← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

فتردُّ في فقرائهم". قال في "المغني" (٢/ ٥٣١): "فإِن خالف ونقَلها أجزأته في قول أكثر أهل العلم، وإن استغنى عنها فقراء أهل بلدها، فإِنه يجوز نقْلها عند المانعين". وجاء في "الاختيارات الفقهية" (ص ٩٩) -بحذف-: "وإذا نقل الزكاة إِلى المستحقين بالمصر الجامع، مثل أن يعطي مَن بالقاهرة من العشور التي بأرض مصر، فالصحيح جواز ذلك. فإِنّ سكّان المصر؛ إِنما يعانون من مزارعهم، بخلاف النقل من إِقليم، مع حاجة أهل المنقول عنه. وإنما قال السلف: جيران المال أحق بزكاته، وكرهوا نقل الزكاة إِلى بلد السلطان وغيره؛ ليكتفي أهل كلّ ناحية بما عندهم من الزكاة، ويجوز نقل الزكاة وما في حكمها لمصلحة شرعية". وفيه (ص ١٠٤): "ويجب صرْف الزكاة إِلى الأصناف الثّمانية، إنْ كانوا موجودين، وإِلا صُرفت إِلى الموجود منهم، ونقْلها إِلى حيث يوجدون". وعن إِبراهيم بن عطاء -مولى عمران بن حصين- عن أبيه: أن زياداً -أو بعض الأمراء- بَعث عمران بن حصين على الصدقة. فلمّا رجع قال لعمران: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني؟ أخذناها من حيث كنّا نأخذها؛ على عهد رسول الله ﷺ ، ووضعناها حيث كنا نضعها، على عهد رسول الله ﷺ " (١).

стр. 982

قال الإِمام مالك ﵀: "لا بأس بنقلها للحاجة، وإذا لم يكن أهل البلد مستحقين؛ فتنقَل -بلا خلاف- وعند الإِمام الشافعي وأحمد لا تُنقَل، ولا شكّ أنّ الأفضل إِخراجها في نفس البلد؛ إِلا إِذا لم يجد مستحقّيها؛ مع جواز نقْلها ولو وجد مستحقّوها". وجاء في "مجموع الفتاوى" كذلك (٢٥/ ٨٥): "وسئل ﵀ عمن له زكاة، وله أقارب في بلد تقصر إِليه الصلاة، وهم مستحقّون الصدقة؛ فهل يجوز أن يدفعها إِليهم؟ أم لا؟ فأجاب: الحمد لله. إِذا كانوا محتاجين مستحقين للزكاة، ولم تحصل لهم كفايتهم من جهة غيره، فإنه يعطيهم من الزكاة، ولو كانوا في بلد بعيد، والله أعلم". وسئل شيخنا ﵀ عن دليل الجواز فقال: "الدليل عدم ورود الدليل المانع من النقل" والله أعلم. إِذا استدان مالاً هل يُخرج زكاته ؟ إِذا استدان رجل مالاً بلغ النصاب وحال عليه الحول؛ فالظاهر وجوب إِخراج الزكاة عنه، أمّا إِذا لم يَحُل عليه الحول؛ فلا زكاة عليه. وسئل شيخنا ﵀ عن شخص استدان مبلغاً وحال عليه الحول؛ فهل يخرج زكاته؟ وهل يجب كذلك على صاحب المال؛ فيكون قد زُكّي مرتين!

стр. 983

فأجاب: "هو كذلك، فإِنّ الواجب على المدين أن يقضي حاجته بهذا المال، فإِذا لم يستعمل المال لسبب أو آخر وبقي مكنوزاً عنده حولاً كاملاً؛ فإِنه يجب عليه وعلى صاحب المال إِخراج الزكاة. أمّا الدائن، فالأمر واضح وجليّ، وأما المدين؛ فلأنه كنزَ هذا المال حولاً كاملاً، ومِن حِكمة الله سبحانه في ذلك، ألا يتورّط المدين بكنز المال". هل يجزئ الرجل عن زكاته ما يُغرمه ولاة الأمور في الطرقات وما في معناه ؟ أجاب شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٩٣) فقال: "ما يأخذه ولاة الأمور بغير اسم الزكاة؛ لا يعْتد له من الزكاة والله -تعالى- أعلم". من أعطى الزكاة لمن ظنّ أنّه مستحقّ فظهر أنه غير مستحقّ (١) قال في "المغني" (٢/ ٥٢٨) -بحذف-: "وإذا أعطى من يظنه فقيراً فبان غنياً، فعن أحمد فيه روايتان: إِحداهما: يجزئه. اختارها أبو بكر، وهذا قول الحسن وأبي عبيد وأبي حنيفة. والرواية الثانية: لا يُجزئه؛ لأنه دفع الواجب إِلى غير مستحقّه، فلم يخرج من عُهدته؛ كما لو دفَعها إِلى كافر أو ذي قرابة -كديون الآدميين- وهذا قول الثوري والحسن بن صالح وأبي يوسف وابن المنذر، والشافعي؛ قولان

стр. 984

كالروايتين". فعن عُبيد الله بن عَديّ بن الخِيار، قال: أخبَرني رجلان أنهما أتيا النبي ﷺ وهو في حجة الوِداع، وهو يُقسِّم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فينا النظر وخفضه فرآنا جِلْدين (١)، فقال؛ إِنْ شئتما أعطيتكما، ولا حظَّ فيها لغنيّ ولا لقويّ مكتسب" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "قال رجل لأتصدقنَّ بصدقةٍ، فخرج بصدقة فوضعها في يد سارق. فأصبحوا يتحدثون تُصُدِّق على سارق، فقال: اللهمّ لك الحمد، لأتصدقنَّ بصدقة، فخرج بصدقة فوضعها في يَدَي زانيةٍ. فأصبحوا يتحدّثون: تُصدِّق الليلة على زانية، فقال: اللهمّ لك الحمد على زانية، لأتصدقنّ بصدقة، فخرج بصدقته فوضَعها في يَدَي غنيٍ. فأصبحوا يتحدَّثون: تُصدِّق على غني؛ فقال: اللهمّ لك الحمد على سارق وعلى زانية وعلى غنيّ. فأُتي فقيل له: أمّا صدقتك على سارقٍ؛ فلعلَّه أن يستعفَّ عن سرقته، وأمّا الزانية فلعلها أن تستعفّ عن زناها، وأمّا الغني فلعلّه يعتبر، فيُنفق ممّا أعطاه الله" (٣).

