الحديث، ويؤيده احتجاج عائشة به على مسروق؛ حين امتنع من صيام يوم عرفة، خشية أن يكون يوم النحر، فبيّنت له أنه لا عبرة برأيه، وأنّ عليه اتباع الجماعة؟ فقالت: "النحر يوم ينحر الناس، والفطر يوم يفطر الناس".
قلت: -أي شيخنا ﵀: وهذا هو اللائق بالشريعة السمحة؛ التي من غاياتها تجميع الناس وتوحيد صفوفهم، وإبعادهم عن كل ما يفرّق جمْعهم من الآراء الفردية، فلا تعتبر الشريعة رأي الفرد -ولو كان صواباً من وِجهة نظره- في عبادة جماعية؛ كالصوم والتَّعييد وصلاة الجماعة.
ألا ترى أنّ الصحابة ﵃ كان يصلّي بعضهم وراء بعض، وفيهم من يرى أنّ مسّ المرأة والعضو وخروج الدم من نواقض الوضوء، ومنهم من لا يرى ذلك، ومنهم من يُتمّ في السفر، ومنهم من يقصر؟!
فلم يكن اختلافهم هذا وغيره؛ ليمنعهم من الاجتماع في الصلاة وراء الإِمام الواحد، والاعتداد بها، وذلك لعلمهم بأن التفرُّق في الدين شرٌّ من الاختلاف في بعض الآراء.
ولقد بلغ الأمر ببعضهم في عدم الاعتداد بالرأي المخالف لرأي الإِمام الأعظم في المجتمع الأكبر كـ (منى)، إِلى حدّ ترْك العمل برأيه إِطلاقاً في ذلك المجتمع؛ فراراً ممّا قد ينتج من الشر بسبب العمل برأيه.
فروى أبو داود (١/ ٣٠٧) أنَّ عثمان ﵁ صلّى بمنى أربعاً، فقال عبد الله بن مسعود مُنكِراً عليه: صلّيتُ مع النّبيّ ﷺ ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ومع عثمان صدراً من إِمارته ثمّ
стр. 1052
أتمَّها، ثمَّ تفرَّقت بكم الطرق، فلوددتُ أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبَّلتين.
ثمّ إِنّ ابن مسعود صلّى أربعاً! فقيل له: عبت على عثمان ثمّ صلّيت أربعاً؟! قال: الخلاف شرٌّ. وسنده صحيح.
وروى أحمد (٥/ ١٥٥) نحو هذا عن أبي ذرّ -رضى الله عنهم أجمعين-.
فليتأمّل في هذا الحديث وفي الأثر المذكور؛ أولئك الذين لا يزالون يتفرَّقون في صلواتهم، ولا يقتدون ببعض أئمّة المساجد، وخاصّة في صلاة الوتر في رمضان؛ بحُجّة كونهم على خلاف مذهبهم!
وبعض أولئك الذين يدّعون العلم بالفلك ممّن يصوم وحده ويفطر وحده؛ متقدّماً أو متأخِّراً على جماعة المسلمين؛ معتدّاً برأيه وعلمه؛ غير مبال بالخروج عنهم ... " انتهى.
وقال شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٠٤): "فالمنفرد برؤية هلال شوال، لا يفطر علانية؛ باتفاق العلماء، إِلا أن يكون له عذر يبيح الفطر كمرض وسفر، وهل يفطر سراًّ؟ على قولين للعلماء أصحّهما لا يفطر سرّاً، وهو مذهب مالك وأحمد في المشهور في مذهبهما".
وقال شيخنا في الردّ على السيد سابق -رحمهما الله تعالى- في "تمام المِنّة" (ص ٣٩٩): "ومِن (مَنْ رأى الهلال وحده) وتحت هذا العنوان الجانبي قال: "واتفقَت أئمّة الفقه على أنّ مَن أبصَر هلال الصوم وحده أن
стр. 1053
يصوم".
فأقول: هذا ليس على إِطلاقه، بل فيه تفصيل ذكَره شيخ الإِسلام ابن تيمية في فتوى له، فقال (٢٥/ ١١٤): "إِذا رأى هلال الصوم وحده، أو هلال الفطر وحده، فهل عليه أن يصوم برؤية نفسه، أو يفطر برؤية نفسه؟ أم لا يصوم ولا يفطر إِلا مع النّاس؟ على ثلاثة أقوال؛ هي ثلاث روايات عن أحمد".
ثمّ ذكَرها، والذي يهمّنا ذِكره منها ما وافق الحديث، وهو قوله: "والثالث: يصوم مع الناس، ويفطر مع الناس، وهذا أظهر الأقوال، لقول النّبيّ ﷺ : "صومكم يوم تصومون، وفِطركم يوم تُفطرون، وأضحاكم يوم تُضْحون". رواه الترمذي وقال: حسن غريب.
قال: وفسّر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إِنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعِظَم الناس".
وهذا الحديث مخرج في "الصحيحة" (٢٢٤)، و"الإِرواء" (٩٠٥) من طرق عن أبي هريرة، فمن شاء رجَع إِليها.
ثمّ قال ابن تيمية (١١٧) -رحمه الله تعالى-: "لكن من كان في مكان ليس فيه غيره، إِذا رآه صام، فإِنه ليس هناك غيره"". انتهى.
قلت: وهذا الذي ينبغي أن يصار إِليه، إِذ قوله ﷺ : "الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون ... ". يُفهِم أنّ هذا جاء لإِلغاء الصوم أو الفطر الفردي، سواءٌ أصحّت الرُّؤية أم لم تصحّ، وإلا فلا قيمة للحديث ألبتة عياذاً بالله. والله أعلم.
стр. 1054
أركان الصوم
١ - النيّة: قال الله تعالى: ﴿وما أُمروا إِلاّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين حُنَفَاء (١)﴾ (٢).
وعن عمر ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّما الأعمال بالنيات، وإنِّما لكلِّ امرئٍ ما نوى" (٣).
ولا بُدّ من أن تكون النيّة قبل الفجر من كلّ ليلة؛ لحديث حفصة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من لم يُجمع (٤) الصيام قبل الفجر فلا صيام له" (٥).
جاء في "الروضة الندية" (١/ ٥٣٩): "وأمَّا أنَّه يجب تجديد النية لكلّ يوم؛ فلا يخفى أنَّ النيّة هي مجرّد القصد إِلى الشيء، أو الإِرادة له من دون اعتبار أمر آخر. ولا ريب أنّ من قام في وقت السحر، وتناوَل طعامه وشرابه في ذلك الوقت من دون عادة له به في غير أيّام الصوم؛ فقد حصَل له القصد المعتبر، لأنّ أفعال العقلاء لا تخلو عن ذلك" انتهى.
