← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٩ - إِذا وقع الفأر في السمن ونحوه: يُلقي الفأر وما حوله، ويؤكَل السمن وما شابهه، هذا إِذا لم يكن في السمن المتبقِّي أثر لنجاسة في طعمٍ أو لونٍ أو رائحة، وإلاَّ؛ ألْقى ما تبقَّى. وحُكم السَّمْن أو الزَّيْت؛ كحُكم الماء ولا فرق، وضابط الأمر يرتبط ببقاء أثرٍ للنَّجاسة أم لا. ولا فرق بين القول في الجامد والمائع؛ إِلا من هذا الباب، وهو بقاء الأثر أو عدمه والله أعلم. قال الزُّهري: "لا بأس بالماء ما لم يغيِّره طعمٌ أو ريحٌ أو لونٌ" (١). وعن ابن عباس ﵄ عن ميمونة: أنَّ رسول الله ﷺ سُئل عن فأرة سقطت فىِ سمن؟ فقال: "ألقوها وما حولها فاطرحوه، وكلوا سمنكم" (٢). وسئل شيخ الإِسلام ﵀ عن الزيت إِذا كان في بئر، ووقع فيه نجاسة، فما الحكم إِذا كان دون القُلَّتين؟ فأجاب ﵀: "إِذا كان أكثر مِن القُلَّتين؛ فهو طاهر عند جمهور العلماء؛ كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم ...

стр. 72

والأظهر أنَّه إِذا لم يكن للنجاسة فيه أثر، بل استهلكت فيه، ولم تغيِّر له لوناً ولا طعماً ولا ريحاً؛ فإِنَّه لا ينجُس، والله أعلم" (١). ١٠ - إِذا كان الماء كثيراً ووقعت فيه نجاسة: إِن كان الماء لم يتغيَّر بالنجاسة؛ فهو طاهر، وِإنْ كانت عين النجاسة باقية؛ أُخِذَتْ منه ونُزِحَتْ وأُلقِيَت، وبهذا يكون سائر الماء طاهراً. جاء في "الفتاوى": "وسُئل ﵀ عن بئر وقع فيه كلب أو خنزير أو جمل أو بقرة أو شاة، ثمَّ مات فيها، وذهَب شعره وجلده ولحْمه، وهو فوق القُلَّتين؛ فكيف يُصنع به؟ فأجاب: الحمد لله، أي بئر وقع فيه شيء ممَّا ذكر أو غيره: إِنْ كان الماء لم يتغيَّر بالنجاسة؛ فهو طاهر، فإِن كانت عين النجاسة باقية؛ نُزِحَتْ منه وأُلقِيَتْ، وسائر الماء طاهر ... وأمّا إِنْ كان الماء قد تغيَّر بالنجاسة؛ فإِنَّه يُنْزَحُ منه حتى يطيب، وإن لم يتغيَّر الماء؛ لم يُنْزَحْ منه شيء ... (وذكر حديث بئر بُضاعة) " (٢). ١١ - الماء القليل إِذا تنجَّس يطهُر بالمكاثرة: وذلك حتى لا يبقى أثرُ ريحٍ أو طعمٍ أو لونٍ لنجاسة، وهذا إِذا تعذَّر التخلُّص من النجاسة؛ لظرف المكان ونحوه، إِذ الأصل إِزالة هذه النجاسة ونضْحها.

стр. 73

١٢ - حبل الغسيل: أما حبْل الغسيل؛ فيطهر إِذا صَعُبَ غسْله بالشمس والريح. "وإن كان سِلكاً يمكنه مسْحه؛ فليَفْعَل" (١). ١٣ - إِذا استحالت النجاسة في الماء ولم يبق لها أثر؛ فإِنَّ الماء طهور: قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ (٢): والصواب هو القول الأول (٣)، وأنه متى عُلم أنَّ النجاسة قد استحالت؛ فالماء طاهر، سواء كان قليلاً أو كثيراً، وكذلك في المائعات كلِّها، وذلك لأنَّ الله تعالى أباح الطيِّبات وحرَّم الخبائث، والخبيث متميِّز عن الطيِّب بصفاته، فإِذا كانت صفات الماء وغيره صفات الطيِّب دون الخبيث؛ وجَبَ دخولُه في الحلال دون الحرام. وأيضاً؛ فقد ثبَت من حديث أبي سعيد ﵁: أنَّ النّبيّ ﷺ قيل له: أتتوضأ من بئر بُضاعة (وهي بئر يلقى فيها الحِيَض (٤) ولحوم الكلاب والنتن)؟ فقال: "الماء طهور لا ينجِّسه شيء" (٥).

стр. 74

وهذا اللفظ عامٌّ في القليل والكثير، وهو عامٌّ في جميع النجاسات. وأمَّا إِذا تغيَّر بالنجاسة؛ فإِنما حرُم استعماله؛ لأنَّ جرْم النجاسة باقٍ، ففي استعماله استعمالها؛ بخلاف ما إِذا استحالت النجاسة؛ فإِنَّ الماء طَهور، وليس هناك نجاسةٌ قائمة. ومما يبيِّن ذلك؛ أنَّه لو وقع خمر في ماء، واستحالت، ثمَّ شربها شارب؛ لم يكن شارباً للخمر، ولم يجب عليه حدُّ الخمر، إِذ لم يبقَ شيء من طعْمها ولونها وريحها، ولو صُبَّ لبن امرأة في ماء، واستحال، حتى لم يبقَ له أثر، وشرب طفلٌ ذلك الماء؛ لم يَصِرْ ابنها من الرضاعة بذلك. وأيضاً؛ فإِنَّ هذا باق على أوصاف خلقته، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿ ... فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾؛ فإِنَّ الكلام إِنَّما هو فيما لم يتغيَّر بالنجاسة؛ لا طعمه، ولا لونه، ولا ريحه". وبه قال الشوكاني ﵀ في "السيل الجرَّار". وقال شيخ الإِسلام ﵀ في "الفتاوى" (٢١/ ٦١١): " ... وعلى هذا؛ فدخان النار الموقدة بالنجاسة طاهر، وبخار الماء النَّجس الذي يجتمع في السقف طاهر". "وسئل ﵀ عن استحالة النجاسة؛ كرماد السِّرجين (١) والزّبل النَّجس تصيبه الريح والشمس فيستحيل تراباً؛ فهل تجوز الصلاة عليه أم لا؟ فذَكَر أنَّ فيها قولين في مذهب مالك وأحمد، أحدهما أنَّ ذلك طاهر، وهو قول أبي حنيفة وأهل الظاهر وغيرهم، وهذا القول هو الراجح.

