حبةٍ أنبتت سبع سنابل في كلّ سنبلة مائة حبة والله يضاعِف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ (١).
٢ - وقوله سبحانه: ﴿لن تنالوا البِرّ حتى تُنفقوا مما تحبّون وما تُنفِقوا من شيء فإِنّ الله به عليم﴾ (٢).
٣ - وحديث أبي هريرة ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "ما من يوم يصبح العباد فيه إِلا مَلَكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهمَّ أعط مُنفِقاً خَلَفاً (٣)، ويقول الآخر: اللهمّ أعط ممسكاً تَلَفاً (٤) ".
٤ - وحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: "سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: كلّ امرئ في ظلِّ صدقته؛ حتى يقضى بين الناس.
قال يزيد: فكان أبو مَرثد لا يخطئه يوم إِلا تصدّق فيه بشيء، ولو كعكة أو بصلة" (٥).
أوْلى الناس بالصدقة
أوْلى الناس بالصدقة أهل المتصدّق ثمّ قرابته.
стр. 1017
عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ابدأ بنفسك فتصدّق عليها، فإنْ فضَل شيء؛ فلأهلك، فإِنْ فضَل عن أهلك شيء؛ فلِذِي قرابتك، فإِنْ فضَل عن ذي قرابتك شيء؛ فهكذا وهكذا" (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: "أمَر رسول الله ﷺ بالصدقة فقام رجل فقال: يا رسول الله عندي دينار قال: تصدَّق به على نفسك، قال: عندي آخر قال: تصدَّق به على ولدك، قال: عندي آخر، قال: تصدَّق به على زوجتك، قال: عندي آخر، قال: تصدَّق به على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أبْصَر" (٢).
وفي رواية: "دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقَبة، ودينار تصدّقتَ به على مسكين، ودينار أنفقتَه على أهلك، أعظمُها أجراً الذي أنفقتَه على أهلك" (٣).
وعن حكيم بن حزام ﵁: "أنَّ رجلاً سأل النّبيّ ﷺ عن الصدقات أيها أفضل؟ قال: على ذي الرحِم الكاشح (٤) " (٥).
стр. 1018
وعن خيثمة قال: "كنّا جلوساً مع عبد الله بن عمرو إِذ جاءه قَهْرَمان (١) له، فدخل فقال: أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا، قال: فانطلِق فأعطهم.
قال: قال رسول الله ﷺ : كفى بالمرء إِثماً أنْ يحبس عمّن يملك قوته" (٢).
التحذير من التصدّق بالحرام
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيها الناس! إنَّ الله طيِّب لا يقبل إلاَّ طيباً، وإِنّ الله أمَر المؤمنين بما أمَر به المرسلين، فقال: ﴿يا أيها الرسل كُلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إِنِّي بما تعملون عليم﴾ (٣)، وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ (٤).
ثمّ ذكر الرجل يطيل السفر أشعث (٥) أغبر (٦) يمدّ يديه إِلى السماء يا ربّ! يا ربّ! ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام وَغُذِيَ بالحرام فأنّى
стр. 1019
يستجاب لذلك؟ " (١).
وتقدّم حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من تصدق بعَدل تمرة من كسب طيِّب -ولا يقبل الله إلاَّ الطيب- فإِنّ الله يتقبلّها بيمينه، ثمّ يربِّيها لصاحبه كما يربِّي أحدكم فَلُوَّه (٢)، حتى تكون مثلَ الجبل".
هل تتصدّق المرأة من مال زوجها ؟
للمرأة أن تتصدّق من بيت زوجها؛ إِن كان يرضى عن ذلك.
فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مُفسدةٍ؛ كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازِن (٣) مثلُ ذلكَ، لا ينقُصُ بعضهم أجرَ بعض شيئاً" (٤).
بيّن الحافظ ﵀ في "الفتح" (٣/ ٣٠٣): بأنّ هذا عن رضى الزوج بذلك في الغالب.
ثمّ قال: ويدلّ على ذلك ما رواه المصنف [أي: الإِمام البخاري ﵀] من حديث همام عن أبي هريرة بلفظ: "إِذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير
стр. 1020
أمره، فلها نصف أجره" (١).
وقال أيضاً ﵀ في "الفتح" (٤/ ٣٠١): "والأوْلى: أن يُحمل على ما إِذا أنفقت مِن الذي يخصّها به إِذا تصدقت بغير استئذانه، فإِنه يصدق كونه من كسبه، فيؤجَر عليه، وكونه بغير أمره يحتمل أن يكون أَذِن لها بطريق الإِجمال، لكن المنفي ما كان بطريق التفصيل.
ولا بدّ من الحمل على أحد هذين المعنيين، وإِلا فحيث كان من ماله بغير إِذنه لا إِجمالاً ولا تفصيلاً، فهي مأزورة بذلك لا مأجورة".
وعن أبي أمامة ﵁ قال: "سمعْتُ رسول الله ﷺ يقول عام حَجّة الوِداع: "لا تنفق امرأة شيئاً من بيت زوجها إِلا بإِذن زوجها.
قيل: يا رسول الله! ولا الطعام؟ قال: ذلك أفضل أموالنا" (٢).
قال الصنعاني ﵀ في "سُبل السلام" (٤/ ٧٨): -بعد أن ذكر حديث عائشة ﵂: "فيه دليل على جواز تصدُّق المرأة من بيت زوجها.
والمراد إِنفاقها من الطعام الذي لها فيه تصرّف بصنعته للزوج ومن يتعلق به؛ بشرط أن يكون ذلك بغير إِضرار وأن لا يخلَّ بنفقتهم.
قال ابن العربي ﵀: قد اختلف السلف في ذلك؛ فمنهم من أجازه في الشيء اليسير الذي لا يؤبه له ولا يظهر به النقصان، ومنهم مَن
стр. 1021
حمَله على ما إِذا أذن الزوج ولو بطريق الإِجمال- وهو اختيار البخاري.
ويدلّ له ما أخرجه الترمذي عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تنفق امرأة شيئاً من بيت زوجها إلاَّ بإِذن زوجها" ... [وذكر الحديث المتقدّم].
