قيل: هشام قال ذلك برأيه، لم يرو ذلك في الحديث، ويدلّ على أنّه لم يكن عنده بذلك علم أنّ معمراً روى عنه قال: سمعت هشاماً قال: لا أدري أقضوا أم لا؟
ذكَر هذا وهذا عنه البخاري، والحديث رواه عن أمِّه فاطمة بنت المنذر عن أسماء.
وقد نقل هشام عن أبيه عروة أنهم لم يؤمروا بالقضاء، وعروة أعلم من ابنه، وهذا قول إِسحاق بن راهويه -وهو قرين أحمد بن حنبل، ويوافقه في المذهب: أصوله وفروعه، وقولهما كثيراً ما يجمع بينه ... ".
وجاء (ص ٢٥٩) منه: "وسئل عن رجل باشر زوجته، وهو يسمع المتسحر يتكلّم، فلا يدري: أهو يتسحّر؟ أم يؤذّن، ثمّ غلب على ظنِّه أنّه يتسحَّر، فوطئها، وبعد يسير؛ أضاء الصبح، فما الذي يجب عليه؟ أفتونا مأجورين.
فأجاب: هذه المسألة للعلماء فيها ثلاثة أقوال:
أحدها: عليه القضاء، والكفّارة، هذا إِحدى الروايتين عن أحمد.
وقال مالك: عليه القضاء لا غير، وهذه الرواية الأخرى عنه، وهذا مذهب الشافعي، وأبي حنيفة وغيرهما.
والثالث: لا قضاء ولا كفّارة عليه.
وهذ قول النّبيّ ﷺ ، وهو أظهر الأقوال، ولأنّ الله تعالى عفا عن الخطأ والنِّسيان، وأَباح الأكل والشرب، والجماع حتى يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، والشاكّ في طلوع الفجر يجوز له الأكل والشرب والجماع بالاتفاق، ولا قضاء عليه إِذا استمر الشَّك".
стр. 1122
وجاء (ص ٢٦٤) منه: "وهذا القول أصحّ الأقوال، وأشبهها بأصول الشريعة، ودلالة الكتاب والسنَّة، وهو قياس أصول أحمد وغيره، فإِنّ الله رفع المؤاخذة عن الناسي، والمخطئ، وهذا مخطئ.
وقد أباح الله الأكل والوطء حتى يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، واستحبَّ تأخير السّحور، ومن فعل ما ندب إِليه، وأُبيح له، لم يفرّط فهذا أولى بالعذر من الناسي، والله أعلم".
وقال الحافظ ﵀ في "الفتح" (٤/ ٢٠٠) -بحذف-: "وقد اختلف في هذه المسألة فذهب الجمهور إِلى إِيجاب القضاء ... وجاء ترك القضاء عن مجاهد والحسن، وبه قال إِسحاق وأحمد في رواية.
قال ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٣/ ٢٣٩): "ليس في هذا الخبر أنّهم أمروا بالقضاء، وهذا من قول هشام: بدٌّ من ذلك، لا في الخبر، ولا يُبيّن عندي أنّ عليهم القضاء، فإِذا أفطروا والشمس عندهم قد غربت، ثمّ بان أنها لم تكن غَرَبت؛ كقول عمر بن الخطاب: والله ما نقضي ما يجانفنا من الإِثم".
وسألت شيخنا ﵀ قائلاً: إذا أكل ظانّاً غروب الشمس فظهر خلاف ذلك، أو ظنَّ عدم طلوع الفجر. فقال ﵀: "إِذا كان معذوراً في ظنّه فلا يعدُّ مُفطراً". انتهى.
قلت: والراجح عدم القضاء -والله تعالى أعلم- لِمَا وردَ عن السلف من آثارٍ في ذلك، فإِنْ كان بالنقل فهم أولى، وإن كان بالرأي فرأيهم خير من رأي سواهم (١).
стр. 1123
حشَرَنا الله وإياهم مع النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
٢ - تعجيل الفطر
عن سهل بن سعد أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما عجّلوا (١) الفطر" (٢).
قال ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٣/ ٢٧٤): (باب ذِكر دوام الناس على الخير، ما عجّلوا الفطر، وفيه كالدلاله على أنّهم إِذا أخّروا الفِطر؛ وقعوا في الشّر). ثمّ روى الحديث السابق.
عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال أمَّتي على سُنَّتي ما لم تنتظر بفطرها النّجوم.
قال: وكان النّبيّ ﷺ إِذا كان صائماً أمَر رجلاً، فأوفى على شيء، فإِذا قال: غابت الشمس أفطر" (٣).
وقد بوّب له ابن خزيمة ﵀ بقوله: "باب ذكر استحسان سنّة المصطفى محمّد ﷺ ما لم ينتظر بالفطر قبل طلوع النجوم".
стр. 1124
وعن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "لا يزال الدين ظاهراً، ما عجّل النّاس الفطر؛ لأنّ اليهود والنّصارى يؤخّرون" (١).
وقال الحافظ ﵀ في "الفتح" (٤/ ١٩٩): "من البدع المنكَرة ما أُحدِث في هذا الزّمان؛ من إِيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جُعلت علامةً لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام؛ زعماً ممّن أحدثه أنّه للاحتياط في العبادة، ولا يعلم بذلك إِلا آحاد النّاس.
وقد جرّهم ذلك إِلى أنْ صاروا لا يؤذِّنون إِلا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت زعموا، فأخَّروا الفِطر وعجَّلوا السّحور وخالفوا السنّة، فلذلك قلَّ عنهم الخير وكثير فيهم الشرّ، والله المستعان".
متى يُفطر الصائم
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا أقبل الليل (٢) من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس من ها هنا؛ فقد أفطر الصائم" (٣).
وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: "كنّا مع رسول الله ﷺ في سفر وهو صائم، فلمّا غابت الشّمس قال لبعض القوم: يا فلان قُم فاجدح
стр. 1125
لنا (١)، فقال: يا رسول الله لو أمسيت (٢)، قال: انزل فاجدَحْ لنا، قال: يا رسول الله فلو أمسيت، قال: انزل فاجدَحْ لنا، قال: إِنّ عليك نهارا (٣)، قال: انزل اجدَحْ لنا.
فنزل فجدَح لهم، فشرب النّبيّ ﷺ ثمّ قال: إِذا رأيتم الليل قد أقبل من ها هنا؛ فقد أفطر الصائم" (٤).
وجاء في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢١٥): "وسُئل عن غروب الشّمس: هل يجوز للصائم أنْ يفطر بمجرد غروبها؟
فأجاب: إِذا غاب جميع القرص أفطر الصائم، ولا عبرة بالحمرة الشديدة الباقية في الأفق، وإذا غاب جميع القرص ظهر السواد من المشرق، كما قال النّبيّ ﷺ : "إِذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس؛ فقد أفطر الصائم"".