стр. 75

وقال ﵀: فأمَّا الأرض إذا أصابها نجاسة؛ فمن أصحاب الشافعي وأحمد من يقول: أنَّها تطهُر، وإن لم يقل بالاستحالة؛ ففي هذه المسألة مع مسألة الاستحالة ثلاثة أقوال، والصواب الطهارة في الجميع" (١). رابعاً: هل الماء متعيّن في إِزالة النجاسة: الماء متعيّن لإِزالة النجاسة؛ إلاَّ ما ورد فيه النصُّ؛ كالثوب يطهِّره المرور على أرض طاهرة، والنِّعال بالتراب ... ونحو ذلك. قال شيخنا الألباني -حفطه الله-؛ -بعد حديث "حُكِّيه بضِلْع، واغسليه بماء وسِدْر" (٢) -: يُستفاد من هذه الأحاديث أحكام كثيرة، أذكر أهمَّها: .... أنَّ النجاسات إِنَّما تُزال بالماء دون غيره من المائعات؛ لأنَّ جميع النجاسات بمثابة دم الحيض، ولا فرق بينه وبينها اتِّفاقاً، وهو مذهب الجمهور، ومذهب أبو حنيفة إِلى أنَّه يجوز تطهير النجاسة بكل مائع طاهر. قال الشوكاني: والحقُّ أنَّ الماء أصْلٌ في التطهير؛ لوصفه بذلك كتاباً وسُنَّةً مطلقاً غير مقيَّد، لكن القول بتعيُّنه وعدم إِجزاء غيره يردُّه (٣). مسْح النعل، وفرْك المنيِّ (٤) وإماطته بإِذخِرة ...

стр. 76

وأمثال ذلك كثير، فالإِنصاف أن يُقال: إِنَّه يطهَّر كلُّ فرد من أفراد النجاسات المنصوص على تطهيرها بما اشتمل عليه النصُّ، لكنَّه إِنْ كان ذلك الفرد المحال عليه هو الماء؛ فلا يجوز العدول إِلى غيره؛ للمزيَّة التي اخُتصَّ بها، وعدم مساواة غيره له فيها، وإنْ كان ذلك الفرد غير الماء؛ جاز العدول عنه إِلى الماء لذلك، وإنْ وجد فرد من أفراد النجاسة لم يقع من الشارع الإِحالة في تطهيره على فرد من أفراد المطهِّرات، بل مجرد الأمر بمطلق التطهير، فالاقتصار على الماء هو اللاَّزم؛ لحصول الامتثال به؛ للقَطع، وغيره مشكوك فيه، وهذه طريقة متوسِّطة بين القولين، لا محيص من سلوكها". قال شيخنا: "وهذا هو التحقيق، فشُدَّ عليه بالنَّواجذ. وممَّا يدلُّ على أنَّ غير الماء لا يجزئ في دم الحيض: قوله ﷺ في الحديث الثاني: "يكفيك الماء"؛ فإِنَّ مفهومه أنَّ غير الماء لا يكفي، فتأمَّل" (١). قال الحافظ تعليقاً على حديث عليٍّ ﵀: "كنتُ رجلاً مذَّاء": "واستدلَّ به ابن دقيق العيد على تعيُّن الماء فيه دون الأحجار ونحوها؛ لأنَّ ظاهره يعيِّن الغسل، والمعيَّن لا يقع الامتثال إلا به، وهذا ما صحَّحه النوويُّ في "شرح مسلم"" (٢). وقال الشوكاني ﵀ في "الدَّراري المضيَّة" (١/ ٣٠):

стр. 77

"ويطهُرُ ما تنجَّس بغسله حتى لا يبقى عينٌ ولا لونٌ ولا ريحٌ ولا طعمٌ، والنَّعل بالمسح، والاستحالة مطهِّرة؛ لعدم وجود الوصف المحكوم عليه، وما لا يمكن غسله؛ فبالصبِّ عليه أو النَّزح منه حتى لا يبقى للنجاسة أثر، والماء هو الأصل في التطهير، فلا يقوم غيره مقامه؛ إلا بإِذن من الشارع". آداب التخلِّي وقضاء الحاجة ١ - أن يبتعد عن الناس ويستتر منهم: عن المغيرة بن شعبه ﵁: أنَّ النّبيّ ﷺ : "كان إذا ذَهَب المذهب أبْعَدَ" (١). وعن جابر بن عبد الله: أنَّ النّبيّ ﷺ : كان إذا أراد البَراز (٢)؛ انطلق حتى لا يراه أحد" (٣). وعن ابن عمر ﵄ قال: "كان يذهب لحاجته إلى

стр. 78

المُغمَّس". قال نافع: المغمَّس: ميلين أو ثلاثة من مكة (١). وعن يعلى بن مُرَّة عن أبيه ﵁ قال: "كنتُ مع النّبيّ ﷺ في سفر، فأراد أن يقضي حاجته، فقال لي: "ائت تلك الأشاءتين (قال وكيع: يعني: النخل الصِّغار)، فقل لهما: إِنَّ رسول الله ﷺ يأمركما أن تجتمعا"، فاجتمعتا، فاستتر بهما، فقضى حاجته، ثم قال لي: "ائتهما، فقل لهما: لترجعْ كلُّ واحدة منكما إِلى مكانها"، فقلتُ لهما، فرجعتا (٢). ٢ - أن لا يتخلَّى في الطُّرق والظِّلال والموارد: عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "اتَّقوا اللَّعَّانَيْن" (٣). قالوا: وما اللَّعَّانان يا رسول الله؟ قال: "الذي يتخلَّى (٤) في طريق الناس أو في ظلِّهم (٥) " (٦).

