Полный текст (283 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وجوب إخلاص العمل لله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإخلاص العمل لله].
يجب إخلاص العمل لله، وهذا شرط في صحة العمل، فلا يصح أي عمل إلا بالإخلاص، فإذا لم يخلص الإنسان عمله لله صار شركاً، وفي الحديث القدسي الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه يقول الله تعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه أحداً غيري تركته وشركه) وقال : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] فالعمل لا يصح إلا بشرطين: الشرط الأول: أن يكون خالصاً لله فإن لم يكن خالصاً صار شركاً.
والشرط الثاني: أن يكون صواباً على هدي وسنة رسول الله، فإن لم يكن صواباً صار بدعة, وقد جمع الله بين هذين الشرطين في قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف:١١٠] وهذا شرط الصواب، ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] وهذا الإخلاص، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان:٢٢] وإسلام الوجه هو إخلاص العمل لله ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء:١٢٥] الإحسان: أن يكون العمل صواباً موافقاً للشرع، ودل على الإخلاص أيضاً قوله ﵊: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، ودل على صواب العمل قوله ﵊: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) رواه الشيخان وفي لفظ لـ مسلم (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
стр. 107
التسليم والرضا بأقدار الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والرضا بقضاء الله، والصبر على حكم الله، والإيمان بما قال الله ، والإيمان بأقدار الله كلها خيرها وشرها، وحلوها ومرها, قد علم الله ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون, لا يخرجون من علم الله، ولا يكون في الأرضين ولا في السماوات إلا ما علم الله ، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك, وما أخطأك لم يكن ليصيبك, ولا خالق مع الله ].
يستحب للإنسان أن يرضى بقضاء الله، ويجب أن يصبر على حكم الله، والصبر عند المصيبة معناه: حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، وحبس الجوارح عما يغضب الله، وهذا هو الواجب، فلا يلطم الإنسان خداً ولا يشق ثوباً ولا ينتف شعراً، وهذا من النياحة, فالصبر على أقدار الله واجب، أما الرضا فهو مستحب.
(والإيمان بما قال الله , كذلك يجب الإيمان بشرع الله ودينه، والإيمان بالأوامر والنواهي.
(الإيمان بما قال الله وأخبر به في كتابه وعلى لسان رسوله، والإيمان بأقدار الله كلها خيرها وشرها وحلوها ومرها).
والإيمان بالقدر له مراتب أربع لا بد منها: المرتبة الأولى: العلم.
والإيمان بأن الله علم كل شيء، فعلم الأشياء قبل كونها في الأزل، وعلم ما يكون منها في المستقبل والحاضر، وعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون.
والمرتبة الثانية: الإيمان بأن الله كتب كل شيء في اللوح المحفوظ، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢] وهو اللوح المحفوظ، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الحديد:٢٢]، وفي الحديث: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء).
والمرتبة الثالثة: الإيمان بإرادة الله الشاملة لكل شيء, فكل شيء في هذا الوجود شاء الله وجوده.
والمرتبة الرابعة: الخلق والإيجاد.
وهي الإيمان بأن الله خلق كل شيء، قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢].
(قد علم الله ما العباد عاملون) وهذه المرتبة الأولى وهي مرتبة العلم.
(وإلى ما هم صائرون) فقد علم الله ما العباد عاملون في المستقبل، وإلى ما هم صائرون في الآخرة إما إلى جنة أو إلى النار، وهم لا يخرجون من علم الله.
(لا يكون في الأرضين ولا في السموات إلا ما علم الله قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، وهو اللوح المحفوظ، ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨].
قوله: (وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك)، هذا من الإيمان بالقدر، ولا يجد الإنسان طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه, وأن الشيء الذي أصابك لا يمكن أن يخطئك وأن تسلم منه ما دام مكتوباً عليك، والشيء الذي يخطئك وتسلم منه لا يمكن أن يصيبك؛ لأن الله قدر ذلك, ولا خالق مع الله ؛ لقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، فمن قال إن هناك خالقاً مع الله فهو مشرك، وقد أشرك في ربوبية الله.
стр. 108
عدد تكبيرات صلاة الجنازة أربع تكبيرات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والتكبير على الجنائز أربع، وهو قول: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والحسن بن صالح، وأحمد بن حنبل والفقهاء، وهكذا قال رسول الله ﷺ ].
ثبت في صحيح البخاري: (أن النبي ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات) وهذا هو قول جمهور العلماء وهم مالك بن أنس وسفيان الثوري والحسن بن صالح وأحمد بن حنبل والفقهاء كلهم، فهم يرون أن التكبير على الجنائز أربع تكبيرات، ومن العلماء من أجاز خمس تكبيرات أو ستاً أو سبعاً, وقد ثبت أن النبي ﷺ كبر على بعض الجنائز خمس تكبيرات، ولكن الجمهور على أربع، قال النووي ﵀: استقرت الشريعة على أربع، وأن هذا كان أولاً، ثم استقرت الشريعة الاقتصار على أربع تكبيرات، والصواب أن المسألة فيها خلاف، لكن الأرجح الذي عليه الجمهور هو الاقتصار على أربع تكبيرات.
стр. 109
وجوب الإيمان بأن مع كل قطرة نازلة من السماء ملك نازل من السماء
قال المؤلف ﵀: [والإيمان بأن مع كل قطرة ملكاً ينزل من السماء، حتى يضعها حيث أمر الله ].
جاء هذا من قول الحسن بن قتيبة والحسن البصري، وذلك أن الله تعالى وكل بالقطر ملكاً وهو ميكائيل، وجبريل موكل بالوحي، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور، فهؤلاء الأملاك الثلاثة هم رؤساء الملائكة وهم مقدمون عليهم؛ ولهذا توسل النبي ﷺ بربوبية الله لهؤلاء الأملاك الثلاثة في حديث عائشة في صحيح مسلم أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل استفتح بهذا الاستفتاح: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).
قال العلماء: توسل النبي ﷺ بربوبية الله لهؤلاء الأملاك الثلاثة؛ لأن كل ملك موكل بما فيه الحياة, فجبريل موكل بالوحي الذي فيه حياة القلوب والأرواح, وميكائيل موكل بالقطر والمطر الذي فيه حياة الأبدان والنبات والحيوان, وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي فيه إعادة الأرواح إلى أجسادها فتعود الحياة إلى الأجسام.
стр. 110
وجوب الإيمان بسماع موتى المشركين يوم بدر نداءات النبي الكريم لهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن النبي ﷺ حين كلم أهل القليب يوم بدر -أي المشركين- كانوا يسمعون كلامه].
وهذا ثابت في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ كلم أهل القليب) وهم الكفرة الذين قتلوا يوم بدر وسحبوا بعد موتهم، وألقوا في بئر بعد أن ظهر نتنهم، فجاءهم النبي ﷺ وناداهم بأسمائهم فقال: (يا أبا جهل بن هشام! يا أمية بن خلف! يا عتبة بن ربيعة! يا شيبة بن ربيعة! أليس قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً).
فسمع عمر قول النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! كيف يسمعون؟ وفي لفظ آخر قال: ما تنادي من قوم هلكى؟ فقال النبي ﷺ (والذي نفسي بيده! ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا)، ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في قليب أي: في بئر هناك.
فلا بد أن يؤمن الإنسان بأن النبي ﷺ حين كلم أهل القليب يوم بدر-أي المشركين- أنهم كانوا يسمعون كلامه، وهذا مستثنى من كون الميت لا يسمع، فالأصل أن الميت لا يسمع، قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢] فالميت لا يسمع إلا ما دل الدليل على أنه يسمع، وكذلك ما ورد أن الميت إذا دفنه المشيعون له وتولوا عنه فإنه يسمع قرع نعالهم إذا تولوا, فهذا سماع خاص, وكذلك ثبت أنه يشرع أن يسلم على الميت، وثبت أن النبي ﷺ قال: (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇ وما عدا ذلك فالأصل أن الميت لا يسمع كلام الناس ولا يدري عن أعمال الناس ولا عن أحوالهم، وكذلك ما جاء في بعض الأحاديث أن الميت تعرض عليه أعمال أقاربه، وأنه إذا رأى خيراً حمد الله، وإذا رأى سيئاً استغفر, وكذلك عرض أعمال أمة النبي ﷺ عليه، وكل هذا جاء في أحاديث ضعيفة.
стр. 111
وجوب الإيمان بأن المريض يؤجر على مرضه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن الرجل إذا مرض يأجره الله على مرضه].
لا بد من الإيمان بأن الإنسان إذا مرض فإن الله يأجره على مرضه؛ لقول النبي ﷺ : (ما من رجل تصيبه مصيبة إلا كفر الله من خطاياه، حتى الشوكة يشاكها) فالمرض كفارة للذنوب، والأمراض تحط الخطايا عن المسلم كما تحط الشجرة ورقها.
وثبت أن النبي ﷺ لما مرض في حياته أصابه وعك شديد من حمى فجاءه بعض الصحابة فقالوا: (يا رسول الله! إنك لتوعك كما يوعك رجلان، قال: أجل، قالوا: أذلك أن لك أجرين، قال: نعم، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم).
فالمرض والمصائب والهموم والكفارات والأسقام والمصائب كلها كفارات، ولما نزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] قال أبو بكر: يا رسول الله! هذه الآية يقول الله: كل شيء نعمله نجزى به؟ إذاً هلكنا، فقال النبي ﷺ : (يا أبا بكر! ألست تحزن؟ ألست تنصب؟ أليس يصيبك اللأواء؟ فذلك مما تجزون به)، وهذه من الآيات التي فسرها النبي ﷺ .
ومن الآيات التي فسرها النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] فجاء الصحابة وجثوا على ركبهم وقالوا: (يا رسول الله! أينا لم يلبس إيمانه بظلم-ظنوا أن الظلم هو المعاصي- فقال النبي ﷺ : ليس الذي تعنون ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]) فالمراد بالظلم الشرك.
وتفسير الآية: (الذين ءامنوا) أي: وحدوا, (ولم يلبسوا): لم يخلطوا, (إيمانهم): توحيدهم, (بظلم) أي: بشرك، ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] فسر النبي ﷺ الظلم هنا بالشرك من خلال الآية الأخرى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣].
стр. 112
وجوب الإيمان بأن الشهيد يؤجر على القتل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والشهيد يأجره الله على القتل].
لا شك أن الشهيد يأجره الله على القتل, وأجره عظيم, فقد جاء في الحديث أن الشهيد يكفر الله خطاياه إلا الدين, وإن قتل في سبيل الله لم يصب من شدة وألم الموت إلا كما تصيب الإنسان حر القرصة من العقرب, والشهيد يأمن من الفتن في قبره قيل: يا رسول الله! ألا يفتن الميت في قبره؟ قال: (كفى ببارقة السيف على رأسه فتنة)، وجرى عليه رزقه إلى يوم القيامة.
