وأمّا قولها: "إِني لا أُصلّي حتى تطلع الشمس"؛ فإِنّا أهل بيت؛ قد عُرف لنا ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس. قال: "فإِذا استيقظتَ فصلِّ".
أخرجه أبو داود والسياق له، وابن حِبّان، والحاكم، وأحمد بإِسناد صحيح على شرط الشيخين ... ".
جاء في "الفتح" (٩/ ٢٩٦) -بعد حمْل هذا على التحريم-: "قال النووي في "شرح مسلم": وسبب هذا التحريم؛ أنّ للزوج حقَّ الاستمتاع بها في كل وقت، وحقّه واجب على الفور فلا يفوته بالتطوع، ولا بواجب على التراخي، وإِنّما لم يجُز لها الصوم بغير إِذنه.
وإذا أراد الاستمتاع بها جاز ويفسد صومها لأن العادة أنّ المسلم يهاب انتهاك الصوم بالإِفساد، ولا شكّ أنّ الأَولى له خلاف ذلك؛ إِن لم يثبت دليل كراهته.
نعم لو كان مسافراً فمفهوم الحديث في تقييده بالشاهد؛ يقتضي جواز التطوع لها إِذا كان زوجها مسافراً، فلو صامت وقَدِم في أثناء الصيام؛ فله إِفساد صومها ذلك من غير كراهة.
وفي معنى الغَيْبَة أن يكون مريضاً بحيث لا يستطيع الجماع (١).
وحمل المهلَّب النهي المذكور على التنزيه فقال: هو من حسن المعاشرة، ولها أن تفعل من غير الفرائض بغير إِذنه ما لا يضرّه ولا يمنعه من واجباته، وليس له أن يُبطل شيئاً من طاعة الله إِذا دخلت فيه بغير إِذنه اهـ. وهو
стр. 1087
خلاف الظاهر.
وفي الحديث أنّ حق الزوج آكد على المرأة من التطوع بالخير، لأنّ حقّه الواجب والقيام بالواجب مُقدَّم على القيام بالتطوع (١).
٨ - النصف الثاني من شعبان، إلاَّ لمن كان له صوم يصومه .
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا انتصف شعبان فلا تصوموا" (٢).
وعنه أيضاً عن النّبيّ ﷺ قال: "لا يتقدّمن أحدكم رمضان بصوم يومٍ أو يومين؛ إِلا أن يكون (٣) رجلٌ كان يصوم صومه، فليصم ذلك اليوم" (٤).
الوصال (٥) في الصوم
عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "إِيّاكم والوصال، مرّتين، قيل: إِنّك تواصل، قال: إِني أَبيتُ يطعمني ربي ويَسقين، فاكلَفوا (٦)
стр. 1088
من العمل ما تطيقون" (١).
وقد أفاد الحديث تحريم الوصال، ولكن ورد ما يدلّ على جواز المواصلة حتى السَّحر؛ كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا تواصلوا، فأيّكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السّحر.
قالوا: فإِنّك تواصل يا رسول الله، قال: لست كهيئتكم، إِني أبيتُ لي مُطِعم يُطعمني وساقٍ يَسقين" (٢).
قال الحافظ ﵀ في "الفتح" (٤/ ٢٠٩): "والنهي في حديث أبي سعيد على ما فوق السَّحر على كراهة التحريم".
وسألت شيخنا ﵀ عن مواصلة الصيام إِلى السَّحر قائلاً: هل هذا ماضٍ حُكمه؟ أم هناك ناسخٌ أو صارف؟ فقال: هذا ماضٍ حُكمه.
стр. 1089
صيام التطوّع
١ - الاثنين والخميس
عن أبي قتادة ﵁: "أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين؟ قال: ذاك يوم وُلدت فيه، ويوم بُعثت -أو أُنزل عليّ فيه-".
وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "تُعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأُحبّ أن يُعرض عملي وأنا صائم" (١).
وعن أبي هريرة أيضاً أنّ النّبيّ ﷺ : كان يصوم الاثنين والخميس، فقيل: يا رسول الله! إِنك تصوم الاثنين والخميس؟
فقال: "إِنَّ يوم الاثنين والخميس يَغفر الله فيهما لكل مسلم، إِلا مُهتجرين، يقول: دعهما حتى يصطلحا" (٢).
٢ - صيام يوم (٣) وفطر يوم
عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: أخبر رسول الله ﷺ أنّي أقول: والله لأصومنَّ النّهار ولأقومنَّ الليل ما عشت، فقلت له: قد قُلتُه بأبي
стр. 1090
أنت وأمّي.
قال: فإِنّك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر، وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيّام فإِنَّ الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدّهر.
قلت: إِني أُطيق أفضل من ذلك، قال: فصم يوماً وأفطِر يومين، قلت: إِنّي أطيق أفضل من ذلك.
قال: فصم يوماً وأفطِر يوماً، فذلك صيام داود ﵇، وهو أفضل الصيام، فقلت: إِنّي أطيق أفضل من ذلك، فقال النّبيّ ﷺ : لا أفضل من ذلك" (١).
وعنه ﵄ أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أحبّ الصيام إِلى الله صيام داود، وأحبّ الصلاة إِلى الله صلاة داود ﵇ كان ينام نصف الليل، ويقوم ثُلُثه، وينام سُدُسه، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً" (٢).
٣ - ثلاثة أيّام من كل شهر (٣)
وقد تقدم في ذلك حديث عبد الله بن عمرو ﵄ وفيه: "وصم من الشهر ثلاثة أيّام فإِنّ الحسنة بعَشر أمثالها، وذلك مِثل صيام الدهر ... ".
стр. 1091
وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا صمت من الشهر ثلاثاً فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة" (١).
وفي رواية: "فأنزَل الله تصديق ذلك في كتابه ﴿مَن جاء بالحسنة فله عشْر أمثالها﴾، فاليوم بعشرة أيّام" (٢).
وقال ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٣/ ٣٠٢): (باب استحباب صيام هذه الأيّام الثلاثة من كل شهر أيّام البيض منها)، ثمّ ذكَر حديثين، منهما: حديث أبي ذر ﵁.
وقال (ص ٣٠٣): "باب إِباحة صوم هذه الأيّام الثلاثة من كلّ شهر أوّل الشهر؛ مبادرة يصومها خوف أن لا يدرك المرء صومها أيّام البيض".
