Полный текст (283 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
حكم الصلاة على الرافضة الذين يعيشون بين أظهرنا ويصلون صلاتنا، وحكم أكل طعامهم
السؤال
ذكر المصنف: أن الصلاة تكون على من مات من أهل القبلة سنة، فهل يصلى على الرافضة الذين يعيشون بين أظهرنا ويصلون صلاتنا؟ وهل يجوز أكل الطعام الذي يقومون على تجهيزه؟
الجواب
القاعدة في هذا: أن من عرف كفره فلا يصلى عليه، ومن لم يعرف كفره فإنه يصلى عليه، قال الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٨٤]، فالكافر لا يصلى عليه، والمؤمن يصلى عليه ولو كان فاسقاً أو ضعيف الإيمان، والمنافق لا يصلى عليه، وإذا عرف أنه منافق، أو زنديق، أو أنه يسب الله ورسوله، أو يترك الصلاة، أو يعبد آل البيت، أو يكفر الصحابة ويفسقهم، أو يقول: إن القرآن ذهب ثلثاه ولم يبق إلا الثلث؛ فهذا لا يصلى عليه؛ لأنه كافر، وأما أكل طعامهم فما أدري ما مقصوده بذلك هل يعني: الطعام الذي يصنع عند الموت؟ فهذا من النياحة، أم أنه يقصد طعام من يسب الله أو يسب الرسول أو يسب الصحابة، فهذا إذا كان سيقوم بذبح الذبائح فلا يأكل منها، وأما إذا كان هناك طعام طبخه كافر فلا بأس به، أو كانت فاكهة، وأما الذبيحة إذا ذبحها الكافر فلا تقربها إلا إذا كان من أهل الكتاب يهودياً أو نصرانياً وجهلنا الحال ولم يذبح بالصعق الكهربائي ولا بالخنق ولم يذبح باسم المسيح؛ لقول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥] يعني: ذبائحهم.
стр. 142
عدد النفخات في الصور
السؤال
هل هناك نفخ في الصور بعد قيام الأجساد؟
الجواب
النفخ في الصور يكون بعد أن ينزل المطر، فينفخ إسرافيل بأمر الله نفختين: النفخة الأولى: نفخة صعق وهلاك، فإذا مات الخلائق أنزل الله مطراً فنبتت منه أجساد الناس، ويعيد الله الذرات التي استحالت، وتنبت الأجساد، وتبدل الصفات وتنشأ تنشئة قوية، فإذا كمل نباتهم وخلْقهم أذن الله لإسرافيل فنفخ في الصور فعادت الأرواح إلى أجسادها، فقام الناس من قبورهم ينفضون التراب عن رءوسهم، ثم يقفون بين يدي الله.
стр. 143
الجواب عن تأويل عائشة لسماع أصحاب قليب بدر بالعلم
السؤال
قال المصنف: (الإيمان بأن رسول الله ﷺ حين كلم أهل القليب كانوا يسمعون كلامه)، فما الجواب عن تأويل عائشة ﵂ حيث أولت السماع بالعلم؟
الجواب
عائشة ﵂ أنكرت هذا ووهمت بعض الصحابة، وهي التي غلطت ووهمت ﵂، والأحاديث ثابتة في هذا، كما أنها أنكرت أيضاً أن يعذب الميت ببكاء أهله عليه، واستدلت بالآية: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، ووهمت عمر في رواية الحديث، وقالت: إنه لم يقل: إنه يعذب، وإنما قال: إن الكافر يعذب، وهذا من اجتهادها ﵂ وأوهامها.
стр. 144
توضيح لمسألة الظلم التي سار فيها المؤلف على مذهب الجبرية
السؤال
نرجو من فضيلتكم إعادة توضيح مسألة الظلم التي مشى فيها المؤلف على قول الجبرية؟
الجواب
الظلم في قول الجبرية هو: تصرف المالك في غير ملكه، فالمؤلف يقول: إن الله يتصرف في ملكه فلا يسأل؛ لأنه يتصرف في ملكه والخلق كلهم ملكه؛ وعلى هذا فيجوز له أن يتصرف فيهم بأن يقلب التشريعات والجزاءات، وأن يحمل الأنبياء والمتقين أوزار الفجار والكفار ولا يكون ظلماً، وهذا باطل، بل الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، كأن يحمّل أحداً أوزار غيره، أو يمنعه ثواب عمله، فهذا هو الظلم الذي نفاه الله عن نفسه، والظلم مقدور لله، لهذا حرمه على نفسه ونزه نفسه عنه ونفاه، ولو كان الظلم مستحيلاً على الله كما تقول الجبرية فكيف يحرم الله على نفسه شيئاً مستحيلاً؟! وما الفائدة من تحريم المستحيل؟ وكيف ينفي الظلم عن نفسه وهو غير مقدور له؟ فهذا باطل، وقوله: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:٢٣]، أي: لكمال حكمته لا لأنه صاحب القدرة والمشيئة كما تقول الجبرية.
стр. 145
الأجر والمثوبة على الأمراض والأسقام
السؤال
هل يؤجر المريض على مرضه ولو لم يحتسب ذلك، بل وربما جزع من ذلك المرض؟
الجواب
نعم يؤجر المريض على ذلك ويكفر المرض من خطاياه، وبعد ذلك إذا صبر واحتسب أثابه الله أجراً آخر على ذلك الصبر، وإن جزع وتسخط أثم على جزعه وسخطه، فيكون المرض إذاً كفارة للمريض، ثم بعد المرض إن صبر فله أجر الصابرين، وإن جزع وتسخط فعليه وزر المتسخطين الجازعين.
стр. 146
حكم وصف المقتول في سبيل الله بالشهادة
السؤال
هل لنا أن نسمي المقتول في سبيل الله شهيداً، وكذلك الغريق والمبطون والمطعون؟
الجواب
نعم نسميه شهيداً باعتبار أحكام الدنيا، وأما في أحكام الآخرة فالله أعلم بذلك؛ ولهذا بوب البخاري ﵀ قال: (باب لا يقال فلان شهيد)، يعني: لا يقال فلان شهيد في أحكام الآخرة، وأما في أحكام الدنيا فيصح أن نسميه شهيداً إذا قتل في المعركة، فلا يغسل ولا يصلى عليه.
وأما الغريق والمبطون والحريق فهم شهداء باعتبار الأجر والثواب، لكنهم يغسلون ويصلى عليهم، وليسوا شهداء كشهداء المعركة، فشهيد المعركة هو الذي لا يغسل ولا يصلى عليه.
стр. 147
التحلل من المظالم شرط في التوبة
السؤال
عندي مظالم كثيرة لأشخاص يعسر علي الاتصال بهم، ويصعب عليّ التحلل منهم وقد تبت منها، فهل هذا كافٍ مع الدعاء الكثير؟
الجواب
ليس بكاف، فلابد أن ترد المظلمة إلى أهلها إذا كنت تعرف صاحب المظلمة وكانت المظلمة مالاً مثلاً، فلا تبرأ ذمتك، ولا تصح توبتك إلا بإيصال المال إليهم، سواء سرقته أو غششته أو اختلسته أو أخفيته، ولا يلزم من ذلك أن تأتي بنفسك وتقول: هذا مال سرقته منكم، وإنما تقول: عندي لك استحقاق من شخص، وأنت صادق في ذلك، أو تعطي رجلاً وكيلاً يوصل المال إليه ويقول له: هذا استحقاق من شخص، والمهم هو إيصال المال بأي طريقة سواء بنفسك أو بوكيل، ثم تتوب من ذلك، فهذا إذا عرفته.