المسلم لابد أن يعتقد ذلك، قال الله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١].
وقال سبحانه: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٩٥ - ٩٦] فللمجاهدين والشهداء فضل عظيم.
стр. 113
ثبوت ألم الأطفال
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن الأطفال إذا أصابهم شيء في دار الدنيا يألمون، وذلك أن بكر بن أخت عبد الواحد قال: لا يألمون، وكذب].
لا شك في أنهم يألمون والله تعالى له الحكمة البالغة في كون الأطفال يألمون، وكذلك الحيوانات تألم, وهي غير مكلفة، فلله الحكمة في ذلك.
ومن الحكم أن والد الطفل يبتلى بطفله الذي يمرض أو الذي يموت، فهل يصبر أو يتسخط.
يقول المؤلف: (وذلك أن بكر بن أخت عبد الواحد قال: لا يألمون، وكذب).
وبكر هذا يقولون: إنه من رءوس المبتدعة، ولم يذكر المؤلف ما شبهته، ويحتاج هذا إلى مراجعة كتب الفرق والنظر في شبهته، ولماذا قال لا يألمون، هل معنى ذلك لأنهم غير مكلفين فلا يألمون، والمقصود أن قول بكر بن أخت عبد الواحد لا أصل له؛ ولهذا قال المؤلف: (وكذب) أي: في قوله: إنهم لا يألمون، فالطفل يألم، فكما أن الكبير يألم فالصغير كذلك يألم.
стр. 114
عدم جواز إطلاق صفة الظلم على الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم أنه لا يدخل الجنة أحد إلا برحمة الله، ولا يعذب الله أحداً إلا ذنوبه].
قال: (اعلم أنه لا يدخل الجنة أحد إلا برحمة الله)، وهذا دليله قول النبي ﷺ : (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل).
فدخول الجنة لا يكون إلا برحمة الله والأعمال سبب، فمن أتى بالسبب نالته الرحمة، ومن لم يأت بالسبب لم تنله رحمته ولم يدخل الجنة برحمة الله.
وسبب الرحمة: التوحيد والإيمان، فمن أتى بالسبب وهو التوحيد والإيمان نالته الرحمة، ومن لم يأت بالسبب-وهو التوحيد والإيمان- لم تنله الرحمة، قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢] والباء سببيه, أي: بسبب أعمالكم.
وقوله ﵊: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله) الباء للعوض، أي: لن يدخل أحدكم الجنة عوضاً عن عمله، وليس كما تقول المعتزلة: إن المؤمن يستحق الثواب على الله كما يستحق الأجير أجرته، وهذا قول باطل, فدخول الجنة برحمة الله، والسبب هي الأعمال الصالحة والتوحيد.
(ولا يعذب الله أحداً إلا بقدر ذنوبه)؛ لأن الله تعالى أخبر بذلك، فلا يظلم الله أحداً؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولو عذب الله أهل السماوات وأهل الأرضين برهم وفاجرهم, عذبهم غير ظالم لهم, لا يجوز أن يقال لله ﵎ إنه ظالم وإنما يظلم من يأخذ ما ليس له، والله جل ثناؤه له الخلق والأمر، والخلق خلقه، والدار داره ما لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ولا يقال: لم؟ وكيف؟ لا يدخل أحد بين الله وبين خلقه].
يقول المؤلف: (لو عذب الله أهل سماواته وأهل الأرضين برهم وفاجرهم عذبهم غير ظالم لهم) , هذا مأخوذ من حديث: (لو عذب الله أهل السماوات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم) والمعنى: أن الله لو وضع عدله في أهل سماواته، وأهل أرضه، وحاسبهم على أعمالهم وعلى نعمه عليهم لصاروا مدينين له, وحينئذ لو عذبهم لعذبهم وهو غير ظالم لهم، فلو يحاسب الإنسان بنعم الله عليه وعمله فإنه يكون مديناً وحينئذ يعذب؛ لأن نعمة البصر قد تعدل عمل الإنسان كله فينتهي العمل فيعذب، لكنه سبحانه يحاسبهم بأعمالهم.
ولا يجوز أن يقال عن الله ﵎ إنه ظالم , فالظلم هو وضع الشيء في غير موضعه, وهذا هو التعريف الصحيح لا كما عرفه الجبرية، والله تعالى حرم الظلم على نفسه, ولم يحرمه عليه أحد؛ لأنه ليس فوقه أحد، كما أنه كتب على نفسه الرحمة، ولم يكتبها عليه أحد، وحرم الظلم على نفسه، وقد جاء في حديث أبي ذر القدسي يقول الله تعالى: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا).
والظلم يقدر عليه الله، لكنه تنزه عنه, فلا يقال: إنه لا يقدر عليه؛ ولهذا قال الله : ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧]، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢] ولو كان الظلم غير مقدور له لما أمّن الإنسان من خوف الظلم.
وقالت الجبرية من الأشاعرة والجهمية: إن الظلم هو الممتنع المستحيل الذي لا يدخل تحت قدرة الله كالجمع بين النقيضين, فالظلم لا يقدر عليه الله؛ لأنه ممتنع عندهم، وقالوا: الظلم هو تصرف المالك في غير ملكه أو مخالفة الآمر للمأمور.
والله تعالى كل شيء ملكه فهو يتصرف في ملكه, فلو عذب أهل السماوات وأهل الأرضين لكان غير ظالم، فالظلم كما عرفوه هو أن يتصرف المالك في غير ملكه, وهل هناك شيء يخرج عن ملك الله؟ فلو فعل أي شيء لا يكون ظلماً.
وقالت الجبرية: يجوز لله أن يقلب التشريعات والجزاءات, فيجعل العفة محرمة والزنا واجباً والعياذ بالله, ويجوز على الله أن يحمل الأبرار والأنبياء أوزار الفجار والكفار ويعذبهم ولا يكون ظالماً لهم؛ لأنه تصرف في ملكه، وهذا من أبطل الباطل, فالله تعالى حرم الظلم على نفسه وهو قادر على الظلم, ولو كان غير قادر على الظلم فما الفائدة من التحريم؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولو عذب الله أهل السماوات وأهل الأرضين برهم وفاجرهم, عذبهم غير ظالم لهم, لا يجوز أن يقال لله ﵎.
إنه ظالم، وإنما يظلم من يأخذ ما ليس له، والله جل ثناؤه له الخلق والأمر، والخلق خلقه، والدار داره، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون, ولا يقال: لم؟ وكيف؟ لا يدخل أحد بين الله وخلقه].
قوله: (وإنما يظلم من يأخذ ما ليس له) هذا الكلام يتماشى مع مذهب الجبرية, القائلين بأن الظلم تصرف المالك في غير ملكه، والصواب الذي عليه أهل السنة أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وأن الله تعالى لا يظلم لكمال عدله لا لعجزه وقد حرم على نفسه.
وقوله: (لايسأل عما يفعل) لكمال عدله ولكونه حكيماً عادلاً, والجبرية يقولون: لا يسأل عما يفعل لكونه يتصرف في القدرة والمشيئة وينكرون الحكمة, وكان ينبغي على المؤلف أن يقرر مذهب أهل السنة والجماعة ويقول: وإنما يظلم من يضع الشيء في غير موضعه كأن يحمل أحداً وزر غيره أو يمنعه من حقه, أما قوله: (وإنما يظلم من يأخذ ما ليس له) فهو يتماشى مع مذهب الجبرية.
(والله جل ثناؤه له الخلق والأمر، والخلق خلقه، والدار داره) فإذا تصرف فيهن بما يشاء فلا يكون ظلماً.
قوله: (ولا يقال: لم؟ وكيف؟) لا يقال لم في أفعال الله، ولا يعترض أحد على الله، فلا يقال: لم فعل كذا, ولا يقال: كيف في الصفات، ولا يسأل: لم؟ لأنه حكيم يضع الأشياء في مواضعها, لا لأنه يفعل بالقدرة والمشيئة فقط، فلابد لطالب العلم أن يفرق بين مذهب أهل السنة في الظلم وبين مذهب الجبرية.
стр. 115
ضعف إسلام من طعن في الآثار عن الرسول والصحابة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار، ولا يقبلها، أو ينكر شيئاً من أخبار رسول الله ﷺ ، فاتهمه على الإسلام، فإنه رجل رديء القول والمذهب، وإنما طعن على رسول الله ﷺ وأصحابه؛ لأنه إنما عرفنا الله، وعرفنا رسول الله ﷺ ، وعرفنا القرآن، وعرفنا الخير والشر والدنيا والآخرة بالآثار].
يقول المؤلف ﵀: (إذا سمعت الرجل يطعن على الآثار) وهي: الأحاديث والآثار عن الصحابة وعن التابعين ومن بعدهم, فإذا سمعت رجلاً يطعن في الأحاديث ويطعن في أخبار الصحابة والتابعين ولا يقبلها، أو ينكر شيئاً من أخبار رسوله ﷺ فاتهمه على الإسلام, فإنه مشكوك في إسلامه؛ لأن هذا دليل على ضعف إسلامه.
ولهذا قال المؤلف: (فإنه رجل رديء القول والمذهب) أي: مذهبه ضعيف, (وإنما طعن على رسول الله ﷺ وأصحابه؛ لأنه إنما عرفنا الله، وعرفنا رسول الله ﷺ ، وعرفنا القرآن، وعرفنا الخير والشر، والدنيا والآخرة بالآثار).
وبين المؤلف ما هو السبب في ذلك فقال: لأننا عرفنا الله وعرفنا رسوله وعرفنا القرآن وعرفنا الخير والشر والدنيا والآخرة بالآيات القرآنية والأحاديث, وعرفنا الله ورسوله بالقرآن وبالسنة وبالآثار، وعرفنا الخير -وهو التوحيد وسائر الطاعات- من القرآن ومن السنة ومن الآثار، وعرفنا الشر -وهو الشرك والمعاصي- من القرآن ومن السنة, وعرفنا الآخرة بالقرآن وبالسنة، فالذي يطعن في الآثار -وهي النصوص من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ والصحابة- فهو رجل رديء القول والمذهب ضعيف الإيمان؛ لأنه حينما يطعن في الآثار إنما طعن في الرب، وطعن في الرسول، وطعن في القرآن؛ لأن النصوص إنما هي من كلام الله وكلام رسوله, وهذه علامة على الشخص المتهم في دينه، وهي الطعن في النصوص وردها وعدم قبولها.
стр. 116
العلاقة بين القرآن والسنة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأن القرآن إلى السنة أحوج من السنة إلى القرآن].