стр. 79

وعن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اتَّقوا الملاعن الثلاث: البِراز (١) في الموارد، وقارعة الطريق (٢)، والظلّ" (٣). ٣ - أن لا يبول في الماء الراكد أو المستحم: عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ : "أنَّه نهى أن يُبال في الماء الرَّاكد" (٤). وعن عبد الله بن مُغفَّل ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يبولنَّ أحدُكم في مستحمِّه، ثم يغتسل فيه" (٥). ٤ - جواز البول في الإِناء أو الطَّست لمرض أو برد أو نحو ذلك: عن أميمة بنت رقيقة ﵂ قالت: "كان للنبي ﷺ قَدَح من عيدان؛ يبول فيه، ويضعه تحت السرير" (٦).

стр. 80

وعن إِبراهيم عن الأسود؛ قال: ذكروا عند عائشة أنَّ عليّاً ﵄ كان وصيّاً، فقالت: "متى أوصى إِليه، وقد كنتُ مسنِدَتَه إِلى صدري -أو قالت: حَجري-، فدعا بالطَّسْت (١)، فلقد انخنث (٢) في حَجري، فما شعرتُ أنَّه قد مات، فمتى أوصى إِليه؟! " (٣). ٥ - ألا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض حتى لا تنكشف عورته: لحديث ابن عمر ﵄: "أنَّ النّبيّ ﷺ كان إِذا أراد حاجة؛ لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض" (٤). ٦ - أن يقول عند دخول الخلاء: "بسم اِلله، اللهمَّ إني أعوذ بك من الخبُث والخبائث ": لقوله ﷺ : "سَتْر ما بين الجنِّ وعورات بني آدم إِذا دَخَلَ الخلاء أن يقول: بسم الله" (٥). ولحديث عبد العزيز بن صهيب؛ قال: سمعتُ أنساً يقول: "كان النّبيّ ﷺ إِذا دخل الخلاء؛ قال: "اللهمَّ إِني أعوذ بك من الخُبُث" (٦)

стр. 81

والخبائث (١) " (٢). ٧ - عدم استقبال القبلة: عن أبي أيُّوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا أتى أحدُكم الغائط؛ فلا يستقبل القبلة، ولا يولِّها ظهرَه، شرِّقوا أو غرِّبوا (٣) " (٤). وعن سلمان ﵁ قيل له: قد علَّمكم نبيُّكم كلَّ شيء، حتى الخِراءة (٥). قال: فقال: "أجل؛ لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو نستنجيَ باليمين، أو أن نستنجيَ بأقلَّ من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجيَ برجيع (٦) أو بعظم" (٧).

стр. 82

قال ابن حزم -رحمه الله تعالى-: "ولا يجوز استقبال القبلة واستدبارها للغائط والبول؛ لا في بنيان، ولا في صحراء، ولا يجوز استقبال القبلة فقط كذلك في حال الاستنجاء. (ثمَّ ذكر حديث أبي أيوب ﵁ وغيره، وذكر أيضاً من قال بذلك من السَّلَف) " (١). وعن يحيى بن يحيى؛ قال: قلتُ لسفيان بن عيينة: سمعتَ الزُّهريَّ يذكر عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب: أنَّ النّبيّ ﷺ قال: "إِذا أتيتُم الغائط؛ فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببولٍ ولا غائط، ولكنْ شرِّقوا وغرِّبوا". قال أبو أيوب: "فقَدمْنا الشام؛ فوَجَدْنا مراحيضَ قد بُنِيَت قِبَل القِبلةِ، فننحرف عنها ونستغفر اللَّه؟ قال: نعم (٢) " (٣). وربَّما يُشْكِل على البعض حديث ابن عمر ﵄ قال: "ارتقَيْتُ فوق بيت حفصةَ لبعض حاجتي، فرأيتُ رسولَ الله ﷺ يقضي حاجَتَه مُسْتَدْبِرَ القِبلة مستقبِلَ الشام" (٤). وقول مروان الأصفر: "أناخَ ابنُ عُمر بعيرَه مستقبلَ القِبلة، ثمَّ جَلَس يبولُ

стр. 83

إِليها، فقلتُ (١): يا أبا عبد الرحمن! أليس قد نُهِيَ عن هذا؟ قال: بلى؛ إِنَّما نُهِيَ عن هذا في الفضاء، أمَّا إِذا كان بينك وبينَ القِبلة شيءٌ يستُرُك؛ فلا بأسَ" (٢). فالجواب عن ذلك: "١ - إِنَّ كل النصوص المتعلِّقة بالموضوع لا تعدو أن تكون قوليَّة أو فعليَّة، سوى أثر ابن عمر، وهو موقوف، ولا يُعارَض المرفوع بالموقوف؛ كما هو معلوم. ٢ - إِذا تعارضَ قولٌ وفِعلٌ؛ قُدِّم القول على الفعل؛ كما هو مقرَّر في علم الأصول، والقول يأمر بعدم استقبال القِبّلة أو استدبارها ببولٍ أو غائط. ٣ - إِذا تعارَضَ حاظِرٌ ومُبيحٌ؛ قدِّمَ الحاظر على المُبيح. ٤ - لقد ثبتَ النَّهي عن البصقِ تجاه القبلة؛ كما في الحديث: "من تَفَلَ تجاه القِبلة؛ جاء يومَ القيامة وتفلتُه بينَ عينيه" (٣). ومن هذا الحديث يُستَنْبَط أنَّ النَّهي عن استقبال القبلة ببول أو غائطٍ؛ إِنَّما هو مطلقٌ يشمل الصحراء والبُنيان؛ لأنَّه إِذا أفاد الحديث أنَّ البصقَ تجاه القِبلة لا يجوز مُطلقاً؛ فالبول والغائط مستقبلاً لها لا يجوز بالأولى" (٤).