إلاَّ أنه قد عارضه ما أخرجه البخاري (١) من حديث أبي هريرة بلفظ: "إِذا أنفقت المرأة من كسب زوجها عن غير أمره؛ فلها نصف أجره".
ولعلّه يقال في الجمع بينهما؛ إِنّ إِنفاقها مع إِذنه تستحقّ به الأجر كاملاً، ومع عدم الإذن نصف الأجر، وإِنّ النهي عن إِنفاقها من غير إِذنه؛ إِذا عرَفت منه الفقر أو البخل فلا يحلّ لها الإِنفاق إلاَّ بإِذنه؛ بخلاف ما إِذا عرَفت منه خلاف ذلك؛ جاز لها الإنفاق عن غير إِذنه ولها نصف الأجر ... ". وانظر "الفتح" (٣/ ٣٠٣).
وعن أسماء بنت أبي بكر أنها جاءت النبي ﷺ فقالت: يا نبيّ الله ليس لي شيء؛ إلاَّ ما أدخَل عليّ الزبير (٢) فهل عليّ جناح أنْ أرضَخَ ممّا يدخل عليَّ فقال: ارضخي (٣) ما استطعتِ، ولا تُوْعِي فيُوعيَ الله عليك (٤) " (٥).
стр. 1022
قال النووي ﵀ (٧/ ١١٩): "هذا محمول على ما أعطاها الزبير لنفسها؛ بسبب نفقةٍ وغيرها، أو ممّا هو ملك الزبير ولا يَكره الصدقة منه، بل رضي بها على عادة غالب الناس".
هل تتصدّق المرأة من مالها بدون إِذن زوجها ؟
عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجوز لامرأةٍ عطيّة في مالها؛ إِلا بإِذن زوجها" (١).
قال شيخنا ﵀ في "الصحيحة" (٢/ ٤٠٦): "وهذا الحديث ... يدلّ على أنّ المرأة لا يجوز لها أن تتصرّف بمالها الخاص بها إِلا بإِذن زوجها، وذلك مِن تمام القِوامة التي جعلها ربنا ﵎ له عليها.
ولكن لا ينبغي للزوج -إِذا كان مسلماً صادقاً- أن يستغل هذا الحُكم؛ فيتجبر على زوجته، ويمنعها من التصرف في مالها فيما لا ضير عليهما منه.
وما أشبه هذا الحقّ بحقّ وليّ البنت التي لا يجوز لها أن تزوّج نفسها بدون إِذن وليّها، فإِذا أعضَلها رفَعت الأمر إِلى القاضي الشرعي ليُنصفها.
وكذلك الحكم في مال المرأة إِذا جار عليها زوجها فمنَعها من التصرف المشروع في مالها؛ فالقاضي يُنصفها أيضاً؛ فلا إشكال على الحكم نفسه، وإنما الإِشكال في سوء التصرف به، فتأمّل".
стр. 1023
الصدقة عن الميّت عن غير وصيّة مِن مال الميّت، وتكفير ذنوب الميّت بها (١)
عن أبي هريرة ﵁: "أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إِنَّ أبي مات، وترَك مالاً، ولم يوص، فهل يُكفّر عنه إِن تصدّقتُ عنه؟ فقال: نعم" (٢).
هل يتصدّق بكلّ ماله ؟
قال الله تعالى: ﴿ويُؤثِرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة (٣)﴾ (٤).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: "أتى رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أصابني الجَهْد (٥)، فأرسَل إِلى نسائه فلم يجد عندهنّ شيئاً، فقال رسول الله ﷺ : ألا رجل يُضيِّفه الليلة يرحَمُه الله؟
فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إِلى أهله فقال لامرأته: ضَيْفُ رسول الله ﷺ لا تدَّخريه شيئاً. فقالت: والله ما عندي إِلا قوت الصبية.
قال: فإِذا أراد الصبية العشاء فنوّميهم، وتعالَيْ فأطفئي السراج، ونطوي
стр. 1024
بطوننا الليلة ففعَلت.
ثمّ غدا الرجل على رسول الله ﷺ فقال: لقد عجب الله -أو ضحك- من فلان وفلانة، فأنزل الله : ﴿ويُؤثِرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ " (١).
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "أمَرنا رسول الله ﷺ يوماً أن نتصدّق، فوافَق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر -إِنْ سبقته يوماً- فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : ما أبقيتَ لأهلك؟ قلت: مِثله.
قال: وأتى أبو بكر بكلّ ما عنده، فقال رسول الله ﷺ : ما أبقيتَ لأهلك؟
قال: أبقيت لهم الله ورسوله.
قلت: لا أسابِقُك إِلى شيء أبداً" (٢).
فمن كان في قوةٍ منيعة من التوكلّ على الله بحيث لا يندم؛ فليفعل وليتصدّق بكلّ ماله.
وسألت شيخنا ﵀ عن حديث أبي بكر ﵁ فقال: "هذه مسألة دقيقة؛ تُشبه الحالة الآتية:
وهي أن يأمر الوالد ولده أن يُطلّق زوجه، فهل يفعل تأسّياً بقصّة عمر مع
стр. 1025
ولده ﵄.
فأقول: نعم؛ إِذا كان الوالد كعمر؛ يطلّق، وإلاَّ فلا، ومن كان كأبي بكر في قوّة الإِيمان، وكان كذلك أهله بقوة إِيمان أهل أبي بكر ﵃ جاز التصدّق بكل المال، فهل يمكن تحقُّقه؟ فهذا خاصٌ بالصدّيق ﵁ فقط".
وقال رسول الله ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁: "إِنّك إِنْ تذَرَ ورثتك أغنياء؛ خيرٌ من أن تذَرهم عالةً؛ يتكفّفون الناس، وإِنك لن تُنفق نفقة تبتغي بها وجه الله؛ إِلا أُجرت عليها حتى ما تجعل في في امرأتك" (١).