وهذا القول مأثور عن مكحول الشامي ﵀، ومشهور عن الأئمة, فقد قال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل - وقد سئل عن الحديث الذي روي أن السنة قاضية على الكتاب، فقال: ما أجسر على هذا أن أقوله إن السنة قاضية على الكتاب, وإن السنة تفسر الكتاب وتبينه، وهذا ذكره ابن عبد البر، وهو الصواب؛ لموافقته قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤].
فقوله: (القرآن إلى السنة أحوج من السنة إلى القرآن) , أي: أن القرآن يحتاج إلى إيضاح, والذي يوضح معاني القرآن هي السنة, فتخصص عموم القرآن وتقيد مطلقه.
قال بعض السلف: إن السنة قاضية على الكتاب، أي: تبين وتوضح وتفسر معناه، وتقيد مطلقه، وتخصص عمومه، وقال بعض السلف: ما أجسر أن أقول: إن السنة قاضية على الكتاب! لكن أقول: السنة تفسر الكتاب, فقال بعض السلف: لا ينبغي أن يقال إن السنة قاضية على الكتاب فهذه كلمة صعبة، لكن نقول: السنة مفسرة وموضحة ومبينة للقرآن، ولمعانيه، ومخصصة لعمومه، ومقيدة لمطلقه كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤].
والمعنى: أنه لا بد من العمل بالقرآن والسنة, والسنة وحي ثان، فمن قال: إنه لا حاجة إلى السنة وأنكرها فقد كفر؛ لأن السنة وحي ثان، قال الله تعالى عن نبيه الكريم: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
стр. 117
شرح كتاب السنة للبربهاري [٩]
الجدال والخصومة في القدر منهي عنه، فيؤمن المؤمن بأن كل شيء بقضاء وقدر، ويؤمن بالإسراء والمعراج، وبفتنة العبد في القبر، وأن المؤمن يبشر بالجنة والكافر بالنار، وأن علم الله محيط بكل شيء.
стр. 118
النهي عن الجدال والخصومة في القدر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والكلام والجدال والخصومة -في القدر خاصة- منهي عنه عند جميع الفرق؛ لأن القدر سر الله، ونهى الرب ﵎ الأنبياء عن الكلام في القدر، ونهى رسول الله ﷺ عن الخصومة في القدر، وكرهه أصحاب رسول الله والتابعون، وكرهه العلماء وأهل الورع، ونهوا عن الجدال في القدر، فعليك بالتسليم والإقرار والإيمان واعتقاد ما قال رسول الله ﷺ في جملة الأشياء، وتسكت عما سوى ذلك].
قوله: (الكلام والجدال والخصومة في القدر خاصة منهي عنه عند جميع الفرق) أي: أن على الإنسان أن يسلم لقضاء الله وقدره وليس له أن يخوض ويجادل ويخاصم في القدر؛ فإن الخصومة في القدر تؤدي إلى التشكيك والاعتراض على قضاء الله وقدره، وهذا يؤدي إلى إنكار القضاء والقدر والشك في قضاء الله وقدره، وإنكاره كفر.
قال: (والقدر سر الله في خلقه)؛ ولهذا قال الطحاوي في عقيدته الطحاوية: القدر سر الله في خلقه, نهى الله الخلق عن الكلام فيه، وطواه عن أنامه ونهاهم عن مرامه إلى أن قال: -فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين.
وهذا منهي عنه عند جميع الفرق إلا القدرية فهم يتكلمون فيه.
وقوله: (ونهى الرب ﵎ الأنبياء عن الكلام في القدر) , فقد نهى الله نبيه نوحاً عن ذلك فقال: ﴿فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦] وهذا الأمر يشمل القدر وغيره.
وقد يدخل ذلك في عموم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١]، ثم قال: (ونهى رسول الله ﷺ عن الخصومات في القدر) وهذا ثابت، فقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ سمع بعض أصحابه وهم يتنازعون في الآيات فغضب.
وجاء عنه ﵊ أيضاً النهي عن الخصومة في القدر، وكذلك كرهه أصحاب رسول الله ﷺ ، وكرهه العلماء وأهل الورع، وهذا ثابت، ونهوا عن الجدال في القدر: فعليك -أيها المسلم- بالتسليم والإقرار والإيمان بقضاء الله وقدره فلا تعترض، والإقرار معناه أن تقر بأن الله قدر كل شيء وقضاه، وتؤمن بذلك.
стр. 119
الإيمان بالإسراء والمعراج
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن رسول الله ﷺ أسري به إلى السماء، وصار إلى العرش، وكلم الله تبارك تعالى، ودخل الجنة، واطلع إلى النار، ورأى الملائكة، وسمع كلام الله ، وبشرت به الأنبياء، ورأى سرادقات العرش والكرسي، وجميع ما في السموات وما في الأرضين في اليقظة، حمله جبريل على البراق حتى أداره في السموات، وفرضت له الصلاة في تلك الليلة، ورجع إلى مكة في تلك الليلة، وذلك قبل الهجرة].
قوله: (والإيمان بأن رسول الله ﷺ أسري به إلى السماء) , فالإيمان بالإسراء لا بد منه, ومن لم يؤمن بالإسراء فهو كافر؛ لأنه مكذب بالله، ولقول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١].
والإسراء في اللغة معناه: السفر ليلاً.
والمراد به شرعاً: السفر برسول الله ﷺ ليلاً، بصحبة جبرائيل على البراق، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.
والبراق: دابة فوق الحمار ودون البغل، خطوه مد البصر، فتكون سرعته مثل سرعة الطائرة تقريباً.
ومعنى خطوه مد البصر أي: إذا رفع حافره فخطوته تكون مد البصر؛ ولهذا قطع هذه المسافة في مدة وجيزة, وسمي بالبراق من البريق واللمعان، ثم صلى بالأنبياء إماماً بعد أن جمعوا له، ثم عرج به ﵊ إلى السماء بشيء كهيئة السلم, فصعد فيه النبي ﷺ مع جبرائيل، فاستفتح جبريل باب السماء ففتح له، وقيل له: من معك؟ قال: محمد, قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم, فرأى فيها آدم أبا البشر, فسلم عليه النبي ﷺ ، ورحب به وأقر بنبوته وقال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح.
ثم صعد إلى السماء الثانية في وقت وجيز وبسرعة، والله على كل شيء قدير, ووجد فيها ابني الخالة عيسى ويحيى، فسلم عليهما فرحبا به وأقرا بنبوته، وقالا: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح.
ثم عرج إلى السماء الثالثة فوجد فيها إدريس فرحب به وأقر بنبوته, ثم صعد إلى السماء الرابعة فوجد فيها يوسف فرحب به وأقر بنبوته.
ثم صعد إلى السماء الخامسة فوجد فيها هارون فرحب به وأقر بنبوته.
ثم صعد إلى السماء السادسة فوجد فيها موسى فرحب به وأقر بنبوته, ثم صعد إلى السماء السابعة فوجد فيها إبراهيم، فرحب به وأقر بنبوته.
وكلهم قالوا: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح إلا إبراهيم وآدم فإنه من سلالتهما فقال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح, ووجد النبي ﷺ إبراهيم مسنداً ظهره إلى البيت المعمور, والبيت المعمور كعبة سماوية يحاذي الكعبة الأرضية فلو سقط لسقط عليه, يدخله كل يوم سبعون ألف ملك للطواف والصلاة, ثم لا يعودون إليه.
ثم صعد نبينا ﵊ وتجاوز السبع الطباق حتى وصل إلى مكان يسمع فيه صريف الأقلام، فكلمه الله من دون واسطة، لكن من وراء حجاب, فهو ﵊ لم ير ربه ولا يستطيع أحد أن يرى الله في الدنيا، وقد سئل النبي ﷺ : (هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه) , يعني حجاب النور منعني من رؤيته، وفي اللفظ الآخر (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).
وكما سبق أن موسى لما سأل الله رؤيته قال له الله: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١] فكان الكلام بدون واسطة، لكنه ما استطاع أن يرى ربه، فهو محجوب عنها ولا يستطيع أحد أن يرى الله, فقد احتجب الله عن الخلق، ولا يستطيع أن يرى الله في الدنيا أحد من خلقه حتى جبريل، وإنما الرؤية خاصة بأهل الجنة في الآخرة.
فالرسول ﵊ عرج به ورأى الجنة والنار، فقد اطلع على الجنة ورأى فيها أقواماً، واطلع على النار ورأى فيها المعذبين من الزناة والزواني وهم في تنور ضيق، ورأى الذين يغتابون الناس يهشمون وجوههم وصدورهم، ورأى آكل الربا يسبح في نهر الدم ويلقم حجرًا وكل هذا ثابت, والمعراج ثابت بالسنة, والإسراء ثابت في القرآن فلا بد من الإيمان بهما.
(والإيمان بأن رسول ﷺ أسري به إلى السماء وصار إلى العرش) , أما كيف صار إلى العرش؟ فالله أعلم بالكيفية فهذا يحتاج إلى دليل, وقوله: (صار إلى العرش) أي: مس العرش، أو جلس على العرش والله أعلم أيهما أصح، فالرسول ﷺ عرج به حتى جاوز السبع الطباق ووصل إلى مكان يسمع فيه صريف أقلام القدر، ثم كلمه بدون واسطة وفرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة, ثم هبط حتى وصل إلى موسى في السماء السادسة فسأله، قال: ماذا فرض عليك ربك؟ قال: خمسين صلاة, قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك ضعيفة لا تطيق خمسين صلاة في اليوم والليلة.
والله تعالى هو الذي حرك قلب موسى، وهو الذي حرك قلب محمد فقبل قول موسى فاستشار جبريل فأشار عليه جبريل أن نعم, فعاد به إلى الجبار ﷻ فسأل ربه التخفيف فوضع عنه عشرًا.
وفي رواية: فجعل يتردد بين ربه وبين موسى, فكلما جاء إلى موسى قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، حتى صارت خمس صلوات، فقال موسى ﵊: ماذا أمرك ربك؟ قال خمس صلوات في اليوم والليلة, قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك ضعيفة لا تطيق خمس صلوات في اليوم والليلة, وإني عالجت بني إسرائيل أكثر من ذلك، فقال النبي ﷺ : (إني سألت ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم، فنادى مناد من السماء: أن أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي ما يبدل القول لدي، هي خمس في العدد، وهي خمسون في الميزان والأجر).
قوله: (ونشرت له الأنبياء) أي: رآهم كلهم بأرواحهم، فقد أخذت أرواحهم شكل الأجساد، إلا عيسى فقد رفعه الله إلى السماء بجسده وروحه.
قوله: (ورأى سرادقات العرش والكرسي) وهذا يحتاج إلى دليل.
قوله: (وجميع ما في السموات وما في الأرضين في اليقظة) وهذا أيضاً يحتاج إلى دليل.
