائة، والمستعمل منها خمسة آلاف ألف وستمائة وعشرون ألفاً، والمهمل ستة آلاف ألف وستمائة ألف وثلاثة وتسعون ألفاً وسبعمائة وثمانون، عدة الصحيح منه ستة آلاف ألف وستمائة ألف وثلاثة وخمسون ألفاً وأربعمائة، والمعتل ستة آلاف، المستعمل من الصحيح ثلاثة آلاف ألف (٢٠/ ... ) وتسعمائة وأربعة وأربعون ألفاً [والمهمل منه ستة آلاف ألف وثمانون ألفاً وأربعمائة] (٣) وستة وخمسون والمستعمل من المعتل ألف وستمائة وستة وسبعون والمهمل منه أربعة آلاف وثلاثمائة وأربعة وعشرون. عدة الثنائي سبعمائة وخمسون، المستعمل منه أربعمائة وتسعة وثمانون، والمهمل مائتان وواحد وستون، الصحيح منه ستمائة والمعتل مائة وخمسون، المستعمل من الصحيح أربعمائة وثلاثة، والمهمل مائة وسبعة وتسعون، المستعمل من المعتل ستة وثمانون، والمهمل أربعة وستون. وعدة الثلاثي: تسعة عشر ألفاً وستمائة وخمسون، المستعمل منه أربعة آلاف ومائتان وتسعة وستون، والمهمل خمسة عشر ألفاً وثلاثمائة وواحد وثمانون، الصحيح منه ثلاثة عشر ألفاً وثمانمائة، والمعتل سوى اللفيف خمسة آلاف وأربعمائة، واللّفيف أربعمائة وخمسون، المستعمل من الصحيح ألفان وستمائة وتسعة وسبعون، والمهمل أحد عشر ألفاً ومائة وواحدٌ وعشرون، والمستعمل من المعتل سوى اللفيف ألف وأربعمائة وأربعة وثلاثون، والمهمل ثلاثة آلاف وسبعمائة وستة وستون، والمستعمل من اللفيف مائة وستة وخمسون، والمهمل مائتان وأربعة وتسعون.

стр. 86

وعدة الرباعي: ثلاثمائة ألف وثلاثة آلاف وأربعمائة، المستعمل ثمانمائة وعشرون، والمهمل ثلاثمائة ألف وألفان وخمسمائة وثمانون. وعدة الخماسي: ستة آلاف ألف وثلاثمائة ألف وخمسة وسبعون ألفاً وستمائة، المستعمل منه اثنان وأربعون، والمهمل ستة آلاف وثلاثمائة ألف وخمسة وسبعون ألفاً وخمسمائة وثمانية وخمسون. قال الزبيدي: وهذا العدد من الرباعي والخماسي على الخمسة والعشرين حرفاً من حروف المعجم خاصة دون الهمزة، وغيرها وعلى أن لا يتكرر في الرباعي والخماسي حرف من نفس الكلمة ثم قال: وعدة الثنآئي الخفيف والضربين من المضاعف على نحو ما ألحقناه في الكتاب ألفا حرف ومائتا حرف وخمسة وسبعون حرفا، المستعمل من ذلك مائة واثنان، والمهمل ألفا حرف ومائة حرف وثلاثة وسبعون حرفا، الصحيح من ذلك ألف حرف وثمانمائة وخمسة وعشرون، والمعتل أربعمائة وخمسون، المستعمل من الصحيح تسعة وخمسون، والمهمل ألف وسبعمائة وستة وستون، والمستعمل من المعتل ثلاثة وأربعون، والمهمل أربعمائة وسبعة كذا في تاج العروس (١). الثانية عشرة: أول من صنف في جمع اللغة الخليل بن أحمد ألف في ذلك كتاب (٢١/ ... ) العين المشهور وقدح الناس فيه كما سيأتي في ذكر كتب اللغة، وألف بعده أبو بكر بن دريد كتاب الجمهرة (٢) ونسجه على منوال العين، وفيه أيضا اضطراب وفساد، وطعن الناس عليه ثم ألّف أتباع الخليل وأتباع اتباعه وهلم جراً كتباً شتى في اللغة ما بين مطول، ومختصر، وعام في أنواع اللغة، وخاص بنوع منها: كالأجناس للأصمعي، والنوادر واللغات لأبي زيد الأنصاري، والنوادر للكسائي، والنوادر واللغات للفراء، واللغات لابي عبيدة معمر بن المثنى، والجيم، والنوادر، والغريب المصنف لأبي عمرو اسحاق بن مرار الشيباني، والغريب المصنف لأبي عبيد القاسم بن سلام، والنوادر لأبن الإعرابي، والبارع للمفضل بن سلمة، واليواقيت لأبي عمر الزاهد غلام ثعلب، والمنضد لكراع، والمقصد لابنه سويد (٣) والتذكرة لأبي علي الفارسي، والتهذيب للأزهري، والمجمل لابن فارس وديوان الأدب للفارابي، والمحيط للصاحب بن عباد، والجامع للقزاز (٤).

стр. 87

وغير ذلك مما لا يحصى حتى حكي عن الصاحب: أنّ بعض الملوك أرسل إليه رسالة يسأله القدوم عليه، فقال له في الجواب: أحتاج إلى ستين جملاً أثقل عليها كتب اللغة التي عندي، وقد ذهب كل الكتب في الفتن الكائنة من التتار وغيرهم بحيث إن الكتب الموجودة الآن في اللغة من تصانيف المتقدمين والمتأخرين لا تجيء حمل جمل واحد، وغالب هذه الكتب لم يلتزم فيها مؤلفوها الصحيح، بل جمعوا فيها ما صح وغيره وينبهون على ما لم يثبث غالباً، وأول من التزم الصحيح مقتصراً عليه الامام أبو نصر اسماعيل بن حماد الجوهري، ولهذا سمى كتابه بالصحاح (١). قال أبو زكريا الخطيب التبريزي اللغوي: يقال كتاب الصّحاح (بالكسر) وهو المشهور وهو جمع صحيح، ويقال (بالفتح) وهو مفرد نعت كصحيح، وقد جاء فعال (بفتح الفاء) لغة في فعيل كصحيح وصحاح، وشحيح وشحاح، وبري وبراء. وأعظم كتاب ألف في اللغة بعد عصر الصحاح كتاب المحكم والمحيط الأعظم لأبي الحسن علي بن سيده الأندلسي الضرير المتوفى سنة ٤٥٨ ثم كتاب العباب للرضي الصغاني ووصل فيه الى (بكم) ثم كتاب القاموس للامام مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي شيخ شيوخ السيوطي، ولم يصل واحد من هذه الثلاثة في كثرة التداول الى ما وصل إليه الصحاح ولا (٢٢/ ... ) نقصت رتبته ولا شهرته بوجود هذه الكتب، وذلك لإلتزامه ما صح فهو في كتب اللغة نظير صحيح البخاري في كتب الحديث، وليس المدار في الإعتماد على كثرة الجمع بل على شرط الصحة (٢). قال السيد مرتضى (٣) في تاج العروس قلت وقوله ولم يصل واحد من الثلاثة ... الخ. أي هذا بالنسبة الى زمانه، فأما الان فإن القاموس بلغ في الاشتهار مبلغ اشتهار الشمس في رابعة النهار، وقصر عليه اعتماد المدرسين وناط به قصوى رغبة المتحدثين، وكثرت نسخه حتى إني اعدت درسه في زبيد حرسها الله تعالى على سيدنا الإمام الفقيه اللغوي رضي الدين عبد الخالق بن أبي بكر الزبيدي الحنفي متع الله بحياته، وحضر (٤) العلماء والطلبة فكان كل واحد منهم بيده نسخة.