وأما إذا لم تعرفه وعجزتَ وأيستَ فإنك تتصدق عنه بنيته، أو تنفقه في المساجد والمصالح العامة بالنية عنه، والله تعالى يوصله إليه، وكذلك إذا كانت المظلمة غيبة فإنك تستحله، فإن كان يترتب على هذا شر فادع له في ظهر الغيب ويكفي ذلك.
وكذلك الاعتداء على بدن شخص فإنك تسلّم نفسك إليه تستحله، أو تعطيه مالاً حتى يسمح عنك، أو يقتص منك بأخذ حقه منك، وأما إذا كانت معصية بينك وبين الله فيكفي فيه التوبة، وأما حقوق الخلق فلابد من أدائها.
стр. 148
حكم عذر من جهل التوحيد
السؤال
هل يعذر جاهل التوحيد بجهله في مسألة دعاء غير الله، وعبادة القبور؟
الجواب
لا يعذر بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وقد بعث الرسول، وقال: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩]، فمن بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة، والعذر إنما يكون في أهل الفترات قبل بعثة الرسول، فقد بعث الله الرسول بالتوحيد والقرآن وكان يدعو إلى التوحيد وينهى عن الشرك، فلا عذر لأحد في ذلك، لكن يعذر الإنسان في الأمور الدقيقة الخفية التي يجهلها مثله كأهل الفترات البعيدين الذين لم يسمعوا القرآن.
стр. 149
حكم اعتبار قول التابعي في مسألة غيبية
السؤال
هل يعتبر قول التابعي حجة في إثبات مسألة غيبية كقول الحسن في المطر: إن مع كل قطرة ملكاً؟
الجواب
لا يكفي هذا، وإنما إذا قال الصحابي قولاً في أمر من أمور الغيب التي لا مجال للرأي فيها وبشرط ألا يأخذ الصحابي عن بني إسرائيل، فيكون لقوله حكم الرفع، فمثلاً: ابن عباس كان يأخذ عن بني إسرائيل، فإذا ذكر أمراً غيبياً فيحتمل أنه أخذه عن بني إسرائيل.
стр. 150
موضع حديث الرؤية في كتب السنة
السؤال
نريد منكم أن تذكروا لنا موضع الحديث الذي فيه: (أنكم ترون ربكم كما ترون الشمس ساطعة)؟
الجواب
جاء في حديث جرير بن عبد الله البجلي: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رأيته)، وهذا في صحيح البخاري، وفي حديث أبي سعيد: (إنكم ترون ربكم كما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب)، وارجع إلى الصحيحين وإلى السنن الأربع وانظر أحاديث الرؤية، وارجع إلى كتاب الروح لـ ابن القيم فإنه ساق أحاديث الرؤية وقال: رواها عن النبي ثلاثون صحابياً في الصحاح وفي السنن والمسانيد.
стр. 151
المراد بالميزان في الآخرة
السؤال
ما هو المراد بالميزان يوم القيامة؟
الجواب
هو ميزان حسي عظيم له كفتان، وأطباقه كأطباق السموات والأرض؛ توزن فيها أعمال العباد، ويوزن فيه الأشخاص على حسب الأعمال.
стр. 152
حكم من مات بحادث سيارة
السؤال
الذي يتوفى بحادث سيارة هل يعتبر شهيداً؟
الجواب
يرجى ذلك، وقد كان شيخنا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه يقول: يرجى أن يكون الصدم مثل الهدم، وأن يكون ذلك الشخص مثل صاحب الهدم؛ لأنه الصدم قريب من الهدم.
стр. 153
حكم السلام على ميت بعينه
السؤال
هل يجوز السلام على ميت بعينه؟
الجواب
نعم، يجوز ذلك إذا كنت تعرف موضعه، فتقول: السلام عليك يا فلان ورحمة الله وبركاته، غفر الله لك، وتترحم عليه وتدعو له، وتنصرف.
стр. 154
حكم من قال بجواز تبديل الشرع بالقوانين الغربية
السؤال
ما حكم من قال: إن تبديل الشرع بالقوانين الغربية ليس كفراً، وهل يصح أن نأخذ العلم عمن يقول هذا؟
الجواب
لا يؤخذ العلم ممن يقول هذا، وإذا لم يكن استبدال الشريعة بالقوانين كفراً فماذا يكون؟ ولا يوجد أحد يقول بأن إبدال القوانين مكان الشرع من الإسلام، فالله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤].
وقد صادم الذين يقولون إن تبديل الشريعة بالقوانين ليس كفراً قول الله: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ))، بل هو كفر وظلم وفسق، وقد يكون هذا كفراً أكبر وقد يكون كفراً أصغر, فقد يكون الحاكم جاهلاً فلابد أن تقوم عليه الحجة.
стр. 155
حكم التعاون مع الجماعات الإسلامية
السؤال
بعض الناس ينتمون لبعض الجماعات الإسلامية، فهل يجوز التعاون معهم في الأعمال الخيرية مثلاً, أو غير ذلك من طرق التعاون؟
الجواب
عليك أن تنظر في هذه الجماعات فإن كانت الجماعة على حق فتعاون معهم, وإن كانوا على باطل أو على بدعة فلا تتعاون معهم، والميزان في ذلك هو الشرع، فإذا أشكل عليك شيء فاسأل أهل العلم، واتصل بلجنة الإفتاء في المملكة العربية السعودية واسألهم عما أشكل عليك، أو سل أحد المفتين المعتبرين.
стр. 156
بيان أن الأشاعرة أنكروا الجهة دون الرؤية
السؤال
هل أنكر الأشاعرة رؤية الله ؟
الجواب
الأشاعرة ما أنكروا الرؤية فقد أثبتوا الرؤية، وإنما أنكروا الجهة فقط, فيقولون: يرى وليس في جهة، والذين أنكروا الرؤية هم المعتزلة والجهمية.
стр. 157
بيان أن المنافق لا يكون زنديقاً في جميع أحواله
السؤال
كيف يكون الزنديق بمعنى المنافق, مع أن المنافقين كانوا كثيرين في عهد الصحابة والتابعين، والمؤلف قد نفى وجود المنافقين إلا بعد وجود أهل الكلام؟
الجواب
ما نفى وجودهم, فالمؤلف يقول: إن النفاق موجود في عهد النبي ﷺ وموجود بعد ذلك، ولكنه يقول: بعد ما حدث الكلام كثر النفاق في أهل الكلام، وليس معنى ذلك أنه لا يوجد قبل ذلك, فقد وجد النفاق في عهد الصحابة ووجد بعدهم، ولما كثر الكلام نشأ النفاق من الكلام والجدال والخصومة، وقد نهى عن الجدال والخصومة في الدين وفي الصفات وفي القدر؛ لأنه ينشأ منه النفاق.
