← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الأمور التي يستحبُّ لها الوضوء ١ - عند ذكر الله . عن المهاجر بن قنفذ ﵁: أنَّه أتى النّبيّ ﷺ وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه حتى توضّأ، ثمَّ اعتذرَ إِليه فقال: "إِنِّي كرهْتُ أن أذكر الله إلا على طُهر (أو قال: على طهارة) " (١). وعن أبي الجهيْم ﵁ قال: "أقبل النّبيّ ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه النّبيّ ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثمَّ ردَّ ﵇" (٢). ويندرج الدعاء تحت الذِّكْر، لا سيّما وقد ورد فيه نصٌّ خاصٌّ: ففي حديث أبي موسى ﵁ قال: "لمّا فرغ النّبيّ ﷺ من حنين؛ بعث أبا عامرٍ على جيش إِلى أوطاس، فلقي دريد بن الصِّمَّة، فقُتل دريد، وهزم الله أصحابه. قال أبو موسى: وبعثَني مع أبي عامر، فرُميَ أبو عامر في ركبته، رماه جُشَميٌّ بسهم فأثبته في ركبته، فانتهيت إِليه، فقلت: يا عمِّ! من رماك؟ فأشار إِلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له، فلحقْتُهُ، فلمَّا رآني؛ ولّى، فاتَّبعْتُه وجعلْت أقول له: ألا تستحي؟! ألا تثبت؟! فكفَّ، فاختلفنا ضربتين بالسيف، فقتلتُه، ثمَّ قلت لأبي عامر: قتَل الله صاحبك.

стр. 107

قال: فانزع هذا السهم. فنزعته، فنزا منه الماء (١). قال: يا ابن أخي! أقرِئ النّبيّ ﷺ السلام، وقل له: استغفِر لي. واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيراً ثمَّ مات. فرجعتُ، فدخلتُ على النّبيّ ﷺ في بيته على سرير مُرمَل (٢)، وعليه فراش قد أثّر رِمال السرير بظهره وجَنْبَيْه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقال: قل له: استغفِر لي. فدعا بماء فتوضّأ، ثمَّ رفع يديه فقال: "اللهمّ اغفر لعبيدٍ أبي عامر". ورأيت بياض إِبطيه، ثمَّ قال: "اللهمّ اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس". فقلت: ولي فاستغفر. فقال: "اللهمّ اغفر لعبد الله بن قيس ذنبَه، وأدخلْه يوم القيامة مُدْخَلاً كريماً". قال أبو بردة: إِحداهما لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى" (٣). قال الحافظ: "يُستفاد منه استحباب التّطهير لإِرادة الدعاء، ورفْع اليدين في الدعاء؛ خلافاً لمن خصَّ ذلك بالاستسقاء". ٢ - عند كلِّ صلاة . عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن أشقّ

стр. 108

على أمّتي؛ لأمَرْتهم عند كلِّ صلاة بوُضوء، ومع كلِّ وُضوء بسواك" (١). وعن عبد الله بن عبد الله بن عمر؛ قال: "قلت: أرأيت توضؤ ابن عمر لكلّ صلاة طاهراً وغير طاهر؟ عمَّ ذاك؟ فقال: حدَّثَتنيه أسماء بنت زيد بن الخطَّاب: أنَّ عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر حدّثها: أنَّ رسول الله ﷺ أمر بالوضوء لكلّ صلاة طاهراً وغير طاهر، فلمّا شقَّ ذلك عليه؛ أمَر بالسواك لكل صلاة، فكان ابن عمر يرى أنَّ به قوَّة، فكان لا يدَع الوضوء لكلّ صلاة" (٢). ٣ - الوضوء عند كلّ حدث . لحديث بريدة بن الحصيب؛ قال: "أصبح رسول الله ﷺ يوماً، فدعا بلالاً، فقال: "يا بلال! بما سبقْتني إِلى الجنّة؟! إِنِّي دخلْتُ البارحة الجنّة، فسمعت خشخشتك أمامي". فقال بلال: يا رسول الله! ما أذّنْتُ قطّ إلاّ صلّيت ركعتين، ولا أصابني حدث قطّ إلا توضّأت عنده، فقال رسول الله ﷺ : "لهذا" (٣). ٤ - الوضوء (٤) مِن حَمْل الميت:

стр. 109

لقوله ﷺ : "من غسَّلَ ميتاً؛ فليغتسل، ومن حمله؛ فليتوضّأ" (١). ٥ - الوضوء للجُنب إِذا نام دون اغتسال (٢): وفيه أحاديث منها: عن أبي سلمة؛ قال: سألْتُ عائشة: أكان النّبيّ ﷺ يرقد وهو جُنب؟ قالت: "نعم، ويتوضّأ" (٣). وعن ابن عمر ﵄: أنَّ عمر سألَ رسول الله ﷺ : أيرقد أحدُنا وهو جُنُب؟ قال: "نعم؛ إِذا توضّأ أحدُكم؛ فليرقد وهو جُنُب" (٤). ٦ - الوضوء للجُنب إِذا أراد الأكل . عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إِذا كان جُنُباً، فأراد أن يأكل أو ينام؛ توضّأ وضوءه للصّلاة" (٥).

стр. 110

٧ - المعاودة للجماع . عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدُكم أهله، ثمَّ أراد أن يعود؛ فليتوضّأ" (١). ٨ - الوضوء من القيء . لحديث مَعدان بن أبي طلحة عن أبي الدّرداء: "أنَّ رسول الله ﷺ قاء، فأفطر، فتوضّأ"، فلقيتُ (٢) ثوبان في مسجد دمشق، فذكرْتُ له، فقال (٣): صدق (٤)، أنا صببتُ له وضوءه (٥). ٩ - الوضوء من أكل ما مسّته النار . وقد دلَّ على وجوب الوضوء: ما روته عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ : "توضؤوا ممّا مسّت النَّار" (٦). وأيضاً حديث عبد الله بن إِبراهيم بن قارظ: "أنَّه وجد أبا هريرة يتوضّأ على المسجد، فقال: إِنَّما أتوضّأ من أثوار أقط أكلتها؛ لأنّي سمعتُ رسول الله