стр. 88

ثم قال السيوطي: ومع كثرة ما في القاموس من الجمع للنوادر والشوارد فقد فاتته أشياء ظفرت بها في أثناء مطالعتي لكتب اللغة، حتى هممت أن أجمعها في جزء مذيلاً عليه ... انتهى (١). قلت قد يسر الله هذا المقصد للسيد مرتضى صاحب تاج العروس فجمع ما ظفر من الزوائد عليه في مسودة لطيفة، وقال سهل الله عليَّ اتمامها وما ذلك عليه بعزيز ... انتهى. وسيأتي ذكر الكتب المؤلفة في اللغة على وجه الاستقصاء ان شاء الله تعالى في الباب الثاني. الباب الأول: في أنواع اللغة وفيه مسائل ، الأولى: في معرفة ما روي من اللغة ولم يصح ولم يثبت والسبب فيه عدم اتصال سنده لسقوط راوٍ منه، أو جهالته، أو عدم الوثوق بروايته لفقد شرط القبول فيه، أو للشك في سماعه وأمثلة هذا النوع كثيرة منها ما في الجمهرة قال: زعموا أن الشطشاط (٢) طائر، وليس بثبت، قال: وزعم قوم من أهل اللغة ان الحَرّ يعني خلاف البرد يجمع أحارر (٣) ولا أعرف ما صحته؟، وكذا المُحاح (٤) بمعنى الجوع، والجم بمعنى الصدف، والمج والبج بمعنى فرخ الحمام (٥). قال الأموي (٦): المني، والمذي، والودي مشددات الياء والصواب إنَّ المني وحده بالتشديد والآخران مخففان. قال ابن القوطية (٧): ولولا حسن الظن باهل العلم لترك كثير مما حكاه ابن دريد (٨). الثانية: في معرفة المتواتر (٢٣/) والآحاد قال ابن الأنباري في لمع الأدلة: أما المتواتر فلغة القرآن وما تواتر من السنة وكلام العرب، وهذا القسم دليل قطعي من أدلة النحو، يفيد العلم ... انتهى، أي العلم الضروري إليه ذهب الأكثرون وقيل إنه نظري وإليه ذهب الآخرون والأول أولى، وزعمت طائفة قليلة أنه لا يفضي إلى علم البتة وهذا باطل، والآحاد: ما تفرد بنقله بعض أهل اللغة، ولم يوجد

стр. 89

فيه شرط التواتر وهو دليل مأخوذ به، واختلفوا في إفادته، فذهب الأكثرون: الى أنه يفيد الظن، وزعم بعضهم: أنه يفيد العلم، وليس بصحيح لتطرق الاحتمال فيه، وقيل إن اتصلت به القرائن أفاد العلم ضرورة، وشرط التواتر أن يبلغ عدد النقلة الى حد لا يجوز على مثلهم الاتفاق على الكذب في لغة القرآن وما تواتر من ألسنة العرب، واليه ذهب الأكثرون، وذهب قوم إلى أن شرطه عدد كذا وكذا، والصحيح هو الأول [سبعون] (١) قال: قوم من الأصوليين إنهم أقاموا الدلائل على خبر الواحد أنه حجة في الشرع ولم يقيموا الدلالة على ذلك في اللغة فكان هذا أولى (٢). وأورد الرازي في المحصول على كل منهما اشكالات ثم أجاب عنها، وقال: إنّ اللغة والنحو والتصريف ينقسم الى قسمين: منه متواتر، والعلم الضروري حاصل بأنه كان في الأزمنة الماضية موضوعاً لهذه المعاني، فأنا نجد أنفسنا جازمة بأن السماء والأرض كانتا مستعملتين في زمانه (صللم) في معناهما المعروف، وكذلك الماء، والنار، والهواء وأمثالها، وكذلك لم يزل الفاعل مرفوعاً، والمفعول منصوباً، والمضاف إليه مجروراً ثم قال: وقسم منه مظنون وهو الألفاظ الغريبة والطريق الى معرفتها الآحاد، وأكثر ألفاظ القرآن ونحوه وتصريفه من القسم الأول، والثاني فيه قليل جداً فلا يتمسك به في القطعيات ويتمسك به في الظنيات ... انتهى (٣). وتابعه عليه الأرموي تاج الدين صاحب الحاصل فأورده برمته ولم يتعقب منه حرفاً، وتعقب الأصفهاني (٤) في شرح المحصول بعضه، والحق أن أهل اللغة والأخبار لم يهملوا البحث عن أحوال اللغات وروايتها جرحاً وتعديلاً بل فحصوا عن ذلك وبينوه كما بينوا ذلك في رواة الأخبار، ومن طالع الكتب المؤلوفة في طبقات اللغويين والنحاة وأخبارهم وجد ذلك، وقد ألف (٢٤/) أبو الطيب اللغوي كتاب مراتب النحويين بيّن فيه ذلك، وميَّز أهل الصدق من الكذب والوضع، وسُيمّر بك في هذا الكتاب بعض من ذلك، وأمثلة ما تواتر على ألسنة الناس من زمن العرب الى اليوم، وليس هو في القرآن والأسماء التي فارسيتها منسية وعربيتها محكية مستعملة كثيرة، ذكرها السيوطي في المزهر (٥).

стр. 90

الثالثة: في معرفة المرسل والمنقطع (١). قال ابن الأنباري في لمع الأدلة: المرسل هو الذي انقطع سنده نحو أن يَرْوى ابن دريد عن أبي زيد، وهو غير مقبول؛ لأن العدالة شرط في قبول النقل، وانقطاع سند النقل يوجب الجهل بالعدالة، فإنَّ من لم يذكر لا تعرف عدالته، وذهب بعضهم الى قُبُول المُرْسَل لأن الإرسال صدَر ممن لو أسند لقُبل ولم يُتّهم في اسناده فكذلك في ارساله، وهذا اعتبار فاسد لأن المسند قد صُرِّح فيه بإسم الناقل فأمكن الوقوف على حقيقة حاله، بخلاف المرسل فبانَ بهذا أنه لا يلزم من قبول المُسْند قبول المرسل ... انتهى (٢). مثاله ما في الجمهرة يقال: فَسَأتُ الثوبَ أفسَؤه فَسْأ. إذا مددته حتى يتفزَّز وأخبر الأصمعي عن يونس قال: رآني أعرابيَّ محتبياً بطيلسان فقال: علامَ تَفْسؤه؟ وابن دريد لم يدرك الأصمعي (٣). وعن أبي عبيدة قال: اجتمع عند يزيد بن معاوية أبو زبيد الطائي، وجميل بن معمر العذري، والأخطل التغلبي فقال: أيكم يصف لي الأسد صفة في غير شعر، فقال: الى آخر الحكاية وهذا منقطع وأبو عبيدة لم يدرك يزيد (٤). الرابعة: في معرفة الأفراد ويقال له الآحاد وهو ما انفرد بروايته واحد من أهل اللغة، ولم ينقله أحد غيره، وحكمُهُ القبول إن كان المتفرد به من أهل الضبط والإتقان، كأبي زيد، والخليل، والأصمعي، وأبي حاتم وأبي عبيدة، وأضرابهم، وشرطُه أن لا يخالفه فيه من هو أكثر عدداً منه، ومثاله: المنَشْبَةَ (٥) المال، قاله أبو زيد ولم يقله غيره، والبَداوة قال ثعلب: لا أعرف بالفتح إلا عن أبي زيد وحدَه، وأمثلة ذلك كثيرة جداً في أقوال أهل اللغة (٦). قال الأزهري: أهل اللغة اتفقوا على أن معنى سائر الباقي، ولا التفات الى قول الجوهري: سائر الناس جميعهم فإنه ممن لا يقبل ما يتفرد به ... انتهى، وقد انتصر له بأنه قال: الجواليقي: أن سائراً بمعنى الجميع.

стр. 91

وقال ابن دريد: سائر الناس يقع على (٢٥/) مُعْظَمه وجُلِّه (١)، ومن الأفراد هلم جراً ذكره الجوهري وأنكره ابن هشام وقال: عندي توقف في كون هذا التركيب عربيّاً محضاً؛ لأنَّ أئمة اللغة المعتمَد عليهم لم يتعرَّضوا له حتى صاحب المُحْكم مع كثرة استيعابه وتتبّعه، وإنما ذكره صاحب الصحاح، وقال ابن الصلاح (٢) إنه لا يقبل ما تفرد به (٣). الخامسة: في معرفة من تقبل روايته ومن ترد وفيها مسائل: الأولى: قال ابن فارس: تؤخذ اللغة سماعاً من الرّواة الثقات، ذوي الصِّدق والأمانة، ويُتَّقى المظنون؛ قال الخليل: إنّ النَّحارير ربما أدْخَلوا على الناس ما ليس من كلام العرب، إرادة اللَّبْس والتَّعنيت (٤). وقال ابن الأنباري: يُشتَرط أن يكون ناقل اللغة عدلاً، رجلاً كان أو امرأة، حراً كان أو عبداً؛ كما يشترط في نقل الحديث، وإن لم يكن في الفضيلة من شكله، فإن كان ناقل اللغة فاسقاً لم يقبل نقله ... انتهى (٥). قلت وهذا باطل عندي بل المعتبر في النقل صدق الناقل وضبطه دون عدالته وتقواه، كما حققنا ذلك في كتابنا (هداية السائل إلى أدلة المسائل) وكتابنا (منهج الوصول الى اصطلاح أحاديث الرسول) (٦)، ولا جرح في نقلة اللغة ورواة الحديث الا الكذب وسوء الحفظ. الثانية: قال ابن الأنباري: يُقْبل نقل العَدْل الواحد، ولا يشترط أن يُوافقهَ غيرُه في النقل، وزعم بعضهم أنه لابد من نقل اثنين كالشهادة وهذا ليس بصحيح (٧). الثالثة: قال عز الدين بن عبد السلام (٨): اعْتُمد في العربية على أشعار العرب وهم كفار لبُعْد التدليس فيها كما اعتُمِد في الطب، وهو في الأصل مأخوذ عن قوم كّفار لذلك