ثمّ روى بإِسناده إِلى النّبيّ ﷺ : "أنّه كان يصوم ثلاثة أيّام من غرّة كلّ شهر، ويكون من صومه يوم الجمعة" (٣).
وقال ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٣/ ٣٠٣): "باب ذِكر الدليل على أنّ صوم ثلاثة أيّام من كل ثلاث؛ يقوم مقام صيام الدهر، كان
стр. 1092
صوم الثلاثة أيّام من أول الشهر، أو من وسطه، أو من آخره".
ثمّ روى حديث معاذة العدويّة (١).
ولفظه: "أنها سألت عائشة زوج النّبيّ ﷺ : أكان رسول الله ﷺ يصوم من كلّ شهر ثلاثة أيّام؟ قالت: نعم، فقلت لها: من أي أيّام الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أيّ أيّام الشّهر يصوم" (٢).
وعن عبد الملك بن قدامة بن مَلْحَان عن أبيه ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام أيّام البيض، ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة، قال: وقال: هو كهيئة الدهر" (٣).
وفي رواية: "هن صيام الشهر" (٤).
٤ - أكثر شعبان
عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يُفطر، ويُفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر إلاَّ رمضان، وما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان" (٥).
стр. 1093
وعن أسامة بن زيد ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان!
قال: ذاك شهر تغفل الناس فيه عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفَع فيه الأعمال إِلى ربّ العالمين، وأُحبّ أن يُرفَع عملي وأنا صائم" (١).
وقد تقدّم حديث: "إِذا انتصف شعبان فلا تصوموا ... ".
٥ - ستة أيّام من شوّال
عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "من صام رمضان ثمّ أتبعه ستّاً من شوّال كان كصيام الدهر" (٢).
قال النووي ﵀ في "شرحه" (٨/ ٥٦): "قال أصحابنا: والأفضل أن تصام الستة متوالية؛ عقب يوم الفطر، فإِنْ فرَّقها أو أخّرها عن أوائل شوال إِلى أواخره؛ حصلت فضيلة المتابعة، لأنه يصدق أنه أتبعه ستّاً من شوال".
وجاء في "الروضة الندية" (١/ ٥٥٥): "أقول: ظاهر الحديث أنّه يكفي صيام ستّ من شوال، سواء كانت من أوله، أو من أوسطه، أو من آخره، ولا يُشتَرط أن تكون متصلة به؛ لا فاصل بينها وبين رمضان إِلا يوم الفطر، وإنْ كان ذلك هو الأولى، ولأنّ الإِتْباع -وإن صدق على جميع الصور- فصِدقه على الصورة التي لم يُفصَل فيها بين رمضان، وبين الستّ إِلا يوم الفطر الذي لا
стр. 1094
يصحّ صومه لا شك أنه أولى.
وأمّا أنّه لا يحصل الأجر إِلا لمن فعل كذلك فلا، لأنّ مَن صام ستاً من آخر شوال؛ فقد أتبع رمضان بصيام ستٍّ من شوال بلا شكّ، وذلك هو المطلوب".
قال النووي -رحمه الله تعالى- في "شرحه" (٨/ ٥٦): "قال العلماء: وإنّما كان ذلك كصيام الدهر؛ لأنّ الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين، وقد جاء هذا في حديث مرفوع في كتاب النسائي" (١).
لعلّه يُشير ﵀ إِلى قوله ﷺ : "جعَل الله الحسنة بعشر أمثالها، فشهرٌ بعشرة أشهر، وصيام ستة أيّام بعد الفطر تمام السّنة" (٢).
٦ - تسع ذي الحجة (٣)
عن هُنَيْدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النّبيّ ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجّة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيّام من كلّ شهر: أول اثنين من الشهر وخميسين" (٤).
стр. 1095
وعن ابن عبّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أيّام العمل الصالح فيها؛ أحبُّ إِلى الله من هذه الأيّام -يعني أيّام العشر-.
قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إِلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء" (١).
وعن عائشة ﵂ قالت: "ما رأيت رسول الله ﷺ صائماً في العشر قطّ" (٢).
قال ابن خزيمة ﵀ بعد الحديث السابق (٣/ ٢٩٣): "باب ذكَر علّةٍ قد كان النّبيّ ﷺ يترك لها بعض أعمال التطوع، وإن كان يحثّ عليها، وهي خشية أن يُفرَض عليهم ذلك الفعل؛ مع استحبابه ﷺ ما خفف على الناس من الفرائض".
ثمّ روى ﵀ بإِسناده حديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يترك العمل وهو يحب أن يفعله؛ خشية أن يستن به فيفرض عليهم" (٣).
стр. 1096
وقال الإِمام النووي ﵀ في "شرحه" (٨/ ٧١): "قال العلماء: هذا الحديث ممّا يوهم كراهة صوم العشر، والمراد بالعشر هنا الأيّام التسعة من أول ذي الحِجّة.
قالوا: وهذا ممّا يتأول؛ فليس في صوم هذه التسعة كراهة؛ بل هي مُستحبّة استحباباً شديداً؛ لا سيما التاسع منها وهو يوم عرفة (١). ثمّ ذكَر حديث: "ما من أيّام العمل الصالح فيها أفضل منه في هذه".
قال: "فيتأول قولها لم يصم العشر؛ أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائماً فيه، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر، ويدل على هذا التأويل حديث هُنَيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النّبيّ ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة ... ".
وقال في "الروضة النديّة" (١/ ٥٥٦): "وعدم رؤيتها وعِلمها لا يستلزم العدم".
أيهما أفضل العشر من ذي الحجة أم العشر الأواخر من رمضان ؟
جاء في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٨٧): "وسئل عن عشر ذي الحجة، والعشر الأواخر من رمضان، أيهما أفضل؟
فأجاب: أيّام عشر ذي الحِجّة؛ أفضل من أيّام العشر من رمضان، والليالي العشر الأواخر من رمضان؛ أفضل من ليالي عشر ذي الحِجّة.
قال ابن القيّم ﵀: وإذا تأمّل الفاضل اللبيب هذا الجواب،
стр. 1097
وجَدَه شافياً كافياً، فإِنّه ليس من أيّام العمل فيها أحبّ إِلى الله من أيّام عشر ذي الحجة -وفيها: يوم عرفة، ويوم النحر، ويوم التروية-.