стр. 84

٨ - التحفُّظ من البول كي لا يصيبَ البدن والثياب، والتَّغليظ في ترك غسْله إِذا أصاب البدن والثياب (١): عن ابن عباس ﵄ قال: "مرَّ النّبيّ ﷺ بحائط (٢) من حيطان المدينة -أو مكة-، فَسَمع صوت إِنسانين يعذَّبان في قبورهما، فقال النّبيّ ﷺ : "يُعذَّبان، وما يُعَذَّبان في كبير"، ثمَّ قال: "بلى، كان أحدهما لا يستتر (٣) من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة" (٤). ٩ - عدم الاستنجاء باليمين: وذلك لما سبق في حديث سلمان: " ... نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجيَ بأقلّ من ثلاثة أحجار" (٥). وعن عائشة ﵂ قالت: "كانت يد رسول الله ﷺ اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وكانت اليُمنى لوضوئه ولمَطعمه" (٦). وعن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا شرب أحدُكم؛ فلا يتنفَّس في الإِناء، وإذا أتى الخلاء؛ فلا يمسّ ذكره بيمينه، ولا

стр. 85

يتمسَّح بيمينه (١) " (٢). وعنه أيضاً؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا دخل أحدُكم الخلاء؛ فلا يمسَّ ذَكَرَة بيمينه" (٣). ١٠ - الاستنجاء بالماء: عن أنس بن مالك قال: "كان النّبيّ ﷺ إِذا خرجَ لحاجته؛ أجيء أنا وغلام معنا إِداوة (٤) من ماء؛ يعني: يستنجي به" (٥) .... وعنه ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يتبرَّز لحاجته، فآتيهِ بالماء، فيَتَغَسَّلُ به" (٦). ١١ - إِذا استجمر بالحجارة؛ فلا يجْعَلْها أقلَّ من ثلاثة: لحديث سلمان المتقدِّم: "نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول ... أو أن نستنجيَ بأقل من ثلاثة أحجار". وأيضاً؛ لحديث أبي هريرة ﵁: " ... وكان يأمر بثلاثة

стр. 86

أحجار، وينهى عن الرَّوث والرِّمَّة" (١). ولقوله ﷺ : "إِذا ذهب أحدكم إِلى الغائط؛ فليستطب بثلاثة أحجار؛ فإِنَّها تجزئ عنه" (٢). ١٢ - عدم الاستنجاء بالرَّوث أو العظم: عن أبي هريرة ﵁ قال: اتَّبعتُ النّبيّ ﷺ وخرج لحاجته، فكان لا يلتفت، فدنوتُ منه، فقال: "ابغني أحجاراً أستنفضُ بها -أو نحوه-، ولا تأتني بعظم ولا روث"، فأتيتُه بأحجارٍ بطرف ثيابي، فوضعتُها إِلى جنبه، وأعرَضْتُ عنه، فلما قضى؛ أتْبَعَه بهنَّ" (٣). وعن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه: أنَّه سمع عبد الله يقول: أتى النّبيُّ ﷺ الغائطَ، فأمَرَني أن آتيَه بثلاثة أحجار، فوجدتُ حجرين، والتمست الثالث؛ فلم أجده، فأخذتُ روثةً، فأتيتُه بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: "هذا رِكْس (٤) " (٥).

стр. 87

وعن جابر ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يُتمسَّح بعظْم أو ببعْر" (١). وعلَّل رسول الله ﷺ سبب نهيه عن الاستنجاء بالرَّوث والعظام، لأنَّه زاد إِخواننا من الجنِّ، كما في حديث ابن مسعود ﵁ عن النّبيّ ﷺ ؛ قال: "لا تستنجوا بالرَّوث ولا بالعظام؛ فإِنَّه زاد إِخوانكم من الجنِّ" (٢). ١٣ - عدم ردِّ السلام عند قضاء الحاجة: عن ابن عمر- ﵄: "أنَّ رجلاً مرَّ ورسول الله ﷺ يبول، فسلَّم، فلم يردَّ عليه" (٣). وعن المهاجر بن قنفذ ﵁: أنَّه أتى النّبىّ ﷺ وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه حتى توضَّأ، ثمَّ اعتذر إِليه، فقال: "إِنِّي كرهتُ أن أذكر الله إِلا على طهر (أو قال: على طهارة) " (٤). ١٤ - أن يقول عند الخروج من الخلاء: غفرانك: كما في حديث عائشة ﵂ قالت: "كان النّبيّ ﷺ إِذا

стр. 88

خرج من الخلاء، قال: غُفرانك" (١). ١٥ - دلْك اليد بالأرض بعد الاستنجاء: عن أبي هريرة ﵁: "أنَّ النّبيّ ﷺ قضى حاجته، ثمَّ استنجى من تور، ثمَّ دَلَكَ يده بالأرض" (٢). واستعمال الصابون ونحوه يجزئ عن ذلك. هل يجوز التبوُّل قائماً ؟ لقد وَرَدَ عن عائشة ﵂ قولُها: "من حدَّثكم أنَّ النّبيّ ﷺ كان يبولُ قائماً، فلا تصدِّقوه، ما كان يبولُ إلا قاعداً" (٣). وما بَدَر عن عائشة ﵂ نفيٌ، وقد حدَّثَتْ بما عَلِمَتْ. وقد ورَدَ الإِثبات من حُذيفة ﵁ وحدَّث بما عَلِمَ، فنُقدِّمه على النفي، وذلك بقوله: "أتى النّبيّ ﷺ سُباطَةَ (٤) قومٍ، فبال قائماً" (٥). ومن علم حجَّة على من لم يعلم.