стр. 92

انتهى، ويُؤخذ من هذا أن العربيَّ الذي يُحْتَجُّ بقوله لا يشترط فيه العَدالَة؛ وكذا البلوغ؛ ولذا أخذوا عن الصبيان بخلاف راوي الأشعار واللغات (١). الرابعة: قال ابن الأنباري: نقل أهل الأهواء مقبول في اللغة وغيرها، إلاّ أن يكونوا ممن يَتديَّنون بالكذب كالخطابية (٢) من الرافضة (٣). الخامسة: قال ابن الأنباري: المجهول الذي لم يُعْرف ناقله نحو حدثني رجل عن ابن الأعرابي، غير مقبول، وذهب بعضهم الى قبوله، وهذا ليس بصحيح، وذكر في الإنصاف إنّه لا يحتّج بشعر لا يُعرَف قائله خوفاً من أن يكون لمولد (٤). السادسة: التعديل على الإبهام نحو: أخبرني الثقة، هل يقبل فيه خلاف بين العلماء؟ وقد استعمل ذلك سيبويه كثيراً (٢٦/ ... ) في كتابه يعني به الخليل، وغيره، وعن أبي زيد: كان سيبويه يأتي مجلسي فإذا سمعته يقول: وحدثني من أثق بعربيته فإنما يريدني. وكان يونس يقول: حدثني الثقة عن العرب، فقيل له: من الثقة؟ قال أبو زيد، قيل له، فلم لا تسّميه؟ قال: هو حيّ بعدُ (٥). السابعة: إذا قال: أخبرني فلان وفلان وهما عدلان احتّج به، فإن جهل عدالة أحدهما أو قال فلان وغيره لم يحتّج. (فرع) إذا سئل العربيّ أو الشيخ عن معنى لفظ فأجاب بالفعل لا بالقول يكفي قال عيسى بن عمر: سألت ذا الرُّمَّة عن النَّضْنَاض فلم يَزدْني على أن حرَّك لسانه في فيه ... انتهى (٦). وقال الزجاجي: سُئل رُؤْبة عن الشَّنَب، فأراهم حبَّة رُمّان، وسئل الأصمعي عن العارِضَيْن من اللِّحية؛ فوضع يَده على ما فوق العوارض من الأسنان (٧).

стр. 93

السادسة: في معرفة طرق الأخذ والتحمل وهي ستة: أحدها: السماع من لفظ الشيخ، أو العربي، أو الملقن، أو الرواة الثقات، وللأداء والرواية بهذه الطرق صيغ: أعلاها أن يقول أَمْلَى عليّ فلانٌ، أو أمَلّ، ويلي ذلك سمعت نحو: سمعت الفراء يحكي عن الكسائي، ويلي ذلك أن يقول حدثني فلان أو حدثنا، ويليه [أخبرني فلان وأخبرنا فلان ويليه] (١) قال لي فلان، ويلي ذلك قال فلان بدون لي، ويليه أن يقول عن فلان، ومثل " عن " إنّ فلانا قال: وقد يستعمل في الشعر حدثنا، وسمعت، ونحوهما (٢). ثانيها: القراءة على الشيخ، ويقول عند الرواية: قرأت على فلان، ويجوز في القراءة والتحديث تقديم المتن أو بعضه على السند، وقد كانت الأئمة قديماً يتصدون لقراءة أشعار العرب عليهم وروايتها (٣). وأخرج الخطيب البغدادي عن ابن عبد الحكم قال: كان أصحاب الأدب يأتون الشافعي فيقرؤون عليه الشعر، فيفسره، وكان يحفظ عشرة آلاف بيت من شعر هذيل بإعرابها وغريبها ومعانيها، وفي الباب روايات. ثالثها: السماع على الشيخ بقراءة غيره، ويقول عند القراءة: قرئ على فلان، وأنا أسمع، ويستعمل في ذلك أيضا: أخبرنا قراءة عليه وأنا أسمع، وأخبرني فيما قرئ عليه، وأنا أسمع، وقد يستعمل في ذلك حدثنا. رابعها: الإجازة وذلك في رواية الكتب والأشعار المدوَّنة قال ابن الأنباري: الصحيح جوازها لأن النبي (صللم) كتب كُتُباً الى الملوك، وأخبرت بها رسله، وُنزَّل ذلك مَنْزله قوله وخطابه، وكتب صحيفة الزكاة والدِّيات، ثم صار الناس يخبرون بها عنه (٢٧/ ... ) ولم يكن هذا إلاّ بطريق المناولة والإجازة، فدلَّ على جوازها، وذهب قوم إلى أنها غير جائزة لأنه يقول: أخبرني ولم يوجد ذلك، وهذا ليس

стр. 94

بصحيح، فإنه يجوز لمَنْ كتب إليه إنسان كتاباً، وذكر له فيه أشياء أن يقول: أخبرني فلان في كتابه بكذا وكذا، ولا يكون كاذبا فكذلك المرء ههنا ... انتهى (١). خامسها: الكتابة: قال ثعلب في أماليه: بعث بهذه الأبيات اليّ المازني وذكرها. سادسها: الوجادة، قال القالي: قال أبو بكر بن أبي الأزهر (٢) وجدت في كتاب أبي حدثنا الزبير بن عباد ... الخ وأمثلته كثيرة (٣). السابعة: معرفة المصنوع قال محمد بن سلام الجمحي في أول طبقات الشعراء: في الشعر مصنوع مُفْتَعَل موضوع كثير لا خير فيه ولا حُجَّة في غريبه (٤)، ولا غريب (٥) يستفاد، ولا مَثَل يُضْرب، ولا مَدْح رائع، ولا هجاء مُقْذع، ولا فخر مُعْجِب، ولا نسيب مُسْتَطرف، وقد تداوله قوم من كتابٍ إلى كتاب، لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يَعْرِضوه على العلماء، وليس لأحدٍ - إذا أجمع أهل العلم والرّواية الصحيحة على إبطال شيء منه - أن يَقْبَل من صحيفة، ولا يَرْوى عن صُحُفي، واختلف العلماء في بعض الشعر كما اختلفت في سائر الأشياء؛ فأمَّا ما اتَّفقوا عليه، فليس لأحد أن يخرج مِنْه، وللشِّعر صناعة وثقافة يعرفُها أهل العلم، كسائر اصناف العلم والصناعات، منها ما تثَقْفَه العين، ومنها ما تثَقْفُه الأذن ومنها ما تثَقْفَه اليد، ومنها ما يثَقْفَه اللسان، من ذلك: اللُّؤلؤ والياقوت، لا يُعْرَف بصفة ولا وزْن دون المُعَاينة ممن يُبْصره، ومن ذلك الجَهْبَذَةُ، فالدِّينار، والدِّرهم لا يُعْرَف جودتُهما بلونٍ ولا مَسّ ولا طراق (٦) ولا جَنسّ ولا صِفَة (٧) ويعرفُه الناقد عند المُعاينة، فيعرفُ بَهْرَجها وزائفها، ومنه البَصَرُ بغريب النَّخْل، والبصر بأنواع المتاع وضروبه واختلاف بلاده، وتَشابه لونه حتى يضاف كلُّ صنف منها الى بلده الذي خرج منه، وكذلك بَصَرُ الرقيق، والدابة، وحسن الصوت يعرفُ ذلك العلماء عند المعاينة والإستماع له بلا صفة يُنْتَهَي إليها ولا علم يوقف عليه، وإنّ كثرة المداومة لتُعِين على العلم به، فكذلك الشِّعر يعرفُه أهلُ العلم به.