وقال الإِمام البخاري ﵀ في "صحيحه" (٢): "لا صدقة إِلا عن ظهر غنى (٣)، ومن تَصدَّق وهو محتاج، أو أهله محتاج، أو عليه دين؛ فالدين أحقُّ أن يقضى من الصدقة والعتق والهبة، وهو رَدٌّ عليه، ليس له أن يُتلف أموال الناس، وقال النبي ﷺ : من أخَذ أموال الناس يريد إِتلافها أتلَفه الله (٤).
стр. 1026
إِلا أن يكون معروفاً بالصبر، فيؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، كفِعل أبي بكر ﵁ حين تصدّق بماله (١).
وكذلِك آثر الأنصار المهاجرين، ونهى النبي ﷺ عن إِضاعة المال، فليس له أن يضيّع أموال الناس بعلّة الصدقة. وقال كعب ﵁: "قلت: يا رسول الله، إِنّ من توبتي أن أنخلع من مالي (٢) صدقة إِلى الله ورسوله ﷺ .
قال: أمسِك عليك بعض مالك، فهو خير لك، قلت: فإِنّي أُمسك سهمي الذي بخيبر" (٣).
وقال ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٤/ ٩٩): (باب صدقةالمُقلّ إِذا أبقى لنفسه قدْر حاجته).
ثمّ ذكَر حديث أبي هريرة ﵁ "أنَّ رسول الله ﷺ قال: سبقَ درهم مائة ألف درهم، فقال رجل: وكيف ذاك يا رسول الله؟
قال: رجل له مال كثير أخذ من عُرضه (٤) مائة ألف درهم، تصدَّق بها؛ ورجل ليس له إِلا درهمان فأخَذ أحدهما فتصدّق به" (٥).
стр. 1027
الصدقة على الحيوان
عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "بينا رجل يمشي؛ فاشتدّ عليه العطش، فنزل بئراً فشرب منها، ثمّ خرج فإِذا هو بكلب يلهث؛ يأكل الثرى (١) من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي.
فملأ خفّه ثمّ أمسَكه بفيه ثمّ رَقِيَ (٢) فسقى الكلب، فشكر اللهُ له فغفَر له.
قالوا: يا رسول الله وإنّ لنا في البهائم أجراً؟ قال: في كلّ كبِد رطبةٍ أجر" (٣).
وعنه أيضاً قال: "قال رسول الله ﷺ : بينما كلب يُطيف (٤) بركيّة (٥) كاد يقتله العطش، إِذ رأته بغيٌّ (٦) من بغايا بني إِسرائيل، فنزعت مُوقَها (٧) فسقته، فغُفِر لها به" (٨).
стр. 1028
وعن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من رحم ولو ذبيحة عُصفور؛ ﵀ يوم القيامة" (١).
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً؛ فيأكل منه طير أو إِنسان أو بهيمة؛ إِلا كان له به صدقة" (٢).
الصدقة الجارية
عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إِذا مات الإِنسان انقطع عنه عمله إِلا من ثلاثة: إِلا من صدقة جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له" (٣).
الصدقة في رمضان
عن ابن عباس ﵄ قال: "كان النبي ﷺ أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل.
وكان جبريل ﵇ يلقاه في كلّ ليلة من رمضان، فيدارسه
стр. 1029
القرآن، فلرسول الله أجود بالخير من الريح المُرسَلة (١) " (٢).
الصدقة في أيام العشر من ذي الحجّة
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أيّام العمل الصالح فيها أحبُّ إِلى الله من هذه الأيام -يعني أيّام العشر- قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟
قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إِلا رجل خرج بنفسه وماله؛ فلم يرجِع من ذلك بشيء" (٣).
стр. 1030
كتاب الصيام
стр. 1031
الصيام
الصيام: في اللغة: هو الكفّ والإِمساك؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنّي نذَرْت للرحمن صوماً﴾ (١)، أي: صمتاً.
وفي الشرع: الإِمساك عن الطعام والشراب والوقاع، بنيّة خالصة لله في جميع النهار؛ لقوله تعالى: ﴿ثمَّ أتِمّوا الصيام إِلى الليل﴾ (٢). [البقرة: ١٨٧].
فضله:
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: "سمعْت رسول الله ﷺ يقول: قال الله كلّ عمل ابن آدم له إلاَّ الصيام، هو لي (٣) وأنا أجزي به. فوالذي نفس محمّد بيده لَخُلْفَةُ (٤) فم الصائم أطيب عند الله من ريح المِسك" (٥).
стр. 1032
وفي رواية: " .. إِنّ للصائم فرحتين إِذا أفطر فَرِح، وإذا لقي الله فَرِح" (١).
وعن حذيفة ﵁ قال: سمعْتُ رسول الله ﷺ يقول: "فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره، يُكَفِّرها الصيام والصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (٢).
٢ - وعنه أيضاً أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الصيام جُنَّة (٣)، فلا يرفُث (٤) ولا يجهل (٥)، وإن امرؤٌ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم -مرتين-.
والذي نفسي بيده لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعَشْر أمثالها" (٦).
стр. 1033
٣ - عن سهل بن سعد عن النّبيّ ﷺ قال: "إِنّ في الجنّة باباً يُقال له الرَّيَّان (١)، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخُل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؛ فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإِذا دخلوا أُغْلِق، فلم يدخل منه أحد" (٢).
٤ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: "من صام يوماً في سبيل الله بَعّدَ الله وجهه عن النار سبعين خريفاً" (٣).
٥ - وعن أبي أمامة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "من صام يوماً في سبيل الله؛ جعَل الله بينه وبين النار خندقاً؛ كما بين السماء والأرض" (٤).
٦ - وعنه ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "عليك بالهجرة فإِنه لا مِثل لها، عليك بالصوم فإِنه لا مِثل له، عليك بالسجود فإِنك لا تسجد لله
стр. 1034
سجدة إِلا رفَعك الله بها درجة، وحطّ عنك بها خطيئة" (١).
٧ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة.
يقول الصيام: أي ربّ: منعتُه الطعام والشّهوة، فشفِّعني فيه، ويقول القرآن: منعْته النوم بالليل، فشفِّعني فيه، قال: فيُشفَّعان (٢) " (٣).