стр. 158
رؤية الله في الجنة
السؤال
جاء حديث زيارة المؤمنين لله في الجنة ورؤيتهم له، وهو قوله ﷺ : (ثم يعودون إلى أهليهم فيقال: لقد ازددتم نوراً, فيقولون: رأينا ربنا) أو كما قال ﷺ ، فهل في هذا دليل على عدم رؤية النساء لله ؟
الجواب
رؤية المؤمنين لربهم على حسب أعمالهم, فمنهم من يرى الله بكرة وعشياً، ويرون الله في يوم الجمعة، فيذهبون ويجلسون في مجالسهم فيتجلى لهم الرب ، فإذا احتجب عنهم فينصرفون إلى أهليهم، وإذا انصرفوا إلى أهليهم قال لهم أهلوهم وذووهم: ازددتم حسناً! قالوا: نعم، إنا جالسنا الجبار ﷻ ، لكن ليس معنى ذلك أن الرؤية مستمرة, فهم يرونه في يوم الجمعة، ويرونه على حسب أعمالهم، والسابقون المقربون منهم من يرى الله بكرة وأصيلاً.
стр. 159
سبب إنكار الأشاعرة للأسباب
السؤال
لماذا قالت الأشاعرة بإنكار الأسباب؟
الجواب
لأنهم جبرية ويقولون بالجبر، فيقولون: لو قلنا بإثبات السبب لصار هناك شيء له تأثير مع الله، ونحن نقول: لا يوجد مؤثر إلا الله، فالأسباب ليس لها تأثير, حتى وصلوا إلى القول بأن العبد ليس له أفعال وأنه مجبور.
стр. 160
التأويل الباطل يخرج صاحبه من أهل السنة والجماعة
السؤال
هل تأويل بعض الأحاديث والآيات يخرج الإنسان من أهل السنة، كقوله ﷺ : (الخلق عيال الله)؟
الجواب
إذا كان التأويل باطلاً فإنه يوصل إلى البدعة ويخرج الإنسان من أهل السنة والجماعة.
стр. 161
وجود بدع الاعتقاد وبدع العبادات
السؤال
هل هناك بدع في الاعتقاد وبدع في العبادة؟
الجواب
نعم، يوجد بدعة في الاعتقاد مثل بدع الأشاعرة والمعتزلة والجهمية, وبدعة العبادات مثل أن ينطق الإنسان بالنية، والبدع متعددة ومتنوعة.
стр. 162
حكم البدع
السؤال
هل البدعة في الاعتقاد غير مغتفرة، والبدعة في العبادات مغتفرة، إن جاز لنا أن نقول إن هناك فرقاً؟
الجواب
البدعة معصية، إذا كانت لا توصل إلى الكفر فهي معصية, وتختلف، فقد تغفر للعبد إذا كان جاهلاً بها.
وعلى كل حال فالبدعة كبيرة، ومغفرة الكبائر تحت مشيئة الله.
стр. 163
الفرق بين الإرادة الشرعية والكونية
السؤال
ما هو الفرق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية؟
الجواب
الإرادة الكونية عامة للمؤمن والكافر, والإرادة الدينية أو الشرعية خاصة بالمؤمن, فالله تعالى أراد الإيمان كوناً وقدراً من أبي بكر , وأراد الكفر من أبي لهب شرعاً ولم يرده كوناً، فاجتمعت الإرادتان في حق أبي بكر وانفردت الإرادة الكونية في حق أبي لهب , فتجتمع الإرادتان في حق المؤمن وتنفرد الإرادة الكونية في حق الكافر.
والإرادة الكونية لا يتخلف مرادها، والدينية قد تتحقق وقد لا تتحقق, فمن أراد الله منه الإيمان كوناً وقدراً لابد أن يؤمن, ومن أراد الله منه الإيمان ديناً وشرعاً قد يؤمن وقد لا يؤمن.
стр. 164
حكم من عطل صفة من صفات الله وأقر بغيرها
السؤال
ما حكم من عطل صفة من صفات الله سبحانه وأقر بباقي الصفات؟
الجواب
هذا فيه تفصيل: فإن كان متأولاً فهو مبتدع، وإن كان جاحداً فهو كافر، كمن قال: ليس لله علم ولا قدرة ولا استواء, لكن من تأول الاستواء بمعنى الاستيلاء فهذا لا يكفر؛ لوجود الشبهة فالمتأول غير الجاحد.
стр. 165
معنى الفطرة التي يولد عليها المولود
السؤال
كيف نجمع بين أن الهداية فضل من الله, وبين أن كل مولد يولد على الهداية؟
الجواب
كل مولود يولد على الفطرة وليس على الهداية, والفطرة تعني: أن يقر بربوبية الله ويميل إلى الخير، وهي الإسلام بمعناها العام.
стр. 166
بيان أن الخوارج ليسوا كفاراً ولا بغاة
السؤال
نرجو أن تبينوا لنا قول شيخ الإسلام في حكم الخوارج: إن الصواب أنهم ليسوا كفاراً كالمرتدين عن أصل الإسلام، وليسوا بغاة، بل هم نوع ثان؟
الجواب
قال: إن الخوارج ليسوا كفاراً؛ لأنهم متأولون، فهم يتعبدون وهم متأولون، والصحابة عاملوهم معاملة الكفار, وهناك قول بكفرهم، وهو رواية عن الإمام أحمد.
والبغاة: هم الذين يخرجون عن الإمام إذا فعل بعض المعاصي، والخوارج ليسوا منهم، والبغاة يختلفون عن الخوارج.
стр. 167
كيفية الرد على أسئلة الأطفال المتعلقة بذات الله
السؤال
بعض الأطفال يسألون آباءهم بكثرة عن ذات الله سبحانه, فكيف يرد عليهم؟
الجواب
يرد عليهم بصفات الله, والقول بأن الله تعالى فوق العرش, وأن الله عليم بكل شيء, وقد قال ﵊: (تفكروا في صفات الله، ولا تتفكروا في ذات الله).
стр. 168
كفر من استحل شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة
السؤال
إن من المعروف في زماننا وجود من يمنع الحجاب، ويستحل الدعارات, ويحارب السنة ويعذب أهلها, ويحكم بغير شرع الله، فهل هؤلاء فساق أم كفار؟
الجواب
هذه علامات الكفر، فإذا استحل أمراً معلوماً من الدين بالضرورة فهو كافر, وأما إذا فعلها طاعة للهوى والشيطان فيكون عاصياً.
стр. 169
شرح كتاب السنة للبربهاري [١١]
أهل السنة والجماعة يرون تحريم زواج المتعة خلافاً للرافضة، وأهل السنة يحبون أهل بيت النبي ﷺ ، ويخالفون الجهمية القائلين بخلق القرآن المخالفين للسنن والآثار.
стр. 170
تحريم زواج المتعة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم أن المتعة -متعة النساء- والاستحلال حرام إلى يوم القيامة].
أراد المؤلف ﵀ الرد على الرافضة الذين يرون شرعية المتعة.