стр. 111

- ﷺ يقول: "توضّؤوا ممّا مسَّت النَّار" (١). ثمَّ أورد أهل العلم ما ينسخ هذا (٢)؛ كما فى حديث عمر بن أميّة: أنَّ أباه عمرو بن أميّة أخبره: "أنَّه رأى النّبيّ ﷺ يحتزُّ (٣) من كتف شاة في يده، فدُعي إِلى الصلاة، فألقاها والسكّين التي يحتزّ بها، ثمَّ قام فصلّى ولم يتوضّأ" (٤). وعن جابر قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ : ترْك الوضوء ممّا غيّرت النّار" (٥). ١٠ - عند النوم . لحديث البراء بن عازب ﵀ قال: قال النّبيّ ﷺ : "إِذا أتيت مضجعك؛ فتوضّأ وضُوءك للصّلاة، ثمَّ اضطجعْ على شقِّكَ الأيمن، ثمَّ قُلْ: اللهمَّ أسلمتُ وجهي إِليك، وفوَّضْت أمري إِليك، وألجأتُ ظهري إِليك؛ رغبةً ورهبةً إِليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إِليك، اللهمّ آمنت بكتابك الذي أنزَلْتَ، وبنبيِّك الذي أرسلتَ، فإِنْ مُتَّ من ليلتك؛ فأنت على الفطرة، واجعلهُنّ آخر ما تتكلّمُ به" قال: فردَّدْتها على النّبيّ ﷺ ، فلمَّا بَلَغْتُ: "اللهمَّ آمنتُ بكتابك الذي أنزلْتَ"، قلتُ: "ورسولك" قال: "لا؛ ونبيِّكَ

стр. 112

الذي أرسلتَ" (١)، وقال النووي في "شرحه" (١٧/ ٣٢) باستحبابه. مسألة في الوضوء لمسِّ المصحف: اختلف العلماء في مسِّ المصحف من قِبل المحْدث والجُنُب، وذهبَ الجمهور إِلى منْع ذلك (٢)، واستدلُّوا بحديث: "لا يمسُّ القرآن إلا طاهر" (٣). جاء في "نيل الأوطار" (١/ ٢٥٩): "والحديث يدلُّ على أنَّه لا يجوز مسُّ المصحف إلا لمن كان طاهراً، ولكنَّ الطَّاهر يُطلق بالاشتراك على المؤمن والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر ومن ليس على بدنه نجاسة. ويدلُّ لإِطلاقه على الأوَّل: قول الله تعالى: ﴿إِنَّما المُشْرِكونَ نَجَسٌ﴾ (٤). وقوله ﷺ لأبي هريرة ﵀: "المؤمن لا ينجُس" (٥). وعلى الثاني: ﴿وإِنْ كنْتمْ جُنُباً فاطهَّروا﴾ (٦).

стр. 113

وعلى الثالث: قوله ﷺ في المسح على الخفَّين: "دعْهما؛ فإِنّي أدخلتُهما طاهرتين". وعلى الرابع: الإجماع على الشيء الذى ليس عليه نجاسة حسِّيَّة ولا حُكميَّة يسمى طاهراً، وقد ورَد إِطلاق ذلك في كثير. فمن أجاز حَمْل المشرك على جميع معانيه؛ حمَله عليه هنا، والمسألة مدونة في الأصول، وفيها مذاهب. والذي يترجَّح أن المشترك مُجملٌ فيها، فلا يُعْمَل به حتى يُبيَّن ... وقال: "استدلَّ المانعون للجُنُب بقوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُون﴾ (١)، وهو لا يتمُّ إلا بعْد جعْل الضمير راجعاً إِلى القرآن، والظاهر رجوعُه إِلى الكتاب، وهو اللوح المحفوظ؛ لأنَّه الأقرب، والمطهَّرون الملائكة، ولو سَلِمَ عدم الظُّهور؛ فلا أقلَّ من الاحتمال، فيمتنع العمل بأحد الأمرين، ويتوجَّه الرجوع إِلى البراءة الأصليَّة، ولو سَلِم رجوعه إِلى القرآن على التَّعيين؛ لكانت دلالته على المطلوب -وهو منع الجُنُب من مسِّه- غير مسلَّمة؛ لأنَّ الطاهر من ليس بنجس، والمؤمن ليس بنجس دائماً؛ لحديث "المؤمن لا ينجس"، وهو متَّفق عليه (٢)؛ فلا يصحُّ حمل المطهَّر على من ليس بجُنب أو حائض أو محدَث أو متنجِّس بنجاسة عينيَّة، بل حمْلُه على من ليس بمشرك؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّما المُشْرِكونَ نَجَسٌ﴾ (٣)، لهذا الحديث، والحديث للنهي عن السفر بالقرآن إِلى أرض العدو، ولو سلِم

стр. 114

صِدْق اسم الطَّاهر على من ليس بمحدث حدثاً أكبر أو أصغر؛ فقد عَرَفْتَ أنَّ الراجح كون المشترك مجملاً في معانيه، فلا يعيَّن حتى يبيَّن، وقد دلَّ الدليل ها هنا أنَّ المراد به غيره لحديث: "المؤمن لا ينجس"، ولو سَلِم عدم وجود دليل يمنع من إِرادته؛ لكان تعيينه لمحلِّ النِّزاع ترجيحاً بلا مرجِّح، وتعيينه لجميعها استعمالاً للمشترك في جميع معانيه، وفيه الخلاف، ولو سَلِم رجحان القول بجواز الاستعمال للمشترك في جميع معانيه؛ لما صحَّ؛ لوجود المانع، وهو حديث: "المؤمن لا ينجس". واستدلُّوا بحديث الباب (١)، وأُجيب بأنَّه غير صالح للاحتجاج؛ لأنَّه من صحيفة غير مسموعة، وفي رجال إِسناده خلاف شديد، ولو سَلِم صلاحيته للاحتجاج لعاد البحث السابق في لفظ طاهر، وقد عرفْتَه. قال السيد العلامة محمد بن إِبراهيم الوزير: إِنَّ إِطلاق اسم النجس على المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة أو الحيض أو الحدث الأصغر؛ لا يصحُّ لا حقيقةً ولا مجازاً ولا لغةً، صرَّح بذلك في جواب سؤال، وردَّ عليه، فإِن ثبت هذا؛ فالمؤمن طاهر دائماً؛ فلا يتناوله الحديث، سواء كان جُنُباً أو حائضاً أو محدثاً أو على بدنه نجاسة. فإِن قلت: إِذا تمَّ ما تريد من حمْل الطاهر على من ليس بمشرك؛ فما جوابك فيما ثبت في المتَّفق عليه من حديث ابن عباس أنَّه ﵌ كتب الى هرقل عظيم الروم: أسلِم تسلم، وأسلِم يؤتك الله