стр. 1055
أمّا صيام التطوّع؛ فالأمر فيه أوسع، فإِنّه يمكن لمن لم يبيّت النية من الليل أنْ ينوي ذلك في النهار.
فعن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ ذات يوم: "يا عائشة! هل عندكم شيء؟ " قالت: فقلت يا رسول الله ما عندنا شيء. قال: "فإِني صائم" (١).
وبوّب له ابن خزيمة ﵀ بقوله: "باب الدليل على أنّ النّبيّ ﷺ أراد بقوله: "لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل" الواجب من الصيام دون التطوّع منه".
وذكَر حديث عائشة ﵂ وهناك من ذهب من العلماء أنها تجزئ قبل الزوال وبعده، ومنهم من قال: قبل الزوال.
قال النووي ﵀ في تبويب "صحيح مسلم" (٢/ ٨٠٨) " باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال.
وسألت شيخنا ﵀ عن ذلك فقال: "قبل الزوال".
٢ - الإمساك عن المفطّرات؛ من طلوع الفجر إِلى غروب الشمس.
قال الله تعالى: ﴿فالآن باشروهنّ (٢) وابتغوا ما كتب الله لكم (٣) وكلوا
стр. 1056
واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود (١) من الفجر ثمّ أتمّوا الصيام إِلى الليل﴾ " (٢).
على من يجب ؟
يجب صوم رمضان على المسلم العاقل البالغ الصحيح المقيم ويجب أن تكون المرأة طاهرة من الحيض والنّفاس (٣).
стр. 1057
ودليل عدم وجوبه على المجنون وغير البالغ قوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل" (١).
ودليل عدم وجوبه على غير الصحيح والمقيم قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعِدّة (٢) من أيّام أُخر (٣)﴾ (٤).
صيام الصبي
ومع ما تقدّم من القول بعدم وجوب الصوم على الصبي؛ إلاَّ أنه ينبغي على وليِّ أمْره؛ أن يوجّهه إِلى الصوم؛ ليعتاده وينشأ عليه منذ صِغَره.
عن الرُبَيِّع بنت مُعَوِّذ قالت: "أرسل النّبيّ ﷺ غداة عاشوراء إِلى قرى الأنصار: من أصبح مفطراً فليتمّ بقيّة يومه، ومن أصبح صائماً فليصم.
قالت: فكنّا نصومه بعدُ، ونصَوِّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العِهن (٥)، فإِذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك؛ حتى يكون عند
стр. 1058
الإِفطار" (١).
وفي رواية: "ونصنع لهم اللعبة من العِهن، فنذهب به معنا، فإِذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تُلهيهم حتى يتمُّوا صومهم" (٢).
قال الحافظ ﵀ في "الفتح" (٤/ ٢٠٠): "والجمهور على أنه لا يجب على من دون البلوغ، واستحبّ جماعة من السلف منهم ابن سيرين والزهري.
وقال به الشافعي أنهم يؤمرون به للتمرين عليه إِذا أطاقوه، وحدّه أصحابه بالسبع والعشر كالصلاة، وحَدّه إِسحاق باثنتي عشرة سنة، وأحمد في رواية بعشر سنين ... ".
وقال ﵀ (ص ٢٠١): "وفي الحديث حُجة على مشروعية تمرين الصبيان على الصيام كما تقدّم لأنّ من كان في مثل السن الذي ذُكر في هذا الحديث؛ فهو غير مكلّف، وإنما صنَع لهم ذلك للتمرين".
من يُرخّص لهم في الفطر وتجب عليهم الفدية
* يرخص الفطر للشيخ الكبير، والمرأة العجوز، والمريض الذي لا يرجى برؤه، وأصحاب الأعمال الشاقة، الذين لا يجدون متسعاً من الرزق، غير ما يزاولونه من أعمال.
стр. 1059
هؤلاء جميعاً يُرخّص لهم في الفطر، إِذا كان الصيام يُجْهدهم، ويشقّ عليهم مشقّة شديدة في جميع فصول السنة.* (١)
وجاء في "الروضة النديّة" (١/ ٥٥٢) (٢): وفي لفظ آخر عن سلمة بن الأكوع ﵁ أنه قال: "كنّا في رمضان على عهد رسول الله ﷺ ، من شاء صام ومن شاء أفطر فَافْتَدَى بطعام مسكين، حتى أُنزلت هذه الآية: ﴿فمن شهِد منكم الشهر فليصُمه﴾ " (٣).
والكبير العاجز عن الأداء والقضاء؛ يُكفِّر عن كل يوم بإِطعام مسكين؛ لحديث سلمة بن الأكوع الثابت في "الصحيحين" وغيرهما قال: "لمّا نزلت هذه الآية: ﴿وعلى الذين يطيقونه فِديةٌ طعامُ مسكين﴾ (٤) كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسَخَتها (٥) " (٦).
وأخرج هذا الحديث أحمد وأبو داود عن معاذ بنحو ما تقدّم وزاد: "ثمّ
стр. 1060
أنزَل الله: ﴿فمن شهِد منكم الشهر فليصمه﴾ " (١).
فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخّص فيه للمريض والمسافر، وأثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام".
وعن عطاء أنه سمع ابن عبّاس يقرأ: " ﴿وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكين﴾ قال ابن عبّاس: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة؛ لا يستطيعان أن يصوما، فيُطعمان مكان كلّ يوم مسكيناً" (٢).
قال شيخنا ﵀ في "الإِرواء" (٤/ ١٧): "ورواه النسائي (١/ ٣١٨ - ٣١٩) من طريق ورقاء عن عمرو بن دينار به نحوه، ولفظه: " ﴿يطيقونه﴾ يكلَّفونه، ﴿فديةٌ طعام مسكين فمن تطوّع خيراً﴾ طعام مسكين آخر، ليست بمنسوخة ﴿فهو خير له وأن تصوموا خير لكم﴾ لا يرخّص في هذا؛ إِلا للذي لا يطيق الصيام، أو مريض لا يشفى.
قلت: وإسناده صحيح ... ".
وجاء في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢١٧): "وسُئل عن رجل كلَّما أراد أن يصوم أُغمِي عليه، ويزبد ويخبط، فيبقى أيّاماً لا يفيق، حتى يُتّهم أنّه جنون، ولم يتحقّق ذلك منه.
فأجاب: الحمد لله، إِنْ كان الصوم يوجب له مِثل هذا المرض؛ فإِنه يُفطِر ويقضي، فإِنْ كان هذا يصيبه في أي وقتٍ صام؛ كان عاجزاً عن الصيام؛ فيُطعم عن كل يوم مسكيناً، والله أعلم".