والمتعة: أن يتمتع الرجل بالمرأة مدة معينة، فيتفق معها ويتزوجها مدة معينة, شهراً أو شهرين, أو يوماً أو يومين, ويشترط عليها شرطاً كأن يقول: أتزوجك يوماً أو يومين أو خمسة أيام أو عشرة أيام ثم أطلقك.
وكانت المتعة في أول الإسلام مباحة، وذلك لما اشتدت العزوبة على الصحابة في بعض الغزوات فأبيحت المتعة، ثم حرم النبي ﷺ المتعة إلى يوم القيامة فالمتعة حرام.
والمتعة تعتبر من الزنى والعياذ بالله, والشيعة يستحلون المتعة ويرون أنها حلال, وسبق الحديث: (لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها, فإن الزانية هي التي تزوج نفسها) , فالمتعة: يتفق الرجل مع المرأة على أن يتمتع بها أياماً، يعني: ينكحها أياماً، ثم يتركها, وقد قال النبي ﷺ : (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل).
وشروط النكاح أربعة: ولي، وزوج، وشاهدا عدل، ولابد من مهر, وبسبب استحلال الشيعة للمتعة كثر عددهم، فهم يتمتعون بالنساء فيأتيهم من ذلك أولاد كثيرون, نسأل الله السلامة والعافية, وفي الحديث: (أن النبي ﷺ حرم المتعة يوم خيبر إلى يوم القيامة).
стр. 171
وجوب حب المسلم لكل من له قرابة بالرسول الكريم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعرف لبني هاشم فضلهم؛ لقرابتهم من رسول الله ﷺ ، وتعرف فضل قريش والعرب وجميع الأفخاذ, فاعرف قدرهم وحقوقهم في الإسلام، ومولى القوم منهم, وتعرف لسائر الناس حقهم في الإسلام, واعرف فضل الأنصار ووصية رسول الله ﷺ فيهم, وآل الرسول فلا تنساهم، واعرف فضلهم وكراماتهم وجيرانه من أهل المدينة فاعرف فضلهم].
(واعرف لبني هاشم فضلهم)؛ لأن النبي ﷺ من بني هاشم , وهو الهاشمي القرشي, ولهذا لا تكون الزكاة لبني هاشم ولا لبني عبد المطلب؛ لأنهم آل النبي ﷺ , فلابد أن يعرف المسلم لبني هاشم فضلهم, قال الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ﴾ [الشورى:٢٣] أي: المحبة، ﴿فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣]، ولابد من مودة بني هاشم وهي واجبة لقربهم من النبي ﷺ ، ومحبتهم من محبة النبي ﷺ , فلابد أن يعرف الإنسان لهم فضلهم، فهم أشرف الناس نسباً، والنبي ﷺ بعث في أشرف الناس نسباً, وكذلك الأنبياء تبعث في أحساب قومها, فقد جاء في حديث ما معناه أن النبي ﷺ قال: (لا يؤمنوا حتى يحبوكم لله ولقرابتي).
والمراد ببني هاشم: قرابة النبي ﷺ المؤمنين, وكذلك بنو عبد المطلب.
(وتعرف فضل قريش)؛ لأن النبي ﷺ من قريش, فقريش أفضل العرب نسباً, وكذلك العرب؛ لأن النبي ﷺ بعث في العرب، فجنس العرب أفضل من جنس العجم, ولكن الجنس لا يفيد إلا مع تقوى, كما قال النبي ﷺ : (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى)، وقد يوجد شخص من العجم خير من ألوف من العرب, وإنما المراد الجنس, فجنس العرب أفضل من جنس العجم.
(وجميع الأفخاذ) وهي: جمع فخذ، وهو أقل من الشعب، فيقال أقارب الإنسان ثم قبيلته ثم شعبه.
(ومولى القوم منهم) أي: عتيقهم، فإذا أعتقوا أحداً صار منهم.
ولهذا نجد من يقول: إنه من قريش وهو مولى، وذلك لأنه أصبح عتيقاً، ولكنه لا يكون من نسبهم.
اكتملنا من الصفحة التاسعة ودخلنا في الصفحة العاشرة (وتعرف لسائر الناس حقهم في الإسلام) , فكل مؤمن له حق في الإسلام, قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] , وقال ﵊: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه)، وقال ﵊: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم, مثل الجسد والواحد, إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
(واعرف فضل الأنصار ووصية رسول الله ﷺ فيهم) فقد أوصى النبي ﷺ بالأنصار, وقال: (من ولي شيئاً ينفع ويضر فليوال الأنصار أو فليعط الأنصار حقهم) أو كما قال ﵊, وقال للأنصار: (إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض) , يعني: ستجدون بعض الولاة وبعض الأمراء يؤثرون غيركم عليكم، ويمنعونكم حقكم، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض، فالأنصار هم كثير في الإسلام, وهم الذين آووا النبي ﷺ والمهاجرين, فلما عتبوا عليه ﵊ في بعض الشيء جمعهم وقال لهم: (أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله في رحالكم؟ الأنصار شعار، والناس دثار، اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار)، فلابد أن تعرف فضل الأنصار.
(وآل الرسول، فلا تنساهم) وآل الرسول هم أتباعه على دينه، ويدخل في ذلك دخولاً أولياً قرابته من جهة النسب, كـ علي وفاطمة والحسن والحسين والعباس , وزوجاته ﵊، وبناته وأعمامه وأقاربه المؤمنين، فلا بد للإنسان أن يعرف حقهم.
(وجيرانهم من أهل المدينة فاعرف فضلهم) وهم الأنصار, أو جيرانه في المدينة، ومن كانوا حول المدينة من القبائل والقرى والبوادي، فكل هؤلاء لهم حق على المسلم لقربهم من النبي ﷺ ولجوارهم له.
стр. 172
عدم قبول قول الجهمية والمعتزلة في القول بأن القرآن مخلوق
قال المؤلف ﵀: [واعلم رحمك الله أن أهل العلم لم يزالوا يردون قول الجهمية، حتى كان في خلافة بني فلان تكلم الرويبضة في أمر العامة, وطعنوا على آثار رسول الله ﷺ ، وأخذوا بالقياس والرأي، وكفروا من خالفهم، فدخل في قولهم الجاهل والمغفل، والذي لا علم له، حتى كفروا من حيث لا يعلمون, فهلكت الأمة من وجوه, وكفرت من وجوه, وتزندقت من وجوه, وضلت من وجوه, وتفرقت وابتدعت من وجوه, إلا من ثبت على قول رسول الله ﷺ وأمره وأمر أصحابه، ولم يخطئ أحداً منهم، ولم يجاوز أمرهم, ووسعه ما وسعهم، ولم يرغب عن طريقتهم ومذهبهم، وعلم أنهم كانوا على الإسلام الصحيح والإيمان الصحيح، فقلدهم دينه واستراح، وعلم أن الدين إنما هو بالتقليد، والتقليد لأصحاب محمد ﷺ ].