стр. 1126
علام يُفطر ؟
يسنّ أن يُفطر على رطبات قبل صلاة المغرب، فإِنْ لم يجد فعلى تمرات، فإِن لم يجد فعلى الماء.
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يفطر على رُطبات، قبل أنْ يُصلّي، فإِنْ لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإِنْ لم تكن حسا (١) حسَوات من ماء" (٢).
٣ - الدعاء عند الفِطر
عن مروان (٣) قال: "رأيت ابن عمر يقبض على لحيته، فيقطع ما زاد على الكفّ، وقال: كان رسول الله ﷺ إِذا أفطر قال: ذهب الظمأ، وابتلّت العُروق (٤)، وثبت الأجر (٥) إِن شاء الله" (٦).
стр. 1127
٤ - الجود ومدارسة القرآن .
عن ابن عبّاس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ أجود النّاس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كلّ ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلَرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة (١) " (٢).
فينبغي الاقتداء بالنّبيّ ﷺ في الجود والعطاء .
قال ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٣/ ١٩٣) تبويباً لهذا الحديث: (باب استحباب الجود بالخير والعطايا في شهر رمضان إِلى انسلاخه، استناناً بالنّبيّ ﷺ ).
٥ - الاجتهاد في العبادة في العشر الأواخر من رمضان .
عن عائشة ﵂ قالت: "كان النّبيّ ﷺ إِذا دخل العَشرُ شدَّ
стр. 1128
مِئْزره (١) وأحيا ليله، وأيقظ أهله (٢) " (٣).
وفي رواية: "كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره" (٤).
وعن علي ﵁ "أنّ النّبيّ ﷺ كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان" (٥).
ترهيب الصائم من الغِيبة والفُحش والكذب ونحو ذلك (٦)
لا شكّ أنّ الصِّيام يهذِّب النّفس ويزكّيها، ويمرّسها على فِعل الخير وترْك الشر، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلّكم تتّقون﴾ (٧).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يدَع قول الزور والعَمَلَ به؛ فليس لله حاجةٌ؛ في أن يدَع طعامه وشرابه" (٨).
стр. 1129
وعنه ﵁ أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلاَّ الجوع، ورُبَّ قائم ليس له مِن قيامه إِلا السّهر" (٦).
وعنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله: كلّ عمل ابن آدم له، إِلا الصّيام فإِنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنّة (١).
وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفُث (٢) ولا يصخب (٣)، فإِنْ سابّه أحدٌ أو قاتله فليقل إِنّي امرؤٌ صائم" (٤).
وعنه كذلك ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "لا تسابّ وأنت صائم، فإِنْ سابّك أحد؛ فقل: إِنّي صائم، وإنْ كنتَ قائماً فاجلس" (٥).
ما يُباح للصائم
١ - الغُسل تعبُّداً ، كالاغتسال من جنابة باحتلام، أو جماعٍ قبل الفجر أو
стр. 1130
اغتسال الجمعة؛ أو تبرُّداً من حرٍّ ونحوه، وله أن يصبّ الماء على رأسه من عطشٍ أو حرّ.
عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النّبيّ ﷺ قال: "رأيت رسول الله ﷺ أمَر الناس في سفره عام الفتح بالفطر، وقال: تقَوَّوْا لعدوِّكم، وصام رسول الله ﷺ .
قال أبو بكر: قال الذي حدَّثني: لقد رأيت رسول الله ﷺ بالعَرْج (١) يصبّ على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحرّ" (٢).
وعن عائشة وأمّ سلمة ﵄ "أنّ رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله؛ ثمّ يغتسل ويصوم" (٣).
وبلّ ابن عمر ﵄ ثوباً فألقاه عليه وهو صائم، ودخل الشعبي الحمّام وهو صائم" (٤).
وجاء في "المغني" (٣/ ٤٥): ولا بأس أن يغتسل الصائم، وذكر حديث عائشة وأم سلمة ﵄.
٢ - أن يصبح جُنباً لحديث عائشة وأمّ سلمة ﵄
стр. 1131
المتقدّم.
٣ - المضمضة والاستنشاق من غير مبالغة .
عن لقيط بن صَبِرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ : "بالِغْ في الاستنشاق إلاَّ أنْ تكون صائماً" (١).
وقال عطاء: إِنْ تمضمض ثمّ أفرغ ما في فيه من الماء، لا يَضيره إِن لم يَزْدَرِدْ (٢) ريقه، وماذا بقي في فيه (٣).
وقال الحسن: "لا بأس بالمضمضة والتبرّد للصائم" (٤).
وقال الحافظ ﵀ في "الفتح" (٤/ ١٦١): "قال ابن المنذر: أجمعوا على أنّه لا شيء على الصائم فيما يبتلعه ممّا يجري مع الريق؛ ممّا بين أسنانه؛ ممّا لا يقدر على إِخراجه".
جاء في "الشرح الكبير" (٣/ ٤٤): "المضمضة والاستنشاق لا يفطّر بغير خلاف؛ سواء كان في طهارة أو غيرها".
стр. 1132
وفي "المغني" (٣/ ٤٤): "وإنْ تمضمض أو استنشق في الطهارة؛ فسبق الماء إِلى حلْقه من غير قصد ولا إِسراف، فلا شيء عليه، وبه قال الأوزاعي وإسحاق والشافعي في أحد قوليه ورُوي ذلك عن ابن عباس.
وقال مالك وأبو حنيفة: يفطر؛ لأنه أوصل الماء إِلى جوفه؛ ذاكراً لصومه فأفطر كما لو تعمّد شربه ... ". ا. هـ
والصواب أنه لا يُفطّر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إِلا وسعها﴾ (١)، وقوله سبحانه: ﴿ما جَعل عليكم في الدين مِن حَرَج﴾ (٢).
٤ - الاكتحال والقطرة ونحوها ممّا يدخل العين ؛ سواء أَوَجَد طعْمه في حلقه أم لم يَجده، لأنّ العين ليست بمنفذ إِلى الجوف (٣).
عن عائشة ﵂ قالت: اكتحل رسول الله وهو صائم" (٤).
وعن أنس بن مالك: "أنّه كان يكتحل وهو صائم" (٥).
عن الأعمش قال: "ما رأيت أحداً من أصحابنا يكره الكحل للصّائم،
стр. 1133
وكان إِبراهيم (١) يرخّص أن يكتحل الصائم بالصَّبر" (٢).
وقال الحسن: "لا بأس بالكحل للصائم" (٣).
جاء في كتاب "الأمّ" (٤/ ٣٦٥): "قال الشافعي: ولا يُفْسِد الكُحل وإن تنخَّمه، فالنخامة تجيء من الرأس باستنزاله، والعين متصلة بالرأس، ولا يصل إِلى الرأس والجوف -عِِلْمي- ولا أعلم أحداً كره الكحل على أنّه يفطِّر".