стр. 985

وبوّب له البخاري بقوله: "إِذا تصدّق على غني وهو لا يعلم". قال الحافظ في "الفتح" (٣/ ٢٩٠): "أي: فصدقته مقبولة". وعن معن بن يزيد ﵁ قال: "بايعْتُ رسول الله ﷺ أنا وأبي وجدّي، وخطب عليّ (١) فأنكَحني وخاصمتُ إِليه، وكان أبي يزيد، أخرج دنانير يتصدّق بها، فوضَعها عند رجل في المسجد. فجئت فأخذتُها فأتيتُه بها فقال: والله ما إِياك أردت، فخاصمتُه إِلى رسول الله ﷺ فقال: لك ما نويتَ يا يزيد، ولك ما أخذتَ يا معن" (٢). وبوّب له البخاري بقوله: "إِذا تصدّق على ابنه وهو لا يشعر". وسألت شيخنا ﵀: إِذا أخطأ المزكّي فأعطاها لغير أهلها، هل يجزئه ذلك وتسقط منه، وهل حديث: "لك ما نويت يا يزيد ... "، وكذلك "تُصدّق الليلة على سارق ... "، يفيد ذلك؟ فأجاب ﵀: هكذا الظاهر، وفي مرّة أخرى قال: إِذا كان لا يعلم يسقط عنه. ما هو الأفضل: إِظهار الصدقة أم إِخفاؤها (٣)؟ يجوز للمتصدّق أن يُظهر صدقته؛ سواء أكانت صدقة فرض أو نافلة؛ دون

стр. 986

أن يرائي بصدقته، وإخفاؤها أفضل. قال الله تعالى: ﴿إِنْ تبدوا الصدقات فنعمّا (١) هي وإِن تُخفوها وتُؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ (٢). قال ابن كثير ﵀: "فيه دلالة على أنّ إِسرار الصدقة أفضل من إِظهارها؛ لأنه أبعد عن الرياء؛ إِلا أنه يترتب على الإِظهار مصلحة راجحةٌ من اقتداء الناس، فيكون أفضل من هذه الحيثية. وقال الله تعالى: ﴿الذين يُنفِقون أموالهم بالليل والنهار سرّاً وعلانية﴾ (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: عن النبي ﷺ قال: "سبعة يُظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلَّ إِلا ظلُّه: إِمام عَدْل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه مُعلَّق في المساجد، ورجلان تحابّا في الله؛ اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعته امرأة ذاتَ منصب وجمال، فقال: إِني أخاف الله، ورجل تصدّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكَر الله خالياً ففاضت عيناه" (٤). وعن أنس: "أُنزلت هذه الآية: ﴿لن تنالوا البِرّ حتى تُنفقوا ممّا

стр. 987

تُحبّون﴾ (١)، قال: ﴿من ذا الذي يُقرِض الله قرْضاً حسَناً﴾ (٢). قال أبو طلحة: يا رسول الله حائطي الذي في كذا وكذا، هو لله ولو استطعت أن أُسِرَّه لم أُعلِنه، فقال: "اجعله في فقراء أهلك أدنى أهل بيتك" (٣). الدعاء للمزكي قال الله تعالى: ﴿خُذ من أموالهم صدقةً تطهرهم وتزكيهم بها وصلِّ عليهم إِنّ صلاتك سكن (٤) لهم﴾ (٥). قال ابن كثير في "تفسيره": ﴿وصلِّ عليهم﴾ أي: ادعْ لهم واستغفِر لهم. وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: كان النبي ﷺ إِذا أتاه قومٌ بصدقتهم قال: اللهمّ صلِّ على آل فلان، فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهمّ صلِّ على آل أبي أوفى" (٦).

стр. 988

الصدقة باليمين (١) لحديث أبي هريرة ﵁ المتقدّم: "سبعةٌ يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظلَّ إِلا ظلُّه: ... ". وفيه: "ورجل تصدّق بصدقةٍ فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه". التحذير من المنّ بالعطيّة قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تُبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى كالذي يُنفِق ماله رئاء الناس﴾ (٢). عن أبي ذرّ عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا يُكلّمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إِليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرار. قال أبو ذر: خابوا وخسِروا من هم يا رسول الله! قال: المسبل، والمنّان، والمنفق سلعته بالحَلفِ الكاذب" (٣). فضل صدقة الشحيح الصحيح (٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: "جاء رجل إِلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أيُّ الصدقة أعظم أجراً؟

стр. 989

قال: أن تصّدّق وأنت صحيح شحيح (١) تخشى الفقر وتأمل الغِنى، ولا تمهل حتى إِذا بلَغَت الحُلقوم (٢) قلت لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان" (٣). النهي عن تحقير ما قلّ من الصدقات عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا النار ولو بشِقّ تمرة" (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يقول: يا نساء المسلمات (٥) لا تحقرنّ جارةٌ لجارتها ولو فِرسِن (٦) شاة" (٧).