стр. 115

أجرك مرَّتين، فإِنْ تولَّيت فإِنَّ عليك إِثم الأريسيين، و ﴿يا أَهْلَ الكتابِ تعالوْا إِلى كَلِمَةٍ﴾ إِلى قوله: ﴿مُسْلِمونَ﴾، مع كونهم جامعين بين نجاستي الشرك والاجتناب، ووقوع اللمس منهم له معلوم. قلت: اجعله خاصّاً بمثل الآية والآيتين؛ فإِنَّه يجوز تمكين المشرك من مسِّ المقدار لمصلحة؛ كدعائه إِلى الإِسلام، ويمكن أن يُجاب عن ذلك بأنَّه قد صدر باختلاطه بغيره لا يحرم لمسه؛ ككُتُب التفسير؛ فلا تخصَّص به الآية والحديث. إِذا تقرَّر لك هذا؛ عرفتَ انتهاض الدَّليل على منع من عدا المشرك. وقد عرفت الخلاف في الجُنُب. وأما المحدث حدثاً أصغر؛ فذهب ابن عباس والشعبي والضَّحَّاك؛ وزيد ابن علي والمؤيَّد بالله والهادوية وقاضي القضاة وداود إِلى أنَّه يجوز له مسُّ المصحف، وقال القاسم وأكثر الفقهاء والإِمام يحيى: لا يجوز، واستدلُّوا بما سَلَف، وقد سَلَف ما فيه" اهـ. وأمَّا القراءة له بدون مسٍّ؛ فهي جائزة اتِّفاقاً، وقد ذَكر ابن أبي شيبة ﵀ في "مصنّفه" آثاراً كثيرة في ذلك (١). قال ابن حزم ﵀ في "المحلَّى" (١/ ١٠٧): "وأمَّا مسُّ المصحف؛ فإِنَّ الآثار التي احتج بها من لم يُجزْ للجنب مسَّه، فإِنَّه لا يصحُّ

стр. 116

منها شيء (١)؛ لأنَّها مُرسلة، وإمَّا صحيفة لا تُسْنَد، وإِمَّا عن مجهول، وإمَّا عن ضعيف، وقد تقصَّيناها في غير هذا المكان". ثمَّ ذكر رسالة النّبيّ ﷺ إِلى هِرَقل عظيم الروم (٢) وما حَوَتْه من الذِّكر ولفظ الجلالة، وتضمُّنها لآية من القرآن الكريم. ثمَّ قال: "فإِن قالوا: إِنِّما بعَث رسول الله ﷺ إِلى هِرَقل آية واحدة! قيل لهم: ولم يمنع رسول الله ﷺ من غيرها، وأنتم أهل قياس، فإِن لم تقيسوا على الآية ما هو أكثر منها؛ فلا تقيسوا على هذه الآية غيرها". ثمَّ ذكر ردّه على من يحتجُّ بقوله تعالى: ﴿لا يَمَسّه إِلاَّ المُطَهَّرونَ﴾ (٣)؛ بأنَّه خبر وليس أمراً، وأنَّنا رأينا المصحف يمسُّه الطَّاهر وغير الطَّاهر، فنعلم أنَّ الله لم يعْنِ المصحف، وإنما عنى كتاباً آخر، وأورد بعض أقوال السَّلف أنَّهم الملائكة الذين في السَّماء. قلت: ومحور الخلاف وأقواه -فيما رأيت- منصبٌّ على فهم حديث: "لا يمسّ القرآن إِلاَّ طاهر"، وقد جاء من طُرق عدَّة ضعيفة، لكن ضعْفها يسير، وبذلك يثبت الحديث بمجموع الطُّرق؛ كما ذعر شيخنا في "الإِرواء" (١٢٢).

стр. 117

بَيْد أنَّ الحديث جاء بلفظ: "وأنت طاهر"، من طريق عثمان بن أبي العاص؛ كما في "الكبير" للطبراني، وفيه من لا يُعْرَف، وابن أبي داود في "المصاحف"، وفيه انقطاع، بل في إِسنادهما كليهما إِسماعيل بن رافع، وهو ضعيف الحفظ؛ كما قال الحافظ ﵀ وبيَّنه شيخنا -حفظه الله- في "الإِرواء". أمَّا رواية عمرو بن حزم؛ فقد جاءت بلفظ: "ألاَّ تمسَّ القرآن إِلاَّ على طُهر"؛ كما في "سنن الدارقطنيّ" (١/ ١٢١) (رقم ١١٠) و (رقم ٤) أيضاً من طريق عبد الرزاق بيْدَ أنَّها وردت فْي "المصنَّف" بلفظ: "لا يمسّ"، فيخشى التصحيف بما جاء في الدَّارقطني والبيهقيّ برقم (١/ ٨٧). قلتُ: فالمسألة تحتاج إِلى تتبُّع واستقصاء، فإِن ثبت لفظ: "وأنت طاهر ... " وما في معناه (١)؛ كان تحريم مسِّ القرآن واضحاً بيِّناً للمحدث والجُنُب والحائض. وجاء في "الإِرواء": "قال إسحاق المروزي في "مسائل الإِمام أحمد" (ص٥): قلت (يعني: لأحمد): هل يقرأ الرجل على غير وضوء؟ قال: نعم، ولكن لا يقرأ في المُصحف ما لم يتوضّأ. قال إِسحاق: كما قال؛ لما صحَّ قول النّبيّ ﷺ : "لا يمسّ القرآن إلا طاهر"، وكذلك فعَل أصحاب النّبيّ ﷺ والتابعون". ثمَّ قال -حفظه الله-: "وممَّا صحَّ في ذلك عن الصحابة ما رواه مصعب

стр. 118

ابن سعد بن أبي وقَّاص: أنَّه قال: كنتُ أمسِك المصحف على سعد بن أبي وقَّاص، فاحتَكَكْتُ، فقال سعدٌ: لعلَّك مسَسْتَ ذكَرَكَ؟ قال: فقلتُ: نعم. فقال: قم فتوضّأ. فقمتُ فتوضَّأتُ ثمَّ رجعتُ، رواه مالك (١/ ٤٢) (رقم ٥٩)، وعنه البيهقيّ، وسنده صحيح". ولم يترجَّح لديَّ شيءٌ في هذا، وإِنَّما أنصحُ بالوضوء لمسِّ القرآن ما وجدَ المرء لذلك سبيلاً، وأسأل الله تعالى أن يلهمنا الحقَّ والصَّواب والرَّشاد، وأن يعافينا من الهوى والتعصُّب والضلال. وأمّا القراءة بلا مسٍّ؛ فجوازه بيِّنٌ قويٌّ، ومن الأدلَّة على ذلك حديث عائشة ﵂: "كان النبيّ ﷺ يذكر الله على كلِّ أحيانه" (١). قال شيخنا في "الصحيحة" (٤٠٦):" ... نعم؛ الأفضل أن يقرأ على طهارة؛ لقوله ﷺ حين ردَّ السلام عَقِب التيمُّم: "إِنِّي كرهت أن أذكر الله إِلاَّ على طهارة"، أخرجه أبو داود وغيره، وهو مَخرَّج في "صحيح أبي داود" (٢٣) ". نواقض الوضوء ١ - ما خَرَج من السّبيلين (٢) (القُبُل والدُّبر) من بول أو مذي أو منيّ أو غائط أو ريح. * أمَّا البول والغائط:

стр. 119

فلقوله تعالى: ﴿ ... أو جاء أحدٌ مِنكُم من الغائط﴾ (١). ولحديث صفوان بن عسّال ﵁: "كان يأمرنا إِذا كنّا سَفْراً (٢) -أو مسافرين-: أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيّام ولياليهن، إلاَّ من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم ... " (٣). * وأمَّا الريح: فلقوله ﷺ : "لا يَقبَل الله صلاة أحدكم إِذا أحدث حتّى يتوضّأ" (٤). ولحديث عبّاد بن تميم عن عمّه: أنَّه شكا إِلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يُخيَّل (٥) إِليه أنَّه يجد الشيء في الصَّلاة، فقال: "لا ينفتل (أو لا

стр. 120

ينصرف) حتى يسمعَ صوتاً (١) أو يجدَ ريحاً" (٢). وفي الحديث: "لا وُضوء إلاَّ من صوت أو ريح" (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: "لا وُضوَء إلاَّ من حدَث" (٤). * وأمَّا المذي: فلحديث علي ﵁ قال: كنت رجلاً مذّاءً، فأمرتُ رجلاً أن يسأل النّبيّ ﷺ -لمكانة ابنتهِ- فسأل، فقال: "توضّأ، واغسل ذَكَرك" (٥). وفي رواية: "إِذا وَجَد أحدكم ذلك؛ فلينضح فرجه، وليتوضّأ وضوءه للصّلاة" (٦). وقوله ﷺ : "من المذي الوضوء، ومن المنيّ الغسل" (٧). * وأما المنيّ: فللحديث المتقدِّم:" ... ومن المنيّ الغسل".

стр. 121

٢ - زوال العقل: لجنون أو إِغماء أو نحوه؛ لأنَّه أبلغ من النّوم. ٣ - مسُّ الفرج بشهوة: لحديث بُسرة بنت صفوان ﵂ عن النّبيّ ﷺ قال: "إِذا مسَّ أحدُكم ذكَره؛ فليتوضّأ" (١). وعن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: "إِذا أفضى أحدُكم بيده إِلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حجاب؛ فليتوضّأ" (٢). وعن طلق بن عليّ؛ قال: سُئل رسول الله ﷺ عن مسِّ الرجل ذكره بعدما يتوضّأ؟ قال: "وهل هو إلاَّ بَضْعة (٣) منه" (٤). وجمَع شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- بين حديث بُسرة وحديث وطلق ﵄ بحمل الأول على المسّ بشهوة والآخر على المسّ بلا شهوة، وقوله ﷺ : "هل هو إلاَّ بَضعة منك؟ " يُشعر بهذا؛ فحين يكون مسّ

стр. 122

الفرج كأيّ جزء آخر من البدن؛ فإِنَّه لا ينقض الوضوء. ٤ - أكْل لحم الإِبل . عن جابر بن سمُرة: "أنَّ رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أأتوضّأ من لحوم الغنم؟ قال: "إِن شئت فتوضّأ، وأن شئت فلا توضّأ". قال: أتوضّأ من لحوم الإِبِل؟ قال: "نعم؟ فتوضّأ من لحوم الإِبِل". قال: أصلّي في مرابض الغنم؟ قال: "نعم". قال: أصلّي في مبارك الإِبل؟ قال: "لا" (١). وعن جابر بن سمُرة ﵁ قال: "كنا نتوضّأ من لحوم الإِبل ولا نتوضّأ من لحوم الغنم" (٢). قال الشوكانى ﵀ فى "الدّراري المضيّة" (ص ٦١): "وقد ذهبَ إِلى انتقاض الوضوء بأكْل لحْوم الإِبل: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى، وابن المنذر، وابن خزيمة، والبيهقيّ، وحُكي عن أصحاب الحديث، وحُكي عن جماعة من الصّحابة؛ كما قال النّوويّ. قال البيهقيّ عن بعض أصحابنا عن الشّافعي؛ أنَّه قال: إنَّ صحّ الحديث في لحوم الإِبل؛ قُلْت به. قال البيهقيّ: قد صحّ فيه حديثان ... ".

стр. 123

٥ - النوم . اختلف أهل العلم في هذه المسألة: * والذين رأَوا عدم نقْضِه استدلّوا بأدّلة؛ منها: قول أنس ﵁: "كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثمَّ يُصلّون ولا يتوضّؤون" (١). وأيضاً ما ثبت عنه: أنَّه قال: "أُقيمت صلاة العشاء، فقال رجل: لي حاجة، فقام النّبيّ ﷺ يناجيه، حتى نام القوم (أو بعض القوم)، ثمَّ صَلَّوا" (٢). جاء في "تمام المنّة" (١٠٠ - ١٠١) بعد حديث أنس: "قد ذكر الحافظ في "الفتح" (١/ ٢٥١) (٣) نحو كلام ابن المبارك هذا، ثمَّ ردّه بقوله: لكن في "مسند البزّار" بإِسناد صحيح في هذا الحديث: "فيضعون جنوبهم، فمنهم من ينام، ثمَّ يقومون إِلى الصَّلاة". قلت (٤): وأخرجه أيضاً أبو داود في "مسائل الإِمام أحمد" (ص ٣١٨) بلفظ: "كان أصحاب النبيّ ﷺ يضعون جنوبهم فينامون، فمنهم من يتوضّأ، ومنهم من لا يتوضّأ"، وإِسناده صحيح على شرط الشيخين.

стр. 124

فهذا اللفظ خلاف اللفظ الأول: "تخفق رؤوسهم" (١)؛ فإِنَّ هذا إِنَّما يكون وهُم جلوس؛ كما قال ابن المبارك. فإِمّا أن يُقال: إِنَّ الحديث مضطرب، فيسقط الاستدلال به. وإِمَّا أن يُجمع بين اللفظين، فيُقال: كان بعضهم ينام جالساً، وبعضهم مضطجعاً، فمنهم من يتوضّأ، ومنهم من لا يتوضّأ، وهذا هو الأقرب؛ فالحديث دليل لمن قال: إِنَّ النّوم لا ينقض الوضوء مُطلقاً، وقد صحّ عن أبي موسى الأشعري وابن عمر وابن المسيّب؛ كما في "الفتح". وهو باللفظ الآخر؛ لا يمكن حمْله على النّوم مُمكِّناً مقعدته من الأرض، وحينئذ؛ فهو مُعارض لحديث صفوان بن عسال المذكور في الكتاب بلفظ: " ... لكن من غائط وبول ونوم" (٢)؛ فإِنَّه يدلُّ على أنَّ النّوم ناقض مُطلقاً؛ كالغائط والبول، ولا شك أنَّه أرجح من حديث أنس؛ لأنَّه مرفوع إِلى النّبيّ