стр. 95

وقال قائل لخلف (١): إذا سمعتُ أنا بالشعر واستحسنته فلا أبالي ما قلته أنت فيه وأصحابك، وأمثلة المصنوع كثيرة جداً لا تكاد تنحصر (٢). الثامنة: معرفة الفصيح الفَصحُ: خُلُوصُ الشيء مما يَشُوبهُ، وأصله في اللَّبن، يقال: (٢٨/ ... ) فَصُحَ اللَّبنُ وأفْصَحَ فهو فصيح ومُفْصِح، إذا تعرَّى من الرَّغْوة، ومنه استُعيرَ فَصُحَ الرَّجُلُ جادَتْ لُغَتُه، وأفْصَح تكلَّم بالعربية، وقيل بالعكْس والأول أصح (٣). والمفهوم من كلام ثعلب: إنّ مدار الفصاحة في الكلمة على كَثْرَة استعمال العرب لها؛ ومثله قال القزويني في الإيضاح: ولا شك أن ذلك هو مدار الفصاحة، ورأي المتأخرون من أرباب علوم البلاغة إنّ كل أحدٍ لا يمكنُه الاطلاع على ذلك؛ لتَقادُم العهد بزمان العرب؛ فحرَّروا لذلك ضابطاً يُعْرَف به ما أكثرت العربُ من استعماله من غيره فقالوا: الفصاحة في المفرد: خلوصه من تَنَافُر الحروف، ومن الغَرابة ومن مخالفة القياس اللغوي. فالتنافر: منه ما تكون الكلمة بسببه مُتناهية في الثِّقل على اللسان، وعُسر النُّطْق بها. والغرابة: أن تكون الكلمة وحْشّية لا يظهر معناها؛ فيحتاج في معرفتّها الى أن يُنَقْر عنها في كتب اللغة المبسوطة. ومخالفة القياس: كالأجلل موضع الأجَلّ، وزاد بعضهم في شروط الفصاحة: خلوصه من الكراهة في السَّمْع، بأن يمجَّ الكلمة وينبو عن سماعها؛ كما ينبو من سماع الأصوات المُنكِرَة، فإن اللَّفظ من قبيل الأصوات، والأصوات منها ما تستلذّ النفس بسماعه، ومنها ما تكره سماعه. وبالجملة المراد بالفصيح ما كثر استعماله في ألسنة العرب، والغرابة: قلة الإستعمال، وإذا كانت مخالفة القياس لدليل فلا يخرج عن كونه فصيحاً، كما في (سرر) فإن القياس (الأسره) والتحقيق أن المخل هو قلة الاستعمال وحدها فرجعت الغرابة ومخالفة القياس الى اعتبار قلة الاستعمال والتنافر، كذلك وكل ضرورة ارتكبها شاعر فقد أخرجت الكلمة عن

стр. 96

الفصاحة، وأشد ما تستوحشه تنوين (أفعل) قال الخفاجي: صرف غير المنصرف وعكسه في الضرورة مخلُّ بالفصاحة (١). قال بهاء الدين (٢): ولا تكون الكلمة مُبتذلة، إما لتغيير العامَّة لها إلى غير أصل الوضح كالصُّرْم للقَطْع، جعلته العامة للمحلِّ المخصوص، وإما لسخافتّها في أًصل الوضع والابتذال في الألفاظ، وما تدل عليه ليس وصفاً ذاتياً، ولا عَرَضا لازماً، بل لاحقاً من اللَّواحق المتعلِّقة بالاستعمال في زمان دون زمان، وصُقْع دون صقع (٣). والحروف إذا تقاربت مخارجها كانت أثقل على اللِّسان منها إذا تباعدت، ولا يكاد يجئ في الكلام ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة (٢٩/ ... ) واحدة لصعوبة ذلك على ألسنتهم؛ وأصعبها حروف الحَلْق، وأحسن الأبنية أن يبنوا بامْتزاج الحروف المتباعدة؛ ألا ترى أنك لا تجدُ بناء رباعياً مُصْمَتَ الحروف لا مزاج له من حروف الذّلاقة، إلاّ بناءً يجيئك بالسين، وهو قليل جداً مثل عَسْجَد، وإن أكثر الحروف استعمالاً عند العرب الواو، والياء، والهمزة وأقلّ ما يستعملونه على ألسنتهم لثقلها الظاء ثم الذال ثم الثاء ثم الشين ثم القاف ثم الخاء ثم العين [ثم الغين] (٤) ثم النون ثم اللام ثم الراء ثم الباء ثم الميم، فأخفَّ هذه الحروف كلِّها ما استعملته العرب في أصول أبنيتهم من الزوائد لإخْتلاف المعنى (٥). وفي عروس الأفراح: رُتَبُ الفصاحة مُتَفَاوتة؛ فإن الكلمة تخفُّ وتَثْقُل بحَسَب الإنتقال من حرف الى حرف لا يُلاَئمه قُرْباً أو بُعْداً، فإن كانت الكلمة ثلاثية فتراكيبها اثنا عشر فذكرها، ثم قال: وأحسن التراكيب وأكثرها استعمالاً ما انحدر فيه من الأعلى الى الأوسط الى الأدنى، ثم ما انتقل فيه من الأوسط الى الأدنى الى الأعلى، ثم من الأعلى الى الأدنى [الى الأوسط] (٦). وأقلُّ الجميع استعمالاً ما انتقل فيه من الأدنى الى الأعلى الى الأوسط، وهذا إذا لم ترجع الى ما انتقلتَ عنه، فإن رجعت فإن كان الإنتقالُ من الحرف ... [الأول] (٧) الى الحرف الثاني في انحدار من غير طَفْرةٍ - والطّفْرة الإنتقال من الأعلى الى

стр. 97

الأدنى، أو عسكه - كان التركيبُ أخفَّ وأكثر وإلا كان أثقل وأقل استعمالاً وأما ما انتقل فيه من الأدنى الى الأوسط الى الأعلى أو منه (١) الى الأدنى فهما سيَّان في الاستعمال، وقد تُنْقل الكلمة من صيغة لأخرى أو من وزن الى آخر، أو من مُضِيّ الى استقبال، وبالعكس، فتحسن بعد أن كانت قبيحة وبالعكس، والثلاثي أحسن من الثُّنائي، والأحادي، ومن الرباعي، والخماسي. وذكر حازم القرطاجي (٢) وغيره من شروط الفصاحة: أن تكون الكلمة متوسطة بين قلَّة الحروف وكثرتها، والمتوسطةُ ثلاثة أحرف ... انتهى (٣). وليس لكل معنى كلمتان فصيحة وغيرها، بل منه ما هو كذلك، وربما لا يكون للمعنى إلاّ كلمةُ واحدةٌ فصيحةٌ أو غير فصيحة؛ فيضطر الى استعمالها، وحيث كان للمعنى الواحد كلمتان ثلاثية ورباعية لا مُرَجِّح لإحداهما على الأخرى كان العدول الى الرباعيّة عدولاً عن الأفصح، ولم يوجد هذا في القرآن الكريم (٤). قال الراغب: ألفاظ القرآن هو لُبَُ كلام العرب وزُبْدَتُه وواسطَتُهُ وكَرائمُه وعليها اعتمادُ الفقهاء (٣٠/ ... ) والحُكماء في أحكامِهم وحِكَمهِم، وإليها مَفْزَعُ حُذَّاق الشعراء والبُلغاء في نَظْمِهِم وَنَثْرهِم، وما عداها، أو ما عدا الألفاظ المُتَفَرعات عنها والمنتقاة (٥) - منها هو بالاضافة إليها كالقُشُور والنَّوَى بالاضافة الى أطايب الثَّمَرة وكالحُثالَة والتَّبْن بالنسبة الى لُبُوب الحِنْطه ... انتهى (٦). وألف ثعلب كتابة الفصيح المشهور، التزمَ فيه الفصيحَ والأفصحَ مما يجري في كلام الناس وكُتُبهم، وسيأتي ذكر هذا الكتاب عند ذكر الكتب اللغوية، وليس كل ما ترك الفصحاء استعماله بخطأ فقد يتركون استعمال الفصيح لاستغنائهم بفصيح آخر، أو لعلة غير ذلك (٧). التاسعة: في معرفة الفصيح من العرب