стр. 990

قال ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٤/ ١١١): " (باب الأمر بإِعطاء السائل وإن قلّت العطية وصغُرت قيمتها، وكراهية ردّ السائل من غير إِعطاء إِذا لم يكن للمسؤول ما يجزل العطية). ثمّ ذكَر حديث أم بُجيد -وكانت ممّن بايع رسول الله ﷺ : أنها قالت له: يا رسول الله! صلى الله عليك، إِنّ المسكين ليقوم على بابي؛ فما أجد له شيئاً أعطيه إِياه؟ فقال لها رسول الله ﷺ : "إِن لم تجدي له شيئاً تعطينه إِياه إِلا ظِلْفاً (١) مُحْرَقاً (٢)، فادفعيه إِليه في يده" (٣). الزجر عن عيب المتصدّق المُقلّ بالقليل من الصدقة (٤) قال الإِمام البخاري ﵀ (باب اتقوا النار ولو بشِقّ تمرة، والقليل من الصدقة) (٥). عن أبي مسعود ﵁ قال: لمّا نزلت آية الصدقة؛ كنّا

стр. 991

نحامِلُ (١)، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مُرائي. وجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إِنّ الله لغني عن صاع هذا، فنزَلت: ﴿الذين يلْمزون المطوّعين من المؤمنين في الصّدقات والذين لا يَجدون إِلا جُهدهم﴾ (٢) الآية" (٣). الزجر عن رمي المتصدِّقين بالكثير من الصدقة بالرياء والسمعة (٤) للحديث السابق. هل يشتري صدقته ؟ لا يجوز للمرء أن يشتري صدقته؛ لحديث ابن عمر ﵄ "أنَّ عمر بن الخطاب تصدّق بفرَسٍ في سبيل الله، فوجده يباع، فأراد أن يشتريه، ثمّ أتى النبي ﷺ فاستأمره فقال: لا تعُد في صدقتك. فبذلك كان ابن عمر ﵄ لا يترك أن يبتاع شيئاً تصدّق به إلاَّ جعله صدقة" (٥). ويجوز له أن يشتري صدقة غيره؛ لحديث أبي سعيد ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "لا تحلّ الصدقة لغنيّ إِلا لخمسة: ... أو رجل اشتراها

стр. 992

بماله" (١). قال الإِمام البخاري ﵀: "ولا بأس أن يشتري صدقة غيره لأنّ النّبيّ ﷺ إِنما نهى المتصدِّق خاصةً عن الشراء ولم ينه غيره". وانظر ما قاله شيخنا ﵀ في "تمام المِنّة" (ص ٣٨٤). إِذا تحوّلت الصدقة (٢) يجوز الأكل من الصدّقة إِذا أُهديت من فقير أو قُدّمت في ضيافة ونحوها. عن أنس ﵁ "أنَّ النبي ﷺ أُتي بلحمٍ تُصدّق به على بريرة فقال: هو عليها صدقة، وهو لنا هديّة" (٣). التصدّق بغير المال عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "على كلّ مسلم صدقة، فقالوا: يا نبي الله فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدّق، قالوا: فإِن لم يجد؟ قال: يُعين ذا الحاجة الملهوف (٤)، قالوا: فإِن لم يجد؟ قال: فليعمل بالمعروف، وليُمسِك عن الشرّ، فإِنها له صدقة" (٥).

стр. 993

وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "على كلِّ نفس في كلِّ يوم طلعت فيه الشمس صدقة منه على نفسه. قلت: يا رسول الله! من أين أتصدق وليس لنا أموال؟ قال: لأنّ من أبواب الصدقة التكبير، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إِله إلاَّ الله، وأستغفر الله، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتعزل الشوكة عن طريق الناس، والعظمةَ والحجَرَ، وتهدي الأعمى، وتُسمع الأصمّ والأبكم حتى يفقه، وتدُلُّ المستدلّ على حاجة له قد علِمتَ مكانها، وتسعى بشدة ساقيك إِلى اللهفان المستغيث، وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف. كلّ ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك، ولك في جماعك زوجتك أجر. قال أبو ذر: كيف يكون لي أجر في شهوتي؟ فقال: أرأيت لو كان لك ولد؛ فأدرك ورجوت خيره فمات؛ أكنت تحتسبه؟ قلت: نعم. قال: فأنت خلقته؟ قال: بل الله خلَقه. قال: فأنت هديتَه؟ قال: بل الله هداه. قال: فأنت ترزقه؟ قال: بل الله كان يرزقه. قال: كذلك فضعه في حلاله، وجنّبه حرامه، فإِنْ شاء الله أحياه، وإِنْ شاء أماته، ولك أجر" (١). والنّصوص في هذه المعاني كثيرة.

стр. 994

التصدّق بالماء عن أبي هريرة ﵁ قال: "ليس صدقة أعظم أجراً من ماء" (١). وعن أنس ﵁: "أنّ سعداً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إِنَّ أمّي توفِّيت ولم توصِ، أفينفعها أن أتصدّق عنها؟ قال: نعم، وعليك بالماء" (٢). وعن سعد بن عبادة ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله! إِنَّ أمّي ماتت، فأيّ الصدقة أفضل؟ قال: الماء. فحفَر بئراً وقال: هذه لأمّ سعد" (٣). وعن علي بن الحسن بن شقيق قال: "سمعتُ ابن المبارك -وسأله رجل: يا أبا عبد الرحمن! قرحة خرجَت من ركبتي منذ سبع سنين، وقد عالجت بأنواع العلاج، وسألت الأطباء، فلم أنتفع به؟ - قال: اذهب فانظر موضعاً يحتاج الناس للماء؛ فاحفر هناك بئراً؛ فإِنني أرجو أن ينبع هناك عين،

стр. 995

ويمسك عنك الدم، ففعل الرجل، فبرئ". رواه البيهقي. وقال: وفي هذا المعنى حكاية شيخنا الحاكم أبي عبد الله ﵀: "فإِنه قرح وجهه، وعالجه بأنواع المعالجة، فلم يذهب، وبقي فيه قريباً من سنة، فسأل الأستاذ الإِمام أبا عثمان الصابوني أن يدعو له في مجلسه يوم الجمعة، فدعا له، وأكثر الناس التأمين. فلمّا كان من الجمعة الأخرى؛ ألقت امرأة في المجلس رقعة بأنها عادت إِلى بيتها، واجتهدت في الدعاء للحاكم أبي عبد الله تلك الليلة، فرأت في منامها رسول الله ﷺ كأنه يقول لها: قولي لأبي عبد الله يوسع الماء على المسلمين. فجئت بالرقعة إِلى الحاكم، فأمر بسقايةٍ بنيت على باب داره، وحين فرغوا من بنائها، أمر بصب الماء فيها، وطرح الجمد في الماء، وأخذ الناس في الشرب، فما مرّ عليه أسبوع حتى ظهر الشفاء، وزالت تلك القروح وعاد وجهه إِلى أحسن ما كان، وعاش بعد ذلك سنين" (١). ما جاء في المنيحة (٢) عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أربعون خصلة -أعلاهنّ منيحة العنز- ما من عامل يعمل بخَصلة منها؛