стр. 125

- ﷺ ، وليس كذلك حديث أنس، إِذ من الممكن أن يكون ذلك قبل إِيجاب الوضوء من النّوم. فالحقُّ أنَّ النَّوم ناقضٌ مُطلقاً، ولا دليل يصلح لتقييد حديث صفوان، بل يؤيّده حديث عليّ مرفوعاً:" ... وكاء السَّهِ (١) العينان؛ فمن نام فليتوضّأ"، وإسناده حسن؛ كما قال المنذري والنّووي وابن الصّلاح، وقد بيّنْتُه في "صحيح أبي داود" (١٩٨)؛ فقد أمَر ﷺ كلّ نائم أن يتوضّأ. ولا يعكّر على عمومه -كما ظنَّ البعض- أنَّ الحديث أشار إِلى أنَّ النّوم ليس ناقضاً في نفسه، بل هو مَظِنّة خروج شيء من الإنسان في هذه الحالة؛ فإِنَّا نقول: لمّا كان الأمر كذلك؛ أمَر ﷺ كلّ نائم أن يتوضّأ، ولو كان متمكّناً؛ لأنَّه ﵇ أخبر أن العينين وكاء السَّهِ، فإِذا نامت العينان؛ انطلق الوكاء؛ كما في حديث آخر، والمتمكِّن نائم؛ فقد ينطلق وكاؤه، ولو في بعض الأحوال، كأن يميل يميناً أو يساراً، فاقتضت الحكمة أن يؤمر بوضوء كل نائم، والله أعلم. وما اخترناه هو مذهب ابن حزم (٢). وهو الذي مال إِليه أبو عبيد القاسم بن سلام في قصَّة طريفة حكاها عنه ابن

стр. 126

عبد البرّ فى "شرح الموطّأ" (١/ ٥٧/٢)؛ قال: كنتُ أُفتي أنَّ من نام جالساً لا وضوء عليه، حتى قَعَد إِلى جنبي رجل يوم الجمعة، فنام، فخرجَت منه ريح، فقُلت: قم فتوضّأ. فقال: لم أنَم. فقُلت: بلى، وقد خَرَجَت منك ريحٌ تنقض الوضوء، فجعلَ يحلف بالله ما كان ذلك منه، وقال لي: بل منك خَرَجت! فزايَلْت ما كنت أعتقد في نوم الجالس، وداعيْتُ غلبة النّوم ومخالطته القلب". ثمَّ قال شيخنا -حفظه الله-: " (فائدة هامة): قال الخطابي في "غريب الحديث" (ق ٣٢/ ٢): وحقيقة النوم هو الغشية الثقيلة التي تهجم على القلب فتقطعه عن معرفة الأمور الظاهرة، والناعس هو الذي رهقه ثِقَل، فقطعه عن معرفة الأحوال الباطنة. وبمعرفة هذه الحقيقة من الفرق بين النّوم والنّعاس؛ تزول إِشكالات كثيرة، ويتأكّد القول بأنَّ النّوم ناقض مطلقاً" اهـ. قُلْت: وذكر الحافظ في "الفتح" (١/ ٣١٤) نقْل ابن المنذر وغيره عن بعض الصحابة والتّابعين المصير إِلى أنَّ النوم حَدَث ينقض قليله وكثيره، وهو قول أبي عبيد وِإسحاق بن راهويه، قال ابن المنذر: "وبه أقول؛ لعموم حديث صفوان بن عسال ... ". قال ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (مسألة ١٥٨): "والنّوم في ذاته حَدَث ينقض الوضوء، سواء قلّ أو كثُر، قاعداً أو قائماً، في صلاة أو غيرها، أو راكعاً كذلك، أو ساجداً كذلك، أو متكئاً، أو مضطجعاً؛ أيقنَ من حواليه أنَّه لم يُحدث أو لم يوقنوا".

стр. 127

وقال ﵀ عقب حديث صفوان بن عسّال ﵁: " ... فعمّ ﵇ كلّ نوم، ولم يخصّ قليله من كثيره، ولا حالاً من حال، وسوّى بينه وبين الغائط والبول. وهذا قول أبي هريرة، وأبي رافع، وعروة بن الزبير، وعطاء، والحسن البصري، وسعيد بن المسيّب، وعكرمة، والزهري، والمزني، وغيرهم كثير". باب أمورٌ تُظنّ أنَّها تنقضُ الوضوء وليست كذلك ١ - مسُّ الفرج بلا شهوة كما تقدَّم (١). ٢ - لمْس المرأةِ إِن لم ينزل منه شيء . وفيه أحاديث؛ منها: ما روته عائشة ﵂: "أنَّ النّبيّ ﷺ قَبَّلها ولم يتوضّأ" (٢). وعنها: "أنَّ النّبيّ ﷺ قبّل امرأة من نسائه، ثمَّ خرج إِلى الصَّلاة ولم يتوضّأ" (٣). قال عروة (٤): فقلتُ لها: من هي إلاَّ أنت؟ فضحِكَت.

стр. 128

٣ - خروج الدّم لجرح أو حجامة أو نحو ذلك . ومن الأدلّة على ما تقدَّم معنا ذِكره (١). في قصّة ذلك الأنصاري الذي رماه المشرك بثلاثة أسهم وهو قائم يصلّي، فاستمرَّ في صلاته والدّماء تسيل منه. وتقدَّم أيضاً قول الحسن ﵀: "ما زال المسلمون يُصلون في جراحاتهم". قال الحافظ: "وقد صحّ أنَّ عمر صلّى وجرحُه ينبع دماً" (٢). وقال طاوُس ومحمد بن عليّ وعطاء وأهل الحجاز: ليس في الدّم وضوء (٣).