стр. 1061
والحُبلى والمرضع إِذا لم تطيقا الصوم أو خافتا على أنفسهما أو أولادهما أفطرتا وعليهما الفدية، ولا قضاء عليهما.
عن ابن عبّاس ﵄ قال: "إِذا خافت الحامل على نفسها، والمرضع على ولدها في رمضان قال: يُفطران، ويُطعمان مكان كل يوم مسكيناً، ولا يقضيان صوماً" (١).
قال شيخنا في "الإِرواء" (٤/ ١٩): "وفي رواية له (٢) بالسند المذكور عن ابن عبّاس ﵄: "أنّه رأى أمّ ولد له حاملاً أو مرضعاً فقال: أنتِ بمنزلة الذي لا يطيق، عليكِ أن تطعمي مكان كلّ يوم مسكيناً، ولا قضاء عليك".
زاد في رواية (٢٧٦١) عن سعيد به: "أنَّ هذا إِذا خافت على نفسها".
ورواه الدارقطني (٢٥٠) من طريق روح عن سعيد به بلفظ: "أنتِ من الذين لا يطيقون الصيام، عليك الجزاء، وليس عليك القضاء".
وقال الدارقطني: "إِسناده صحيح".
ثمّ روى من طريق أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس وابن عمر قال: "الحامل والمرضع تفطر ولا تقضي". وقال: "وهذا صحيح".
قلت -أي شيخنا ﵀: ورواه ابن جرير من طريق علي بن ثابت
стр. 1062
عن نافع عن ابن عمر مِثل قول ابن عبّاس في الحامل والمرضع، وسنده صحيح ولم يسُق لفظه.
وقد رواه الدارقطني من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر: "أن امرأته سألته وهي حُبْلى، فقال: أفطري، وأطعمي عن كل يوم مسكيناً، ولا تقضي"، وإسناده جيد.
ومن طريق عبيد الله عن نافع قال: "كانت بنت لابن عمر تحت رجل من قريش، وكانت حاملاً، فأصابها عطش في رمضان، فأمَرها ابن عمر أن تُفطر وتُطعم عن كلّ يوم مسكيناً"، وإِسناده صحيح.
ومنها ما عند الدارقطني وصححه من طريق منصور عن مجاهد عن ابن عبّاس قرأ: ﴿وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكين﴾ يقول:
"هو الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام فيُفطر ويُطعم عن كلّ يوم مسكيناً؛ نصف صاع من حنطة".
وأخرجه (٢٤٩) من طريق عكرمة عن ابن عبّاس قال: "إِذا عجَز الشيخ الكبير عن الصيام؛ أطعم عن كلّ يوم مُدّاً مُدّاً". وقال: "إِسناده صحيح".
وعن أنس بن مالك الكعبي (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنّ الله وضع عن
стр. 1063
المسافر شطر الصلاة، والصوم عن المسافر وعن المرضع والحبلى" (١).
من يرخص لهم في الفطر، ويجب عليهم القضاء
* يباح الفِطْر للمريض الذي يُرجى برؤه والمسافر، ويجب عليهما القضاء. * (٢)
قال الله تعالى: ﴿ومن كان منكم مريضاً أو على سفر فعِدَّةٌ من أيّامٍ أُخر﴾ (٣).
وفي حديث معاذ بن جبل الطويل ﵁: " ... فإِنّ رسول الله ﷺ ، كان يصوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر، ويصوم يوم عاشوراء، فأنزل الله تعالى ﴿كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم﴾ إِلى قوله: ﴿طعام مسكين﴾.
فكان من شاء أن يصوم صام، ومن شاء أن يُفطر ويُطعم كلّ يوم مسكيناً أجزأه ذلك، وهذا حول، فأنزل الله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن﴾ إِلى ﴿أيّام أُخر﴾ فثبت الصيام على من شهد الشهر، وعلى المسافر أن يقضي، وثبت الطعام للشيخ الكبير والعجوز اللذين لا يستطيعان الصوم" (٤).
стр. 1064
وعن أنس بن مالك أنه ضعُف عن الصوم عاماً، فصنع جفنة ثريد، ودعا ثلاثين مسكيناً فأشبَعهم" (١).
* والصحيح الذي يخاف المرض بالصيام يُفطر، مِثل المريض، وكذلك من غلَبه الجوع أو العطش، فخاف الهلاك، لزِمه الفطر، وإِنْ كان صحيحاً مقيماً، وعليه القضاء.
قال الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بكم رحيماً﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (٣).
وإِذا صام المريض، وتحمَّل المشقَّة، صحّ صومه، إِلا أنه يُكره له ذلك؛ لإِعراضه عن الرخصة التي يحبها الله، وقد يلحقه بذلك ضرر. * (٤)
وأمَّا الرُّخصة للمسافر؛ ففيها أحاديث عديدة؛ منها:
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ
لستَّ عشرة مضَت من رمضان، فمنّا من صام ومنّا من أفطَر، فلم يَعِبِ الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم" (٥).
وعن حمزة بن عمرو الأسلمي أنّه قال للنّبيّ ﷺ : "أأصوم في السفر؟
стр. 1065
-وكان كثير الصيام- فقال: إنْ شئت فصم، وإنْ شئت فأفطرِ" (١).
وفي رواية: "أنّه قال: يا رسول الله! أجد بي قوَّة على الصِّيام في السفر، فهل عليّ جُناح؟ فقال رسول الله ﷺ : هي رخصة من الله، فمن أخَذ بها فحسَن، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جُناح عليه" (٢).
قال شيخنا ﵀ في "الصحيحة" (٣) (١/ ٣٧٧): بعد كلام طويل: "والحقّ أنّ الحديث يفيد التخيير لا التفضيل".
أيّهما أفضل للمريض والمسافر؛ الفطر أم الصوم ؟
إِذا لم يجد المسافر أو المريض مشقةً في الصوم، جاز له الصوم، وإن وجدا المشقّة فعليهما أن يُفطِرا.
فعن أنس ﵁ قال: كنّا مع النّبيّ ﷺ في السفر، فمنّا الصائم ومنّا المفطر، قال: فنزلنا مَنْزِلاً في يوم حارّ أكثرُنا ظلاًّ صاحب الكساء (٤)، ومنّا من يتّقي الشمس بيده.
قال: فسقط الصُّوَّام (٥)، وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسَقَوُا الرِّكاب (٦)،
стр. 1066
فقال رسول الله ﷺ : "ذهب المُفطرون اليوم بالأجر" (١).