منزلة الصّائم الصابر
عن أبي هريرة ﵁ قال: عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "الطاعمُ
стр. 1035
الشّاكرُ؛ بمنزلةِ الصائم الصابر" (١).
أقسامه:
الصوم قسمان: فرض ونفل:
أولاً: صوم الفرض، وهو ثلاثة أقسام:
١ - صوم رمضان .
٢ - صوم الكفّارات.
٣ - صوم النَّذر.
ثانياً: صوم التطوُّع.
صوم رمضان
حُكمه:
يجب صيام رمضان إِذ هو رُكن من أركان الدين.
قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصّيَام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلّكم تتّقون﴾ (٢).
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "بُني الإِسلام
стр. 1036
على خمس: شهادة أن لا إِله إِلا الله وأنّ محمّداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإِيتاء الزكاة، والحجّ، وصوم رمضان" (١).
وعن طلحة بن عبيد الله "أنَّ أعرابياً جاء إِلى رسول الله ﷺ ثائر الرأس فقال: يا رسول الله! أخبِرني ماذا فرَض الله عليَّ من الصلاة؟ فقال: الصلوات الخمس إِلا أنْ تطوّع شيئاً.
فقال: أخبرني ما فرَض الله عليّ من الصيام؟ فقال: شهر رمضان إِلا أن تطوّع شيئاً.
فقال: أخبرني بما فرَض الله عليَّ من الزّكاة؟ فقال: فأخبَره رسول الله ﷺ شرائع الإِسلام.
قال: والذي أكرمك؛ لا أتطوَّع شيئاً، ولا أَنْقُصُ ممّا فرَض الله عليَّ شيئاً، فقال رسول الله ﷺ : أفلح إِن صدق -أو دخل الجنة إِن صدق-" (٢).
فضل شهر رمضان
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام رمضان إِيماناً واحتساباً (٣)، غُفر له ما تقدّم من ذنبه" (٤).
стр. 1037
٢ - وعن عمرو بن مرَّة الجهَنيّ ﵁ قال: "جاء رجل إِلى النّبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله أرأيت إِن شهدْتُ أن لا إِله إِلا الله، وأنّك رسول الله، وصلّيتُ الصلوات الخمس، وأدّيتُ الزكاة، وصمت رمضان، فممّن أنا؟ قال: من الصدِّيقين والشُّهداء" (١).
٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاكم رمضان شهرٌ مبارَك، فرض الله عليكم صيامه، تُفْتَح فيه أبواب السَّماء، وتُغلَقُ فيها أبواب الجحيم وتُغَلُّ (٢) فيه مردَةُ (٣) الشياطين (٤)، لله فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرِم" (٥).
٤ - وعن عرفجة قال: عُدنا عتبة بن فرقد: فتذاكَرنا شهر رمضان، فقال: ما تذْكرون؟ قلنا: شهر رمضان.
قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تُفتَح فيه أبواب الجنَّة، وتُغلَق فيه أبواب النار، وتُغَلُّ فيه الشياطين، وينادي منادٍ كلَّ ليلة: يا باغي الخير (٦)
стр. 1038
هَلُمَّ، ويا باغيَ الشّرّ أقْصِر (١) " (٢).
قال ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٣/ ١٨٨): "باب ذِكر البيان أنّ النّبيّ ﷺ إِنَّما أراد بقوله: "وصُفِّدت الشياطين" مرَدة الجِنّ منهم؛ لا جميع الشياطين، إِذ اسم الشياطين قد يقع على بعضهم، وذَكَر دعاء الملَك في رمضان إِلى الخيرات، والتقصير عن السيِّئات، مع الدليل على أنّ أبواب الجنان إِذا فُتحت لم يغلق منها باب، ولا يُفتَح باب من أبواب النيران إِذا أُغلقت في شهر رمضان.
ثمّ روى إِسناده إِلى أبي هريرة ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : إِذا كان أوَّل ليلة من رمضان، صُفِّدت الشياطين مرَدة الجِنّ، وغُلِّقت أبواب النار، فلم يُفتَح منها باب، وفتِّحت أبواب الجنان فلم يُغلَق منها باب، ونادى منادٍ يا باغيَ الخير أقبل، ويا باغيَ الشَّرِّ أقْصِر، ولله عُتَقاء من النار" (٣).
٥ - وعن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "الصلوات الخمس والجُمُعة إِلى الجُمُعة ورمضان إِلى رمضان، مكفِّرات ما بينهن، إِذا اجتُنبت الكبائر" (٤).
стр. 1039
الترهيب مِن الفِطْر في رمضان
عن أبي أُمامَة الباهليِّ ﵁ قال: سمِعتُ رسول الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائم أتاني رجلان، فأخذا بضَبْعَيَّ (١) فأتيا بي جَبَلاً وعراً، فقالا: اصعد. فقلت: إِني لا أُطِيقه. فقال: إِنّا سنسهِّلُه لك.
فصعدت، حتى إِذا كنتُ في سواء الجبل إِذا بأصوات شديدة، قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عُواء أهل النار.
ثمّ انطلق بي، فإِذا أنا بقوم معلَّقين بعراقيبهم (٢)، مشقَّقة أشداقهم (٣)، تسيل أشداقهم دماً، قال: قلت: مَنْ هؤلاء؟ قال: الذين يُفطرون قبل تحلَّة صومِهم (٤)." (٥) الحديث.
بمَ يثبُت الشهر ؟
يثبت شهر رمضان برؤية الهلال من واحد عَدْل، أو بإِكمال عدّة شعبان ثلاثين يوماً.
стр. 1040
عن ابن عمر ﵄ قال: "تراءى (١) الناس الهلال فأخبرْتُ النّبيّ ﷺ أنِّي رأيته، فصام وأمَر الناس بصيامه" (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "صوموا لرؤيته (٣)، وأَفطِروا لرؤيته (٤) فإِن غُبّي (٥) عليكم فأكملوا عِدَّة شعبان ثلاثين" (٦).