стр. 98

قال أبو الفضل: أفصح الخَلْق على الاطلاق سيدنا ومولانا رسول الله (صللم) حبيب رب العالمين جلَّ وعلا، قال رسول الله (صللم): " أنا أفصح العرب " رواه أصحاب الغريب ورَوَوْه أيضاً بلفظ: " أنا أفصَحُ من نَطق بالضاد بَيْد أني من قريش " وإن تكلم في الحديث (١). وعن محمد بن ابراهيم التيمي: أنّ رجلاً قال: يا رسول الله؛ ما أفْصَحَك! فما رأينا الذي هو أعْرَبُ منك، قال: " حقَّ لي فإنما أنزل القرآن عليّ بلسان عربي مبين " (٢). وقال الخطابي: إن الله لما وضع رسوله (صللم) موضع البلاغ من وَحْيه، ونَصَبه مَنْصِب البيان لدينه، اختار له من اللغات أعربَها، ومن الألْسُن أفصَحها وأبينَها؛ ثم أمدَّه بجوامع الكلم، ومن فصاحته أنه تكلَّم بألفاظٍ اقتضبها لم تُسْمَع من العرب قبله ولم توجد في مُتقدّم كلامها؛ كقوله: مات حَتْفَ أنْفه، وحَمَى الوطيس، ولا يُلْدَغ المؤمنُ من جحْر مرَّتين في ألفاظ عديدة تجْري مَجْرى الأمثال، وقد يدخل في هذا إحداثُه الأسماء الشرعية ... انتهى (٣). قال ابن عباس: نزل القرآن على سبع لغات، منها خمْسٌ بلغة العَجُز من هَوَازَن وهم خمس قبائل أو أربع منها، سَعْد بن بكر، وجُشَم بن بكر، ونَصْر بن معاوية وثقيف، قال أبو عبيد: أفصح هؤلاء بنو سَعْد بن بكر؛ قال إسماعيل بن أبي عُبَيْد الله: أجْمَع علماؤنا بكلام العرب، والرُّواة لأشعارهم والعلماء بلُغاتهم، وأيّامهم ومَحالِّهم أنَّ قُرَيشاً أفصح العرب ألْسِنةً، وأصفاهم لغةً، وذلك أن الله اختارًهم من جميع العرب واختارَ منهم محمداً (صللم) فجعل قريشاً سُكان حَرَمه، ووُلاة بَيْته؛ فكانت وفود العرب من حجَّاجها وغيرهم يَفِدون الى مكة للحجّ، ويتحاكمون الى قريش، وكانت قريشٌ مع (٣١/ ... ) فصاحتها وحسْن لغاتها ورِقَّة ألسنتها، وإذا أتَتْهم الوفود من العرب تخيّروا من كلامهم وأشعارهم أحسنَ لغاتِهم، وأصفى كلامهم؛ فاجتمع ما تخيّروا من تلك اللّغات الى سلائقهم التي طُبعوا عليها؛ فصاروا بذلك أفصح العرب. ألا ترى إنك لا تجد في كلامهم عَنْعَنة تميم ولا عَجْرفة قيس، ولا كَشْكشَة أسد، ولا كَسْكَسَة ربيعة. قال أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عُلْيا هوازن وسُفْلى تميم، وكان ابن مسعود يُسْتَحبُّ أن يكون الذين يكتبون المصاحف من مُضَر، وقال عمر: لا يُمْلينَّ في مصاحفنا إلاّ

стр. 99

غِلْمانُ قُرَيْش وثَقيف، وقال عُثْمان: اجعلوا المُمْلي من هُذَيل، والكاتبَ من ثَقيف، قال أبو عبيدة: فهذا ماجاء في لغات مُضر، وقد جاءت لغاتٌ لأهل اليمن في القرآن معروفة (١). وقال ثعلب: ارتفعت قريشٌ في الفصاحة عن عَنْعَنَة تميم، وتَلْتَلَة بَهْراء وكَسْكَسَة ربيعة، وكَشْكَشَة هوازن وأسد، وتَضَجُّع قيس (٢)، وعَجْرَفيّة ضبّة وقَيْس، وكسر أسد، وقيس وفسّر تَلْتَلة بَهْراء بكسْر أوائل الأفعال المضارعة (٣). وقال أبو نصر الفارابي: كانت قريشٌ أجود العرب انتقاداً للأفْصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النُّطق، وأحسنها مسموعا، وأبّينها ابانةً عمّا في النفس؛ والذين عنهم نُقِلت اللغة العربية، وبهم اقْتُدِي، وعنهم أخذ اللسان العربيُّ من بين قبائل العرب هم: قيس، وتميم، وأسد؛ فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أُخِذ ومعظمة، وعليهم اتُّكل في الغريب، وفي الاعراب والتصّريف؛ ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم، وبالجملة فإنه لم يؤخذ عن حضَريّ قط، ولا عن سكّان البَرَاري ممن كان يسكنُ أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم؛ فإنه لم يؤخذ لا من لَخْم، ولا من جذام؛ لِمُجاورتهم أهل مصر والقِبْط؛ ولا من قُضاعة، وغسّان، وإياد لمجاورتهم أهل الشام، وأكثرهم نصارى يقرؤون بالعبرانية؛ ولا من تَغلب واليمن؛ فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان، ولا من بكر لمجاورتهم للقبط والفرس؛ ولا من عبد القيس وأزد عُمان لأنهم كانوا بالبحرين، مُخالطين للهند والفُرس؛ ولا من أهل اليمن لمخالطتهم للهند والحبشة، ولا من بني حنيفة، وسُكان اليمامة، ولا من ثقيف، وأهل الطائف؛ لمخالطتهم تجَّار اليمن المقيمين عندهم؛ ولا من حاضرة الحجاز لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب (٣٢/ ... ) قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم، والذي نقل اللغة واللسان العربيَّ عن هؤلاء وأثبتها في كتاب فصيّرها عِلْماً وصناعة هم أهل البصرة والكوفة فقط من بين أمصار العرب ... انتهى (٤). ورُتَبُ الفصيح متَفاوتةٌ ففيها فصيحٌ وأفصح كالبُرُّ أفصح من القَمْح والحنطة، وانصَبَه المرضُ أعلى من نَصَبَه، واللغوب أفصح من اللغب، والحبر (بالكسر) أفصح من الحبر (بالفتح)، وضربة لازب أفصح من لازم.

стр. 100

قال ابن خالويه: قد أجمع الناس جميعاً: إنَّ اللغة إذا وَرَدت في القرآن فهي أفصحُ مما في غير القرآن، لا خلافَ في ذلك (١). العاشرة: معرفة الضعيف والمنكر والمتروك من اللغات . فالضعيف: ما انحطَّ عن درجة الفصيح، والمُنْكر أضعف منه وأقلُّ استعمالاً بحيث أنكره بعضُ أئمة اللغة ولم يَعْرْفه، والمتروك: ما كان قديماً من اللغات ثم تُرك، واسْتُعمِل غيره، وأمثلةُ ذلك كثيرة في كتب اللغة، كأنْبَذ نبيذاً لغة ضعيفة في نَبَذَ، وانْتُقِعَ لونه لغة ضعيفة في امْتُقِع، وتَمَنْدّل بالمنديل ضعيفة في تّنَدَّل، وواخاه في آخاه، والامْتِحاء في الامْحاء، والأمّات في الأمهات، ومن أمثلة المنكر بَلق الدابة وهذا لا يعرف في أصل اللغة، وَجَرَعْتُ الماء بالفتح لغة أنكرها الأصمعي، والمعروف بالكسر (٢)، والمتروك كمضّنى كلام قديم قد تُرِك وكان أمضنى هو المستعمل، وجَفَأتُ القدر ولا تقل أجْفَأتها (٣). الحادية عشرة: معرفة الرديء المذموم من اللغات وهو أقبحُ اللغات وأنزَلها درجة، ومن ذلك الكَشْكَشَةُ؛ وهي في ربيعة ومضر؛ يجعلون بعد كاف الخطاب في المؤنث شيناً كرَأَيْتُكش، وعليكش وبكش، والكسكسة يجعلون بعد الكاف أو مكانها في المذكر سينا على ما تقدّم، والعَنْعَنَة وهي في كثير من العرب في لغة قيس وتميم كعنك في إنك وعسلم في أسلم، وعُذُن في أذن. والفَحفَحة في لغة هذيل، وهي جعل الحاء عيناً، والوكم في لغة ربيعة، وهم قوم من كلب، يقولون: عليكم وبكم، حيث كان قبل الكاف ياء أو كسرة، والوهْم في لغة كلب، كمنهم وعنِهم، وان لم يكن قبل الهاء ياءٌ ولا كسرة. والعَجْعَجَة في لغة قضاعة؛ يجعلون الياء المشدّدة جيماً كتميمِجّ في تميمي، والاستنطاء في لغة سعد بن بكر، وهذيل، والأزد، وقيس، والأنصار، بجعل العين الساكنة نوناً (٣٣/) إذا جاورت الطاء كأنْطي في أعطى، والوتم في لغة اليمن، بجعل السِّين تاء كالنات في الناس، والشَّنشنة بجعل الكاف شيناً كلبّيْش اللهم لبَّيْش أي لبيك، ومن العرب من يجعل الكاف جيماً كالجعْبة يريد الكعبة (٤).