(واعلم رحمك الله أن أهل العلم لم يزالوا يردون قول الجهمية) وذلك لكفرهم وضلالهم، والجهمية هم الذين أنكروا أسماء الله وصفاته، وقالوا: إن الله ليس له سمع ولا بصر ولا علم ولا قدرة، فهم ينفون جميع الصفات والأسماء, وهم بهذا يصفون العدم، فالشيء الذي ليس له اسم ولا صفة يكون عدماً, ولهذا كفر العلماء الجهمية وأخرجوهم من الاثنتين والسبعين الفرقة وقالوا: هم كفار؛ لأنهم ما أثبتوا وجوداً لله، ونفوا الأسماء والصفات فأنكروا بقولهم وجود الله.
ولهذا قال المؤلف ﵀: (اعلم رحمك الله أن أهل العلم لم يزالوا يردون قول الجهمية حتى كان في خلافة بني فلان) يعني: بني العباس، وبالتحديد خلافة المأمون، فلما كانت خلافة المأمون ترجمت كتب اليونان والرومان، ودخل على المسلمين شر كثير، واعتنق المأمون مذهب المعتزلة وأثروا عليه، وقرب المعتزلة فصاروا أقرباءه، حتى صار رئيس القضاة في زمن المأمون أحمد بن أبي دؤاد وهو من المعتزلة، وهو الذي امتحن الإمام أحمد إمام أهل السنة، وأراده على القول بخلق القرآن فامتنع، فضُرب الإمام أحمد وسجن وسحب حتى أغمي عليه، ورفض رفضاً قاطعاً أن يقول: إن القرآن مخلوق، مع أنه مجبر ومكره له عذر.
فبعض العلماء ترخص تحت وطأة الإكراه والإلزام والجبر، فهو معذور، والله تعالى عذر المكره إذا تكلم بكلمة الكفر إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل:١٠٦]، فتأول بعض العلماء فسلموا من العذاب، حتى قال بعضهم للإمام أحمد: لك رخصة يا إمام! لو تأولت، فامتنع الإمام وثبت, وصبر على الأذى والسجن والضرب والسحب والإيذاء, وخشي أن يتأول فيضل الناس بسببه، وقد قال له أحدهم: لو تأولت يا إمام! فقال: انظر إلى هؤلاء الكتاب، وكان هناك مساحة كبيرة من دار الخليفة كلها مملوءة من الكتاب، وكل واحد معه قلم يريد أن يكتب مقالة الإمام أحمد، أي: أنه ينتظر كلمة يتكلم بها فيكتبها, فقال: أتريد أن أضل هؤلاء؟ كلا، بل أموت ولا أضلهم.
فثبت ﵁ وأرضاه في المحنة، حتى قيل: إن الخليفة الراشد أبا بكر ثبت يوم الردة، حتى أن عمر ﵁، وهو من هو أشكل عليه وقال: يا خليفة رسول الله! كيف تقاتلهم وقد صلوا، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة, ما استمسك السيف بيدي, والله لو لعبت الكلاب بخلاخل أمهات المؤمنين لقاتلتهم حتى يؤدوا إلي ما أدوه إلى رسول الله ﷺ , والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه، فشرح الله صدر عمر لرأي أبي بكر، وثبت ثبوت الجبال الراسيات ﵁ وأرضاه، فأجمع الصحابة على قوله وأخذوا برأيه وأنه على الحق، فشرحت صدورهم لذلك، حتى قال بعض المسلمين: لولا أن الله ثبت أبا بكر لما عبد الله في الأرض، ولأطبقت العرب على الردة إلا من ثبته الله.
فثبت الله الجزيرة بـ أبي بكر ﵁ يوم الردة, والإمام أحمد يوم المحنة، وقد اختبر المأمون -بناء على رأي المعتزلة الذين أثروا عليه- الإمام أحمد، وألزموا أهل السنة أن يقولوا: إن القرآن مخلوق، وأمر الخليفة بأن يؤتى بالعلماء من أنحاء الخلافة مقيدين بالسلاسل, فمن لم يقل بأن القرآن مخلوق أوذي وسحب وضرب وألقي في السجون، فمنهم من تأول، ومنهم من مات في السجن، ومنهم من مات في الطريق، ومنهم الإمام أحمد الذي رفض وامتنع على الرغم من شدة ما لقي من العذاب.
(حتى كان في خلافة بني فلان -أي: بني العباس- تكلم الرويبضة في أمر العامة) والرويبضة: الجاهل الذي ليس عنده علم فيتكلم في أمر العامة بسبب فساد أمر الناس، وإلا فإن الرويبضة لا يتكلم في وقت قوة الإسلام وظهوره.
(وطعنوا على آثار رسول الله ﷺ يعني: الحديث، وأخذوا بالقياس والرأي، وهو يقصد المعتزلة الذين يأخذون بآرائهم وأهوائهم وشهواتهم ويتركون النصوص.
(وكفروا من خالفهم) فكل من لم يقل: القرآن مخلوق كافر عند المعتزلة.
(فدخل في قولهم الجاهل والمغفل) فالجاهل لجهله تبع المعتزلة والمغفل كذلك, أما صاحب البصيرة والفطنة فلا يقبل قولهم.
إذاً: دخل في قولهم ثلاثة أصناف من الناس: الصنف الأول: الجاهل, والثاني: المغفل, والثالث: الذي لا علم له.
(حتى كفروا من حيث لا يعلمون) أي: بهذه المقالة.
(فهلكت الأمة من وجوه) أي: هلكت الأمة من هذا الوجه حيث إنهم صدقوهم وأخذوا بقولهم.
(وكفرت من وجوه) يعني: من تبعهم في القول بخلق القرآن.
(وتزندقت من وجوه) الزندقة هي النفاق، أي: أن من الناس من كفر، ومن الناس من تزندق وصار منافقاً، ومن الناس من ضل وصار مبتدعاً, والنتيجة أن هلكت الأمة من هذه الوجوه.
(إلا من ثبت على قول رسول ﷺ وأمره وأمر أصحابه، ولم يخطئ أحداً منهم، ووسعه ما وسعهم, ولم يرغب عن طريقتهم ومذهبهم) أي: لم يرغب عنها بل رغب فيها.
(وعلم أنهم كانوا على الإسلام الصحيح والإيمان الصحيح) أي: تيقن أن الصحابة كانوا على الإسلام الصحيح والإيمان الصحيح.
(فقلدهم دينهم واستراح) يعني اتبعهم، وليس معناه التقليد بغير بصيرة.
(وعلم أن الدين إنما هو بالتقليد, والتقليد دين أصحاب محمد ﷺ والمراد بالتقليد الاتباع، وإلا فالتقليد مذموم إذا كان بغير بصيرة.
стр. 173
بدعية من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، وتجهم من سكت عن القول في القرآن
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم أن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، ومن سكت فلم يقل: مخلوق ولا غير مخلوق فهو جهمي، هكذا قال أحمد بن حنبل.
وقال رسول الله ﷺ : (إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة، وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ)].
(واعلم أن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، ومن سكت فلم يقل مخلوق ولا غير مخلوق فهو جهمي, هكذا قال أحمد بن حنبل ﵀ والإمام أحمد له عبارة مشهورة قريبة من هذه، وهي قوله: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي -أي: وافق الجهمية-، ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع, ولأن مذهب السنة والجماعة أن كلام الله منزل غير مخلوق.