وقد ورد في بعض النصوص الأمر بصيام رمضان برؤية شاهدين؛ لحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ﵁ قال: "ألا إِني جالَسْت أصحاب رسول الله ﷺ وساءَلتُهم، وإنهم حدّثوني أنّ رسول الله ﷺ قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وانسكوا (٧) لها، فإِنْ غمّ عليكم فأكمِلوا
стр. 1041
ثلاثين، فإِن شهد شاهدان فصوموا وأفطِروا" (١).
وعن حسين بن الحارث الجدلي -من جديلة قيس-: أنّ أمير مكّة خطب، ثمّ قال: عَهِدَ إِلينا رسول الله ﷺ ، أن نَنْسُكَ للرؤية، فإِنْ لم نره، وشهد شاهدَا عَدْل نسَكْنا بشهادتهما.
فسألت (٢) الحسين بن الحارث: مَن أمير مكّة؟ قال: لا أدري، ثمّ لقِيَني بعدُ فقال: هو الحارث بن حاطب، أخو محمّد بن حاطب.
ثمّ قال الأمير: إِنّ فيكم من هو أعلم بالله ورسوله منِّي، وشهد هذا من رسول الله ﷺ ، وأومأ بيده إِلى الرجل.
قال الحسين: فقلت لشيخ إِلى جنبي: من هذا الذي أومأ إِليه الأمير؟ قال: هذا عبد الله بن عمر، وصدَق، كان أعلم بالله منه، فقال (٣): بذلك أَمَرَنا رسول الله ﷺ " (٤).
وجاء في "تحفة الأحوذي" (٣/ ٣٧٣): "وقال أبو عيسى الترمذي ﵀ بعد حديث كريب (٥): "والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، قالوا: تُقبَل شهادة رجل واحد في الصِّيَام، وبه يقول ابن المبارك
стр. 1042
والشافعي وأحمد.
وقال إِسحاق: لا يصام إِلا بشهادة رجلين، ولم يختلف أهل العلم في الإِفطار؛ أنّه لا يُقبل فيه إِلا شهادة رجلين.
وأجاب من قال بقَبول شهادة رجل في الصيام عن هذين الحديثين: بأن التصريح بالاثنين غاية ما فيه المنع من قبول الواحد بالمفهوم، وحديث ابن عبّاس وحديث ابن عمر المذكورين؛ يدلاّن على قَبوله بالمنطوق ودلالة المنطوق أرجح".
فائدة:
قال شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ١٣٢): "فإِناّ نعلم بالإِضطرار من دين الإِسلام؛ أنَّ العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العِدَّة أو الإِيلاء، أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب؛ أنَّه يرى أو لا يرى لا يجوز، والنصوص المستفيضة عن النّبيّ ﷺ بذلك كثيرة، وقد أجمع المسلمون عليه.
ولا يُعرف فيه خلاف قديم أصلاً، ولا خلاف حديث: إِلا أنّ بعض المتأخّرين من المتفقّهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنّه إِذا غُمّ الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حقّ نفسه بالحساب، فإِن كان الحساب دلّ على الرؤية صام وإلا فلا.
وهذا القول وإنْ كان مقيَّداً بالإِغمام ومختصّاً بالحاسب فهو شاذّ، مسبوق بالإِجماع على خلافه، فأمَّا اتباع ذلك في الصَّحو، أو تعليق عموم الحكم العام به؛ فما قاله مسلم".
стр. 1043
إِذا رأى الهلالَ أهلُ بلد هل يلزم سائر البلاد الموافقة ؟
اختلف العلماء على مذاهب؛ فيما إِذا رأى الهلالَ أهلُ بلد، هل هذا خاصٌّ بأهل البلد الذين رأوه؟ أم هو عامّ لجميع البلاد؟ وقد ذكَرها النووي ﵀ في "المجموع" (٦/ ٢٧٣) والحافظ في "الفتح" (٤/ ١٢٣) وغيرهما.
وجاء في "نيل الأوطار" (٤/ ٢٦٧): "وقد اختلفوا في ذلك على مذاهب؛ ذكَرها صاحب "الفتح":
أحدها: أنه يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم، ولا يلزمهم رؤية غيرهم.
حكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم بن محمّد وسالم وإِسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحْكِ سِواه، وحكاه الماوردي وجهاً للشافعية.
وثانيها: أنه لا يلزم أهل بلد رؤية غيرهم؛ إِلا أن يثبت ذلك عند الإِمام الأعظم، فيلزم الناس كلهم، لأنَّ البلاد في حقِّه كالبلد الواحد، إِذ حُكمه نافذ في الجميع، قاله ابن الماجشون.
وثالثها: أنَّها إِنْ تقاربت البلاد؛ كان الحُكم واحد، وإِنْ تباعدت فوجهان؛ لا يجب عند الأكثر.
قاله بعض الشافعية واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب وحكاه البغوي عن الشافعي.
وفي ضبط البعيد أوجه:
أحدها: اختلاف المطالع؛ قطع به العراقيون والصيدلاني، وصحّحه
стр. 1044
النووي في "الرّوضة" و"شرح المهذَّب".
وثانيها: مسافة القصر، قطع به البغوي وصحّحه الرافعي والنووي.
ثالثها: باختلاف الأقاليم حكاه في "الفتح".
رابعها: أنه يلزم أهل كلّ بلد؛ لا يتصور خفاؤه عنهم، بلا عارض دون غيرهم، حكاه السرخسي.
خامسها: مِثل قول ابن الماجشون المتقدّم.
سادسها: أَنّه لا يلزم إِذا اختلفت الجهتان ارتفاعاً وانحداراً؛ كأن يكون أحدهما سهلا والآخر جبلاً، أو كان كل بلد في إِقليم، حكاه المهدي في البحر؛ عن الإِمام يحيى والهادوية.
وحُجّة أهل هذه الأقوال؛ حديث كريب (١). ووجه الاحتجاج به أنَّ ابن عبّاس لم يعمل برؤية أهل الشام.
وقال في آخر الحديث: "هكذا أمَرنا رسول الله ﷺ "، فدل ذلك على أنَّه قد حفظ من رسول الله- ﵌ أنه لا يلزم أهل بلدٍ العمل برُؤية أهل بلد آخر".