стр. 101

الثانية عشرة: معرفة المطرد والشاذ أصل مواضع (ط ر د) في كلامهم التتابع والاستمرار؛ وأصل موضع (ش ذ ذ) التَّفَرُّق والتفرد، وهذا أصل هذين في اللغة ثم قيل ذلك من الكلام والأصوات، فجعل أهلُ عِلم العرب ما استمرّ في الكلام في الاعراب وغيره من مواضع الصّناعة مُطَّردا، وجعلوا ما فارق ما عليه بقِيّه بابه، وانفرد من ذلك الى غيره شاذّاً حَمْلاً لهذين الموضعين على أحكام غيرهما، وهما على أربعة أضرب: مُطَّرِد في القياس والاستعمال جميعاً؛ وهذا هو الغاية المطلوبة، نحو قام زيد، وضربت عمراً، ومررتُ بِسعدٍ، ومُطَّرِد في القياس، شاذُّ في الاستعمال؛ وذلك نحو الماضي من يَذَر ويّدَع، ومُطَّرد في الاستعمال، شاذ في القياس كاستْصَوبت الشيء ولا يقال استصبت، ومنه استَحْوذَ واغْيلت المرأة، واستَنْوق الجمل، والشاذ في القياس والاستعمال جميعاً، وهو كتتميم مفعولٍ مما عينه واو، أو ياء نحو ثوب مَصْوُون، ومسك مَدْوُوف، وفرس مَقْوُود، ورجل معْوود من مَرَضه، وكل ذلك شاذَ فيهما فلا يسوغ القياس عليه ولا ردُّ غيره اليه، وللشاذ في القياس المطرد في الاستعمال أمثلة ذكرها السيوطي في المزهر (١). الثالثة عشرة: معرفة الحوشي والغرائب والشواذ والنوادر وهذه الألفاظ متقاربة، وكلها خلاف الفصيح وحُوشيُّ الكلام وَحْشِيّه وغريبه؛ قال ابن رشيق: هومن الكلام ما نَفَر عنه السمع، وإذا كانت اللفظة خَشِنْة (٢) مُسْتغربة لا يعلمها إلاّ العالم المبّرز، والاعرابي القحُّ، فتلك وّحْشية (٣). والغرائب جمع غريبه، وهي بمعنى الحوشيّ، والشوارد جمع شاردة، وهي أيضاً بمعناها، وقد قابل بها صاحب القاموس الفصيح حيث قال مشتملاً على الفصيح والشوارد والنوادر جمع نادرة. وقد ألف الأقدمون كُتُباً في النوادر كنوادر أبي زيد، ونوادر ابن الأعرابي، ونوادر أبي عمرو الشيباني وغيرهم، وفي آخر الجمهرة أبواب معقودة (٣٤/ ... ) للنوادر، وفي الغريب المصنف لأبي عبيد بابُ لنوادر الأسماء والأفعال، وألف الصغاني كتاباً لطيفاً في شوارد اللغة، ومن عبارات العلماء المستعملة في ذلك النادرة، وهي بمعنى الشوارد (٤).

стр. 102

من نوادر الأسماء البرْت: الرجل الذليل، والحرش: الأثر، والعَيْقَة: ساحل البحر، والصُّمَادح: الخالص من كل شيء؛ ومن نوادر الأفعال: مَتَعْتُ بالشيء أي ذهبت، وتَشَاولَ القوم: أي تناول بعضهم بعضاً عند القتال، وأكبّ لوجهه أي سقط وكَبّه الله، ولّبُبْتَ يا رجل أي صرت ذا لُبّ، وهو نادر لا نظير له في المضاعف، وطاف الخيال يطوف، ومن الشوارد الأجيار جمع جيران، ومن الغرائب الخَازباز السِّنَّور، والوَطْبُ وِعاء اللبن، وأبوال البغال: السراب، والجود: الجوع (١). الرابعة عشرة: معرفة المستعمل والمهمل والمهمل على ضربين: ضَرْبٌ لا يجوز ائتلاف حروفه في كلام العرب البّتة، وذلك كجيم تؤلَّف مع كاف، أو كاف تقدّم على جيم، وكعين مع غَيْن، أو حاء مع هاء أو غين، فهذا وما أشبهه لا يأتلفِ، والآخر: ما يجوز تألُّف حروفه؛ لكنَّ العرب لم تقل عليه، كعضخ، فهذا ما يجوز تألّفه وليس بالنَّافر، ألا تراهم قد قالوا خَضَعَ؟ لكن العرب لم تقل عضخ وأهل اللغة لم يذكروا المهمل في أقسام الكلام، وإنّما ذكروا في الأبنية المهملة التي لم تقل عليها العرب (٢). قال ابن جني: أما إهمال ما أٌُهْمِل مما تحتمله قسمةُ التركيب في بعض الأصول المتصوّرة أو المستعملة، فأكثره متروك للاستثقال، وبقية ملحقةٌ به ومقَفَّاة على إثره، نحو سص وصص، وطت وتط لنُفُور الحسٍّ عنه، والمشقَّة على النفس لتكلّفه وكذلك قج، وجق، وكق، وقك، وكج، وجِك؛ وكذلك حروف الحَلق هي من الائتلاف أبْعَد؛ لتَقَارب مخارجها عن مُعظَم الحروف، أعني حروف الفم، وبسط ابن جني في بيان ذلك (٣). الخامسة عشرة: معرفة المفاريد قال ابن جني: المسموع الفرد هل يقبل ويحتج به؟ له أحوال: أحدها: أن يكون فرداً، بمعنى إنه لا نظير له في الألفاظ المسموعة، مع إطباق العرب على النُّطق به، فهذا يُقْبَل ويحتِجُّ به، ويُقاس عليه إجماعاً كما قيس على قولهم شَنُوءة شَنَئىّ، مع أنه لم يُسْمع غيرُه؛ لأنه لم يُسْمع ما يخالفه وأطبقوا على النُّطق به.

стр. 103

الثاني: أن يكون فرداً، بمعنى أن المتكلم به من العرب واحد، ويخالف ما عليه الجمهور، فينظر في حال هذا المنفرد به؛ فإن كان (٣٥/) فصيحاً في جميع ما عدا ذلك القدرْ الذي انفرد به، وكان ما أورده مما يقبلُه القياس، إلا أنه لم يُرِد به استعمالُ الا من جهة ذلك الإنسان، فإنّ الأولى في ذلك أن يحسن الظن به، ولا يحمل على فساده (١). الثالث: أن ينفرد به المتكلِّم ولا يُسْمع من غيره، إلا ما يوافقه ولا ما يخالفه، والقول فيه أنه يجب قبولُه إذا ثبتت فصاحتُه؛ كالسِّب في لغة هذيل: الحَبْل (٢)، والرُّحُم: الرَّحْمَة، وابن أجْلَى في معنى ابن جَلاَ، والحوْصَلاء بمعنى: الحَوْصلة والكَتْر بمعنى السَّنام، والشَّمَل بالتحريك في الشَّمْل بالتسكين، والكَرِاض بمعنى حَلَقُ الرَّحِم (٣). السادسة عشرة: معرفة مختلف اللغة وهي من وجود أحدها: الاختلافُ في الحركات نحو نَستْعين (بفتح النون وكسرها) الأول: لغة قريش، والثاني لغة أسد وغيرهم (٤)، والإختلاف في الحركة والسكون نحو مَعْكُم ومَعَكم، وفي إبدال الحروف: أولئك وأُولالِك، وإنّ زيدا ًوعَنّ زَيداً. وفي التقديم والتأخير نحو: صاعِقَة وَصَاقِعَةٌ، وفي الحذف والإثبات نحو: اسْتَحْيَيْت واستَحيْتُ، وصدَدْتُ وأصْدَدْتُ وفي الحَرْف الصَّحيح يُبْدَلُ حَرْفاً مُعْتلاً نحو أمَّا زيْدٌ وأَيْما زَيْدَ. وفي الإمَالَة والتفخيم مثل قَضِى ورمِى؛ وفي التذكير والتأنيث نحو: هذه البَقر، وهذه النخل (٥)، وفي الإدغام نحو: مُهْتَدون ومُهَدُّون، وفي الاعراب نحو: ما زيدٌ قائم وقائماً، وأنَ هذين وهذان وفي صورة الجمع نحو أسْرى وأُسارى، وفي الوقف على هاء التأنيث نحو: هذه أمّهْ وهذه أمَّتْ (٦). قال ابن جني: اللغاتُ على اختلافها كلّها حجة؛ الا ترى أن لغةَ الحجاز في إعمال (ما) ولغة تميم في تَركِه كلُّ منها يَقْبلُه القياس؛ فليس لك أن تردّ احدى اللغتين بصاحبتها؛