والمقصود بكلام الله لفظه ومعناه، فقوله: لفظي بالقرآن قول الجهمية، فلفظك وأفعالك وأقوالك مخلوقة، فعندما تخصص وتقول: لفظي بالقرآن هذا بدعة، ومن قال ذلك فهو جهمي؛ لأنه وافق قول الجهمية، ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع؛ لأنه ابتدع قولاً لم يقله أحد من السلف, والقرآن كلام الله أنزله على رسوله، وأفعالك وأقوالك مخلوقة، لكن لا يصح أن تخصص اللفظ بالقرآن أنه مخلوق.
(واعلم أن من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع)؛ لأنه قول لم يقله أحد من السلف, فقد سكتوا وما قالوا: اللفظ مخلوق ولا غير مخلوق, فمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق فقد ابتدع؛ لمخالفته طريقة السلف، ومن سكت وتوقف فقال: لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق فهو جهمي، فلا يوجد داعي أن تشك، بل اجزم بأن القرآن كلام الله أنزله على رسوله، فالشاك مبتدع مثل الجهمية، ولا فرق بين الجهمي وبين الشاك، فالذي يتكلم بالبدعة والذي يسكت ولا ينفي البدعة كلاهما مبتدع.
(هكذا قال أحمد بن حنبل) والواجب أن تقول: إنه كلام الله منزل غير مخلوق لفظاً ومعنى.
(وقال رسول الله ﷺ : (إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فعضوا عليها بالنواجذ) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وله ألفاظ, فقد روي بلفظ: (إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة).
وفي هذا الحديث التحذير من البدع ومحدثات الأمور وأنها من الضلال, والحث على لزوم السنة، وسنة الخلفاء الراشدين إذا خفيت السنة، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، أما مع وجود السنة فلا، فإذا لم توجد سنة، ووجد قول للخلفاء الراشدين فهو السنة؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن سنة الخلفاء الراشدين سنة بقوله: (تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) , والنواجذ هي الأسنان التي تلي الأضراس، وفي كل فك أربة نواجذ، اثنان من اليمين، واثنان من الشمال في كل فك, والمعنى: تمسكوا به، فالشيء الذي يريد الإنسان أن يمسكه يعض عليه بالنواجذ حتى لا ينفلت.
стр. 174
بيان سبب هلاك الجهمية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم أنه إنما جاء هلاك الجهمية: أنهم فكروا في الرب ، فأدخلوا: لم؟ وكيف؟ وتركوا الأثر، ووضعوا القياس، وقاسوا الدين على رأيهم، فجاءوا بالكفر عِياناً، لا يخفى أنه كفر، وكفروا الخلق، واضطرهم الأمر حتى قالوا بالتعطيل].
(واعلم أنه إنما جاء هلاك الجهمية أنهم فكروا بالرب) أي: فكروا في ذاته وأسمائه وصفاته، ثم قاسوا الخالق على المخلوق.
(فأدخلوا: لم؟ وكيف؟) أي قالوا: لم؟ واستفهموا في الأفعال: لم فعل كذا, واستفهموا في الصفات، حيث قالوا: كيف استوى؟ وكيف نزل؟ وهذا من جهلهم وضلالهم، وهذه أسئلة فاسدة، ولا يوجه هذا السؤال لأفعاله جل في علاه، فلا يقال: لم جعل هذا غنياً؟ لم جعل هذا فقيراً؟ لم جعل هذا طويلاً؟ لم جعل هذا قصيراً؟ لأن الله حكيم وله الحكمة البالغة.
فهلك الجهمية بذلك، أما الصحابة والتابعون ومن بعدهم فهم في عافية من هذا, فلم يأتوا بمثل هذه الأسئلة.
(وتركوا الأثر) يعني: النصوص، (ووضعوا القياس) أي: قاسوا الخالق على المخلوق، وقاسوا أمور الآخرة على أمور الدنيا, وقاسوا الدين على آرائهم وشهواتهم.
(فجاءوا بالكفر عياناً) العيان: المعاينة، فارتكبوا كفراً واضحاً بيناً، يعاينه كل أحد ولا يخفى على أحد أنه كفر.
(وكفروا الخلق) أي: الجهمية، فقد كفروا من لم يوافقهم.
(واضطرهم الأمر حتى قالوا بالتعطيل) أي: وصل بهم الحال حتى عطلوا الرب من أسمائه وصفاته، وقالوا: ليس له علم ولا سمع ولا بصر ولا إرادة ولا قدرة، وليس فوق العالم ولا تحت العالم، ولا مبايناً للعالم ولا محايداً للعالم، ولا متصلاً بالعالم ولا منفصلاً عن العالم، وهذا تعطيل كامل، وهذا معنى قول المؤلف ﵀: (فاضطرهم الأمر حتى قالوا بالتعطيل).
стр. 175
كفر الجهمي لضلال معتقداته
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال بعض العلماء منهم أحمد بن حنبل ﵁: الجهمي كافر، ليس من أهل القبلة، حلال الدم، لا يرث، ولا يورث؛ لأنه قال: لا جمعة ولا جماعة ولا عيدين ولا صدقة، وقالوا: من لم يقل القرآن مخلوق فهو كافر، واستحلوا السيف على أمة محمد ﷺ ، وخالفوا من كان قبلهم، وامتحنوا الناس بشيء لم يتكلم فيه رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه، وأرادوا تعطيل المساجد والجوامع، وأوهنوا الإسلام، وعطلوا الجهاد، وعملوا في الفرقة، وخالفوا الآثار وتكلموا بالمنسوخ، واحتجوا بالمتشابه، فشككوا الناس في آرائهم وأديانهم، واختصموا في ربهم، وقالوا: ليس عذاب قبر ولا حوض يورد ولا شفاعة، والجنة والنار لم تخلقا، وأنكروا كثيراً مما قال رسول الله ﷺ ، فاستحل من استحل تكفيرهم ودماءهم من هذا الوجه؛ لأنه من رد آية من كتاب الله فقد رد الكتاب كله، ومن رد أثراً عن رسول الله ﷺ فقد رد الأثر كله، وهو كافر بالله العظيم، فدامت لهم المدة، ووجدوا من السلطان معونة على ذلك، ووضعوا السيف والسوط دون ذلك، فدرس علم السنة والجماعة وأوهنوهما وصارتا مكتومين؛ لإظهار البدع والكلام فيها، ولكثرتهم، واتخذوا المجالس وأظهروا رأيهم، ووضعوا فيه الكتب، وأطمعوا الناس، وطلبوا لهم الرئاسة، فكانت فتنة عظيمة، لم ينج منها إلا من عصم الله، فأدنى ما كان يصيب الرجل من مجالستهم أن يشك في دينه أو يتابعهم أو يرى رأيهم أو يزعم أنهم على الحق، ولا يدري أنه على الحق أو على الباطل، فصار شاكاً فهلك الخلق، حتى كان أيام جعفر الذي يقال له: المتوكل، فأطفأ الله به البدع، وأظهر به الحق، وأظهر به أهل السنة، وطالت ألسنتهم مع قلتهم وكثرة أهل البدع إلى يومنا هذا.