стр. 89

قال الحافظ في "الفتح" (١/ ٣٣٠): "وقد ثَبَتَ عن عُمر وعليٍّ وزيد بن ثابت وغيرهم: أنَّهم بالوا قياماً، وهو دالٌّ على الجواز من غير كراهة إِذا أمِنَ الرَّشاش، والله أعلم، ولم يثبُتْ عن النّبيّ ﷺ في النَّهي عنه شيءٌ (١)؛ كما بيَّنتُه في أوائل شرح التِّرمذي، والله أعلم". أمَّا قولُ عمر ﵁: "ما بُلْتُ قائماً منذُ أسلمتُ" (٢)؛ فَيُقابل بقول زيد ﵁: "رأيتُ عُمر بال قائماً" (٣). قال شيخنا- حفظه الله-: "ولعلَّ هذا وقع من عمر ﵁ بعد قوله المتقدِّم، وبعدما تبيَّن له أنَّه لا شيء في البول قائماً" اهـ. فخُلاصة القول كما قال الحافظ ﵁: "جواز البول قائماً من غير كراهة إِذا أمِنَ الرَّشاش".

стр. 90

الوضوء الوُضوء (بالضمّ): الفِعْل، وبالفتح (الوَضوء): ماؤه، ومصدر أيضاً، أو لُغتان قد يُعني بهما المصدر وقد يُعني بهما الماء (١). قال الحافظ (٢): "وهو مشتقٌّ من الوَضاءَة، وسُمّي بذلك لأنَّ المصلّي يتنظّف به فيصير وضيئاً". فضل الوُضوء عن نعيم المُجمِر؛ قال: رَقِيتُ (٣) مع أبي هريرة ﵁ على ظهْر المسجد فتوضّأ فقال: إِنّي سمعْت النّبيّ ﷺ يقول: "إِنَّ أمَّتي (٤) يُدعوَن يوم القيامة غُرّاً (٥) مُحَجَّلينَ (٦) من آثار الوُضوء" (٧).

стр. 91

وعن أبي مالك الأشعريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الطُّهورُ (١) شَطر الإِيمان" (٢). وعن حُمران مولى عثمان عن عثمان ﵁ قال: رأيتُ رسول الله ﷺ توضّأ مثل وُضوئي هذا، ثمَّ قال: "من توضّأ هكذا؛ غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إِلى المسجد نافلة" (٣). وعنه أيضاً؛ قال: سمِعْتُ عثمان وهو بفناء (٤) المسجد، فجاءه المؤذّن عند العصر، فدعا بوَضوء فتوضّأ، ثمَّ قال: والله لأحدّثنّكم حديثاً (٥)؛ لولا آية

стр. 92

في كتاب الله ما حدَّثْتُكُم: إِنّي سمِعْت رسول الله ﷺ يقول: "لا يتوضّأ رَجُلٌ مسلم فيُحسنُ الوُضوء، فيصلّي صلاةً، إلاَّ غَفَرَ الله له ما بينه وبين الصلاة التي تليها". "قال عُروة: الآية: ﴿إِنَّ الذين يكْتُمونَ ما أنْزَلْنا من البيِّنات والهدى﴾ إِلى قوله: ﴿اللاّعِنونَ﴾ (١) " (٢). وعن عثمان بن عفّان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أتمَّ الوُضوءَ كما أمَره الله تعالى؛ فالصّلوات المكتوبات كفّارات لما بينهنَّ" (٣). وعن حُمران مولى عثمان قال: توضّأ عثمانُ بنُ عفّانَ وُضوءاً حسناً، ثمَّ قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضّأ فأحسن الوُضوء، ثمَّ قال: "من توضّأ هكذا، ثمَّ خرج إِلى المسجد لا ينهزُه (٤) إلا الصّلاة، غُفر له ما خلا من ذنبه" (٥). وعن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذا توضأ العبد المسلم (أو المؤمن)، فغَسل وجهه؛ فخرج من وجهه كلُّ خطيئة نظر

стр. 93

إِليها بعينيه مع الماء (أو آخر قَطرْ الماء)، فإِذا غسل يديه؛ خرج من يديه كلُّ خطيئة كان بطَشَتها (١) يداه مع الماء (أو آخر قطر الماء)، فإِذا غسل رجليه؛ خرجت كلُّ خطيئة مشتها رجلاه مع الماء (أو آخر قطر الماء)، حتى يخرُج نقيّاً من الذّنوب" (٢). وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضّأ فأحسن الوُضوء؛ خَرجت خطاياه من جسده، حتى تخرج من تحت أظفاره" (٣). الوضوء شرط من شروط الصلاة قال تعالى: ﴿يا أيّها الذين آمنوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاة فاغْسلُوا وُجوهَكُم وأيْديَكُم إِلى المرافقِ وامْسَحُوا برؤوسكُم وأرجُلَكُمَ إِلى الكعْبَيْن﴾ (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُقبل (٥) صلاةُ من أحدثَ حتى يتوضّأ ".

стр. 94

قال رجلٌ من حضرَمَوت: ما الحدث (١) يا أبا هريرة؛ قال: فُساء أو ضُراط. وعن مصعب بن سعد ﵁ قال: "دَخَل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعودُه وهو مريض، فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر؟ قال: إِنّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا تُقبل صلاة بغير طُهور، ولا صدقةٌ من غُلُول (٢) " وكنتَ على البصرة" (٣) (٤).