وسألت شيخنا ﵀: ما رأيكم فيمن يقول: إِن الاكتحال والقطرة لا يفطران؛ سواء وجَد طعمه في الحلق أم لم يجد؟ فقال: هو كذلك، وإذا وجَد طعمه لفَظه، ولا يجوز بلْعه.
وقال أحد الإِخوة الحاضرين: وهل يُفطر إِذا بلَعَه؟ فقال ﵀: نعم.
وجاء في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٤١): " ... وإذا كانت الأحكام التي تعمّ بها البلوى لا بد أن يبيّنها الرسول ﷺ بياناً عامّاً، ولا بدّ أَنْ تنقل الأمّة ذلك، فمعلوم أنّ الكحل ونحوه مما تعمّ به البلوى كما تعمّ بالدُّهن والاغتسال والبخور والطّيب، فلو كان هذا ممّا يفطِّر لبيّنه النّبيّ ﷺ كما بيّن الإِفطار بغيره، فلمّا لم يُبيّن ذلك؛ عُلِم أنّه من جنس الطيب
стр. 1134
والبخور والدّهن.
والبخور قد يتصاعد إِلى الأنف ويدخل في الدِّماغ وينعقد أجساماً، والدّهن يشربه البدن، ويدخل إِلى داخله ويتقوّى به الإِنسان، وكذلك يتقوى بالطيب قوّة جيدة، فلمّا لمْ يُنه الصّائم عن ذلك؛ دلّ على جواز تطييبه وتبخيره وادّهانه، وكذلك اكتحاله.
وقد كان المسلمون في عهده ﷺ يُجْرح أحدهم؛ إِمّا في الجهاد وإمّا في غيره مأمومة (١) وجائفة (٢)، فلو كان هذا يفطر لبيّن لهم ذلك، فلما لم ينه الصائم عن ذلك عُلِمَ أنّه لم يجعله مفطِّراً".
وجاء في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٤٤) أيضاً: "فإِنّ الكحل لا يُغَذِّي البتة، ولا يُدْخِل أحد كحلاً إِلى جوفه؛ لا من أنفه ولا فمه".
٥ - القبلة والمباشرة لمن قدر على ضبط نفسه.
عن عائشة ﵂ قالت: "كان النّبيّ ﷺ يقبِّل ويُباشر وهو
صائم، وكان أملككم لأربه (٣) " (٤).
وجاء في "الصحيحة" (١/ ٤٣٣): -بتِصرف- تحت هذا الحديث:
стр. 1135
"ومرادها ﵂ أنَّ النّبيّ ﷺ كان غالباً لهواه.
و (الإِرب): هو بفتح الهمزة أو كسرها، قال ابن الأثير: "وله تأويلان: أحدهما: أنّه الحاجة. والثاني: أنّه أراد به العضو، وعنت به من الأعضاء الذَّكَر خاصّة. وهو كناية عن المجامعة".
قال في "المرقاة": "وأمّا ذِكر الذَّكَر؛ فغير ملائم للأنثى، لا سيّما في حضور الرِّجال"، وراجع تمام البحث فيه.
وفي الحديث فائدة أخرى على الحديث الذي قبله، وهي جواز المباشرة من الصائم، وهي شيء زائد على القبلة، وقد اختلفوا في المراد منها هنا، فقال القاري: "قيل: هي مسُّ الزوج المرأة فيما دون الفرج، وقيل: هي القبلة واللَّمس باليد".
قلت: [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-] ولا شكَّ أنّ القبلة ليست مرادة بالمباشرة هنا؛ لأنّ الواو تفيد المغايرة، فلم يبق إلاَّ أن يكون المراد به إِمّا القول الأوّل أو اللّمس باليد، والأوّل هو الأرجح، لأمرين:
الأوّل: حديث عائشة الآخر قالت: "كانت إِحدانا إِذا كانت حائضاً، فأراد رسول الله ﷺ أن يباشرها؛ أمَرها أن تتزر في فور حيضتها، ثمّ يباشرها. قالت: وأيّكم يملك إِرْبَه؟! ".
رواه البخاري (١/ ٣٢٠)، ومسلم (١/ ١٦٦ و ١٦٧) وغيرهما.
فإِنّ المباشرة هنا هي المباشرة في حديث الصيام؛ فإِنّ اللّفظ واحد، والدّلالة واحدة، والرِّواية واحدة أيضاً.
стр. 1136
بل إِنّ هناك ما يؤيِّد المعنى المذكور، وهو الأمر الآخر، وهو أن السَّيدة عائشة ﵂ قد فسّرت المباشرة بما يدلّ على هذا المعنى، وهو قولها في رواية عنها: "كان يباشر وهو صائم، ثمّ يجعل بينه وبينها ثوباً. -يعني: الفرج-" (١).
قلت: [أي: شيخنا ﵀]: "وفي هذا الحديث فائدة هامّة، وهو تفسير المباشرة بأنّه مسّ المرأة فيما دون الفرج،؛ فهو يؤيّد التفسير الذي سبق نقْله عن القاري، وإن كان حطططططكاه بصيغة التمريض: (قيل)؛ فهذا الحديث يدلّ على أنّه قول معتمد، وليس في أدلّة الشّريعة ما ينافيه، بل قد وجدنا في أقوال السّلف ما يزيده قوّة؛ فمنهم راوية الحديث عائشة نفسها ﵂ فَرَوَى الطحاوي (١/ ٣٤٧) بسند صحيح عن حكيم بن عقال أنّه قال:
"سألْتُ عائشة: ما يحرم عليَّ من امرأتي وأنا صائم؟ قالت: فرجها".
وحكيم هذا وثّقه ابن حبان، وقال العجلي: "بصري، تابعي، ثقة".
وقد علّقه البخاري (٤/ ١٢٠) بصيغة الجزم: "باب المباشرة للصائم، وقالت عائشة ﵂: يحرم عليه فرجها".
وقال الحافظ: "وصله الطحاوي من طريق أبي مرّة مولى عقيل عن حكيم ابن عقال ... وإسناده إِلى حكيم صحيح.
ويؤدّي معناه أيضاً ما رواه عبد الرزاق بإِسناد صحيح عن مسروق: سألت
стр. 1137
عائشة: ما يحلُّ للرّجل من امرأته صائماً؟ قالت: كلّ شيء؛ إِلا الجماع". قلت [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-]: وذكَره ابن حزم (٦/ ٢١١) محتجّاً به على من كره المباشرة للصائم.
ثمّ ذكَر ابن حزم عن سعيد بن جبير: "أنّ رجلاً قال لابن عبّاس: إِنّي تزوجت ابنة عمّ لي جميلة، فبُني بي في رمضان، فهل لي -بأبي أنت وأمّي- إِلى قُبْلتها من سبيل؟
فقال له ابن عبّاس: هل تملك نفسك؟ قال: نعم. قال: قبِّل.