فكونه رأى سرادقات العرش والكرسي هذا يحتاج إلى دليل، وكونه رأى جميع ما في السماوات وما في الأرضين في اليقظة هذا أيضاً يحتاج إلى دليل، فهل طاف في الأرض كلها من أولها إلى آخرها ورأى ما فيها وما في لجج البحار؟ هذا يحتاج إلى دليل.
стр. 120
مكان أرواح الشهداء والمؤمنين والكفار
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واعلم أن أرواح الشهداء في قناديل تحت العرش تسرح في الجنة، وأرواح المؤمنين تحت العرش، وأرواح الكفار والفجار في بَرَهُوت، وهي في سجين].
قوله: (واعلم أن أرواح الشهداء في قناديل تحت العرش تسرح في الجنة) هذا جاء في الحديث: (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، فترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش)، وهذا ثابت، وذلك أن الشهيد لما بذل جسمه لله حتى قتل الجسم ومزق وتلف عوض الله الروح جسماً آخر تتنعم بواسطته في حواصل طير خضر.
وأما المؤمنون غير الشهداء فإن أرواحهم تتنعم وحدها بدون جسم، وفي الحديث: (نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة) يعني: أنه يأكل حتى يرجعه الله إلى جسمه يوم يبعثه، فروح المؤمن تكون طائراً فتتنعم وحدها، وأما روح الشهيد فإنها تتنعم بواسطة حواصل طير خضر، إذاً: فتنعم أرواح الشهداء أكبر من تنعم أرواح سائر المؤمنين؛ لأن الشهيد بذل جسده لله فعوضه الله جسداً آخر تتنعم الروح بواسطته.
قوله: (واعلم أن أرواح الشهداء في قناديل تحت العرش تسرح في الجنة، وأرواح المؤمنين تحت العرش) جاء في الحديث: (نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة)، ومعلوم أن الجنة تحت العرش.
(وأرواح الكفار والفجار في برهوت)، قيل: إنها بئر في حضرموت، وقال المؤلف هنا: (وهي في سجين)، وسجين في الأرض السابعة، وهذا قول لبعضهم، وهناك أقوال كثيرة، فبعضهم يقول: أرواحهم عن يسار آدم، والصواب: أن أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكفار في النار، فانظر إلى هذا التفاوت بينهما.
وأما القول بأن أرواح الكفار في برهوت وهي بئر في حضرموت فهذا لا دليل عليه.
فأرواح المؤمنين في الجنة، فالمؤمن إذا مات نقلت روحه إلى الجنة، ولها صلة بالجسد، فتتنعم مفردة وتتنعم بواسطة الجسد، وأرواح الكفار تنقل إلى النار ولها صلة بالجسد، فالقول بأن أرواح الكفار في برهوت قول ضعيف ولا دليل عليه، (يقول: وهي بئر عميقة بحضرموت لا يستطاع النزول إلى قعرها، ولا يصح حديث بأن أرواح الكفار في برهوت).
стр. 121
الإيمان بما يكون في القبر من السؤال وغيره
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن الميت يقعد في قبره، ويرسل الله فيه الروح حتى يسأله منكر ونكير عن الإيمان وشرائعه، ثم تسل روحه بلا ألم، ويعرف الميت الزائر إذا أتاه، وينعَّم في القبر المؤمن، ويعذب الفاجر كيف شاء الله].
يجب على المؤمن أن يؤمن بأن الميت يقعد في قبره إذا مات، فيرسل الله فيه الروح حتى يسأله منكر ونكير -وهما ملكان- عن الإيمان وشرائعه، وجاء في الحديث أنه يسأل عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه، فيقال له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فالمؤمن يثبته الله فيقول: الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد نبيي، والكافر لا يستطيع أن يجيب ويقول: هاه هاه لا أدري، هاه هاه لا أدري، هاه هاه لا أدري، فيضرب بمرزبة من حديد ويقال له: لا دريت ولا تليت، فيصيح صيحة يسمعها كل من خلق الله إلا الثقلين، ثم تسل روح المؤمن بلا ألم كما تسل الشعرة من العجين، وأما الكافر فإنها تنزع روحه نزعاً كما ينزع السفّود من الصوف المبلول.
قوله: (ويعرف الميت الزائر إذا أتاه) هذا يحتاج إلى دليل، لكن جاء الدليل بأن النبي ﷺ إذا سلم عليه مؤمن فإنه يرد ﵇، وأما أنه يعرف الزائر فهذا يحتاج إلى دليل.
وقال في الحاشية: وردت عدة أحاديث بأن الميت يعرف الزائر إذا زاره ويستأنس به، لكن لا تصح، فهذا يحتاج إلى دليل، والأصل أن الميت لا يعرف؛ فقد انتهى وانقطع عمله إلا ما دل عليه الدليل كأن يسمع قرع نعال المولين.
قوله: (وينعم في القبر المؤمن، ويعذب الفاجر كيف شاء الله) هذا أمر معروف، فالمؤمن يفتح له باب إلى الجنة، والكافر يفتح له باب إلى النار، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، وأما المؤمن فيفسح له في قبره مد البصر.
стр. 122
الإيمان بأن كل شيء بقضاء وقدر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واعلم أن كل شيء بقضاء الله وقدره].
قوله: (واعلم أن كل شيء بقضاء الله وقدره)، أي: تيقن أن كل شيء بقضاء الله وقدره، فالآجال والأعمار والذوات والأشخاص والصفات والحركة والسكون والأفعال وكل شيء قد قضاه الله وقدره وكتبه في اللوح المحفوظ، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩].
فلا بد للمسلم أن يؤمن بقضاء الله وقدره في كل شيء، وأن الله قد علم الأشياء قبل كونها، وكتبها في اللوح المحفوظ، وأراد كل شيء في هذا الوجود قضاءً وقدراً، وخلق كل شيء في هذا الوجود.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن الله ﵎ هو الذي كلم موسى بن عمران يوم الطور، وموسى يسمع من الله الكلام بصوت وقع في مسامعه منه لا من غيره، فمن قال غير هذا فقد كفر بالله العظيم].
يجب على المسلم أن يؤمن بأن الله ﵎ هو الذي كلم موسى بن عمران يوم الطور، قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، وقال سبحانه: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]، وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤].
قال العلماء: التأكيد بالمصدر يدل على أن المراد الحقيقة ويمنع المجاز الذي يزعمه بعض المبتدعة الذين أنكروا الكلام، ولهذا قال المؤلف: (وموسى يسمع من الله الكلام بصوتٍ وقع في مسامعه منه لا من غيره).
وهذا خلاف المعتزلة القائلين بأن الله تعالى لم يكلم موسى، وقالوا: إن الله خلق الكلام في الشجرة فكلمت موسى، فالشجرة هي التي كلمت موسى عند المعتزلة، والشجرة هي التي قالت: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠]، فهل يكون هذا؟! نسأل الله السلامة والعافية، فهذا كفر وضلال؛ ولهذا قال المؤلف ﵀: (فمن قال غير هذا فقد كفر بالله العظيم)، واحتالوا في تحريف الآية، فقرأ بعض المعتزلة وبعض الجهمية قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] بالنصب؛ حتى يكون المكلِّم هو موسى، والله هو المكلَّم؛ لأنه لا يتكلم، فموسى قادر على الكلام والرب غير قادر على الكلام نعوذ بالله، وهذه القراءة تحريف لفظي، فقال لهم بعض أهل السنة: هب يا جهمي! أنك استطعت أن تحرف هذه الآية، فكيف تقول في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]؟ فلم يستطع أن يحرفها لفظاً، فحرفها معنىً فقال: ((وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ)) أي: جرحه بمخالب الحكمة، فهي مأخوذة من الكَلْم وهو الجرح، ومنه قولهم: فلان كَلْمه يدمى، أي: جرحه، فمن أراد الله فتنته فلا حيلة فيه، فالجهمية لما لم يستطيعوا أن يحرفوا لفظ هذه الآية حرفوا معناها.
стр. 123
تفاوت الناس في العقول
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والعقل مولود، أعطي كل إنسان من العقل ما أراد الله، يتفاوتون في العقول مثل الذرة في السماوات، ويطلب من كل إنسان من العمل على قدر ما أعطاه الله من العقل -وفي نسخة: ويطلب من كل إنسان من العلم- وليس العقل باكتساب، إنما هو فضل من الله ﵎].
قوله: (العقل مولود أعطي كل إنسان من العقل ما أراد الله) لا شك أن الناس يتفاوتون في العقول على قدر ما أعطاهم الله وميزهم به، والله تعالى إنما يكلف العبد إذا كان عاقلاً، وإذا ذهب العقل ذهب التكليف، فناقص العقل كالصبي لا يكلف، والمجنون الذي ليس معه عقل لا يكلف، والمخرف الذي كبر في سنه وخرف فصار لا عقل له لا يكلف.
فالتكليف مربوط بالعقل، فمن كان عاقلاً كلِّف، ومن لا عقل له لا تكليف عليه، والناس يتفاوتون في العقول؛ ولهذا قال المؤلف ﵀: (العقل مولود أعطي كل إنسان من العقل ما أراد الله، يتفاوتون في العقول مثل الذرة في السماوات، ويطلب من كل إنسان من العلم على قدر ما أعطاه الله من العقل) أي: أن العمل تابع للعلم، والعمل مبني على العلم، ويكون على قدر ما أعطى الله الإنسان من العلم.
قوله: (وليس العقل باكتساب وإنما فضل من الله ﵎ فالعقل ينمو تدريجياً والله تعالى هو الذي أعطى الإنسان العقل، فهو فضل من الله ﵎.
стр. 124
تفضيل الله للعباد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واعلم أن الله فضل العباد بعضهم على بعض في الدين والدنيا، عدلاً منه، لا يقال: جار ولا حابى، فمن قال: إن فضل الله على المؤمن والكافر سواء فهو صاحب بدعة، بل فضّل الله المؤمنين على الكافرين، والطائع على العاصي، والمعصوم على المخذول عدل منه، هو فضله يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء].
قوله: (واعلم) أي: تيقن (أن الله تعالى فضل العباد بعضهم على بعض في الدين والدنيا)، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل:٧١]، فقد فضل بعض الناس على بعض في الدين، فاختار تعالى للرسالة والنبوة الأنبياء، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨]، فهذا تفضيل في الدين.
فالرسل أفضل الناس، وأفضلهم أولو العزم الخمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وأفضل أولو العزم الخليلان: إبراهيم ومحمد، وأفضل الخليلين نبينا ﷺ ، ثم يليه جده إبراهيم، ثم يليه موسى، ثم بقية أولي العزم، ثم بقية الرسل، ثم بقية الأنبياء.