وأمّا ليالي عشر رمضان فهي ليالي الإِحياء، التي كان رسول الله ﷺ يحييها كلّها، وفيها ليلة خير من ألف شهر.
فمن أجاب بغير هذا التفصيل، لم يمكنه أن يُدليَ بحُجّة صحيحة".
٧ - يوم عرفة لغير الحاج:
عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صيام يوم عرفة، أحتسب (١) على الله أن يُكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده.
وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفّر السّنة التي قبله" (٢).
وعن كعب بن مالك عن أبيه أنّه حدثه أنّ رسول الله ﷺ بعَثه وأوس بن الحَدَثان؛ أيّام التشريق فنادى: "أنّه لا يدخل الجنَّة إِلا مؤمن، وأيّام منىً أيّام أكل وشُرب" (٣).
وعن ميمونة ﵂: "أن الناس شكُّوا في صيام النّبيّ ﷺ يوم عرفة، فأرسلْتُ إِليه بحِلابٍ (٤) وهو واقف في الموقف، فشرب
стр. 1098
منه (١) والناس ينظرون" (٢).
٨ - أكثر شهر الله المحرّم، وتأكيد صوم عاشوراء، ويوماً قبلها أو يوماً بعدها
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة، صلاة الليل" (٣).
وعن حُميد بن عبد الرحمن أنّه سمع معاوية بن أبي سفيان ﵁ يوم عاشوراء عام حجّ على المنبر يقول: "يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعْتُ رسول الله ﷺ يقول: هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر" (٤).
وعن عائشة ﵂ قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه في الجاهلية، فلمَّا قَدِم المدينة صامه، وأمَر بصيامه، فلمّا فُرِض رمضان، ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامهُ، ومن شاء ترَكه" (٥).
стр. 1099
قال ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٣/ ٢٨٤): "باب ذِكر الدليل على أنّ ترْك النّبيّ ﷺ صوم عاشوراء؛ بعد نزول فرض صوم رمضان، إِنْ شاء ترَكه، لا أنه كان يتركه على كلّ حال، بل كان يتركه؛ إنْ شاء تركه، ويصوم، إِن شاء صامه".
ثمّ روى عن ابن عمر نحواً من حديث عائشة ﵃.
وعن ابن عبّاس ﵄ قال: "قدم النّبيّ ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجّى الله بني إِسرائيل من عدوّهم فصامه موسى.
قال: فأنا أحقّ بموسى منكم، فصامه وأمَر بصيامه" (١).
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "كان يوم عاشوراء تعدُّهُ اليهود عيداً، قال النّبيّ ﷺ : فصوموه أنتم" (٢).
وعن ابن عبّاس ﵄ قال: "حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء، وأمَر بصيامه قالوا: يا رسول الله! إِنه يوم تُعظّمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله ﷺ : فإِذا كان العام المقبل -إِن شاء الله- صمنا اليوم التاسع.
قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفِّي رسول الله ﷺ " (٣).
стр. 1100
وفي لفظ: "لئن بقيت إِلى قابل لأصومنّ التاسع" (١).
وفي الحديث: "صوموا يوم عاشوراء وخالِفوا اليهود، صوموا قبله يوماً أو بعده يوماً" (٢).
قال الحافظ ﵀ في "الفتح" (٤/ ٢٤٦): " .. صيام عاشوراء على ثلاث مراتب: أدناها: أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر والله أعلم".
وسألت شيخنا ﵀ قائلاً: ذكَر بعض العلماء أنّ صيام عاشوراء على ثلاث مراتب: أعلاها: صوم التاسع والعاشر والحادي عشر، ما رأيكم؟
فقال: وعلى ذلك صيام شهر محرم، وفهمتُ أنّ هذا ينسحب على صيامه كله إِلا ما استثني، لأنّ أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرّم.
وسأل أحد الإِخوة شيخنا ﵀: "إِذا لم يتيسَّر صيام التاسع لامرأة حائض أو رجل لا عِلم عنده، فهل نقول له صُم الحادي عشر للمخالفة؟ ".
فقال شيخنا: "هذا من باب أولى؛ لأنّ شهر محرّم محلّ الصيام، إِذ أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرّم، ولذلك استدركنا على التقسيم الثلاثي هذا".
стр. 1101
هل يصحّ إِظهار السرور يوم عاشوراء والاكتحال وطبْخ الحبوب ونحوه ؟
جاء في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٩٩) -بحذف-: "وسُئل شيخ الإِسلام عمّا يفعله الناس في يوم عاشوراء من الكحل، والاغتسال، والحناء، والمصافحة، وطبخ الحبوب، وإظهار السرور، وغير ذلك إلى الشارع، فهل ورد في ذلك عن النّبيّ ﷺ حديث صحيح؟ أم لا؟
وإذا ورد حديث صحيح في شيء من ذلك فهل يكون فعل ذلك بدعة أم لا؟
وما تفعله الطائفة الأخرى من المأتم والحزن، والعطش، وغير ذلك من الندب والنياحة، وقراءة المصروع، وشقّ الجيوب؛ هل لذلك أصل؟ أم لا؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين، لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النّبيّ ﷺ ولا عن أصحابه، ولا استحَبّ ذلك أحد من أئمّة المسلمين، لا الأئمّة الأربعة ولا غيرهم، ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئاً، لا عن النّبيّ ﷺ ، ولا الصحابة، ولا التابعين، لا صحيحاً ولا ضعيفاً، لا في كتب الصحيح، ولا في السنن، ولا المسانيد، ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة.
ورووا في حديث موضوع مكذوب عن النّبيّ ﷺ : "أنّه من وسع على أهله يوم عاشوراء؛ وسّع الله عليه سائر السَّنة"؟
هل في الأشهر الحُرُم صوم ؟
لم يثبت في تخصيص صيام الأشهر الحرم شيء، وقد ورد في ذلك حديث
стр. 1102
ضعيف (١)
يبقى ما ورد فيه النصوص، كصيام الاثنين والخميس، وأيّام البيض ... إلخ.
وكذلك ليس في صيام رجب دليل ثابت، ولا فضيلة خاصة.