وقد تقدّم قوله ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطرِوا لرؤيته".
فهذا خطاب لجميع الأمّة، فكما أنَّ رؤية الواحد كالرؤية لأهل البلد؛ كانت الرؤية في البلد؛ كالرؤية في كلّ البلاد.
وقال شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ١٠٧):
стр. 1045
" ... فالضابط أنَّ مدار هذا الأمر على البلوغ؛ لقوله ﷺ : "صوموا لرؤيته" فمن بلغه أنه رؤي؛ ثبت في حقّه؛ من غير تحديدٍ بمسافة أصلاً ... ".
وقال ﵀ (ص ١١١): " ... ومن حدّد ذلك بمسافة قصر أو إِقليم؛ فقوله مخالفٌ للعقل والشرع".
وجاء في "الروضة النديّة" (١/ ٥٣٧): "وإذا رآه أهل بلدٍ؛ لزم سائر البلاد الموافقة، وجْهُهُ الأحاديث المصرحة بالصيام لرؤيته والإِفطار لرؤيته، وهي خطاب لجميع الأمّة، فمن رآه منهم في أيّ مكان كان ذلك رؤيةً لجميعهم".
وقد استدلّ من رأى أنَّ لأهل كل بلد رؤيتهم، وأنّه لا يلزمهم رؤية غيرهم؛ بحديث كُريب "أنَّ أمّ الفضل بنت الحارث بعَثته إِلى معاوية بالشام.
قال: فقدِمتُ الشام، فقضيتُ حاجتها واسْتُهِلَّ (١) عليَّ رمضان وأنا بالشام، فرأيتُ الهلال ليلة الجمعة، ثمّ قدِمتُ المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عبّاس ﵄ ثمّ ذكَر الهلال فقال: رأيتم الهلال؟
فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية.
فقال: لكنَّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه.
стр. 1046
فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا؛ هكذا أمَرنا رسول الله ﷺ .
وشك يحيى بن يحيى في: نكتفي أو تكتفي" (١).
جاء في "الشرح الكبير" لشمسِ الدين بن قدامة (٣/ ٨): " ... فأما حديث كريب؛ فإِنما دل على أنّهم لا يفطرون بقول كريب وحده -ونحن نقول به- وإنما محلّ الخلاف وجوب قضاء اليوم الأول، وليس هو في الحديث".
وجاء في "الروضة النديّة" (١/ ٥٣٧): "وأمَّا استدلال من استدل بحديث كريب ... أنّه استهلَّ عليه رمضان وهو بالشام، فرأى الهلال ليلة الجمعة، فقدم المدينة فأخبر بذلك ابن عبّاس فقال: لكنَّا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نُكْمِل ثلاثين أو نراه.
ثمّ قال: هكذا أمَرنا رسول الله ﷺ ... فغير صحيح (٢)، لأنه لم يُصرّح ابن عبّاس بأنّ النّبيّ- صلى الله تعالى عليه وسلم- أمَرهم بأن لا يعملوا برؤية غيرهم من أهل الأقطار، بل أراد ابن عبّاس أنه أمرهم بإِكمال الثلاثين أو يروه، ظنّاً منه أنّ المراد بالرؤية رؤية أهل المحلّ.
وهذا خطأ في الاستدلال؛ أوقع الناس في الخبط والخلط حتى تفرّقوا في ذلك على ثمانية مذاهب.
وقد أوضح الماتن المقام في الرسالة التي سمّاها "إِطلاع أرباب الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال".
стр. 1047
قال في "المسوى": "لا خلاف في أنّ رؤية بعض أهل البلد موجبة على الباقين، واختلفوا في لزوم رؤية أهل بلد أهل بلد آخر.
والأقوى عند الشافعي؛ يلزم حُكم البلد القريب دون البعيد، وعند أبي حنيفة يلزم مطلقاً".
وجاء في "نيل الأوطار" (٤/ ٢٦٧): "واعلم أن الحجَّة إِنِّما هي في المرفوع من رواية ابن عبّاس؛ لا في اجتهاده الذي فهم عنه الناس والمشار إِليه بقوله هكذا أمَرنا رسول الله- ﵌ -هو قوله: "فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، والأمر الكائن من رسول الله ﵌ هو ما أخرَجه الشيخان وغيرهما بلفظ: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه فإِن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين".
وهذا لا يختص بأهل ناحية؛ على جهة الانفراد، بل هو خطاب لكلّ من يصلح له من المسلمين، فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد، أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم، لأنّه إِذا رآه أهل بلد؛ فقد رآه المسلمون، فيلزم غيرهم ما لزِمهم.
ولو سلم توجُّه الإِشارة في كلام ابن عبّاس إِلى عدم لزوم رؤية أهل بلد لأهل بلد آخر؛ لكان عدم اللزوم مقيّداً بدليل العقل، وهو أن يكون بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع.
وعدم عمل ابن عبّاس برؤية أهل الشام مع عدم البعد الذي يمكن معه الاختلاف؛ عملٌ بالاجتهاد وليس بحُجّة ... ".
وقال شيخنا ﵀ في "تمام المِنّة" (ص ٣٩٨): " ... إِنّ
стр. 1048
حديث ابن عبّاس ورَد فيمن صام على رؤية بلده، ثمّ بلَغه في أثناء رمضان أنهم رأوا الهلال في بلد آخر قبله بيوم، ففي هذه الحالة؛ يستمر في الصيام مع أهل بلده حتى يكملوا ثلاثين، أو يروا هلالهم، وبذلك يزول الإِشكال.
ويبقى حديث أبي هريرة وغيره على عمومه؛ يشمل كل من بلَغه رؤية الهلال من أي بلد أو إِقليم؛ من غير تحديد مسافة أصلاً؛ كما قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ١٠٧)، وهذا أمر متيسِّر اليوم كما هو معلوم، ولكنّه يتطلّب شيئاً من اهتمام الدول الإِسلامية حتى تجعله حقيقة واقعية إِن شاء الله ﵎.