стр. 996

رجاء ثوابها وتصديق موعودها؛ إلاَّ أدخَله الله بها الجنة" (١). التصدُّق بالفرس لحديث ابن عمر ﵄ المتقدّم: "أنّ عمر بن الخطاب تصدّق بفَرسٍ في سبيل الله ... ". التصدّق بالزّرع عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً؛ فيأكل منه طير أو إِنسان أو بهيمة، إِلا كان له به صدقة" (٢). اشتراط المتصدّق حبْس أصول الصدقة، والمنْع مِن بيع رقابها وهبتها وتوريثها (٣) عن ابن عمر ﵄ "أنَّ عمر بن الخطاب أصاب أرضاً بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها فقال: يا رسول الله، إِني أصبت أرضاً بخيبر؛ لم أُصِب مالاً قطُّ أنفس عندي منه؛ فما تأمر به؟ قال: إِن شئت حبسْتَ أصلها وتصدقت بها. قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهَب ولا يورَث، وتصدّق بها في

стр. 997

الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضَّيف، ولا جناح على من وَلِيها أن يأكل منها بالمعروف، ويُطعِم غير متموّل. قال: فحدّثت به ابن سيرين فقال: غير متأثّل (١) مالاً" (٢). وعن أبي هريرة ﵁: "أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إِنّ أبي مات، وترَك مالاً، ولم يوصِ، فهل يُكفِّرُ عنه أن أتصدّق عنه؟ قال: نعم" (٣). لا يقبل الله صدقة من غُلول (٤) عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقبل صلاة بغير طُهور، ولا صدقةٌ من غُلول" (٥). استسلاف الإِمام المال لأهل الصدقات وردُّه ذلك من الصدقة بعد الاستسلاف (٦) عن أبي رافع "أنَّ رسول الله ﷺ استسلف من رجل بَكْراً (٧)، فقَدِمَت عليه

стр. 998

إِبل من إِبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بَكْرة. فرجع إِليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلاَّ خِياراً (١) رَباعياً (٢)، فقال: أعطه إياه، إِنَّ خِيار الناس أحسنهم قضاء" (٣). الرخصة في إِعطاء الإِمام من الصدقة من يذكر حاجة وفاقة؛ لا يعلم الإِمام منه خلافه من غير مسألة عن حاله؛ أهو فقير محتاج أم لا (٤)؟ قال ابن خزيمة ﵀: "خبر سلمة بن صخر (٥) في ذِكْره للنبي ﷺ أنهم يأتوا (٦) وحشاً ليس لهم عشاء، وبعثة النّبيّ ﷺ إِياه إِلى صاحب صدقة بني زريق ليقبض صدقتهم، وليس في الخبر أنّ النّبيّ ﷺ سأل غيره، وفي الخبر أيضاً دلالة على إِباحة دفع صدقة قبيلة إِلى واحد؛ لا أنه يجب على الإِمام تفرقة صدقة كلّ امرئ" (٧). وصدقة كلّ يومٍ على جميع الأصناف الموجودة من أهل سهمان الصدقة، إِذ

стр. 999

النّبيّ ﷺ قد أمَر سلمة بن صخر بقبض صدقات بني زريف من مصدّقهم". الرخصة في إِعطاء الإِمام المظاهر (١) من الصدقة ما يُكفّر به عن ظهاره إِذا لم يكن واجداً للكفارة (٢). عن سلمة بن صخر قال: "كنت امرأً قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلمّا دخَل رمضان؛ تظاهَرْتُ من امرأتي حتى ينسلخ رمضان، فَرَقاً (٣) من أن أصيب في ليلتي شيئاً، فأتتابع في ذلك حتى يدركني النهار، وأنا لا أقدر على أن أنزع. فبينا هي تخدمني إِذ تكشّف لي منها شيء، فوثبْت عليها، فلمّا أصبحت غدوت على قومي، فأخبرتُهم خبري وقلت لهم: انطلقوا معي إِلى النبي ﷺ فأُخبره بأمري، فقالوا: لا والله لا نفعل نتخوّف أن ينزل فينا قرآن، أو يقول فينا رسول الله ﷺ مقالةً يبقى علينا عارها، ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدا لك. قال: فخرجْتُ فأتيت النبي ﷺ فأخبرته خبري، فقال لي: أنت بذاك؟ فقلت: أنا بذاك، فقال: أنت بذاك؟ فقلت: أنا بذاك، فقال: أنت بذاك؟ قلت: نعم؛ ها أنا ذا؛ فأَمضِ فيّ حُكم الله فإِني صابر له، قال: أعتِق رقبة، قال: فضربتُ صفحة رقبتي بيدي، وقلت: لا والذي بعثَك بالحقّ، ما أصبحت أملك غيرها.