عن خرشة بن الحرّ قال: "رأيتُ عمر يضرب أكفّ المترجّبين (٢)؛ حتى يضعوها في الطعام، ويقول: كلوا فإِنّما هو شهر كانت تعظّمه الجاهلية" (٣).
وعن ابن عمر ﵄: "أنّه كان إِذا رأى النّاس وما يعدّونه لرجب كَرِهه" (٤).
قال شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٩٠): "وأمّا صوم رجب بخصوصه؛ فأحاديثه كلّها ضعيفة، بل موضوعة؛ لا يَعتمد
стр. 1103
أهل العِلم على شيء منها".
فائدة:
قد يضعُف العبد عن الصوم في الصّيف، إِذا كان مِن أهل البلاد الحارّة، فليغتنِم الصوم في الشتاء؛ فإِنّ رسول الله ﷺ قال: "الصوم في الشتاء؛ الغنيمة الباردة" (١).
جاء في "فيض القدير" (٤/ ٢٤٣): "الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة: أي: الغنيمة التي تحصل بغير مشقّة، والعرب تستعمل البارد في شيء ذي راحة، والبرد ضدّ الحرارة؛ لأنّ الحرارة غالبةً في بلادهم، فإِذا وجدوا برداً عدّوه راحة.
وقيل: الباردة الثابتة، من برد لي على فلان كذا، أي: ثبَت، أو الطيبة مِن برْد الهواء إِذا طاب.
والأصل في وقوع البرد عبارة عن الطيب، أيضاً إِنّ الهواء والماء لمّا كان طيبهما ببرْدهما؛ سيّما في بلاد تهامة والحجاز قيل: هواء بارد وماء بارد؛ على سبيل الاستطابة، ثمّ كَثُر حتى قيل: عيش بارد وغنيمة باردة. ذكَره الزمخشري.
قال الطيبي: والتركيب من قلب التشبيه؛ لأن الأصل الصوم في الشتاء كالغنيمة الباردة، وفيه من المبالغة أنّ الأصل في التشبيه أن يلحق الناقص بالكامل كما يقال: زيد كالأسد، فإِذا عكس وقيل: الأسد، يجعل الأصل كالفرع، والفرع كالأصل، يبلغ التشبيه إِلى الدرجة القصوى في المبالغة.
стр. 1104
ومعناه الصائم في الشتاء يحوز الأجر من غير أن تمسّه مشقّة الجوع".
جواز فِطر الصائم المتطوّع
فعن عائشة أمّ المؤمنين ﵂ قالت: "دخل عليَّ النّبيّ ﷺ ذات يوم فقال: هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا، قال: فإِني إِذن صائم.
ثمّ أتانا يوماً آخر فقلنا: يا رسول الله! أُهْدِى لنا حَيْس (١) فقال: أرينيه فلقد أصبحت صائماً فأكل".
قال طلحة: "فحدّثْتُ مجاهداً بهذا الحديث فقال: ذاك بمنزلة الرجل يُخْرِج الصدقة من ماله، فإِنْ شاء أمضاها، وإن شاء أمسَكها" (٢).
وفي رواية: قال: أدنيه؛ أما إِنّي قد أصبحتُ وأنا صائم، فأكَل منه، ثمّ قال: إِنّما مثل صوم المتطوع مثل الرجل؛ يُخرج من ماله الصدقة، فإِنْ شاء أمضاها، وإِنْ شاء حبَسها" (٣).
وعن أمّ هانئ ﵂ قالت: كنت قاعدة عند النّبيّ ﷺ فأتُي بشراب فضرب منه، ثمّ ناولني فضربت منه، فقلت: إِني أذنبت فاستغفر لي
стр. 1105
قال: وما ذاك؟ قالت: كنت صائمة فأفطرْتُ.
فقال: أمِن قضاءٍ كنت تقضينه؟ قالت: لا، قال: فلا يضرّك" (١).
وفي رواية: "فلا يضرّك إِن كان تطوّعاً" (٢).
وفي رواية: "الصائم المتطوع أمير نفسه (٣)، إِنْ شاء صام، وإن شاء أفطر" (٤).
عن أبي جحيفة قال: "آخى النّبيّ ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أمّ الدرداء متبذّلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجةٌ في الدنيا.
فجاء أبو الدرداء، فصَنع له طعاماً فقال: كُل فإِنّي صائم، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل، فلمّا كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، فقال: نم، فنام، ثمّ ذهب يقوم، فقال: نم، فلمّا كان آخر الليل قال سلمان: قم الآن.
قال: فصلّيا، فقال له سلمان: إِنّ لربك عليك حقّاً، ولنفسك عليك حقّاً، ولأهلك عليك حقّاً، فأعط كلّ ذي حقٍّ حقّه.
стр. 1106
فأتى النّبيّ ﷺ فذكَر ذلك له، فقال النّبيّ ﷺ : صدَق سلمان" (١).
وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا دُعي أحدكم إِلى طعام فليُجب، فإِن شاء طعم وإن شاء تَرَك" (٢).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: "صنعْتُ لرسول الله ﷺ طعاماً، فأتاني هو وأصحابه، فلمّا وُضع الطعام قال رجل من القوم: إِنّي صائم.
فقال رسول الله ﷺ : دعاكم أخوكم وتكلّف لكم، كُلْ يوماً، ثمّ صم مكانه إِن شئت" (٣).
وفي رواية: " ... ثمّ قال له: أَفطِر، وصُم مكانه يوماً إِن شئت" (٤).
عدم وجوب قضاء يوم النّفل (٥)
لا يجب قضاء يوم النّفل لحديث أبي سعيد الخدري المتقدم وفيه: " ... فقال رسول الله ﷺ دعاكم أخوكم وتكلّف لكم، ثمّ قال له: أفطر وصُم مكانه يوماً إِنْ شئت".
стр. 1107
آداب الصيام
١ - السحور (١)
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : "تسحّروا فإِنّ في السُّحور (٢) بركة" (٣).
قال ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٣/ ٢١٣): "باب الأمر بالسحور أمر ندب وإرشاد، إِذ السحور بركة، لا أمْر فرض وإيجاب يكون تاركه عاصياً بتركه".
ثمّ ذكَر ﵀ حديث أنس ﵁.
وسألت شيخنا ﵀ إِن كان يرى الوجوب في السّحور؛ لحديث أنس السابق ﵁ فقال: لا نقول بالوجوب.