стр. 129

وعَصَر ابن عمر بَثْرَة (١)، فخرج منها الدَّم، ولم يتوضّأ (٢). وبَزقَ ابنُ أبي أوفى (٣) دماً، فمضى في صلاته (٤). وقال ابن عمر والحسن فيمن يحتجم: ليس عليه إلاَّ غَسْل محاجمه (٥)، ٤ - القيء قلّ أو كَثُر . وذلك لعدم ورود الدّليل الموجب له. وروى مَعدان بن أبي طلحة عن أبي الدّرداء ﵁: "أن النّبيّ ﷺ قاء فتوضّأ، فلقيت (٦) ثوبان في مسجد دمشق، فذكرْت ذلك له فقال (٧):

стр. 130

صدق (١)، أنا صبَبْت له وَضوءه (٢) " (٣). فالحديث لا يدلّ على النقض إِطلاقاً؛ لأنَّه مجرّد فعل منه ﷺ ، والأصل أنّ الفعل لا يدلّ على الوجوب. وغايته أن يدلّ على مشروعيّة التأسّي في ذلك، وأمّا الوجوب؛ فلا بُدّ له من دليل خاصٍّ، وهذا مما لا وجود له هنا (٤). ٥ - الشكّ في الحدث . عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا وجَدَ أحدُكم في بطنه شيئاً، فأشكلَ عليه؛ أخَرَجَ منه شيء أم لا؟ فلا يخرجنّ من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجدَ ريحاً" (٥). وعن عبّاد بن تميم عن عمّه: أنَّه شكا إِلى رسول الله ﷺ الرجلّ الذي يُخيّل إِليه أنَّه يجد الشيء (٦) في الصّلاة، فقال: "لا ينفتل (أو لا ينصرف)

стр. 131

حتّى يسمع صوتاً (١) أو يجد ريحاً" (٢). قال الحافظ ﵀: "هذا الحديث أصل في حُكم بقاء الأشياء على أُصولها حتى يتيقَّن خلاف ذلك، ولا يضّر الشكّ الطارئ عليها، وأخَذَ بهذا الحديث جمهور العلماء" (٣). ٦ - الإِحساس بالنّقطة . وما قيل في الأمر السابق يُقال هنا. وقد سُئل شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ فيما إذا أحسَّ بالنّقطة في صلاته؛ فهل تبطل صلاته؟ فأجاب: "مجرّد الإِحساس لا ينقض الوضوء، ولا يجوز له الخروج من الصّلاة الواجبة بمجرّد الشكّ؛ فإِنَّه قد ثبت عن النّبيّ ﷺ أنَّه سُئل عن الرّجل يجد الشيء في الصَّلاة، فقال: "لا ينصرفُ حتّى يسمعَ صوتاً أو يجدَ ريحاً". وأما إِذا تيقَّن خروج البول إِلى ظاهر الذّكر؛ فقد انتقض وضوؤه، وعليه الاستنجاء؛ إلاَّ أن يكون به سلس البول؛ فلا تبطل الصّلاة بمجرّد ذلك إِذا فعَل ما أُمِر به، والله أعلم" (٤).

стр. 132

٧ - الأخْذ من الشّعر أو الأظفار، وخلْع الخفّين . ولا دليل على الوضوء من ذلك. قال الحسن: "إِنْ أخذ من شعره أو أظفاره وخَلَع خُفّيه، فلا وضوء عليه" (١). ونقل ابن المنذر الإِجماع على ذلك (٢). مسائل في الوضوء ١ - المضمضة باليمين . لحديث حُمران مولى عثمان، وفيه:" ... فأدخل يمينه في الإِناء، فمضمض واستنشق" (٣). ٢ - الاستنثار باليُسرى . عن عليّ ﵁: "أنَّه دعا بوَضوء؛ فتمضمض واستنشق، ونثر بيده اليُسرى، ففعل هذا ثلاثاً، ثمَّ قال: هذا طهور نبيّ الله ﷺ " (٤). ٣ - المضمضة والاستنشاق من غَرفة واحدة . عن عبد الله بن زيد ﵁: "أنَّه أفرَغَ من الإِناء على يديه،

стр. 133

فغسَلهما، ثمَّ غَسَل أو مضمض واستنشق من كفّةٍ (١) واحدة، ففعل ذلك ثلاثاً، فغسل يديه إِلى المرفقين مرَّتين مرَّتين، ومسح برأسه ما أقبل وما أدبر، وغسل رجليه إِلى الكعبين، ثمَّ قال: هكذا وضوء رسول الله ﷺ " (٢). وعن عبد خير؛ قال: رأيتُ عليّاً ﵁ أُتي بكرسي، فقعد عليه، ثمَّ أُتي بكوز من ماء، فغسل يديه ثلاثاً، ثمَّ تمضمض مع الاستنشاق بماء واحدة" (٣). ٤ - المبالغة في المضمضة والاستنشاق إِلا من صيام . عن لقيط بن صبرة: أنَّ النّبيّ ﷺ قال له:" ... وبالغْ في الاستنشاق إلاَّ أنْ تكون صائماً" (٤). ٥ - تخليل اللحية . عن أنس بن مالك ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ كان إِذا توضّأ؛ أخذ كفّاً من ماء، فأدخله تحت حنكه، فخلَّل به لحيته، وقال: "هكذا أمَرني ربي " (٥).

стр. 134

قال شَيخنا -حفظه الله تعالى- بعد أن ذكر قول الشوكاني في "السيل الجرّار" (١/ ٨١) حول وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار: "ثمَّ ذكر مثل ذلك في تخليل اللحية (تحت رقم ٦)، وهو الصواب، وينبغي أن يُقال ذلك في تخليل الأصابع أيضاً؛ لثبوت الأمر به عنه ﷺ ". ٦ - وجوب مسح جميع الرأس . قال الله تعالى: ﴿وامْسَحُوا برؤوسِكُم﴾ (١). وعن عمرو بن يحيى المازنيّ عن أبيه: أن رجلاً قال لعبد الله بن زيد -وهو جدُّ عمرو بن يحيى-: أتستطيع أن تُرِيَني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضّأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم. فدعا بماء فأفرغ على يديه، فغسل مرتين، ثمَّ مضمض واستنثر ثلاثاً، ثمَّ غسل وجهه ثلاثاً، ثمَّ غسل يديه مرتين مرتين إِلى المرفقين، ثمَّ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر؛ بدأ بمقدَّم رأسه حتى ذهب بهما إِلى قفاه، ثمَّ ردَّهما إِلى المكان الذي بدأ منه، ثمَّ غسل رجليه" (٢). وسُئل مالك ﵀: أيجزئ أن يمسحَ بعض الرأس؟ فاحتجّ بحديث عبد الله بن زيد هذا (٣).