وعن قَزَعَة قال: "أتيت أبا سعيد الخدري ﵁ وهو مكثور عليه (٢)، فلما تفرّق الناس عنه، قلت: إِني لا أسألك عمَّا يسألك هؤلاء عنه، سألته عن الصوم في السفر، فقال: سافَرنا مع رسول الله ﷺ إِلى مكّة ونحن صيام. قال: فنزَلنا منزلاً، فقال رسول الله ﷺ : "إِنكم قد دنوتم من عدوِّكم، والفطر أقوى لكم". فكانت رخصة، فمنّا من صام ومنّا من أفطر.
ثمّ نزلنا منزِلاً آخر، فقال: "إِنكم مُصَبِّحو عدوِّكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا". وكانت عَزْمَة (٣)، فأفطرنا ثمّ قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر" (٤).
وعن جابر بن عبد الله ﵁ " أنّ رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إِلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كُرَاعَ الغميم، فصام الناس، ثمّ دعا بقدح من ماء فرفَعه، حتى نظر الناس إِليه، ثمّ شرب.
فقيل له بعد ذلك: إِنَّ بعض الناس قد صام. فقال: أولئك العُصاة، أولئك العصاة" (٥).
стр. 1067
قال ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٣/ ٢٥٦): وفي خَبَر أبي سعيد أنّ النّبيّ ﷺ أتى على نهر من ماء السماء من هذا الجنس أيضاً.
قال في الخبر: "إِنّي لست مثلكم، إِني راكب وأنتم مشاة، إِني أيسركم" (١).
قال ابن خزيمة ﵀: "فهذا الخبر دلّ على أنَّ النّبيّ ﷺ صام وأمرَهم بالفطر في الابتداء، إِذ كان الصوم لا يَشُقّ عليه إِذ كان راكباً، له ظهْر لا يحتاج إِلى المشي، وأمَرهم بالفطر إِذ كانوا مشاة يشتدُّ عليهم الصوم مع الرجَّالة (٢).
فسمّاهم ﷺ عصاة إِذ امتنعوا من الفطر بعد أمر النّبيّ ﷺ إِياهم، بعد عِلمه أن يشتد الصوم عليهم، إِذ لا ظهر لهم، وهم يحتاجون إِلى المشي".
وعن جابر قال: "مرّ النّبيّ ﷺ برجل يقلب ظهره لبطنه، فسأل عنه، فقالوا: صائم يا نبي الله!
فدعاه، فأمَره أن يفطر فقال: أَمَا يكفيك في سبيل الله، ومع رسول الله ﷺ حتى تصوم؟! " (٣).
قال شيخنا ﵀ في "الصحيحة" (٦/ ١٨٦): "وله طرق أخرى عن جابر بنحوه في "الصحيحين" وغيرهما، وهي مخرجة في "الإِرواء" (٩٢٥). وفي الحديث دلالة ظاهرة على أنه لا يجوز الصوم في السفر إِذا كان
стр. 1068
يضرّ بالصائم، وعليه يُحمَل قوله ﷺ : "ليس من البر الصِّيام في السفر".
يوضّح ما قاله شيخنا ﵀ مناسبة الحديث؛ فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ في سفرٍ فرأى زحاماً ورجلاً قد ظُلِّل عليه فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم، فقال: ليس من البرّ الصوم في السفر" (١).
قال ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٣/ ٢٥٥): "أي: ليس البر الصوم في السفر؛ حتى يُغشى على الصائم ويحتاج إِلى أن يُظلل ويُنضح عليه، إِذ الله رخّص للمسافر في الفطر، وجعل له أن يصوم في أيّام أخر، وأعلم في حُكم تنزيله؛ أنه أراد بهم اليسر لا العسر في ذلك، فمن لم يَقبل يُسر الله، جاز أن يقال له: ليس الحسر أخذك بالعسر عليك من البّر.
وقد يجوز أن يكون في هذا الخبر: "ليس البر أن تصوموا في السفر"، أي: ليس كل البرّ هذا، قد يكون البر أيضاً [أن] تصوموا في السفر [و] قبول رخصة الله والإِفطار في السفر".
وقوله: "أولئك هم العصاة"، وفيما سوى ذلك فهو مخير إِن شاء الله صام، وإِن شاء أفطر، وهذا خلاصة ما تدل عليه أحاديث الباب، فلا تعارض بينها والحمد لله".
وقال ﵀ (ص ٢٦٠): (باب استحباب الصوم في السفر لمن قوي عليه، والفِطر لمن ضعُف عنه).
ثمّ ذكَر حديث أبي سعيد الخدري ﵁ المتقدّم ... "فلم
стр. 1069
يَعِبْ المفطر على الصّائم ولا الصّائم على المُفطر".
وقال شيخنا ﵀ في "الصحيحة" (١/ ٣٧٧): " ... يمكن الاستدلال لتفضيل الإِفطار على الصيام بالأحاديث التي تقول: "إِنّ الله يحبّ أن تؤتى رُخَصه كما يَكره أن تؤتى معصيته (وفي رواية: كما يحبّ أن تؤتى عزائمه) " (١).
وهذا لا مناص من القول به، لكن يمكن أن يقيَّد ذلك بمن لا يتحرج بالقضاء، وليس عليه في الأداء، وإلا عادت الرخصة عليه بخلاف المقصود، فتأمّل". انتهى.
وجاء في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢١٣): "وسُئل ﵀ عمّن يكون مسافراً في رمضان، ولم يُصبه جوع، ولا عطش، ولا تعب، فما الأفضل له، الصيام؟ أم الافطار؟
فأجاب: أمّا المسافر فيفطر باتفاق المسلمين، وإن لم يكن عليه مشقّة، والفطر له أفضل، وإن صام جاز عند أكثر العلماء، ومنهم من يقول لا يجزئه".
قلت: والراجح القول الأوّل لِما تقدّم، والله -تعالى- أعلم.
هل يجوز له الفطر إِذا نوى الصيام وهو مقيم ثمّ سافر نهاراً ؟
إِذا نوى المرء الصيام أو شرع فيه ثمّ سافر أثناء النهار، جاز له الفطر.
فعن محمّد بن كعب أنه قال: "أتيتُ أنس بن مالك في رمضان، وهو يريد سفراً، وقد رُحِّلَت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت
стр. 1070
له: سُنّة؟ فقال: سُنّة، ثمّ ركب" (١).
وعن عبيد بن جبير قال: ركبت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في رمضان فدفع، ثمّ قرّب غداءه، ثمّ قال: اقترب، فقلت: ألست في البيوت؟ فقال أبو بصرة: أرغبت عن سُنّة رسول الله ﷺ ؟ " (٢).
قال أبو عيسى الترمذي ﵀ عَقِب حديث محمّد بن كعب: "وقد ذهب بعض أهل العلم، إِلى هذا الحديث، وقال: للمسافر أن يفطر في بيته قبل أن يخرج، وليس له أن يقصر الصلاة، حتى يخرج من جدار المدينة أو القرية، وهو قول: إِسحاق بن إِبراهيم".