وعن عمرو بن العاص ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "فصْل ما بين صيامنا وصيامِ أهل الكتاب أكلةُ السَّحَر" (٤).
стр. 1108
فضله:
لقد ورد في فضل السحور أحاديثُ كثيرة، منها:
١ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنّ الله وملائكته يُصلّون على المتسحِّرين" (١).
٢ - وعن العرباض بن سارية ﵁ قال: "دعاني رسول الله ﷺ إِلى السحور في رمضان فقال: هلُمَّ إِلى الغداء المبارك" (٢).
٣ - وعن عبد الله بن الحارث عن رجل من أصحاب النّبيّ ﷺ قال: "دخلْتُ على النّبيّ ﷺ وهو يتسحَّر فقال: "إِنّها بركة أعطاكم الله إِياها، فلا تَدَعوه" (٣).
٤ - وعن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "البركة في ثلاثة: في الجماعة، والثريد، والسحور" (٤).
بمَ يتحقّق ؟
يتحقّق السحور ولو بجَرعة من ماء.
стр. 1109
فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "تسحروا ولو بجَرعة (١) من ماء" (٢).
فضل السحور بالتمر
عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "نعم سَحور المؤمن التمر" (٣).
وقته:
يبدأ قبيل الفجر -فيما يبدو- ففي "القاموس المحيط " -كما تقدم-: السحر: قبيل الصُّبح (٤) وينتهي بتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.
قال الله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ (٥).
وعن عدي بن حاتم ﵁ قال: "لمّا نزلت ﴿حتى يتبيّن لكم
стр. 1110
الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود﴾ عَمَدْتُ إلى عِقَال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلْتُ أنظر في الليل فلا يَسْتَبِين لي، فغدوت على رسول الله ﷺ فذكَرت له ذلك، فقال: إِنما ذلك سوادُ الليل وبياض النهار" (١).
وعن سهل بن سعد قال: "أُنْزلت: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود﴾ ولم ينزل ﴿من الفجر﴾، فكان رجال إِذا أرادوا الصوم؛ ربَط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبيّن له رؤيتهما، فأنزل الله بعد ﴿من الفجر﴾ فعلموا أنّه إِنّما يعني الليل والنهار" (٢).
وعن عائشة ﵂ عن النّبيّ ﷺ أنه قال: "إِنَّ بلالاً يؤذِّنُ بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذّن ابن أمِّ مكتوم" (٣).
وفي لفظٍ لها ﵂ "أنَّ بلالاً كان يؤذِّن بليل، فقال رسول الله ﷺ : كلوا واشربوا حتى يؤذّن ابن أمّ مكتوم، فإِنّه لا يؤذن حتى يطلع الفجر. قال القاسم: ولم يكن بين أذانهما إِلا أن يرقى ذا وينزل ذا" (٤).
وعن عبد الله بن النعمان السُّحَيمي قال: "أتاني قيس بن طَلق في رمضان في آخر الليل -بعدما رفعت يدي من السّحور لخوف الصبح- فطلب مني
стр. 1111
بعض الإِدام، فقلت له: يا عمّاه! لو كان بقي عليك من اللَّيل شيء لأدخلتك إِلى طعام عندي وشراب.
قال: عندك؟ فدخل، فقربت إِليه ثريداً ولحماً ونبيذاً (١)، فأكَل وشرب، وأكرهني فأكلْتُ وشربْتُ، وإني لَوَجِلٌ من الصُّبح.
ثمّ قال: حدَّثني طَلْق بن علي أن نبيّ الله قال: كلوا واشربوا، ولا يَهيدنّكم السَّاطع المُصعِد (٢)، فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر" (٣).
جاء في "بذل المجهود" (١١/ ١٤٧) -في شرح "حتى يعترض لكم
стр. 1112
الأحمر"-: "قال في "الدّرجات": أي: يستبطن البياض المعترض أوائل حمرة؛ لأنّ البياض إِذا تتامّ طلوعه؛ ظهر أوائل الحُمْرة، والعرب تشبِّه الصّبح بالبلق في الخيل؛ لما به من بياض وحمرة، قلت [أي: صاحب بذل المجهود]: لا يصحّ كونه أحمر إلاَّ قبل نزول قوله تعالى: ﴿حتى يتبيّن لكم الخيطُ الأبيض﴾ الآية لأنّه معنى الآخر هو النَّهار إِلا أنَّ الشمس لم تطلع، وكلاهما يعارض الآية، وهذا كله على ظاهره، وإلا فإِنَّ الأحمر يطلق على الأبيض أيضاً، فإِن أطلق عليه وافق الآية فتنبّه له إِن كنت فائق السجيَّة".
قال ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٣/ ٢١٠): "باب الدليل على أنَّ الفجر الثاني ... هو البياض المعترض الذي لونه الحُمْرة إِن صحَّ الخبر ... ".
ثمّ ذكَر حديث أبي طلق بن علي ﵁.
وقال شيخنا ﵀ في "الصحيحة" (٥/ ٥٢) عَقِبَ الحديث:
"واعلم أنَّه لا منافاة بين وصفه ﷺ لضوء الفجر الصَّادق (بالأحمر) ووصفه تعالى إِياه بقوله: ﴿الخيط الأبيض﴾؛ لأنّ المراد -والله أعلم- بياض مشوب بحمرة، أو تارة يكون أبيض، وتارة يكون أحمر، يختلف ذلك باختلاف الفصول والمطالع.
وقد رأيت ذلك بنفسي مراراً من داري في (جبل هملان) جنوب شرق (عمّان)، ومكَّنني ذلك من التأكد من صحَّة ما ذكَره بعض الغيُورين على تصحيح عبادة المسلمين؛ أنّ أذان الفجر في بعض البلاد العربية يرفع قبل الفجر الصَّادق؛ بزمن يتراوح بين العشرين والثَّلاثين دقيقة -أي: قبل الفجر
стр. 1113
الكاذب أيضاً! -.
وكثيراً ما سمعت إِقامة صلاة الفجر من بعض المساجد مع طلوع الفجر الصَّادق، وهم يؤذِّنون قبلها بنحو نصف ساعة، وعلى ذلك فقد صلَّوا سنّة الفجر قبل وقتها.