стр. 104

لأنها ليست أحقَّ بذلك من الأخرى، لكن غايةُ مَالَك في ذلك أن تتخيَّر احداهما.، فتقوِّيها على أختها، وتعتقد أن أقوى القياسين أقبلُ لها وأشدُّ أَنسْاً بها، فأما ردّ اِحداهما بالاخرى فلا، ألا ترى الى قوله (صللم): " نزل القرآن بسبع لغاتٍ كلُّها شافٍ كافٍ " (١)، هذا إذا كانت اللغتان في القياس سواء، أو متقاربتين، فإن قلّت إِحداهما جدَّاً، وكثرت الأخرى جدا أخذتَ بأوسعهما رواية وأقواهما قياساً، ومع ذلك لو استعمله إنسان لم يكن مُخْطِئاً لكلام العرب فان الناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ لكنه مخطئ لأجود اللغتين فإن احتاج لذلك في شعر أو سجع فإنه غير ملوم (٣٦/ ... ) ولا منكر عليه ... انتهى قال ابو حيان (٢): كلّ ما كان لغة لقبيلة قِيسَ عليه (٣). السابعة عشرة: معرفة تداخل اللغات اذا اجتمع في الكلام الفصيح لغتان فصاعداً كقوله: وأشْرَبُ الماء ما بي نَحْوهُ عطشٌ ... إلاّ لأن عُيونَهْ سال واديها (٤) فقال: نحوه بالإشباع، وعيونه بالإسكان، جاز للحاجة إليه في أوزان أشعار العرب وسَعة تصّرف أقوالها، وهذا إذا كانت اللفظتان في كلامه متساويتين في الاستعمال كثرتهما واحدةٌ، ويجوز أن تكون [لغته] (٥) في الأصل إحداهما ثم إنه استفاد الأخرى من قبيلةٍ أخرى، وطال بها عهدُه، وكثر استعماله لها، فلحقت - لطول المدّة واتساع الاستعمال - بلغته الأولى؛ وإذا كانت إحدى اللفظتين أكثر في كلامه من الأخرى، فالكثيرة هي الأولى الأصلية. قال الفراء وغيرُه من أهل العربية: فَعِل يفعُل لا يجيء في الكلام إلاّ في هذين الحرفين: مِتّ تَمُوت في المعتل، ودمِتَ تَدُوم، وفي السالم فَضِل يَفْضُل، أخذوا من لغة من قال يفضَل، وأخذوا يموت من لغة من قال يفضُل، ولا ينكر أن يؤخذ بعض اللغات من بعض (٦).

стр. 105

الثامنة عشرة: معرفة توافق اللغات قال الجمهور: ليس في كتاب الله سبحانه - شيء بغير لغةِ العرب؛ كقوله تعالى: ﴿إنّا جَعَلْنَاهُ قُرآناً عَرَبيّاً﴾ (١) وقوله: ﴿بِلِسانٍ عَرَبيٍّ مُبين﴾ (٢) وادَّعى ناسٌ إن في القرآن ما ليس بلغةِ العرب، حتى ذَكَروا لُغَة الرّوم، والقبط، والنَّبط. قال أبو عبيدة: وَمن زعم ذلك فقد أكْبَرَ القول، بل قد يوافق اللفظُ اللفظَ ويقاربه ومعناهما واحدٌ وأحدهما بالعربية، والآخر بالفارسية أو غيرها، فمن ذلك " الإسْتَبْرق " (٣): وهو الغليظُ من الدِّيباج، وهو اسْتَبْرهَ بالفارسية أو غيرها، وأهل مكّة يسمُّون المِسْح الذّي يَجْعَل فيه أصحاب الطّعام البُرّ: البَلاس، وهو بالفارسية بلاس، فأمالوها وأعربوها، فقاربت الفارسية العربية في اللفظ [والمعنى] (٤) ثم ذكروا الألفاظ كالبالغاء (٥). والدَّسْت والدَّشْت، والخِيم، والسَّخْت، وقال: كلُّه من لغات العرب وإن وافَقه في لفظه ومعناه شيء من غير لغاتهم، قال ابن فارس هذا كما قاله أبو عبيدة (٦)، قال الرازي وأتباعه: ما وقع في القرآن من نحو " المِشْكاة " (٧)، و " القِسْطاس " (٨)، و " الإسْتَبرق "، و " السجِّيل " (٩)، لا نُسَلِّم إنها غير عربية، بل غايتُه إن وَضّع العرب فيها وافق لغةً أخرى كالصابون و" التنّور " (١٠) فإن اللغات فيها متفقة، والفرق بين هذا النوع وبين (٣٧/ ... ) المعرب أن المعرب له اسم في لغة العرب والأعجمي الذي استعملوه بخلاف هذا (١١). التاسعة عشرة: معرفة المعرب

стр. 106

هو ما استعملته العرب من الألفاظ الموضوعة لمعان في غير لغتها، قال الجوهري: تعريب الإسم الأعجمي أن تتفوَّه به العرب على مِنْهاجها، تقول: عَرَّبَتْه العرب وأعْرَبته أيضاً. قال أبو عبيد: أما لغاتُ العَجَم في القرآن فإنَّ الناسَ اختلفوا فيها؛ فرُوي أنهم قالوا في أحْرُف كثيرة إنّها بلغات العَجَم، منها قوله: "طه" (١)، و" اليمّ " (٢)، و " الطور " (٣)، و" الرَّبانيُّون " (٤)، فيقال: إنها بالسُّريانيّة، و " الصِّراط " (٥)، "القِسْطاس " والفردوس (٦)، يقال إنها بالرُّومية و" مشْكاة "، و " كِفْلَيْن " (٧)، يقال: إنهما بالحبشيّة و ﴿هَيْتَ لك﴾ (٨)، يقال: إنّها بالحورانية، فهذا قولُ أهل العلم من الفقهاء، وزَعَم أهْلُ العربيّة أنَّ القرآن ليس فيه من كلام العجم شيءٌ، لقوله تعالى ﴿قُرآناً عرَبياً﴾ (٩) ﴿بِلسَان عَرَبيّ مبين﴾ (١٠). قال أبو عبيد: والصواب عندي مذهبٌ فيه تَصْديقُ القولين جميعاً، وذلك أنَّ هذه الحروف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء، إلا أنّها سقطت الى العرب فأعْرَبتها بألسنتها، وحوَّلتْها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربيةً، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فَمنْ قال: إنّها عربية فهو صادق، ومَنْ قال: عجميّة فهو صادق ... انتهى. وذكر الجواليقي مثله وقال: فهي عجمية باعتبار الأصل، عربيةٌ باعتبار الحال ويطلق على المعَّرب دخيل؛ وكثيراً ما يقعُ ذلك في كتاب العَيْن والجمهرة وغيرهما (١١).

стр. 107

وقال الإمام العلامة الرباني القاضي محمد بن علي الشوكاني (رح) في إرشاد الفحول: في بحث المعرب هل هو موجود في القرآن أم لا؟ والمراد به ما كان موضوعاً لمعنى عند غير العرب ثم استعملته العرب في ذلك المعنى، كاسماعيل وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، ونحوها، ومثل هذا لا ينبغي أن يقع فيه خلاف والعجب ممن نفاه، وقد حكى ابن الحاجب، وشراح كتابه: النفي، لوجوده عن الأكثرين ولم يتمسكوا بشيء سوى تجويز أن يكون ما وجد في القرآن من العرب مما اتفق فيه اللغتان: العربية والعجمية، وما أبعد هذا التجويز، ولو كان يقوم بمثله الحجة في مواطن الخلاف، لقال من شاء ما شاء لمجرد التجويز، وتطرق المبطلون الى دفع الأدلة الصحيحة بمجرد الاحتمالات البعيدة واللازم باطل بالاجماع فالملزوم مثله. وقد أجمع أهل (٣٨/ ... ) العربية على أن العجمة علة من العلل المانعة للصرف في كثير من الأسماء الموجودة في القرآن، فلو كان لذلك التجويز البعيد تأثير لما وقع منهم هذا الاجماع، وقد استدل للنافين بأنه لو وجد فيه ما ليس بعربي لزم أن لا يكون كله عربياً، وقد قدمنا الجواب عن هذا. وبالجملة فلم يأت الأكثرون بشيء يصلح للإستدلال به في محل النزاع وفي القرآن من اللغات الرومية، والهندية، والفارسية، والسريانية ما لا يجحده جاحد، ولا يخالف فيه مخالف، حتى قال بعض السلف: إن في القرآن من كل لغة من اللغات، ومن أراد الوقوف على الحقيقة فليبحث كتب التفسير في مثل المشكاة والاستبرق والسجيل، والقسطاس، و"الياقوت" (١)، و " أباريق " (٢)، والتنور انتهى كلامه (رحم) (٣). وهذا هو الصواب الذي لا يخالطه خطأ ولا ينافي ورود العجمة في القرآن كونه عربياً لأن أكثر القرآن عربي، وللأكثر حكم الكل لدى العقل والنقل فليعلم، وقد بسط في المزهر في بيان العجمة ووجوهها وطرق الابدال والقلب، لا نطول الكلام بذكرها وعقد فصلاً في المعرب الذي له اسم في لغة العرب، وفي ألفاظ شك في إنها عربية، أو معربة وحكم الاشتقاق من المعرب (٤). العشرون: معرفة الألفاظ الإسلامية