ثم فضل الصديقين بعد الأنبياء، وفي مقدمتهم الصديق الأكبر، ثم فضل الشهداء، ثم فضل سائر الصالحين وهم المؤمنون، وهم طبقات، فأفضلهم السابقون الأولون، ثم أصحاب اليمين، ثم الظالمون لأنفسهم الذين يقصرون في بعض الواجبات أو يفعلون بعض المحرمات، فقد فضلهم الله على الكفار في الدين وفي الدنيا، وكذلك فرّق بينهم فجعل هذا ملكاً وهذا مملوكاً، وهذا وزيراً، وهذا عالماً وهذا جاهلاً، وهذا غنياً وهذا فقيراً، وهذا حليماً وهذا غير حليم وهكذا.
كما أنه فرق بينهم في الأرزاق، وفرق بينهم في العقول، وفرق بينهم في الآجال، فهذا يموت في بطن أمه، وهذا يموت طفلاً، وهذا يموت صبياً، وهذا يموت شاباً، وهذا يموت شيخاً، وهذا يموت كهلاً، وهذا يموت هرماً، وله الحكمة البالغة عدلاً منه.
قوله: (ولا يقال: جار ولا حابى) لأن الله تعالى حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرماً.
قوله: (فمن قال: إن فضل الله على المؤمن والكافر سواء فهو صاحب بدعة) وهذا صحيح، بل فضل الله المؤمنين على الكافرين، والطائع على العاصي، والمعصوم على المخذول عدل منه، هو فضله يعطيه من يشاء، ويمنع من يشاء، ولا يقال: إن هذا ظلم؛ لأنه لم يمنع المخذول شيئاً يملكه، قال : ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٧ - ٨]، فلله تعالى على المؤمن نعم جليلة خصه بها دون الكافر، فهو يهدي من يشاء فضلاً منه وإحساناً، ويضل من يشاء عدلاً منه وحكمة، ولا يقال إذا فضل المؤمن على الكافر: إن الله هدى المؤمن ولم يهد الكافر وهذا جور، نقول: بل هو عدل، فالله تعالى هدى المؤمن فضلاً منه وإحساناً، وخذل الكافر عدلاً منه، فلا يقال: إن هذا ظلم؛ لأن الظلم هو أن يمنع الإنسان من حقه، فإذا منعته من حقه، أو اعتديتَ على ملكه فتكون حينئذٍ ظالماً، والهداية ملك لله وليست ملكاً للعاصي، فإذا منعها العاصي فذلك لحكمة منه وعدل، وإذا هدى المؤمن تفضلاً منه فلا يقال: إن هذا ظلم؛ لأن الله تعالى لم يمنع العاصي شيئاً يملكه، فلو منعه شيئاً يملكه، أو حمله وزر غيره، أو منعه من ثواب استحقه فإنه يكون حينئذٍ ظلماً، لكن إذا أعطى الهداية لهذا ومنعها من هذا فهذا عدله، فهو لم يمنعه شيئاً يملكه، وهذا هو معنى قول المصنف ﵀: (عدل منه، هو فضله يعطيه من يشاء، ويمنع من يشاء).
стр. 125
وجوب بذل النصيحة للمسلمين برهم وفاجرهم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يحل أن تكتم النصيحة للمسلمين برهم وفاجرهم في أمر الدين، فمن كتم فقد غش المسلمين، ومن غش المسلمين فقد غش الدين، ومن غش الدين فقد خان الله ورسوله والمؤمنين].
قوله: (ولا يحل أن تكتم النصيحة للمسلمين برهم وفاجرهم في أمر الدين)؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم من حديث تميم الداري: (الدين النصيحة، وكررها ثلاثاً، قلنا: لمن يا رسول الله؟! قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).
فالنصيحة واجبة، ومن كتم النصيحة عن المسلمين فقد غش المسلمين، ومن غش المسلمين فقد غش الدين، ومن غش الدين فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٢٧ - ٢٨]، فلا يحل لأحد أن يكتم النصيحة.
والنصيحة لله تكون بتوحيده وصرف الدين له ، وأداء حقه، وترك محارمه، والنصيحة لكتاب الله تكون بالإيمان به، وتدبره، والعمل بمحكمه، والإيمان بمتشابهه، والوقوف عند حدوده.
وتكون النصيحة للرسول ﵊ بالإيمان به، وتحكيم شرعه، وتصديق أخباره، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتعبد لله بما شرعه.
وتكون النصيحة لأئمة المسلمين بمحبة الخير لهم، وعدم الخروج عليهم، ونصيحتهم.
وتكون النصيحة لعامة المسلمين بمحبة الخير لهم، ودفع الشر عنهم، وتحمل أثقالهم، ودفع المضار عنهم، وإطعام جائعهم، ونصح جاهلهم، وكف الأذى عنهم.
стр. 126
الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والله ﵎ سميع بصير عليم، يداه مبسوطتان، قد علم الله أن الخلق يعصون قبل أن يخلقهم، علمه نافذ فيهم، فلم يمنعه علمه فيهم أن هداهم للإسلام ومنّ به عليهم كرماً وجوداً وتفضلاً، فله الحمد].
قوله: (والله ﵎ سميع بصير) السميع من أسماء الله تعالى، والبصير من أسماء الله، قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وأسماء الله مشتقة مشتملة على المعاني والصفات، فالسميع مشتمل على صفة السمع، والبصير مشتمل على صفة البصر، والرحيم مشتمل على صفة الرحمة، والقدير مشتمل على صفة القدرة.
قوله: (يداه مبسوطتان) فيه إثبات اليدين لله ، قال الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤].
قوله: (قد علم الله أن الخلق يعصونه قبل أن يخلقهم)، لابد من إثبات علم الله الأزلي، (علمه نافذ فيهم) لا شك في هذا، ومن أنكر علم الله فقد نسب الجهل لله، وهذا كفر وضلال.
(فلم يمنعه علمه فيهم أن هداهم للإسلام)، أي: لم يمنعه علمه بهم أن هداهم للإسلام فضلاً منه وإحساناً، كما قال : ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١٧]، (ومنّ به عليهم كرماً وجوداً وتفضلاً فله الحمد) فقال: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧].
стр. 127
البشارات عند الموت
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واعلم أن البشارة عند الموت ثلاث بشارات، يقال: أبشر يا حبيب الله برضا الله والجنة، ويقال: أبشر يا عدو الله بغضب الله والنار، ويقال: أبشر يا عبد الله بالجنة بعد الإسلام.
هذا قول ابن عباس].
يبشر المؤمن عند موته بالمغفرة والرضوان، فقد جاء في حديث البراء وغيره: (أن ملك الموت إذا قبض روح المؤمن فإنها تخرج كما تخرج القطرة من في السقاء -يعني: من فم السقاء- فيقال لها: أيتها النفس الطيبة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، وأما الفاجر أو الكافر فتنزع روحه كم ينزع الصوف من السفود المبلول، ويقال لها: اخرجي إلى غضب من الله وسخط) فالمؤمن يبشر بهذه البشارة: (اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان)، والكافر يبشر بهذه البشارة: (اخرجي إلى غضب من الله وسخط) نسأل الله السلامة والعافية.
وقد بيّن الله تعالى في كتابه العزيز أن المؤمن يبشر فقال : ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].
وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠].
فهذه ثلاث بشارات للذين قالوا: (ربنا الله) أي: معبودنا وإلهنا حقاً هو الله، ثم استقاموا على ذلك بالعمل، فتتنزل عليهم الملائكة عند الموت بهذه البشارات: (ألا تخافوا) وهذه البشارة الأولى، والثانية: (ألا تحزنوا)، والثالثة: (وأبشروا بالجنة).
فالبشارة الأولى: (ألا تخافوا) أي: مما أمامكم من عذاب الله وسخطه والنار، فأمنوهم من ذلك.
والثانية: (ولا تحزنوا) أي: على ما خلفتم من الأموال والأولاد فنحن نخلفكم فيهم.
والبشارة الثالثة: (وأبشروا بالجنة)، أي: عند الموت، ففي حال الشدة والوقت العصيب يبشرون هذه البشارات: لا تخافوا مما أمامكم من عذاب القبر والنار، ولا تحزنوا على ما خلفتم من الأولاد، فالملائكة يخلفون المؤمن فيهم، وأبشروا بالجنة.
وأما الظالمون فيبشرون بالنار، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:٩٣]، فهذا في غمرات الموت، فيبشرونهم بالعذاب والعياذ بالله، فالمؤمن يبشر بالجنة والكافر يبشر بالعذاب.
وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال:٥٠]، وهذا أيضاً عند الموت، فيضربون وجوههم وأدبارهم ويقولون لهم: ذوقوا عذاب الحريق.
فهذه البشارة: (أبشر يا حبيب الله برضا الله والجنة) دليلها كما ذكرنا قوله تعالى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠].
وأما قوله: (أبشر يا حبيب الله برضا الله) فهذا اللفظ يحتاج إلى دليل، وأما بشارة الكافر: (أبشر يا عدو الله!) فهذا يحتاج إلى دليل.
وقوله في البشارة الثالثة: ويقال: (أبشر يا عبد الله بالجنة بعد الإسلام) فما دليل هذه البشارة؟ وما الفرق بين هذه البشارة وبين البشارة الأولى؟ إذاً فالبشارات الثلاث التي هي للمؤمن كما سمعتم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا﴾ [فصلت:٣٠]، فهذه بشارة بتأمينهم من الخوف من العذاب في المستقبل، والثانية: ﴿وَلا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت:٣٠]، أي: لا تحزنوا على ما خلفتم من الأموال والأولاد، والبشارة الثالثة: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت:٣٠]، فهذه هي البشارات الثلاث.
وأما ما ذكره المؤلف فهما بشارتان للمؤمن بالجنة، وبشارة للكافر بالنار، ومعلوم أن للمؤمن ثلاث بشارات خاصة به كما ذكرنا، فليراجع كلام ابن عباس في تفسير ابن كثير والتذكرة للقرطبي، فينظر في كلام ابن عباس هل فيه ذكر هذه البشارات الثلاث التي ذكرها المؤلف، وينظر أيضاً هل هي: أبشر يا عبد الله! بالجنة بعد الإسلام أو بعد الانتقام، فإذا ثبت هذا عن ابن عباس فتكون البشارة الأولى للمؤمن الذي يدخل الجنة من أول وهلة، والثانية للمؤمن بعد تعذيبه بالنار، والثالثة للكافر، وإن لم يثبت فهما بشارتان: بشارة للمؤمن، وبشارة للكافر.
стр. 128
النظر إلى الله تعالى في الجنة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واعلم أن أول من ينظر إلى الله تعالى في الجنة الأضراء، ثم الرجال، ثم النساء، بأعين رءوسهم، كما قال رسول الله ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته)، والإيمان بهذا واجب، وإنكاره كفر].