قال الشوكاني ﵀ (٣): "والحديثان يدلاّن على أنّ للمسافر أن يفطر قبل خروجه؛ من الموضع الذي أراد السفر منه".
قال شيخنا ﵀ في كتابه النافع " تصحيح حديث إِفطار الصائم قبل سفره بعد الفجر" (ص ٢٨) -بعد الحديث الأوّل-: "وله شاهد من القرآن الكريم والسُّنّة:
أمّا القرآن: فهو قول الله ﵎: ﴿فمن كان مريضاً أو على سفر
стр. 1071
فعدّةٌ من أيّام أُخَر﴾، فإِن قوله: ﴿على سفر﴾ يشمل من تأهَّب للسَّفر ولمَّا يخرج، وقد صرّح الإِمام القرطبي في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن" ... أنّ ذلك مقتضى الآية".
ثمّ ذكَر ﵀ للحديث شواهد من السُّنّة منها:
١ - عن اللجلاج قالوا (كذا الأصل: ولعله: اللجلاج وغيره قالوا): كنّا نسافر مع عمر ﵁ ثلاثة أميال فيتجوّز في الصلاة ويفطر.
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢/ ١٥١/٢) بإِسناد حسن أو قريب منه.
٢ - عن أنس بن مالك قال: قال لي أبو موسى: ألم أُنبَّأ أنك إِذا خرجْتَ خرجت صائماً، وإذا دخلتَ دخلتَ صائماً؟ فإِذا خرجتَ فاخرج مُفطراً، وإِذا دخلتَ فادخل مُفطراً.
رواه الدارقطني (ص ٢٤١) والبيهقي (٤/ ٢٤٧) بإِسناد صحيح على شرط الستة.
٣ - عن نافع عن ابن عمر أنه خرَج في رمضان فأفطرَ.
رواه ابن أبي شيبة (٢/ ١٥١/١) بإِسناد رجاله ثقات.
٤ - عن ابن عبّاس قال: إِنْ شاء صام وإنْ شاء أفطر.
رواه ابن أبي شيبة في "باب ما قالوا في الرجل يُدركه رمضان، فيصوم ثمّ يسافر"، (٢/ ١٥١/١) وإسناده صحيح.
٥ - عن مغيرة قال: خرج أبو ميسرة في رمضان مسافراً فمرّ بالفرات وهو صائم، فأخذ منه حسوة فشربه وأفطر.
стр. 1072
رواه ابن أبي شيبة (٢/ ١٥١/١) بإِسناد صحيح.
ثمّ روى هو (٢/ ١٥١/٢) والبيهقي (٤/ ٢٤٧) بسند آخر عنه مختصراً وهو صحيح أيضاً.
٦ و٧ - عن سعيد بن المسيّب والحسن البصري قالا: يفطر إِنْ شاء.
رواه ابن أبي شيبة عقب الأثر الذي قبله وسنده صحيح.
وفي رواية عن الحسن البصري: "يفطر إِنْ شاء في بيته؛ يوم يريد أن يخرج" ذكَرها القرطبي في "تفسيره" (٢/ ٢٧٩).
ثمّ قال ﵀ (ص ٣٤): "إذا تبيّن أنّ الحديث صحيح بلفظ الإِثبات، فهو حُجّة واضحة لما ذهب إِليه الإِمام إِسحاق بن راهويه، كما حكاه الترمذي عنه، وقد نقله الشيخ عنه -وفي كتاب "المسائل" لإِسحاق بن منصور المروزي (ق ٢٩/ ١ - ٢) ما نصه:
"قلت (يعني: للإِمام أحمد): إِذا خرج مسافراً متى يفطر؟ قال: إذا برز عن البيوت، قال إِسحاق (يعني ابن راهويه): بل حين يضع رِجله فله الإِفطار؛ كما فعَل ذلك أنس بن مالك، وسنَّ النّبيِّ ﷺ (كذا)، وإذا جاوز البيوت قصَر".
لا يجوز للحائض أو النفساء أن تصوما، ويجب عليهما القضاء
عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أَحَرُوريَّةٌ أنتِ؟ قلت: لست بحَرُوريَّة، ولكنِّي أسأل.
قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمَر بقضاء الصوم ولا نؤمَر بقضاء الصلاة" (١).
стр. 1073
كان صيام تسع وعشرين لرمضان على عهد النّبيّ ﷺ أكثر من صيام ثلاثين
عن ابن مسعود ﵁ قال: "لَمَا (١) ضمنا مع النّبيّ ﷺ تسعاً وعشرين أكثر ممّا صمنا معه ثلاثين" (٢).
وفي لفظ: "ما صُمتُ مع النّبيّ ﷺ تسعاً وعشرين؛ أكثر ممّا صُمنا ثلاثين" (٣).
قال ابن خزيمة في "صحيحه" (٣/ ٢٠٨): "باب الدليل على أنَّ صيام تسع وعشرين لرمضان؛ كان على عهد النّبيّ ﷺ أكثر من صيام ثلاثين؛
стр. 1074
خلاف ما يتوهم بعض الجُهّال والرُّعَاع (١) أن الواجب أن يصام لكلّ رمضان ثلاثين يوماً كوامل".
ثمّ ذكَر الحديث السابق.
الأيّام المنهي عن صيامها
١ - يوما العيدين
عن أبي عبيد قال: "شهدتُ العيد مع عمر بن الخطاب ﵁ فقال: هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما: يوم فِطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نُسُكِكُم (٢) " (٣).
قال في "الروضة النديّة" (١/ ٥٦٦): "وقد أجمع المسلمون على ذلك".
٢ - أيّام التشريق (٤)
عن سالم عن ابن عمر ﵃ قالا: "لم يُرخَّصْ أيّام التشريق
стр. 1075
أن يُصَمْن إِلا لمن لم يجد الهَدي" (١).
وعن أبي مرّة مولى أمّ هانئ "أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو بن العاص فقرّب إِليهما طعاماً، فقال: كل، فقال: إِنّي صائم، فقال عمرو: كُلْ؛ فهذه الأيّام التي كان رسول الله ﷺ يأمرنا بإِفطارها، وينهانا عن صيامها.
قال مالك: وهي أيّام التشريق" (٢).
٣ - يوم الجمعة منفرداً
عن جويرية بنت الحارث ﵂ أنَّ النّبيّ ﷺ دخَل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: أصمتِ أمس؟ قالت: لا، قال: تريدين أن تصومي غداً؟ قالت: لا، قال: فأفطري" (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعْت النّبيّ ﷺ يقول: "لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلاَّ يوماً قبله أو بعده" (٤).