وإلى أن تجتمع الدول الإِسلامية على ذلك؛ فإِنّي أرى على شَعْب كل دولة أن يصوم مع دولته، ولا ينقسم على نفسه، فيصوم بعضهم معها، وبعضهم مع غيرها -تقدّمت في صيامها أو تأخّرت- لما في ذلك من توسيع دائرة الخلاف في الشَّعب الواحد، كما وقع في بعض الدول العربية، منذ بضع سنين. والله المستعان". انتهى.
وعن الحسن في رجل كان بمصر من الأمصار، فصام يوم الاثنين، وشهد رجلان أنهما رأيا الهلال ليلة الأحد.
فقال: لا يقضي ذلك اليوم الرجل، ولا أهلُ مِصره، إِلا أن يعلموا أنَّ أهل مصر من أمصار المسلمين؟ قد صاموا يوم الأحد فيقضونه" (١).
стр. 1049
إِذا أُغْمِيَ هلال شوال وأصبح النَّاس صياماً
عن أبي عُمير بن أنس بن مالك قال: "حدَّثني عمومتي من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: أُغْمِي علينا هلال شوّال، فأصبحنا صياماً، فجاء رَكْب من آخر النَّهار، فشَهِدوا عند النّبيّ ﷺ أنَّهم رأوا الهلال بالأمس.
فأمَرهم رسول الله ﷺ أن يفطروا، وأن يخرجوا إِلى عيدهم من الغد" (١).
هل يصوم أو يُفطر مَنْ رأى الهلال وحده ؟
اختلف العلماء في هذا، فمنهم من رأى إِيجاب الصوم والفطر لمن انفرد برؤية الهلال؛ استناداً إِلى الحديث المتقدّم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته".
ومنهم من رأى أنه لا يصوم ولا يُفطر إلاَّ مع الناس؛ استناداً لقوله ﷺ : "الصوم يومَ تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون" (٢).
وعن مسروق قال: "دخلت على عائشة يوم عرفة، فقالت: اسقوا مسروقاً سويقاً، وأكثروا حلواه.
قال: فقلت: إِنِّي لم يمنعني أن أصوم اليوم إلاَّ أنّي خفْتُ أن يكون يوم النحر، فقالت عائشة: النحر يوم ينحر الناس، والفطر يوم يفطر الناس" (٣).
стр. 1050
قال شيخنا ﵀ عقب حديث: "الصوم يوم تصومون ... " في "الصحيحة" (١/ ٤٤٣): " ... قال الترمذي عقب الحديث: "وفسّر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: إِنّما معنى هذا؛ الصوم والفطر مع الجماعة وعِظَم الناس".
وقال الصنعاني في "سبل السلام" (٢/ ٧٢): "فيه دليل على أن يُعتَبر في ثبوت العيد الموافقة للناس، وأنّ المتفرد بمعرفة يوم العيد بالرؤية يجب عليه موافقة غيره، ويلزمه حُكمهم في الصلاة والإِفطار والأضحية.
وذكَر معنى هذا ابن القيم ﵀ في "تهذيب السنن" (٣/ ٢١٤)، وقال: "وقيل: فيه الردُّ على من يقول: إِنَّ مَنْ عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل، جاز له أن يصوم ويفطر؛ دون مَنْ لم يعلم.
وقيل: إِنَّ الشاهد الواحد إِذا رأى الهلال، ولم يحكم القاضي بشهادته أنّه لا يكون هذا له صوماً، كما لم يكن للناس.
وقال أبو الحسن السندي في "حاشيته على ابن ماجه" -بعد أن ذكَر حديث أبي هريرة عند الترمذي-: "والظاهر أنه معناه أنَّ هذه الأمور ليس للآحاد فيها دخل، وليس لهم التفرُّد فيها؛ بل الأمر فيها إِلى الإمام والجماعة، ويجب على الآحاد اتباعهم للإِمام والجماعة.
وعلى هذا؛ فإِذا رأى أحد الهلال، وردَّ الإِمام شهادته؛ ينبغي أن لا يثبت في حقّه شيء من هذه الأمور، ويجب عليه أن يتَّبع الجماعة في ذلك".
قلت: -أي شيخنا ﵀: وهذا المعنى هو المتبادر من
стр. 1051
الحديث، ويؤيده احتجاج عائشة به على مسروق؛ حين امتنع من صيام يوم عرفة، خشية أن يكون يوم النحر، فبيّنت له أنه لا عبرة برأيه، وأنّ عليه اتباع الجماعة؟ فقالت: "النحر يوم ينحر الناس، والفطر يوم يفطر الناس".
قلت: -أي شيخنا ﵀: وهذا هو اللائق بالشريعة السمحة؛ التي من غاياتها تجميع الناس وتوحيد صفوفهم، وإبعادهم عن كل ما يفرّق جمْعهم من الآراء الفردية، فلا تعتبر الشريعة رأي الفرد -ولو كان صواباً من وِجهة نظره- في عبادة جماعية؛ كالصوم والتَّعييد وصلاة الجماعة.
ألا ترى أنّ الصحابة ﵃ كان يصلّي بعضهم وراء بعض، وفيهم من يرى أنّ مسّ المرأة والعضو وخروج الدم من نواقض الوضوء، ومنهم من لا يرى ذلك، ومنهم من يُتمّ في السفر، ومنهم من يقصر؟!
فلم يكن اختلافهم هذا وغيره؛ ليمنعهم من الاجتماع في الصلاة وراء الإِمام الواحد، والاعتداد بها، وذلك لعلمهم بأن التفرُّق في الدين شرٌّ من الاختلاف في بعض الآراء.
ولقد بلغ الأمر ببعضهم في عدم الاعتداد بالرأي المخالف لرأي الإِمام الأعظم في المجتمع الأكبر كـ (منى)، إِلى حدّ ترْك العمل برأيه إِطلاقاً في ذلك المجتمع؛ فراراً ممّا قد ينتج من الشر بسبب العمل برأيه.