وقد يستعجلون بأداء الفريضة أيضاً قبل وقتها في شهر رمضان، كما سمعته من إِذاعة دمشق وأنا أتسحَّر رمضان الماضي (١٤٠٦)، وفي ذلك تضييقٌ على الناس بالتعجيل بالإِمساك عن الطَّعام، وتعريضٌ لصلاة الفجر للبطلان.
وما ذلك إلاَّ بسبب اعتمادهم على التوقيت الفلكي، وإعراضهم عن التوقيت الشرعي: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾، "فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر"، وهذه ذكرى، (والذكرى تنفع المؤمنين) ". انتهى.
قال ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (٦/ ٣٤٢) (مسألة ٧٥٦): "ولا يلزم صومٌ في رمضان ولا في غيره إِلا بتبيُّن طلوع الفجر الثاني، وأمَّا ما لم يتبيّن؛ فالأكل والشُّرب والجماع مباح، كلُّ ذلك كان على شكّ من طلوع الفجر، أو على يقين من أنه لم يطلع.
ومن أكل شاكّاً (١) في غروب الشَّمس أو شَرِب فهو عاصٍ له تعالى، مفسد لصومه، ولا يقدر على القضاء؛ فإِنْ جامع شَاكّاً في غروب الشّمس فعليه
стр. 1114
الكفّارة ... ". ثمّ ذكَر الأدلّة على ذلك.
وقال (ص ٣٤٦): "وروينا من طريق معمر عن أبان عن أنس عن أبي بكر الصدِّيق أنّه قال: إِذا نظر الرَّجلان إِلى الفجر فشكَّ أحدهما؛ فليأكلا حتى يتبين لهما".
وقال (ص ٣٤٧): "ومن طريق الحسن: أنّ عمر بن الخطاب كان يقول: إِذا شكّ الرجلان في الفجر فليأكلا حتى يستيقنا.
ومن طريق ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس قال: أحل الله الشراب ما شَككْت؛ يعني في الفجر.
وعن وكيع عن عمارة بن زاذان عن مكحول الأزدي قال: رأيت ابن عمر أخذ دلواً من زمزم وقال لرجلين: أَطَلَع الفجر؟ قال أحدهما: قد طلع، وقال الآخر: لا؛ فشرب ابن عمر".
وقال ﵀ (ص ٣٤٩): "وعن الحسن: كُلْ ما امتريت وعن أبي مجلز: السّاطع: ذلك الصُّبح الكاذب؛ ولكن إذا انفضح الصبح في الأفق.
وعن إِبراهيم النخعي: المعترض الأحمر يُحلّ الصلاة (١) ويُحرّم الطعام.
ومن طريق ابن أبي شيبة: ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم قال: لم يكونوا يعدون الفجر فجركم، إِنّما كانوا يعدُّون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق.
وعن معمر: أنّه كان يؤخِّرُ السّحور جداً، حتى يقول الجاهل: لا صوم له! ".
стр. 1115
فائدة:
إِذا سمع النِّداء والإِناءُ على يده، أو كان يأكل، فله أَنْ يستكْمِل شرابه وأكْله، ويقضي حاجته منهما؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا سمع أحدكم النِّداء والإِناء على يده، فلا يضَعْه حتى يقضي حاجته منه" (١).
قال شيخنا ﵀ في "تمام المِنّة" (ص ٤١٧): "وفيه دليل على أَنَّ مَنْ طلع عليه الفجر وإناء الطعام أو الشراب على يده؛ أنّه يجوز له أن لا يضعه حتى يأخذ حاجته منه.
فهذه الصورة مستثناة من الآية: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾.
فلا تعارُض بينها وما في معناها من الأحاديث؛ وبين هذا الحديث، ولا إِجماع يعارضه، بل ذهب جماعة من الصحابة وغيرهم إِلى أكثر ممّا أفاده الحديث، وهو جواز السّحور إِلى أن يتضح الفجر، وينتشر البياض في الطرق، راجع "الفتح" (٤/ ١٠٩ - ١١٠).
وإِنَّ من فوائد هذا الحديث إِبطال بدعة الإِمساك قبل الفجر بنحو ربع ساعة؛ لأنَّهم إِنَّما يفعلون ذلك خشية أن يدركهم أذان الفجر وهم يتسحّرون، ولو علموا هذه الرخصة لما وقعوا في تلك البدعة. فتأمّل".
استحباب تأخيره:
عن ابن عبّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنّا معشر
стр. 1116
الأنبياء أُمِرنا بتعجيل فِطرنا، وتأخير سحورنا، وأن نضَع أيماننا على شمائلنا في الصلاة" (١).
وعن أنس عن زيد بن ثابت ﵁ قال: "تسحَّرنا مع النّبىِّ ﷺ ، ثمّ قام إِلى الصلاة، قلت (٢): كم كان بين الأذان (٣) والسّحور؟ قال: قَدْر خمسين آية (٤) " (٥).
جاء في "الفتح" (٤/ ١٩٩): "قال ابن عبد البرّ: أحاديث تعجيل الإِفطار وتأخير السّحور صِحاح متواترة، وعند عبد الرزاق بإِسناد صحيح عن عمرو بن ميمون الأودي قال: كان أصحاب محمّد ﷺ أسرَعَ النّاس إِفطاراً وأبطأهم سحوراً".
هل يفطر إِذا أكل أو شرب أو جامع، ظانّاً غروب الشمس أو عدم طلوع الفجر ؟
مَن أكَل أو شرب أو جامع ظانّاً غروب الشمس، أو عدم طلوع الفجر، ثمّ
стр. 1117
ظهر له خلاف ذلك فإِنّه لا يفسد صومه، وليس عليه قضاء ولا كفّارة.
جاء في "المحلّى" (٦/ ٣٣١) المسألة (٧٥٣): "ومن أكل وهو يظنّ (١) أنّه ليل، أو جامَع كذلك؛ أو شرب كذلك؛ فإِذا به نهار -إِما بطلوع الفجر، وإمّا بأنّ الشَّمس لم تغرب-: فكلاهما لم يتعمّد إِبطال صومه، وكلاهما ظن أنَّه في غير صيام، والناسي ظنّ أنّه في غير صيام ولا فرق، فهما والناسي سواء ولا فرق.