قوله: (واعلم أن أول من ينظر إلى الله تعالى في الجنة الأضراء) الأضراء جمع ضرير، وهو الأعمى الذي ذهب بصره، فهذا أول من ينظر إلى الجنة؛ لأنه كان غير مبصر في الدنيا فهو أول من ينظر إلى الله في الجنة، لكن جاء هذا في حديث ضعيف، والصواب أن الأضراء وغيرهم سواء، فالمؤمنون جميعاً ينظرون إلى الله.
قوله: (ثم النساء) فهذا الترتيب يحتاج إلى دليل، والله تعالى يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وقال النبي ﷺ : (إنكم سترون ربكم)، وهذا خطاب للرجال والنساء، فلا يقال: إن الأعمى ينظر أولاً ثم الرجال ثم النساء.
وهم ينظرون إلى الله تعالى بأعين رءوسهم، قال النبي ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته)، رواه البخاري ومسلم، والأحاديث في رؤية الله تعالى بلغت حد التواتر، قال ابن القيم ﵀: رواها من الصحابة نحو ثلاثين صحابياً في الصحاح والسنن والمسانيد.
وكذلك النصوص في القرآن الكريم صريحة في رؤية الله، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥].
قوله: (والإيمان بهذا واجب، وإنكاره كفر) لقد كفر الأئمة من أنكر رؤية الله، فقال الإمام أحمد وجماعة: من قال: إن الله لا يُرى في الآخرة فقد كفر، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 129
شرح كتاب السنة للبربهاري [١٠]
الشهادتان مفتاح الإسلام، والمسلم يعبد الله بالمحبة والخوف والرجاء، ويؤمن بجميع شرائع الإسلام، ولا يصغي إلى شبهات أهل الكلام.
стр. 130
خطر علم الكلام على الناس في أديانهم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واعلم رحمك الله أنه ما كانت زندقة قط ولا كفر ولا شك ولا بدعة ولا ضلالة ولا حيرة في الدين إلا من الكلام وأهل الكلام والجدال والمراء والخصومة، والعجب كيف يجترئ الرجل على المراء والخصومة والجدال والله تعالى يقول: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر:٤]، فعليك بالتسليم والرضا بالآثار وأهل الآثار، والكف والسكوت].
الزندقة معناها: النفاق، والزنديق هو المنافق، وهي كلمة فارسية، والزنديق هو من يظهر الإيمان ويبطن الكفر، وقد كان يقال له في زمن النبي ﷺ : منافق، كـ عبد الله بن أبي وأصحابه، فقد كانوا يظهرون الإيمان والإسلام، ويصلون مع النبي ﷺ ، ويجاهدون معه وهم في الباطن مكذبون، فهم في الدرك الأسفل من النار، قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥].
ويطلق الزنديق على المتحلل من الدين، وأصلها كلمة فارسية ثم عربت، وفي زمننا هذا يسمى المنافق علمانياً، فالعلماني هو المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، فتجده يتستر باسم الإسلام وهو ينشر الإلحاد والزندقة، وينشر الفساد بين المسلمين.
قوله: (واعلم رحمك الله أنه ما كانت زندقة) يعني: نفاق (ولا كفر) أي: الكفر المعلن، فالكافر الذي أعلن كفره يقال له: كافر، والذي أخفى كفره يسمى زنديقاً أو منافقاً، (ولا شك) يعني: لا شك في الدين، أو لا شك في ما هو معلوم من الدين بالضرورة (ولا بدعة ولا ضلالة ولا حيرة في الدين إلا من الكلام) أي: بسبب أهل الكلام كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة، فقد تكلموا في الصفات وفي الأفعال بالباطل فنشأ من ذلك الكفر والزندقة والنفاق والشك والحيرة.
إذاً: فينبغي للإنسان أن يحذر من الكلام؛ لأن الكلام وأهل الكلام هم الذين تكلموا في الأسماء والصفات بغير بصيرة فنشأ من كلامهم الزندقة والكفر والشك والبدعة والضلال والحيرة في الدين.
وأصحاب الكلام هم أصحاب الجدال والمراء والخصومة في الصفات، وفي القدر وفي مسمى الإيمان، وهكذا حصلت الحيرة والنفاق والزندقة والجدال والمراء والخصومة بسببت هذا النفاق، فسببت الزندقة والحيرة والشك والبدعة والضلالة.
يقول المؤلف: (والعجب كيف يجترئ الرجل على المراء والخصومة والجدال والله تعالى قد ذم المجادلين: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [غافر:٤]، فعليك بالتسليم والرضا بالآثار وأهل الآثار والكف والسكوت)، أي: عليك أيها المسلم! التسليم لأمر الله وأمر رسوله، فإذا جاءك حديث فقل: سلمت ورضيت وقبلت، وكف واسكت عن الخوض والجدال في الدين بغير بصيرة، وعليك بالتسليم لأمر الله وأمر رسوله ﷺ والرضا بالآثار.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن الله ﵎ يعذب الخلق في النار في الأغلال والأنكال والسلاسل، والنار في أجوافهم وفوقهم وتحتهم، وذلك أن الجهمية -منهم هشام الفوطي - قال: إنما يعذب الله عند النار، ردّ على الله وعلى رسوله].
يجب على المؤمن أن يؤمن بهذا: أن الله يعذب الخلق في النار في الأغلال والأنكال والسلاسل، وقد أخبر الله تعالى أن النار تغمرهم، وأن النار في أجوافهم وفوقهم وتحتهم، قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف:٤١] أي: وطاء وغطاء، فهم يفترشون النار ويتخذونها غطاء، وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر:٣٦]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:٥٦]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٦٩ - ٧٢]، نسأل الله السلامة والعافية، فلابد من الإيمان بهذا.
قال المؤلف ﵀ رداً على هشام الفوطي وهو ابن عمرو من أصحاب أبي هذيل العلاف شيخ المعتزلة في القرن الثالث الهجري، يقول هشام الفوطي: إنما يعذب الله عند النار، رد على الله وعلى رسوله ﷺ ، يعني: أن الله يعذب عند النار لا بالنار، وهذا يشبه مذهب الأشاعرة الذين ينكرون الأسباب، ويقولون: السكين لا تقطع وإنما أوجد الله القطع عند إجراء السكين لا بالسكين، وهذا نفي للأسباب، فالأشاعرة يقولون: ليس هناك أسباب ولا غرائز ولا طباع، فالله هو الذي يفعل، فالسكين مثلاً ليس لها تأثير عندهم، فإذا قيل لهم: إن السكين تقطع، قالوا: لا، السكين لا تقطع، وإنما يوجد الله تعالى القطع عند إمرار السكين، فالقطع يحصل عند السكين لا بالسكين، وإذا قيل لهم: النار تحرق، قالوا: لا، النار لا تحرق، بل الله يوجد الإحراق عند النار لا بالنار، وإذا قيل لهم: الأكل يشبع، قالوا: لا، الأكل لا يشبع، ولكن الله يوجد الشبع عند الأكل لا بالأكل، وإذا قيل لهم: الماء يروي، قالوا: الماء لا يروي، لكن الله يوجد الري عند الشرب لا بالشرب، وقصدهم من هذا إنكار الأسباب والغرائز والطبائع؛ حتى لا يكون هناك مؤثر إلا الله.
والقرآن والسنة مملوءان بذكر الأسباب والغرائز قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ [الأنعام:٩٩] فهذا سبب، وقوله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء:٥٩] فهذه علة، وقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة:٣٢]، وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل:٧٩]، ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد:٤]، ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنعام:١٢٦] وهكذا فالنصوص من الكتاب والسنة كثيرة في بيان الأسباب والطبائع والغرائز، فـ هشام الفوطي يقول: إنما يعذب الله عند النار، يعني: لا بالنار، ردّ على الله وعلى رسوله ﷺ ، وقوله هذا باطل، وقد بين المؤلف بطلان قوله.
стр. 131
الالتزام بالصلوات وأوقاتها بدون زيادة ولا نقصان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واعلم أن صلاة الفريضة خمس صلوات لا يزاد فيهن ولا ينقص في مواقيتها، وفي السفر ركعتان إلا المغرب، فمن قال: أكثر من خمس فقد ابتدع، ومن قال: أقل من خمس فقد ابتدع، لا يقبل الله شيئاً منها إلا لوقتها إلا أن يكون نسياناً فإنه معذور يأتي بها إذا ذكرها، أو يكون مسافراً فيجمع بين الصلاتين إن شاء].
قوله: (واعلم أن صلاة الفريضة خمس صلوات لا يزاد فيهن ولا ينقص في مواقيتها) كما في الحديث: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد)، وفي قصة الرجل الذي جاء وسأل النبي ﷺ عما أوجب الله عليه فقال له: (خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع).
قوله: (وفي السفر ركعتان) يعني: أن الرباعية تقصر إلى ركعتين؛ لقول عائشة: (فرضت صلاة الحضر أربع ركعات، وصلاة السفر ركعتين)، فالرباعية تقصر في السفر وهي: الظهر والعصر والعشاء، وأما المغرب والفجر فلا تقصران.
قوله: (فمن قال: أكثر من خمس فقد ابتدع ومن قال: أقل من خمس فقد ابتدع) أي: من قال: إن الله أوجب أكثر من خمس صلوات فقد ابتدع بدعة مكفرة؛ لأنه زاد في الدين، ومن قال: إن الله لم يفرض إلا أربع صلوات في اليوم والليلة فقد كفر أيضاً، فالبدعة قد تكون مكفرة وقد تكون غير مكفرة.
وقوله: (فمن قال: أكثر فقد ابتدع) المقصود بذلك الخمس الفرائض، ولا يعترض على ذلك بأن الإمام أبا حنيفة يرى أن الوتر واجب؛ لأنه ليس من الصلوات الخمس.
قوله: (لا يقبل الله منها شيئاً إلا لوقتها) مثل الذي يجمع الظهر والعصر أو المغرب والعشاء من غير عذر فإنه يكون قد صلاها في غير وقت، إلا أن يكون نسياناً فإنه معذور، وعليه أن يأتي بها إذا ذكرها، والدليل قول النبي ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك)، أو يكون مسافراً فيجمع بين الصلاتين إن شاء، فقد أباح الله للمسافر وكذلك للمريض الجمع بين الصلاتين.
стр. 132
جواز أن يخرج الرجل زكاة ماله بنفسه أو أن يدفعها للسلطان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والزكاة من الذهب والفضة والتمر والحبوب والدواب على ما قال رسول الله ﷺ ، فإن قسمها فجائر، وإن أعطاها الإمام فجائز].