فروى أبو داود (١/ ٣٠٧) أنَّ عثمان ﵁ صلّى بمنى أربعاً، فقال عبد الله بن مسعود مُنكِراً عليه: صلّيتُ مع النّبيّ ﷺ ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ومع عثمان صدراً من إِمارته ثمّ
стр. 1052
أتمَّها، ثمَّ تفرَّقت بكم الطرق، فلوددتُ أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبَّلتين.
ثمّ إِنّ ابن مسعود صلّى أربعاً! فقيل له: عبت على عثمان ثمّ صلّيت أربعاً؟! قال: الخلاف شرٌّ. وسنده صحيح.
وروى أحمد (٥/ ١٥٥) نحو هذا عن أبي ذرّ -رضى الله عنهم أجمعين-.
فليتأمّل في هذا الحديث وفي الأثر المذكور؛ أولئك الذين لا يزالون يتفرَّقون في صلواتهم، ولا يقتدون ببعض أئمّة المساجد، وخاصّة في صلاة الوتر في رمضان؛ بحُجّة كونهم على خلاف مذهبهم!
وبعض أولئك الذين يدّعون العلم بالفلك ممّن يصوم وحده ويفطر وحده؛ متقدّماً أو متأخِّراً على جماعة المسلمين؛ معتدّاً برأيه وعلمه؛ غير مبال بالخروج عنهم ... " انتهى.
وقال شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٠٤): "فالمنفرد برؤية هلال شوال، لا يفطر علانية؛ باتفاق العلماء، إِلا أن يكون له عذر يبيح الفطر كمرض وسفر، وهل يفطر سراًّ؟ على قولين للعلماء أصحّهما لا يفطر سرّاً، وهو مذهب مالك وأحمد في المشهور في مذهبهما".
وقال شيخنا في الردّ على السيد سابق -رحمهما الله تعالى- في "تمام المِنّة" (ص ٣٩٩): "ومِن (مَنْ رأى الهلال وحده) وتحت هذا العنوان الجانبي قال: "واتفقَت أئمّة الفقه على أنّ مَن أبصَر هلال الصوم وحده أن
стр. 1053
يصوم".
فأقول: هذا ليس على إِطلاقه، بل فيه تفصيل ذكَره شيخ الإِسلام ابن تيمية في فتوى له، فقال (٢٥/ ١١٤): "إِذا رأى هلال الصوم وحده، أو هلال الفطر وحده، فهل عليه أن يصوم برؤية نفسه، أو يفطر برؤية نفسه؟ أم لا يصوم ولا يفطر إِلا مع النّاس؟ على ثلاثة أقوال؛ هي ثلاث روايات عن أحمد".
ثمّ ذكَرها، والذي يهمّنا ذِكره منها ما وافق الحديث، وهو قوله: "والثالث: يصوم مع الناس، ويفطر مع الناس، وهذا أظهر الأقوال، لقول النّبيّ ﷺ : "صومكم يوم تصومون، وفِطركم يوم تُفطرون، وأضحاكم يوم تُضْحون". رواه الترمذي وقال: حسن غريب.
قال: وفسّر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إِنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعِظَم الناس".
وهذا الحديث مخرج في "الصحيحة" (٢٢٤)، و"الإِرواء" (٩٠٥) من طرق عن أبي هريرة، فمن شاء رجَع إِليها.
ثمّ قال ابن تيمية (١١٧) -رحمه الله تعالى-: "لكن من كان في مكان ليس فيه غيره، إِذا رآه صام، فإِنه ليس هناك غيره"". انتهى.
قلت: وهذا الذي ينبغي أن يصار إِليه، إِذ قوله ﷺ : "الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون ... ". يُفهِم أنّ هذا جاء لإِلغاء الصوم أو الفطر الفردي، سواءٌ أصحّت الرُّؤية أم لم تصحّ، وإلا فلا قيمة للحديث ألبتة عياذاً بالله. والله أعلم.
стр. 1054
أركان الصوم
١ - النيّة: قال الله تعالى: ﴿وما أُمروا إِلاّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين حُنَفَاء (١)﴾ (٢).
وعن عمر ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّما الأعمال بالنيات، وإنِّما لكلِّ امرئٍ ما نوى" (٣).
ولا بُدّ من أن تكون النيّة قبل الفجر من كلّ ليلة؛ لحديث حفصة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من لم يُجمع (٤) الصيام قبل الفجر فلا صيام له" (٥).
جاء في "الروضة الندية" (١/ ٥٣٩): "وأمَّا أنَّه يجب تجديد النية لكلّ يوم؛ فلا يخفى أنَّ النيّة هي مجرّد القصد إِلى الشيء، أو الإِرادة له من دون اعتبار أمر آخر. ولا ريب أنّ من قام في وقت السحر، وتناوَل طعامه وشرابه في ذلك الوقت من دون عادة له به في غير أيّام الصوم؛ فقد حصَل له القصد المعتبر، لأنّ أفعال العقلاء لا تخلو عن ذلك" انتهى.
стр. 1055
أمّا صيام التطوّع؛ فالأمر فيه أوسع، فإِنّه يمكن لمن لم يبيّت النية من الليل أنْ ينوي ذلك في النهار.
فعن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ ذات يوم: "يا عائشة! هل عندكم شيء؟ " قالت: فقلت يا رسول الله ما عندنا شيء. قال: "فإِني صائم" (١).
وبوّب له ابن خزيمة ﵀ بقوله: "باب الدليل على أنّ النّبيّ ﷺ أراد بقوله: "لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل" الواجب من الصيام دون التطوّع منه".
وذكَر حديث عائشة ﵂ وهناك من ذهب من العلماء أنها تجزئ قبل الزوال وبعده، ومنهم من قال: قبل الزوال.
قال النووي ﵀ في تبويب "صحيح مسلم" (٢/ ٨٠٨) " باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال.
وسألت شيخنا ﵀ عن ذلك فقال: "قبل الزوال".
٢ - الإمساك عن المفطّرات؛ من طلوع الفجر إِلى غروب الشمس.
قال الله تعالى: ﴿فالآن باشروهنّ (٢) وابتغوا ما كتب الله لكم (٣) وكلوا