وليس هذا قياساً (٢) -ومعاذ الله من ذلك- وإنما يكون قياساً لو جعلنا الناسي أصلاً؛ ثمّ شبّهنا به مَن أكل وشرب وجامع، وهو يظنّ أنّه في ليل فإِذا به في نهار، ولم نفعل هذا، بل كلّهم سواء في قول الله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمَّدت قلوبكم﴾ (٣) وفي قول رسول الله ﷺ : "إِنّ الله تجاوز لأمّتي الخطأ والنِّسيان وما استُكرِهوا عليه" (٤)، وهذا قول جمهور السَّلف.
ثمّ ساق بإِسناده إِلى جمْع من السَّلف في ذلك ومنه:
стр. 1118
عن زيد بن وهب قال: أفطر النّاس في زمن عمر بن الخطاب فرأيت عِساساً (١) أُخرجَت من بيت حفصة، فشربوا، ثمّ طلعت الشّمس من سحاب، فكَأنّ ذلك شقَّ على النّاس.
فقالوا: نقضي هذا اليوم فقال عمر: لِمَ؟ والله ما تجانفنا لإِثم (٢) ".
وروينا أيضاً من طريق الأعمش عن المسيّب عن زيد بن وهب، ومن طريق ابن أسلم عن أخيه عن أبيه ولم يذكر قضاء.
وقد رُوي عن عمر أيضاً القضاء، وهذا تخالف من قوله، فوجب الرُّجوع إِلى ما افترض الله تعالى الرّجوع إِليه عند التنازع، من القرآن والسنة؛ فوجدنا ما ذكَرنا قبل، مع أنّ هذه الرواية عن عمر أولى؛ لأن زيد بن وهب له صحبة، وإنّما روى عنه القضاء من طريق علي بن حنظلة عن أبيه.
ومن طريق شعبة قال: سألت الحكم بن عتيبة عمّن تسحّر نهاراً وهو يرى أنّ عليه ليلاً، فقال: يُتمّ صومه.
وعن مجاهد قال: من أكل بعد طلوع الفجر وهو يظنّ أنّه لم يطلع فليس عليه القضاء؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿حتى يتبيّن لكم الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾.
وعن الحسن البصري فيمن تسحَّر وهو يرى أنّه ليل، قال: يُتمُّ صومه.
وعن جابر بن زيد فيمن أكل يرى أنَّه ليل فإِذا به نهار، قال: يُتمّ صومه.
стр. 1119
ثمّ اتفق عروة وعطاء فيمن أكل في الصّبح وهو يرى أنّه ليل: لم يقضه.
فهؤلاء: عمر بن الخطاب، والحكم بن عتيبة، ومجاهد، والحسن، وجابر ابن زيد أبو الشعثاء، وعطاء بن أبي رباح، وعروة بن الزبير.
فإِنْ ذكَروا ما رويناه ... عن أسماء بنت أبي بكر قالت: "أفطر النّاس على عهد رسول ﷺ ثمّ طلعت الشّمس".
قال أبو أسامة: قلت لهشام: فأُمِروا بالقضاء؟ فقال: ومن ذلك بدٌّ (١)؟! فإِنّ هذا ليس إلاَّ من كلام هشام، وليس من الحديث، فلا حُجّة فيه (٢)، وقد قال معمر: سمعت هشام بن عروة في هذا الخبر نفسه يقول: لا أدري أقضوا أم لا؟! فصحّ ما قُلنا.
وأمَّا مَنْ أُكره على الفطر، أو وطئت امرأة نائمة، أو مكرهة أو مجنونة أو مغمى عليها، أو صُبّ في حلقه ماء وهو نائم، فصوم النّائم والنّائمة، والمُكْره، والمُكْرهة تامّ صحيح لا داخلة فيه، ولا شيء عليهم، ولا شيء على المجنونة، والمغمى عليها، ولا على المجنون والمغمى عليه، لمَا ذكَرنا من قول رسول الله ﷺ : إِنّ الله تجاوز لأمتّه عن الخطأ والنِّسيان وما استُكرهوا عليه (٣).
والنّائم والنّائمة مكرهان بلا شك، غير مُخْتارين لما فُعِل بهما.
وقال زفر: لا شيء على النّائم والنّائمة، ولا قضاء كما قلنا، سواء سواء، وصومهما تامّ -وهو قول الحسن بن زياد.
стр. 1120
وقد رُوي أيضاً عن أبي حنيفة في النّائم مثل قول زفر.
وقال سفيان الثّوري: إِذا جومعت المرأة مُكْرهة في نهار رمضان فصومها تامّ، لا قضاء عليها، وهو قول عبيد الله بن الحسن، وبه يقول أبو سليمان، وجميع أصحابنا.
والمجنون والمغمى عليه غير مخاطَبَين، قال رسول الله ﷺ : "رُفع القلم عن المجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يحتلم" (١).
قال شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٢٨): " ... وكذلك طرد هذا أنّ الصائم إِذا أكل أو شرب أو جامع ناسياً أو مخطئاً، فلا قضاء عليه، وهو قول طائفة من السلف والخلف ومنهم من يُفَطِّر الناسي والمخطئ كمالك ... ".
وقال ﵀ (ص ٢٣١): "وأيضاً فقد ثبت في "صحيح البخاري" عن أسماء بنت أبي بكر قالت: "أفطرنا يوماً من رمضان في غيم على عهد رسول الله ﷺ ثمّ طلعت الشمس ... ".
وهذا يدلّ على شيئين: على أنّه لا يُسْتحَب مع الغيم التأخير إِلى أن يتيقّن الغروب ...
والثاني: لا يجب القضاء فإِنّ النّبيّ ﷺ لو أمَرهم بالقضاء لشاع ذلك كما نقل فطرهم، فلمّا لم يُنقَل ذلك دلّ على أنّه لم يأمرهم به.
فإِنْ قيل: فقد قيل لهشام بن عروة: أمروا بالقضاء؟ قال: أو بد من القضاء؟
стр. 1121
قيل: هشام قال ذلك برأيه، لم يرو ذلك في الحديث، ويدلّ على أنّه لم يكن عنده بذلك علم أنّ معمراً روى عنه قال: سمعت هشاماً قال: لا أدري أقضوا أم لا؟
ذكَر هذا وهذا عنه البخاري، والحديث رواه عن أمِّه فاطمة بنت المنذر عن أسماء.