وعنه ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "لا تختصوا ليلة الجمعة بقيامٍ مِن بين الليالي، ولا تخصّوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيّام؛ إِلا أن يكون في صومٍ يصومه أحدكم" (٥).
стр. 1076
عن قيس بن سكن قال: "مرّ ناسٌ من أصحاب عبد الله على أبي ذرّ يوم جمعة وهم صيام، فقال: أقسمتُ عليكم لتُفطرنّ، فإِنه يوم عيد" (١).
٤ - يوم السبت في غير الفرض
عن الصمّاء ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تصوموا يوم السبت؛ إِلا فيما افترض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إِلا لحاء (٢) عنبة أو عود شجرة فليمضغه (٣) " (٤).
قال الإِمام الطحاوي ﵀ بعد أن روى حديث عبد الله بن بسر السابق: " ... فذهَب قومٌ إِلى هذا الحديث؛ فكرِهوا صوم يوم السبت تطوُّعاً، وخالَفهم في ذلك آخرون؛ فلم يروا بصومه بأساً ... " (٥).
وملخّص أقوال العلماء الذين أجازوا صيام السبت لغير فريضة (٦)، يدور
стр. 1077
حول تضعيف الحديث السابق أو القول بشذوذه، أو نسخه، أو جواز صيامه مقروناً بغيره (١).
أمّا من جهة درجة الحديث؛ فقد قال بثبوته جمْع من العلماء، فقد حسّنه الترمذي وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري وأقرّه الذهبي، وصححه ابن خزيمة وابن حبّان، وانظر طرقه في "تلخيص الحبير" للحافظ ابن حجر (٢/ ٨٢٢). و"الإِرواء" (٢)(٩٦٠).
"أمّا دعوى الشذوذ، فهي إِمّا إِسنادية أو متنية، فمن حيث الإِسناد، فالحديث صحيح دونما ريب.
أمّا من حيث المتن، فلم ترِد هذه الدعوى على أصحابها إِلا بعد تعذُّر الجمع والتوفيق عندهم، ولا يُلْجَأُ إِلى ادّعاء الشذوذ بمجرد هذا التعذُّر.
وليس التعريف العلمي الاصطلاحي للشذوذ منطبقاً على هذا النوع من مظنّة التعارض، كما لا يخفى" (٣). انتهى.
أمّا دعوى النسخ؛ فإِنَّ النسخ لا يبطل بالاحتمال.
وأمّا جواز صيامه مقروناً مع غيره:
стр. 1078
فليس هنالك ما يشير من الأدلة على ذلك إِذ الاستثناء بيّن ... "إِلا فيما افتُرض عليكم".
أوما كان رسول الله ﷺ قادراً أن يقول: "لا تصوموا يوم السبت مفرداً ... ". أو: "لا تصوموا السبت إِلا مقروناً مع غيره"؟!
جاء في "تمام المِنّة" (ص ٤٠٦): "وتأويل الحديث بالنهي عن صوم السبت مفرداً يأباه قوله: "إِلا فيما افُترض عليكم"، فإِنه كما قال ابن القيم ﵀ في "تهذيب السنن": "دليل على المنع من صومه؛ في غير الفرض مفرداً أو مضافاً؛ لأنّ الاستثناء دليل التناول، وهو يقتضي أنّ النّهي عنه يتناول كل صور صومه إِلا صورة الفرض.
ولو كان إِنما يتناول صورة الإِفراد لقال: لا تصوموا يوم السبت إِلا أن تصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده، كما قال في الجمعهَ، فلمّا خصّ الصورة المأذون فيها صومها بالفريضة؛ علم تناول النهي لما قابلها".
قلت [أي: شيخنا ﵀]: وأيضاً لو كانت صورة الاقتران غير منهي عنها؛ لكان استثناؤها في الحديث أولى من استثناء الفرض؛ لأنّ شبهة شمول الحديث له أبعد من شموله لصورة الاقتران، فإِذا استثنا الفرض وحده؛ دلّ على عدم استثناء غيره؛ كما لا يخفى ... " انتهى.
ولنا أن نقول: إِنّ من قال بجواز صيام السبت مقروناً مع غيره في النافلة؛ قد سوَّى بين الجمعة والسبت، وأنّى له هذا؟!
وكأنّ لسان حاله يقول: لو قال رسول الله ﷺ : "لا تصوموا يوم الجمعة إِلا فيما افترض عليكم" لأغنى عن كلّ نصوص الجمعة، ومعاذ الله من ذلك.
стр. 1079
ثمَّ إِنّ رسول الله ﷺ قال في الجمعة ما لم يَقُل في السبت، فممّا قاله في الجمعة -كما تقدّم-: "إِلا أن يكون في صومٍ؛ يصومه أحدكم (١) ".
وقال ﷺ في صيام يوم الشكّ: " ... إِلا أن يكون رجل كان يصوم صومه؛ فليصم ذلك اليوم" (٢)،
فلو جاز صيام السبت لغير فريضة؛ لجاءت الاستثناءات كما جاءت في الجمعة ويوم الشكّ والنصف من شعبان؛ لمن اعتاد الصيام، والله -تعالى- أعلم.
لذلك أرى أنّ النصوص كانت على أصناف ثلاثة:
١ - صنف يفيد جواز صيام السبت مطلقاً، كما في حديث جويرية ﵂ المتقدّم: "أنّ النّبيّ ﷺ دخَل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: أصمتِ أمس؟ قالت: لا، قال: تريدين أن تصومي غداً؟ قالت: لا، قال: فأفطري".
وكحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "أحبُّ الصيام إِلى الله صيام داود؛ كان يصوم يوماً ويُفطر يوماً ... " (٣).
وهذا يفيد صيام يوم السبت مفرداً لغير فريضة؛ لمن صام صيام داود ﵇. إِلى غير ذلك من النصوص.
стр. 1080
٢ - صنف يفيد استواء الطرفين، لا له ولا عليه؛ كما في حديث: عبيد الأعرج قال: "حدَّثتني جدتي أنها دخلت على رسول الله ﷺ وهو يتغدّى، وذلك يوم السبت، فقال: تعالي فكلي، فقالت: إِني صائمة، فقال لها: صمتِ أمس؟ فقالت: لا، فقال: فكلي؛ فإِنّ صيام يوم السبت لا لك ولا عليك" (١).
٣ - صنف ثالث يفيد تحريم صيام يوم السبت إِلا لفريضة وقد مضى في أوّل الكلام في موضوعنا؛ من حديث الصمَّاء ﵂.
فكيف يكون التعامل مع هذه النصوص ؟
إِنَّ من لم يصم السبت لغير فريضة؛ لم يُعارض هذه النصوص أبداً، وهذا يتمشّى مع القاعدة المعروفة "الحاظر مقدّم على المبيح" (٢).