стр. 1000

قال: فصم شهرين، قال: قلت: يا رسول الله وهل أصابني ما أصابني إِلا في الصيام؟ قال: فتصدَّق، قال: فقلت: والذي بعثَك بالحقّ؛ لقد بِتنا ليلتنا هذه وحشاء ما لنا عشاء. قال: اذهب إِلى صاحب صدقة بني زريق، فقل له فليدفعها إِليك، فأطعِم عنك منها وَسْقاً (١) من تمر ستين مسكيناً، ثمّ استعن بسائره عليك وعلى عيالك. قال: فرجعْت إِلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله ﷺ السعة والبركة، قد أمر لي بصدقتكم فادفعوها لي، فدفعوها إِلي" (٢). إعطاء الإِمام دِيَة من لا يُعرف قاتِلُه من الصدقة (٣) عن سهل بن أبي حَثْمة "أنَّ نفراً من قومه انطلقوا إِلى خيبر؛ فتفرّقوا فيها، ووجدوا أحدهم قتيلاً، وقالوا للذي وُجِد فيهم: قتلتم صاحبنا، قالوا: ما قتلنا ولا عَلِمنا قاتلاً. فانطلقوا إِلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله انطلقْنا إِلى خيبر فوجدنا أحدنا قتيلاً، فقال: الكُبْرَ الكُبْر (٤) فقال لهم: تأتون بالبيِّنة على مَن قتَله، قالوا: ما لنا

стр. 1001

بينة، قالوا: فيحلفون قالوا: لا نرضى بأيْمان اليهود، فكره رسول الله ﷺ أن يُبطِل (١) دمه فوداه (٢) مائة من إِبل الصدقة" (٣). صدقة الفطر (٤) صدقة الفطر: هي الزكاة التي تجب بالفطر من رمضان. عن ابن عمر ﵄ قال: "فَرَض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير؛ على العبد (٥) والحرِّ والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين.

стр. 1002

وأَمَر بها أن تؤدّى قبل خروج الناس إِلى الصلاة" (١). صدقة الفطر عن المملوك واجب على مالكه عن أبي هريرة -رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس على المسلم في فرسه ولا في عبده صدقة؛ إِلا صدقة الفطر". قال ابن خزيمة في "صحيحه" (٤/ ٨٢): "باب الدليل على أنّ صدقة الفطر عن المملوك واجب على مالكه، لا على المملوك؛ كما توهّم بعض الناس". وذكر حديث أبي هريرة ﵁. وهذا يفسّر الحديث السابق: "فرَض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحُرِّ ... ". حكمتها: عن ابن عباس ﵄ قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طُهْرةً (٢) للصائم، من اللغو (٣) والرَّفَث (٤)، وطُعْمةً للمساكين (٥)، مَن أدّاها قبل الصلاة؛ فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة؛ فهي صدقة من

стр. 1003

الصدقات" (١). على من تجب ؟ تجب على المسلم الحُرّ المالك لمقدار نصف صاعٍ من بُرٍّ أو صاع من التمر ونحوه؛ يزيد عن قوته وقوت عياله يوماً وليلة، وتجب عليه عن نفسه، وعمّن يجب الإِنفاق عليهم؛ كالزوجة والأبناء والخدم والمسلمين. عن ابن عمر ﵄ قال: "أمَر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممّن تمونون (٢) " (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس في العبد صدقة إِلا صدقةُ (٤) الفطر" (٥). جاء في "الروضة الندية" (١/ ٥١٩) -بتصرف-: "إِذا ملكَ زيادة على قوت يومه؛ أخرج الفطرة إِن بلغَ الزائد قدْرها، ويؤيّده تحريم السؤال على مَن ملك ما يغديه ويعشّيه ... " اهـ. وقد ورد في هذا عدد من النصوص منها:

стр. 1004

"من سأل وعنده ما يُغنيه، فإِنّما يستكثر من النّار، فقالوا: يا رسول الله وما يُغنيه؟ قال: قدْر ما يغدّيه ويعشّيه (١). قدْرها: وقدْرها صاع من التمر والشعير ونحو ذلك ... ممّا يعدّ قوتاً. والصاع: أربعة أمداد، والمدّ: حفنة الرجل باليدين، وسُمّي مدّاً؛ لأنَّ اليدين تُمدّان. عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كنّا نُخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقِط، أو صاعاً من زبيب" (٢). وأمّا من البُر؛ فنصف صاع، وهو قول أبي حنيفة، وقياس أحمد في بقيّة الكفّارات، وبه يقول شيخ الإِسلام (٣) وشيخنا -رحم الله الجميع-. عن عروة بن الزبير: "أنَّ أسماء بنت أبي بكر، كانت تُخرج على عهد رسول الله ﷺ عن أهلها -الحرّ منهم والمملوك- مُدّين من حنطة، أو صاعاً من تمر بالمدّ، أو بالصاع الذي يقتاتون به" (٤).

стр. 1005

قال شيخنا ﵀ في "تمام المِنّة" (ص٣٨٧) -عقب أثر عروة ابن الزبير-: "فثبَت من ذلك أن الواجب في صدقة الفطر من القمح نصف صاع، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية كما في "الاختيارات" (ص ٦٠)، وإليه مال ابن القيم ... وهو الحقّ إِن شاء الله تعالى". وسألت شيخنا ﵀: هل نصف الصاع يجزئ إِذا أخرجه الغنيّ والفقير. فقال: "نعم". وسألته أيضاً: الواجب في صدقة الفطر من القمح نصف صاع، فهل هذا خاص بالقمح؟ أم يمكن أن تقاس عليه أصناف أُخرى، قد تكون مِثله أو أعلى في السعر أو الجودة؟ فأجاب ﵀: هو كذلك. الزيادة عن المنصوص عليه تجوز الزيادة عن المنصوص عليه، لا خروجاً عن النص؛ ولكن تنفُّلاً وتطوُّعاً. جاء في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٧٠): "سُئل ﵀ عمّن عليه زكاة الفطر؛ ويعلم أنّها صاع ويزيد عليه، ويقول: هو نافلة، هل يكره؟ فأجاب: الحمد لله، نعم يجوز بلا كراهية عند أكثر العلماء؛ كالشافعي وأحمد وغيرهما، وإنما تنقل كراهيته عن مالك. وأمّا النقص عن الواجب، فلا يجوز باتفاق العلماء".