وقد نقل هشام عن أبيه عروة أنهم لم يؤمروا بالقضاء، وعروة أعلم من ابنه، وهذا قول إِسحاق بن راهويه -وهو قرين أحمد بن حنبل، ويوافقه في المذهب: أصوله وفروعه، وقولهما كثيراً ما يجمع بينه ... ".
وجاء (ص ٢٥٩) منه: "وسئل عن رجل باشر زوجته، وهو يسمع المتسحر يتكلّم، فلا يدري: أهو يتسحّر؟ أم يؤذّن، ثمّ غلب على ظنِّه أنّه يتسحَّر، فوطئها، وبعد يسير؛ أضاء الصبح، فما الذي يجب عليه؟ أفتونا مأجورين.
فأجاب: هذه المسألة للعلماء فيها ثلاثة أقوال:
أحدها: عليه القضاء، والكفّارة، هذا إِحدى الروايتين عن أحمد.
وقال مالك: عليه القضاء لا غير، وهذه الرواية الأخرى عنه، وهذا مذهب الشافعي، وأبي حنيفة وغيرهما.
والثالث: لا قضاء ولا كفّارة عليه.
وهذ قول النّبيّ ﷺ ، وهو أظهر الأقوال، ولأنّ الله تعالى عفا عن الخطأ والنِّسيان، وأَباح الأكل والشرب، والجماع حتى يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، والشاكّ في طلوع الفجر يجوز له الأكل والشرب والجماع بالاتفاق، ولا قضاء عليه إِذا استمر الشَّك".
стр. 1122
وجاء (ص ٢٦٤) منه: "وهذا القول أصحّ الأقوال، وأشبهها بأصول الشريعة، ودلالة الكتاب والسنَّة، وهو قياس أصول أحمد وغيره، فإِنّ الله رفع المؤاخذة عن الناسي، والمخطئ، وهذا مخطئ.
وقد أباح الله الأكل والوطء حتى يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، واستحبَّ تأخير السّحور، ومن فعل ما ندب إِليه، وأُبيح له، لم يفرّط فهذا أولى بالعذر من الناسي، والله أعلم".
وقال الحافظ ﵀ في "الفتح" (٤/ ٢٠٠) -بحذف-: "وقد اختلف في هذه المسألة فذهب الجمهور إِلى إِيجاب القضاء ... وجاء ترك القضاء عن مجاهد والحسن، وبه قال إِسحاق وأحمد في رواية.
قال ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٣/ ٢٣٩): "ليس في هذا الخبر أنّهم أمروا بالقضاء، وهذا من قول هشام: بدٌّ من ذلك، لا في الخبر، ولا يُبيّن عندي أنّ عليهم القضاء، فإِذا أفطروا والشمس عندهم قد غربت، ثمّ بان أنها لم تكن غَرَبت؛ كقول عمر بن الخطاب: والله ما نقضي ما يجانفنا من الإِثم".
وسألت شيخنا ﵀ قائلاً: إذا أكل ظانّاً غروب الشمس فظهر خلاف ذلك، أو ظنَّ عدم طلوع الفجر. فقال ﵀: "إِذا كان معذوراً في ظنّه فلا يعدُّ مُفطراً". انتهى.
قلت: والراجح عدم القضاء -والله تعالى أعلم- لِمَا وردَ عن السلف من آثارٍ في ذلك، فإِنْ كان بالنقل فهم أولى، وإن كان بالرأي فرأيهم خير من رأي سواهم (١).
стр. 1123
حشَرَنا الله وإياهم مع النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
٢ - تعجيل الفطر
عن سهل بن سعد أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما عجّلوا (١) الفطر" (٢).
قال ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٣/ ٢٧٤): (باب ذِكر دوام الناس على الخير، ما عجّلوا الفطر، وفيه كالدلاله على أنّهم إِذا أخّروا الفِطر؛ وقعوا في الشّر). ثمّ روى الحديث السابق.
عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال أمَّتي على سُنَّتي ما لم تنتظر بفطرها النّجوم.
قال: وكان النّبيّ ﷺ إِذا كان صائماً أمَر رجلاً، فأوفى على شيء، فإِذا قال: غابت الشمس أفطر" (٣).
وقد بوّب له ابن خزيمة ﵀ بقوله: "باب ذكر استحسان سنّة المصطفى محمّد ﷺ ما لم ينتظر بالفطر قبل طلوع النجوم".
стр. 1124
وعن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "لا يزال الدين ظاهراً، ما عجّل النّاس الفطر؛ لأنّ اليهود والنّصارى يؤخّرون" (١).
وقال الحافظ ﵀ في "الفتح" (٤/ ١٩٩): "من البدع المنكَرة ما أُحدِث في هذا الزّمان؛ من إِيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جُعلت علامةً لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام؛ زعماً ممّن أحدثه أنّه للاحتياط في العبادة، ولا يعلم بذلك إِلا آحاد النّاس.
وقد جرّهم ذلك إِلى أنْ صاروا لا يؤذِّنون إِلا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت زعموا، فأخَّروا الفِطر وعجَّلوا السّحور وخالفوا السنّة، فلذلك قلَّ عنهم الخير وكثير فيهم الشرّ، والله المستعان".
متى يُفطر الصائم
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا أقبل الليل (٢) من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس من ها هنا؛ فقد أفطر الصائم" (٣).
وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: "كنّا مع رسول الله ﷺ في سفر وهو صائم، فلمّا غابت الشّمس قال لبعض القوم: يا فلان قُم فاجدح
стр. 1125
لنا (١)، فقال: يا رسول الله لو أمسيت (٢)، قال: انزل فاجدَحْ لنا، قال: يا رسول الله فلو أمسيت، قال: انزل فاجدَحْ لنا، قال: إِنّ عليك نهارا (٣)، قال: انزل اجدَحْ لنا.
فنزل فجدَح لهم، فشرب النّبيّ ﷺ ثمّ قال: إِذا رأيتم الليل قد أقبل من ها هنا؛ فقد أفطر الصائم" (٤).
وجاء في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢١٥): "وسُئل عن غروب الشّمس: هل يجوز للصائم أنْ يفطر بمجرد غروبها؟
فأجاب: إِذا غاب جميع القرص أفطر الصائم، ولا عبرة بالحمرة الشديدة الباقية في الأفق، وإذا غاب جميع القرص ظهر السواد من المشرق، كما قال النّبيّ ﷺ : "إِذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس؛ فقد أفطر الصائم"".