قال: فبأبي أنت وأمّي؛ هل إِلى مباشرتها من سبيل؟ قال: هل تملك نفسك؟ قال: نعم، قال: فباشِرها.
قال: فهل لي أن أضرب بيدي على فرجها مِن سبيل؟ قال: وهل تملك نفسك؟ قال: نعم، قال: اضرب".
قال ابن حزم: "وهذه أصحّ طريق عن ابن عبّاس".
قال: "ومن طرق صحاح عن سعد بن أبي وقّاص أنّه سُئل: أتقبِّل وأنت صائم؟ قال: نعم، وأقبض على متاعها.
وعن عمرو بن شرحبيل أنّ ابن مسعود كان يباشر امرأته نصف النّهار وهو صائم، وهذه أصحّ طريق عن ابن مسعود".
قلت [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-]: أثر ابن مسعود هذا أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٦٧/٢) بسند صحيح على شرطهما، وأثر سعد هو عنده بلفظ: "قال: نعم؛ وآخذ بجهازها"، وسنده صحيح على شرط مسلم.
стр. 1138
وأثر ابن عبّاس عنده أيضاً، ولكنّه مختصر بلفظ: "فرخّص له في القبلة والمباشرة ووضع اليد؛ ما لم يعْدُه إِلى غيره"، وسنده صحيح على شرط البخاري.
وروى ابن أبي شيبة (٢/ ١٧٠/١) عن عمرو بن هَرِم قال: "سُئل جابر بن زيد عن رجل نظر إِلى امرأته في رمضان؛ فأمنى من شهوتها؛ هل يفطر؟ قال: لا؛ ويتمّ صومه".
وإِسناده جيّد، وعلّقه البخاري على عمرو بصيغة الجزم، وسكت عنه الحافظ (٤/ ١٥١).
وترجم ابن خزيمة للحديث بقوله: "باب الرخصة في المباشرة التي هي دون الجماع للصائم، والدليل على أنّ اسم الواحد قد يقع على فِعلين أحدهما مباح والآخر محظور"".
وعن عمر بن الخطاب قال: "هَشِشْتُ فقبَّلتُ وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله، صنعت اليوم أمراً عظيماً، قبَّلتُ وأنا صائم.
قال: أرأيتَ لو مضمضتَ من الماء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس به، قال: فمه؟ " (١).
وعن أبي هريرة ﵁ "أنّ رجلا سأل النّبيّ ﷺ ؛ عن المباشرة للصائم، فرخَّص له، وأتاه آخر فنهاه، فإِذا الذي رخَّص له شيخ، والذي نهاه شابٌ" (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: "كان يقبّلني وهو صائم
стр. 1139
وأنا صائمة" (١).
وجاء في "الصحيحة" (١/ ٤٣٠): "والحديث دليل على جواز تقبيل الصائم لزوجته في رمضان، وقد اختلف العلماء في ذلك على أكثر من أربعة أقوال؛ أرجحها الجواز، على أن يراعَى حال المقبِّل؛ بحيث إِنّه إِذا كان شابّاً يخشى على نفسه أن يقع في الجماع الذي يفسد عليه صومه؛ امتنع من ذلك.
وإلى هذا أشارت السيدة عائشة ﵂ في الرواية الآتية عنها: " ... وأيُّكم يملك إِربه؟ ".
بل قد روي ذلك عنها صريحاً؛ فقد أخرج الطحاوي (١/ ٣٤٦) من طريق حريث بن عمرو عن الشّعبي عن مسروق عنها قالت: "ربما قبّلني رسول الله ﷺ وباشرني وهو صائم، أمّا أنتم؛ فلا بأس به للشيخ الكبير الضعيف".
وحريث هذا أورده ابن أبي حاتم (٢/ ٢/٢٦٣) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، بل جاء هذا مرفوعاً من طرق عن النّبيّ ﷺ ؛ يقوّي بعضها بعضاً، أحدها عن عائشة نفسها.
ويؤيده قوله ﷺ : "دع ما يبريبك إِلى ما لا يريبك" (٢).
стр. 1140
ولكن ينبغي أن يُعلم أنّ ذِكر الشيخ ليس على سبيل التحديد، بل المراد التمثيل بما هو الغالب على الشيوخ من ضعف الشهوة، وإلا فالضّابط في ذلك قوّة الشهوة وضعْفها، أو ضعْف الإِرادة وقوّتها.
وعلى هذا التفصيل تُحمل الروايات المختلفة عن عائشة ﵂ فإِنّ بعضها صريح عنها في الجواز مطلقاً؛ كحديثها هذا؛ لا سيّما وقد خرج جواباً على سؤال عمرو بن ميمون لها في بعض هذه الروايات، وقالت: و ﴿لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (١).
وبعضها يدلّ على الجواز حتّى للشّابّ؛ لقولها: "وأنا صائمة"؛ فقد توفِّي عنها رسول الله ﷺ وعمرها (١٨) سنة.
ومِثله ما حدَّثت به عائشة بنت طلحة؛ أنّها كانت عند عائشة زوج النّبيّ ﷺ ، فدخَل عليها زوجها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وهو صائم، فقالت له عائشة: ما منعك أن تدنو من أهلك فتقبِّلها وتلاعبها؟ فقال: أقبّلها وأنا صائم؟! قالت: نعم.
أخرجه مالك (١/ ٢٧٤)، وعنه الطحاوي (١/ ٣٢٧)، بسند صحيح.
قال ابن حزم (٦/ ٢١١): "عائشة بنت طلحة كانت أجمل نساء أهل زمانها، وكانت أيّام عائشة هي وزوجها فتيين في عنفوان الحداثة".
وهذا ومثله محمول على أنّها كانت تأمن عليهما، ولهذا قال الحافظ في "الفتح" (٤/ ١٢٣) -بعد أن ذكَر هذا الحديث من طريق النّسائي-: " ... فقال: وأنا صائم؟! فقبّلني":
стр. 1141
"وهذا يؤيده ما قدّمناه أنّ النّظر في ذلك لمن لا يتأثّر بالمباشرة والتقبيل، لا للتفرقة بين الشاب والشيخ؛ لأنّ عائشة كانت شابّة.
نعم لمّا كان الشابُّ مظنّة لهيجان الشهوة؛ فرّق من فرّق"" انتهى.
قال ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٣/ ٣٩): فيمن قبّل أو لمس: " ... أن يُمني فيفطر بغير خلافٍ نعلمه ... ".
قال الحافظ ﵀ في "الفتح" (٤/ ١٥١): "كذا قال، وفيه نظر، فقد حكى ابن حزم أنّه لا يفطر ولو أنزل، وقوّى ذلك، وذهب إِليه ... ".