نصاب الذهب عشرون مثقالاً، ونصاب الفضة مائتا درهم، ونصاب الثمر والحبوب خمسة أوسق، ولا زكاة فيما دون ذلك، جاء في الحديث: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)، والأنعام فيها زكاة، فالإبل إذا كانت سائمة ترعى وبلغت النصاب ففيها خمس من الإبل، والبقر نصابها ثلاثون، والغنم نصابها أربعون.
فالزكاة من الذهب والفضة والثمر والحبوب والدواب على ما قال رسول الله ﷺ ، فإن قسمها بنفسه فهو جائز، وإذا طلبها الإمام ودفعها إليه برئت ذمته.
стр. 133
الشهادتان مفتاح الإسلام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واعلم أن أول الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن ما قال الله كما قال، ولا خلف لما قال، وهو عند ما قال].
قوله: (واعلم) أي: تيقن أن أول الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، والشهادة لله تعالى بالوحدانية ولنبيه ﷺ بالرسالة هي أصل الدين وأساس الملة، فلابد أن ينطق الشهادتين بلبسانه، ويعتقد معناهما بقلبه، ويعمل بمقتضاهما بجوارحه، وهذا هو الإسلام.
فالإسلام أن تنطق بالشهادتين بلسانك، وتصدق بمعناهما بقلبك، وتقر وتعترف وتعمل بمقتضاهما بجوارحك، فإذا نطقت بالشهادتين وأقررت وصدقت وعملت بمقتضاهما، فأديت الأوامر، وتركت النواهي، فهذا هو الإسلام.
قوله: (وأن ما قال الله كما قال ولا خلف لما قال وهو عند ما قال) يعني: يجب على المسلم أن يعلم أن ما قاله الله فهو كما قال، فلا يحرف كلام الله، ولا ينبغي لأحدٍ أن يخلف ما قال الله، ويحتمل أن المعنى: أن الله لا يُخلف وعده، ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم:٦]، ولكن الوعيد للعصاة قد يخلفه الله تعالى فيعفو عن العاصي، فالوعيد للعاصي فيه تفصيل: فقد ينفذه الله وقد لا ينفذه، والوعد للمؤمن لا بد أن يحصل.
стр. 134
الإيمان بشرائع الإسلام كلها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والإيمان بالشرائع كلها].
يجب على المسلم أن يؤمن بالشرائع كلها، سواء كانت مما أنزلها الله على نبيه في الحدود والقصاص والمعاملات، أو الشرائع التي أنزلها على أنبيائه السابقين، وهذه يؤمن بها إجمالاً.
فيؤمن بشريعة الله في الحدود والقصاص وفي المعاملات كالبيع والشراء والصلح والإجارة والمساقاة والمزارعة والنكاح والخلع والطلاق.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واعلم أن الشراء والبيع ما بيع في أسواق المسلمين حلال ما بيع على حكم الكتاب والإسلام والسنة من غير أن يدخله تغيير أو ظلم أو جور أو غدر، أو خلاف للقرآن، أو خلاف للعلم].
قوله: (واعلم) أي: تيقن، فالعلم هو اليقين، والأصل أن البيع والشراء حلال إلا إذا اختل شرط من شروط البيع كأن يجهل المبيع، أو يغش، أو يخفي عيب السلعة، أو يرابي، وإلا فالأصل فيما بيع في أسواق المسلمين أنه حلال، فلا تشك وتقول: أخشى أن يكون حراماً، وأخشى أن تكون هذه السعلة التي اشتريتها مسروقة، وأخشى أن فيها كذا، فالأصل الحل، والحمد لله.
والأصل أن ما بيع في أسواق المسلمين فهو حلال إذا لم يدخله تغيير ولا ظلم ولا جور ولا غدر، وكذلك بشرط ألا يخالف القرآن، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، ولا يكتم عيوب السلعة، فحرام عليه أن يخفي العيب، بل لا بد أن يخبره بالعيب الذي يعلمه، فقوله: (خلاف للعلم)، أي: ما تعلمه من العيب فلا تخفيه، فالسلعة التي فيها عيب وأنت تعلمه فلابد أن تبينه، قال ﵊: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما).
стр. 135
الخوف والشفقة من سوء الخاتمة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واعلم رحمك الله أنه ينبغي للعبد أن تصحبه الشفقة أبداً ما صحب الدنيا؛ لأنه لا يدري علام يموت، وبم يختم له، وعلام يلقى الله ، وإن عمل كل عمل من الخير].
قوله: (واعلم) أي: تيقن، وقوله: (رحمك الله) سؤال الرحمة من الله تعالى للمتعلم.
وقوله: (أنه ينبغي للعبد أن تصحبه الشفقة أبداً ما صحب الدنيا) أي: أن يصحبه الخوف من أن تحيط به ذنوبه، والخوف من سوء الخاتمة، فعلى الإنسان أن يرجو ما عند الله لكن عليه أن يغلب جانب الخوف؛ حتى يحمله على أداء الفرائض وترك المحارم.
فإذا كان الإنسان خائفاً فإن هذا الخوف يحدوه ويحثه على أداء الفرائض وترك المحارم، فعلى العبد دائماً أن يكون بين الرجاء والخوف، لكنه يغلب جانب الخوف في حال الصحة، قال بعض العلماء: الخوف والرجاء للعبد كجناحي الطائر، فالطائر إذا استقام جناحاه استقام طيرانه، وإذا تلف الجناحان صار في عداد الموتى، فكذلك الإنسان يعبد الله بين الخوف والرجاء، فيخاف خوفاً لا يوصله إلا التشاؤم وسوء الظن بالله، ويرجو ما عند الله رجاءً لا يجعله يستغرق في المعاصي.
فالعبد تصحبه الشفقة والخوف أبداً ما صحب الدنيا؛ لأنه لا يدري علام يموت عليه، فيحمله خوفه على أداء الفرائض وترك المحارم، وإن عمل كل الخير فلابد له من الخوف والرجاء.
стр. 136
الرجاء فيما عند الله وحسن الظن به
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وينبغي للرجل المسرف على نفسه ألا يقطع رجاءه من الله تعالى عند الموت، ويحسن ظنه بالله ﵎، ويخاف ذنوبه، فإن ﵀ فبفضل، وإن عذبه فبذنب].
الفقرة السابقة في الشفقة والخوف وهي قوله: (ينبغي للعبد أن تصحبه الشفقة والخوف)، وهذه الفقرة في الرجاء، إذاً فلابد من الأمرين: الخوف والرجاء، قال تعالى عن المتقين: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦] أي: يعبدون الله بالخوف والرجاء، وهذا حال المؤمن أنه يعبد الله بالحب والخوف والرجاء.
وهذه هي أركان العبادة: المحبة والخوف والرجاء، وهذه الأركان موجودة في سورة الفاتحة، فقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] هذه المحبة، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] هذا الرجاء، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] هذا الخوف، فينبغي للرجل المسرف على نفسه ألا يقطع رجاءه من الله عند الموت، وليحسن ظنه بالله، وليخف من ذنوبه، قال في الحديث: (لا يموتن أحدكم إلا هو يحسن الظن بالله ، فهو يخاف ويرجو، فيخاف خوفاً لا يصل به إلى سوء الظن؛ لأنه يرجو، ويرجو رجاءً لا يجعله يتمادى في المعاصي؛ لأنه يخاف، فإن ﵀ فبفضل، وإن عذبه فبذنب.
стр. 137
إطلاع النبي على ما سيكون في أمته إلى يوم القيامة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن الله ﵎ أطلع نبيه ﷺ على ما يكون في أمته إلى يوم القيامة].
أي: أن الله أخبر نبيه بما يكون في أمته في آخر الزمان، فأخبره بأشراط الساعة، وأخبره بانتشار الإسلام، (ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار بعز عزيز أو بذل ذليل).
وقال ﵊: (والله ليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئبَ على غنمه).
وقال ﵊: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإنه سيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها).
ولما وقت المواقيت ﵊ في الحج وقت لأهل الشام والمغرب الجحفة، ووقت لأهل اليمن يلملم، ووقت لأهل العراق ذات عرق، مع أن العراق في ذلك الوقت لم تفتح بعد، وهذا من علامات النبوة، ففيه دليل على أنهم سيسلمون ويحجون ويعتمرون من هذا الميقات، وهذا مما أطلع الله عليه نبيه مما سيكون في أمته إلى يوم القيامة.
وأما القول: بأن النبي يعلم أعمال أمته، وأن أعمال أمته تعرض عليه، وأن النبي ﷺ يعلم ماذا عمل كل شخص؛ فهذا جاء في حديث ضعيف لا يصح.
стр. 138
ما حصل في هذه الأمة من الفتن والافتراق
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واعلم أن رسول الله ﷺ قال: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، قيل: يا رسول الله! من هم؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، وهكذا كان الدين إلى خلافة عمر بن الخطاب، وهكذا كان في زمن عثمان، فلما قتل عثمان ﵁ جاء الاختلاف والبدع، وصار الناس أحزاباً وصاروا فرقاً، فمن الناس من ثبت على الحق عند أول التغيير وقال به وعمل به ودعا الناس إليه، فكان الأمر مستقيماً حتى كانت الطبقة الرابعة في خلافة بني فلان انقلب الزمان، وتغير الناس جداً، وفشت البدع، وكثر الدعاة إلى غير سبيل الحق والجماعة، ووقعت المحن في كل شيء لم يتكلم به رسول الله ﷺ ولا أصحابه، ودعوا إلى الفرقة -ونهى رسول الله ﷺ عن الفرقة- وكفر بعضهم بعضاً، وكل داعٍ إلى رأيه وإلى تكفير من خالفه، فضل الجهال والرعاع ومن لا علم له، وأطمعوا الناس في شيء من أمر الدنيا، وخوفوهم من عقاب الدنيا، فاتبعهم الخلق على خوف في دنياهم ورغبة في دنياهم، فصارت السنة وأهلها مكتومين، وظهرت البدع وفشت، وكفروا من حيث لا يعلمون من وجوه شتى، ووضعوا القياس، وحملوا قدرة الرب وآياته وأحكامه وأمره ونهيه على عقولهم وآرائهم، فما وافق عقولهم قبلوه، وما لم يوافق ردوه، فصار الإسلام غريباً، والسنة غريبة، وأهل السنة غرباء في جوف ديارهم].
هذا فيه بيان الاختلاف الذي حصل في الأمة، يقول المؤلف ﵀: (واعلم أن رسول الله ﷺ قال: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: يا رسول الله! من هم؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، وهذا الحديث حديث حسن أخرجه الترمذي في الإيمان والآجري في الشريعة والحاكم وغيرهم.