стр. 135

وإلى وجوب مسْح جميع الرأس هذا ذهب شيخ الإِسلام ابن تيميّة -رحمه الله تعالى- وذكر أنَّه المشهور من مذهب مالك وأحمد (١). وقال ابن المسيّب: المرأة بمنزلة الرجل، تمسح على رأسها (٢). ٧ - كيف يُمسح الرأس ؟ يُمسح باليدين إِقبالاً وإِدباراً، بادئاً بمقدّم رأسه، حتى يبلغ قفاه: لحديث عبد الله بن زيد:" ... ثمَّ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر؛ بدأ بمقدّم رأسه، حتى ذهب بهما إِلى قفاه، ثمَّ ردّها إِلى المكان الذي بدأ منه ... " (٣). وعن يزيد بن أبي مالك: أنَّ معاوية توضأ للنَّاس كما رأى رسول الله ﷺ يتوضّأ، فلمَّا بلغَ رأسه؛ غَرف غرفةً من ماء فتلقاها بشماله؛ حتى وضعها على وسط رأسه، حتى يقطر الماء أو كاد يقطر، ثمَّ مسح من مقدّمه إِلى مؤخّره، ومن مؤخره إِلى مقدّمه" (٤). ٨ - مسح الرأس مرة واحدة . لحديث عبد الله بن زيد المتقدّم، وهو يتوضّأ وضوء النّبيّ ﷺ ، وفيه:

стр. 136

" ... فمسح رأسه، فأقبَل بهما وأدبَر مرّة واحدة، ثمَّ غسل رجليه إِلى الكعبين". ٩ - مسح الرأس مرتين . لحديث الرُّبَيِّع بنت مُعوّذ عن النّبيّ ﷺ ، وفيه:" ... ومسَح برأسه مرتين ... " (١). ١٠ - مسح الرأس ثلاثاً . فقد صحّ من حديث عثمان ﵁: "أنَّ النّبيّ ﷺ مسح برأسه ثلاثاً" (٢). وقد قال الحافظ في "الفتح" (٣): "وقد روى أبو داود من وجهين صحّح أحدهما ابن خزيمة وغيره في حديث عثمان تثليث مسح الرأس، والزيادة من الثقة مقبولة". وذكر في "التلخيص": أنَّ ابن الجوزي مال في "كشف المشكل" إِلى تصحيح التكرير. قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: "وهو الحقّ؛ لأنَّ رواية المرة الواحدة - وإِن كَثرت- لا تُعارض رواية التثليث؛ إِذ الكلام في أنَّه سنَّة، ومن شأنها أن

стр. 137

تُفعل أحياناً وتُترك أحياناً، وهو اختيار الصنعاني في "سبل السلام"؛ فراجعه إِن شِئت" (١). ١١ - المسح على العمامة . عن بلال ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ مَسَح على الخفّين والخِمار (٢) " (٣). وفي حديث المغيرة بن شُعبة ﵁: "أنَّ النّبيّ ﷺ توضّأ، فمسح بناصيته على العمامة (٤) وعلى الخفيّن" (٥). وعنه ﵁ أيضاً: "أنَّ النّبيّ ﷺ مسح على الخفّين ومُقدَّم رأسه وعلى عمامته" (٦). وعن ثوبان ﵁ قال: "بعثَ رسول الله ﷺ سريّة، فأصابهم البرد، فلمّا قدِموا على رسول الله ﷺ ؛ أمرهم أن يمسحوا على العصائب (٧) والتساخين" (٨).

стр. 138

قال ابن حزم ﵀ بعد أن ذكر بعض الأحاديث في المسْح على العمامة: "فهؤلاء ستة من الصحابة ﵃: المغيرة بن شعبة، وبلال، وسلمان، وعمرو بن أميّة، وكعب بن عجرة، وأبو ذرّ، كلّهم يروي ذلك عن رسول الله ﷺ بأسانيد لا معارض لها ولا مطعن فيها، وبهذا القول يقول جمهور الصحابة والتابعين ... " (١). وقال الصنعاني:" ... كان يمسح على رأسه تارة، وعلى العمامة تارة، وعلى النّاصية والعمامة تارة". ويرى شيخنا -حفظه الله- أنْ يفعل المرء ما يتيسّر له من هذه الحالات. ولا يُشترط في المسح على العمامة لبْسها على طهارة، ولك أن تمسح بلا توقيت ولا تحديد؛ لعدم ورود النصِّ في ذلك. قال ابن حزم ﵀ في "المحلّى" (تحت المسألة: ٢٠٢): "وإنما نصَّ رسول الله ﷺ في اللباس على الطهارة- على الخفيّن، ولم ينصّ ذلك في العمامة والخمار. قال الله تعالى: ﴿لِتُبيِّنَ للنَّاس ما نُزِّلَ إِليْهم﴾ (٢)، ﴿وما كان ربُّكَ

стр. 139

نَسِيّاً﴾ (١). فلو وجب هذا في العمامة والخمار؛ لبيَّنه ﵇ كما بيّن ذلك في الخفّين، ومدّعي المساواة في ذلك بيْن العمامة والخمار وبيْن الخفّين مُدَّعٍ بلا دليل، ويُكلَّف البرهان على صحة دعواه في ذلك. فيُقال له: من أين وجب -إِذ نصَّ ﵇ في المسح على الخفين أنَّه لَبِسهما على طهارة-: أنَّه يجب هذا الحكم في العمامة والخمار؟ ولا سبيل له إِليه أصلاً بأكثر من قضيّة من رأيه؛ وهذا لا معنى له! قال الله تعالى: ﴿قُل هَاتوا بُرْهانَكُم إِنْ كنْتُمْ صَادقينَ﴾ (٢). وقال في الردّ على من يقول بتوقيت المسح على العمامة والخمار (٣): "يقال له: ما دليلك على صحّة ما تذكر من أن يحكم للمسح على العمامة بمثل الوقتين المنصوصَين (٤) في المسح على الخفّين؟ وهذا لا سبيل إِلى وجوده بأكثر من الدّعوى، وقد مسح رسول الله ﷺ على العمامة والخمار، ولم يوقِّت في ذلك وقتاً، ووقّت في المسح على الخفيّن؛ فيلزمنا أن نقول ما قاله ﵇، وأن لا نقول في الدين ما لم يَقُلْه ﵇، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدودُ اللهِ فلا تَعْتَدُوها﴾ (٥) ".

стр. 140

١٢ - مسْح باطن وظاهر الأذنين . عن عبد الله بن عمرو: أنَّ رجلاً أتى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف الطّهور؟ فدعا بماء في إِناء، فغسل كفّيه ثلاثاً، ثمَّ غسل وجهه ثلاثاً، ثمَّ غسل ذراعيه ثلاثاً، ثمَّ مسَح برأسه، فأدخَل إِصْبعيه السبّاحتين (١) في أذنيه، ومسَح بإِبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسبّاحتين باطن أذنيه، ثمَّ غسل رجليه ثلاثاً، ثمَ قال: "هكذا الوُضوء؛ فمن زاد على هذا؛ فقد أساء وظلم"، أو: "ظلم وأساء" (٢). وعن أبي مليكة؛ قال: "رأيت عثمان بن عفّان سُئل عن الوضوء، فدعا بماء، فأُتي بميضأة ... (وذكر الحديث إِلى أن بلغَ:) ثمَّ أدخل يده، فأخذ ماءً فمسح برأسه وأذنيه، فغسل بطونهما وظهورهما مرّة واحدة، ثمَّ غسل رجليه، ثمَّ قال: أين السائلون عن الوضوء؟ هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ" (٣). وفي حديث المقدام بن معديكرب؟ قال: " ... ومسَح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما، -زاد هشام-: وأدخل أصابعه في صِماخ (٤) أذنيه" (٥).