وسيأتي -إِن شاء الله تعالى-: (هل الاستمناء بتقبيل الرجل زوجه أو باليد يفسد الصوم)؟
٦ - الحُقنة لغير التغذية
يباح للصائم استعمال الحقنة لغير التغذية.
قال شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٣٣): "وأمّا الكحل والحقنة وما يقطر في إِحليله (١)، ومداواة المأمومة والجائفة؛ فهذا ممّا تنازع فيه أهل العلم، فمنهم من لم يفطّر بشيء من ذلك، ومنهم من فطَّر بالجميع لا بالكحل، ومنهم من فطَّر بالجميع لا بالتقطير، ومنهم من لم يفطِّر بالكحل ولا بالتقطير ويفطِّر بما سوى ذلك.
والأظهر أنّه لا يفطر بشيء من ذلك، فإِنّ الصّيام من دين المسلمين الذي يحتاج إِلى معرفته الخاصّ والعامّ، فلو كانت هذه الأمور مما حرّمها الله
стр. 1142
ورسوله في الصيام، ويفسد الصوم بها، لكان هذا ممّا يجب على الرسول بيانه، ولو ذَكَر ذلك لعلِمه الصحابة وبلّغوه الأمّة؛ كما بلغوا سائر شرْعه، فلمّا لم يَنقُل أحد من أهل العلم عن النّبيّ ﷺ في ذلك لا حديثاً صحيحاً ولا ضعيفاً ولا مسنداً ولا مرسلاً؛ عُلِم أنّه لم يذكر شيئاً من ذلك.
والحديث المرويّ في الكحل ضعيف. رواه أبو داود في "السنن" ولم يروه غيره، ولا هو في مسند أحمد، ولا سائر الكتب المعتمدة".
ثمّ أشار ﵀ إِلى ما رُوي عنه: "أنّه أمر بالإِثمد المروَّح (١) عند النّوم وقال: ليتقه الصائم وبيَّن أقوال بعض العلماء في عدم ثبوته.
وقال ﵀ (ص ٢٤٥): " ... فالصائم نُهِي عن الأكل والشرب؛ لأنّ ذلك سبب التقوّي، فترك الأكل والشرب الذي يُولِّد الدم الكثير الذي يجري فيه الشيطان؛ إِنّما يتولد من الغذاء لا عن حقنة ولا كحل، ولا ما يقطر في الذكَر ولا ما يداوى به المأمومة (٢) والجائفة (٣) ... ".
وسألت شيخنا ﵀ عن الحقنة؛ فبيّن أنّه يرى جوازها لغير التغذية، وأنها تفطّر إِذا كانت للتغذية من أيّ طريق.
٧ - الحجامة
عن ثابت البُنَاني قال: "سُئل أنس بن مالك ﵁ أكنتم
стр. 1143
تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إِلا من أجل الضعف" (١).
عن ابن عبّاس ﵄ "أن النّبيّ ﷺ احتجم وهو صائم" (٢).
وعن ابن عبّاس وعكرمة ﵃ قالا: "الصوم ممّا دخَل وليس ممّا خرَج" (٣).
ولا يعكّر على هذا قوله ﷺ : "أفطر الحاجم والمحجوم" (٤).
قال شيخنا ﵀ في "مختصر البخاري" (١/ ٤٥٥) -بحذف-:
" ... لكنّ الحديث منسوخ، وناسخه حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "أَرْخَص النّبيّ ﷺ في الحجامة للصائم" وهو صحيح كما بينته هناك (٥).
وجاء في "الإِرواء" (٤/ ٧٤): "وفي "الفتح" (٤/ ١٥٥): وقال ابن حزم: صحّ حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" بلا ريب، لكن وجدنا من حديث أبي سعيد: "أرخص النّبيّ ﷺ في الحجامة للصائم". وإسناده صحيح، فوجب الأخذ به، لأنّ الرخصة إِنّما تكون بعد العزيمة، فدل على
стр. 1144
نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجماً أو محجوماً. انتهى.
والحديث المذكور أخرجه النسائي (يعني: في "الكبرى")، وابن خزيمة والدارقطني، ورجاله ثقات، لكن اختُلف في رفعه ووقفه".
قلت [أي: شيخنا ﵀]: قد توبع معتمر عليه.
ثمّ ذكَر الطُّرُق التى تقوّيه وقال (ص ٧٥): "فالحديث بهذه الطرق صحيح لا شكّ فيه، وهو نصٌّ في النسخ، فوجب الأخذ به كما سبق عن ابن حزم ﵀.
ثمّ قال شيخنا ﵀ في التحقيق الثاني "للإِرواء" في الصفحة نفسها: "وروى علي بن حجر في "حديثه" (ق ١٧/ ٢): حدثنا حميد الطويل عن أبي المتوكّل الناجي أنّه سأل أبا سعيد الخدري عن الصائم يحتجم فقال: نعم لا بأس به، وسنده صحيح" (١).
٨ - ما لا يمكن التحرّر منه كابتلاع الريق ؛ فإِنّه لا يفطّر، لأنّ اتّقاء ذلك يشقّ، فأشبه غُبار الطريق وغربلة الدقيق ... (٢).
قال عطاء: "إِن ازْدَرَدَ (٣) ريقه، لا أقول يفطر" (٤).
стр. 1145
ويُباح شمّ الريحان والطيب والادّهان به، ونحو ذلك والأصل في كلّ هذا استصحاب البراءة الأصلية، ولم يَرد نصٌّ في تحريم ذلك من كتاب أو سُنَّة.
٩ - السواك والطيب والادّهان:
يباح السّواك للصائم؛ لعموم قوله ﷺ : "لولا أنْ أشقّ على أُمتي؛ لأمرْتهم بالسِّواك عند كلّ صلاة" (١).
ولقوله ﷺ : " .. لأمرتهم بالسِّواك مع كلّ وضوء ... " (٢).
قال البخاري ﵀ "ولم يخصّ الصائم من غيره" (٣).
ثمّ لاستصحاب البراءة الأصلية، وعدم ورود النهي عن ذلك.
وقال ابن عمر ﵄ "يستاك أوّل النّهار وآخره" (٤).
وقال ابن سيرين: "لا بأس بالسِّواك الرَّطب، قيل: له طعم، قال: والماء له طعم تُمضْمضُ به" (٥).
جاء في "الإِرواء" (١/ ١٠٧): "قال الترمذي: ... إنّ الشافعي لم ير في
стр. 1146
السواك بأساً للصائم أوّل النّهار وآخره، وكرهه أحمد وإِسحاق آخر النّهار.
قلت [أي: شيخنا ﵀]: وفي رواية عن أحمد مثل قول الشافعي، واختارها ابن تيمية في "الاختيارات" وقال (ص ١٠): إِنّه الأصحّ.
قال الحافظ في "التلخيص" (ص ٢٢): "وهذا اختيار أبي شامة وابن عبد السلام والنووي وقال: إِنّه قول أكثر العلماء وتبعهم المزني".