والرسم وأعلام الضلالة قد بقي منهم قوم يعملون بها، ويدعون إليها، لا مانع يمنعهم، ولا أحد يحجزهم عما يقولون ويعملون].
(وقال بعض العلماء منهم أحمد بن حنبل ﵀: الجهمي كافر، ليس من أهل القبلة، حلال الدم، لا يرث ولا يورث) وهذا مشهور عن كثير من العلماء أنهم كفروا الجهمية، وقد كفرهم خمسمائة عالم, حتى قال ابن القيم في الكافية الشافية: ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان واللالكائي الإمام قد حكاه وحكاه عنه قبله الطبراني وقوله: خمسين في عشرة، أي: خمسمائة، ومن العلماء من كفر الغلاة والدعاة وعلماءهم، وفسق عامتهم، ومن العلماء من كفرهم جميعاً ومنهم من بدعهم جميعاً؛ وذلك لخبث معتقدهم وفساد قولهم؛ ولأنهم قالوا: إن الرب ليس له صفات ولا أسماء، حتى إنهم نفوا النقيضين عنه جل وعلا، فقالوا: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايد له، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولهذا كفرهم العلماء.
ومن كفرهم ما يعتقدته الجهم حيث يقول: الإيمان معرفة الرب بالقلب، فإذا عرفت ربك بقلبك فأنت مؤمن, كما يقول بعض الناس: الإيمان في القلب، فنقول: والكفر والنفاق في القلب أيضاً, وإذا وقر الإيمان في القلب عملت الجوارح, وإذا وقر الكفر في القلب لم تعمل الجوارح.
(لأنه قال -أي: الجهمي-: لا جمعة ولا جماعة، ولا عيدين ولا صدقة, وقالوا -أي: الجهمية-: من لم يقل القرآن مخلوق فهو كافر) إذاً: الجهمية يكفرون من قال: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق.
(واستحلوا السيف على أمة محمد ﷺ ؛ لأنهم يرون أنهم كفار، فاستحلوا دماء المسلمين، وخالفوا من كان قبلهم.
(وامتحنوا الناس بشيء لم يتكلم فيه رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه) فالمعتزلة امتحنوا الناس في زمن المأمون، وكانوا يأتون إلى كل عالم يسألونه ماذا يقول في خلق القرآن؛ فمن لم يقل: إن القرآن مخلوق فإنه يزج به في السجون ويؤذى، ومن قال منهم: القرآن مخلوق سكتوا عنه، فيكفرون من قال: إن كلام الله منزل غير مخلوق, ومن قال: إنه مخلوق فهذا هو المؤمن عند المعتزلة.
(وأرادوا تعطيل المساجد والجوامع)؛ لأنهم يزعمون أن الإيمان في القلب، فلا حاجة إلى الصلاة ولا حاجة إلى المساجد، فأرادوا تعطيل المساجد والجوامع.
(وأوهنوا الإسلام) أي: أضعفوا الإسلام.
(وعطلوا الجهاد وعملوا في الفرقة) يعني: حاولوا التفريق بين المسلمين.
(وخالفوا الآثار) أي: النصوص.
(وتكلموا في المنسوخ، واحتجوا بالمتشابه) أي: المتشابه من كلام الله وكلام رسوله.
(فشككوا الناس في آرائهم وأديانهم, واختصموا في ربهم) ومثال ذلك خوضهم في آيات الصفات.
(وقالوا -وهذا من تشكيكهم-: ليس عذاب قبر ولا حوض يورد، ولا شفاعة، والجنة والنار لم تخلقا، وقول المعتزلة: إن الجنة والنار ليستا مخلوقتين، بحجة أن خلقهما الآن عبث، ولا أحد يستفيد منهما, وإنما تخلقان يوم القيامة.
وما أعملوا عقولهم أن النصوص دلت على أن الجنة والنار مخلوقتان، قال تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال تعالى في حق النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] هذا الأول.
ثانياً: أن الجنة والنار ليستا معطلتين، فالجنة فيها الحور والولدان، ويفتح للمؤمن باب من الجنة في قبره، فيأتيه من روحها وطيبها، والنار تعذب فيها أرواح الكفرة، ويفتح للكافر باب إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها، وبهذا يتبين أنهما ليستا معطلتين.
وأنكروا عذاب القبر، مع أن النصوص كثيرة في إثباته.
وحديث الحوض من الأحاديث المتواترة.
وأنكروا الشفاعة وهي متواترة كذلك.
(وأنكروا كثيراً مما قال رسول الله ﷺ , فاستحل من استحل تكفيرهم ودماءهم من هذا الوجه) أي: من أجل أنهم كفروا وشككوا الناس في آرائهم وأديانهم، واختصموا في ربهم، وأنكروا عذاب القبر والحوض والشفاعة وهي أمور متواترة, وردوا النصوص.
(لأن من رد آية من كتاب الله فقد رد الكتاب كله، ومن رد أثراً عن رسول ﷺ فقد رد الأثر كله) وهذا كفر وضلال، فمن رد آية أو حديثاً فهو كافر.
(فدامت لهم المدة، ووجدوا من السلطة معونة على ذلك) أي: أن الجهمية دامت لهم المدة ووجدوا من السلطة في زمن المأمون، معونة على ذلك.
(ووضعوا السيف والسوط دون ذلك) أي: وضعوا السيف على رقاب المسلمين حتى يوافقوا على آرائهم الباطلة، وكذلك ألهبوا ظهور العلماء بالضرب بالسوط؛ لأنهم لم يوافقوهم.
(فدرس علم السنة والجماعة) أي: خفي علم السنة والجماعة بسبب ظهور هؤلاء المبتدعة المعتزلة، وإيذائهم المسلمين وتعذيبهم لهم.
(وأوهنوهما وصارتا مكتومتين) أي: القرآن والسنة.
(لإظهار البدع والكلام فيها ولكثرتهم) فصار علم الكتاب والسنة مكتومين بسبب إظهار البدع والكلام فيها ولكثرتها.
(واتخذوا المجالس، وأظهروا رأيهم، ووضعوا فيه الكتب) أي: أن المعتزلة صنفوا الكتب، فلهم كتب يقررون فيها آراءهم.
(وأطمعوا الناس، وطلبوا الرئاسة) أطمعوا الناس في أن من تبعهم يولونه ويعطونه من رفدهم.
(فكانت فتنة عظيمة لم ينج منها إلا من عصم الله) فأدنى ما كان يصيب الرجل من مجالستهم أن يشك في دينه، أو يتابعهم، أو يرى رأيهم على الحق، ولا يدري أنه على الحق أو على الباطل، هذا هو أدنى ما يصيب الإنسان من مجالستهم، فإما أن يشك في دينه، وإما أن يتابع أهل البدع على بدعتهم، وإما أن يرى أن ما هم عليه هو الحق، فيرى أن آراءهم الفاسدة على الحق، ولا يدري أنه على الحق أو على الباطل، فصار شاكاً.