стр. 1006

هل يجوز إِخراج القيمة ؟ لا يجوز إِخراج القيمة في زكاة الفِطر؛ لورود النّص في الطّعام. قال ابن حزم ﵀ في "المُحلّى" (٦/ ١٩٣) مسألة (٧٠٨): " ... ولا تجزئ قيمة أصلاً". وقال النووي ﵀: "ولم يُجز عامّة الفقهاء إِخراج القيمة، وأجازه أبو حنيفة" (١). قلت: ولعلّ أصْل المبحث؛ فيما إِذا كانت صدقة الفطر؛ تجري مجرى صدقّة الأموال أو صدقة الأبدان؛ كالكفارات؟ والراجح أنها * تجري مجرى كفّارة اليمين، والظِّهار، والقتل، والجماع في رمضان، ومجرى كفّارة الحج، فإِنّ سببها هو البدن ليس هو المال، كما في السنن عن النّبيّ ﷺ : "أنّه فرَض صدقة الفطرطُهرةً للصائم من اللغو والرفث وطُعمة للمساكين، مَن أدّاها قبل الصلاة؛ فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات" (٢). ولهذا أوجَبَها الله طعاماً، كما أوجب الكفّارة طعاماً. وعلى هذا القول؛ فلا يجزئ إِطعامها إِلا لمن يستحقّ الكفّارة، وهم الآخِذون لحاجة أنفسهم، فلا يعطى منها في المؤلفة، ولا الرقاب، ولا غير

стр. 1007

ذلك، وهذا القول أقوى في الدليل * (١). وقت إِخراجها عن ابن عمر ﵄: "أن النبي ﷺ أمرَ بزكاة الفطر (٢) قبل خروح الناس إِلى الصلاة" (٣). ولا بأس من تعجيلها للموكّل بتوزيعها قبل الفطر بيوم أو يومين. فعن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: "فرَض النبي ﷺ صدقة الفطر -أو قال: رمضان- على الذكر والأنثى والحرّ والمملوك؛ صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، فعدل الناس به نصف صاع من بُرّ. فكان ابن عمر ﵄ يعطي التمر، فأعْوز (٤) أهل المدينة من التمر فأعطى شعيراً، فكان ابن عمر يعطي على الصغير والكبير؛ حتى إِنْ كان يعطي عن بنيَّ.

стр. 1008

وكان ابن عمر ﵄ يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يُعطَون قبل الفطر بيوم أو يومين" (١). قال شيخنا ﵀ في "الإِرواء" (٣/ ٣٣٥): "وروى الجملة الأخيرة منه الدارقطني (٢٢٥) والبيهقي (٤/ ١٧٥) من طريق الضحاك بن عثمّان عن نافع به بلفظ ... : "أنّ رسول الله ﷺ أمَر بإِخراج زكاة الفطر؛ أن تُؤدّى قبل خروج الناس إِلى الصلاة، وأنّ عبد الله بن عمر؛ كان يؤديها قبل ذلك بيوم أو يومين". وروى مالك (١/ ٢٨٥/٥٥) عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إِلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة. قلت [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-]: وهذا يُبيّن أنّ قوله في رواية البخاري: "للذين يقبلونها" ليس المراد به الفقراء، بل الجباة الذين ينصبهم الإِمام لجمع صدقة الفطر. ويؤيد ذلك ما وقع في رواية ابن خزيمة؛ من طريق عبد الوارث عن أيوب: "قلت: متى كان ابن عمر يعطي؟ قال: إِذا قعد العامل، قلت: متى يقعد العامل؟ قال: قبل الفطر بيوم أو يومين" انتهى. ولا يجوز تأخيرها عن وقتها، فمن فَعل عُدَّت زكاته صدقة من الصدقات كما في حديث ابن عباس ﵄ المتقدّم: "فرَض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طُهرةً للصائم ... ومن أدّاها بعد الصلاة؛ فهي صدقة من الصدقات".

стр. 1009

مصرفها: تُعطى صدقة الفطر للمساكين؛ كما في حديث ابن عباس ﵄ المتقدّم: " ... وطعمة للمساكين". وقال شيخ الإِسلام ﵀ كما في "الاختيارات" (ص ١٠٢): "ولا يجوز دفع زكاة الفطر إِلا لمن يستحقّ الكفّارة، وهو من يأخذ لحاجته، لا في الرقاب والمؤلفة قلوبهم، وغير ذلك" (١). وقال شيخنا ردّاً على الشيخ السيد سابق -رحمهما الله- في قوله: "تُوزّع على الأصناف الثمانية المذكورة في آية ﴿إِنّما الصدقات للفقراء ... ﴾ ". "ليس في السُّنّة العملية ما يشهد لهذا التوزيع، بل قوله ﷺ في حديث ابن عبّاس: " ... وطُعمة للمساكين"؛ يفيد حصْرُها بالمساكين. والآية إِنّما هي في صدقات الأموال؛ لا صدقة الفطر؛ بدليل ما قبلها، وهو قوله تعالى: ﴿ومنهم من يَلمِزك في الصدقات فإنْ أُعطوا منها رَضُوا﴾ (٢). وهذا هو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية، وله في ذلك فتوى مفيدة (ج٢/ص٨١ - ٨٤) من "مجموع الفتاوى"، وبه قال الشوكاني في "السيل الجرّار" (٢/ ٨٦ - ٨٧)، ولذلك قال ابن القيم في "الزاد": "وكان من هديه ﷺ تخصيص المساكين بهذه الصدقة ... "" (٣).

стр. 1010

عدم جواز إِعطائها للذمّي لا يجوز إِعطاء صدقة الفطر للذمّي لقوله ﷺ في الحديث المتقدّم: "وطُعمةً للمساكين" فإِنّ الظاهر منه أنه أراد مساكين المسلمين؛ لا مساكين الأمم كلّها (١). وقال شيخنا في الردّ على الشيخ السيد سابق -رحمهما الله- حين استدلّ على جواز ذلك بالآية: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتِلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتُقسِطوا إِليهم إِنّ الله يحبّ المقسطين﴾ (٢). لا يظهر في الآية دليل على الجواز؛ لأن الظاهر منها الإِحسان إليهم على وجه الصِّلة من الصدقات غير الواجبة، فقد روى أبو عبيد (رقم ١٩٩١) بسند صحيح عن ابن عبّاس قال: "كان ناس لهم أنسباء وقرابة من قريظة والنضير، وكانوا يتَّقون أن يتصدّقوا عليهم، ويريدونهم على الإِسلام، فنزلت: ﴿ليس عليك هداهم ولكنّ الله يهدي من يشاء وما تُنفِقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إِلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوفَّ إِليكم وأنتم لا تُظلَمون﴾ (٣) ". فهذه الآية مثل التي قبلها. ثمّ روى بسند صحيح إِلى سعيد بن المسيّب: "أنَّ رسول الله ﷺ تصدّق بصدقة على أهل بيت من اليهود فهي تجري عليهم".