قلت [أي: شيخنا ﵀]: وهو الحقّ لعموم الأدلّة كالحديث الآتي (١) في الحضّ على السواك عند كلّ صلاة، وعند كل وضوء؛ وبه قال البخاري في "صحيحه" (٤/ ١٢٧) ". انتهى.
قال شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٦٦): " ... وأمّا السّواك فجائز بلا نزاع، لكن اختلفوا في كراهيّته بعد الزوال على قولين مشهورين، هما روايتان عن أحمد.
ولم يقم على كراهيّته دليل شرعي يصلح أنْ يخصّ عمومات نصوص السِّواك".
ولا بأس كذلك بالطيب والادّهان، لِمَا تقدّم.
وقال ابن مسعود ﵁: "إِذا كان صوم أحدكم؛ فليصبح دهيناً مترجّلاً" (٢).
стр. 1147
هل يباح ذوق الطّعام ؟
وفي "المغني" (٣/ ٤٦): "قال أحمد: أحبّ إِليّ أنْ يجتنب ذوق الطعام، فإِنْ فعل لم يضرّه ولا بأس به.
قال ابن عبّاس ﵄: "لا بأس أنْ يذوق الطعام: الخلّ والشّيء يريد شراءه" (١).
وقال شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٦٦): "وذوق الطعام يكره لغير حاجة؛ لكن لا يفطّره، وأمّا للحاجة فهو كالمضمضة (٢) ".
المفطّرات
١ - الأكل والشُّرب عمداً عن طريق الفم أو الإِبر المغذّية ونحوه، فإِن أكل أو شرب ناسياً فلا يفطر، ولا قضاء عليه ولا كفّارة.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : "من أكل ناسياً وهو صائم؛ فليُتمّ صومه فإِنّما أطعمه الله وسقاه" (٣).
стр. 1148
وجاء في "الإِرواء" (٤/ ٨٦): "ولفظ أبي داود: "جاء رجل إِلى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله إِنّي أكلت وشربت ناسياً، وأنا صائم؟ فقال: أطعمك الله وسقاك".
وهو (١) رواية للبيهقي وابن حبان (٣٥١٣)، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". وقال الدارقطني وزاد: "ولا قضاء عليه": إِسناده صحيح وكلهم ثقات".
وفيه (ص ٨٧): عن أبي سلمة عنه بلفظ: "من أفطر في شهر رمضان ناسياً، فلا قضاء عليه، ولا كفّارة" (٢).
وفي الحديث: "رُفع عن أمّتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" (٣).
٢ - القيء عمداً، فإِنْ غَلَبَه وسَبَقه؛ فلا قضاء عليه ولا كفّارة.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ذَرَعه (٤)
стр. 1149
القيء وهو صائم، فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمداً فليقض" (١).
قال ابن المنذر ﵀: وأجمعوا على إِبطال صوم من استقاء عامداً. "الإِجماع" (ص ٤٧).
قال الترمذي: "والعمل عند أهل العلم على حديث أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ : أنّ الصائم إِذا ذرعه القيء، فل قضاء عليه، وإذا استقاء عمداً فليقض.
وبه يقول الشافعي، وسفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق".
٣ - الحيض والنّفاس إِذا وقع قبل غروب الشمس ولو بلحظات.
٤ - الجماع، وتجب الكفّارة (٢) الآتي بيانها -إِن شاء الله- في هذا الحديث:
عن أبي هريرة ﵁ قال: "بينما نحن جلوس عند النّبيّ ﷺ ، إِذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هَلَكتُ، قال: مالك؟ قال: وقعت
стр. 1150
على امرأتي وأنا صائم.
فقال رسول الله ﷺ : هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد إِطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا.
قال: فمكث النّبيّ ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أتى النّبيّ ﷺ بعَرَق (١) فيها تمر -والعرق: المِكتَل (٢) - قال: أين السائل؟ فقال: أنا، قال: خُذ هذا فتصدق به.
فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابَتَيها (٣) -يريد الحرَّتيْن- أهل بيتٍ أفقرُ من أهل بيتي، فضحك النّبيّ ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: أطعِمه أهلك" (٤).
أمّا إِذا جامَع ناسياً، فلا يفطر، ولا كفّارة عليه ولا قضاء، مع أنّ تحقّق هذا قد يصعب، لأن أحد الزوجين قد يتذكر، فيذكّر الآخر، كما ذكر ذلك شيخنا ﵀.
стр. 1151
ولكن لا يبعد أن يقع النّسيان من الطرفين، فربّما كانا في عمرة في رمضان، وبعد التحلّل، وقع الجماع لأن الذهن منصرف بالتحلُّل من العمرة ونسيا شهر رمضان.
وقال الحسن ومجاهد: "إِنْ جامَع ناسياً فلا شيء عليه" (١).
على من تقع الكفّارة ؟
اختلف العلماء في ذلك، والراجح وجوبها على الرجل دون المرأة، ففي حديث أبي هريرة ﵁ المتقدّم؛ كان الخطاب للرجل دون المرأة، " ... هل تجدُ رقبةً تعتقها؛ ... هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين، ... خذ هذا فتصدّق به".
جاء في "المغني" (٣/ ٥٨): "وهل يلزمها الكفّارة؟ [أي: مع عدم العُذر] على روايتين:
إِحداهما: يلزمها، وهو اختيار أبي بكر، وقول مالك وأبي حنيفة وأبي ثور وابن المنذر، ولأنّها هتكت صوم رمضان بالجماع، فوجبت عليها الكفّارة كالرّجل.
والثانية: لا كفّارة عليها، قال أبو داود سئل أحمد: من أتى أهله في رمضان أعليها كفّارة؟ قال: ما سمعنا أنّ على امرأة كفّارة.
وهذا قول الحسن، وللشافعي قولان كالروايتين، ووجه ذلك أنّ النّبيّ ﷺ أمر الواطئ في رمضان أنْ يعتق رقبة، ولم يأمر في المرأة بشيء -مع علمه
стр. 1152
بوجود ذلك منها- ولأنّه حقّ يتعلّق بالوطء من بين جنسه، فكان على الرجل كالمهر".
وقال في "نيل الأوطار" (٤/ ٢٩٥): عقب حديث أبي هريرة ﵁ السابق: "قوله: "تصدق بهذا" استدلّ به ... من قال: إِنّ الكفّارة تجب على الرجل فقط، وبه قال الأوزاعي وهو الأصحّ من قولي الشافعي.
وقال الجمهور: تجب على المرأة على اختلافٍ بينهم في الحُرَّة والأَمَة والمطاوعة والمُكرهَة، وهل هي عليها أو على الرجل".
وسألت شيخنا ﵀: هل الكفّارة تقع على الرّجُل في جميع الحالات، أم المتسبّب في الجماع؟
فقال ﵀: الرجل يكفّر في جميع الحالات".