стр. 95

وعن عليّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مِفتاحُ الصلاة الطَّهور، وتحريمها التّكبير، وتحليلها التّسليم" (١). فرائض الوضوء ١ - النِّيَّة لحديتَ عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعْت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّما الأعمال بالنِّيَّات، وإِنَّما لكلّ امرئ ما نوى" (٢). والنّيّة: القصد والعزم، ومحلّها القلب، والتلفّظ بها بدعة. ٢ - التَّسمية لحديث أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ ؛ قال: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه" (٣). قال الحافظ المنذري ﵁ في "الترغيب": " ... وقد ذهب الحسن وإِسحاق بن راهويه وأهل الظَّاهر؛ إِلى وجوب التَّسمية في الوضوء؛

стр. 96

حتى إِنَّه إِذا تعمَّد ترْكها؛ أعاد الوضوء، وهو رواية الإِمام أحمد ... ". وهو من اختيار صدّيق خان، والشوكاني كما في "السيل الجرّار" (١/ ٧٦ - ٧٧)، و"الدّراري المضيّة" (١/ ٤٥)، وبه يقول شيخنا الألباني -حفظه الله- في "تمام المنّة" (ص٨٩). ٣ - المضمضة والاستنشاق والاستنثار مّرة واحدة . عن لقيط بن صَبِرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا توضّأتَ؛ فمضمِض" (١). و (مضمِض) فِعل أمر، والأمر يفيد الوجوب؛ إلا لقرينة تصرفه -كما هو معروف-. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضّأ؛ فلْيستنثر (٢)، ومن استجمر؛ فليوتر" (٣). قال الشوكاني ﵀: "القول بالوجوب هو الحقّ؛ لأنَّ الله سبحانه قد أمرَ في كتابه العزيز بغسل الوجه، ومحلّ المضمضة والاستنشاق من جملة الوجه، وقد ثبت مداومة النّبيّ ﷺ على ذلك في كلِّ وضوء، ورواه جميع من روى وضوءَه ﷺ وبيَّن صِفته، فأفاد ذلك أنَّ غسل الوجه المأمور به في القرآن

стр. 97

هو المضمضة والاستنشاق. وأيضاً قد ورد الأمر بالاستنشاق والاستنثار في أحاديث صحيحة. وأخرج أبو داود والترمذي من حديث لَقيط بن صَبِرة بلفظ: "إِذا توضأتَ؛ فمَضمِض"، وإسناده صحيح، وقد صحّحه الترمذي والنَّووي وغيرهما، ولم يأتِ من أعلَّه بما يقدح فيه" (١). ٤ - غَسْل الوجه مرّة واحدة . قال ابن كثير في "تفسيره": "وحدُّ الوجه عند الفقهاء ما بين منابت شعر الرأس -ولا اعتبار بالصّلع ولا بالغَمَم (٢) - إِلى منتهى اللحيَيْن والذّقن طولاً، ومن الأذن إِلى الأذن عَرضاً" (٣). ٥ - تخليل اللحية . لحديث أنس ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا توضّأ؛ أخذ كفّاً من ماء، فأدخله تحت حَنَكه؛ فخلّل به لحيته، وقال: "هكذا أمرني ربي " (٤).

стр. 98

٦ - غَسل اليدين إِلى المرفقين (١) مرة واحدة. ٧ - مسح الرأس مرّة واحدة (٢). ٨ - مسح الأذنين مرّة واحدة . لقوله ﷺ : "الأذنان من الرأس" (٣). وبه يقول الإِمام أحمد بن حنبل ﵁. ٩ - غَسل الرّجلين إِلى الكعبين مرّة واحدة . ودليل وجوب غسل هذه الأعضاء: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٤). ١٠ - تخليل أصابع اليدين والرجلين . لقوله ﷺ : "إِذا توضّأْتَ؛ فخلِّلْ أصابعَ يديْك ورِجليْك" (٥). وعن لَقيط بن صَبِرة عن النبيّ ﷺ قال: "إِذا توضّأْتَ؛ فخلِّل

стр. 99

الأصابع " (١). ١١ - الموالاة في الوضوء . واختُلف فيها على أقوال، والراجح فيها الوجوب؛ إِلا إِذا تُركت لعُذر، والله أعلم. قال شيخ الإِسلام ﵀: "الموالاة في الوضوء، فيها ثلاثة أقوال: أحدها: الوجوب مُطلقاً؛ كما يذكره، أصحاب الإِمام أحمد ظاهر مذهبه، وهو القول القديم للشافعي. والثاني: عدم الوجوب مطلقاً؛ كما هو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، والقول الجديد للشافعي. والثالث: الوجوب؛ إلاَّ إِذا تركها لعُذر؛ مثل عدم تمام الماء؛ كما هو المشهور في مذهب مالك". قلت [أي: شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-]: وهذا القول الثالث؛ هو الأظهر والأشبه بأصول الشريعة وبأصول مذهب أحمد وغيره. وذلك أنَّ أدلة الوجوب لا تتناول إِلا المفرِّط، لا تتناول العاجز عن الموالاة، فالحديث الذي هو عُمدة المسألة الذي رواه أبو داود (٢) وغيره عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النّبيّ ﷺ : "أنَّه رأى رجلاً يصلّي وفي ظهر

стр. 100

قدمه لمعة قدْر الدِّرهم لم يُصِبها الماء، فأمره النّبيّ ﷺ أن يُعيد الوضوء والصلاة" (١) فهذه قضيّة عين، والمأمور بالإِعادة مفرّط؛ لأنَّه كان قادراً على غسل تلك اللمعة كما هو قادر على غسل غيرها، وإِنَّما بإِهمالها وعدم تعاهده لجميع الوضوء بقيت اللمعة، نظير الذين كانوا يتوضّؤون وأعقابهم تلوح، فناداهم بأعلى صوته: "ويل للأعقاب من النَّار" (٢). وكذلك الحديث الذي في "صحيح مسلم" (٣) عن عمر ﵁: "أنَّ رجلاً توضّأ، فترك موضع ظُفُر على قدمه، فأبصَره النّبيّ ﷺ ، فقال: "ارجِع فأحسِن وضوءك"، فرجع ثمَّ صلّى (٤) " (٥). ١٢ - التيامن . وهو البدء بغسل اليمين من اليدين والرّجلين، وذلك لعموم ما ورد في التّيامن. ثمَّ لقوله ﷺ : "إِذا لَبِستُم وإذا توضّأتم؛ فابدؤوا بأيامِنكم" (٦).