стр. 1011

وروى عن الحسن -وهو البصري- قال: "ليس لأهل الذمّة في شيء من الواجب حقّ، ولكن إِنْ شاء الرجل تصدَّق عليهم من غير ذلك". فهذا هو الذي ثبت في الشرع، وجرى عليه العمل من السلف، وأمّا إِعطاؤهم زكاة الفطر؛ فما علمنا أحداً من الصحابة فعَل ذلك، وفَهْم ذلك من الآية فيه بُعْد، بل هو تحميل للآية ما لا تتحمّل. وما رواه أبو إِسحاق عن أبي ميسرة قال: "كانوا يجمعون إِليه صدقة الفطر؛ فيعطيها أو يعطي منها الرهبان". رواه أبو عبيد (٦١٣/ ١٩٩٦)، وابن زنجويه (١٢٧٦). فهو مع كونه مقطوعاً موقوفاً على أبي ميسرة -واسمه عمرو بن شرحبيل- فلا يصحّ عنه؛ لأنّ أبا إِسحاق هو السبيعي مختلط مدلّس، وقد عنعنه". في المال حقٌّ سوى الزكاة (١) عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أطعِموا الجائع وعودوا المريض وفكُّوا العاني (٢) " (٣).

стр. 1012

وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "بينما نحن في سفرٍ مع النبي ﷺ إِذ جاء رجل على راحلة له، قال: فجعَل يصرف بصَره (١) يميناً وشمالاً، فقال رسول الله ﷺ : من كان معه فضْل ظهر (٢) فليَعُد به (٣) على من لا ظهر له، ومن كان له فضلٌ مِن زاد؛ فليعُد به على من لا زاد له. قال: فذكَر مِن أصناف المال ما ذَكَر، حتى رأينا أنه لا حقَّ لأحد منّا في فضل" (٤). وعن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄: "أنَّ أصحاب الصفّة كانوا أُناساً فقراء، وأنَّ النبي ﷺ قال: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، وإنْ أربع فخامس أو سادس، وأنَّ أبا بكر جاء بثلاثة فانطلق النبي ﷺ بعشرة" (٥). وقد لا تكفي الزكاة المفروضة؛ لإِطعام الجائع، وفكّ الأسير، ومداواة المريض، ونحو ذلك؛ ممّا لا يُستغنى عنه من الحاجات؛ فيجب في الأموال حقٌّ آخر سوى الزكاة؛ لسدّ الحاجة والقيام بما يلزم. وعن ابن عمر ﵄ قال: " ... في مالك حقّ سوى

стр. 1013

الزكاة" (١). قال ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (٦/ ٢٢٤ - ٢٢٩) -بتصرّف-: "وفرْض على الأغنياء من أهل كلّ بلد؛ أن يقوموا بفقرائهم، ويُجبرهم السلطان على ذلك؛ إِنْ لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمِثل ذلك، وبمسكن يُكنّهم (٢) من المطر، والصيف والشمس وعيون المارة. برهان ذلك: قول الله تعالى: ﴿وآت ذا القربى حقّه والمسكين وابن السَّبيل﴾ (٣). وقال الله تعالى: ﴿وبالوالدين إِحساناً وبذي القُربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجُنُب والصاحب بالجَنْب وابن السبيل وما ملَكَت أيْمانكم﴾ (٤). فأوجب تعالى حقّ المساكين، وابن السبيل، وما ملكَت اليمين مع حق ذي القربى. وافترض الإِحسان إِلى الأبوين، وذي القربى، والمساكين والجار، وما

стр. 1014

ملكت اليمين، والإِحسان يقتضي كل ما ذكَرنا، ومنْعه إِساءة بلا شكّ. وقال تعالى: ﴿ما سلككُم في سقر * قالوا لم نَكُ من المصلّين * ولم نك نُطعِم المسكين﴾ (١). فقَرن الله تعالى إِطعام المسكين بوجوب الصلاة. وعن رسول الله ﷺ من طُرُق كثيرة في غاية الصحّة؛ أنه قال: "من لا يرحم الناس لا يرحَمْه الله" (٢). ومن كان على فضلةٍ، ورأى المسلم أخاه جائعاً عريان ضائعاً فلم يُغِثه؛ فما رحِمه بلا شكّ". ثمّ ذكر حديث عبد الرحمن بن أبي بكر المتقدّم في أصحاب الصّفّة: "من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ... ". وعن عبد الله بن عمر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلِمه ولا يُسلمه" (٣). قال أبو محمّد: من تركه يجوع ويعرى -وهو قادر على إِطعامه وكسوته- فقد أسلَمه! ثمّ ذكَر حديث أبي سعيد الخدري المتقدّم: "من كان معه فضل ظهر فليعُد به على من لا ظهر له ... ".

стр. 1015

ثمّ قال: وهذا إِجماع الصحابة ﵃ يخبر بذلك أبو سعيد وبكلّ ما في هذا الخبر نقول. ثمّ ذكَر حديث أبي موسى المتقدّم: "أطعموا الجائع وفكُّوا العاني". وقال: والنصوص من القرآن، والأحاديث الصحاح في هذا تكثُر جدّاً. وعن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لو استقبلت من أمري ما استدبرت؛ لأخذْت فضول أموال الأغنياء؛ فقسَمتها على فقراء المهاجرين. وهذا إِسناد في غاية الصحة والجلالة. وعن ابن عمر ﵄ أنه قال: "في مالكَ حقٌّ سوى الزكاة" (١). فهذا إِجماع مقطوع به من الصحابة ﵃ لا مُخالِف لهم منهم. وصحّ عن الشعبي ومجاهد وطاوس وغيرهم، كلهم يقول: في المال حقٌّ سوى الزكاة. صدقة التطوّع يُستحبُّ الإِكثار من صدقة التطوّع، وفيها العديد من النصوص؛ من ذلك: ١ - قول الله تعالى: ﴿مَثل الذين يُنفقون أموالهم في سبيل الله كمثَل