ويقول النبي ﷺ : (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)، وفي لفظ: (وهي الجماعة)، وفي لفظ: (قيل: من هي يا رسول الله؟! قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، فهذه الفرق كلها من الفرق المبتدعة متوعدة بالنار إلا واحدة وهي الجماعة، وهم أهل السنة والجماعة، وهم الفرقة الناجية، وهم أهل الحق، وقد أخرج العلماء الجهميةَ والقدريةَ الأولى والرافضة من الثنتين والسبعين فرقة؛ لكفرهم وضلالهم.
قوله: (وهكذا كان الدين إلى خلافة عمر بن الخطاب) أي: كلهم كانوا على الحق مستقيمين.
(وهكذا كان في زمن عثمان، فلما قتل جاء الاختلاف والبدع، وصار الناس أحزاباً وصاروا فرقاً) والذي أثارها هو عبد الله بن سبأ اليهودي الحميري، وأشاع أن أهل البيت مظلومين، وأن علياً أحق بالخلافة، وجعل يثير هذا في الشام وفي مصر وفي الكوفة، فتبعه السفهاء وصاروا ينشرون مساوئ عثمان ﵁ بين الناس، وصاروا يقولون: عثمان فعل كذا وخفض صوته بالتكبير، وعثمان أتم الصلاة في السفر، وعثمان أخذ الزكاة على الخيل وخالف ما كان عليه الشيخان أبو بكر وعمر وهكذا، فتبعه كثير من الشباب السفهاء، فجاءوا وأحاطوا ببيته وقتلوه.
إذاً فنشر الناس مساوئ الحاكم وولي الأمر صار سبباً في الفرقة، فصار الناس أحزاباً وفرقاً، فظهرت الخوارج والشيعة، وصار الناس فرقاً وأحزاباً: شيعة وخوارج وقدرية.
(فمن الناس من ثبت على الحق) وهم أهل السنة والجماعة، الصحابة ومن تبعهم.
(فكان الأمر مستقيماً حتى كانت الطبقة الرابعة في خلافة بني فلان) لم يذكر هذه الخلافة، فتحتمل أنها خلافة بني العباس أو بني أمية، فهناك اختلاف في بني أمية أيضاً، فقوله: (الطبقة الرابعة) إن كان المراد به القرون المفضلة فقد قال النبي ﷺ : (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويخونون ولا يؤتمنون).
(في خلافة بني فلان انقلب الزمان، وتغير الناس جداً، وفشت البدع، وكثر الدعاة إلى غير سبيل الحق والجماعة، ووقعت المحن في كل شيء لم يتكلم به رسول الله ﷺ ولا أصحابه، ودعوا إلى الفرقة ونهى رسول ﷺ عن الفرقة) والاختلاف، وقد أمر الله تعالى بالاجتماع فقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران:١٠٥]، ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:٤]، (وكفر بعضهم بعضاً، وكل داع إلى رأيه وإلى تكفير من خالفه، فضل الجهال والرعاع ومن لا علم له، وأطمعوا الناس في شيء من أمر الدنيا وخوفوهم عقاب الدنيا، فاتبعهم الخلق على خوف في دنياهم ورغبة في دنياهم، فصارت السنة وأهلها مكتومين، وظهرت البدع وفشت، وكفروا من حيث لا يعلمون من وجوه شتى، ووضعوا القياس) يعني: الآراء في مقابلة النصوص، (وحملوا قدرة الرب وآياته وأحكامه وأمره ونهيه على عقولهم وآرائهم) يعني: فسروا النصوص بآرائهم، فما وافق عقولهم قبلوه وما لم يوافق عقولهم ردوه.
وهذا لما انتشرت البدع والخوارج، وكان أصلها في أوائل المائة الثانية وقد ظهرت في أواخر عهد الصحابة، وكذلك ظهرت القدرية والشيعة، بل بعد قتل عثمان ﵁ ظهرت الخوارج والشيعة، وفي أواخر عهد الصحابة ظهرت القدرية، ثم في أوائل المائة الثالثة ظهرت الجهمية والمعتزلة.
(فصار الإسلام غريباً والسنة غريبة وأهل السنة غرباء في جوف ديارهم)، والمقصود من كلام المؤلف ﵀ هذا التحذير من البدع والاختلاف في الدين، وأن على المسلم أن يحذر البدع، وأن يلزم السنة والجماعة، فالبدع بريد الكفر، فهي توصل إلى الكفر، والبدعة أحب إلى الشيطان من الكبيرة؛ فإن صاحب الكبيرة كالزاني والسارق وشارب الخمر والمرابي يعلم أنه عاصٍ على باطل لذلك فقد يفكر في التوبة، وأما المبتدع فيظن أنه على حق.
стр. 139
الأسئلة
стр. 140
معنى البشارات الثلاث التي ذكرها المؤلف
السؤال
هل يحمل كلام المصنف عن البشارات على ما في آخر سورة الواقعة؟ ويمكن حمل كلام المصنف في الثلاث البشارات التي عند الموت على التفصيل الذي جاء في آخر سورة الواقعة: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة:٨٨ - ٩٤]، فيها ثلاث بشارات أيضاً: بشارة للمقربين السابقين، وبشارة لأصحاب اليمين، وبشارة لأصحاب الشمال، والمقربين هم الذي أدوا الفرائض والواجبات والنوافل، وتركوا المحرمات والمكروهات وفضول المباحات، وأصحاب اليمين هم الذين أدوا الفرائض وتركوا المحارم، وليس عندهم نشاط في فعل النوافل وترك المكروهات.
стр. 141
حكم الصلاة على الرافضة الذين يعيشون بين أظهرنا ويصلون صلاتنا، وحكم أكل طعامهم
السؤال
ذكر المصنف: أن الصلاة تكون على من مات من أهل القبلة سنة، فهل يصلى على الرافضة الذين يعيشون بين أظهرنا ويصلون صلاتنا؟ وهل يجوز أكل الطعام الذي يقومون على تجهيزه؟
الجواب
القاعدة في هذا: أن من عرف كفره فلا يصلى عليه، ومن لم يعرف كفره فإنه يصلى عليه، قال الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٨٤]، فالكافر لا يصلى عليه، والمؤمن يصلى عليه ولو كان فاسقاً أو ضعيف الإيمان، والمنافق لا يصلى عليه، وإذا عرف أنه منافق، أو زنديق، أو أنه يسب الله ورسوله، أو يترك الصلاة، أو يعبد آل البيت، أو يكفر الصحابة ويفسقهم، أو يقول: إن القرآن ذهب ثلثاه ولم يبق إلا الثلث؛ فهذا لا يصلى عليه؛ لأنه كافر، وأما أكل طعامهم فما أدري ما مقصوده بذلك هل يعني: الطعام الذي يصنع عند الموت؟ فهذا من النياحة، أم أنه يقصد طعام من يسب الله أو يسب الرسول أو يسب الصحابة، فهذا إذا كان سيقوم بذبح الذبائح فلا يأكل منها، وأما إذا كان هناك طعام طبخه كافر فلا بأس به، أو كانت فاكهة، وأما الذبيحة إذا ذبحها الكافر فلا تقربها إلا إذا كان من أهل الكتاب يهودياً أو نصرانياً وجهلنا الحال ولم يذبح بالصعق الكهربائي ولا بالخنق ولم يذبح باسم المسيح؛ لقول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥] يعني: ذبائحهم.
стр. 142
عدد النفخات في الصور
السؤال
هل هناك نفخ في الصور بعد قيام الأجساد؟
الجواب
النفخ في الصور يكون بعد أن ينزل المطر، فينفخ إسرافيل بأمر الله نفختين: النفخة الأولى: نفخة صعق وهلاك، فإذا مات الخلائق أنزل الله مطراً فنبتت منه أجساد الناس، ويعيد الله الذرات التي استحالت، وتنبت الأجساد، وتبدل الصفات وتنشأ تنشئة قوية، فإذا كمل نباتهم وخلْقهم أذن الله لإسرافيل فنفخ في الصور فعادت الأرواح إلى أجسادها، فقام الناس من قبورهم ينفضون التراب عن رءوسهم، ثم يقفون بين يدي الله.
стр. 143
الجواب عن تأويل عائشة لسماع أصحاب قليب بدر بالعلم
السؤال
قال المصنف: (الإيمان بأن رسول الله ﷺ حين كلم أهل القليب كانوا يسمعون كلامه)، فما الجواب عن تأويل عائشة ﵂ حيث أولت السماع بالعلم؟
الجواب
عائشة ﵂ أنكرت هذا ووهمت بعض الصحابة، وهي التي غلطت ووهمت ﵂، والأحاديث ثابتة في هذا، كما أنها أنكرت أيضاً أن يعذب الميت ببكاء أهله عليه، واستدلت بالآية: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، ووهمت عمر في رواية الحديث، وقالت: إنه لم يقل: إنه يعذب، وإنما قال: إن الكافر يعذب، وهذا من اجتهادها ﵂ وأوهامها.
стр. 144
توضيح لمسألة الظلم التي سار فيها المؤلف على مذهب الجبرية
السؤال
نرجو من فضيلتكم إعادة توضيح مسألة الظلم التي مشى فيها المؤلف على قول الجبرية؟
الجواب
الظلم في قول الجبرية هو: تصرف المالك في غير ملكه، فالمؤلف يقول: إن الله يتصرف في ملكه فلا يسأل؛ لأنه يتصرف في ملكه والخلق كلهم ملكه؛ وعلى هذا فيجوز له أن يتصرف فيهم بأن يقلب التشريعات والجزاءات، وأن يحمل الأنبياء والمتقين أوزار الفجار والكفار ولا يكون ظلماً، وهذا باطل، بل الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، كأن يحمّل أحداً أوزار غيره، أو يمنعه ثواب عمله، فهذا هو الظلم الذي نفاه الله عن نفسه، والظلم مقدور لله، لهذا حرمه على نفسه ونزه نفسه عنه ونفاه، ولو كان الظلم مستحيلاً على الله كما تقول الجبرية فكيف يحرم الله على نفسه شيئاً مستحيلاً؟! وما الفائدة من تحريم المستحيل؟ وكيف ينفي الظلم عن نفسه وهو غير مقدور له؟ فهذا باطل، وقوله: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:٢٣]، أي: لكمال حكمته لا لأنه صاحب القدرة والمشيئة كما تقول الجبرية.
стр. 145
الأجر والمثوبة على الأمراض والأسقام
السؤال
هل يؤجر المريض على مرضه ولو لم يحتسب ذلك، بل وربما جزع من ذلك المرض؟
الجواب
نعم يؤجر المريض على ذلك ويكفر المرض من خطاياه، وبعد ذلك إذا صبر واحتسب أثابه الله أجراً آخر على ذلك الصبر، وإن جزع وتسخط أثم على جزعه وسخطه، فيكون المرض إذاً كفارة للمريض، ثم بعد المرض إن صبر فله أجر الصابرين، وإن جزع وتسخط فعليه وزر المتسخطين الجازعين.
следующие страницы →