стр. 141

وعن ابن عباس ﵄: "أنَّ النّبيّ ﷺ مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما" (١). ١٣ - مسْح الأذنين بماء الرّأس وجواز أخْذ ماء جديد لهما عند الحاجة . قال المُناوي في شرح حديث: "الأذُنان من الرأس" (٢): "الأذُنان من الرأس، لا من الوجه ولا مستقلّتان؛ يعني: فلا حاجة إِلى أخْذ ماء جديد منفرد لهما غير ماء الرأس في الوضوء، بل يجزئ مسْحهما ببلل ماء الرأس، وإلاَّ لكان بياناً للخلقة فقط، والمصطفى ﷺ لم يُبعث لذلك، وبه قال الأئمة الثلاثة ... "، وذكر مخالفة الشّافعيِّة في ذلك. واحتجّ النَّووي في "المجموع" (١/ ٤١٢) بحديث عبد الله بن زيد ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ أخَذ لأذنيه ماءً خلاف الذي أخذ لرأسه"، وقال: حديث حسن، رواه البيهقيّ وقال: إِسناده صحيح. بيْد أنَّ شيخنا -حفظه الله- بيّن شذوذه في: "الضعيفة" (٩٩٥)، و"صحيح سنن أبي داود" (١١١).

стр. 142

وقال النّووي ﵀ في موطن آخر (١): "وهو حديث صحيح كما سبق بيانه قريباً؛ فهذا صريح في أنَّهما ليستا من الرّأس، إِذ لو كانتا منه؛ لما أخذ لهما ماءً جديداً كسائر أجزاء الرّأس، وهو صريح في أخذ ماء جديد، فيحتجّ به أيضاً على من قال: يمسحمها بماء الرّأس ... ". قال شيخنا -حفظه الله-: "ولا حُجّة فيه على ما قالوا؛ إِذ غاية ما فيه مشروعيّة أخذ الماء لهما، وهذا لا ينافي جواز الاكتفاء بماء الرّأس؛ كما دلَّ عليه الحديث، فاتّفقا ولم يتعارضا. ويؤيد ما ذكرتُ: أنَّه صحّ عنه ﷺ : "أنَّه مسح برأسه من فضل ماءٍ كان في يده". رواه أبو داود في "سننه" بسند حسن كما بيّنته في "صحيح سننه" (١٢١)، وله شاهد من حديث ابن عباس في "المُستدرك" (١/ ١٤٧) بسند حسن أيضاً، ورواه غيره؛ فانظر: "التلخيص الحبير" (ص ٣٣). وهذا كلّه يُقال على فرض التّسليم بصحّة حديث عبد الله بن زيد، ولكنه غير ثابت، بل هو شاذٌّ كما ذكرت في "صحيح سنن أبي داود" (١١١)، وبيّنته في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (تحت ٩٩٥). وجملة القول: فإِنَّه أسعد النَّاس بهذا الحديث من بين الأئمّة الأربعة أحمد ابن حنبل ﵃ أجمعين؛ فقد أخذ بما دلّ عليه الحديث في المسألتين، ولم يأخذ به في الواحدة دون الأخرى كما صنع غيره" (٢) أهـ.

стр. 143

وخلاصة القول التي بدت لي: "جواز مسح الأذنين بماء الرأس، مع جواز أخْذ ماء جديد لهما، إِذا دعت الحاجة لذلك، والله أعلم". ١٤ - عدم ورود المسْح على العُنق . قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: "لم يصح عن النّبي ﷺ أنَّه مسح على عنقه في الوضوء، بل ولا رُوي عنه ذلك في حديث صحيح، بل الأحاديث الصحيحة التي فيها صفة وضوء النبيّ ﷺ لم يكن يمسح على عنقه؛ ولهذا لم يستحبّ ذلك جمهور العلماء؛ كمالك والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبهم، ومن استحبّه؛ فاعتمد فيه على أثر يُروى عن أبي هريرة ﵁ أو حديث يضعُف نقْلُه: "أنَّه مسح رأسه حتى بلغ القذال (١) " (٢)، ومِثل ذلك لا يصح عمدة، ولا يُعارض ما دلّت عليه الأحاديث" (٣). وأما حديث: "مسح الرقبة أمان من الغِلّ"؛ فموضوع (٤).

стр. 144

١٥ - غسل الرِّجلين إِلى الكعبين . عن عمرو بن يحيى عن أبيه قال: "شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله ابن زيد عن وضوء النّبيّ ﷺ : فدعا بتور من ماء، فتوضأ لهم وضوء النّبيّ ﷺ : فأكفأ على يديه من التّور فغسل يديه ثلاثاً، ثمَّ أدخل يده في التّور فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث غرفات، ثمَّ أدخل يده فغسل وجهه ثلاثاً، ثمَّ غسل يديه مرّتين إِلى المرفقين، ثمَّ أدخل يده فمسح رأسه فأقبَل بهما وأدبر مرّة واحدة، ثمَّ غسل رجليه إِلى الكعبين" (١). ١٦ - غَسل الرجلين بغير عدد . لحديث يزيد بن أبي مالك، وفيه: " ... فتوضّأ ثلاثاً ثلاثاً، وغسل رجليه بغير عدد" (٢). ١٧ - تخليل أصابع الرجلين . عن المستورد بن شدَّاد ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ إِذا توضّأ يدلك أصابع رجليه بخِنصره" (٣). وعن ابن عباس ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذا توضّأْتَ، فخلِّل أصابع يديْك ورجليك" (٤).

стр. 145

وعن لَقِيط بن صَبِرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أسبغ الوضوء، وخلِّل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق؛ إلاَّ أن تكون صائماً" (١). ١٨ - الترهيب من النقص في غسل الرجلين . عن سالم مولى شدَّاد؛ قال: دخلَت عليَّ عائشة زوج النّبيّ ﷺ يوم تُوفّي سعدُ بن أبي وقاص، فدخل عبد الرحمن بنُ أبي بكر، فتوضّأ عندها، فقالت: يا عبد الرحمن! أسبغ الوضوء؛ فإِنّي سمعْت رسول الله ﷺ يقول: "ويْلٌ (٢) للأعقاب (٣) من النّار" (٤). وعن جابر ﵁ قال: "أخبرَني عمر بن الخطاب ﵁: أنَّ رجلاً توضّأ، فترك موضع ظُفُر على قدمه، فأبصره النّبيّ ﷺ ، فقال: ارجعْ؛ فأحسِن وضوءك، فرجع ثمَّ صلَّى" (٥).
следующие страницы →