стр. 108

كانت العرب في جاهليّتها على إرْثٍ من إرْث آبائهم، في لغاتهم وآدابهم ونَسَائِكِهم وقرابينهم، فلما جاء الإسلام حالت أحوالٌ، ونُسِخَتْ ديانات، وأبْطلت أمورٌ، ونُقِلَت من اللغة ألفاظٌ عن مواضع الى مواضع أُخر بزياداتٍ زِيدَتْ، وشرائع شُرِعت، وشرائط شُرِطت، فعَفَّى الآخر الأول فكان مما جاء في الاسلام ذكرُ المؤمن، والمُسْلم، والكافر، والمنافق. وأنّ العربَ إنما عرفتْ المُؤمَن من الأمان والإيمان، هو التّصديق، ثم زادت الشريعةُ شرائطُ وأوصافاً، بها سُّمِّي المؤْمن بالإطلاق مُؤْمنا، وكذلك الإسْلام والمُسْلم إنَما عَرَفَتْ منه إسْلامَ الشّيء، ثم جاء في الشّرْع من أوصافه ما جاء، وكذلك كانت لا تَعْرف من الكُفْر الا الغِطاء والسَّتْر، فأما المنافقُ فاسم جاء به الاسلام لقوم أبْطنَوا غير ما أظهِروه، وكان الأصل من نَافِقَاء اليَربْوع، ولم يعرفوا في الفِسْق إلاّ قولهم: فَسَقَتِ الرُّطَبْة اذا خرجت من قِشْرها، وجاء الشرع بأن الفِسْق الإفحاش في الخروج عَنْ طاعة الله. ومما جاء في الشَّرْع: الصلاة: (٣٩/) والصوم، والحج، والزكاة، فإن أصلها في لغتهم الدعاء، والامساك، والقصد، والنمو، وزاد الشَّرْعُ فيها ما زاد، وعلى هذا سائر أبواب الفقه؛ فالوَجْه في هذا إذا سُئل الانسانُ عنه أن يقول فيه اسمان: لُغوي، وشَرْعي، ويذكر ما كانت العرب تعرفهُ، ثم ما جاء الاسلام به، وكذلك سائر العلوم كالنَّحْو، والعروض، والشعر، كلُّ ذلك له اسمان: لُغوي وصناعيّ قاله ابن فارس. وقد كانت حدثت في صدر الاسلام أسماء، وذلك قولهم لمن أدرك الاسلام من أهل الجاهلية مُخَضْرم، ومن الأسماء التي كانت فزالت بزوال معانيها قولهم المِرْباع (١)، والنَّشِيطة (٢)، والفضول (٣)، وزال اسم الصفّي (٤) لما توفي (صللم) ومما تُرك أيضاً: الاتاوة، والمَكسْ، والحُلوان، وقولُهم: أنْعِمْ صَباحاً، وأنعِمْ ظلاماً، وأبَيْتَ اللعن، وقول المملوك لمالكه: رَبِّي، وتسمية من لم يحجّ صَرورَة، وللابل التي تُساق في الصَّداق: النَّوافج، وممّا كُرِه في الاسلام من الألفاظ قول القائل: خَبُثَتْ نفسي، واستَأثَر الله بفلان، وحِجْراً مَحْجُوراً (٥). والصحيح في الأسماء أن رسول الله (صللم) نَقْلها من اللغة الى الشرع، ولا تخرج بهذا النقل عن أحد قسمي كلام العرب، وهو المجازُ، وكذلك كل ما استَحدثه أهل العلوم والصناعات من الأسامي؛ كأهل العَرُوض، والنحو، والصرف، والفقه وتَسْمِيتهم النقض والمنع، والكَسر، والقلْب وغير ذلك، والرفع، والنصب، والخفض، والمديد، والطويل،

стр. 109

وصاحب الشرع إذا أتى بهذه الغرائب التي اشتملت الشريعة عليها من علوم حار الأوّلون والآخرون في معرفتها مما لم يخْطر ببال العرب، فلابدَّ من أسامي تدل على تلك المعاني، وصَحَّح القول بالنقل الشيخ أبو اسحاق الشيرازي والِكْيا. وقال الرازي وأتباعه: وقع النقلُ من الشارع في الأسماء دون الأفعال والحروف، فلم يوجد النّقل فيهما بطريق الأصالة بالإسْتِقْراء، بل بطريق التَّبعيَّة فإن الصلاة تستلزِمُ صَلّى، ولم يوجد النقلُ في الأسماء المترادفة، لأنها على خلاف الأصْل فتَتقدَّر، بقدر الحاجة، وقال الصفي الهندي (١): بل وجُد فيها في الفَرْض والواجب والتزويج والانكاح (٢). الحادية والعشرون: معرفة المولد وهو ما أحدثه المولدون الذين لا يُحْتجّ بألفاظهم، والفرق بينه وبين المصنوع، أنّ المصنوع يورده صاحبه على أنه عربي فصيح، وهذا بخلافه. وقال الزبيدي: المولد من الكلام المحدث، وقال الفارابي: هذه عربية وهذه مولَّدة، كالحُسْبان الذي ترمى به السهام (٤٠/ ... ) الصِّغار، والنِّحْريرُ وأيام العَجوز والقاقُزَّة، وهي إناء الشراب، والقحبة والطنز والبرجاس، وهذا مجانس لهذا والمُجانسة والتجنيس، والمَهْبوت، وأخُّ، والكابوسْ، والماش، والعَفْصُ، والفطرة: موضع صدقة الفطر، وأجمع أهل اللغة على أن التَّشْويش لا أصل له في العربية وأنه مولّد، وخطئ الليث فيه، والطُّفَيْلي لغة مُحْدَثة لا توجد في العتيق من كلام العرب، كان رجل بالكوفة يقال له طُفيل يَأتي الولائم من غير أن يُدْعَى إليها فَنُسِب إليه، والزَبُون للغبي مولدة ليست من كلام أهل البادية (٣). قال الزبيدي: بَسْ بمعنى حسب غير عربية وفي القاموس: الكُسُّ لَلحْر لَيْسَ هو من كلامهم إنما هو مُوَلَّد، وقيل إنه عربي ورجحه أبو حيان، وقيل معربٌ وهو رأي الجمهور (٤). قال ابن خالويه: العامِّة تقول: النُّقْل بالضم للذّي يُتَنَقَلُ به على الشراب وإنما هو النَّقْل بالفتح (٥).

стр. 110

وقال الموفق البغدادي: اللَّحن يتولد في النواحي، والأمم بحسب العادات والسيرة، ومنه قول المتكلمين: المحْسوسات، والصواب: المحسّات من أحسَسْت الشيء أدركته، وقولهم: ذاتّيَّ والصفات الذاتّية مخالف للأوضاع العربية، لأن النسبة الى ذات ذَوَوِيّ (١)، وفي هذا النوع وما يقاربه، ألفّنا كتاب (لف القماط لتصحيح بعض ما استعملته العامة من الأغلاط). الثانية والعشرون: معرفة خصائص اللغة قال ابن فارس: لغة العرب أفضلُ اللغات وأوسعُها، قال تعالى: ﴿بِلسَان عَرَبيّ مبين﴾ (٢). فوصفه بأبلغ ما يُوصفُ به الكلام، وهو البيان، وقال تعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ عَلَمَهُ البَيَان﴾ (٣) فقدّم - سبحانه - ذِكْرَ البيان على جميع ما تَوَحَّد بخلْقِهِ، وتفَّرد بإنشائه؛ من الخلائق المُحْكَمَة والنَّشايا المُتْقنَة، فلما خصَّ - سبحانه - اللّسانَ العربي بالبيان عُلِم أنَّ سائرِ اللّغات قاصرةٌ عنه وواقِعَة دونه، وأين لسائر اللغات من السّعة ما للغة العرب؟ هذا ما لا خفاء به على ذي نُهْية. وقال بعض أهل العلم حين ذَكَر ما للعرب من الاستعارة، والتمثيل، والقلب، والتقديم والتأخير وغيرها من سنن العرب في القرآن، وكذلك لا يَقْدر أحد من التَّراجم على أنْ ينقله الى شيء من الألسنة، كما نُقِل الإنجيل عن السّريانية الى الحبشية والرومية، وتُرْجمت التُوراة والزَّبور، وسائر كتب الله بالعربية، لأن غير العرب لم تَتَّسع في المجاز إتِّساع العرب وقد تأتي الشعراءُ بالكلام الذي لو أراد مُريد نَقْلَه لاعْتاضَ، وما أمكن الا بمَبْسوط من القول، وكثير من اللَّفظ، ولو أراد (٤١/ ... ) مُعبِّرٌ بالأعجمية أن يُعَبّر عن الغنيمة والاخْفاق، واليَقين، والشّكّ، والظَّاهر، والباطن، والحَقّ، والباطل، والمُبين، والمُشْكل، والاعتزاز، والاسْتِسلام، لَعَّي به والله تعالى أعلم حيث يجعل الفضل ... انتهى (٤).
следующие страницы →