ترتيب الكفّارة كما ورَدَت في الحديث
وتجب الكفّارة كما هي مُرتّبة في الحديث، فيجب العتق أولاً، فإِنْ لم يستطع صام شهرين متتابعين، فإِنْ لم يستطع أطعم ستين مسكيناً.
قال ابن خزيمة -رحمه الله تعالى- في "صحيحه" (٣/ ٢١٦): "باب إِيجاب الكفّارة على المجامع في الصوم في رمضان بالعتق إِذا وجده، أو الصيام إِذا لم يجد العتق، أو الإِطعام إِذا لم يستطع الصوم" ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁.
إِذا تكرّر الجماع، هل تتكّرر الكفّارة ؟
وإذا تكرّر الجماع في يوم آخر؛ تكرّرت الكفّارة؛ لأنّ كل يومٍ عبادة
стр. 1153
مستقلة، كما ذكَر بعض أهل العلم.
وهذا هو الراجح من أقوال العلماء.
وهل يقال لمن يجامع نساءه طوال شهر رمضان نهاراً: عليك كفّارة واحدة؟!
لا تجب الكفّارة على من لم يستطعها
قال ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٣/ ٢٢٠): "باب الدليل على أنّ المجامع في رمضان إِذا ملَك ما يُطعم ستين مسكيناً؛ ولم يملك معه قوت نفسه وعياله، لم تجب عليه الكفّارة".
ثم ذكر خبر أبي هريرة ﵁ "ما بين لابتيها أحوج منّا".
هل يجوز صيام الشهرين متفرّقاً في كفّارة الجماع ؟
لا يجوز ذلك لقوله ﷺ في الحديث المتقدّم: "فهل تستطيع أنْ تصوم الشهرين متتابعين".
قال ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٣/ ٢٢٢): "باب الدليل على أنّ صيام الشّهرين في كفّارة الجماع لا يجوز متفرّقاً؛ إِنِّما يجب صيام شهرين متتابعين".
وذكر الشاهد السابق بلفظ مقارب.
أَمْر المجامع بقضاء صوم يوم مكان اليوم الذي جامع فيه، إِذا لم يجد الكفّارة .
عن أبي هريرة ﵁ أنّ رجلاً جاء النّبيّ ﷺ ، وقد وقع بأهله
стр. 1154
في رمضان، فذكر الحديث، وقال في آخره: "فصم يوماً، واستغفر الله" (١).
هل الاستمناء بمباشرة الرجل زوجه أو باليد يفسد الصوم ؟
قال السيد سابق ﵀ في "فقه السنّهَ" (١/ ٤٦٦) في (ما يبطل الصيام): "الاستمناء سواء أكان سببه تقبيل الرجل لزوجته أو ضمّها إِليه، أو كان باليد، فهذا يبطل الصوم ويوجب القضاء".
قال شيخنا ﵀ في "تمام المِنّة" (ص ٤١٨): "لا دليل على الإِبطال بذلك، وإلحاقه بالجماع غير ظاهر، ولذلك قال الصنعاني: "الأظهر أنه لا قضاء ولا كفّارة إلاَّ على من جامع، وإلحاق غير المجامع به بعيد".
وإليه مال الشوكاني، وهو مذهب ابن حزم، فانظر "المُحلّى" (٦/ ١٧٥ - ١٧٧ و٢٠٥).
وممّا يرشدك إِلى أنّ قياس الاستمناء على الجماع قياس مع الفارق؛ أنّ بعض الذين قالوا به في الإِفطار لم يقولوا به في الكفّارة، قالوا: "لأنّ الجماع أغلظ، والأصل عدم الكفّارة". انظر "المهذب" مع "شرحه" للنووي (٦/ ٣٦٨).
فكذلك نقول نحن: الأصل عدم الإِفطار، والجماع أغلظ من الاستمناء، فلا يقاس عليه فتأمّل.
وقال الرافعي (٦/ ٣٩٦): "المني إِنْ خرَج بالاستمناء أفطر؛ لأنّ الإِيلاج من غير إِنزال مبطل، فالإِنزال بنوع شهوة أولى أن يكون مفطّراً".
стр. 1155
قلت [أي: شيخنا ﵀]: "لو كان هذا صحيحاً؛ لكان إِيجاب الكفّارة في الاستمناء أولى من إِيجابها على الإِيلاج بدون إِنزال، وهم لا يقولون أيضاً بذلك، فتأمّل تناقض القياسين!
أضِف إِلى ذلك مخالفتهم لبعض الآثار الثابتة عن السلف في أنّ المباشرة بغير جماع لا تفطّر ولو أنزل، وقد ذكرْتُ بعضها في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" تحت الأحاديث (٢١٩ - ٢٢١) (١)، ومنها قول عائشة ﵂ لمن سألها: ما يحلّ للرجل من امرأته صائماً؟ قالت: "كلّ شيء إِلا الجماع".
أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٤/ ١٩٠/٨٤٣٩) بسند صحيح، كما قال الحافظ في "الفتح"، واحتج به ابن حزم. وراجع سائرها هناك.
وترجم ابن خزيمة ﵀ لبعض الأحاديث المشار إِليها بقوله في "صحيحه" (٣/ ٢٤٢): "باب الرخصة في المباشرة التي هي دون الجماع للصائم، والدليل على أنّ اسم الواحد قد يقع على فعلين: أحدهما مباح، والآخر محظور، إِذ اسم المباشرة قد أوقعه الله في نصّ كتابه على الجماع، ودلّ الكتاب على أنّ الجماع في الصوم محظور، قال المصطفى ﷺ : أنّ الجماع يفطّر الصائم، والنّبيّ المصطفى ﷺ قد دلّ بفعله على أنّ المباشرة التي هي دون الجماع مباحة في الصوم، غير مكروهة".
وإنّ ممّا ينبغي التنبيه عليه هنا أمرين:
стр. 1156
الأول: أنّ كون الإِنزال بغير جماع لا يفطّر؛ شيء، ومباشرة الصائم، شيء آخر، ذلك أنّنا لا ننصح الصائم وبخاصّة إِذا كان قوي الشهوة؛ أنْ يباشر وهو صائم، خشية أن يقع في المحظور؛ الجماع، وهذا سداً للذريعة المستفادة من عديد من أدلّة الشريعة، منها قوله ﷺ : "ومَن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه".
وكأنّ السيدة عائشة ﵂ أشارت إِلى ذلك بقولها حين روت مباشرة النّبيّ ﷺ وهو صائم: "وأيّكم يملك إِربه؟ ".
والأمر الآخر: أنّ المؤلف لمّا ذكر الاستمناء باليد، فلا يجوز لأحد أن ينسب إِليه أنّه مباح عنده، لأنّه إِنّما ذكَره لبيان أنَّه مبطل للصوم عنده.