جاء في كتاب "الاعتبار" للعلاّمة الحازمي ﵀ (ص ٣٩) إِشارة إِلى أنه في غير السبت: " ... ولأنّ الإِثم حاصل في فِعل المحظور، ولا إِثم في ترْك المباح، فكان الترك أولى".
وقال ﵀ (ص ٣٥): في وجوه الترجيح: " ... أن يكون أحد الحديثين قولاً والآخر فِعلاً، فالقول أبلغ في البيان؛ ولأنّ النّاس لم يختلفوا في كون قوله حُجّة، واختلفوا في اتباع فِعله، ولأنّ الفِعل لا يدلّ لنفسه على شيء؛ بخلاف القول فيكون أقوى".
стр. 1081
ويكون قد نجا من عمل بلا ثواب ولا عقاب "لا لك ولا عليك".
وقال شيخنا ﵀ بعد حديث: "لا تصوموا يوم السبت ... ".
والحديث ظاهره النّهي عن صوم السبت مطلقاً إِلا في الفرض، وقد ذهب إِليه قومٌ من أهل العلم كما حكاه الطحاوي، وهو صريحٌ في النهي عن صومه مفرداً، ولا أرى فرقاً بين صومه -ولو صادف يوم عرفة أو غيره من الأيّام المفضَّلة- وبين صوم يوم من أيّام العيد إِذا صادف يوم الاثنين أو الخميس؛ لعموم النهي، وهذا قول الجمهور فيما يتعلّق بالعيد؛ كما في "المحلّى" (٧/ ٢٧).
وقال الشيخ محمود مهدي إِستنبولي ﵀ في كتابه "صوم رمضان" (ص ٤٩): "قلت: والحديث صريح في النهي القطعيِّ عن صومه، ولم يُشِر إِلى كونه منفرداً أو مخصوصاً، فالحمل للحديث على ظاهره هو الأصل. والله أعلم".
ويذكّرنا شيخنا ﵀ بقوله ﷺ : "إِنّك لن تدَع شيئاً لله إلاَّ بدّلك الله به ما هو خيرٌ لك منه" (١) فلا يحزنك أنّك لم تصم عرفة أو عاشوراء إِذا وافق السبت؛ لهذا الحديث.
ويحضرني في هذا المقام ما قاله البخاري ﵀ في "صحيحه" "ما يُذكَر في الفخِذ ... وقال أنس: حسر النّبيّ ﷺ عن فَخِذه (٢)، وحديث
стр. 1082
أنس أسند، وحديث جَرهد (١) أحوط، حتى يُخرَج من اختلافهم". انظر "الفتح" (١/ ٤٧٨).
وفي المسألة تفصيل أكثر، أكتفي بما ذكرتُ والله -تعالى- أعلم.
ولا ينبغي أن تؤدّي هذه المسائل إِلى التدابر والتباغض والولاء والبراء!
قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (١٤/ ٣٧٦) -بعد ذِكْر مسألةٍ يرى فيها أنّ أحد الأئمة الأعلام قد أخطأ في اجتهاده-: "ولو أنَّ كلَّ مَن أخطأ في اجتهاده -مع صحة إِيمانه، وتوخّيه لاتّباع الحق- أهدرناه، وبدَّعْناه، لقلَّ من يَسْلَم من الأئمّة معنا. رحم الله الجميع بمنّه وكرَمه".
٥ - يوم الشكّ
عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "لا يتقدّمَنّ أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين؛ إلاَّ أن يكون رجل كان يصوم، فليصم ذلك اليوم" (٢).
وعن عمّار بن ياسر ﵁ قال: "من صام اليوم الذي يُشَكُّ فيه؛ فقد عصى أبا القاسم" (٣).
стр. 1083
٦ - صوم الدهر
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي النّبيّ ﷺ : "إِنّك لتصوم الدّهر وتقوم الليل، فقلت: نعم، قال: إِنك إِذا فعلْتَ ذلك هَجَمَت (١) له العين ونَفِهَتْ (٢) له النفس، لا صام مَن صام الدّهر، صوم ثلاثة أيّام صوم الدهر كلِّه.
قلت: فإِنّي أطيق أكثر من ذلك، قال: فصم صوم داود ﵇: كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يَفِرُّ إِذا لاقى" (٣).
وعن أبي قتادة -رجل (٤) أتى النّبيّ ﷺ فقال: كيف تصوم؟ فغضب رسول الله ﷺ فلمّا رأى عمر ﵁ غضبه قال: رضينا بالله رباً ... وذكَر الحديث إِلى أن قال عمر ﵁: "يا رسول الله! كيف بمن يصوم الدّهر كلّه قال: "لا صام (٥) ولا أفطر (٦) أو قال: لم يصُم ولم يُفطر" (٧).
стр. 1084
وردّاً على قول الشيخ السيد سابق ﵀ في "فقه السنة" (١/ ٤٤٨): "فإِن أفطَر يومي العيد وأيّام التشريق وصام بقيّة الأيّام؛ انتفت الكراهة".
قال شيخنا ﵀ في "تمام المِنّة" (ص ٤٠٨): "هذا التأويل خلاف ظاهر الحديث: "لا صام من صام الأبد"، وقوله: "لا صام ولا أفطَر".
وقد بيَّن ذلك العلاّمة ابن القيّم في "زاد المعاد" بما يزيل كلّ شبهة، فقال ﵀: "وليس مراده بهذا من صام الأيّام المحرَّمة ... ".
وذكَر نحوه الحافظ ﵀ في "الفتح" (٤/ ١٨٠) ".
وجاء في "تمام المِنّة" كذلك (ص ٤٠٩): "ثمّ قوله (١) أيضاً: "والأفضل أن يصوم يوماً ويفطر يوماً؛ فإِنّ ذلك أحبّ الصيام إِلى الله".
قلت: فهذا من الأدلة على كراهة صوم الدهر مع استثناء الأيّام المحرّمة، إِذ لو كان صوم الدهر هذا مشروعاً أو مستحبّاً؛ لكان أكثر عملاً، فيكون أفضل، إِذ العبادة لا تكون إِلا راجحة، فلو كان عبادة لم يكن مرجوحاً؛ كما تقدّم (٢) عن ابن القيّم".
٧ - صيام المرأة وزوجها حاضر إِلاَّ بإِذنه
عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "لا تصوم المرأة
стр. 1085
وبعلها شاهد (١) إِلا بإذنه" (٢).
وفي رواية: "لا تصوم المرأة يوماً تطوُّعاً في غير رمضان وزوجها شاهد إِلا بإِذنه" (٣).