(فهلك الخلق حتى كان أيام جعفر الذي يقال له: المتوكل فأطفأ الله به البدع، وأظهر به الحق، وأظهر به أهل السنة) المتوكل ﵀ أوقف البدعة التي انتشرت في زمن المأمون وألزم الناس بقول الحق في القرآن، وأخرج الإمام أحمد ﵀، وأذن له بالدرس، فعادت المياه إلى مجاريها فرحمه الله.
(وطالت ألسنتهم) أي: أهل السنة، فصار لهم ظهر يحميهم وهو الخليفة، (مع قلتهم وكثرة أهل البدع إلى يومنا هذا).
(والرسم وأعلام الضلالة قد بقي منهم) أي: وإن كان المتوكل قد نصر أهل السنة إلا أنه بقي شيء لأهل البدع وهو الرسم والعلم فقط.
(منهم قوم يعملون بها، ويدعون إليها، لا مانع يمنعهم ولا أحد يحجزهم عما يقولون ويعملون) أي: بقي من المبتدعة في زمن جعفر المتوكل الذي أظهر السنة، وقد بقي لأهل البدع وأعلام الضلالة فيعملون بها ويدعون إليها دون وجود مانع ولا حاجز.
стр. 176
علماء الطمع سبب ظهور البدع
قال المؤلف ﵀: [واعلم أنه لم تجئ بدعة قط إلا من الهمج الرعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، فمن كان هكذا فلا دين له، قال الله ﵎: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية:١٧]، وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة:٢١٣]، وهم علماء السوء أصحاب البدع والطمع].
(واعلم أنه لم تجئ بدعة قط إلا من الهمج الرعاع أتباع كل ناعق) كبدعة الخوارج, وفتنة الجهمية، وبدعة القدرية, وبدعة المعتزلة, فلم تنشأ هذه إلا من الهمج، أي: الجهال الذين لا علم عندهم، والذين يتبعون كل ناعق، فكلما سمعوا شيئاً تبعوه سواء كان على الحق أو على الباطل فليس عندهم بصيرة ولا تمييز، فهؤلاء هم سبب انتشار البدعة؛ لعدم بصيرتهم.
(فمن كان هكذا فلا دين له، قال الله ﵎: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية:١٧]) أي: أهل الكتاب ما اختلفوا إلا بعد العلم، والذي حملهم على اختلافهم البغي، وهذا ذم لأهل الكتاب، وهو تحذير لنا -في نفس الوقت- حتى لا نفعل مثل فعلهم فيصيبنا ما أصابهم، قال تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الجاثية:١٧] وسببه: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية:١٧].
وسبب الاختلاف هم علماء السوء وأصحاب الطمع والبدع من أهل الكتاب، ومن هذه الأمة أيضاً.
(وأصحاب الطمع والبدع) هم الذين يختارون الدنيا بالدين والذين يبيعون آخرتهم بدنياهم, فهؤلاء هم الذين تظهر بسببهم البدع، وفيه التحذير من البدع وتحذير أهل العلم من الزيغ والانحراف.
стр. 177
لا يزال الخير في أفراد هذه الأمة
قال المؤلف ﵀: [واعلم أنه لا يزال الناس في عصابة من أهل الحق والسنة، يهديهم الله، ويهدي بهم غيرهم، ويحيي بهم السنن، فهم الذين وصفهم الله تعالى مع قلتهم عند الاختلاف فقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة:٢١٣]، فاستثناهم فقال: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣]، وقال رسول الله ﷺ : (لا تزال عصبة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون)].
(اعلم أنه لا يزال الناس في عصابة من الحق والسنة، يهديهم الله، ويهدي بهم غيرهم ويحيي بهم السنة) أي: أن الأمة لا يزال فيها الخير، لا يرفع من هذه الأمة، وهذه بشارة من النبي ﷺ بقوله: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خذلهم).
وهي بشارة في أن الخير لا ينقطع من هذه الأمة ولا يرفع منها، بل لابد أن تثبت طائفة على الحق إلى يوم القيامة، إلى أن تأتي الريح الطيبة فتقبض أرواح المؤمنين والمؤمنات.
стр. 178
العالم من اتبع العلم والسنن
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم رحمك الله أن العلم ليس بكثرة الرواية والكتب، وإنما العالم من اتبع العلم والسنن، وإن كان قليل العلم والكتب، ومن خالف الكتاب والسنة، فهو صاحب بدعة، وإن كان كثير العلم والكتب].
(واعلم رحمك الله أن العلم ليس بكثرة الرواية والكتب) أي: كون الإنسان يروي الأحاديث، ويكون له شيوخ كثيرون، وأتباع، وقد يكون الإنسان لديه مكتبة كبيرة الحجم مليئة بالكتب، ولكن قد لا يستفيد ولا يقرأ فيها ولا يعمل بما فيها، فالحمار يحمل الأسفار وهي الكتب ولا يستفيد منها, وقد مثل الله تعالى أهل الكتاب بذلك، قال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة:٥].
قوله: (إنما العالم من اتبع العلم والسنن) فالعالم هو الذي يتبع العلم المأخوذ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
ومن خالف الكتاب والسنة فهو صاحب بدعة، وإن كان كثير العلم والكتب، إذاً: المهم في العالم اتباع السنة، فمن اتبع السنة فهو العالم، ولو كانت روايته وكتبه قليلة, ومن خالف السنة فهو صاحب بدعة وإن كان كثير العلم والكتب.
стр. 179
تحريم الكلام في الدين دون الاستناد إلى حجة من الكتاب والسنة
قال المؤلف ﵀: [واعلم رحمك الله أن من قال في دين الله برأيه وقياسه وتأويله من غير حجة من السنة والجماعة فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن قال على الله ما لا يعلم فهو من المتكلفين].
(واعلم رحمك الله أن من قال في دين الله برأيه وقياسه وتأويله) كأن يفسر كلام الله برأيه وقياسه وتأويله الفاسد، وقد ثبت أن أبا بكر الصديق ﵁ سئل عن آية في كتاب الله, فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إن أنا قلت في كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم.
قوله: (من غير حجة) أي: من الكتاب ولا (من السنة والجماعة، فقد قال على الله ما لا يعلم) والقول على الله بما لا يعلم مرتبة فوق الشرك، قال الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] فجعل القول على الله بلا علم فوق الشرك؛ لأنه يشمل الشرك ويشمل غيره، فالشرك قول على الله بلا علم.
(ومن قال على الله ما لا يعلم فهو من المتكلفين) وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦].
стр. 180
كل حق مأخوذ من الكتاب والسنة والجماعة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والحق ما جاء من عند الله ، والسنة: سنة رسول الله ﷺ ، والجماعة: ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان].
(والحق ما جاء من عند الله أي: في كتاب الله وسنة رسوله، فالقرآن وحي والسنة وحي, يقول النبي ﷺ : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، والله تعالى يقول عن نبيه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤] فالحق ما جاء من عند الله، مما أنزله في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ .
والسنة: سنة رسول الله ﷺ ، والجماعة: ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، فإن كل حق فهو مأخوذ من كلام الله وكلام رسوله، ومن الكتاب والسنة، وسنة الرسول ﵊ هي: قوله وفعله وتقريره.
следующие страницы →