وأما حكم الاستمناء نفسه، فلبيانه مجال آخر، وهو قد فصّل القول فيه، في "كتاب النكاح"، وحكى أقوال العلماء، واختلافهم فيه ...
وأمّا نحن؛ فنرى أنّ الحق مع الّذين حرَّموه، مستدلين بقوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إِلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أَيْمانهم فإِنّهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ (١).
ولا نقول بجوازه لمن خاف الوقوع في الزنا، إِلا إِذا استعمل الطبَّ النبوي، وهو قوله ﷺ للشباب في الحديث المعروف الآمر لهم بالزواج:
"فمن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإِنّه له وجاء".
ولذلك فإِننا نُنكر أشد الإِنكار على الذين يُفتون الشباب بجوازه؛ خشية الزنا، دون أن يأمرهم بهذا الطبّ النّبويّ الكريم". انتهى.
стр. 1157
وقال أخي الشيخ مشهور حسن -حفظه الله تعالى- في مقدّمة تحقيقه على "بلوغ المنى في حُكم الاستمنى" للشوكاني ﵀ ملخّصاً ما ذهب إِليه في مسألة الاستمناء-: "إِنْ فعَله ليكسر حدَّة شهوته، وشدّة شبقه فحسب فحرام، فإِنْ كان هذا الفعل لدفع مضرّة الزنى أو اللواط، التي باتت أو كادت [أن تكون] متحققة في حقّه، فهو مباح بعد أن يجرّب الصيام، ويجاهد نفسه، ويتقي الله ما استطاع". انتهى.
قلت: فلا تنظرنّ إِلى كلمة (فهو مباح) حتى تنظر فيما أشار إِليه من الصيام ومجاهدة النفس، والتقوى المستطاعة؛ وهذا يتضمّن التحصُّن بالصلاة الخاشعة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقراءة القرآن، والأذكار، والدعاء والابتهال إِلى الله -سبحانه- أن يصرف عنك مقته وغضبه.
فإِذا اجتمع هذا مع اجتناب الأطعمة والأشربة المثيرة للشهوة، مع غضّ البصر والابتعاد عن الاختلاط وأسباب الفتنة، فإِن النجاة بإِذن الله -تعالى- متحقّقة.
لكن؛ لا بُدّ لنا أن نُذكّر بقول رسول الله ﷺ : "إِن تصدق الله يصدقْك" (١)، وبالله التوفيق.
وجاء في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢١٤): " ... وأمّا من استمنى فإِنه يُفطر".
وتقدم ما جاء في "الصحيحة" (١/ ٤٣٧): "وروى ابن أبي شيبة (٢/ ١٧٠/١) عن عمرو بن هرم قال: سُئل جابر بن زيد عن رجل نظر إِلى امرأته في رمضان فأمنى من شهوتها؛ هل يفطر؟ قال: لا؛ ويتمّ صومه".
стр. 1158
قال شيخنا ﵀: وإسناده جيّد، وعلّقه البخاري على عمرو بصيغة الجزم، وسكت عنه الحافظ (٤/ ١٥١).
وترجم ابن خزيمة للحديث بقوله: "باب الرخصة في المباشرة التي هي دون الجماع للصائم، والدليل على أنّ اسم الواحد قد يقع على فعلين أحدهما مباح والآخر محظور".
وجاء في التعليق على "بلوغ المنى في حُكم الاستمنى" (ص٥٤ - في التعليق): "وقرّر المرغيناني في "الهداية" أنّ الاستمناء لا يفطّر ... ".
وانظر تفصيل الشيخ مشهور -حفظه الله- (ص ٥٤) فإِنه نافع قويّ.
قلت: ومهما يكن مِن أمر؛ فإِنّه لا ينبغي أن نختلف، أو نتفرّق، أو نُوالي، أو نعادي في هذه المسائل.
فهناك من قال من أهل العلم أنّ الاستمناء يفطّر، وهناك من قال أنّه لا يفطّر ولا شكّ أنّه حرام -أي باليد ونحوه- لما ذَكرناه وقدّمناه.
أمّا الاستمناء بضمّ الزوجة ونحو ذلك في الصيام؛ فمن رأى بعد الاطلاع على ما قال أهل العلم أنّ ذلك لا يفطّر فله ذلك، ومن رأى أنّه يفطّر؛ فإِنّ العلماء القائلين بأنّه لا يفطّر؛ لم يوجبوا عليه هذا الفعل.
لكن ليس لأحدٍ أن يُلزم الآخر برأيه، والمهم ألا يتبع المرء هواه، فما دام قد اعتمد على أقوال العلماء، مع بذل الأسباب في معرفة الحقّ والصواب، والتجرّد من الهوى والتعصّب، فقد سدّد وقارب ونجا بإِذن الله -تعالى- وبالله التوفيق.
стр. 1159
قضاء رمضان
من أفطر لعذر شرعي وجب عليه القضاء.
جاء في "الرّوضة النّدية" (١/ ٥٤٧): "يجب على مَنْ أفطر لعذر شرعي أنْ يقضي؛ كالمسافر والمريض.
وقد صرح بذلك القرآن الكريم: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدّة من أيّام أُخر﴾ (١).
وقد ورد في الحائض حديث معاذة عن عائشة ﵂ ... والنفساء مِثلها". [بلفظ: فتؤمر بقضاء الصِّيام ولا تؤمر بقضاء الصّلاة] (٢).
متى يقضى قضاء رمضان (٣)
قال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿فعِدَّة من أيّام أُخر﴾ (٤): في القضاء " ... هل يجب متتابعاً أو يجوز فيه التفريق فيه قولان:
أحدهما: أنّه يجب التتابع، لأنّ القضاء يحكي الأداء.
والثاني؛ لا يجب التتابع، بل إِنْ شاء تابع، وهذا قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل؛ لأن التتابع إِنِّما وجب في الشّهر؛ لضرورة
стр. 1160
أدائه في الشّهر، فأمّا بعد انقضاء رمضان، فالمراد صيام أيام عدّة ما أفطر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فعدّة من أيّام أُخر﴾ ". انتهى.
عن أبي سلمة قال: سمعْتُ عائشة ﵂ تقول: "كان يكون عليَّ الصيام من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلاَّ في شعبان. قال يحيى: الشُّغل من النّبيّ ﷺ أو بالنّبيّ ﷺ " (١).
وقال ابن عبّاس ﵄: "لا بأس أن يُفرِّق؛ لقوله الله تعالى: ﴿فعدّة من أيّام أُخر﴾ (٢).
وعنه ﵄ كذلك في قضاء رمضان: "صُمه كيف شئت"، وقال ابن عمر ﵄ "صُمه كما أفطرته" (٣).
وعن ابن عمر ﵄ في قضاء رمضان-: "يُتابِع بينه" (٤).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: يواتِره (٥) إِن شاء" (٦).