قال شيخنا ﵀ في "الصحيحة" (١/ ٧٥٢): "وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أتمّ منه، وفيه بيان سبب وروده، مع فوائد أخرى ينبغي الاطلاع عليها، وهذا نصّه:
قال [أبو هريرة]﵁: جاءت امرأة إِلى النّبيّ ﷺ ونحن
عنده، فقالت: يا رسول الله! إِنّ زوجي صفوان بن المعطل يضربني إِذا صلّيت، ويُفطّرني إِذا صُمتُ، ولا يصلِّي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس - قال: وصفوان عنده-.
قال: فسأله عمّا قالت، فقال: يا رسول الله! أمّا قولها: "يضربني إِذا صلّيت"؛ فإِنها تقرأ بسورتين [فتعطّلني]، وقد نهيتها [عنهما]. قال: فقال: "لو كانت سورة واحدة؛ لكفت الناس".
وأمّا قولها: "يُفطّرني"؛ فإِنها تنطلق فتصوم، وأنا رجل شابٌّ؛ فلا أصبر، فقال رسول الله ﷺ : "لا تصوم المرأة إِلا بإِذن زوجها".
стр. 1086
وأمّا قولها: "إِني لا أُصلّي حتى تطلع الشمس"؛ فإِنّا أهل بيت؛ قد عُرف لنا ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس. قال: "فإِذا استيقظتَ فصلِّ".
أخرجه أبو داود والسياق له، وابن حِبّان، والحاكم، وأحمد بإِسناد صحيح على شرط الشيخين ... ".
جاء في "الفتح" (٩/ ٢٩٦) -بعد حمْل هذا على التحريم-: "قال النووي في "شرح مسلم": وسبب هذا التحريم؛ أنّ للزوج حقَّ الاستمتاع بها في كل وقت، وحقّه واجب على الفور فلا يفوته بالتطوع، ولا بواجب على التراخي، وإِنّما لم يجُز لها الصوم بغير إِذنه.
وإذا أراد الاستمتاع بها جاز ويفسد صومها لأن العادة أنّ المسلم يهاب انتهاك الصوم بالإِفساد، ولا شكّ أنّ الأَولى له خلاف ذلك؛ إِن لم يثبت دليل كراهته.
نعم لو كان مسافراً فمفهوم الحديث في تقييده بالشاهد؛ يقتضي جواز التطوع لها إِذا كان زوجها مسافراً، فلو صامت وقَدِم في أثناء الصيام؛ فله إِفساد صومها ذلك من غير كراهة.
وفي معنى الغَيْبَة أن يكون مريضاً بحيث لا يستطيع الجماع (١).
وحمل المهلَّب النهي المذكور على التنزيه فقال: هو من حسن المعاشرة، ولها أن تفعل من غير الفرائض بغير إِذنه ما لا يضرّه ولا يمنعه من واجباته، وليس له أن يُبطل شيئاً من طاعة الله إِذا دخلت فيه بغير إِذنه اهـ. وهو
стр. 1087
خلاف الظاهر.
وفي الحديث أنّ حق الزوج آكد على المرأة من التطوع بالخير، لأنّ حقّه الواجب والقيام بالواجب مُقدَّم على القيام بالتطوع (١).
٨ - النصف الثاني من شعبان، إلاَّ لمن كان له صوم يصومه .
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا انتصف شعبان فلا تصوموا" (٢).
وعنه أيضاً عن النّبيّ ﷺ قال: "لا يتقدّمن أحدكم رمضان بصوم يومٍ أو يومين؛ إِلا أن يكون (٣) رجلٌ كان يصوم صومه، فليصم ذلك اليوم" (٤).
الوصال (٥) في الصوم
عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "إِيّاكم والوصال، مرّتين، قيل: إِنّك تواصل، قال: إِني أَبيتُ يطعمني ربي ويَسقين، فاكلَفوا (٦)
стр. 1088
من العمل ما تطيقون" (١).
وقد أفاد الحديث تحريم الوصال، ولكن ورد ما يدلّ على جواز المواصلة حتى السَّحر؛ كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا تواصلوا، فأيّكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السّحر.
قالوا: فإِنّك تواصل يا رسول الله، قال: لست كهيئتكم، إِني أبيتُ لي مُطِعم يُطعمني وساقٍ يَسقين" (٢).
قال الحافظ ﵀ في "الفتح" (٤/ ٢٠٩): "والنهي في حديث أبي سعيد على ما فوق السَّحر على كراهة التحريم".
وسألت شيخنا ﵀ عن مواصلة الصيام إِلى السَّحر قائلاً: هل هذا ماضٍ حُكمه؟ أم هناك ناسخٌ أو صارف؟ فقال: هذا ماضٍ حُكمه.
стр. 1089
صيام التطوّع
١ - الاثنين والخميس
عن أبي قتادة ﵁: "أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين؟ قال: ذاك يوم وُلدت فيه، ويوم بُعثت -أو أُنزل عليّ فيه-".
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "تُعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأُحبّ أن يُعرض عملي وأنا صائم" (١).
وعن أبي هريرة أيضاً أنّ النّبيّ ﷺ : كان يصوم الاثنين والخميس، فقيل: يا رسول الله! إِنك تصوم الاثنين والخميس؟
فقال: "إِنَّ يوم الاثنين والخميس يَغفر الله فيهما لكل مسلم، إِلا مُهتجرين، يقول: دعهما حتى يصطلحا" (٢).
٢ - صيام يوم (٣) وفطر يوم
عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: أخبر رسول الله ﷺ أنّي أقول: والله لأصومنَّ النّهار ولأقومنَّ الليل ما عشت، فقلت له: قد قُلتُه بأبي
стр. 1090
أنت وأمّي.
قال: فإِنّك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر، وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيّام فإِنَّ الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدّهر.
قلت: إِني أُطيق أفضل من ذلك، قال: فصم يوماً وأفطِر يومين، قلت: إِنّي أطيق أفضل من ذلك.
قال: فصم يوماً وأفطِر يوماً، فذلك صيام داود ﵇، وهو أفضل الصيام، فقلت: إِنّي أطيق أفضل من ذلك، فقال النّبيّ ﷺ : لا أفضل من ذلك" (١).
وعنه ﵄ أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أحبّ الصيام إِلى الله صيام داود، وأحبّ الصلاة إِلى الله صلاة داود ﵇ كان ينام نصف الليل، ويقوم ثُلُثه، وينام سُدُسه، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً" (٢).
٣ - ثلاثة أيّام من كل شهر (٣)
وقد تقدم في ذلك حديث عبد الله بن عمرو ﵄ وفيه: "وصم من الشهر ثلاثة أيّام فإِنّ الحسنة بعَشر أمثالها، وذلك مِثل صيام الدهر ... ".