стр. 101

١٣ - "الدلك لمن كان ذا شعرٍ كثير (١) كثيف" (٢). لأنَّ هذا الشعر قد يحول دون بلوغ الماء موضعه، وما لا يتمّ الواجب إلاَّ به؛ فهو واجب. سُنَن الوضوء ١ - السِّواك: لقوله ﷺ : "لولا أن أشقّ على أُمّتي؛ لأمَرْتُهم بالسواك مع كلّ وضوء" (٣). ويستحبّ السّواك للصائم أوّل النَّهار وآخره؛ للبراءة الأصليّة (٤). ٢ - غَسل الكفّين في أوّل الوضوء . ومن الأدلّة على ذلك: حديث عبد الله بن زيد، وفيه:" ... فأكفأ (٥) على يده من التَّور، فغسل يديه ثلاثاً ... " (٦).

стр. 102

وكذلك حديث حُمران الآتي في النقطة الرابعة: "فأفْرَغ (١) على كفّيه ثلاث مرار، فغسلهما ... ". ٣ - الدَّلك لمن لم يكن ذا شعر طويل كثيف . عن عبد الله بن زيد: "أنَّ النّبيّ ﷺ أُتيَ بثُلُثي مُدّ؛ فجعلَ يدْلُك ذراعه" (٢). ٤ - تثليث الغَسل . وفيه عدة أحاديث؛ منها: ما رواه حُمران مولى عثمان: "أنَّه رأى عثمان بن عفان دعا بإِناءٍ، فأفرغ على كفّيه ثلاث مِرار، فغسلَهما، ثمَّ أدخل يمينه في الإِناء فمضمضَ واستنشقَ، ثمَّ غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إِلى المرفقين ثلاث مرار، ثمَّ مسح برأسه، ثمَّ غسل رجليه ثلاث مرار إِلى الكعبين، ثمَّ قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضّأ نحو وُضوئي هذا، ثمَّ صلّى ركعتين لا يُحدِّث فيهما نفسه؛ غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه" (٣). وعن المطلب بن عبد الله بن حنطب: "أنَّ عبد الله بن عمر- رضي الله

стр. 103

عنهما -توضّأ ثلاثاً ثلاثاً؛ يُسنِد ذلك إِلى النّبيّ ﷺ " (١). وقد ثبتَ عن رسول الله ﷺ : "أنَّه توضّأ مرّتين مرّتين: لحديث عبد الله بن زيد ﵁: " "أنَّ النّبيّ ﷺ توضّأ مرّتين مرتين (٢) " (٣). وعن أبي هريرة ﵁: "أنَّ النّبيّ ﷺ توضّأ مرّتين مرتين" (٤). وثبت عنه ﷺ الوضوء مرّة مرّة: كما في حديث ابن عباس ﵄ قال: "توضّأ النّبيّ ﷺ مرة مرة" (٥). كما صحّ عنه ﷺ غَسل بعض أعضائه مرتين وبعضهما ثلاثاً: كما في حديث عمرو بن يحيى المازنيّ عن أبيه: "أنَّ رجلاً قال لعبد الله ابن زيد -وهو جدُّ عمرو بن يحيى-: أتستطيع أن تُريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضّأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء، فأفرغَ على يديه، فغسل مرّتين، ثمَّ مضمضَ واستنثر ثلاثاً، ثمَّ غسل وجهه ثلاثاً، ثمَّ

стр. 104

غسل يديه مرّتين مرّتين إِلى المرفقين، ثمَّ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر؛ بدأ بمقدَّم رأسه حتى ذهب بهما إِلى قفاه، ثمَّ ردَّهما إِلى المكان الذي بدأ منه، ثمَّ غسل رجليه" (١). ٤ - الدّعاء بعده . وفي ذلك أحاديث، منها: "ما منكم من أحد يتوضّأ فيُبلغ (أو فيُسبغ) الوضوء، ثمَّ يقول: "أشهد أنَّ لا إِله إلا الله وأنَّ محمّداً عبده ورسوله؛ إلاَّ فُتحت له أبواب الجنَّة الثمانية، يدخل من أيِّها شاء" (٢). ٥ - صلاة ركعتين بعده . لحديث أبي هريرة ﵁: "أنَّ النّبيّ ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: "يا بلال! حدّثني بأرجى (٣) عملٍ عملتَه في الإِسلام؛ فإِنّي سمْعت دَفَّ (٤) نعليك بين يديَّ في الجنَّة". قال: "ما عمِلْتُ عملاً أرجى عندي أنِّي لم أتطهَّر طُهوراً في ساعةِ ليلٍ أو نهارٍ؛ إلا صلّيت بذلك الطُّهور ما كُتب لي أن

стр. 105

أصلّي" (١). ما يجب له الوضوء ١ - الصلاة، سواء كانت فرضاً أو نافلة . لقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٢). ولقوله ﷺ : "لا تُقبل صلاة من أحدث حتى يتوضّأ" (٣). ٢ - الطّواف بالبيت . لقوله ﷺ : "الطّواف بالبيت صلاة؛ إلا أنَّ الله أباح فيه الكلام" (٤).