стр. 1016

حبةٍ أنبتت سبع سنابل في كلّ سنبلة مائة حبة والله يضاعِف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ (١). ٢ - وقوله سبحانه: ﴿لن تنالوا البِرّ حتى تُنفقوا مما تحبّون وما تُنفِقوا من شيء فإِنّ الله به عليم﴾ (٢). ٣ - وحديث أبي هريرة ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: "ما من يوم يصبح العباد فيه إِلا مَلَكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهمَّ أعط مُنفِقاً خَلَفاً (٣)، ويقول الآخر: اللهمّ أعط ممسكاً تَلَفاً (٤) ". ٤ - وحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: "سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: كلّ امرئ في ظلِّ صدقته؛ حتى يقضى بين الناس. قال يزيد: فكان أبو مَرثد لا يخطئه يوم إِلا تصدّق فيه بشيء، ولو كعكة أو بصلة" (٥). أوْلى الناس بالصدقة أوْلى الناس بالصدقة أهل المتصدّق ثمّ قرابته.

стр. 1017

عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ابدأ بنفسك فتصدّق عليها، فإنْ فضَل شيء؛ فلأهلك، فإِنْ فضَل عن أهلك شيء؛ فلِذِي قرابتك، فإِنْ فضَل عن ذي قرابتك شيء؛ فهكذا وهكذا" (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: "أمَر رسول الله ﷺ بالصدقة فقام رجل فقال: يا رسول الله عندي دينار قال: تصدَّق به على نفسك، قال: عندي آخر قال: تصدَّق به على ولدك، قال: عندي آخر، قال: تصدَّق به على زوجتك، قال: عندي آخر، قال: تصدَّق به على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أبْصَر" (٢). وفي رواية: "دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقَبة، ودينار تصدّقتَ به على مسكين، ودينار أنفقتَه على أهلك، أعظمُها أجراً الذي أنفقتَه على أهلك" (٣). وعن حكيم بن حزام ﵁: "أنَّ رجلاً سأل النّبيّ ﷺ عن الصدقات أيها أفضل؟ قال: على ذي الرحِم الكاشح (٤) " (٥).

стр. 1018

وعن خيثمة قال: "كنّا جلوساً مع عبد الله بن عمرو إِذ جاءه قَهْرَمان (١) له، فدخل فقال: أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا، قال: فانطلِق فأعطهم. قال: قال رسول الله ﷺ : كفى بالمرء إِثماً أنْ يحبس عمّن يملك قوته" (٢). التحذير من التصدّق بالحرام عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيها الناس! إنَّ الله طيِّب لا يقبل إلاَّ طيباً، وإِنّ الله أمَر المؤمنين بما أمَر به المرسلين، فقال: ﴿يا أيها الرسل كُلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إِنِّي بما تعملون عليم﴾ (٣)، وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ (٤). ثمّ ذكر الرجل يطيل السفر أشعث (٥) أغبر (٦) يمدّ يديه إِلى السماء يا ربّ! يا ربّ! ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام وَغُذِيَ بالحرام فأنّى

стр. 1019

يستجاب لذلك؟ " (١). وتقدّم حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من تصدق بعَدل تمرة من كسب طيِّب -ولا يقبل الله إلاَّ الطيب- فإِنّ الله يتقبلّها بيمينه، ثمّ يربِّيها لصاحبه كما يربِّي أحدكم فَلُوَّه (٢)، حتى تكون مثلَ الجبل". هل تتصدّق المرأة من مال زوجها ؟ للمرأة أن تتصدّق من بيت زوجها؛ إِن كان يرضى عن ذلك. فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مُفسدةٍ؛ كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازِن (٣) مثلُ ذلكَ، لا ينقُصُ بعضهم أجرَ بعض شيئاً" (٤). بيّن الحافظ ﵀ في "الفتح" (٣/ ٣٠٣): بأنّ هذا عن رضى الزوج بذلك في الغالب. ثمّ قال: ويدلّ على ذلك ما رواه المصنف [أي: الإِمام البخاري ﵀] من حديث همام عن أبي هريرة بلفظ: "إِذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير

стр. 1020

أمره، فلها نصف أجره" (١). وقال أيضاً ﵀ في "الفتح" (٤/ ٣٠١): "والأوْلى: أن يُحمل على ما إِذا أنفقت مِن الذي يخصّها به إِذا تصدقت بغير استئذانه، فإِنه يصدق كونه من كسبه، فيؤجَر عليه، وكونه بغير أمره يحتمل أن يكون أَذِن لها بطريق الإِجمال، لكن المنفي ما كان بطريق التفصيل. ولا بدّ من الحمل على أحد هذين المعنيين، وإِلا فحيث كان من ماله بغير إِذنه لا إِجمالاً ولا تفصيلاً، فهي مأزورة بذلك لا مأجورة". وعن أبي أمامة ﵁ قال: "سمعْتُ رسول الله ﷺ يقول عام حَجّة الوِداع: "لا تنفق امرأة شيئاً من بيت زوجها إِلا بإِذن زوجها. قيل: يا رسول الله! ولا الطعام؟ قال: ذلك أفضل أموالنا" (٢). قال الصنعاني ﵀ في "سُبل السلام" (٤/ ٧٨): -بعد أن ذكر حديث عائشة ﵂: "فيه دليل على جواز تصدُّق المرأة من بيت زوجها. والمراد إِنفاقها من الطعام الذي لها فيه تصرّف بصنعته للزوج ومن يتعلق به؛ بشرط أن يكون ذلك بغير إِضرار وأن لا يخلَّ بنفقتهم. قال ابن العربي ﵀: قد اختلف السلف في ذلك؛ فمنهم من أجازه في الشيء اليسير الذي لا يؤبه له ولا يظهر به النقصان، ومنهم مَن
следующие страницы →