стр. 106

الأمور التي يستحبُّ لها الوضوء ١ - عند ذكر الله . عن المهاجر بن قنفذ ﵁: أنَّه أتى النّبيّ ﷺ وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه حتى توضّأ، ثمَّ اعتذرَ إِليه فقال: "إِنِّي كرهْتُ أن أذكر الله إلا على طُهر (أو قال: على طهارة) " (١). وعن أبي الجهيْم ﵁ قال: "أقبل النّبيّ ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه النّبيّ ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثمَّ ردَّ ﵇" (٢). ويندرج الدعاء تحت الذِّكْر، لا سيّما وقد ورد فيه نصٌّ خاصٌّ: ففي حديث أبي موسى ﵁ قال: "لمّا فرغ النّبيّ ﷺ من حنين؛ بعث أبا عامرٍ على جيش إِلى أوطاس، فلقي دريد بن الصِّمَّة، فقُتل دريد، وهزم الله أصحابه. قال أبو موسى: وبعثَني مع أبي عامر، فرُميَ أبو عامر في ركبته، رماه جُشَميٌّ بسهم فأثبته في ركبته، فانتهيت إِليه، فقلت: يا عمِّ! من رماك؟ فأشار إِلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له، فلحقْتُهُ، فلمَّا رآني؛ ولّى، فاتَّبعْتُه وجعلْت أقول له: ألا تستحي؟! ألا تثبت؟! فكفَّ، فاختلفنا ضربتين بالسيف، فقتلتُه، ثمَّ قلت لأبي عامر: قتَل الله صاحبك.

стр. 107

قال: فانزع هذا السهم. فنزعته، فنزا منه الماء (١). قال: يا ابن أخي! أقرِئ النّبيّ ﷺ السلام، وقل له: استغفِر لي. واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيراً ثمَّ مات. فرجعتُ، فدخلتُ على النّبيّ ﷺ في بيته على سرير مُرمَل (٢)، وعليه فراش قد أثّر رِمال السرير بظهره وجَنْبَيْه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقال: قل له: استغفِر لي. فدعا بماء فتوضّأ، ثمَّ رفع يديه فقال: "اللهمّ اغفر لعبيدٍ أبي عامر". ورأيت بياض إِبطيه، ثمَّ قال: "اللهمّ اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس". فقلت: ولي فاستغفر. فقال: "اللهمّ اغفر لعبد الله بن قيس ذنبَه، وأدخلْه يوم القيامة مُدْخَلاً كريماً". قال أبو بردة: إِحداهما لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى" (٣). قال الحافظ: "يُستفاد منه استحباب التّطهير لإِرادة الدعاء، ورفْع اليدين في الدعاء؛ خلافاً لمن خصَّ ذلك بالاستسقاء". ٢ - عند كلِّ صلاة . عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن أشقّ

стр. 108

على أمّتي؛ لأمَرْتهم عند كلِّ صلاة بوُضوء، ومع كلِّ وُضوء بسواك" (١). وعن عبد الله بن عبد الله بن عمر؛ قال: "قلت: أرأيت توضؤ ابن عمر لكلّ صلاة طاهراً وغير طاهر؟ عمَّ ذاك؟ فقال: حدَّثَتنيه أسماء بنت زيد بن الخطَّاب: أنَّ عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر حدّثها: أنَّ رسول الله ﷺ أمر بالوضوء لكلّ صلاة طاهراً وغير طاهر، فلمّا شقَّ ذلك عليه؛ أمَر بالسواك لكل صلاة، فكان ابن عمر يرى أنَّ به قوَّة، فكان لا يدَع الوضوء لكلّ صلاة" (٢). ٣ - الوضوء عند كلّ حدث . لحديث بريدة بن الحصيب؛ قال: "أصبح رسول الله ﷺ يوماً، فدعا بلالاً، فقال: "يا بلال! بما سبقْتني إِلى الجنّة؟! إِنِّي دخلْتُ البارحة الجنّة، فسمعت خشخشتك أمامي". فقال بلال: يا رسول الله! ما أذّنْتُ قطّ إلاّ صلّيت ركعتين، ولا أصابني حدث قطّ إلا توضّأت عنده، فقال رسول الله ﷺ : "لهذا" (٣). ٤ - الوضوء (٤) مِن حَمْل الميت:

стр. 109

لقوله ﷺ : "من غسَّلَ ميتاً؛ فليغتسل، ومن حمله؛ فليتوضّأ" (١). ٥ - الوضوء للجُنب إِذا نام دون اغتسال (٢): وفيه أحاديث منها: عن أبي سلمة؛ قال: سألْتُ عائشة: أكان النّبيّ ﷺ يرقد وهو جُنب؟ قالت: "نعم، ويتوضّأ" (٣). وعن ابن عمر ﵄: أنَّ عمر سألَ رسول الله ﷺ : أيرقد أحدُنا وهو جُنُب؟ قال: "نعم؛ إِذا توضّأ أحدُكم؛ فليرقد وهو جُنُب" (٤). ٦ - الوضوء للجُنب إِذا أراد الأكل . عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إِذا كان جُنُباً، فأراد أن يأكل أو ينام؛ توضّأ وضوءه للصّلاة" (٥).

стр. 110

٧ - المعاودة للجماع . عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدُكم أهله، ثمَّ أراد أن يعود؛ فليتوضّأ" (١). ٨ - الوضوء من القيء . لحديث مَعدان بن أبي طلحة عن أبي الدّرداء: "أنَّ رسول الله ﷺ قاء، فأفطر، فتوضّأ"، فلقيتُ (٢) ثوبان في مسجد دمشق، فذكرْتُ له، فقال (٣): صدق (٤)، أنا صببتُ له وضوءه (٥). ٩ - الوضوء من أكل ما مسّته النار . وقد دلَّ على وجوب الوضوء: ما روته عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ : "توضؤوا ممّا مسّت النَّار" (٦). وأيضاً حديث عبد الله بن إِبراهيم بن قارظ: "أنَّه وجد أبا هريرة يتوضّأ على المسجد، فقال: إِنَّما أتوضّأ من أثوار أقط أكلتها؛ لأنّي سمعتُ رسول الله
следующие страницы →